الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٩٧
الحديث رقم ٦٤٩٧ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب رفع الأمانة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٤٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٤٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهرانٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيِّ، هاجر ففاتتْه رؤية النَّبيِّ ﷺ بأيَّامٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بنُ اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر نزولِ الأمانة، وفي ذكرِ رفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: أَنَّ الأَمَانَةَ) الَّتي هي ضدُّ الخيانة أو هي التَّكاليف (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة الأصل (ثُمَّ عَلِمُوا) بفتح العين وكسر اللام المخففة، بعد نزولها في أصل قلوبهم (مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) أي: أنَّ (١) الأمانة لهم بحسب الفِطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، والظَّاهر أنَّ المرادَ من الأمانة: التَّكليف الَّذي كلَّف الله تعالى به عبادهُ والعهد الَّذي أخذه عليهم، وقال صاحب «التَّحرير» (٢): المرادُ بها هنا: الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. قال في «فتوح الغيب»: شبَّه حالة الإنسان وهي ما كلَّفه من الطَّاعة بحالةٍ معروضة (٣) لو عُرضت على السَّموات والأرض والجبال لأبت حَملها وأشفقت منها؛ لعظمها وثِقل محملها (٤)، وحملها الإنسان على ضَعفه ورخاوة قوَّته، إنَّه ظلومٌ على نفسه، جاهلٌ بأحوالها، حيث قبل ما لم تُطق حمله هذه الأجرام العِظام، فقوله: «حملها» على حقيقتهِ، والمراد بالأمانة: التَّكليف.
وروى محيي السُّنَّة: عَرض اللهُ الأمانةَ على أعيانِ السَّموات والأرض والجبال، فقال لهنَّ: أتحملنَ (١) هذه الأمانة بما فيها. قلنا: ما فيها؟ قال: إن أحسنتُنَّ جوزيتُنَّ، وإن عصيتُنَّ عوقبتُنَّ. قلنا: لا (٢) يا ربّ، لا نريدُ ثوابًا ولا عقابًا خشيةً وتعظيمًا لدين الله، و (٣) كان هذا العرض تخييرًا لا إلزامًا (٤).
أو شُبِّهت هذه الأجرام -حال انقيادها وأنَّها لم تمتنعْ عن (٥) مشيئةِ الله وإرادتهِ إيجادًا وتكوينًا وتسويةً بهيئاتٍ مختلفةٍ- بحال مأمورٍ مُطيعٍ لا يتوقَّف عن (٦) الامتثالِ إذا توجَّه إليه أمرُ آمرهِ المُطاع كالأنبياء وأفرادِ المؤمنين، وعلى هذا فمعنى: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أنَّها بعدما انقادتْ وأطاعتْ ثبتتْ عليها، وأدَّت ما التزمتْ من الأمانةِ وخرجت عن عُهدتها سوى الإنسان، فإنَّه ما وَفَّى بذلك وخان (٧)، إنَّه كان ظَلومًا جَهولًا.
وقال الزَّجَّاج: أعلمنا (٨) الله تعالى أنَّه ائتمنَ بني آدمَ على ما افترضَه عليهم من طاعتهِ، وائتمن السَّموات والأرض والجبال على طاعتهِ والخضوع له، فأمَّا هذه الأجرام فأطعنَ الله ولم تحملِ (٩) الأمانة، أي: أدَّتها، وكلُّ من خان الأمانةَ فقد احتملها.
(وَحَدَّثَنَا) ﷺ (عَنْ رَفْعِهَا) أي: الأمانة (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ) بضم الفوقية وفتح الموحدة (مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالرفع (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو
وبعد الكاف الساكنة فوقية، النُّقطة في الشَّيء من غيرِ لونه، أو هو السَّواد اليسير، أو اللَّون المُحدث المخالف للون الَّذي كان قبلَه (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) الأمانة (فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام، النُّفَّاخات الَّتي تخرج في الأيدِي عند كثرةِ العمل بنحو الفأس (كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضم الميم وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الموحدة، مفتعلًا، أي: مرتفعًا. وقال أبو عبيد: منتبرًا: منقطعًا (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) والمعنى: أنَّ الأمانةَ تزول عن (١) القلوبِ شيئًا فشيئًا، فإذا زال أوَّل جزءٍ منها زالَ نورها وخلفته ظلمةٌ كالوكتِ، وهو اعتراضُ (٢) لونٍ مخالفٍ (٣) للَّون الَّذي قبلَه، فإذا زال شيءٌ آخر صار كالمَجْل، وهو أثرٌ محكمٌ لا يكاد يزول إلَّا بعد مدَّةٍ، وهذه الظلمةُ فوق الَّتي قبلَها، وشبَّه زوال ذلك النُّور بعد وقوعهِ في القلب وخروجهِ بعد استقرارهِ فيه واعتقابِ الظُّلمة إيَّاه بجمرٍ يُدَحرجه (٤) على رجلهِ حتَّى يُؤثِّر فيها، ثمَّ يزولُ الجمر ويبقى النَّفط (٥)، قاله صاحب «التَّحرير» (٦). وذَكَر النَّفط اعتبارًا بالعضو، و «ثمَّ» في قوله: «ثمَّ ينام النَّومة» للتَّراخي في الرُّتبة وهي نقيضةُ «ثمَّ» في قوله: «ثمَّ عَلِموا من القرآن ما عَلِموا من السُّنَّة» (فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أحدهم» (يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمة الإيمان، وليس المراد هنا أنَّ الأمانة هي الإيمان. قال حذيفة: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا) ولأبي ذرٍّ: «ولا» (أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ) أي: مبايعة البيع والشِّراء (لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عليَّ الإِسْلَامُ) بتشديد ياء «عليَّ» وسقط «عليَّ» لغير أبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بالإسلام» (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) وإليه الَّذي أُقيم عليه بالأمانة، فيُنصفني منه ويستخرج
حقِّي منه، أو المراد: الَّذي يتولَّى قبض الجزيةَ؛ يعني (١): أنَّه (٢) كان يُعامل مَن شاء غير باحثٍ عن حالهِ وثوقًا بأمانته، فإنَّه إن كان مسلمًا فدينُه يمنعُه من الخيانةِ، ويحملُه على أداءِ الأمانة (فَأَمَّا اليَوْمَ) فذهبتِ الأمانةُ فلست أَثق اليوم بأحدٍ أئتمنه (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل، وذكر (٣) النَّصرانيَّ على سبيل التَّمثيل، وإلَّا فاليهوديُّ أيضًا كذلك، كما صرَّح بهما في مسلمٍ.
والحديثُ أخرجهُ بسنده ومَتنه في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٨٦]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان»، وكذا ابن ماجه.
(قَالَ الفَِرَبْرِيُّ) محمَّدُ بن يوسف: (قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن حاتمٍ ورَّاق المؤلِّف، أي: الَّذي يكتب له كُتبه: (حَدَّثْتُ (٤) أَبَا عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ، وحذف ما حدَّثه به؛ لعدم احتياجهِ له إذ ذاك (فَقَالَ) البخاريُّ: (سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ) البلخيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ) بضم العين، هو القاسم بن سلَّامٍ (يَقُولُ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ) عبد الملك بن قُرَيْب (وَأَبُو عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العلاء القارئ (وَغَيْرُهُمَا) هو سفيان الثَّوريُّ، كما عند الإسماعيليِّ: (جَذْرُ قُلُوبِ الرِّجَالِ، الجَذْرُ: الأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) كذا فسَّروه لكنَّهم اختلفوا، فعند أبي عَمرٍو بكسر (٥) الجيم، وعند الأصمعيِّ بفتحها (٦) (وَالوَكْتُ: أَثَرُ الشَّيْءِ اليَسِيرُ مِنْهُ، وَالمَجْلُ: أَثَرُ العَمَلِ فِي الكَفِّ إِذَا غَلُظَ) وهذا كلام أبي عبيد أيضًا (٧)، وهذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي وحده.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ يُونُسُ وابنُ مُسافِرِ ويَحْيَاى بنُ سَعِيدٍ: عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عَطاءٍ عنْ بَعْضِ أصْحابِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
يُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن مُسَافر أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو الْوَلِيد التَّمِيمِي الْمصْرِيّ وَالِي مصر لهشام سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وعزل عَنْهَا سنة تسع عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ مولى اللَّيْث بن سعد، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ النجاري الْمَدِينِيّ قَاضِي الْمَدِينَة، رأى أنس بن مَالك. وَتَعْلِيق يُونُس أخرجه عبد الله بن وهب فِي (جَامعه) ، وَتَعْلِيق ابْن مُسَافر أخرجه الذهلي فِي (الزهريات) : من طَرِيق اللَّيْث ابْن سعد عَنهُ. وَتَعْلِيق يحيى أخرجه الذهلي الْمَذْكُور من طَرِيق سُلَيْمَان بن بِلَال عَنهُ. قَوْله: عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ.
٥٩٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا المَاجشُونُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي صَعْصَعَة عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعِيدٍ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (يَأْتِي عَلى النَّاس زَمانٌ خَيْرُ مالِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ الغَنَمُ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بِدِينهِ منَ الفِتْنَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَأَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن وَهُوَ الْفضل بن عَمْرو بن حَمَّاد الْأَحول التَّيْمِيّ الْكُوفِي. ودكين لقب. عَمْرو مَاتَ سنة ثَمَان أَو تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، والماجشون بِكَسْر الْجِيم وَضم الشين الْمُعْجَمَة هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، يروي عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عبد الرَّحْمَن هَذَا: أَنه سمع أَبَاهُ أخرجه أَحْمد والإسماعيلي وَأَخُوهُ عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن عبد الله انْفَرد البُخَارِيّ بهما وبأبيهما.
والْحَدِيث مضى فِي الْإِيمَان فِي: بَاب من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (شعف الْجبَال) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة جمع شعفة، وَهِي رَأس الْجَبَل. قَوْله: (ومواقع الْقطر) يَعْنِي: بطُون الأودية.
وَفِيه: أَن اعتزال النَّاس عِنْد ظُهُور الْفِتَن والهرب عَنْهُم أسلم للدّين من مخالطتهم.
٥٣ - (بابُ رَفْعِ الأمانَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْأَمَانَة من بَين النَّاس. وَالْمرَاد برفعها ذهابها بِحَيْثُ إِن لَا يُوجد الْأمين، وَالْأَمَانَة ضد الْخِيَانَة.
٦٩٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ حدّثنا هِلالُ بنُ عَلِيٍّ عنْ عَطاءٍ بن يَسارٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا ضُيِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِر السَّاعَةَ) . قَالَ: كَيْف إضاعَتُها يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (إِذا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ) . (انْظُر الحَدِيث ٩٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِذا ضيعت الْأَمَانَة) وَمُحَمّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى.
والْحَدِيث قد مضى فِي أول كتاب الْعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قَوْله: (كَيفَ إضاعتها) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ الْأَعرَابِي، سَأَلَ: مَتى السَّاعَة؟ لِأَن أول الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مجْلِس يحدث الْقَوْم جَاءَ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَتى السَّاعَة؟ ... الحَدِيث. قَوْله: (قَالَ: إِذا أسْند) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أسْند الْأَمر إِلَى غير أَهله) وَالْمرَاد من الْأَمر جنس الْأُمُور الَّتِي تتَعَلَّق بِالدّينِ كالخلافة والسلطنة والإمارة وَالْقَضَاء والإفتاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أسْند الْأَمر، أَي: فوض المناصب إِلَى غير مستحقيها كتفويض الْقَضَاء إِلَى غير الْعَالم بِالْأَحْكَامِ كَمَا هُوَ فِي زَمَاننَا.
قلت: يَا لَيْت أَن يتَوَلَّى الْجَاهِل بِلَا رشوة لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون دينا يستفتي فِيمَا يجهله، فالمصيبة الْعُظْمَى أَن يتَوَلَّى الْجَاهِل بالرشوة، فلعن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الراشي والمرتشي والرائش، حَيْثُ قَالَ: لعن الله الراشي ... إِلَى آخر الحَدِيث، رَوَاهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَلَا شكّ أَن من لَعنه الله لَعنه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأعظم المصائب أَن الديار
المصرية الَّتِي هِيَ كرْسِي الْإِسْلَام لَا يتَوَلَّى فِيهَا الْقُضَاة والحكام وَسَائِر أَصْحَاب المناصب إِلَّا بالرشي والبراطيل، وَلَا يُوجد هَذَا فِي بِلَاد الرّوم وَلَا فِي بِلَاد الْعَجم.
٧٩٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ حدّثنا الأعْمَشُ عنْ زَيْدِ بن وَهْبٍ حدّثنا حُذَيْفَةُ قَالَ: حدّثنا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أحَدَهُما، وَأَنا أنْتَظرُ الآخَرَ. حدّثنا: أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، وحدّثنا عنْ رَفْعِها، قَالَ: (يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ منْ قَلْبِهِ فَيظلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقاى أثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُوَنَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ. فَيُقالُ: إِن فِي بَني فُلانٍ رَجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَا أعْقَلهُ وَمَا أظْرَفَهُ وَمَا أجْلَدَهُ، وَمَا فِي قلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ) ولقدْ أتَى عَلَيَّ زَمانٌ وَمَا أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً رَدَّهُ عَلَيَّ الإسْلامُ، وإنْ كَانَ نَصْرانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ ساعِيهِ، فأمَّا اليَوْمَ، فَما كُنْتُ أُبايعُ إلَاّ فُلاناً وفُلاناً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ.
قَوْله: (حديثين) أَي: فِي بَاب الْأَمَانَة. أَحدهمَا: فِي نزُول الْأَمَانَة. وَالْآخر: فِي رَفعهَا قَوْله: (حَدثنَا) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (فِي جذر قُلُوب الرِّجَال) بِفَتْح الْجِيم: وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الأَصْل فِي كل شَيْء. قَالَه أَبُو عبيد، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الجذر أصل الْحسب وَالنّسب، وأصل الشَّجَرَة. قَوْله: (ثمَّ علمُوا) أَي: بعد نُزُولهَا فِي قُلُوب الرِّجَال بالفطرة علموها من الْقُرْآن. قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض} (الْأَحْزَاب: ٢٧) الْآيَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ الْفَرَائِض الَّتِي على الْعباد، وَقيل: هِيَ مَا أمروا بِهِ ونهوا عَنهُ، وَقيل: هِيَ الطَّاعَة، نَقله الواحدي عَن أَكثر الْمُفَسّرين. قَوْله: (ثمَّ علمُوا من السّنة) أَي: سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن الْأَمَانَة كَانَت لَهُم بِحَسب الْفطْرَة وحصلت لَهُم بِالْكَسْبِ أَيْضا، بِسَبَب الشَّرِيعَة. قَوْله: (وَحدثنَا) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عَن رَفعهَا) أَي: عَن رفع الْأَمَانَة. قَوْله: (ينَام الرجل) إِلَى آخِره بَيَان رَفعهَا وَهُوَ أَنه (ينَام نومَة فتقبض الْأَمَانَة من قلبه) يَعْنِي: تقبض من قوم ثمَّ من قوم ثمَّ شَيْئا بعد شَيْء فِي وَقت بعد وَقت على قدر فَسَاد الدّين. قَوْله: (فيظل أَثَرهَا) أَي: فَيصير أَثَرهَا. (مثل أثر الوكت) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالتاء الْمُثَنَّاة وَهُوَ أثر النَّار وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الوكتة الْأَثر فِي الشَّيْء كالنقطة من غير لَونه وَالْجمع وكت، وَمِنْه قيل للبسر: إِذا وَقعت فِيهِ نقطة من الإرطاب وكت، وَمِنْه حَدِيث حُذَيْفَة الْمَذْكُور، وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل الْوَاو من بَاب التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الوكتة كالنقطة فِي الشَّيْء، يُقَال فِي عينه وكتة، وَضَبطه صَاحب (التَّلْوِيح) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ غلط. قَوْله: (مثل المجل) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا هُوَ التنفط الَّذِي يحصل فِي الْيَد من الْعَمَل بفأس وَنَحْوه، وَهُوَ مصدر: مجلت يَده تمجل مجلاً، وَيُقَال: هُوَ أَن يكون بَين الْجلد وَاللَّحم مَاء وَكَذَلِكَ الْمجلة، وَهُوَ من بَاب علم يعلم ومصدره مجل بِفتْحَتَيْنِ: وَمن بَاب نصر ينصر ومصدره مجل بِسُكُون الْجِيم ومجول، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ تفتح يشبه الْبِئْر من الْعَمَل. قَوْله: (فنفط) بِكَسْر الْفَاء قَالَ ابْن فَارس: النفط قرح يخرج فِي الْيَد من الْعَمَل وَإِنَّمَا قَالَ: نفط مَعَ أَن الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الرجل وَهُوَ مؤنث، وَذكره بِاعْتِبَار الْعُضْو أَو بِاعْتِبَار لفظ الرجل. قَوْله: (منتبرا) أَي: مرتفعاً، من الانتبار وَهُوَ الِارْتفَاع، وَمِنْه انتبر الْأَمِير: صعد على الْمِنْبَر، وَمِنْه سمي الْمِنْبَر منبراً لارتفاعه، وكل شَيْء ارْتَفع فقد نبره وَقَالَ أَبُو عبيد: منتبراً أَي: متنفطاً. وَحَاصِله أَن الْقلب يَخْلُو عَن الْأَمَانَة بِأَن تَزُول عَنهُ شَيْئا فَشَيْئًا، فَإِذا زَالَ جُزْء مِنْهَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٤٩٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ البصريُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (سُفْيَانُ) الثَّوريُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهرانٍ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجُهنيِّ، هاجر ففاتتْه رؤية النَّبيِّ ﷺ بأيَّامٍ، أنَّه قال: (حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ) بنُ اليمان ﵁ (قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ) في ذكر نزولِ الأمانة، وفي ذكرِ رفعها (رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: أَنَّ الأَمَانَةَ) الَّتي هي ضدُّ الخيانة أو هي التَّكاليف (نَزَلَتْ فِي جَِذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ) بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة الأصل (ثُمَّ عَلِمُوا) بفتح العين وكسر اللام المخففة، بعد نزولها في أصل قلوبهم (مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) أي: أنَّ (١) الأمانة لهم بحسب الفِطرة، ثمَّ بطريق الكسب من الشَّريعة، والظَّاهر أنَّ المرادَ من الأمانة: التَّكليف الَّذي كلَّف الله تعالى به عبادهُ والعهد الَّذي أخذه عليهم، وقال صاحب «التَّحرير» (٢): المرادُ بها هنا: الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. قال في «فتوح الغيب»: شبَّه حالة الإنسان وهي ما كلَّفه من الطَّاعة بحالةٍ معروضة (٣) لو عُرضت على السَّموات والأرض والجبال لأبت حَملها وأشفقت منها؛ لعظمها وثِقل محملها (٤)، وحملها الإنسان على ضَعفه ورخاوة قوَّته، إنَّه ظلومٌ على نفسه، جاهلٌ بأحوالها، حيث قبل ما لم تُطق حمله هذه الأجرام العِظام، فقوله: «حملها» على حقيقتهِ، والمراد بالأمانة: التَّكليف.
وروى محيي السُّنَّة: عَرض اللهُ الأمانةَ على أعيانِ السَّموات والأرض والجبال، فقال لهنَّ: أتحملنَ (١) هذه الأمانة بما فيها. قلنا: ما فيها؟ قال: إن أحسنتُنَّ جوزيتُنَّ، وإن عصيتُنَّ عوقبتُنَّ. قلنا: لا (٢) يا ربّ، لا نريدُ ثوابًا ولا عقابًا خشيةً وتعظيمًا لدين الله، و (٣) كان هذا العرض تخييرًا لا إلزامًا (٤).
أو شُبِّهت هذه الأجرام -حال انقيادها وأنَّها لم تمتنعْ عن (٥) مشيئةِ الله وإرادتهِ إيجادًا وتكوينًا وتسويةً بهيئاتٍ مختلفةٍ- بحال مأمورٍ مُطيعٍ لا يتوقَّف عن (٦) الامتثالِ إذا توجَّه إليه أمرُ آمرهِ المُطاع كالأنبياء وأفرادِ المؤمنين، وعلى هذا فمعنى: ﴿فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أنَّها بعدما انقادتْ وأطاعتْ ثبتتْ عليها، وأدَّت ما التزمتْ من الأمانةِ وخرجت عن عُهدتها سوى الإنسان، فإنَّه ما وَفَّى بذلك وخان (٧)، إنَّه كان ظَلومًا جَهولًا.
وقال الزَّجَّاج: أعلمنا (٨) الله تعالى أنَّه ائتمنَ بني آدمَ على ما افترضَه عليهم من طاعتهِ، وائتمن السَّموات والأرض والجبال على طاعتهِ والخضوع له، فأمَّا هذه الأجرام فأطعنَ الله ولم تحملِ (٩) الأمانة، أي: أدَّتها، وكلُّ من خان الأمانةَ فقد احتملها.
(وَحَدَّثَنَا) ﷺ (عَنْ رَفْعِهَا) أي: الأمانة (قَالَ: يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ) بضم الفوقية وفتح الموحدة (مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا) بالرفع (مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ) بفتح الواو
وبعد الكاف الساكنة فوقية، النُّقطة في الشَّيء من غيرِ لونه، أو هو السَّواد اليسير، أو اللَّون المُحدث المخالف للون الَّذي كان قبلَه (ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ) الأمانة (فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ المَجْلِ) بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام، النُّفَّاخات الَّتي تخرج في الأيدِي عند كثرةِ العمل بنحو الفأس (كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ) بكسر الفاء (فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا) بضم الميم وسكون النون وفتح الفوقية وكسر الموحدة، مفتعلًا، أي: مرتفعًا. وقال أبو عبيد: منتبرًا: منقطعًا (وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ) والمعنى: أنَّ الأمانةَ تزول عن (١) القلوبِ شيئًا فشيئًا، فإذا زال أوَّل جزءٍ منها زالَ نورها وخلفته ظلمةٌ كالوكتِ، وهو اعتراضُ (٢) لونٍ مخالفٍ (٣) للَّون الَّذي قبلَه، فإذا زال شيءٌ آخر صار كالمَجْل، وهو أثرٌ محكمٌ لا يكاد يزول إلَّا بعد مدَّةٍ، وهذه الظلمةُ فوق الَّتي قبلَها، وشبَّه زوال ذلك النُّور بعد وقوعهِ في القلب وخروجهِ بعد استقرارهِ فيه واعتقابِ الظُّلمة إيَّاه بجمرٍ يُدَحرجه (٤) على رجلهِ حتَّى يُؤثِّر فيها، ثمَّ يزولُ الجمر ويبقى النَّفط (٥)، قاله صاحب «التَّحرير» (٦). وذَكَر النَّفط اعتبارًا بالعضو، و «ثمَّ» في قوله: «ثمَّ ينام النَّومة» للتَّراخي في الرُّتبة وهي نقيضةُ «ثمَّ» في قوله: «ثمَّ عَلِموا من القرآن ما عَلِموا من السُّنَّة» (فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أحدهم» (يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) ذكر الإيمان؛ لأنَّ الأمانة لازمة الإيمان، وليس المراد هنا أنَّ الأمانة هي الإيمان. قال حذيفة: (وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا) ولأبي ذرٍّ: «ولا» (أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ) أي: مبايعة البيع والشِّراء (لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عليَّ الإِسْلَامُ) بتشديد ياء «عليَّ» وسقط «عليَّ» لغير أبي ذرٍّ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «بالإسلام» (وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ) وإليه الَّذي أُقيم عليه بالأمانة، فيُنصفني منه ويستخرج
حقِّي منه، أو المراد: الَّذي يتولَّى قبض الجزيةَ؛ يعني (١): أنَّه (٢) كان يُعامل مَن شاء غير باحثٍ عن حالهِ وثوقًا بأمانته، فإنَّه إن كان مسلمًا فدينُه يمنعُه من الخيانةِ، ويحملُه على أداءِ الأمانة (فَأَمَّا اليَوْمَ) فذهبتِ الأمانةُ فلست أَثق اليوم بأحدٍ أئتمنه (فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا) أي: أفرادًا من النَّاس قلائل، وذكر (٣) النَّصرانيَّ على سبيل التَّمثيل، وإلَّا فاليهوديُّ أيضًا كذلك، كما صرَّح بهما في مسلمٍ.
والحديثُ أخرجهُ بسنده ومَتنه في «كتاب الفتن» [خ¦٧٠٨٦]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان»، وكذا ابن ماجه.
(قَالَ الفَِرَبْرِيُّ) محمَّدُ بن يوسف: (قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ) محمَّد بن حاتمٍ ورَّاق المؤلِّف، أي: الَّذي يكتب له كُتبه: (حَدَّثْتُ (٤) أَبَا عَبْدِ اللهِ) محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ، وحذف ما حدَّثه به؛ لعدم احتياجهِ له إذ ذاك (فَقَالَ) البخاريُّ: (سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عَاصِمٍ) البلخيَّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ) بضم العين، هو القاسم بن سلَّامٍ (يَقُولُ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ) عبد الملك بن قُرَيْب (وَأَبُو عَمْرٍو) بفتح العين، ابن العلاء القارئ (وَغَيْرُهُمَا) هو سفيان الثَّوريُّ، كما عند الإسماعيليِّ: (جَذْرُ قُلُوبِ الرِّجَالِ، الجَذْرُ: الأَصْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) كذا فسَّروه لكنَّهم اختلفوا، فعند أبي عَمرٍو بكسر (٥) الجيم، وعند الأصمعيِّ بفتحها (٦) (وَالوَكْتُ: أَثَرُ الشَّيْءِ اليَسِيرُ مِنْهُ، وَالمَجْلُ: أَثَرُ العَمَلِ فِي الكَفِّ إِذَا غَلُظَ) وهذا كلام أبي عبيد أيضًا (٧)، وهذا ثابتٌ في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي وحده.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقَالَ يُونُسُ وابنُ مُسافِرِ ويَحْيَاى بنُ سَعِيدٍ: عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ عَطاءٍ عنْ بَعْضِ أصْحابِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
يُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن مُسَافر أَبُو خَالِد، وَيُقَال: أَبُو الْوَلِيد التَّمِيمِي الْمصْرِيّ وَالِي مصر لهشام سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة، وعزل عَنْهَا سنة تسع عشرَة وَمِائَة، وَهُوَ مولى اللَّيْث بن سعد، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ النجاري الْمَدِينِيّ قَاضِي الْمَدِينَة، رأى أنس بن مَالك. وَتَعْلِيق يُونُس أخرجه عبد الله بن وهب فِي (جَامعه) ، وَتَعْلِيق ابْن مُسَافر أخرجه الذهلي فِي (الزهريات) : من طَرِيق اللَّيْث ابْن سعد عَنهُ. وَتَعْلِيق يحيى أخرجه الذهلي الْمَذْكُور من طَرِيق سُلَيْمَان بن بِلَال عَنهُ. قَوْله: عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّه أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ.
٥٩٤٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ حَدثنَا المَاجشُونُ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي صَعْصَعَة عنْ أبِيهِ عنْ أبي سَعِيدٍ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ: (يَأْتِي عَلى النَّاس زَمانٌ خَيْرُ مالِ الرَّجُلِ المُسْلِمِ الغَنَمُ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بِدِينهِ منَ الفِتْنَ) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من مَعْنَاهُ. وَأَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن وَهُوَ الْفضل بن عَمْرو بن حَمَّاد الْأَحول التَّيْمِيّ الْكُوفِي. ودكين لقب. عَمْرو مَاتَ سنة ثَمَان أَو تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، والماجشون بِكَسْر الْجِيم وَضم الشين الْمُعْجَمَة هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، يروي عَن أَبِيه، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عبد الرَّحْمَن هَذَا: أَنه سمع أَبَاهُ أخرجه أَحْمد والإسماعيلي وَأَخُوهُ عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن عبد الله انْفَرد البُخَارِيّ بهما وبأبيهما.
والْحَدِيث مضى فِي الْإِيمَان فِي: بَاب من الدّين الْفِرَار من الْفِتَن، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك عَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.
قَوْله: (شعف الْجبَال) بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة جمع شعفة، وَهِي رَأس الْجَبَل. قَوْله: (ومواقع الْقطر) يَعْنِي: بطُون الأودية.
وَفِيه: أَن اعتزال النَّاس عِنْد ظُهُور الْفِتَن والهرب عَنْهُم أسلم للدّين من مخالطتهم.
٥٣ - (بابُ رَفْعِ الأمانَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان رفع الْأَمَانَة من بَين النَّاس. وَالْمرَاد برفعها ذهابها بِحَيْثُ إِن لَا يُوجد الْأمين، وَالْأَمَانَة ضد الْخِيَانَة.
٦٩٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ حدّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمانَ حدّثنا هِلالُ بنُ عَلِيٍّ عنْ عَطاءٍ بن يَسارٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا ضُيِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِر السَّاعَةَ) . قَالَ: كَيْف إضاعَتُها يَا رسولَ الله؟ قَالَ: (إِذا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ) . (انْظُر الحَدِيث ٩٥) .
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (إِذا ضيعت الْأَمَانَة) وَمُحَمّد بن سِنَان بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون الأولى.
والْحَدِيث قد مضى فِي أول كتاب الْعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد.
قَوْله: (كَيفَ إضاعتها) الْقَائِل بِهَذَا هُوَ الْأَعرَابِي، سَأَلَ: مَتى السَّاعَة؟ لِأَن أول الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة: بَيْنَمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مجْلِس يحدث الْقَوْم جَاءَ أَعْرَابِي فَقَالَ: مَتى السَّاعَة؟ ... الحَدِيث. قَوْله: (قَالَ: إِذا أسْند) أَي: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا أسْند الْأَمر إِلَى غير أَهله) وَالْمرَاد من الْأَمر جنس الْأُمُور الَّتِي تتَعَلَّق بِالدّينِ كالخلافة والسلطنة والإمارة وَالْقَضَاء والإفتاء، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أسْند الْأَمر، أَي: فوض المناصب إِلَى غير مستحقيها كتفويض الْقَضَاء إِلَى غير الْعَالم بِالْأَحْكَامِ كَمَا هُوَ فِي زَمَاننَا.
قلت: يَا لَيْت أَن يتَوَلَّى الْجَاهِل بِلَا رشوة لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون دينا يستفتي فِيمَا يجهله، فالمصيبة الْعُظْمَى أَن يتَوَلَّى الْجَاهِل بالرشوة، فلعن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الراشي والمرتشي والرائش، حَيْثُ قَالَ: لعن الله الراشي ... إِلَى آخر الحَدِيث، رَوَاهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَلَا شكّ أَن من لَعنه الله لَعنه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأعظم المصائب أَن الديار
المصرية الَّتِي هِيَ كرْسِي الْإِسْلَام لَا يتَوَلَّى فِيهَا الْقُضَاة والحكام وَسَائِر أَصْحَاب المناصب إِلَّا بالرشي والبراطيل، وَلَا يُوجد هَذَا فِي بِلَاد الرّوم وَلَا فِي بِلَاد الْعَجم.
٧٩٤٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ حدّثنا الأعْمَشُ عنْ زَيْدِ بن وَهْبٍ حدّثنا حُذَيْفَةُ قَالَ: حدّثنا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أحَدَهُما، وَأَنا أنْتَظرُ الآخَرَ. حدّثنا: أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، وحدّثنا عنْ رَفْعِها، قَالَ: (يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ منْ قَلْبِهِ فَيظلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقاى أثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِراً ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبايَعُوَنَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ. فَيُقالُ: إِن فِي بَني فُلانٍ رَجُلاً أمِيناً، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: مَا أعْقَلهُ وَمَا أظْرَفَهُ وَمَا أجْلَدَهُ، وَمَا فِي قلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ) ولقدْ أتَى عَلَيَّ زَمانٌ وَمَا أُبالي أيَّكُمْ بايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِماً رَدَّهُ عَلَيَّ الإسْلامُ، وإنْ كَانَ نَصْرانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ ساعِيهِ، فأمَّا اليَوْمَ، فَما كُنْتُ أُبايعُ إلَاّ فُلاناً وفُلاناً.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان.
والْحَدِيث أخرجه أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْفِتَن عَن هناد بن السّري. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع بِهِ.
قَوْله: (حديثين) أَي: فِي بَاب الْأَمَانَة. أَحدهمَا: فِي نزُول الْأَمَانَة. وَالْآخر: فِي رَفعهَا قَوْله: (حَدثنَا) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (فِي جذر قُلُوب الرِّجَال) بِفَتْح الْجِيم: وَكسرهَا وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة، وَهُوَ الأَصْل فِي كل شَيْء. قَالَه أَبُو عبيد، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الجذر أصل الْحسب وَالنّسب، وأصل الشَّجَرَة. قَوْله: (ثمَّ علمُوا) أَي: بعد نُزُولهَا فِي قُلُوب الرِّجَال بالفطرة علموها من الْقُرْآن. قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض} (الْأَحْزَاب: ٢٧) الْآيَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ الْفَرَائِض الَّتِي على الْعباد، وَقيل: هِيَ مَا أمروا بِهِ ونهوا عَنهُ، وَقيل: هِيَ الطَّاعَة، نَقله الواحدي عَن أَكثر الْمُفَسّرين. قَوْله: (ثمَّ علمُوا من السّنة) أَي: سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَحَاصِل الْمَعْنى: أَن الْأَمَانَة كَانَت لَهُم بِحَسب الْفطْرَة وحصلت لَهُم بِالْكَسْبِ أَيْضا، بِسَبَب الشَّرِيعَة. قَوْله: (وَحدثنَا) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عَن رَفعهَا) أَي: عَن رفع الْأَمَانَة. قَوْله: (ينَام الرجل) إِلَى آخِره بَيَان رَفعهَا وَهُوَ أَنه (ينَام نومَة فتقبض الْأَمَانَة من قلبه) يَعْنِي: تقبض من قوم ثمَّ من قوم ثمَّ شَيْئا بعد شَيْء فِي وَقت بعد وَقت على قدر فَسَاد الدّين. قَوْله: (فيظل أَثَرهَا) أَي: فَيصير أَثَرهَا. (مثل أثر الوكت) بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْكَاف وبالتاء الْمُثَنَّاة وَهُوَ أثر النَّار وَنَحْوه، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الوكتة الْأَثر فِي الشَّيْء كالنقطة من غير لَونه وَالْجمع وكت، وَمِنْه قيل للبسر: إِذا وَقعت فِيهِ نقطة من الإرطاب وكت، وَمِنْه حَدِيث حُذَيْفَة الْمَذْكُور، وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي فصل الْوَاو من بَاب التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق: الوكتة كالنقطة فِي الشَّيْء، يُقَال فِي عينه وكتة، وَضَبطه صَاحب (التَّلْوِيح) بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ غلط. قَوْله: (مثل المجل) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتحهَا هُوَ التنفط الَّذِي يحصل فِي الْيَد من الْعَمَل بفأس وَنَحْوه، وَهُوَ مصدر: مجلت يَده تمجل مجلاً، وَيُقَال: هُوَ أَن يكون بَين الْجلد وَاللَّحم مَاء وَكَذَلِكَ الْمجلة، وَهُوَ من بَاب علم يعلم ومصدره مجل بِفتْحَتَيْنِ: وَمن بَاب نصر ينصر ومصدره مجل بِسُكُون الْجِيم ومجول، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ تفتح يشبه الْبِئْر من الْعَمَل. قَوْله: (فنفط) بِكَسْر الْفَاء قَالَ ابْن فَارس: النفط قرح يخرج فِي الْيَد من الْعَمَل وَإِنَّمَا قَالَ: نفط مَعَ أَن الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى الرجل وَهُوَ مؤنث، وَذكره بِاعْتِبَار الْعُضْو أَو بِاعْتِبَار لفظ الرجل. قَوْله: (منتبرا) أَي: مرتفعاً، من الانتبار وَهُوَ الِارْتفَاع، وَمِنْه انتبر الْأَمِير: صعد على الْمِنْبَر، وَمِنْه سمي الْمِنْبَر منبراً لارتفاعه، وكل شَيْء ارْتَفع فقد نبره وَقَالَ أَبُو عبيد: منتبراً أَي: متنفطاً. وَحَاصِله أَن الْقلب يَخْلُو عَن الْأَمَانَة بِأَن تَزُول عَنهُ شَيْئا فَشَيْئًا، فَإِذا زَالَ جُزْء مِنْهَا