الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٣٤
الحديث رقم ٦٤٣٤ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ذهاب الصالحين ويقال الذهاب المطر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَطْلَقَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقَيَّدَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ بِلَفْظِ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَهُ فَيُصَلِّي صَلَاةً وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ فَيُصَلِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَزَادَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا أَيِ الَّتِي سَبَقَتْهَا، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنَّ التَّقَدُّمَ خَاصٌّ بِالزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطَّهُورَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُنَّ، وَتَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ حُمْرَانَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عُثْمَانَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يَغْشَ الْكَبِيرَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَاضِحًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِحُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ حَدِيثَيْنِ فِي هَذَا: أَحَدُهُمَا: مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَالْآخَرُ: فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ.
قَوْلُهُ (قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَغْتَرُّوا) قَدَّمْتُ شَرْحَهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَاصِلُهُ: لَا تَحْمِلُوا الْغُفْرَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَتَسْتَرْسِلُوا فِي الذُّنُوبِ اتِّكَالًا عَلَى غُفْرَانِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ هِيَ الْمَقْبُولَةُ، وَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وظَهَرَ لِي جَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفَّرَ بِالصَّلَاةِ هِيَ الصَّغَائِرُ فَلَا تَغْتَرُّوا فَتَعْمَلُوا الْكَبِيرَةَ بِنَاءً عَلَى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالصَّغَائِرِ، أَوْ لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنَ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهَا بِالْإِصْرَارِ تُعْطَى حُكْمَ الْكَبِيرَةِ فَلَا يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ فَلَا يَنَالُهُ مَنْ هُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٩ - بَاب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ، وَيُقَالُ: الذِّهَابُ الْمَطَرُ.
٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.
قَوْلُهُ (بَابُ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) أَيْ مَوْتُهُمْ.
قَوْلُهُ (وَيُقَالُ الذَّهَابُ الْمَطَرُ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الذَّهَابِ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْمُضِيِّ وَعَلَى الْمَطَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الذَّهَابُ الْأَمْطَارُ اللَّيِّنَةُ وَهُوَ جَمْعُ ذِهْبَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) هُوَ مِنْ قُدَمَاءِ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ (عَنْ بَيَانٍ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيُّ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَيِ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْوُحْدَانِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَوَقَعَ فِي التَّهْذِيبِ لِلْمِزِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ مِرْدَاسٍ هَذَا أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ أَيْضًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِرْدَاسٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ أَبُو
عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ عَنْ مِرْدَاسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مِرْدَاسُ بْنُ غَرْوَةَ. وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَالرَّازِيُّ، وَالْبُسْتِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ.
قَوْلُهُ (يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يُقْبَضُ بَدَلَ يَذْهَبُ، وَالْمُرَادُ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ بَيَانٍ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَيُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. وَالثَّانِيَةُ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى.
قَوْلُهُ (وَيَبْقَى حُثَالَةٌ أَوْ حُفَالَةٌ) هُوَ شَكٌّ هَلْ هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ حُثَالَةٌ بِالْمُثَلَّثَةِ جَزْمًا.
قَوْلُهُ (كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَيَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ فَقَطْ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مِثْلُ حُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ حُثَالَةٌ وَحُفَالَةٌ؛ يَعْنِي أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُثَالَةُ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: آخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَأَرْدَؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُثَالَةُ سَقَطُ النَّاسِ، وَأَصْلُهَا مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُشُورِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَا يَسْقُطُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَ الْغَرْبَلَةِ، وَيَبْقَى مِنَ التَّمْرِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَوَجَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيَّةِ امْرَأَةِ عُمَرَ بِلَفْظِ: تَذْهَبُونَ الْخَيِّرُ فَالْخَيِّرُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ، يَنْزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ نَزْوَ الْمَعْزِ، أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا، يُقَالُ: بَالَيْتُ بِفُلَانٍ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالَاةً وَبَالِيَةً وَبَالَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُ بَالَةٍ بَالِيَةٍ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا، وَتُعُقِّبَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ بِأَنَّ بَالِيَةً لَيْسَ مَصْدَرًا لِبَالَيْتُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَصْدَرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: سَمِعْتُهُ فِي الْوَقْفِ بَالَةً، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ فِي الدَّرْجِ، وَالْأَصْلُ بَالَيْتُهُ بَالَاةً فَكَأَنَّ الْأَلِفَ حُذِفَتْ فِي الْوَقْفِ كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي مَصْدَرِهِ بَالَاةً. قَالَ: وَلَوْ عَلِمَ الْقَابِسِيُّ مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَالَةً مَصْدَرٌ مُصَارٌ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ.
قُلْتُ: تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ بَيَانٍ بِلَفْظِ: لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: لَا يُبَالِي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، وَعَنْ هُنَا بِمَعْنَى الْبَاءِ، يُقَالُ: مَا بَالَيْتُ بِهِ وَمَا بَلَيْتُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَعْبَأُ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، أَيْ لَا يُبَالِي، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِبْءِ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، وَهُوَ الثِّقَلُ، فَكَأَنَّ مَعْنَى لَا يَعْبَأُ بِهِ أَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَهُ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْفَزَارِيَّةِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: عَلَى أُولَئِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوْتَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.
وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ انْقِرَاضُ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الشَّرِّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ عَالِمٍ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ صِرْفًا، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْفِتَنِ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيه): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ، أَيْ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
١٠ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ (١) … فِيهَا الذِّهَابُ وَحَفَّتْهَا البَرَاعِيمُ
والبراعيم (٢): رمالٌ فيها داراتٌ (٣) تُنْبت البقل، وقوله: «وَيُقَالُ: الذِّهَابُ المَطَرُ» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي فقط.
٦٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والتَّحتية المخففة، ابن بِشْر -بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة- الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة وبعد الألف زاي (عَنْ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة، ابن مالكٍ (الأَسْلَمِيِّ) ممَّن بايع تحت الشَّجرة، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ) عند الإسماعيليِّ: «يقبض الصَّالحون» أي: تُقبض أرواحهم (الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) الرَّديءِ من كلٍّ، أو ما يتساقطُ من قُشُورهما (٤)، أو ما يسقطُ من الشَّعير عند الغربلةِ، ويبقى من التَّمر بعد الأكلِ، و «أو» للشَّكِّ أو للتَّنويع (لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ) بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (بَالَةً) بتخفيف اللَّام، أي: لا يرفعُ الله لهم قدرًا ولا يقيمُ لهم وزنًا، وبالةٌ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَطْلَقَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقَيَّدَهُ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ بِلَفْظِ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَهُ فَيُصَلِّي صَلَاةً وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ فَيُصَلِّي الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَزَادَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا أَيِ الَّتِي سَبَقَتْهَا، وَفِيهِ تَقْيِيدٌ لِمَا أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَإِنَّ التَّقَدُّمَ خَاصٌّ بِالزَّمَانِ الَّذِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَخْرَةَ، عَنْ حُمْرَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطَّهُورَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُنَّ، وَتَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ حُمْرَانَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عُثْمَانَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يَغْشَ الْكَبِيرَةَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَاضِحًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِحُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ حَدِيثَيْنِ فِي هَذَا: أَحَدُهُمَا: مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَالْآخَرُ: فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِتَرْكِ حَدِيثِ النَّفْسِ.
قَوْلُهُ (قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَغْتَرُّوا) قَدَّمْتُ شَرْحَهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَحَاصِلُهُ: لَا تَحْمِلُوا الْغُفْرَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَتَسْتَرْسِلُوا فِي الذُّنُوبِ اتِّكَالًا عَلَى غُفْرَانِهَا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ هِيَ الْمَقْبُولَةُ، وَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وظَهَرَ لِي جَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْمُكَفَّرَ بِالصَّلَاةِ هِيَ الصَّغَائِرُ فَلَا تَغْتَرُّوا فَتَعْمَلُوا الْكَبِيرَةَ بِنَاءً عَلَى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالصَّغَائِرِ، أَوْ لَا تَسْتَكْثِرُوا مِنَ الصَّغَائِرِ فَإِنَّهَا بِالْإِصْرَارِ تُعْطَى حُكْمَ الْكَبِيرَةِ فَلَا يُكَفِّرُهَا مَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الطَّاعَةِ فَلَا يَنَالُهُ مَنْ هُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٩ - بَاب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ، وَيُقَالُ: الذِّهَابُ الْمَطَرُ.
٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ، الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمْ اللَّهُ بَالَةً.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.
قَوْلُهُ (بَابُ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ) أَيْ مَوْتُهُمْ.
قَوْلُهُ (وَيُقَالُ الذَّهَابُ الْمَطَرُ) ثَبَتَ هَذَا فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَحْدَهُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الذَّهَابِ مُشْتَرَكٌ عَلَى الْمُضِيِّ وَعَلَى الْمَطَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الذَّهَابُ الْأَمْطَارُ اللَّيِّنَةُ وَهُوَ جَمْعُ ذِهْبَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) هُوَ مِنْ قُدَمَاءِ مَشَايِخِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ (عَنْ بَيَانٍ) بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ وَهُوَ ابْنُ بِشْرٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمِرْدَاسٌ الْأَسْلَمِيُّ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ بَيَانٍ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَيِ الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْوُحْدَانِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِيهَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَوَقَعَ فِي التَّهْذِيبِ لِلْمِزِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ مِرْدَاسٍ هَذَا أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ زِيَادُ بْنُ عَلَاقَةَ أَيْضًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مِرْدَاسٌ آخَرُ أَفْرَدَهُ أَبُو
عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ عَنْ مِرْدَاسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مِرْدَاسُ بْنُ غَرْوَةَ. وَمِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَالرَّازِيُّ، وَالْبُسْتِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ.
قَوْلُهُ (يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يُقْبَضُ بَدَلَ يَذْهَبُ، وَالْمُرَادُ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ، وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ بَيَانٍ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَيُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ. وَالثَّانِيَةُ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى.
قَوْلُهُ (وَيَبْقَى حُثَالَةٌ أَوْ حُفَالَةٌ) هُوَ شَكٌّ هَلْ هِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْفَاءِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي الْحَالَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ حُثَالَةٌ بِالْمُثَلَّثَةِ جَزْمًا.
قَوْلُهُ (كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَيَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ فَقَطْ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مِثْلُ حُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْبُخَارِيُّ حُثَالَةٌ وَحُفَالَةٌ؛ يَعْنِي أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحُثَالَةُ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِيلَ: آخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَأَرْدَؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْحُثَالَةُ سَقَطُ النَّاسِ، وَأَصْلُهَا مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُشُورِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَا يَسْقُطُ مِنَ الشَّعِيرِ عِنْدَ الْغَرْبَلَةِ، وَيَبْقَى مِنَ التَّمْرِ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَوَجَدْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيَّةِ امْرَأَةِ عُمَرَ بِلَفْظِ: تَذْهَبُونَ الْخَيِّرُ فَالْخَيِّرُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ، يَنْزُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ نَزْوَ الْمَعْزِ، أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِرَفْعِهِ لَكِنْ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بَالَةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ لَا يَرْفَعُ لَهُمْ قَدْرًا، وَلَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا، يُقَالُ: بَالَيْتُ بِفُلَانٍ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ مُبَالَاةً وَبَالِيَةً وَبَالَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُ بَالَةٍ بَالِيَةٍ فَحُذِفَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا، وَتُعُقِّبَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ بِأَنَّ بَالِيَةً لَيْسَ مَصْدَرًا لِبَالَيْتُ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَصْدَرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ: سَمِعْتُهُ فِي الْوَقْفِ بَالَةً، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ فِي الدَّرْجِ، وَالْأَصْلُ بَالَيْتُهُ بَالَاةً فَكَأَنَّ الْأَلِفَ حُذِفَتْ فِي الْوَقْفِ كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي مَصْدَرِهِ بَالَاةً. قَالَ: وَلَوْ عَلِمَ الْقَابِسِيُّ مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ بَالَةً مَصْدَرٌ مُصَارٌ لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّكَلُّفِ.
قُلْتُ: تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ بَيَانٍ بِلَفْظِ: لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ شَيْئًا، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: لَا يُبَالِي اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، وَعَنْ هُنَا بِمَعْنَى الْبَاءِ، يُقَالُ: مَا بَالَيْتُ بِهِ وَمَا بَلَيْتُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: يَعْبَأُ بِالْمُهْمَلَةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، أَيْ لَا يُبَالِي، وَأَصْلُهُ مِنَ الْعِبْءِ بِالْكَسْرِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزٌ، وَهُوَ الثِّقَلُ، فَكَأَنَّ مَعْنَى لَا يَعْبَأُ بِهِ أَنَّهُ لَا وَزْنَ لَهُ عِنْدَهُ، وَوَقَعَ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْفَزَارِيَّةِ الْمَذْكُورِ آنِفًا: عَلَى أُولَئِكَ تَقُومُ السَّاعَةُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَوْتَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. وَفِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَصِيرَ مَنْ خَالَفَهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.
وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ انْقِرَاضُ أَهْلِ الْخَيْرِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الشَّرِّ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الْأَرْضِ مِنْ عَالِمٍ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ صِرْفًا، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْفِتَنِ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيه): وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ، أَيْ أَنَّهَا رُوِيَتْ بِالْفَاءِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ، وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
١٠ - بَاب مَا يُتَّقَى مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
قَرْحَاءُ حَوَّاءُ أَشْرَاطِيَّةٌ وَكَفَتْ (١) … فِيهَا الذِّهَابُ وَحَفَّتْهَا البَرَاعِيمُ
والبراعيم (٢): رمالٌ فيها داراتٌ (٣) تُنْبت البقل، وقوله: «وَيُقَالُ: الذِّهَابُ المَطَرُ» ثابتٌ لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي فقط.
٦٤٣٤ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيبانيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة والتَّحتية المخففة، ابن بِشْر -بالموحدة المكسورة والمعجمة الساكنة- الأحمسيِّ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة وبعد الألف زاي (عَنْ مِرْدَاسٍ) بكسر الميم وسكون الراء وبعد الدال المهملة ألف فسين مهملة، ابن مالكٍ (الأَسْلَمِيِّ) ممَّن بايع تحت الشَّجرة، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ) عند الإسماعيليِّ: «يقبض الصَّالحون» أي: تُقبض أرواحهم (الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ) بضم الحاء المهملة وفتح الفاء مخففة (كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ) الرَّديءِ من كلٍّ، أو ما يتساقطُ من قُشُورهما (٤)، أو ما يسقطُ من الشَّعير عند الغربلةِ، ويبقى من التَّمر بعد الأكلِ، و «أو» للشَّكِّ أو للتَّنويع (لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ) بتحتيَّةٍ ساكنةٍ بعد اللَّام (بَالَةً) بتخفيف اللَّام، أي: لا يرفعُ الله لهم قدرًا ولا يقيمُ لهم وزنًا، وبالةٌ