«كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٨٥

الحديث رقم ٦٣٨٥ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء إذا أراد سفرا أو رجع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٣٨٥ في صحيح البخاري

«كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.»

بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ

إسناد حديث رقم ٦٣٨٥ من صحيح البخاري

٦٣٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٣٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا عَلَا عَقَبَةً) كَذَا تَرْجَمَ بِالدُّعَاءِ وَأَوْرَدَ فِي الْحَدِيثِ التَّكْبِيرَ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا فَسَمَّى التَّكْبِيرَ دُعَاءً.

قَوْلُهُ: (أَيُّوبُ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ.

قَوْلُهُ: (ارْبَعُوا) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيِ: ارْفُقُوا وَلَا تُجْهِدُوا أَنْفُسَكُمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ) يَأْتِي بَيَانُهُ فِي التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (كَنْز) سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَنْزًا؛ لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ؟ إِلَخْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، هَلْ قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - أَلَا أَدُلُّكَ إِلَخْ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَوَقَعَ فِي هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ بَيَانُ سَبَبِ قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ: فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَصَمًّا وَكَأَنَّهُ لِمُنَاسَبَةِ غَائِبًا وَقَوْلُهُ: بَصِيرًا وَوَقَعَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ: قَرِيبًا وَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقَوْلُهُ: لَا حَوْلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى كَنْزٍ وَفِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَفِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ هُوَ.

٥١ - بَاب الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا

فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا) فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ كَذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، وَفِي بَابِ التَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. وَقَالَ بَعْدَهُ: بَابُ التَّكْبِيرِ إِذَا عَلَا شَرَفًا وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ أَيْضًا، لَكِنْ بِلَفْظِ: وَإِذَا تَصَوَّبْنَا بَدَلَ نَزَلْنَا وَالتَّصْوِيبُ: الِانْحِدَارُ، وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ: هَبَطْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَشَرْتُ إِلَى شَرْحِهِ هُنَاكَ، وَمُنَاسَبَةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الصُّعُودِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ وَالِارْتِفَاعَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ؛ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِشْعَارِ الْكِبْرِيَاءِ فَشُرِعَ لِمَنْ تَلَبَّسَ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ كِبْرِيَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيُكَبِّرُهُ؛ لِيَشْكُرَ لَهُ ذَلِكَ فَيَزِيدَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَمُنَاسَبَةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ الْهُبُوطِ؛ لِكَوْنِ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مَحَلَّ ضِيقٍ فَيُشْرَعُ فِيهِ التَّسْبِيحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْفَرَجِ، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ حِينَ سَبَّحَ فِي الظُّلُمَاتِ فَنُجِّيَ مِنَ الْغَمِّ.

٥٢ - بَاب الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ رَجَعَ. فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ

٦٣٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ رَجَعَ، فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ، لَكِنْ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ بَدَلَ لَفْظِ بَابِ. وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ فِيمَا أَظُنُّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوَّلَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ أَقْبَلَ مِنْ خَيْبَرَ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ فَإِنَّ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ، وَفِي الْأَدَبِ، وَفِي أَوَاخِرِ اللِّبَاسِ، وَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ إِلَّا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ هُنَا، فَوَعَدْتُ بِشَرْحِهِ هُنَا. وَإِسْمَاعِيلُ فِي الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. قَوْلُهُ (كَانَ إِذَا قَفَلَ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ أَيْ رَجَعَ وَزْنَهُ وَمَعْنَاهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَوَّلِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ الْحَدِيثَ، وَإِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا أَرَادَ سَفَرًا.

قَوْلُهُ (مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَلْ يُشْرَعُ قَوْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَفَرٍ إِذَا كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ كَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، لِمَا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ مِنِ اسْمِ الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: يَتَعَدَّى أَيْضًا إِلَى الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ فِيهِ لَا ثَوَابَ لَهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ، وَقِيلَ: يُشْرَعُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُرْتَكِبَهَا أَحْوَجُ إِلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ لَا يَمْنَعُ مَنْ سَافَرَ فِي مُبَاحٍ وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ مِنَ الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي خُصُوصِ هَذَا الذِّكْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الِاخْتِصَاصِ لِكَوْنِهَا عِبَادَاتٍ مَخْصُوصَةً شُرِعَ لَهَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ فَتَخْتَصُّ بِهِ كَالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ عَقِبَ الْأَذَانِ وَعَقِبَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الصَّحَابِيُّ عَلَى الثَّلَاثِ لِانْحِصَارِ سَفَرِ النَّبِيِّ فِيهَا، وَلِهَذَا تَرْجَمَ بِالسَّفَرِ، عَلَى أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ فَتَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْغَزْوِ أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ.

قَوْلُهُ (يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ هُوَ الْمَكَانُ الْعَالِي، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ إِذَا أَوْفَى أَيِ ارْتَفَعَ عَلَى ثَنِيَّةٍ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ هِيَ الْعَقَبَةُ أَوْ فَدْفَدُ بِفَتْحِ الْفَاءِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ فَاءٌ ثُمَّ دَالٌ وَالْأَشْهَرُ تَفْسِيرُهُ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ، وَقِيلَ: الْفَلَاةُ الْخَالِيَةُ مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: غَلِيظُ الْأَوْدِيَةِ ذَاتِ الْحَصَى.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .. إِلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهَذَا الذِّكْرِ عَقِبَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَمَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مُتَّسِعًا أَكْمَلَ الذِّكْرَ الْمَذْكُورَ فِيهِ وَإِلَّا فَإِذَا هَبَطَ سَبَّحَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكْمِلَ الذِّكْرَ مُطْلَقًا عَقِبَ التَّكْبِيرِ ثُمَّ يَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِي تَعْقِيبِ التَّكْبِيرِ بِالتَّهْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْمُتَفَرِّدَ بِإِيجَادِ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَأَنَّهُ الْمَعْبُودُ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ.

قَوْلُهُ: (آيِبُونَ) جَمْعُ آيِبٍ أَيْ رَاجِعٍ وَزْنَهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ نَحْنُ آيِبُونَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ بِمَحْضِ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ بَلِ الرُّجُوعُ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ تَلَبُّسُهُمْ بِالْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالِاتِّصَافُ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْلُهُ تَائِبُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ وَقَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَوِ الْمُرَادُ أُمَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ التَّوْبَةُ لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الطَّاعَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادَ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ.

قَوْلُهُ (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أَيْ فِيمَا وَعَدَ بِهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ إِذَا قَفَلَ) رجعَ (مِنْ غَزْوٍ (١) أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أو غيرها من الأسفار (يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتح الشين المعجمة والراء بعدها فاء، مكانٍ عالٍ (مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ) عقب التَّكبير وهو على الشَّرَفِ أو بعده: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحن (٢) راجعونَ إلى الله، نحن (تَائِبُونَ) قاله تعليمًا لأمَّته (٣)، أو تواضعًا منه ، نحن (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) له، وقوله: «لربِّنا» متعلِّقٌ بـ «عابدون»، أو بـ «حامدون» أو بهما، أو بالثَّلاثة السَّابقة، أو بالأربعةِ على طريق التَّنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعدَ به من إظهارِ دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الَّذين تحزَّبوا لحربهِ (وَحْدَهُ) أفنى السَّبب فناءً في المسبِّب. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ولم يذكر المؤلِّف الدُّعاء إذا أراد سفرًا، ولعلَّه يشيرُ إلى نحو ما وقع عند مسلمٍ في رواية عليِّ بن عبد الله الأزديِّ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ كان إذا استَوى على بعيرهِ خارجًا إلى سفرٍ كبَّر ثلاثًا، ثمَّ قال: «سُبحانَ الَّذِي سخَّرَ لنا هذا» الحديث، وفيه: وإذا رجعَ، قال: «آيِبُونَ تَائبُونَ» ولا اختصاصَ للحجِّ والعمرةِ والغزو عندَ الجمهور، بل يُشرع ذلك في كلِّ سفرٍ.

(٥٣) (باب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا عَلَا عَقَبَةً) كَذَا تَرْجَمَ بِالدُّعَاءِ وَأَوْرَدَ فِي الْحَدِيثِ التَّكْبِيرَ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا فَسَمَّى التَّكْبِيرَ دُعَاءً.

قَوْلُهُ: (أَيُّوبُ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ.

قَوْلُهُ: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ.

قَوْلُهُ: (ارْبَعُوا) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، أَيِ: ارْفُقُوا وَلَا تُجْهِدُوا أَنْفُسَكُمْ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ) يَأْتِي بَيَانُهُ فِي التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ: (كَنْز) سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَنْزًا؛ لِأَنَّهَا كَالْكَنْزِ فِي نَفَاسَتِهِ وَصِيَانَتِهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ؟ إِلَخْ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، هَلْ قَالَ: قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً إِلَخْ وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - أَلَا أَدُلُّكَ إِلَخْ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَوَقَعَ فِي هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ بَيَانُ سَبَبِ قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ وَفِي رِوَايَةِ خَالِدٍ: فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: أَصَمًّا وَكَأَنَّهُ لِمُنَاسَبَةِ غَائِبًا وَقَوْلُهُ: بَصِيرًا وَوَقَعَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ: قَرِيبًا وَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقَوْلُهُ: لَا حَوْلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى كَنْزٍ وَفِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَفِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ هُوَ.

٥١ - بَاب الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا

فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا) فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ كَذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ، وَفِي بَابِ التَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًا مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. وَقَالَ بَعْدَهُ: بَابُ التَّكْبِيرِ إِذَا عَلَا شَرَفًا وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ أَيْضًا، لَكِنْ بِلَفْظِ: وَإِذَا تَصَوَّبْنَا بَدَلَ نَزَلْنَا وَالتَّصْوِيبُ: الِانْحِدَارُ، وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ: هَبَطْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَشَرْتُ إِلَى شَرْحِهِ هُنَاكَ، وَمُنَاسَبَةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الصُّعُودِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ وَالِارْتِفَاعَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ؛ لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِشْعَارِ الْكِبْرِيَاءِ فَشُرِعَ لِمَنْ تَلَبَّسَ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ كِبْرِيَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَيُكَبِّرُهُ؛ لِيَشْكُرَ لَهُ ذَلِكَ فَيَزِيدَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَمُنَاسَبَةُ التَّسْبِيحِ عِنْدَ الْهُبُوطِ؛ لِكَوْنِ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ مَحَلَّ ضِيقٍ فَيُشْرَعُ فِيهِ التَّسْبِيحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الْفَرَجِ، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ حِينَ سَبَّحَ فِي الظُّلُمَاتِ فَنُجِّيَ مِنَ الْغَمِّ.

٥٢ - بَاب الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ رَجَعَ. فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ

٦٣٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ رَجَعَ، فِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ، لَكِنْ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ بَدَلَ لَفْظِ بَابِ. وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ فِيمَا أَظُنُّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوَّلَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ أَقْبَلَ مِنْ خَيْبَرَ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ فَإِنَّ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ الْجِهَادِ، وَفِي الْأَدَبِ، وَفِي أَوَاخِرِ اللِّبَاسِ، وَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ إِلَّا الْكَلَامَ الْأَخِيرَ هُنَا، فَوَعَدْتُ بِشَرْحِهِ هُنَا. وَإِسْمَاعِيلُ فِي الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. قَوْلُهُ (كَانَ إِذَا قَفَلَ) بِقَافٍ ثُمَّ فَاءٍ أَيْ رَجَعَ وَزْنَهُ وَمَعْنَاهُ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي أَوَّلِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ: آيِبُونَ تَائِبُونَ الْحَدِيثَ، وَإِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِقَوْلِهِ: إِذَا أَرَادَ سَفَرًا.

قَوْلُهُ (مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثِ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بَلْ يُشْرَعُ قَوْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَفَرٍ إِذَا كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ كَصِلَةِ الرَّحِمِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، لِمَا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ مِنِ اسْمِ الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: يَتَعَدَّى أَيْضًا إِلَى الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ فِيهِ لَا ثَوَابَ لَهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ، وَقِيلَ: يُشْرَعُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُرْتَكِبَهَا أَحْوَجُ إِلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ لَا يَمْنَعُ مَنْ سَافَرَ فِي مُبَاحٍ وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ مِنَ الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي خُصُوصِ هَذَا الذِّكْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الِاخْتِصَاصِ لِكَوْنِهَا عِبَادَاتٍ مَخْصُوصَةً شُرِعَ لَهَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ فَتَخْتَصُّ بِهِ كَالذِّكْرِ الْمَأْثُورِ عَقِبَ الْأَذَانِ وَعَقِبَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الصَّحَابِيُّ عَلَى الثَّلَاثِ لِانْحِصَارِ سَفَرِ النَّبِيِّ فِيهَا، وَلِهَذَا تَرْجَمَ بِالسَّفَرِ، عَلَى أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ فَتَرْجَمَ فِي أَوَاخِرِ أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْغَزْوِ أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ.

قَوْلُهُ (يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ هُوَ الْمَكَانُ الْعَالِي، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ إِذَا أَوْفَى أَيِ ارْتَفَعَ عَلَى ثَنِيَّةٍ بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ هِيَ الْعَقَبَةُ أَوْ فَدْفَدُ بِفَتْحِ الْفَاءِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ فَاءٌ ثُمَّ دَالٌ وَالْأَشْهَرُ تَفْسِيرُهُ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ، وَقِيلَ: الْفَلَاةُ الْخَالِيَةُ مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: غَلِيظُ الْأَوْدِيَةِ ذَاتِ الْحَصَى.

قَوْلُهُ (ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .. إِلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِهَذَا الذِّكْرِ عَقِبَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَمَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مُتَّسِعًا أَكْمَلَ الذِّكْرَ الْمَذْكُورَ فِيهِ وَإِلَّا فَإِذَا هَبَطَ سَبَّحَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكْمِلَ الذِّكْرَ مُطْلَقًا عَقِبَ التَّكْبِيرِ ثُمَّ يَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَفِي تَعْقِيبِ التَّكْبِيرِ بِالتَّهْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْمُتَفَرِّدَ بِإِيجَادِ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَأَنَّهُ الْمَعْبُودُ فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ.

قَوْلُهُ: (آيِبُونَ) جَمْعُ آيِبٍ أَيْ رَاجِعٍ وَزْنَهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ نَحْنُ آيِبُونَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْإِخْبَارَ بِمَحْضِ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ بَلِ الرُّجُوعُ فِي حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ تَلَبُّسُهُمْ بِالْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالِاتِّصَافُ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْلُهُ تَائِبُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ وَقَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَوِ الْمُرَادُ أُمَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ التَّوْبَةُ لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الطَّاعَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادَ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ.

قَوْلُهُ (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أَيْ فِيمَا وَعَدَ بِهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بنُ أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «عبد الله» (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ إِذَا قَفَلَ) رجعَ (مِنْ غَزْوٍ (١) أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أو غيرها من الأسفار (يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتح الشين المعجمة والراء بعدها فاء، مكانٍ عالٍ (مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ) عقب التَّكبير وهو على الشَّرَفِ أو بعده: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحن (٢) راجعونَ إلى الله، نحن (تَائِبُونَ) قاله تعليمًا لأمَّته (٣)، أو تواضعًا منه ، نحن (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) له، وقوله: «لربِّنا» متعلِّقٌ بـ «عابدون»، أو بـ «حامدون» أو بهما، أو بالثَّلاثة السَّابقة، أو بالأربعةِ على طريق التَّنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) فيما وعدَ به من إظهارِ دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الَّذين تحزَّبوا لحربهِ (وَحْدَهُ) أفنى السَّبب فناءً في المسبِّب. قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ولم يذكر المؤلِّف الدُّعاء إذا أراد سفرًا، ولعلَّه يشيرُ إلى نحو ما وقع عند مسلمٍ في رواية عليِّ بن عبد الله الأزديِّ عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ كان إذا استَوى على بعيرهِ خارجًا إلى سفرٍ كبَّر ثلاثًا، ثمَّ قال: «سُبحانَ الَّذِي سخَّرَ لنا هذا» الحديث، وفيه: وإذا رجعَ، قال: «آيِبُونَ تَائبُونَ» ولا اختصاصَ للحجِّ والعمرةِ والغزو عندَ الجمهور، بل يُشرع ذلك في كلِّ سفرٍ.

(٥٣) (باب الدُّعَاءِ لِلْمُتَزَوِّجِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل