الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٦٩٥
الحديث رقم ٦٦٩٥ من كتاب «كتاب الأيمان والنذور» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إثم من لا يفي بالنذر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١٤٢⦘
يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ لَا أَدْرِي ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذُِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ.»
بَابُ النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
٦٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُطَابِقَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِيهِ إِلَى النَّذْرِ. قُلْنَا: تَقْدِيرُ النَّذْرِ غَيْرُ تَقْدِيرِ الْإِلْقَاءِ، فَالْأَوَّلُ يُلْجِئُهُ إِلَى النَّذْرِ، وَالنَّذْرُ يُلْجِئُهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَنَسَقُ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: فَأَسْتَخْرِجُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ أَوَّلًا: قَدَّرْتُهُ، وَثَانِيًا: فَيُؤْتِينِي.
قَوْلُهُ: فَيُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، أَيْ: يُعْطِينِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: يُؤْتِنِي بِالْجَزْمِ، وَوُجِّهَتْ بِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَكُنْ، فَجُزِمَتْ بِلَمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: يُؤْتِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: فَيُيَسَّرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُيَسَّرُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ الرِّوَايَاتِ: قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: عَادَةُ النَّاسِ تَعْلِيقُ النَّذْرِ عَلَى تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبُخَلَاءِ ; إِذِ السَّخِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَرَّبَ بَادَرَ إِلَيْهِ، وَالْبَخِيلُ لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ يَسْتَوْفِيهِ أَوَّلًا، فَيَلْتَزِمُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، فَلَا يَسُوقُ إِلَيْهِ خَيْرًا، لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَلَا يَرُدُّ عَنْهُ شَرًّا قُضِيَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ النَّذْرَ قَدْ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرِجُ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْرِجَهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ النَّاذِرُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يُسْتَخْرَجُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُهُ لَمَا تَمَّ الْمُرَادُ مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُخْلِ مِنْ صُدُورِ النَّذْرِ عَنْهُ ; إِذْ لَوْ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْوَفَاءِ لَاسْتَمَرَّ لِبُخْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْإِخْرَاجِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ فَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ قَوْلَهُ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ سَبَبًا لِدَفْعِ مِيتَةِ السُّوءِ، وَالْأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَالْمُسَبَّبَاتِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ الرُّقَى: هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ عُمَرَ: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النَّذْرُ شَبِيهٌ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْقَدَرِ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نُهِيَ عَنِ النَّذْرِ وَنُدِبَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ عَاجِلَةٌ وَيَظْهَرُ بِهِ التَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ وَالتَّضَرُّعُ لَهُ وَالْخُضُوعُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ إِلَى حِينِ الْحُصُولِ وَتَرْكَ الْعَمَلِ إِلَى حِينِ الضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَبْتَدِئُهُ الْمُكَلَّفَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَفْضَلُ مِمَّا يَلْتَزِمُهُ بِالنَّذْرِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَذَمِّ الْبُخْلِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتَنَبَ الْمَنْهِيَّاتِ لَا يُعَدُّ بَخِيلًا.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ أَحَادِيثِ الْبَابِ لِتَرْجَمَةِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ قَوْلُهُ: يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُ الْبَخِيلُ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِذْ لَوْ أَخْرَجَ مَا يَتَبَرَّعُ بِهِ لَكَانَ جَوَادًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُؤْخَذُ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ مِنْ لَفْظِ: يُسْتَخْرَجُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى تَخْصِيصِ النَّذْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِنَذْرِ الْمُعَاوَضَةِ وَاللَّجَاجِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الثَّنَاءَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَذْرِ الْقُرْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ النَّذْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٢٧ - بَاب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ
٦٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ) بضم القاف وكسر المهملة (١) المشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «قدَّرته له» (فَيَسْتَخْرِجُ اللهُ بِهِ) بالنَّذر (مِنَ البَخِيلِ) فيه التفاتٌ على روايةِ: «لم أكنْ قدَّرتُه» (٢)؛ إذ كان نسقُ الكلام أن يقال: فأستخرجُ به ليوافق قوله: «قدَّرته» (٣) (فَيُؤْتِي) بكسر المثناة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ: «فيُؤتينِي» وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «يُؤتينِي» بحذف الفاء، وله أيضا عن الكُشمِيهنيِّ: «يؤتنِي» بحذف الياء للجزم بدل من قولهِ: «يكن» المجزوم بـ «لم» أي: يُعطني (٤) (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الأمرِ الَّذي بسببهِ نذر كالشِّفاء (مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي) يُعطي (عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل النَّذر.
(٢٧) (باب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ) قال في «الفتح»: وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «إثم».
٦٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مَسرهد (عَنْ يَحْيَى) القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «عن يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والراء المفتوحة بينهما ميم ساكنة، نصر بنُ عمران قال: (حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم، و «مُضَرِّب» بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخزاعيَّ أسلم مع أبي هُريرة، وكانت الملائكةُ تسلِّم عليه ﵁ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: خَيْرُكُمْ) أهل
(قَرْنِي) الَّذين (١) أنا فيهم (٢) وهم الصَّحابة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم التَّابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباع التَّابعين. (قَالَ عِمْرَانُ) بنُ حُصين ﵁: (لَا أَدْرِي ذَكَرَ) ﵊ (ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) ولأبي ذرٍّ: «اثنتين أو ثلاثة» (بَعْدَ قَرْنِهِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُِرُونَ) بفتح أوله وكسر المعجمة وضمها (وَلَا يَفُونَ) بفتح (٣) التَّحتيَّة، بالنَّذر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يُوْفُون» بضم أوَّله وواوٍ قبل الفاء (٤) (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لأنَّهم يخونون خيانةً ظاهرةً (٥) بحيثُ لا يأمنُهم أحدٌ بعد ذلك (وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشَّهادة بدون التَّحميل أو يؤدُّونها بدون الطَّلب (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر المهملة وفتح الميم، يتكثَّرون بما ليسَ فيهم من الشَّرف، أو يجمعونَ الأموالَ، أو يغفلونَ عن أمر الدِّين، أو هو على حقيقتهِ في معناه لكن إذا كان مكتَسَبًا لا خَلْقيًّا.
والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥١] و «فضائل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨].
(٢٨) (باب) حكم (النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ) وقولهِ تعالى: (﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾) في سبيلِ الله، أو في سبيلِ الشَّيطان (﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾) في طاعةِ الله أو في معصيتهِ (﴿فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾) لا يخفى عليه وهو مجازيكُم عليه، والجملةُ جواب الشَّرط إن كانتْ «ما» شرطيَّةً، أو زائدةٌ في الخبرِ إن كانت موصولةً، ووحَّد الضَّمير في قولهِ: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ والسَّابق شيئان النَّفقة والنَّذر؛ لأنَّ العطفَ بـ «أو» وهي لأحد الشَّيئين، تقول: زيد أو عَمرو أكرمتُه، ولا يجوزُ أكرمتُهما بل (٦) يجوزُ أن تراعي الأوَّل نحو: زيد أو هندٌ منطلقٌ، أو الثَّاني نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقةٌ، والآيةُ من هذا، ولا يجوزُ أن تقول:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مُطَابِقَةٌ لِلتَّرْجَمَةِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: الْقَدَرُ هُوَ الَّذِي يُلْقِيهِ إِلَى النَّذْرِ. قُلْنَا: تَقْدِيرُ النَّذْرِ غَيْرُ تَقْدِيرِ الْإِلْقَاءِ، فَالْأَوَّلُ يُلْجِئُهُ إِلَى النَّذْرِ، وَالنَّذْرُ يُلْجِئُهُ إِلَى الْإِعْطَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ) فِيهِ الْتِفَاتٌ، وَنَسَقُ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: فَأَسْتَخْرِجُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ أَوَّلًا: قَدَّرْتُهُ، وَثَانِيًا: فَيُؤْتِينِي.
قَوْلُهُ: فَيُؤْتِينِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ، أَيْ: يُعْطِينِي، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: يُؤْتِنِي بِالْجَزْمِ، وَوُجِّهَتْ بِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: يَكُنْ، فَجُزِمَتْ بِلَمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: يُؤْتِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: فَيُيَسَّرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُيَسَّرُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ، وَهَذِهِ أَوْضَحُ الرِّوَايَاتِ: قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: عَادَةُ النَّاسِ تَعْلِيقُ النَّذْرِ عَلَى تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَنُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْبُخَلَاءِ ; إِذِ السَّخِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَقَرَّبَ بَادَرَ إِلَيْهِ، وَالْبَخِيلُ لَا تُطَاوِعُهُ نَفْسُهُ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ يَسْتَوْفِيهِ أَوَّلًا، فَيَلْتَزِمُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، فَلَا يَسُوقُ إِلَيْهِ خَيْرًا، لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ وَلَا يَرُدُّ عَنْهُ شَرًّا قُضِيَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ النَّذْرَ قَدْ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرِجُ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَوْلَاهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْرِجَهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَهُ النَّاذِرُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يُسْتَخْرَجُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُهُ لَمَا تَمَّ الْمُرَادُ مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُخْلِ مِنْ صُدُورِ النَّذْرِ عَنْهُ ; إِذْ لَوْ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الْوَفَاءِ لَاسْتَمَرَّ لِبُخْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْإِخْرَاجِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ فَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ قَوْلَهُ: إِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ سَبَبًا لِدَفْعِ مِيتَةِ السُّوءِ، وَالْأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَالْمُسَبَّبَاتِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنِ الرُّقَى: هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ عُمَرَ: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: النَّذْرُ شَبِيهٌ بِالدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الْقَدَرِ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نُهِيَ عَنِ النَّذْرِ وَنُدِبَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ عَاجِلَةٌ وَيَظْهَرُ بِهِ التَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ وَالتَّضَرُّعُ لَهُ وَالْخُضُوعُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ إِلَى حِينِ الْحُصُولِ وَتَرْكَ الْعَمَلِ إِلَى حِينِ الضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَبْتَدِئُهُ الْمُكَلَّفَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ أَفْضَلُ مِمَّا يَلْتَزِمُهُ بِالنَّذْرِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَذَمِّ الْبُخْلِ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتَنَبَ الْمَنْهِيَّاتِ لَا يُعَدُّ بَخِيلًا.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ أَحَادِيثِ الْبَابِ لِتَرْجَمَةِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ قَوْلُهُ: يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُ الْبَخِيلُ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِذْ لَوْ أَخْرَجَ مَا يَتَبَرَّعُ بِهِ لَكَانَ جَوَادًا. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُؤْخَذُ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ مِنْ لَفْظِ: يُسْتَخْرَجُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَشَارَ إِلَى تَخْصِيصِ النَّذْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِنَذْرِ الْمُعَاوَضَةِ وَاللَّجَاجِ بِدَلِيلِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الثَّنَاءَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ مَحْمُولٌ عَلَى نَذْرِ الْقُرْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ النَّذْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٢٧ - بَاب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ
٦٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ) بضم القاف وكسر المهملة (١) المشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «قدَّرته له» (فَيَسْتَخْرِجُ اللهُ بِهِ) بالنَّذر (مِنَ البَخِيلِ) فيه التفاتٌ على روايةِ: «لم أكنْ قدَّرتُه» (٢)؛ إذ كان نسقُ الكلام أن يقال: فأستخرجُ به ليوافق قوله: «قدَّرته» (٣) (فَيُؤْتِي) بكسر المثناة الفوقيَّة، ولأبي ذرٍّ: «فيُؤتينِي» وله عن الحَمُّويي والمُستملي: «يُؤتينِي» بحذف الفاء، وله أيضا عن الكُشمِيهنيِّ: «يؤتنِي» بحذف الياء للجزم بدل من قولهِ: «يكن» المجزوم بـ «لم» أي: يُعطني (٤) (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الأمرِ الَّذي بسببهِ نذر كالشِّفاء (مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي) يُعطي (عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل النَّذر.
(٢٧) (باب إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ) قال في «الفتح»: وسقط لغير أبي ذرٍّ لفظ «إثم».
٦٦٩٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مَسرهد (عَنْ يَحْيَى) القطَّان، ولأبي ذرٍّ: «عن يحيى بن سعيدٍ» (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج، أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفرادِ (أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والراء المفتوحة بينهما ميم ساكنة، نصر بنُ عمران قال: (حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة بعدها ميم، و «مُضَرِّب» بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة بعدها موحدة (قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) الخزاعيَّ أسلم مع أبي هُريرة، وكانت الملائكةُ تسلِّم عليه ﵁ (يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: خَيْرُكُمْ) أهل
(قَرْنِي) الَّذين (١) أنا فيهم (٢) وهم الصَّحابة (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم التَّابعون (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وهم أتباع التَّابعين. (قَالَ عِمْرَانُ) بنُ حُصين ﵁: (لَا أَدْرِي ذَكَرَ) ﵊ (ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) ولأبي ذرٍّ: «اثنتين أو ثلاثة» (بَعْدَ قَرْنِهِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُِرُونَ) بفتح أوله وكسر المعجمة وضمها (وَلَا يَفُونَ) بفتح (٣) التَّحتيَّة، بالنَّذر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «يُوْفُون» بضم أوَّله وواوٍ قبل الفاء (٤) (وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ) لأنَّهم يخونون خيانةً ظاهرةً (٥) بحيثُ لا يأمنُهم أحدٌ بعد ذلك (وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ) أي: يتحمَّلون الشَّهادة بدون التَّحميل أو يؤدُّونها بدون الطَّلب (وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر المهملة وفتح الميم، يتكثَّرون بما ليسَ فيهم من الشَّرف، أو يجمعونَ الأموالَ، أو يغفلونَ عن أمر الدِّين، أو هو على حقيقتهِ في معناه لكن إذا كان مكتَسَبًا لا خَلْقيًّا.
والحديث سبق في «الشَّهادات» [خ¦٢٦٥١] و «فضائل الصَّحابة» [خ¦٣٦٥٠] و «الرِّقاق» [خ¦٦٤٢٨].
(٢٨) (باب) حكم (النَّذْرِ فِي الطَّاعَةِ) وقولهِ تعالى: (﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾) في سبيلِ الله، أو في سبيلِ الشَّيطان (﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾) في طاعةِ الله أو في معصيتهِ (﴿فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ﴾) لا يخفى عليه وهو مجازيكُم عليه، والجملةُ جواب الشَّرط إن كانتْ «ما» شرطيَّةً، أو زائدةٌ في الخبرِ إن كانت موصولةً، ووحَّد الضَّمير في قولهِ: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ والسَّابق شيئان النَّفقة والنَّذر؛ لأنَّ العطفَ بـ «أو» وهي لأحد الشَّيئين، تقول: زيد أو عَمرو أكرمتُه، ولا يجوزُ أكرمتُهما بل (٦) يجوزُ أن تراعي الأوَّل نحو: زيد أو هندٌ منطلقٌ، أو الثَّاني نحو: زيدٌ أو هندٌ منطلقةٌ، والآيةُ من هذا، ولا يجوزُ أن تقول: