الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٤٢
الحديث رقم ٦٤٤٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما قدم من ماله فهو له.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ : حَدَّثَنِي أَبِي : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ اللهِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قائلا: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله" يعني: أي واحد منكم يحب أن يكون مال وارثه الذي يتملكه من بعده أكثر مما يحب ماله الذي يملكه في حياته
قالوا: "ما منا أحد إلا ماله أحب إليه" أي : ليس هناك إنسان إلا ويجد نفسه يحب ماله الذي بيده وله التصرف المطلق به أكثر مما يحب مال غيره؛ لأن ما يملكه هو الوسيلة إلى تحقيق رغَبَاتِه، وتَطَلُعَاتِه.
قال: "فإن مَالَه ما قدم " أي : أن المال الذي يصرفه المرء في حياته على نفسه، وصالح أعماله من حج، ووقف، وبناء مدرسة، وعمارة مسجد، ومستشفى، أو ينفقه على نفسه وعياله، هو ماله الحقيقي؛ الذي يجده أمامه يوم القيامة. وأما ما يَدّخِره في حال حياته ويَبْخَل عن الإنفاق في سبيل الله تعالى ، فهو مال وراثه، ليس له فيه شيء.
وفي معنى حديث الباب: ما رواه مسلم عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر، قال: (يقول ابن آدم: مالي، مالي، قال: وهل لك، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) وليس معنى هذا: أن الإنسان ينفق مالَه كله في سبيل الله ويبقى هو وأهله يَتَكَفَفُوَنَ الناس، بل المقصود من الحديث: أن الإنسان كما أنه يسعى ليدخر للورثة من بعده كذلك عليه بالسعي في الادخار لآخرته، بما فضل على نفقته ونفقة من يمونه من زوجة وأولاد ووالدين؛ لأن هذا من النفقة الواجبة التي لا بد منها وإلا كان آثمًا، ويدل لذلك ما رواه أبو أمامة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا ابن آدم إنك أَن تَبْذُلَ الفَضَل خيرٌ لك، وأن تمسكه شر لك".
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: قال عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ: فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ لَهُ) الضَّمِيرُ لِلْإِنْسَانِ الْمُكَلَّفِ، وَحَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ.
قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ السَّنَدِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ)؛ أَيْ أَنَّ الَّذِي يَخْلُفهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْحَالِ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهِ إِلَى وَارِثِهِ يَكُونُ مَنْسُوبًا لِلْوَارِثِ، فَنِسْبَتُهُ لِلْمَالِكِ فِي حَيَاتِهِ حَقِيقِيَّةٌ، وَنِسْبَتُهُ لِلْوَارِثِ فِي حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ مَجَازِيَّةٌ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ حَقِيقِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ)؛ أَيْ هُوَ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمَالِ الَّذِي يَخْلُفُهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرْعَةَ فِيكُمُ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمُ الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: فِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْقُرْبَةِ وَالْبِرِّ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَخْلُفُهُ الْمُوَرِّثُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ اخْتَصَّ بِثَوَابِ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي تَعِبَ فِي جَمْعِهِ وَمَنْعِهِ، وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَاكَ أَبْعَدُ لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِنْ سَلِمَ مِنْ تَبِعَتِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِسَعْدٍ: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً؛ لِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ مُعْظَمِهِ فِي مَرَضِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حَقِّ مَنْ يَتَصَدَّقُ فِي صِحَّتِهِ وَشُحِّهِ.
١٣ - بَاب الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْمُقِلُّونَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ،، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ: تَعَالَ، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هاهُنَا قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ
سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا: إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْأَقَلُّونَ وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِاللَّفْظَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: الْأَخْسَرُونَ بَدَلَ الْمُقِلُّونَ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ قِلَّةُ الثَّوَابِ، وَكُلُّ مَنْ قَلَّ ثَوَابُهُ فَهُوَ خَاسِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَثُرَ ثَوَابُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الْآيَتَيْنِ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَزِينَتَهَا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الْآيَةَ، وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلِ الْآيَةَ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْكُفَّارِ، وَفِيمَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا مُعَاوِيَةُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الْمُجَاهِدِ وَالْقَارِئِ وَالْمُتَصَدِّقِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى - لِكُلٍّ مِنْهُمْ: إِنَّمَا عَمِلْتَ لِيُقَالَ فَقَدْ قِيلَ، فَبَكَى مُعَاوِيَةُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ﴾ وَالْمُؤْمِنُ فِي الْجُمْلَةِ مَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ بِالشَّفَاعَةِ، أَوْ مُطْلَقِ الْعَفْوِ، وَالْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ بِالنَّارِ، وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ وَبُطْلَانِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْكَافِرِ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ الرِّيَاءُ فِيهِ فَقَطْ فَيُجَازَى فَاعِلُهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْبَاطَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا رِيَاءٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ، وَجُوزِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ لِتَجْرِيدِهِ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُجَاهِدِينَ خَاصَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَعُمُومُهَا شَامِلٌ لِكُلِّ مُرَاءٍ وَعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أَيْ فِي الدُّنْيَا مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ فَعَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ يُحْمَلُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ، وَكَذَا يُقَيَّدُ مُطْلَقُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ: قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ الْكُفَّارِ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، أَوْ مِنَ الصِّحَّةِ، أَوْ مِنْ طُولِ الْعُمْرِ؛ بَلْ قَدْ يُوجَدُ مَنْ هُوَ مَنْحُوسُ الْحَظِّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، كَمَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ
الْآيَةِ فِي الْبَابِ لِحَدِيثِهِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْقِيتِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى التَّأْبيدِ؛ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ ج نْسِ الْكَبِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يُعَذَّبُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ التَّعْذِيبِ عَلَى مَعْصِيَةِ الرِّيَاءِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ لَكِنْ قُتَيْبَةُ لَمْ يُدْرِكْهُ ابْنُ حَازِمٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ بِفَاءٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ مَكِّيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَأَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: مَكَانٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثُ مَرَاحِلَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ سَكَنَهُ أَبُو ذَرٍّ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَمَاتَ بِهِ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَحْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَفْعِ تَوَهُّمٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْهُ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، فَأَفَادَتْ تَعْيِينَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْحَرَّةُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ مِنْهَا، وَكَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: الْحَرَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي حِجَارَتَهَا سُودٌ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمُكْثِرونَ وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالسِّيَاقِ.
قَوْلُهُ: (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ)؛ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ لِلْقَمَرِ فِيهِ ضَوْءٌ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ، وَإِنَّمَا اسْتَمَرَّ يَمْشِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَاجَةٌ فَيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) كَأَنَّهُ رَأَى شَخْصَهُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ أَبُو ذَرٍّ)؛ أَيْ أَنَا أَبُو ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَكَذَا لِأَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِئْذَانِ: فَقُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَعَالَهْ بِهَاءِ السَّكْتِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فَائِدَةُ الْوُقُوفِ عَلَى هَاءِ السَّكْتِ أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى سَاكِنَيْنِ، نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي رِوَايَتِهِ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَكَذَا عِنْدَهُ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّضْرُ) بْنُ شُمَيْلٍ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا، الْغَرَضُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ تَصْرِيحُ الشُّيُوخِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَهُمْ، وَالْأَوَّلَانِ نُسِبَا إِلَى التَّدْلِيسِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لي (١): يا حكيمُ» (إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه كالفاكهة (خَضِرَةٌ) في المنظرِ (حُلْوَةٌ) في الذَّوق (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوةِ نفسِ المُعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) بالشين المعجمة، بأن تعرَّض له بنحو بسطِ اليدِ (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي) به الجوعُ الكاذب (يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) كلَّما ازدادَ أكلًا ازدادَ جوعًا (وَاليَدُ العُلْيَا) بضم العين مقصورًا، المُنفقة أو المتعفِّفة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) الآخذة.
والحديثُ سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] و «الخمس» [خ¦٣١٤٣].
(١٢) (بابُ مَا قَدَّمَ) الإنسانُ المكلَّف في حال صحَّته وحرصه (مِنْ مَالِهِ) في وجوهِ الخيرات وأنواع القُربات (فَهْوَ) خيرٌ (لَهُ) عندَ الله من تركهِ بعد موته.
٦٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبِي) حفص بن غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بنِ شريك (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب، يُكنَّى أبا أسماء (٣) الكوفيُّ، العابد الثِّقة إلَّا أنَّه يرسلُ ويدلِّس (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ الكوفيِّ، أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ). قال في «الفتح»: يعني: أنَّ (٤) الَّذي يخلفهُ الإنسانُ من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنَّه
باعتبارِ انتقالهِ إلى وارثه يكونُ منسوبًا للوارثِ، فنسبتهُ للمالك في حياتهِ حقيقة، ونسبته للوارث في حياة المورِّثِ مجازيةٌ، ومن بعد موته حقيقة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ) من مالِ وارثه (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ مَالَهُ) الَّذي يضافُ إليه في الحياة (مَا قَدَّمَ) بأن أنفقَه في وجوهِ الخيرات (وَمَالُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» وغيرها (١) (وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ) بعد موتهِ ولم ينفقْه في وجوههِ، وفيه الحثُّ على تقديم ما يمكنُ تقديمهُ من المال في وجوهِ المبرَّات (٢) وأنواع القُربات؛ لينتفعَ به في الآخرة.
(١٣) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (المُكْثِرُونَ) من المالِ (هُمُ المُقِلُّونَ) في الثَّواب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «هم الأقلُّون» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾) نوصلُ إليهم أجورَ أعمالهم وافيةً كاملةً من غير بَخسٍ في الدُّنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصِّحَّة والرِّزق، وهم الكفَّار أو المنافقون (٤) (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾) وحبطَ في الآخرةِ ما صنعوا (٥) أو صنيعهم، أي: لم يكن لهم ثوابٌ؛ لأنَّهم لم يريدوا به الآخرة وإنَّما أرادوا به الدُّنيا، وقد وفَّى لهم ما أرادوا (﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]) أي: كان عملهم في نفسه باطلًا؛ لأنَّه لم يُعْمَلْ لغرضٍ صحيحٍ، والعملُ الباطلُ لا ثواب له، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال قبلها: «الآيتين».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٤٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ، قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قَالَ: سألْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ قَالَ: (هاذَا المالُ) ورُبَّما قَالَ سُفْيان: قَالَ لي: (يَا حَكِيمُ {إنَّ هاذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فِيهِ، ومنْ أخَذهُ بإشْرَافِ نفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء ابْن حزَام بِكَسْر الْحَاء وبالزاي الْخَفِيفَة ابْن خويلد الْأَسدي.
والْحَدِيث مضى فِي الْوَصَايَا وَفِي الْخمس عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ) الْقَائِل بربما هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ رِوَايَة عَن سُفْيَان، وَالْقَائِل: (قَالَ لي) هُوَ حَكِيم بن حزَام. يَعْنِي قَالَ: قَالَ لي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يظنّ سُفْيَان هُوَ الْقَائِل. بقوله: (قَالَ لي: يَا حَكِيم) } لِأَن سُفْيَان لم يدْرك حكيماً لِأَن بَين وَفَاة حَكِيم ومولد سُفْيَان نَحْو خمسين سنة. قَوْله: (يَا حَكِيم) ، بِالرَّفْع بِغَيْر تَنْوِين لِأَنَّهُ منادى مُفْرد معرفَة، وَتَفْسِير الخضرة الحلوة قد مضى عَن قريب. قَوْله: (بإشراف نفس) الإشراف على الشَّيْء الإطلاع عَلَيْهِ والتعرض لَهُ بِنَحْوِ بسط الْيَد. قَوْله: (كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع) أَي: كمن بِهِ الْجُوع الْكَاذِب، وَقد يُسمى بجوع الْكَلْب كلما ازْدَادَ أكلا ازْدَادَ جوعا. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا) قد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف.
٢١ - (بَاب مَا قدَّمَ مِنْ مالِهِ فَهْوَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من قدم أَي: الْإِنْسَان الْمُكَلف من مَاله فَهُوَ لَهُ يجد ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْمرَاد: بالتقديم صرف مَاله قبل مَوته فِي مَوَاضِع القربات، وَهَذِه التَّرْجَمَة مَعَ حَدِيث الْبَاب تدل على أَن إِنْفَاق المَال فِي وُجُوه الْبر أفضل من تَركه لوَرثَته. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِنَّك أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) قلت: لَا تعَارض بَينهمَا لِأَن سَعْدا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه كُله فِي مَرضه. وَكَانَ وَارثه بنته، وَلَا طَاقَة لَهَا على الْكسْب فَأمره أَن يتَصَدَّق مِنْهُ بِثُلثِهِ وَيكون بَاقِيه لابنته وَبَيت المَال، وَحَدِيث الْبَاب إِنَّمَا خَاطب بِهِ أَصْحَابه فِي صحتهم وحرضهم على تَقْدِيم شَيْء من مَالهم لينفعهم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَن تَقْدِيم جَمِيع مَاله عِنْد مَرضه، فَإِن ذَلِك تَحْرِيم للْوَرَثَة وتركهم فُقَرَاء يسْأَلُون النَّاس، وَإِنَّمَا الشَّارِع جعل لَهُ التَّصَرُّف فِي مَاله بِالثُّلثِ فَقَط.
٢٤٤٦ - حدّثني عُمَرُ بنُ حَفْصِ حدّثني أبي حَدثنَا الأعْمَش قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ الله: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أيُّكُمْ مالُ وارِثهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مالِهِ؟) . قَالُوا: يَا رَسُول الله! مَا مِنَّا أحَدٌ إلاّ مالُهُ أحَبُّ إليْهِ. قَالَ: (فإنَّ مالَهُ مَا قَدَّمَ ومالُ وارِثِهِ مَا أخَّرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب العابد عَن الْحَارِث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ، وكل هَؤُلَاءِ كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن هناد بن السّري.
قَوْله: (مَا قدم) أَي: على مَوته بِأَن صرفه فِي حَيَاته فِي مصارف الْخَيْر. قَوْله: (وَمَال وَارثه مَا أخر) أَي: مَا أَخّرهُ من المَال الَّذِي يتْركهُ وَلَا يتَصَدَّق مِنْهُ حَتَّى يَمُوت.
٣١ - (بابُ المكْثِرُون هُم المْقِلُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكرفيه: المكثرون هم المقلون كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: هم الأقلون، وَوَقع فِي
رِوَايَة أبي ذَر: (المكثرون هم الأخسرون) وَمَعْنَاهُ: المكثرون من المَال هم المقلون فِي الثَّوَاب يَعْنِي كَثْرَة المَال تؤول بِصَاحِبِهِ إِلَى الإقلال من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة إِذا لم يُنْفِقهُ فِي طَاعَة الله تَعَالَى، فَإِن أنفقهُ فِيهَا كَانَ غَنِيا من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (هود: ٥١ ٦١) [/ ح.
سيقت هَاتَانِ الْآيَتَانِ بتمامهما فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر {من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا} ... الْآيَتَانِ وَفِي رِوَايَة أبي زيد بعد قَوْله: {وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا} ... الْآيَة وَمثله للإسماعيلي، لَكِن قَالَ إِلَى قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} قَوْله: {من كَانَ} . . إِلَى آخِره على عمومها فِي الْكفَّار وفيمن يرائي بِعَمَلِهِ من الْمُسلمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الْآيَة فِيمَن عمل عملا يُرِيد بِهِ غير الله جوزي عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَعَن أنس: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِن أعْطوا سَائِلًا أَو وصلوا رحما عجل لَهُم جَزَاء ذَلِك بتوسعة فِي الرزق وَصِحَّة فِي الْبدن، وَقيل: هم الَّذين جاهدوا من الْمُنَافِقين مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَسْهم لَهُم من الْغَنَائِم، وَقَالَ الضَّحَّاك: يَعْنِي الْمُشْركين إِذا عمِلُوا عملا جوزوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا أبين لقَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار} قَوْله: (نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم) أَي: نوصل إِلَيْهِم أجور أَعْمَالهم كَامِلَة وافية، وَهُوَ من التوفية، وقرىء. . يوف، بِالْيَاءِ على أَن الْفِعْل لله، وبالياء على صِيغَة الْمَجْهُول، ويوفي بِالتَّخْفِيفِ وَإِثْبَات الْيَاء. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الدُّنْيَا. قَوْله: {لَا يبخسون} من البخس وَهُوَ النَّقْص. قَوْله: (وحبط) أَي: بَطل يُقَال: حَبط عمله يحبط، وأحبطه غَيره، وَمعنى حَبط عَمَلهم لَيْسَ لَهُم ثَوَاب لأَنهم لم يُرِيدُوا بِهِ الْآخِرَة. قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} أَي: عَمَلهم فِي نَفسه بَاطِل، وقرىء: وَبَطل، على الْفِعْل، وَعَن عَاصِم: وباطلاً، بِالنّصب.
٣٤٤٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ أبي ذَرٍّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي فَإِذا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْشِي وحْدَهُ ولَيْسَ مَعَهُ إنْسانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظِلِّ القمَرِ فالْتَفَتَ فَرآنِي. فَقَالَ: (مَنْ هاذا؟) قُلْتُ: أبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ {تَعَالَهْ) قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةَ، فَقَالَ: (إنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَاّ مَنْ أعْطَاهُ الله خَيْراً فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وشِمالَهُ وبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَراءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً) . قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَة، فَقَالَ لِي: (اجْلِسْ هاهُنا) . قَالَ: فأجْلَسَنِي فِي قاعٍ حَوْلَهُ حِجارَةٌ فَقَالَ لِي: (إجْلِسْ هاهُنا حتَّى أرْجِعَ إلَيْكَ) قَالَ: فانْطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حتَّى لَا أراهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فأطالَ اللُّبَّثَ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُهُ وهْوَ مُقْبِلٌ وهْوَ يَقُولُ: (وَإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى) قَالَ: فَلمَّا جاءَ لَمْ أصْبِرْ حتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله} جَعَلَنِي الله فِداءَكَ {مَنْ تُكَلِّمُ فِي جانِب الحَرَّةِ؟ مَا سَمعْتُ أحَداً يَرْجِعُ إلَيْكَ شَيْئاً. قَالَ: (ذالِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السلامُ، عَرَضَ لِي فِي جانِبِ الحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَّكَ أنَّه مَنْ ماتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجنَّةَ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعْمَ} وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والمطابقة أَيْضا بَين الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة هِيَ أَن الْوَعيد الَّذِي فِيهَا مَحْمُول على التَّأْقِيت فِي حق من وَقع لَهُ ذَلِك من الْمُسلمين لَا على التَّأْبِيد لدلَالَة الحَدِيث على أَن المرتكب لجنس الْكَبِيرَة من الْمُسلمين يدْخل الْجنَّة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنه يعذب قبل ذَلِك، كَمَا أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي أَنه قد يدْخل الْجنَّة بعد التعذيب على مَعْصِيّة الزِّنَا.
وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَعبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة الْأَسدي الْمَكِّيّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ من صغَار التَّابِعين سمع أنس بن مَالك، وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي من قضاعة خرج إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ اسْمه فِي الْأَشْهر جُنْدُب بن جُنَادَة.
والْحَدِيث بِزِيَادَة ونقصان مضى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الاستقراض وَفِي الاسْتِئْذَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَبدة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره.
قَوْله: (خرجت لَيْلَة من اللَّيَالِي) وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَنهُ: كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حرَّة الْمَدِينَة عشَاء، فَبين فِيهِ الْمَكَان وَالزَّمَان. قَوْله: (فِي ظلّ الْقَمَر) أَي: فِي مَكَان لَيْسَ للقمر فِيهِ ضوء ليخفي نَفسه، وَإِنَّمَا اسْتمرّ يمشي لاحْتِمَال أَن يطْرَأ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَاجَة فَيكون قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (قلت: أَبُو ذَر) أَي: أَنا أَبُو ذَر. قَوْله: (تعاله) أَمر بهاء السكت هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (تعال) ، قَالَ ابْن التِّين: فَائِدَة هَاء السكت أَن لَا يقف على ساكنين وَهُوَ غير مطرد. قَوْله: (إِن المكثرين هم المقلون) قد مر الْكَلَام فِيهِ آنِفا. قَوْله: (خيرا) . أَي: مَالا قَالَ تَعَالَى: {إِن ترك خيرا} قَوْله: (فنفح فِيهِ) بِالْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: نفح فلَان فلَانا بِشَيْء أَي: أعطَاهُ، والنفحة الدفعة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : نفح بالعطاء أعْطى، وَالله نفاح بالخيرات، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : نفح بِالْمَالِ وَالسيف، ونفحت الدَّابَّة رمت بحافرها الأَرْض. قَوْله: (ووراءه) ، قيل: مَعْنَاهُ يُوصي فِيهِ ويبقيه لوَارِثه، وَحبس بحبسه. قَوْله: (فِي قاع) هُوَ أَرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عَنْهَا الْجبَال. قَوْله: (فِي الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (وَهُوَ مقبل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) ، كَذَلِك الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (دخل الْجنَّة) أَي: كَانَ مصيره إِلَيْهَا وَإِن ناله عُقُوبَة جمعا بَينه وَبَين مثل {وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم} من الْآيَات الموعدة للفساق. قَوْله: (وَإِن سرق وَإِن زنى) ، قيل: يحْتَمل مَعْنيين، أَحدهمَا: أَن هَذِه الْأمة يغْفر لجميعها. وَالثَّانِي: أَن يكون يدْخل الْجنَّة من عُوقِبَ بِبَعْض ذنُوبه فَأدْخل النَّار ثمَّ أخرج مِنْهَا بذنوبه.
قَالَ النَّضْرُ: أخبرنَا شُعْبَةُ وحدّثنا حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ والأعْمَشُ وعَبْدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيْعٍ حدّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ بِهاذَا.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قيل: الْغَرَض بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح الشُّيُوخ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِأَن زيد بن وهب حَدثهمْ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث شُعْبَة قصَّة المكثرين والمقلين إِنَّمَا فِيهِ: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا) ، وَالْعجب من أبي عبد الله كَيفَ أطلق هَذَا الْكَلَام، أخبرنيه الْحسن حَدثنَا حميد يَعْنِي: ابْن زَنْجوَيْه، حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل أَنا شُعْبَة حَدثنَا حبيب بن أبي ثَابت وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز بن رفيع قَالُوا: سمعنَا زيد بن وهب عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي فبشرني أَن من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة.
قلت: وَإِن زنى وسرق؟ قَالَ: وَإِن زنى وسرق) . قَالَ سُلَيْمَان يَعْنِي: الْأَعْمَش، وَإِنَّمَا يروي هَذَا الحَدِيث عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: أما أَنا فَإِنَّمَا سمعته من أبي ذَر أخبرنيه يحيى بن مُحَمَّد الحنائي حَدثنَا عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن حبيب وبلال وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ سمعُوا زيد بن وهب عَن أبي ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة فَذكرهمْ وَلم يذكر بِلَالًا وَلم يزدْ على هَذِه الْقِصَّة: أخبرنيه الْهَيْثَم الدوري حَدثنَا زيد بن أخزم حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن بِلَال وَهُوَ أبي مرداس وَيُقَال ابْن معَاذ تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَنهُ، وَرَوَاهُ شُعْبَة أَيْضا عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد سمع أَبَا ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل قصَّة: من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، أخبرنيه الحنائي حَدثنَا عبيد الله حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة، وَقَالَ بَعضهم: وَقد تبع الْإِسْمَاعِيلِيّ على أعتراضه الْمَذْكُور جمَاعَة. مِنْهُم: مغلطاي وَمن بعده.
قلت: فِيهِ إساءة الْأَدَب حَيْثُ قَالَ: مغلطاي، بطرِيق الاستهتار وَأَرَادَ بقوله: وَمن بعده. صَاحب (التَّوْضِيح) الشَّيْخ سراج الدّين بن الملقن وَهُوَ شَيْخه، والكرماني أَيْضا، ثمَّ تصدى للجواب عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور بقوله: الْجَواب عَن البُخَارِيّ وَاضح على طَريقَة أهل الحَدِيث، لِأَن مُرَاده أصل الحَدِيث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: قال عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ قَالَ: فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ لَهُ) الضَّمِيرُ لِلْإِنْسَانِ الْمُكَلَّفِ، وَحَذَفَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ.
قَوْلُهُ: (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ السَّنَدِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ)؛ أَيْ أَنَّ الَّذِي يَخْلُفهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي الْحَالِ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهِ إِلَى وَارِثِهِ يَكُونُ مَنْسُوبًا لِلْوَارِثِ، فَنِسْبَتُهُ لِلْمَالِكِ فِي حَيَاتِهِ حَقِيقِيَّةٌ، وَنِسْبَتُهُ لِلْوَارِثِ فِي حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ مَجَازِيَّةٌ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ حَقِيقِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ)؛ أَيْ هُوَ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمَالِ الَّذِي يَخْلُفُهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرْعَةَ فِيكُمُ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمُ الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: فِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْقُرْبَةِ وَالْبِرِّ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَخْلُفُهُ الْمُوَرِّثُ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ اخْتَصَّ بِثَوَابِ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي تَعِبَ فِي جَمْعِهِ وَمَنْعِهِ، وَإِنْ عَمِلَ فِيهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَاكَ أَبْعَدُ لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِنْ سَلِمَ مِنْ تَبِعَتِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ ﷺ لِسَعْدٍ: إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً؛ لِأَنَّ حَدِيثَ سَعْدٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ مُعْظَمِهِ فِي مَرَضِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حَقِّ مَنْ يَتَصَدَّقُ فِي صِحَّتِهِ وَشُحِّهِ.
١٣ - بَاب الْمُكْثِرُونَ هُمْ الْمُقِلُّونَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ،، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ: تَعَالَ، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمْ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هاهُنَا قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَاهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ
سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا: إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْأَقَلُّونَ وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِاللَّفْظَيْنِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: الْأَخْسَرُونَ بَدَلَ الْمُقِلُّونَ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ قِلَّةُ الثَّوَابِ، وَكُلُّ مَنْ قَلَّ ثَوَابُهُ فَهُوَ خَاسِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَثُرَ ثَوَابُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الْآيَتَيْنِ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَزِينَتَهَا ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الْآيَةَ، وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَلَمْ يَقُلِ الْآيَةَ، وَسَاقَ الْآيَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ عَلَى عُمُومِهَا فِي الْكُفَّارِ، وَفِيمَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا مُعَاوِيَةُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الْمُجَاهِدِ وَالْقَارِئِ وَالْمُتَصَدِّقِ؛ لِقولِهِ - تَعَالَى - لِكُلٍّ مِنْهُمْ: إِنَّمَا عَمِلْتَ لِيُقَالَ فَقَدْ قِيلَ، فَبَكَى مُعَاوِيَةُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُطَوَّلًا وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: بَلْ هِيَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً بِدَلِيلِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ﴾ وَالْمُؤْمِنُ فِي الْجُمْلَةِ مَآلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ بِالشَّفَاعَةِ، أَوْ مُطْلَقِ الْعَفْوِ، وَالْوَعِيدُ فِي الْآيَةِ بِالنَّارِ، وَإِحْبَاطِ الْعَمَلِ وَبُطْلَانِهِ إِنَّمَا هُوَ لِلْكَافِرِ.
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ الرِّيَاءُ فِيهِ فَقَطْ فَيُجَازَى فَاعِلُهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْبَاطَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا رِيَاءٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا عُجِّلَ لَهُ، وَجُوزِيَ فِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ لِتَجْرِيدِهِ قَصْدَهُ إِلَى الدُّنْيَا وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُجَاهِدِينَ خَاصَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَعُمُومُهَا شَامِلٌ لِكُلِّ مُرَاءٍ وَعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أَيْ فِي الدُّنْيَا مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ لِقولِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ فَعَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ يُحْمَلُ ذَلِكَ الْمُطْلَقُ، وَكَذَا يُقَيَّدُ مُطْلَقُ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ: قَدْ يُوجَدُ بَعْضُ الْكُفَّارِ مُقَتَّرًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، أَوْ مِنَ الصِّحَّةِ، أَوْ مِنْ طُولِ الْعُمْرِ؛ بَلْ قَدْ يُوجَدُ مَنْ هُوَ مَنْحُوسُ الْحَظِّ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، كَمَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ
الْآيَةِ فِي الْبَابِ لِحَدِيثِهِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْقِيتِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا عَلَى التَّأْبيدِ؛ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ ج نْسِ الْكَبِيرَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يُعَذَّبُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَنْفِي أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ التَّعْذِيبِ عَلَى مَعْصِيَةِ الرِّيَاءِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَكِنْ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ لَكِنْ قُتَيْبَةُ لَمْ يُدْرِكْهُ ابْنُ حَازِمٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ بِفَاءٍ وَمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ مَكِّيٌّ سَكَنَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَأَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَاضِيَةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ: مَكَانٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثُ مَرَاحِلَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ سَكَنَهُ أَبُو ذَرٍّ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَمَاتَ بِهِ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ) هُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَحْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِرَفْعِ تَوَهُّمٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْهُ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، فَأَفَادَتْ تَعْيِينَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْحَرَّةُ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ مِنْهَا، وَكَانَتْ بِهِ الْوَقْعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: الْحَرَّةُ الْأَرْضُ الَّتِي حِجَارَتَهَا سُودٌ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمُكْثِرونَ وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى مُخْتَلِفَةُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالسِّيَاقِ.
قَوْلُهُ: (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ)؛ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَيْسَ لِلْقَمَرِ فِيهِ ضَوْءٌ لِيُخْفِيَ شَخْصَهُ، وَإِنَّمَا اسْتَمَرَّ يَمْشِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطْرَأَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَاجَةٌ فَيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) كَأَنَّهُ رَأَى شَخْصَهُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ أَبُو ذَرٍّ)؛ أَيْ أَنَا أَبُو ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: (جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَكَذَا لِأَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ أَحْمَدَ: فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي رِوَايَةِ حَفْصٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا مَضَى فِي الِاسْتِئْذَانِ: فَقُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَعَالَهْ بِهَاءِ السَّكْتِ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: فَائِدَةُ الْوُقُوفِ عَلَى هَاءِ السَّكْتِ أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى سَاكِنَيْنِ، نَقَلَهُ ابْنُ التِّينِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وَقَدِ اخْتَصَرَ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي رِوَايَتِهِ سِيَاقَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَكَذَا عِنْدَهُ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّضْرُ) بْنُ شُمَيْلٍ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا، الْغَرَضُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ تَصْرِيحُ الشُّيُوخِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّ زَيْدَ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَهُمْ، وَالْأَوَّلَانِ نُسِبَا إِلَى التَّدْلِيسِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لي (١): يا حكيمُ» (إِنَّ هَذَا المَالَ) في الرَّغبة والميل إليه كالفاكهة (خَضِرَةٌ) في المنظرِ (حُلْوَةٌ) في الذَّوق (فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ) من غير حرصٍ عليه، أو بسخاوةِ نفسِ المُعطي (بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ) بالشين المعجمة، بأن تعرَّض له بنحو بسطِ اليدِ (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي) به الجوعُ الكاذب (يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) كلَّما ازدادَ أكلًا ازدادَ جوعًا (وَاليَدُ العُلْيَا) بضم العين مقصورًا، المُنفقة أو المتعفِّفة (خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) الآخذة.
والحديثُ سبق في «الوصايا» [خ¦٢٧٥٠] و «الخمس» [خ¦٣١٤٣].
(١٢) (بابُ مَا قَدَّمَ) الإنسانُ المكلَّف في حال صحَّته وحرصه (مِنْ مَالِهِ) في وجوهِ الخيرات وأنواع القُربات (فَهْوَ) خيرٌ (لَهُ) عندَ الله من تركهِ بعد موته.
٦٤٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (٢)، ولأبي ذرٍّ بالجمع (أَبِي) حفص بن غياث قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بنِ شريك (التَّيْمِيُّ) تيم الرِّباب، يُكنَّى أبا أسماء (٣) الكوفيُّ، العابد الثِّقة إلَّا أنَّه يرسلُ ويدلِّس (عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ) التَّيميِّ الكوفيِّ، أنَّه قال: (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁: (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ). قال في «الفتح»: يعني: أنَّ (٤) الَّذي يخلفهُ الإنسانُ من المال وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنَّه
باعتبارِ انتقالهِ إلى وارثه يكونُ منسوبًا للوارثِ، فنسبتهُ للمالك في حياتهِ حقيقة، ونسبته للوارث في حياة المورِّثِ مجازيةٌ، ومن بعد موته حقيقة (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ) من مالِ وارثه (قَالَ) ﵊: (فَإِنَّ مَالَهُ) الَّذي يضافُ إليه في الحياة (مَا قَدَّمَ) بأن أنفقَه في وجوهِ الخيرات (وَمَالُ) بالرَّفع في «اليونينيَّة» وغيرها (١) (وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ) بعد موتهِ ولم ينفقْه في وجوههِ، وفيه الحثُّ على تقديم ما يمكنُ تقديمهُ من المال في وجوهِ المبرَّات (٢) وأنواع القُربات؛ لينتفعَ به في الآخرة.
(١٣) هذا (٣) (بابٌ) بالتَّنوين (المُكْثِرُونَ) من المالِ (هُمُ المُقِلُّونَ) في الثَّواب، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «هم الأقلُّون» (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾) نوصلُ إليهم أجورَ أعمالهم وافيةً كاملةً من غير بَخسٍ في الدُّنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصِّحَّة والرِّزق، وهم الكفَّار أو المنافقون (٤) (﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا﴾) وحبطَ في الآخرةِ ما صنعوا (٥) أو صنيعهم، أي: لم يكن لهم ثوابٌ؛ لأنَّهم لم يريدوا به الآخرة وإنَّما أرادوا به الدُّنيا، وقد وفَّى لهم ما أرادوا (﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]) أي: كان عملهم في نفسه باطلًا؛ لأنَّه لم يُعْمَلْ لغرضٍ صحيحٍ، والعملُ الباطلُ لا ثواب له، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ … » إلى آخره، وقال قبلها: «الآيتين».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٤٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ، قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قَالَ: سألْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ قَالَ: (هاذَا المالُ) ورُبَّما قَالَ سُفْيان: قَالَ لي: (يَا حَكِيمُ {إنَّ هاذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فِيهِ، ومنْ أخَذهُ بإشْرَافِ نفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء ابْن حزَام بِكَسْر الْحَاء وبالزاي الْخَفِيفَة ابْن خويلد الْأَسدي.
والْحَدِيث مضى فِي الْوَصَايَا وَفِي الْخمس عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ) الْقَائِل بربما هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ رِوَايَة عَن سُفْيَان، وَالْقَائِل: (قَالَ لي) هُوَ حَكِيم بن حزَام. يَعْنِي قَالَ: قَالَ لي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يظنّ سُفْيَان هُوَ الْقَائِل. بقوله: (قَالَ لي: يَا حَكِيم) } لِأَن سُفْيَان لم يدْرك حكيماً لِأَن بَين وَفَاة حَكِيم ومولد سُفْيَان نَحْو خمسين سنة. قَوْله: (يَا حَكِيم) ، بِالرَّفْع بِغَيْر تَنْوِين لِأَنَّهُ منادى مُفْرد معرفَة، وَتَفْسِير الخضرة الحلوة قد مضى عَن قريب. قَوْله: (بإشراف نفس) الإشراف على الشَّيْء الإطلاع عَلَيْهِ والتعرض لَهُ بِنَحْوِ بسط الْيَد. قَوْله: (كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع) أَي: كمن بِهِ الْجُوع الْكَاذِب، وَقد يُسمى بجوع الْكَلْب كلما ازْدَادَ أكلا ازْدَادَ جوعا. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا) قد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف.
٢١ - (بَاب مَا قدَّمَ مِنْ مالِهِ فَهْوَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من قدم أَي: الْإِنْسَان الْمُكَلف من مَاله فَهُوَ لَهُ يجد ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْمرَاد: بالتقديم صرف مَاله قبل مَوته فِي مَوَاضِع القربات، وَهَذِه التَّرْجَمَة مَعَ حَدِيث الْبَاب تدل على أَن إِنْفَاق المَال فِي وُجُوه الْبر أفضل من تَركه لوَرثَته. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِنَّك أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) قلت: لَا تعَارض بَينهمَا لِأَن سَعْدا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه كُله فِي مَرضه. وَكَانَ وَارثه بنته، وَلَا طَاقَة لَهَا على الْكسْب فَأمره أَن يتَصَدَّق مِنْهُ بِثُلثِهِ وَيكون بَاقِيه لابنته وَبَيت المَال، وَحَدِيث الْبَاب إِنَّمَا خَاطب بِهِ أَصْحَابه فِي صحتهم وحرضهم على تَقْدِيم شَيْء من مَالهم لينفعهم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَن تَقْدِيم جَمِيع مَاله عِنْد مَرضه، فَإِن ذَلِك تَحْرِيم للْوَرَثَة وتركهم فُقَرَاء يسْأَلُون النَّاس، وَإِنَّمَا الشَّارِع جعل لَهُ التَّصَرُّف فِي مَاله بِالثُّلثِ فَقَط.
٢٤٤٦ - حدّثني عُمَرُ بنُ حَفْصِ حدّثني أبي حَدثنَا الأعْمَش قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ الله: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أيُّكُمْ مالُ وارِثهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مالِهِ؟) . قَالُوا: يَا رَسُول الله! مَا مِنَّا أحَدٌ إلاّ مالُهُ أحَبُّ إليْهِ. قَالَ: (فإنَّ مالَهُ مَا قَدَّمَ ومالُ وارِثِهِ مَا أخَّرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب العابد عَن الْحَارِث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ، وكل هَؤُلَاءِ كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن هناد بن السّري.
قَوْله: (مَا قدم) أَي: على مَوته بِأَن صرفه فِي حَيَاته فِي مصارف الْخَيْر. قَوْله: (وَمَال وَارثه مَا أخر) أَي: مَا أَخّرهُ من المَال الَّذِي يتْركهُ وَلَا يتَصَدَّق مِنْهُ حَتَّى يَمُوت.
٣١ - (بابُ المكْثِرُون هُم المْقِلُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكرفيه: المكثرون هم المقلون كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: هم الأقلون، وَوَقع فِي
رِوَايَة أبي ذَر: (المكثرون هم الأخسرون) وَمَعْنَاهُ: المكثرون من المَال هم المقلون فِي الثَّوَاب يَعْنِي كَثْرَة المَال تؤول بِصَاحِبِهِ إِلَى الإقلال من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة إِذا لم يُنْفِقهُ فِي طَاعَة الله تَعَالَى، فَإِن أنفقهُ فِيهَا كَانَ غَنِيا من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (هود: ٥١ ٦١) [/ ح.
سيقت هَاتَانِ الْآيَتَانِ بتمامهما فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر {من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا} ... الْآيَتَانِ وَفِي رِوَايَة أبي زيد بعد قَوْله: {وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا} ... الْآيَة وَمثله للإسماعيلي، لَكِن قَالَ إِلَى قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} قَوْله: {من كَانَ} . . إِلَى آخِره على عمومها فِي الْكفَّار وفيمن يرائي بِعَمَلِهِ من الْمُسلمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الْآيَة فِيمَن عمل عملا يُرِيد بِهِ غير الله جوزي عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَعَن أنس: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِن أعْطوا سَائِلًا أَو وصلوا رحما عجل لَهُم جَزَاء ذَلِك بتوسعة فِي الرزق وَصِحَّة فِي الْبدن، وَقيل: هم الَّذين جاهدوا من الْمُنَافِقين مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَسْهم لَهُم من الْغَنَائِم، وَقَالَ الضَّحَّاك: يَعْنِي الْمُشْركين إِذا عمِلُوا عملا جوزوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا أبين لقَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار} قَوْله: (نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم) أَي: نوصل إِلَيْهِم أجور أَعْمَالهم كَامِلَة وافية، وَهُوَ من التوفية، وقرىء. . يوف، بِالْيَاءِ على أَن الْفِعْل لله، وبالياء على صِيغَة الْمَجْهُول، ويوفي بِالتَّخْفِيفِ وَإِثْبَات الْيَاء. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الدُّنْيَا. قَوْله: {لَا يبخسون} من البخس وَهُوَ النَّقْص. قَوْله: (وحبط) أَي: بَطل يُقَال: حَبط عمله يحبط، وأحبطه غَيره، وَمعنى حَبط عَمَلهم لَيْسَ لَهُم ثَوَاب لأَنهم لم يُرِيدُوا بِهِ الْآخِرَة. قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} أَي: عَمَلهم فِي نَفسه بَاطِل، وقرىء: وَبَطل، على الْفِعْل، وَعَن عَاصِم: وباطلاً، بِالنّصب.
٣٤٤٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ أبي ذَرٍّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي فَإِذا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْشِي وحْدَهُ ولَيْسَ مَعَهُ إنْسانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظِلِّ القمَرِ فالْتَفَتَ فَرآنِي. فَقَالَ: (مَنْ هاذا؟) قُلْتُ: أبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ {تَعَالَهْ) قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةَ، فَقَالَ: (إنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَاّ مَنْ أعْطَاهُ الله خَيْراً فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وشِمالَهُ وبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَراءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً) . قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَة، فَقَالَ لِي: (اجْلِسْ هاهُنا) . قَالَ: فأجْلَسَنِي فِي قاعٍ حَوْلَهُ حِجارَةٌ فَقَالَ لِي: (إجْلِسْ هاهُنا حتَّى أرْجِعَ إلَيْكَ) قَالَ: فانْطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حتَّى لَا أراهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فأطالَ اللُّبَّثَ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُهُ وهْوَ مُقْبِلٌ وهْوَ يَقُولُ: (وَإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى) قَالَ: فَلمَّا جاءَ لَمْ أصْبِرْ حتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله} جَعَلَنِي الله فِداءَكَ {مَنْ تُكَلِّمُ فِي جانِب الحَرَّةِ؟ مَا سَمعْتُ أحَداً يَرْجِعُ إلَيْكَ شَيْئاً. قَالَ: (ذالِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السلامُ، عَرَضَ لِي فِي جانِبِ الحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَّكَ أنَّه مَنْ ماتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجنَّةَ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعْمَ} وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والمطابقة أَيْضا بَين الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة هِيَ أَن الْوَعيد الَّذِي فِيهَا مَحْمُول على التَّأْقِيت فِي حق من وَقع لَهُ ذَلِك من الْمُسلمين لَا على التَّأْبِيد لدلَالَة الحَدِيث على أَن المرتكب لجنس الْكَبِيرَة من الْمُسلمين يدْخل الْجنَّة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنه يعذب قبل ذَلِك، كَمَا أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي أَنه قد يدْخل الْجنَّة بعد التعذيب على مَعْصِيّة الزِّنَا.
وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَعبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة الْأَسدي الْمَكِّيّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ من صغَار التَّابِعين سمع أنس بن مَالك، وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي من قضاعة خرج إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ اسْمه فِي الْأَشْهر جُنْدُب بن جُنَادَة.
والْحَدِيث بِزِيَادَة ونقصان مضى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الاستقراض وَفِي الاسْتِئْذَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَبدة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره.
قَوْله: (خرجت لَيْلَة من اللَّيَالِي) وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَنهُ: كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حرَّة الْمَدِينَة عشَاء، فَبين فِيهِ الْمَكَان وَالزَّمَان. قَوْله: (فِي ظلّ الْقَمَر) أَي: فِي مَكَان لَيْسَ للقمر فِيهِ ضوء ليخفي نَفسه، وَإِنَّمَا اسْتمرّ يمشي لاحْتِمَال أَن يطْرَأ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَاجَة فَيكون قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (قلت: أَبُو ذَر) أَي: أَنا أَبُو ذَر. قَوْله: (تعاله) أَمر بهاء السكت هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (تعال) ، قَالَ ابْن التِّين: فَائِدَة هَاء السكت أَن لَا يقف على ساكنين وَهُوَ غير مطرد. قَوْله: (إِن المكثرين هم المقلون) قد مر الْكَلَام فِيهِ آنِفا. قَوْله: (خيرا) . أَي: مَالا قَالَ تَعَالَى: {إِن ترك خيرا} قَوْله: (فنفح فِيهِ) بِالْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: نفح فلَان فلَانا بِشَيْء أَي: أعطَاهُ، والنفحة الدفعة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : نفح بالعطاء أعْطى، وَالله نفاح بالخيرات، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : نفح بِالْمَالِ وَالسيف، ونفحت الدَّابَّة رمت بحافرها الأَرْض. قَوْله: (ووراءه) ، قيل: مَعْنَاهُ يُوصي فِيهِ ويبقيه لوَارِثه، وَحبس بحبسه. قَوْله: (فِي قاع) هُوَ أَرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عَنْهَا الْجبَال. قَوْله: (فِي الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (وَهُوَ مقبل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) ، كَذَلِك الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (دخل الْجنَّة) أَي: كَانَ مصيره إِلَيْهَا وَإِن ناله عُقُوبَة جمعا بَينه وَبَين مثل {وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم} من الْآيَات الموعدة للفساق. قَوْله: (وَإِن سرق وَإِن زنى) ، قيل: يحْتَمل مَعْنيين، أَحدهمَا: أَن هَذِه الْأمة يغْفر لجميعها. وَالثَّانِي: أَن يكون يدْخل الْجنَّة من عُوقِبَ بِبَعْض ذنُوبه فَأدْخل النَّار ثمَّ أخرج مِنْهَا بذنوبه.
قَالَ النَّضْرُ: أخبرنَا شُعْبَةُ وحدّثنا حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ والأعْمَشُ وعَبْدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيْعٍ حدّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ بِهاذَا.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قيل: الْغَرَض بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح الشُّيُوخ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِأَن زيد بن وهب حَدثهمْ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث شُعْبَة قصَّة المكثرين والمقلين إِنَّمَا فِيهِ: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا) ، وَالْعجب من أبي عبد الله كَيفَ أطلق هَذَا الْكَلَام، أخبرنيه الْحسن حَدثنَا حميد يَعْنِي: ابْن زَنْجوَيْه، حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل أَنا شُعْبَة حَدثنَا حبيب بن أبي ثَابت وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز بن رفيع قَالُوا: سمعنَا زيد بن وهب عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي فبشرني أَن من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة.
قلت: وَإِن زنى وسرق؟ قَالَ: وَإِن زنى وسرق) . قَالَ سُلَيْمَان يَعْنِي: الْأَعْمَش، وَإِنَّمَا يروي هَذَا الحَدِيث عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: أما أَنا فَإِنَّمَا سمعته من أبي ذَر أخبرنيه يحيى بن مُحَمَّد الحنائي حَدثنَا عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن حبيب وبلال وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ سمعُوا زيد بن وهب عَن أبي ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة فَذكرهمْ وَلم يذكر بِلَالًا وَلم يزدْ على هَذِه الْقِصَّة: أخبرنيه الْهَيْثَم الدوري حَدثنَا زيد بن أخزم حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن بِلَال وَهُوَ أبي مرداس وَيُقَال ابْن معَاذ تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَنهُ، وَرَوَاهُ شُعْبَة أَيْضا عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد سمع أَبَا ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل قصَّة: من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، أخبرنيه الحنائي حَدثنَا عبيد الله حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة، وَقَالَ بَعضهم: وَقد تبع الْإِسْمَاعِيلِيّ على أعتراضه الْمَذْكُور جمَاعَة. مِنْهُم: مغلطاي وَمن بعده.
قلت: فِيهِ إساءة الْأَدَب حَيْثُ قَالَ: مغلطاي، بطرِيق الاستهتار وَأَرَادَ بقوله: وَمن بعده. صَاحب (التَّوْضِيح) الشَّيْخ سراج الدّين بن الملقن وَهُوَ شَيْخه، والكرماني أَيْضا، ثمَّ تصدى للجواب عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور بقوله: الْجَواب عَن البُخَارِيّ وَاضح على طَريقَة أهل الحَدِيث، لِأَن مُرَاده أصل الحَدِيث