«يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَة�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٣٤

الحديث رقم ٦٤٣٤ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذهاب الصالحين ويقال الذهاب المطر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة…

«يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.

سند حديث: ٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ…

٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة…

يخبرنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يقبض الله أرواح الصالحين، ويبقى أناس ليسوا أهلًا للعناية، فلا يرفع الله لهم قدراً ولا يقيم لهم وزناً ولا يرحمهم ولا ينزل عليهم الرحمة وهم شرار الخلق عند الله وعليهم تقوم الساعة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن موت الصالحين وأهل العلم والفضل من أشراط الساعة.
  • الندب إلى الاقتداء بأهل الخير، والتحذير من مخالفتهم.
  • لا يبقى في آخر الزمان إلا أهل الجهل ممن لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَطْلَقَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقَيَّدَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ بِلَفْظِ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَهُ فَيُصَلِّي صَلَاةً وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ فَيُصَلِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَزَادَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا أَيِ الَّتِي سَبَقَتْهَا، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنَّ التَّقَدُّمَ خَاصٌّ بِالزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطَّهُورَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُنَّ، وَتَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ حُمْرَانَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عُثْمَانَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يَغْشَ الْكَبِيرَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَاضِحًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِحُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ حَدِيثَيْنِ فِي هَذَا: أَحَدُهُمَا: مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَالْآخَرُ: فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ.

قَوْلُهُ (قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَغْتَرُّوا) قَدَّمْتُ شَرْحَهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَاصِلُهُ: لَا تَحْمِلُوا الْغُفْرَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَتَسْتَرْسِلُوا فِي الذُّنُوبِ اتِّكَالًا عَلَى غُفْرَانِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ هِيَ الْمَقْبُولَةُ، وَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وظَهَرَ لِي جَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفَّرَ بِالصَّلَاةِ هِيَ الصَّغَائِرُ فَلَا تَغْتَرُّوا فَتَعْمَلُوا الْكَبِيرَةَ بِنَاءً عَلَى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالصَّغَائِرِ، أَوْ لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنَ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهَا بِالْإِصْرَارِ تُعْطَى حُكْمَ الْكَبِيرَةِ فَلَا يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ فَلَا يَنَالُهُ مَنْ هُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٩ - بَاب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ، وَيُقَالُ: الذِّهَابُ الْمَطَرُ.

٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) أَيْ مَوْتُهُمْ.

قَوْلُهُ (وَيُقَالُ الذَّهَابُ الْمَطَرُ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الذَّهَابِ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْمُضِيِّ وَعَلَى الْمَطَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الذَّهَابُ الْأَمْطَارُ اللَّيِّنَةُ وَهُوَ جَمْعُ ذِهْبَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) هُوَ مِنْ قُدَمَاءِ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ.

قَوْلُهُ (عَنْ بَيَانٍ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيُّ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَيِ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْوُحْدَانِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَوَقَعَ فِي التَّهْذِيبِ لِلْمِزِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ مِرْدَاسٍ هَذَا أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ أَيْضًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِرْدَاسٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ أَبُو

عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ عَنْ مِرْدَاسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مِرْدَاسُ بْنُ غَرْوَةَ. وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَالرَّازِيُّ، وَالْبُسْتِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ.

قَوْلُهُ (يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يُقْبَضُ بَدَلَ يَذْهَبُ، وَالْمُرَادُ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ بَيَانٍ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَيُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. وَالثَّانِيَةُ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى.

قَوْلُهُ (وَيَبْقَى حُثَالَةٌ أَوْ حُفَالَةٌ) هُوَ شَكٌّ هَلْ هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ حُثَالَةٌ بِالْمُثَلَّثَةِ جَزْمًا.

قَوْلُهُ (كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَيَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ فَقَطْ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مِثْلُ حُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ حُثَالَةٌ وَحُفَالَةٌ؛ يَعْنِي أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُثَالَةُ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: آخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَأَرْدَؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُثَالَةُ سَقَطُ النَّاسِ، وَأَصْلُهَا مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُشُورِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَا يَسْقُطُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَ الْغَرْبَلَةِ، وَيَبْقَى مِنَ التَّمْرِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَوَجَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيَّةِ امْرَأَةِ عُمَرَ بِلَفْظِ: تَذْهَبُونَ الْخَيِّرُ فَالْخَيِّرُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ، يَنْزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ نَزْوَ الْمَعْزِ، أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا، يُقَالُ: بَالَيْتُ بِفُلَانٍ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالَاةً وَبَالِيَةً وَبَالَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُ بَالَةٍ بَالِيَةٍ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا، وَتُعُقِّبَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ بِأَنَّ بَالِيَةً لَيْسَ مَصْدَرًا لِبَالَيْتُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَصْدَرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: سَمِعْتُهُ فِي الْوَقْفِ بَالَةً، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ فِي الدَّرْجِ، وَالْأَصْلُ بَالَيْتُهُ بَالَاةً فَكَأَنَّ الْأَلِفَ حُذِفَتْ فِي الْوَقْفِ كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي مَصْدَرِهِ بَالَاةً. قَالَ: وَلَوْ عَلِمَ الْقَابِسِيُّ مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَالَةً مَصْدَرٌ مُصَارٌ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ.

قُلْتُ: تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ بَيَانٍ بِلَفْظِ: لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: لَا يُبَالِي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، وَعَنْ هُنَا بِمَعْنَى الْبَاءِ، يُقَالُ: مَا بَالَيْتُ بِهِ وَمَا بَلَيْتُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَعْبَأُ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، أَيْ لَا يُبَالِي، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِبْءِ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، وَهُوَ الثِّقَلُ، فَكَأَنَّ مَعْنَى لَا يَعْبَأُ بِهِ أَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَهُ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْفَزَارِيَّةِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: عَلَى أُولَئِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوْتَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ انْقِرَاضُ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الشَّرِّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ عَالِمٍ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ صِرْفًا، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْفِتَنِ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيه): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ، أَيْ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

١٠ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ (١) … فِيهَا الذِّهَابُ وَحَفَّتْهَا البَرَاعِيمُ

والبراعيم (٢): رمالٌ فيها داراتٌ (٣) تُنْبت البقل، وقوله: «وَيُقَالُ: الذِّهَابُ المَطَرُ» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي فقط.

٦٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والتَّحتية المخففة، ابن بِشْر -بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة- الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة وبعد الألف زاي (عَنْ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة، ابن مالكٍ (الأَسْلَمِيِّ) ممَّن بايع تحت الشَّجرة، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ) عند الإسماعيليِّ: «يقبض الصَّالحون» أي: تُقبض أرواحهم (الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) الرَّديءِ من كلٍّ، أو ما يتساقطُ من قُشُورهما (٤)، أو ما يسقطُ من الشَّعير عند الغربلةِ، ويبقى من التَّمر بعد الأكلِ، و «أو» للشَّكِّ أو للتَّنويع (لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ) بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (بَالَةً) بتخفيف اللَّام، أي: لا يرفعُ الله لهم قدرًا ولا يقيمُ لهم وزنًا، وبالةٌ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو فِي الْمَسْجِد " وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن حمْرَان فَيصَلي الْمَكْتُوبَة وَفِي رِوَايَة أبي صَخْرَة عَن حمْرَان " مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطّهُور الَّذِي كتب عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما بَينهُنَّ " قَوْله غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه يَعْنِي الذَّنب الَّذِي بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَأما مَا بَينه وَبَين الْعباد فَلَا يغْفر إِلَّا بإرضاء الْخصم قَوْله لَا تغتروا فتجسرون على الذُّنُوب معتمدين على الْمَغْفِرَة للذنوب فَإِن ذَلِك بِمَشِيئَة الله عز وَجل

(بَاب ذهَاب الصَّالِحين)

أَي هَذَا بَاب فِي ذكر ذهَاب الصَّالِحين أَي مَوْتهمْ وَذَهَاب الصَّالِحين من أَشْرَاط السَّاعَة وَقرب فنَاء الدُّنْيَا

(وَيُقَال الذّهاب الْمَطَر) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَحده وَقَالَ بَعضهم مُرَاده أَن لفظ الذّهاب مُشْتَرك بَين الْمُضِيّ والمطر قلت لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذّهاب بِمَعْنى الْمُضِيّ بِفَتْح الذَّال والذهاب بِمَعْنى الْمَطَر بِكَسْرِهَا قَالَ صَاحب الْمُحكم الذهبة بِالْكَسْرِ المطرة الضعيفة وَالْجمع الذّهاب

٢٢ - (حَدثنِي يحيى بن حَمَّاد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن بَيَان عَن قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حفالة كحفالة الشّعير أَو التَّمْر لَا يباليهم الله بالة) مطابتقه للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي الْحيض بِوَاسِطَة الْحسن بن مدرك وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي ومرداس بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء ابْن مَالك الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة ثمَّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ مَعْدُود فِي أَهلهَا والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس الخ قَوْله يذهب وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ يقبض بدل يذهب أَي يقبض أَرْوَاحهم قَوْله الأول أَي يذهب الأول فَالْأول عطف عَلَيْهِ قَوْله حفالة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَهِي الرذائل من كل شَيْء وَيُقَال هِيَ مَا يبْقى من آخر الشّعير وَمن التَّمْر أردؤه وَقَالَ ابْن التِّين الحفالة سقط النَّاس وَأَصلهَا مَا يتساقط من قشور التَّمْر وَالشعِير وَغَيرهمَا وَقَالَ الدَّاودِيّ الحفالة مَا يسْقط من الشّعير عِنْد الغربلة وَيبقى من التَّمْر بعد الْأكل قَوْله أَو التَّمْر يحْتَمل الشَّك والتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الحميد كحثالة الشّعير فَقَط وَفِي رِوَايَة يحيى لَا يبْقى إِلَّا مثل حثالة التَّمْر وَالشعِير والحثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة مثل الحفالة يتعاقبان كَقَوْلِهِم فوم وثوم قَوْله لَا يباليهم الله قَالَ الْخطابِيّ أَي لَا يرفع لَهُم قدر أَو لَا يُقيم لَهُم وزنا وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن بَيَان تقدّمت فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ لَا يعبأ الله بهم شَيْئا وَفِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد لَا يُبَالِي الله عَنْهُم وَكلمَة عَن هَهُنَا بِمَعْنى الْبَاء يُقَال مَا باليت بِهِ وَمَا باليت عَنهُ قَوْله بالة اسْم لمصدر وَلَيْسَ مصدرا لباليت وَقيل أَصله بالية فحذفت الْيَاء تَخْفِيفًا كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت يُقَال باليت بالشَّيْء مبالاة وبالة وبالية

(قَالَ أَبُو عبد الله يُقَال حفالة وحثالة) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَأَرَادَ بِهِ أَن حفالة وحثالة بِالْفَاءِ والثاء الْمُثَلَّثَة بِمَعْنى وَاحِد

(بَاب مَا يتقى من فتْنَة المَال)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتقى على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " من فتْنَة المَال " أَي الِانْتِهَاء بِهِ وَمعنى الْفِتْنَة فِي كَلَام الْعَرَب الاختبار

والابتلاء والفتنة الإمالة عَن الْقَصْد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} أَي ليميلونك والفتنة أَيْضا الاحتراق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَوْم هم على النَّار يفتنون} أَي يحرقون قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي والامتلاء والاختبار يجمع ذَلِك كُله

(وَقَول الله تَعَالَى {أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة} ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله من فتْنَة المَال وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد أَنَّهَا فتْنَة لِأَنَّهَا تشغل النَّاس عَن الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى {أَلْهَاكُم التكاثر} أَي شغلكم التكاثر وَخرج لفظ الْخطاب بذلك على الْعُمُوم لِأَن الله تَعَالَى فطر الْعباد على حب المَال وَالْأَوْلَاد وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه من حَدِيث كَعْب بن عِيَاض سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول إِن لكل أمة فتْنَة وفتنة أمتِي المَال

٢٣ - (حَدثنِي يحيى بن يُوسُف أخبرنَا أَبُو بكر عَن أبي حُصَيْن عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تعس عبد الدِّينَار وَالدِّرْهَم والقطيفة والخيمصة إِن أعطي رَضِي وَإِن لم يُعْط لم يرض) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَلْدَة يُقَال لَهَا زم وَيُقَال لَهُ ابْن أبي كَرِيمَة فَقيل هُوَ كنية أَبِيه وَقيل هُوَ جده واسْمه كنيته أخرج عَنهُ البُخَارِيّ بِغَيْر وَاسِطَة فِي الصَّحِيح وبواسطة خَارج الصَّحِيح وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمُحدث وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان بن عَاصِم وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن يحيى أَيْضا متْنا وإسنادا فِي بَاب الحراسة فِي الْغَزْو وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن الْحسن بن حَمَّاد عَن يحيى بِهِ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَافق أَبَا بكر على رَفعه شريك القَاضِي وَقيس بن الرّبيع عَن أبي حُصَيْن وَخَالفهُم إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَن أبي حُصَيْن مَوْقُوفا قَوْله تعس بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَفتحهَا أَي سقط وَالْمرَاد هُنَا هلك وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي التعس الشَّرّ قَالَ تَعَالَى {فتعسا لَهُم} أَرَادَ ألزمهم الشَّرّ وَقيل التعس الْبعد أَي بعدا لَهُم وَقيل قَوْلهم تعسا لَهُ نقيض قَوْلهم لعا لَهُ فتعسا دُعَاء عَلَيْهِ بالعثرة ولعا دُعَاء لَهُ بالانتعاش قَوْله عبد الدِّينَار أَي طَالبه وخادمه والحريص على جمعه والقائم على حفظه فَكَأَنَّهُ لذَلِك عَبده وَقَالَ شيخ شَيخنَا الطَّيِّبِيّ خص العَبْد بِالذكر ليؤذن بانغماسه فِي محبَّة الدُّنْيَا وشهواتها كالأسير الَّذِي لَا يجد خلاصا وَلم يقل مَالك الدِّينَار وَلَا جَامع الدِّينَار لِأَن المذموم من الْملك وَالْجمع الزِّيَادَة على قدر الْحَاجة قَوْله والقطيفة الدثار المخمل وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي لَهُ خمل والخميصة الكساء الْأسود المربع قَوْله إِن أعطي على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا وَإِن لم يُعْط قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون}

٢٤ - (حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من مَال لابتغى ثَالِثا وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَشَارَ بِهَذَا الْمثل إِلَى ذمّ الْحِرْص على الدُّنْيَا والشره والازدياد وَهَذِه آفَة يجب الاتقاء مِنْهَا وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يروي بِالسَّمَاعِ عَن ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح فِيهَا ابْن عَبَّاس بِسَمَاعِهِ من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مرويه عَنهُ فَإِنَّهُ أحد المكثرين وَمَعَ ذَلِك فتحمله كَانَ أَكْثَره عَن كبار الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَهَارُون بن عبد الله قَوْله لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان وَفِي الحَدِيث يَلِيهِ لَو كَانَ لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا وَفِي الحَدِيث الآخر لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا وَفِي الآخر

لَو أَن لِابْنِ آدم واديان قَوْله من مَال وَفِي الحَدِيث الثَّالِث مَلأ من ذهب وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَاديا من ذهب وَعند أَحْمد فِي حَدِيث زيد بن أَرقم " من ذهب وَفِضة " قَوْله " لابتغى " بالغين الْمُعْجَمَة من الابتغاء وَهُوَ الطّلب وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله " وَفِي حَدِيث أنس " لتمنى مثله ثمَّ تمنى مثله حَتَّى يتَمَنَّى أَوديَة " وَفِي الحَدِيث الثَّالِث " أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا " وَفِي الرَّابِع أحب إِلَيْهِ أَن يكون لَهُ وَاديا وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله لابتغى لَهما ثَالِثا فَزَاد لَفْظَة لَهما فِي شَرحه ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الابتغاء لَا يسْتَعْمل بِاللَّامِ قلت هَذَا مُتَعَلق بقوله ثَالِثا أَي ثَالِثا لَهما أَي مثلثهما انْتهى قَوْله وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم " وَفِي الثَّالِث " وَلَا يسد جَوف ابْن آدم " وَفِي الرَّابِع " وَلنْ يمْلَأ فَاه " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن جريج لَا يمْلَأ نفس ابْن آدم وَفِي مُرْسل جُبَير بن يُغير وَلَا يشْبع جَوف ابْن آدم بِضَم الْيَاء من الإشباع وَفِي حَدِيث زيد بن أَرقم " وَلَا يمْلَأ بطن ابْن آدم " وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا وَجه ذكره فِي الرِّوَايَة الأولى الْجوف وَفِي الثَّانِيَة الْعين وَفِي الثَّالِثَة الْفَم قلت لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ الْحَقِيقَة بِقَرِينَة عدم الانحصار على التُّرَاب إِذْ غَيره يملؤه أَيْضا بل هُوَ كِنَايَة عَن الْمَوْت لِأَنَّهُ مُسْتَلْزم للامتلاء فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يشْبع سنّ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوت فالغرض من الْعبارَات كلهَا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التفنن فِي الْكَلَام وَقَالَ بَعضهم هَذَا يحسن فِيمَا إِذا اخْتلفت مخارج الحَدِيث وَأما إِذا اتّحدت فَهُوَ من تصرف الروَاة انْتهى قلت إحالته على كَلَام الشَّارِع أولى من إحالته إِلَى تصرف الروَاة مَعَ أَن فِيهِ تَغْيِير لفظ الشَّارِع فَإِن قلت نِسْبَة الامتلاء إِلَى الْجوف والبطن وَاضِحَة فَمَا وَجههَا إِلَى النَّفس والفم وَالْعين قلت أما النَّفس فَعبر بهَا عَن الذَّات وَأَرَادَ الْبَطن من قبيل إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء وَأما الْفَم فلكونه الطَّرِيق إِلَى الْوُصُول إِلَى الْجوف وَأما الْعين فَلِأَنَّهَا الأَصْل فِي الطّلب لِأَنَّهُ يرى مَا يُعجبهُ فيطلبه ليحوزه إِلَيْهِ وَخص الْبَطن فِي أَكثر الرِّوَايَات لِأَن أَكثر مَا يطْلب المَال لتَحْصِيل المستلذات وأكثرها تكْرَار للْأَكْل وَالشرب وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَقع قَوْله وَلَا يمْلَأ إِلَى آخِره موقع التذييل والتقرير للْكَلَام السَّابِق كَأَنَّهُ قيل وَلَا يشْبع من خلق من التُّرَاب إِلَّا بِالتُّرَابِ قَوْله وَيَتُوب الله على من تَابَ أَي من الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا يَعْنِي يوفقه للتَّوْبَة أَو يرجع عَلَيْهِ من التَّشْدِيد إِلَى التَّخْفِيف أَو يرجع عَلَيْهِ بقبوله

٢٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا مخلد أخبرنَا ابْن جريج قَالَ سَمِعت عَطاء يَقُول سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو أَن لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ: قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا قَالَ وَسمعت ابْن الزبير يَقُول ذَلِك على الْمِنْبَر) هَذَا طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام وَصرح بذلك فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي وَهُوَ يروي عَن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام ابْن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي الْجَزرِي مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة قَوْله مثل وَاد ويروى ملْء وَاد قَوْله قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا يَعْنِي الحَدِيث الْمَذْكُور يَعْنِي من الْقُرْآن الْمَنْسُوخ تِلَاوَته قَوْله قَالَ وَسمعت ابْن الزبير أَي قَالَ عَطاء سَمِعت عبد الله بن الزبير وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الْمَذْكُور قَوْله يَقُول ذَلِك إِشَارَة إِلَى الحَدِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعبد الله بن الزبير كَانَ يَقُول قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ذَلِك يَعْنِي لَو أَن لِابْنِ آدم إِلَى آخِره وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ قَول لَا أَدْرِي أَيْضا قَوْله على الْمِنْبَر أَي بِمَكَّة كَمَا يَأْتِي الْآن

٢٦ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن الغسيل عَن عَبَّاس بن سهل بن سعد قَالَ سَمِعت ابْن الزبير على الْمِنْبَر بِمَكَّة فِي خطبَته يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقُول لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا مَلأ من ذهب أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا أحب إِلَيْهِ ثَالِثا وَلَا يسد جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل أَي مغسول الْمَلَائِكَة حِين اسْتشْهد وَهُوَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَطْلَقَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقَيَّدَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ بِلَفْظِ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَهُ فَيُصَلِّي صَلَاةً وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ فَيُصَلِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَزَادَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا أَيِ الَّتِي سَبَقَتْهَا، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنَّ التَّقَدُّمَ خَاصٌّ بِالزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطَّهُورَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُنَّ، وَتَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ حُمْرَانَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عُثْمَانَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يَغْشَ الْكَبِيرَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَاضِحًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِحُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ حَدِيثَيْنِ فِي هَذَا: أَحَدُهُمَا: مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَالْآخَرُ: فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ.

قَوْلُهُ (قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ : لَا تَغْتَرُّوا) قَدَّمْتُ شَرْحَهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَاصِلُهُ: لَا تَحْمِلُوا الْغُفْرَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَتَسْتَرْسِلُوا فِي الذُّنُوبِ اتِّكَالًا عَلَى غُفْرَانِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ هِيَ الْمَقْبُولَةُ، وَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وظَهَرَ لِي جَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفَّرَ بِالصَّلَاةِ هِيَ الصَّغَائِرُ فَلَا تَغْتَرُّوا فَتَعْمَلُوا الْكَبِيرَةَ بِنَاءً عَلَى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالصَّغَائِرِ، أَوْ لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنَ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهَا بِالْإِصْرَارِ تُعْطَى حُكْمَ الْكَبِيرَةِ فَلَا يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ فَلَا يَنَالُهُ مَنْ هُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٩ - بَاب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ، وَيُقَالُ: الذِّهَابُ الْمَطَرُ.

٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً.

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.

قَوْلُهُ (بَابُ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) أَيْ مَوْتُهُمْ.

قَوْلُهُ (وَيُقَالُ الذَّهَابُ الْمَطَرُ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الذَّهَابِ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْمُضِيِّ وَعَلَى الْمَطَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الذَّهَابُ الْأَمْطَارُ اللَّيِّنَةُ وَهُوَ جَمْعُ ذِهْبَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) هُوَ مِنْ قُدَمَاءِ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ.

قَوْلُهُ (عَنْ بَيَانٍ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيُّ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَيِ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْوُحْدَانِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَوَقَعَ فِي التَّهْذِيبِ لِلْمِزِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ مِرْدَاسٍ هَذَا أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ أَيْضًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِرْدَاسٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ أَبُو

عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ عَنْ مِرْدَاسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مِرْدَاسُ بْنُ غَرْوَةَ. وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَالرَّازِيُّ، وَالْبُسْتِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ.

قَوْلُهُ (يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يُقْبَضُ بَدَلَ يَذْهَبُ، وَالْمُرَادُ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ بَيَانٍ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَيُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. وَالثَّانِيَةُ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى.

قَوْلُهُ (وَيَبْقَى حُثَالَةٌ أَوْ حُفَالَةٌ) هُوَ شَكٌّ هَلْ هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ حُثَالَةٌ بِالْمُثَلَّثَةِ جَزْمًا.

قَوْلُهُ (كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَيَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ فَقَطْ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مِثْلُ حُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ حُثَالَةٌ وَحُفَالَةٌ؛ يَعْنِي أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُثَالَةُ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: آخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَأَرْدَؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُثَالَةُ سَقَطُ النَّاسِ، وَأَصْلُهَا مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُشُورِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَا يَسْقُطُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَ الْغَرْبَلَةِ، وَيَبْقَى مِنَ التَّمْرِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَوَجَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيَّةِ امْرَأَةِ عُمَرَ بِلَفْظِ: تَذْهَبُونَ الْخَيِّرُ فَالْخَيِّرُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ، يَنْزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ نَزْوَ الْمَعْزِ، أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا، يُقَالُ: بَالَيْتُ بِفُلَانٍ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالَاةً وَبَالِيَةً وَبَالَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُ بَالَةٍ بَالِيَةٍ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا، وَتُعُقِّبَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ بِأَنَّ بَالِيَةً لَيْسَ مَصْدَرًا لِبَالَيْتُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَصْدَرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: سَمِعْتُهُ فِي الْوَقْفِ بَالَةً، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ فِي الدَّرْجِ، وَالْأَصْلُ بَالَيْتُهُ بَالَاةً فَكَأَنَّ الْأَلِفَ حُذِفَتْ فِي الْوَقْفِ كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي مَصْدَرِهِ بَالَاةً. قَالَ: وَلَوْ عَلِمَ الْقَابِسِيُّ مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَالَةً مَصْدَرٌ مُصَارٌ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ.

قُلْتُ: تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ بَيَانٍ بِلَفْظِ: لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: لَا يُبَالِي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، وَعَنْ هُنَا بِمَعْنَى الْبَاءِ، يُقَالُ: مَا بَالَيْتُ بِهِ وَمَا بَلَيْتُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَعْبَأُ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، أَيْ لَا يُبَالِي، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِبْءِ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، وَهُوَ الثِّقَلُ، فَكَأَنَّ مَعْنَى لَا يَعْبَأُ بِهِ أَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَهُ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْفَزَارِيَّةِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: عَلَى أُولَئِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوْتَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.

وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ انْقِرَاضُ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الشَّرِّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ عَالِمٍ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ صِرْفًا، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْفِتَنِ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيه): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ، أَيْ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

١٠ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ (١) … فِيهَا الذِّهَابُ وَحَفَّتْهَا البَرَاعِيمُ

والبراعيم (٢): رمالٌ فيها داراتٌ (٣) تُنْبت البقل، وقوله: «وَيُقَالُ: الذِّهَابُ المَطَرُ» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي فقط.

٦٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والتَّحتية المخففة، ابن بِشْر -بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة- الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة وبعد الألف زاي (عَنْ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة، ابن مالكٍ (الأَسْلَمِيِّ) ممَّن بايع تحت الشَّجرة، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ) عند الإسماعيليِّ: «يقبض الصَّالحون» أي: تُقبض أرواحهم (الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) الرَّديءِ من كلٍّ، أو ما يتساقطُ من قُشُورهما (٤)، أو ما يسقطُ من الشَّعير عند الغربلةِ، ويبقى من التَّمر بعد الأكلِ، و «أو» للشَّكِّ أو للتَّنويع (لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ) بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (بَالَةً) بتخفيف اللَّام، أي: لا يرفعُ الله لهم قدرًا ولا يقيمُ لهم وزنًا، وبالةٌ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

إِلَى الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة فَصلاهَا مَعَ النَّاس أَو فِي الْمَسْجِد " وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن حمْرَان فَيصَلي الْمَكْتُوبَة وَفِي رِوَايَة أبي صَخْرَة عَن حمْرَان " مَا من مُسلم يتَطَهَّر فَيتم الطّهُور الَّذِي كتب عَلَيْهِ فَيصَلي هَذِه الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا كَانَت كَفَّارَة لما بَينهُنَّ " قَوْله غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه يَعْنِي الذَّنب الَّذِي بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَأما مَا بَينه وَبَين الْعباد فَلَا يغْفر إِلَّا بإرضاء الْخصم قَوْله لَا تغتروا فتجسرون على الذُّنُوب معتمدين على الْمَغْفِرَة للذنوب فَإِن ذَلِك بِمَشِيئَة الله عز وَجل

(بَاب ذهَاب الصَّالِحين)

أَي هَذَا بَاب فِي ذكر ذهَاب الصَّالِحين أَي مَوْتهمْ وَذَهَاب الصَّالِحين من أَشْرَاط السَّاعَة وَقرب فنَاء الدُّنْيَا

(وَيُقَال الذّهاب الْمَطَر) ثَبت هَذَا فِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَحده وَقَالَ بَعضهم مُرَاده أَن لفظ الذّهاب مُشْتَرك بَين الْمُضِيّ والمطر قلت لَيْسَ كَذَلِك لِأَن الذّهاب بِمَعْنى الْمُضِيّ بِفَتْح الذَّال والذهاب بِمَعْنى الْمَطَر بِكَسْرِهَا قَالَ صَاحب الْمُحكم الذهبة بِالْكَسْرِ المطرة الضعيفة وَالْجمع الذّهاب

٢٢ - (حَدثنِي يحيى بن حَمَّاد حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن بَيَان عَن قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَتبقى حفالة كحفالة الشّعير أَو التَّمْر لَا يباليهم الله بالة) مطابتقه للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَيحيى بن حَمَّاد الشَّيْبَانِيّ الْبَصْرِيّ روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي الْحيض بِوَاسِطَة الْحسن بن مدرك وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي وَبَيَان بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون ابْن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وبالشين الْمُعْجَمَة الأحمسي بالمهملتين وَقيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي ومرداس بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء ابْن مَالك الْأَسْلَمِيّ وَكَانَ مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة ثمَّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ مَعْدُود فِي أَهلهَا والْحَدِيث مضى فِي الْمَغَازِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن عِيسَى بن يُونُس الخ قَوْله يذهب وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ يقبض بدل يذهب أَي يقبض أَرْوَاحهم قَوْله الأول أَي يذهب الأول فَالْأول عطف عَلَيْهِ قَوْله حفالة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْفَاء وَهِي الرذائل من كل شَيْء وَيُقَال هِيَ مَا يبْقى من آخر الشّعير وَمن التَّمْر أردؤه وَقَالَ ابْن التِّين الحفالة سقط النَّاس وَأَصلهَا مَا يتساقط من قشور التَّمْر وَالشعِير وَغَيرهمَا وَقَالَ الدَّاودِيّ الحفالة مَا يسْقط من الشّعير عِنْد الغربلة وَيبقى من التَّمْر بعد الْأكل قَوْله أَو التَّمْر يحْتَمل الشَّك والتنويع وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الحميد كحثالة الشّعير فَقَط وَفِي رِوَايَة يحيى لَا يبْقى إِلَّا مثل حثالة التَّمْر وَالشعِير والحثالة بالثاء الْمُثَلَّثَة مثل الحفالة يتعاقبان كَقَوْلِهِم فوم وثوم قَوْله لَا يباليهم الله قَالَ الْخطابِيّ أَي لَا يرفع لَهُم قدر أَو لَا يُقيم لَهُم وزنا وَفِي رِوَايَة عِيسَى بن يُونُس عَن بَيَان تقدّمت فِي الْمَغَازِي بِلَفْظ لَا يعبأ الله بهم شَيْئا وَفِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد لَا يُبَالِي الله عَنْهُم وَكلمَة عَن هَهُنَا بِمَعْنى الْبَاء يُقَال مَا باليت بِهِ وَمَا باليت عَنهُ قَوْله بالة اسْم لمصدر وَلَيْسَ مصدرا لباليت وَقيل أَصله بالية فحذفت الْيَاء تَخْفِيفًا كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت يُقَال باليت بالشَّيْء مبالاة وبالة وبالية

(قَالَ أَبُو عبد الله يُقَال حفالة وحثالة) أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه وَأَرَادَ بِهِ أَن حفالة وحثالة بِالْفَاءِ والثاء الْمُثَلَّثَة بِمَعْنى وَاحِد

(بَاب مَا يتقى من فتْنَة المَال)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يتقى على صِيغَة الْمَجْهُول قَوْله " من فتْنَة المَال " أَي الِانْتِهَاء بِهِ وَمعنى الْفِتْنَة فِي كَلَام الْعَرَب الاختبار

والابتلاء والفتنة الإمالة عَن الْقَصْد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} أَي ليميلونك والفتنة أَيْضا الاحتراق وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَوْم هم على النَّار يفتنون} أَي يحرقون قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي والامتلاء والاختبار يجمع ذَلِك كُله

(وَقَول الله تَعَالَى {أَنما أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فتْنَة} ) وَقَول الله بِالْجَرِّ عطف على قَوْله من فتْنَة المَال وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد أَنَّهَا فتْنَة لِأَنَّهَا تشغل النَّاس عَن الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى {أَلْهَاكُم التكاثر} أَي شغلكم التكاثر وَخرج لفظ الْخطاب بذلك على الْعُمُوم لِأَن الله تَعَالَى فطر الْعباد على حب المَال وَالْأَوْلَاد وَقد روى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه من حَدِيث كَعْب بن عِيَاض سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول إِن لكل أمة فتْنَة وفتنة أمتِي المَال

٢٣ - (حَدثنِي يحيى بن يُوسُف أخبرنَا أَبُو بكر عَن أبي حُصَيْن عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تعس عبد الدِّينَار وَالدِّرْهَم والقطيفة والخيمصة إِن أعطي رَضِي وَإِن لم يُعْط لم يرض) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث وَيحيى بن يُوسُف الزمي بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْمِيم نِسْبَة إِلَى بَلْدَة يُقَال لَهَا زم وَيُقَال لَهُ ابْن أبي كَرِيمَة فَقيل هُوَ كنية أَبِيه وَقيل هُوَ جده واسْمه كنيته أخرج عَنهُ البُخَارِيّ بِغَيْر وَاسِطَة فِي الصَّحِيح وبواسطة خَارج الصَّحِيح وَأَبُو بكر هُوَ ابْن عَيَّاش بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة القارىء الْمُحدث وَأَبُو حُصَيْن بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ عُثْمَان بن عَاصِم وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات والْحَدِيث مضى فِي الْجِهَاد عَن يحيى أَيْضا متْنا وإسنادا فِي بَاب الحراسة فِي الْغَزْو وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن الْحسن بن حَمَّاد عَن يحيى بِهِ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَافق أَبَا بكر على رَفعه شريك القَاضِي وَقيس بن الرّبيع عَن أبي حُصَيْن وَخَالفهُم إِسْرَائِيل فَرَوَاهُ عَن أبي حُصَيْن مَوْقُوفا قَوْله تعس بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَفتحهَا أَي سقط وَالْمرَاد هُنَا هلك وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي التعس الشَّرّ قَالَ تَعَالَى {فتعسا لَهُم} أَرَادَ ألزمهم الشَّرّ وَقيل التعس الْبعد أَي بعدا لَهُم وَقيل قَوْلهم تعسا لَهُ نقيض قَوْلهم لعا لَهُ فتعسا دُعَاء عَلَيْهِ بالعثرة ولعا دُعَاء لَهُ بالانتعاش قَوْله عبد الدِّينَار أَي طَالبه وخادمه والحريص على جمعه والقائم على حفظه فَكَأَنَّهُ لذَلِك عَبده وَقَالَ شيخ شَيخنَا الطَّيِّبِيّ خص العَبْد بِالذكر ليؤذن بانغماسه فِي محبَّة الدُّنْيَا وشهواتها كالأسير الَّذِي لَا يجد خلاصا وَلم يقل مَالك الدِّينَار وَلَا جَامع الدِّينَار لِأَن المذموم من الْملك وَالْجمع الزِّيَادَة على قدر الْحَاجة قَوْله والقطيفة الدثار المخمل وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي لَهُ خمل والخميصة الكساء الْأسود المربع قَوْله إِن أعطي على صِيغَة الْمَجْهُول وَكَذَا وَإِن لم يُعْط قَالَ الله تَعَالَى {فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون}

٢٤ - (حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من مَال لابتغى ثَالِثا وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من معنى الحَدِيث لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَشَارَ بِهَذَا الْمثل إِلَى ذمّ الْحِرْص على الدُّنْيَا والشره والازدياد وَهَذِه آفَة يجب الاتقاء مِنْهَا وَأَبُو عَاصِم هُوَ الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل الْبَصْرِيّ وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ وَعَطَاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح يروي بِالسَّمَاعِ عَن ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهَذَا من الْأَحَادِيث الَّتِي صرح فِيهَا ابْن عَبَّاس بِسَمَاعِهِ من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهِي قَليلَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مرويه عَنهُ فَإِنَّهُ أحد المكثرين وَمَعَ ذَلِك فتحمله كَانَ أَكْثَره عَن كبار الصَّحَابَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَهَارُون بن عبد الله قَوْله لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان وَفِي الحَدِيث يَلِيهِ لَو كَانَ لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا وَفِي الحَدِيث الآخر لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا وَفِي الآخر

لَو أَن لِابْنِ آدم واديان قَوْله من مَال وَفِي الحَدِيث الثَّالِث مَلأ من ذهب وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَاديا من ذهب وَعند أَحْمد فِي حَدِيث زيد بن أَرقم " من ذهب وَفِضة " قَوْله " لابتغى " بالغين الْمُعْجَمَة من الابتغاء وَهُوَ الطّلب وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله " وَفِي حَدِيث أنس " لتمنى مثله ثمَّ تمنى مثله حَتَّى يتَمَنَّى أَوديَة " وَفِي الحَدِيث الثَّالِث " أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا " وَفِي الرَّابِع أحب إِلَيْهِ أَن يكون لَهُ وَاديا وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي قَوْله لابتغى لَهما ثَالِثا فَزَاد لَفْظَة لَهما فِي شَرحه ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الابتغاء لَا يسْتَعْمل بِاللَّامِ قلت هَذَا مُتَعَلق بقوله ثَالِثا أَي ثَالِثا لَهما أَي مثلثهما انْتهى قَوْله وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم وَفِي الحَدِيث الثَّانِي " وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم " وَفِي الثَّالِث " وَلَا يسد جَوف ابْن آدم " وَفِي الرَّابِع " وَلنْ يمْلَأ فَاه " وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن جريج لَا يمْلَأ نفس ابْن آدم وَفِي مُرْسل جُبَير بن يُغير وَلَا يشْبع جَوف ابْن آدم بِضَم الْيَاء من الإشباع وَفِي حَدِيث زيد بن أَرقم " وَلَا يمْلَأ بطن ابْن آدم " وَقَالَ الْكرْمَانِي مَا وَجه ذكره فِي الرِّوَايَة الأولى الْجوف وَفِي الثَّانِيَة الْعين وَفِي الثَّالِثَة الْفَم قلت لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهُ الْحَقِيقَة بِقَرِينَة عدم الانحصار على التُّرَاب إِذْ غَيره يملؤه أَيْضا بل هُوَ كِنَايَة عَن الْمَوْت لِأَنَّهُ مُسْتَلْزم للامتلاء فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يشْبع سنّ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُوت فالغرض من الْعبارَات كلهَا وَاحِد لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التفنن فِي الْكَلَام وَقَالَ بَعضهم هَذَا يحسن فِيمَا إِذا اخْتلفت مخارج الحَدِيث وَأما إِذا اتّحدت فَهُوَ من تصرف الروَاة انْتهى قلت إحالته على كَلَام الشَّارِع أولى من إحالته إِلَى تصرف الروَاة مَعَ أَن فِيهِ تَغْيِير لفظ الشَّارِع فَإِن قلت نِسْبَة الامتلاء إِلَى الْجوف والبطن وَاضِحَة فَمَا وَجههَا إِلَى النَّفس والفم وَالْعين قلت أما النَّفس فَعبر بهَا عَن الذَّات وَأَرَادَ الْبَطن من قبيل إِطْلَاق الْكل وَإِرَادَة الْجُزْء وَأما الْفَم فلكونه الطَّرِيق إِلَى الْوُصُول إِلَى الْجوف وَأما الْعين فَلِأَنَّهَا الأَصْل فِي الطّلب لِأَنَّهُ يرى مَا يُعجبهُ فيطلبه ليحوزه إِلَيْهِ وَخص الْبَطن فِي أَكثر الرِّوَايَات لِأَن أَكثر مَا يطْلب المَال لتَحْصِيل المستلذات وأكثرها تكْرَار للْأَكْل وَالشرب وَقَالَ الطَّيِّبِيّ وَقع قَوْله وَلَا يمْلَأ إِلَى آخِره موقع التذييل والتقرير للْكَلَام السَّابِق كَأَنَّهُ قيل وَلَا يشْبع من خلق من التُّرَاب إِلَّا بِالتُّرَابِ قَوْله وَيَتُوب الله على من تَابَ أَي من الْمعْصِيَة وَرجع عَنْهَا يَعْنِي يوفقه للتَّوْبَة أَو يرجع عَلَيْهِ من التَّشْدِيد إِلَى التَّخْفِيف أَو يرجع عَلَيْهِ بقبوله

٢٥ - (حَدثنَا مُحَمَّد أخبرنَا مخلد أخبرنَا ابْن جريج قَالَ سَمِعت عَطاء يَقُول سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول لَو أَن لِابْنِ آدم مثل وَاد مَالا لأحب أَن لَهُ إِلَيْهِ مثله وَلَا يمْلَأ عين ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ: قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا قَالَ وَسمعت ابْن الزبير يَقُول ذَلِك على الْمِنْبَر) هَذَا طَرِيق آخر عَن مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام وَصرح بذلك فِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي وَهُوَ يروي عَن مخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام ابْن يزِيد من الزِّيَادَة أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي الْجَزرِي مَاتَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة قَوْله مثل وَاد ويروى ملْء وَاد قَوْله قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَا أَدْرِي من الْقُرْآن هُوَ أم لَا يَعْنِي الحَدِيث الْمَذْكُور يَعْنِي من الْقُرْآن الْمَنْسُوخ تِلَاوَته قَوْله قَالَ وَسمعت ابْن الزبير أَي قَالَ عَطاء سَمِعت عبد الله بن الزبير وَهُوَ مُتَّصِل بالسند الْمَذْكُور قَوْله يَقُول ذَلِك إِشَارَة إِلَى الحَدِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي وَعبد الله بن الزبير كَانَ يَقُول قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ ذَلِك يَعْنِي لَو أَن لِابْنِ آدم إِلَى آخِره وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ قَول لَا أَدْرِي أَيْضا قَوْله على الْمِنْبَر أَي بِمَكَّة كَمَا يَأْتِي الْآن

٢٦ - (حَدثنَا أَبُو نعيم حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن الغسيل عَن عَبَّاس بن سهل بن سعد قَالَ سَمِعت ابْن الزبير على الْمِنْبَر بِمَكَّة فِي خطبَته يَقُول يَا أَيهَا النَّاس إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَقُول لَو أَن ابْن آدم أعطي وَاديا مَلأ من ذهب أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا أحب إِلَيْهِ ثَالِثا وَلَا يسد جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ) أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل أَي مغسول الْمَلَائِكَة حِين اسْتشْهد وَهُوَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.3 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله