الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٤١
الحديث رقم ٦٤٤١ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ هذا المال خضرة حلوة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ:
سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم من متاع الدنيا فأعطاه، ثم سأله أخرى فأعطاه، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم:
يا حكيم، إن هذا المال مُشتهى مرغوب فيه، فمن جاءه بغير مسألة وأخذه بغير شَرَهِ نَفْسٍ وإلحاح، بورك له فيه، ومن أخذه بتطلع نفس وطمع لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا المنفقة خير عند الله من اليد السفلى السائلة، قال حكيم:
فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أنقص مال أحدٍ بالطلب منه بعدك حتى أفارق الدنيا.
فكان خليفة رسول الله أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه، فيأبى أن يقبله، فقال عمر:
يا معشر المسلمين، إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من مال الفيء الذي حصل للمسلمين من الكفار من غير حرب ولا جهاد، فيأبى أن يأخذه، فلم ينقص حكيم مال أحدٍ بالطلب منه بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رضي الله عنه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فَلَمْ يَنْتَفِ الِاحْتِمَالُ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ
وَادٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانٍ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ جَزْمًا وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مُسْتَمِرًّا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَرَأْتُ سُورَةً نَحْوَ بَرَاءَةٌ فَغِبْتُ وَحَفِظْتُ مِنْهَا: وَلَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَالِثًا الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: كُنَّا نَقْرَأُ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِثْلَهُ الْحَدِيثَ.
١١ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ.
٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: إن هَذَا الْمَالُ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ - خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الْآيَةَ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِثْلُ أَبِي ذَرٍّ، وَزَادَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وَسَاقَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ. وَقَوْلُهُ زُيِّنَ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ الْإِفْصَاحِ بِالَّذِي زُيِّنَ أَنْ يَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ جَمِيعَ مَنْ تَصِحُّ نِسْبَةُ التَّزْيِينِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ أَحَاطَ بِأَنَّهُ ﷾ هُوَ الْفَاعِلُ بِالْحَقِيقَةِ، فَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهَيَّأَهَا لِلِانْتِفَاعِ، وَجَعَلَ الْقُلُوبَ مَائِلَةً إِلَيْهَا، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالتَّزْيِينِ لِيَدْخُلَ فِيهِ حَدِيثُ النَّفْسِ وَوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِاعْتِبَارِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّهْيِئَةِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ بِاعْتِبَارِ مَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَى الْآدَمِيِّ بِالْوَسْوَسَةِ النَّاشِئِ عَنْهَا حَدِيثُ النَّفْسِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ بَدَأَ فِي الْآيَةِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ فِتْنَةً لِلرِّجَالِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ قَالَ: وَمَعْنَى تَزْيِينِهَا إِعْجَابُ الرَّجُلِ بِهَا وَطَوَاعِيَتُهُ لَهَا، وَالْقَنَاطِيرُ جَمْعُ قِنْطَارٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِهِ فَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ وَقِيلَ: سَبْعَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَقِيلَ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، وَقِيلَ: مِائَةُ رِطْلٍ وَقِيلَ: أَلْفُ مِثْقَالٍ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ مَأْخُوذٌ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقَوْلُ الْأَخِيرُ قِيلَ هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ الْقِنْطَارُ فِي الْبِلَادِ بِاخْتِلَافِهَا فِي قَدْرِ الْوُقِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فَاعِلَ التَّزْيِينِ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ اللَّهُ، وَأَنَّ تَزْيِينَ ذَلِكَ بِمَعْنَى تَحْسِينِهِ فِي قُلُوبِ بَنِي آدَمَ وَأَنَّهُمْ جُبِلُوا عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مَنْ ذَلِكَ وَانْهَمَكَ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْمُومُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى فِيهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَوَقَفَ عِنْدَ مَا حُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ فَهَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الذَّمُّ، وَمِنْهُمْ مَنِ ارْتَقَى عَنْ ذَلِكَ فَزَهِدَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَعَ إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، فَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ.
وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى بِمَالٍ مِنَ الْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهُ: نَفْلُ كِسْرَى، فَأَمَرَ بِهِ فَصُبَّ وَغُطِّيَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَكُشِفَ عَنْهُ فَإِذَا حُلِيٌّ كَثِيرٌ وَجَوْهَرٌ وَمَتَاعٌ، فَبَكَى عُمَرُ وَحَمِدَ اللَّهَ ﷿ فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ هَذِهِ غَنَائِمُ غَنِمَهَا اللَّهُ لَنَا وَنَزَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَقَالَ: مَا فُتِحَ مِنْ هَذَا عَلَى قَوْمٍ إِلَّا سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُمْ.
قَالَ: فَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ مَنَاطِقُ وَخَوَاتِمُ فَرُفِعَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ: حَتَّى مَتَى تَحْبِسُهُ لَا تُقَسِّمُهُ؟ قَالَ: بَلَى إِذَا رَأَيْتَنِي فَارِغًا فَآذِنِّي بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ فَارِغًا بَسَطَ شَيْئًا فِي حُشِّ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ فِي مِكْتَلٍ فَصَبَّهُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَكْثَرَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ قُلْتَ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ فَتَلَا الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نُحِبَّ مَا زَيَّنْتَ لَنَا، فَقِنِي شَرَّهُ وَارْزُقْنِي أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّكَ، فَمَا قَامَ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ، وَهَذَا مَوْصُولٌ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعْفٌ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُمْ وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ: فَمَا رَامَ حَتَّى قَسَمَهُ، وَبَقِيَتْ مِنْهُ قِطَعٌ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَتَزَيَّنَ لَنَا مَا زَيَّنْت لَنَا، وَالْبَاقِي نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ قِصَّةً أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ - رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ) فَاعِلُ قَالَ أَوَّلًا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْقَائِلُ رُبَّمَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدَايِنِيِّ رَاوِيهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَالْقَائِلُ قَالَ لِي هُوَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ صَحَابِيُّ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَحَكِيمٌ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُنَادًى مُفْرَدٌ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ حَكِيمًا قَالَ لِسُفْيَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، لِأَنَّ بَيْنَ وَفَاةِ حَكِيمٍ وَمَوْلِدِ سُفْيَانَ نَحْوَ الْخَمْسِينَ سَنَةً، وَلِهَذَا لَا يُقْرَأُ حَكِيمٌ بِالتَّنْوِينِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ سُفْيَانَ رَوَاهُ مَرَّةً بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ؛ أَيِ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ، وَمَرَّةً بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ إِلَخْ، وَقَدْ وَقَعَ بِإِثْبَاتِ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ إِلَخْ فِي بَابِ: الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى فِي بَابِ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: بُورِكَ لَهُ فِيهِ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ وَفِيهِ مَقَالٌ.
١٢ - بَاب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ لَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واستحلُّوا حُرمتهم. قال: فحدَّثني زيدُ بن أسلم أنَّه بقيَ من ذلك المال مناطقُ وخواتمُ فرُفِعَ، فقال له عبدُ الله بن أرقم: حتَّى متى تحبسُه لا تقسِّمُه؟ قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذنِّي به، فلمَّا رآه فارغًا بَسَطَ شيئًا في حشِّ نخلةٍ، ثم جاءه به في مكتلٍ فصبَّه فكأنَّه استكثرهُ، ثم قال: اللَّهم أنت قلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] فتلا الآية حتَّى فرغ منها، ثمَّ قال: لا نستطيعُ إلَّا أن نُحبَّ ما زيَّنت لنا فقنِي شرَّه، وارزُقني أن أنفقَه في حقِّه، فما قام حتَّى ما بقي منه شيءٌ».
٦٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) كلاهما (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي، الأسديِّ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير لفظ الإعطاءِ ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ: (هَذَا المَالُ) قال: ابنُ المدينيِّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ) حكيمٌ: قال (لِي) رسول الله ﷺ: (يَا حَكِيمُ) بالرَّفع من غيرِ تنوينٍ منادى مفرد. قال (٢) في «الفتح»: وظاهر السِّياق أنَّ حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك؛ لأنَّه لم يدركه، فإنَّ بين وفاة حكيمٍ ومولد سفيان نحو الخمسين سنة، وإنَّما المُراد: أنَّ سفيان رواه مرَّةً بلفظٍ، «ثمَّ قال» -أي: النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ هذا المال» ومرَّة بلفظ: «ثمَّ (٣) قال
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٤٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ، قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قَالَ: سألْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ قَالَ: (هاذَا المالُ) ورُبَّما قَالَ سُفْيان: قَالَ لي: (يَا حَكِيمُ {إنَّ هاذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فِيهِ، ومنْ أخَذهُ بإشْرَافِ نفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء ابْن حزَام بِكَسْر الْحَاء وبالزاي الْخَفِيفَة ابْن خويلد الْأَسدي.
والْحَدِيث مضى فِي الْوَصَايَا وَفِي الْخمس عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ) الْقَائِل بربما هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ رِوَايَة عَن سُفْيَان، وَالْقَائِل: (قَالَ لي) هُوَ حَكِيم بن حزَام. يَعْنِي قَالَ: قَالَ لي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يظنّ سُفْيَان هُوَ الْقَائِل. بقوله: (قَالَ لي: يَا حَكِيم) } لِأَن سُفْيَان لم يدْرك حكيماً لِأَن بَين وَفَاة حَكِيم ومولد سُفْيَان نَحْو خمسين سنة. قَوْله: (يَا حَكِيم) ، بِالرَّفْع بِغَيْر تَنْوِين لِأَنَّهُ منادى مُفْرد معرفَة، وَتَفْسِير الخضرة الحلوة قد مضى عَن قريب. قَوْله: (بإشراف نفس) الإشراف على الشَّيْء الإطلاع عَلَيْهِ والتعرض لَهُ بِنَحْوِ بسط الْيَد. قَوْله: (كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع) أَي: كمن بِهِ الْجُوع الْكَاذِب، وَقد يُسمى بجوع الْكَلْب كلما ازْدَادَ أكلا ازْدَادَ جوعا. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا) قد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف.
٢١ - (بَاب مَا قدَّمَ مِنْ مالِهِ فَهْوَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من قدم أَي: الْإِنْسَان الْمُكَلف من مَاله فَهُوَ لَهُ يجد ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْمرَاد: بالتقديم صرف مَاله قبل مَوته فِي مَوَاضِع القربات، وَهَذِه التَّرْجَمَة مَعَ حَدِيث الْبَاب تدل على أَن إِنْفَاق المَال فِي وُجُوه الْبر أفضل من تَركه لوَرثَته. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِنَّك أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) قلت: لَا تعَارض بَينهمَا لِأَن سَعْدا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه كُله فِي مَرضه. وَكَانَ وَارثه بنته، وَلَا طَاقَة لَهَا على الْكسْب فَأمره أَن يتَصَدَّق مِنْهُ بِثُلثِهِ وَيكون بَاقِيه لابنته وَبَيت المَال، وَحَدِيث الْبَاب إِنَّمَا خَاطب بِهِ أَصْحَابه فِي صحتهم وحرضهم على تَقْدِيم شَيْء من مَالهم لينفعهم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَن تَقْدِيم جَمِيع مَاله عِنْد مَرضه، فَإِن ذَلِك تَحْرِيم للْوَرَثَة وتركهم فُقَرَاء يسْأَلُون النَّاس، وَإِنَّمَا الشَّارِع جعل لَهُ التَّصَرُّف فِي مَاله بِالثُّلثِ فَقَط.
٢٤٤٦ - حدّثني عُمَرُ بنُ حَفْصِ حدّثني أبي حَدثنَا الأعْمَش قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ الله: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أيُّكُمْ مالُ وارِثهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مالِهِ؟) . قَالُوا: يَا رَسُول الله! مَا مِنَّا أحَدٌ إلاّ مالُهُ أحَبُّ إليْهِ. قَالَ: (فإنَّ مالَهُ مَا قَدَّمَ ومالُ وارِثِهِ مَا أخَّرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب العابد عَن الْحَارِث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ، وكل هَؤُلَاءِ كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن هناد بن السّري.
قَوْله: (مَا قدم) أَي: على مَوته بِأَن صرفه فِي حَيَاته فِي مصارف الْخَيْر. قَوْله: (وَمَال وَارثه مَا أخر) أَي: مَا أَخّرهُ من المَال الَّذِي يتْركهُ وَلَا يتَصَدَّق مِنْهُ حَتَّى يَمُوت.
٣١ - (بابُ المكْثِرُون هُم المْقِلُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكرفيه: المكثرون هم المقلون كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: هم الأقلون، وَوَقع فِي
رِوَايَة أبي ذَر: (المكثرون هم الأخسرون) وَمَعْنَاهُ: المكثرون من المَال هم المقلون فِي الثَّوَاب يَعْنِي كَثْرَة المَال تؤول بِصَاحِبِهِ إِلَى الإقلال من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة إِذا لم يُنْفِقهُ فِي طَاعَة الله تَعَالَى، فَإِن أنفقهُ فِيهَا كَانَ غَنِيا من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (هود: ٥١ ٦١) [/ ح.
سيقت هَاتَانِ الْآيَتَانِ بتمامهما فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر {من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا} ... الْآيَتَانِ وَفِي رِوَايَة أبي زيد بعد قَوْله: {وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا} ... الْآيَة وَمثله للإسماعيلي، لَكِن قَالَ إِلَى قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} قَوْله: {من كَانَ} . . إِلَى آخِره على عمومها فِي الْكفَّار وفيمن يرائي بِعَمَلِهِ من الْمُسلمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الْآيَة فِيمَن عمل عملا يُرِيد بِهِ غير الله جوزي عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَعَن أنس: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِن أعْطوا سَائِلًا أَو وصلوا رحما عجل لَهُم جَزَاء ذَلِك بتوسعة فِي الرزق وَصِحَّة فِي الْبدن، وَقيل: هم الَّذين جاهدوا من الْمُنَافِقين مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَسْهم لَهُم من الْغَنَائِم، وَقَالَ الضَّحَّاك: يَعْنِي الْمُشْركين إِذا عمِلُوا عملا جوزوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا أبين لقَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار} قَوْله: (نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم) أَي: نوصل إِلَيْهِم أجور أَعْمَالهم كَامِلَة وافية، وَهُوَ من التوفية، وقرىء. . يوف، بِالْيَاءِ على أَن الْفِعْل لله، وبالياء على صِيغَة الْمَجْهُول، ويوفي بِالتَّخْفِيفِ وَإِثْبَات الْيَاء. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الدُّنْيَا. قَوْله: {لَا يبخسون} من البخس وَهُوَ النَّقْص. قَوْله: (وحبط) أَي: بَطل يُقَال: حَبط عمله يحبط، وأحبطه غَيره، وَمعنى حَبط عَمَلهم لَيْسَ لَهُم ثَوَاب لأَنهم لم يُرِيدُوا بِهِ الْآخِرَة. قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} أَي: عَمَلهم فِي نَفسه بَاطِل، وقرىء: وَبَطل، على الْفِعْل، وَعَن عَاصِم: وباطلاً، بِالنّصب.
٣٤٤٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ أبي ذَرٍّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي فَإِذا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْشِي وحْدَهُ ولَيْسَ مَعَهُ إنْسانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظِلِّ القمَرِ فالْتَفَتَ فَرآنِي. فَقَالَ: (مَنْ هاذا؟) قُلْتُ: أبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ {تَعَالَهْ) قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةَ، فَقَالَ: (إنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَاّ مَنْ أعْطَاهُ الله خَيْراً فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وشِمالَهُ وبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَراءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً) . قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَة، فَقَالَ لِي: (اجْلِسْ هاهُنا) . قَالَ: فأجْلَسَنِي فِي قاعٍ حَوْلَهُ حِجارَةٌ فَقَالَ لِي: (إجْلِسْ هاهُنا حتَّى أرْجِعَ إلَيْكَ) قَالَ: فانْطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حتَّى لَا أراهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فأطالَ اللُّبَّثَ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُهُ وهْوَ مُقْبِلٌ وهْوَ يَقُولُ: (وَإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى) قَالَ: فَلمَّا جاءَ لَمْ أصْبِرْ حتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله} جَعَلَنِي الله فِداءَكَ {مَنْ تُكَلِّمُ فِي جانِب الحَرَّةِ؟ مَا سَمعْتُ أحَداً يَرْجِعُ إلَيْكَ شَيْئاً. قَالَ: (ذالِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السلامُ، عَرَضَ لِي فِي جانِبِ الحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَّكَ أنَّه مَنْ ماتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجنَّةَ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعْمَ} وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والمطابقة أَيْضا بَين الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة هِيَ أَن الْوَعيد الَّذِي فِيهَا مَحْمُول على التَّأْقِيت فِي حق من وَقع لَهُ ذَلِك من الْمُسلمين لَا على التَّأْبِيد لدلَالَة الحَدِيث على أَن المرتكب لجنس الْكَبِيرَة من الْمُسلمين يدْخل الْجنَّة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنه يعذب قبل ذَلِك، كَمَا أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي أَنه قد يدْخل الْجنَّة بعد التعذيب على مَعْصِيّة الزِّنَا.
وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَعبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة الْأَسدي الْمَكِّيّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ من صغَار التَّابِعين سمع أنس بن مَالك، وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي من قضاعة خرج إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ اسْمه فِي الْأَشْهر جُنْدُب بن جُنَادَة.
والْحَدِيث بِزِيَادَة ونقصان مضى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الاستقراض وَفِي الاسْتِئْذَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَبدة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره.
قَوْله: (خرجت لَيْلَة من اللَّيَالِي) وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَنهُ: كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حرَّة الْمَدِينَة عشَاء، فَبين فِيهِ الْمَكَان وَالزَّمَان. قَوْله: (فِي ظلّ الْقَمَر) أَي: فِي مَكَان لَيْسَ للقمر فِيهِ ضوء ليخفي نَفسه، وَإِنَّمَا اسْتمرّ يمشي لاحْتِمَال أَن يطْرَأ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَاجَة فَيكون قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (قلت: أَبُو ذَر) أَي: أَنا أَبُو ذَر. قَوْله: (تعاله) أَمر بهاء السكت هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (تعال) ، قَالَ ابْن التِّين: فَائِدَة هَاء السكت أَن لَا يقف على ساكنين وَهُوَ غير مطرد. قَوْله: (إِن المكثرين هم المقلون) قد مر الْكَلَام فِيهِ آنِفا. قَوْله: (خيرا) . أَي: مَالا قَالَ تَعَالَى: {إِن ترك خيرا} قَوْله: (فنفح فِيهِ) بِالْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: نفح فلَان فلَانا بِشَيْء أَي: أعطَاهُ، والنفحة الدفعة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : نفح بالعطاء أعْطى، وَالله نفاح بالخيرات، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : نفح بِالْمَالِ وَالسيف، ونفحت الدَّابَّة رمت بحافرها الأَرْض. قَوْله: (ووراءه) ، قيل: مَعْنَاهُ يُوصي فِيهِ ويبقيه لوَارِثه، وَحبس بحبسه. قَوْله: (فِي قاع) هُوَ أَرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عَنْهَا الْجبَال. قَوْله: (فِي الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (وَهُوَ مقبل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) ، كَذَلِك الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (دخل الْجنَّة) أَي: كَانَ مصيره إِلَيْهَا وَإِن ناله عُقُوبَة جمعا بَينه وَبَين مثل {وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم} من الْآيَات الموعدة للفساق. قَوْله: (وَإِن سرق وَإِن زنى) ، قيل: يحْتَمل مَعْنيين، أَحدهمَا: أَن هَذِه الْأمة يغْفر لجميعها. وَالثَّانِي: أَن يكون يدْخل الْجنَّة من عُوقِبَ بِبَعْض ذنُوبه فَأدْخل النَّار ثمَّ أخرج مِنْهَا بذنوبه.
قَالَ النَّضْرُ: أخبرنَا شُعْبَةُ وحدّثنا حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ والأعْمَشُ وعَبْدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيْعٍ حدّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ بِهاذَا.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قيل: الْغَرَض بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح الشُّيُوخ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِأَن زيد بن وهب حَدثهمْ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث شُعْبَة قصَّة المكثرين والمقلين إِنَّمَا فِيهِ: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا) ، وَالْعجب من أبي عبد الله كَيفَ أطلق هَذَا الْكَلَام، أخبرنيه الْحسن حَدثنَا حميد يَعْنِي: ابْن زَنْجوَيْه، حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل أَنا شُعْبَة حَدثنَا حبيب بن أبي ثَابت وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز بن رفيع قَالُوا: سمعنَا زيد بن وهب عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي فبشرني أَن من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة.
قلت: وَإِن زنى وسرق؟ قَالَ: وَإِن زنى وسرق) . قَالَ سُلَيْمَان يَعْنِي: الْأَعْمَش، وَإِنَّمَا يروي هَذَا الحَدِيث عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: أما أَنا فَإِنَّمَا سمعته من أبي ذَر أخبرنيه يحيى بن مُحَمَّد الحنائي حَدثنَا عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن حبيب وبلال وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ سمعُوا زيد بن وهب عَن أبي ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة فَذكرهمْ وَلم يذكر بِلَالًا وَلم يزدْ على هَذِه الْقِصَّة: أخبرنيه الْهَيْثَم الدوري حَدثنَا زيد بن أخزم حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن بِلَال وَهُوَ أبي مرداس وَيُقَال ابْن معَاذ تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَنهُ، وَرَوَاهُ شُعْبَة أَيْضا عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد سمع أَبَا ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل قصَّة: من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، أخبرنيه الحنائي حَدثنَا عبيد الله حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة، وَقَالَ بَعضهم: وَقد تبع الْإِسْمَاعِيلِيّ على أعتراضه الْمَذْكُور جمَاعَة. مِنْهُم: مغلطاي وَمن بعده.
قلت: فِيهِ إساءة الْأَدَب حَيْثُ قَالَ: مغلطاي، بطرِيق الاستهتار وَأَرَادَ بقوله: وَمن بعده. صَاحب (التَّوْضِيح) الشَّيْخ سراج الدّين بن الملقن وَهُوَ شَيْخه، والكرماني أَيْضا، ثمَّ تصدى للجواب عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور بقوله: الْجَواب عَن البُخَارِيّ وَاضح على طَريقَة أهل الحَدِيث، لِأَن مُرَاده أصل الحَدِيث
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ فَلَمْ يَنْتَفِ الِاحْتِمَالُ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ فَيُحَدِّثُنَا، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ
وَادٍ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَانٍ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ مِمَّا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ جَزْمًا وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مُسْتَمِرًّا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَرَأْتُ سُورَةً نَحْوَ بَرَاءَةٌ فَغِبْتُ وَحَفِظْتُ مِنْهَا: وَلَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَالِثًا الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: كُنَّا نَقْرَأُ لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالًا لَأَحَبَّ إِلَيْهِ مِثْلَهُ الْحَدِيثَ.
١١ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ.
٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: إن هَذَا الْمَالُ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ - خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الْآيَةَ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الْآيَةَ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِثْلُ أَبِي ذَرٍّ، وَزَادَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وَسَاقَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ. وَقَوْلُهُ زُيِّنَ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ الْإِفْصَاحِ بِالَّذِي زُيِّنَ أَنْ يَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ جَمِيعَ مَنْ تَصِحُّ نِسْبَةُ التَّزْيِينِ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ أَحَاطَ بِأَنَّهُ ﷾ هُوَ الْفَاعِلُ بِالْحَقِيقَةِ، فَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهَيَّأَهَا لِلِانْتِفَاعِ، وَجَعَلَ الْقُلُوبَ مَائِلَةً إِلَيْهَا، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِالتَّزْيِينِ لِيَدْخُلَ فِيهِ حَدِيثُ النَّفْسِ وَوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِاعْتِبَارِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّهْيِئَةِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ بِاعْتِبَارِ مَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَى الْآدَمِيِّ بِالْوَسْوَسَةِ النَّاشِئِ عَنْهَا حَدِيثُ النَّفْسِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ بَدَأَ فِي الْآيَةِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ فِتْنَةً لِلرِّجَالِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ قَالَ: وَمَعْنَى تَزْيِينِهَا إِعْجَابُ الرَّجُلِ بِهَا وَطَوَاعِيَتُهُ لَهَا، وَالْقَنَاطِيرُ جَمْعُ قِنْطَارٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِهِ فَقِيلَ: سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ وَقِيلَ: سَبْعَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَقِيلَ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، وَقِيلَ: مِائَةُ رِطْلٍ وَقِيلَ: أَلْفُ مِثْقَالٍ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ مَأْخُوذٌ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ وَإِحْكَامِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْقَوْلُ الْأَخِيرُ قِيلَ هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ الْقِنْطَارُ فِي الْبِلَادِ بِاخْتِلَافِهَا فِي قَدْرِ الْوُقِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) سَقَطَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فَاعِلَ التَّزْيِينِ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ اللَّهُ، وَأَنَّ تَزْيِينَ ذَلِكَ بِمَعْنَى تَحْسِينِهِ فِي قُلُوبِ بَنِي آدَمَ وَأَنَّهُمْ جُبِلُوا عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مَنْ ذَلِكَ وَانْهَمَكَ فِيهِ وَهُوَ الْمَذْمُومُ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى فِيهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَوَقَفَ عِنْدَ مَا حُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِمُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ فَهَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الذَّمُّ، وَمِنْهُمْ مَنِ ارْتَقَى عَنْ ذَلِكَ فَزَهِدَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ مَعَ إِقْبَالِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، فَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ.
وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى بِمَالٍ مِنَ الْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهُ: نَفْلُ كِسْرَى، فَأَمَرَ بِهِ فَصُبَّ وَغُطِّيَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَكُشِفَ عَنْهُ فَإِذَا حُلِيٌّ كَثِيرٌ وَجَوْهَرٌ وَمَتَاعٌ، فَبَكَى عُمَرُ وَحَمِدَ اللَّهَ ﷿ فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ هَذِهِ غَنَائِمُ غَنِمَهَا اللَّهُ لَنَا وَنَزَعَهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَقَالَ: مَا فُتِحَ مِنْ هَذَا عَلَى قَوْمٍ إِلَّا سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُمْ.
قَالَ: فَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ مَنَاطِقُ وَخَوَاتِمُ فَرُفِعَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ: حَتَّى مَتَى تَحْبِسُهُ لَا تُقَسِّمُهُ؟ قَالَ: بَلَى إِذَا رَأَيْتَنِي فَارِغًا فَآذِنِّي بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ فَارِغًا بَسَطَ شَيْئًا فِي حُشِّ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ فِي مِكْتَلٍ فَصَبَّهُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَكْثَرَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ قُلْتَ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ فَتَلَا الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ: لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نُحِبَّ مَا زَيَّنْتَ لَنَا، فَقِنِي شَرَّهُ وَارْزُقْنِي أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّكَ، فَمَا قَامَ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ، وَهَذَا مَوْصُولٌ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعْفٌ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَاسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُمْ وَقَطَعُوا أَرْحَامَهُمْ: فَمَا رَامَ حَتَّى قَسَمَهُ، وَبَقِيَتْ مِنْهُ قِطَعٌ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ يَتَزَيَّنَ لَنَا مَا زَيَّنْت لَنَا، وَالْبَاقِي نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ قِصَّةً أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ - رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ) فَاعِلُ قَالَ أَوَّلًا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْقَائِلُ رُبَّمَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدَايِنِيِّ رَاوِيهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَالْقَائِلُ قَالَ لِي هُوَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ صَحَابِيُّ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَحَكِيمٌ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُنَادًى مُفْرَدٌ، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّ حَكِيمًا قَالَ لِسُفْيَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، لِأَنَّ بَيْنَ وَفَاةِ حَكِيمٍ وَمَوْلِدِ سُفْيَانَ نَحْوَ الْخَمْسِينَ سَنَةً، وَلِهَذَا لَا يُقْرَأُ حَكِيمٌ بِالتَّنْوِينِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ سُفْيَانَ رَوَاهُ مَرَّةً بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ؛ أَيِ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ، وَمَرَّةً بِلَفْظِ: ثُمَّ قَالَ لِي: يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ إِلَخْ، وَقَدْ وَقَعَ بِإِثْبَاتِ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ: فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ إِلَخْ فِي بَابِ: الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ قَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى فِي بَابِ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: بُورِكَ لَهُ فِيهِ، زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ وَفِيهِ مَقَالٌ.
١٢ - بَاب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ لَهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
واستحلُّوا حُرمتهم. قال: فحدَّثني زيدُ بن أسلم أنَّه بقيَ من ذلك المال مناطقُ وخواتمُ فرُفِعَ، فقال له عبدُ الله بن أرقم: حتَّى متى تحبسُه لا تقسِّمُه؟ قال: بلى إذا رأيتني فارغًا فآذنِّي به، فلمَّا رآه فارغًا بَسَطَ شيئًا في حشِّ نخلةٍ، ثم جاءه به في مكتلٍ فصبَّه فكأنَّه استكثرهُ، ثم قال: اللَّهم أنت قلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] فتلا الآية حتَّى فرغ منها، ثمَّ قال: لا نستطيعُ إلَّا أن نُحبَّ ما زيَّنت لنا فقنِي شرَّه، وارزُقني أن أنفقَه في حقِّه، فما قام حتَّى ما بقي منه شيءٌ».
٦٤٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ) محمَّد بن مسلمٍ (يَقُولُ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (١) (عُرْوَةُ) بن الزُّبير (وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) كلاهما (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي، الأسديِّ، أنَّه (قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي) بتكرير لفظ الإعطاءِ ثلاثًا (ثُمَّ قَالَ) ﷺ: (هَذَا المَالُ) قال: ابنُ المدينيِّ: (وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ) بن عُيينة: (قَالَ) حكيمٌ: قال (لِي) رسول الله ﷺ: (يَا حَكِيمُ) بالرَّفع من غيرِ تنوينٍ منادى مفرد. قال (٢) في «الفتح»: وظاهر السِّياق أنَّ حكيمًا قال لسفيان: وليس كذلك؛ لأنَّه لم يدركه، فإنَّ بين وفاة حكيمٍ ومولد سفيان نحو الخمسين سنة، وإنَّما المُراد: أنَّ سفيان رواه مرَّةً بلفظٍ، «ثمَّ قال» -أي: النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ هذا المال» ومرَّة بلفظ: «ثمَّ (٣) قال
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
١٤٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عبْدِ الله حدّثنا سُفْيانُ، قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبرنِي عُرْوَةُ وسَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ عَنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قَالَ: سألْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ سألْتُهُ فأعْطانِي، ثُمَّ قَالَ: (هاذَا المالُ) ورُبَّما قَالَ سُفْيان: قَالَ لي: (يَا حَكِيمُ {إنَّ هاذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فِيهِ، ومنْ أخَذهُ بإشْرَافِ نفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة. وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، وَحَكِيم بِفَتْح الْحَاء ابْن حزَام بِكَسْر الْحَاء وبالزاي الْخَفِيفَة ابْن خويلد الْأَسدي.
والْحَدِيث مضى فِي الْوَصَايَا وَفِي الْخمس عَن مُحَمَّد بن يُوسُف عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (ثمَّ قَالَ) أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (وَرُبمَا قَالَ) الْقَائِل بربما هُوَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ رِوَايَة عَن سُفْيَان، وَالْقَائِل: (قَالَ لي) هُوَ حَكِيم بن حزَام. يَعْنِي قَالَ: قَالَ لي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا يظنّ سُفْيَان هُوَ الْقَائِل. بقوله: (قَالَ لي: يَا حَكِيم) } لِأَن سُفْيَان لم يدْرك حكيماً لِأَن بَين وَفَاة حَكِيم ومولد سُفْيَان نَحْو خمسين سنة. قَوْله: (يَا حَكِيم) ، بِالرَّفْع بِغَيْر تَنْوِين لِأَنَّهُ منادى مُفْرد معرفَة، وَتَفْسِير الخضرة الحلوة قد مضى عَن قريب. قَوْله: (بإشراف نفس) الإشراف على الشَّيْء الإطلاع عَلَيْهِ والتعرض لَهُ بِنَحْوِ بسط الْيَد. قَوْله: (كَالَّذي يَأْكُل وَلَا يشْبع) أَي: كمن بِهِ الْجُوع الْكَاذِب، وَقد يُسمى بجوع الْكَلْب كلما ازْدَادَ أكلا ازْدَادَ جوعا. قَوْله: (وَالْيَد الْعليا) قد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الاستعفاف.
٢١ - (بَاب مَا قدَّمَ مِنْ مالِهِ فَهْوَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال من قدم أَي: الْإِنْسَان الْمُكَلف من مَاله فَهُوَ لَهُ يجد ثَوَابه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْمرَاد: بالتقديم صرف مَاله قبل مَوته فِي مَوَاضِع القربات، وَهَذِه التَّرْجَمَة مَعَ حَدِيث الْبَاب تدل على أَن إِنْفَاق المَال فِي وُجُوه الْبر أفضل من تَركه لوَرثَته. فَإِن قلت: هَذَا يُعَارض قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لسعد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِنَّك أَن تذر وَرثتك أَغْنِيَاء خير من أَن تتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس) قلت: لَا تعَارض بَينهمَا لِأَن سَعْدا أَرَادَ أَن يتَصَدَّق بِمَالِه كُله فِي مَرضه. وَكَانَ وَارثه بنته، وَلَا طَاقَة لَهَا على الْكسْب فَأمره أَن يتَصَدَّق مِنْهُ بِثُلثِهِ وَيكون بَاقِيه لابنته وَبَيت المَال، وَحَدِيث الْبَاب إِنَّمَا خَاطب بِهِ أَصْحَابه فِي صحتهم وحرضهم على تَقْدِيم شَيْء من مَالهم لينفعهم يَوْم الْقِيَامَة، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ أَن تَقْدِيم جَمِيع مَاله عِنْد مَرضه، فَإِن ذَلِك تَحْرِيم للْوَرَثَة وتركهم فُقَرَاء يسْأَلُون النَّاس، وَإِنَّمَا الشَّارِع جعل لَهُ التَّصَرُّف فِي مَاله بِالثُّلثِ فَقَط.
٢٤٤٦ - حدّثني عُمَرُ بنُ حَفْصِ حدّثني أبي حَدثنَا الأعْمَش قَالَ: حدّثني إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ عنِ الحارِثِ بنِ سُوَيْدٍ قَالَ عَبْدُ الله: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أيُّكُمْ مالُ وارِثهِ أحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مالِهِ؟) . قَالُوا: يَا رَسُول الله! مَا مِنَّا أحَدٌ إلاّ مالُهُ أحَبُّ إليْهِ. قَالَ: (فإنَّ مالَهُ مَا قَدَّمَ ومالُ وارِثِهِ مَا أخَّرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن شريك التَّيْمِيّ تيم الربَاب العابد عَن الْحَارِث بن سُوَيْد التَّيْمِيّ، وكل هَؤُلَاءِ كوفيون، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.
والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَصَايَا عَن هناد بن السّري.
قَوْله: (مَا قدم) أَي: على مَوته بِأَن صرفه فِي حَيَاته فِي مصارف الْخَيْر. قَوْله: (وَمَال وَارثه مَا أخر) أَي: مَا أَخّرهُ من المَال الَّذِي يتْركهُ وَلَا يتَصَدَّق مِنْهُ حَتَّى يَمُوت.
٣١ - (بابُ المكْثِرُون هُم المْقِلُّونَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكرفيه: المكثرون هم المقلون كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: هم الأقلون، وَوَقع فِي
رِوَايَة أبي ذَر: (المكثرون هم الأخسرون) وَمَعْنَاهُ: المكثرون من المَال هم المقلون فِي الثَّوَاب يَعْنِي كَثْرَة المَال تؤول بِصَاحِبِهِ إِلَى الإقلال من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة إِذا لم يُنْفِقهُ فِي طَاعَة الله تَعَالَى، فَإِن أنفقهُ فِيهَا كَانَ غَنِيا من الْحَسَنَات يَوْم الْقِيَامَة.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الَاْخِرَةِ إِلَاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (هود: ٥١ ٦١) [/ ح.
سيقت هَاتَانِ الْآيَتَانِ بتمامهما فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وكريمة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر {من كَانَ يُرِيد الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا} ... الْآيَتَانِ وَفِي رِوَايَة أبي زيد بعد قَوْله: {وَزينتهَا نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم فِيهَا} ... الْآيَة وَمثله للإسماعيلي، لَكِن قَالَ إِلَى قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} قَوْله: {من كَانَ} . . إِلَى آخِره على عمومها فِي الْكفَّار وفيمن يرائي بِعَمَلِهِ من الْمُسلمين، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: الْآيَة فِيمَن عمل عملا يُرِيد بِهِ غير الله جوزي عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا. وَعَن أنس: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِن أعْطوا سَائِلًا أَو وصلوا رحما عجل لَهُم جَزَاء ذَلِك بتوسعة فِي الرزق وَصِحَّة فِي الْبدن، وَقيل: هم الَّذين جاهدوا من الْمُنَافِقين مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأَسْهم لَهُم من الْغَنَائِم، وَقَالَ الضَّحَّاك: يَعْنِي الْمُشْركين إِذا عمِلُوا عملا جوزوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا أبين لقَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار} قَوْله: (نوف إِلَيْهِم أَعْمَالهم) أَي: نوصل إِلَيْهِم أجور أَعْمَالهم كَامِلَة وافية، وَهُوَ من التوفية، وقرىء. . يوف، بِالْيَاءِ على أَن الْفِعْل لله، وبالياء على صِيغَة الْمَجْهُول، ويوفي بِالتَّخْفِيفِ وَإِثْبَات الْيَاء. قَوْله: (فِيهَا) أَي: فِي الدُّنْيَا. قَوْله: {لَا يبخسون} من البخس وَهُوَ النَّقْص. قَوْله: (وحبط) أَي: بَطل يُقَال: حَبط عمله يحبط، وأحبطه غَيره، وَمعنى حَبط عَمَلهم لَيْسَ لَهُم ثَوَاب لأَنهم لم يُرِيدُوا بِهِ الْآخِرَة. قَوْله: {وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ} أَي: عَمَلهم فِي نَفسه بَاطِل، وقرىء: وَبَطل، على الْفِعْل، وَعَن عَاصِم: وباطلاً، بِالنّصب.
٣٤٤٦ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدّثنا جَرِيرٌ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ رُفَيْعٍ عنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ عنْ أبي ذَرٍّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي فَإِذا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْشِي وحْدَهُ ولَيْسَ مَعَهُ إنْسانٌ قَالَ: فَظَنَنْتُ أنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أمْشِي فِي ظِلِّ القمَرِ فالْتَفَتَ فَرآنِي. فَقَالَ: (مَنْ هاذا؟) قُلْتُ: أبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي الله فِدَاءَكَ، قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ {تَعَالَهْ) قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ ساعَةَ، فَقَالَ: (إنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَاّ مَنْ أعْطَاهُ الله خَيْراً فَنَفَخَ فِيهِ يَمِينَهُ وشِمالَهُ وبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَراءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْراً) . قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَة، فَقَالَ لِي: (اجْلِسْ هاهُنا) . قَالَ: فأجْلَسَنِي فِي قاعٍ حَوْلَهُ حِجارَةٌ فَقَالَ لِي: (إجْلِسْ هاهُنا حتَّى أرْجِعَ إلَيْكَ) قَالَ: فانْطَلَقَ فِي الحَرَّةِ حتَّى لَا أراهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فأطالَ اللُّبَّثَ، ثُمَّ إنِّي سَمِعْتُهُ وهْوَ مُقْبِلٌ وهْوَ يَقُولُ: (وَإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى) قَالَ: فَلمَّا جاءَ لَمْ أصْبِرْ حتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله} جَعَلَنِي الله فِداءَكَ {مَنْ تُكَلِّمُ فِي جانِب الحَرَّةِ؟ مَا سَمعْتُ أحَداً يَرْجِعُ إلَيْكَ شَيْئاً. قَالَ: (ذالِكَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السلامُ، عَرَضَ لِي فِي جانِبِ الحَرَّةِ قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَّكَ أنَّه مَنْ ماتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجنَّةَ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعْمَ} وإنْ شَرِبَ الخَمْرَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والمطابقة أَيْضا بَين الحَدِيث وَالْآيَة الْمَذْكُورَة هِيَ أَن الْوَعيد الَّذِي فِيهَا مَحْمُول على التَّأْقِيت فِي حق من وَقع لَهُ ذَلِك من الْمُسلمين لَا على التَّأْبِيد لدلَالَة الحَدِيث على أَن المرتكب لجنس الْكَبِيرَة من الْمُسلمين يدْخل الْجنَّة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنه يعذب قبل ذَلِك، كَمَا أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي أَنه قد يدْخل الْجنَّة بعد التعذيب على مَعْصِيّة الزِّنَا.
وَجَرِير هُوَ ابْن عبد الحميد وَعبد الْعَزِيز بن رفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالعين الْمُهْملَة الْأَسدي الْمَكِّيّ سكن الْكُوفَة وَهُوَ من صغَار التَّابِعين سمع أنس بن مَالك، وَزيد بن وهب أَبُو سُلَيْمَان الْهَمدَانِي الْكُوفِي من قضاعة خرج إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقبض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ فِي الطَّرِيق وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ اسْمه فِي الْأَشْهر جُنْدُب بن جُنَادَة.
والْحَدِيث بِزِيَادَة ونقصان مضى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة فِي الاستقراض وَفِي الاسْتِئْذَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ، فِي الْإِيمَان عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن عَبدة بن عبد الرَّحْمَن وَغَيره.
قَوْله: (خرجت لَيْلَة من اللَّيَالِي) وَفِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَن زيد بن وهب عَنهُ: كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حرَّة الْمَدِينَة عشَاء، فَبين فِيهِ الْمَكَان وَالزَّمَان. قَوْله: (فِي ظلّ الْقَمَر) أَي: فِي مَكَان لَيْسَ للقمر فِيهِ ضوء ليخفي نَفسه، وَإِنَّمَا اسْتمرّ يمشي لاحْتِمَال أَن يطْرَأ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَاجَة فَيكون قَرِيبا مِنْهُ. قَوْله: (قلت: أَبُو ذَر) أَي: أَنا أَبُو ذَر. قَوْله: (تعاله) أَمر بهاء السكت هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: (تعال) ، قَالَ ابْن التِّين: فَائِدَة هَاء السكت أَن لَا يقف على ساكنين وَهُوَ غير مطرد. قَوْله: (إِن المكثرين هم المقلون) قد مر الْكَلَام فِيهِ آنِفا. قَوْله: (خيرا) . أَي: مَالا قَالَ تَعَالَى: {إِن ترك خيرا} قَوْله: (فنفح فِيهِ) بِالْحَاء الْمُهْملَة يُقَال: نفح فلَان فلَانا بِشَيْء أَي: أعطَاهُ، والنفحة الدفعة. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : نفح بالعطاء أعْطى، وَالله نفاح بالخيرات، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : نفح بِالْمَالِ وَالسيف، ونفحت الدَّابَّة رمت بحافرها الأَرْض. قَوْله: (ووراءه) ، قيل: مَعْنَاهُ يُوصي فِيهِ ويبقيه لوَارِثه، وَحبس بحبسه. قَوْله: (فِي قاع) هُوَ أَرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عَنْهَا الْجبَال. قَوْله: (فِي الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء، أَرض ذَات حِجَارَة سود كَأَنَّهَا احترقت بالنَّار. قَوْله: (وَهُوَ مقبل) ، الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (وَهُوَ يَقُول) ، كَذَلِك الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (دخل الْجنَّة) أَي: كَانَ مصيره إِلَيْهَا وَإِن ناله عُقُوبَة جمعا بَينه وَبَين مثل {وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم} من الْآيَات الموعدة للفساق. قَوْله: (وَإِن سرق وَإِن زنى) ، قيل: يحْتَمل مَعْنيين، أَحدهمَا: أَن هَذِه الْأمة يغْفر لجميعها. وَالثَّانِي: أَن يكون يدْخل الْجنَّة من عُوقِبَ بِبَعْض ذنُوبه فَأدْخل النَّار ثمَّ أخرج مِنْهَا بذنوبه.
قَالَ النَّضْرُ: أخبرنَا شُعْبَةُ وحدّثنا حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ والأعْمَشُ وعَبْدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيْعٍ حدّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ بِهاذَا.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل ... إِلَى آخِره. قَوْله: (بِهَذَا) أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، قيل: الْغَرَض بِهَذَا التَّعْلِيق تَصْرِيح الشُّيُوخ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين بِأَن زيد بن وهب حَدثهمْ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ فِي حَدِيث شُعْبَة قصَّة المكثرين والمقلين إِنَّمَا فِيهِ: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا) ، وَالْعجب من أبي عبد الله كَيفَ أطلق هَذَا الْكَلَام، أخبرنيه الْحسن حَدثنَا حميد يَعْنِي: ابْن زَنْجوَيْه، حَدثنَا النَّضر بن شُمَيْل أَنا شُعْبَة حَدثنَا حبيب بن أبي ثَابت وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز بن رفيع قَالُوا: سمعنَا زيد بن وهب عَن أبي ذَر، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَتَانِي فبشرني أَن من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة.
قلت: وَإِن زنى وسرق؟ قَالَ: وَإِن زنى وسرق) . قَالَ سُلَيْمَان يَعْنِي: الْأَعْمَش، وَإِنَّمَا يروي هَذَا الحَدِيث عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: أما أَنا فَإِنَّمَا سمعته من أبي ذَر أخبرنيه يحيى بن مُحَمَّد الحنائي حَدثنَا عبيد الله بن معَاذ حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة عَن حبيب وبلال وَالْأَعْمَش وَعبد الْعَزِيز الْمَكِّيّ سمعُوا زيد بن وهب عَن أبي ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... الحَدِيث. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة فَذكرهمْ وَلم يذكر بِلَالًا وَلم يزدْ على هَذِه الْقِصَّة: أخبرنيه الْهَيْثَم الدوري حَدثنَا زيد بن أخزم حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن بِلَال وَهُوَ أبي مرداس وَيُقَال ابْن معَاذ تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَنهُ، وَرَوَاهُ شُعْبَة أَيْضا عَن الْمَعْرُور بن سُوَيْد سمع أَبَا ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل قصَّة: من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا، أخبرنيه الحنائي حَدثنَا عبيد الله حَدثنَا أبي حَدثنَا شُعْبَة، وَقَالَ بَعضهم: وَقد تبع الْإِسْمَاعِيلِيّ على أعتراضه الْمَذْكُور جمَاعَة. مِنْهُم: مغلطاي وَمن بعده.
قلت: فِيهِ إساءة الْأَدَب حَيْثُ قَالَ: مغلطاي، بطرِيق الاستهتار وَأَرَادَ بقوله: وَمن بعده. صَاحب (التَّوْضِيح) الشَّيْخ سراج الدّين بن الملقن وَهُوَ شَيْخه، والكرماني أَيْضا، ثمَّ تصدى للجواب عَن الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور بقوله: الْجَواب عَن البُخَارِيّ وَاضح على طَريقَة أهل الحَدِيث، لِأَن مُرَاده أصل الحَدِيث