الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٠٢
الحديث رقم ٦٨٠٢ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: لَمْ يَحْسِمِ النَّبِيُّ
⦗١٦٣⦘
ﷺ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا
٦٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الطَّحَاوِيُّ: وَلَا يَسْقُطُ إِلَّا قَطْعُ الطَّرِيقِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ مُخْتَصَرًا، وَوَقَعَ فِي آخِرِهِ: وَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قُبَيْلَ هَذَا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ وَصْفُ التَّوْبَةِ بِالْحُسْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَثْبُتُ لِلتَّائِبِ الْمَذْكُورِ فَيَعُودُ لِحَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْبَيْعَةِ، وَفِيهِ ذِكْرُ السَّرِقَةِ وَفِي آخِرِهِ: فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وُصِفَ بِالتَّطَهُّرِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَابَ فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ قَبُولَ شَهَادَتِهِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾
٦٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا، فقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا.
قَوْلُهُ: (كِتَابُ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ) كَذَا هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ثَبَتَتْ لِلْجَمِيعِ هُنَا، وَفِي كَوْنِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِشْكَالٌ، وَأَظُنُّهَا مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى الَّذِينَ نَسَخُوا كِتَابَ الْبُخَارِيِّ مِنَ الْمُسَوَّدَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَحَلَّهَا بَيْنَ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَبَيْنَ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَخَلَّلَتْ بَيْنَ أَبْوَابِ الْحُدُودِ. فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ تَرْجَمَ كِتَابَ الْحُدُودِ وَصَدَّرَهُ بِحَدِيثِ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَفِيهِ ذَكَرَ السَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ، ثُمَّ بَدَأَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِّ الْخَمْرِ فِي أَبْوَابٍ ثُمَّ بِالسَّرِقَةِ كَذَلِكَ.
فَالَّذِي يَلِيقُ أَنْ يُثَلِّثَ بِأَبْوَابِ الزِّنَا عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُقَدِّمَ كِتَابَ الْمُحَارِبِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِيَعْقُبَهُ بَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّهُ يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَبْوَابِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْكِرْمَانِيَّ؛ فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ زِيَادَةٌ قَدْ يَرْتَفِعُ بِهَا الْإِشْكَالُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ فَزَادَ: وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الزِّنَا فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهُ ضَمَّ حَدَّ الزِّنَا إِلَى الْمُحَارِبِينَ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْقَتْلِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُبْدِلَ لَفْظَ كِتَابٍ بِبَابٍ، وَتَكُونَ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا دَاخِلَةً فِي كِتَابِ الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْمُحَارَبَةِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ، وَسَاقَ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالزَّهْرِيُّ قَالَ: وَذَهَبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والجمهورُ على أنَّ هذه الآية (١) نزلتْ فيمن خرجَ من المسلمينَ يَسعى في الأرضِ بالفسادِ ويقطعُ الطَّريق، وهو قولُ مالكٍ والشَّافعيِّ والكوفيِّين.
وقال الضَّحَّاك: نزلت في قومٍ من أهل الكتاب كان بينهم وبين النَّبيِّ ﷺ عهد، فنقضوا العَهد وقطعوا السَّبيل وأفسدوا.
وقال الكلبيُّ: نزلت في قومِ هلالِ بنِ عُويمر، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ وادعَ هلالَ بن عُويمر وهو أبو بُردة الأسلميُّ على أن لا يُعينه ولا يُعين عليه، ومَن مرَّ بهلالِ بن عُويمر إلى رسولِ الله ﷺ فهو آمن لا يهاج، فمرَّ قومٌ من بني كنانَة يريدون الإسلامَ بناسٍ من أسلمَ من قوم هلالِ بن عُويمر (٢)، ولم يكنْ هلال شاهدًا، فنَهدوا إليهم فقتلوهُم، وأخَذوا أموالهُم فنزلَ جبريلُ بالقضيَّة، ولهذا ذهبَ البخاريُّ إلى أنَّ الآية نزلتْ في أهلِ الكفر والرِّدَّة.
٦٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو قِلَابَةَ) عبدُ الله بنُ زيد (الجَرْمِيُّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) سنة ستٍّ (٣) (نَفَرٌ) من الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين المهملة وسكون الكاف، قبيلةٌ معروفةٌ (فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بالجيم الساكنة وفتح الفوقية والواو الأولى وضم الثانية، أي: أصابَهم الجَوى، وهو
داءُ الجوفِ إذا تطاوَل، أو كرهُوا الإقامةَ بها لسقمٍ أصابهم (فَأَمَرَهُمْ) رسول الله ﷺ (أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ (١) أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) للتَّداوي (فَفَعَلُوا) الشُّرب المذكُور (فَصَحُّوا) من ذلك الدَّاء (فَارْتَدُّوا) عن الإسلامِ (وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا) أي: رعاةَ الإبلِ، وسبق في «الوضوء»: وقتلوا راعِي النَّبيِّ ﷺ وأنَّه (٢) يسار النُّوبيُّ [خ¦٢٣٣] (وَاسْتَاقُوا) بحذفِ المفعول، ولأبي ذرٍّ: «واستاقُوا الإبل» (فَبَعَثَ) ﷺ (فِي آثَارِهِمْ) بمدِّ الهمزة، أي: وراءهم الطَّلب عشرين أميرهُم كُرْز، فأدركُوهم فأُخِذُوا (فَأُتِيَ بِهِمْ) النَّبيَّ ﷺ أسارى (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) من خلافٍ (وَسَمَلَ) بفتح المهملة والميم واللام، فقأَ (أَعْيُنَهُمْ) أي: أمرَ ﷺ بذلك، لا أنَّه باشرَ ذلك بنفسهِ الزَّكيَّة (ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ) بسكون الحاء وكسر السين المهملتين، أي: لم يَكْوِ مواضعَ القطعِ لينقطع الدَّم بل تركهُم (٣) (حَتَّى مَاتُوا). وزادَ عبدُ الرَّزَّاق في آخرِ هذا الحديث قال: فبلغَنا أنَّ هذه الآية نزلَت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الاية [المائدة: ٣٣].
وأخرج الطَّبريُّ من طريقِ ابن عُبادة عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة عن قتادةَ عن أنسٍ في آخر قصَّة العُرنيِّين، قال: فذكر لنا أنَّ هذهِ الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وعندَ الإسماعيليِّ من طريقِ مروان بنِ معاوية عن معاويةَ بنِ أبي العبَّاس عن أيوب عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم من عُكْل، وفي «الصَّحيحين» [خ¦٢٣٣] [خ¦١٥٠١] [خ¦٦٨٠٥] أنَّهم كانوا من عُكل وعُرينة.
والحديثُ سبق في «بابِ أبوالِ الإبلِ»، في «كتاب الوضوء» [خ¦٢٣٣].
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَمْ يَحْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ) لم يَكْوِ موضع القطعِ من (المُحَارِبِينَ مِنْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الطَّحَاوِيُّ: وَلَا يَسْقُطُ إِلَّا قَطْعُ الطَّرِيقِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ مُخْتَصَرًا، وَوَقَعَ فِي آخِرِهِ: وَتَابَتْ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قُبَيْلَ هَذَا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ وَصْفُ التَّوْبَةِ بِالْحُسْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَثْبُتُ لِلتَّائِبِ الْمَذْكُورِ فَيَعُودُ لِحَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الْبَيْعَةِ، وَفِيهِ ذِكْرُ السَّرِقَةِ وَفِي آخِرِهِ: فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وُصِفَ بِالتَّطَهُّرِ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَابَ فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ قَبُولَ شَهَادَتِهِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٥ - بَاب الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾
٦٨٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا، فقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا.
قَوْلُهُ: (كِتَابُ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ) كَذَا هَذِهِ التَّرْجَمَةُ ثَبَتَتْ لِلْجَمِيعِ هُنَا، وَفِي كَوْنِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِشْكَالٌ، وَأَظُنُّهَا مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى الَّذِينَ نَسَخُوا كِتَابَ الْبُخَارِيِّ مِنَ الْمُسَوَّدَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَحَلَّهَا بَيْنَ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَبَيْنَ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَخَلَّلَتْ بَيْنَ أَبْوَابِ الْحُدُودِ. فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ تَرْجَمَ كِتَابَ الْحُدُودِ وَصَدَّرَهُ بِحَدِيثِ: لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَفِيهِ ذَكَرَ السَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ، ثُمَّ بَدَأَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحَدِّ الْخَمْرِ فِي أَبْوَابٍ ثُمَّ بِالسَّرِقَةِ كَذَلِكَ.
فَالَّذِي يَلِيقُ أَنْ يُثَلِّثَ بِأَبْوَابِ الزِّنَا عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُقَدِّمَ كِتَابَ الْمُحَارِبِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِيَعْقُبَهُ بَابُ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنَّهُ يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ أَبْوَابِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْكِرْمَانِيَّ؛ فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ وَلَمْ يَسْتَوْفِهِ كَمَا سَأُنَبِّهُ عَلَيْهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ زِيَادَةٌ قَدْ يَرْتَفِعُ بِهَا الْإِشْكَالُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ فَزَادَ: وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الزِّنَا فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهُ ضَمَّ حَدَّ الزِّنَا إِلَى الْمُحَارِبِينَ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْقَتْلِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَعَلَى هَذَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُبْدِلَ لَفْظَ كِتَابٍ بِبَابٍ، وَتَكُونَ الْأَبْوَابُ كُلُّهَا دَاخِلَةً فِي كِتَابِ الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا إِلَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْمُحَارَبَةِ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ، وَسَاقَ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الْآيَةَ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالزَّهْرِيُّ قَالَ: وَذَهَبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والجمهورُ على أنَّ هذه الآية (١) نزلتْ فيمن خرجَ من المسلمينَ يَسعى في الأرضِ بالفسادِ ويقطعُ الطَّريق، وهو قولُ مالكٍ والشَّافعيِّ والكوفيِّين.
وقال الضَّحَّاك: نزلت في قومٍ من أهل الكتاب كان بينهم وبين النَّبيِّ ﷺ عهد، فنقضوا العَهد وقطعوا السَّبيل وأفسدوا.
وقال الكلبيُّ: نزلت في قومِ هلالِ بنِ عُويمر، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ وادعَ هلالَ بن عُويمر وهو أبو بُردة الأسلميُّ على أن لا يُعينه ولا يُعين عليه، ومَن مرَّ بهلالِ بن عُويمر إلى رسولِ الله ﷺ فهو آمن لا يهاج، فمرَّ قومٌ من بني كنانَة يريدون الإسلامَ بناسٍ من أسلمَ من قوم هلالِ بن عُويمر (٢)، ولم يكنْ هلال شاهدًا، فنَهدوا إليهم فقتلوهُم، وأخَذوا أموالهُم فنزلَ جبريلُ بالقضيَّة، ولهذا ذهبَ البخاريُّ إلى أنَّ الآية نزلتْ في أهلِ الكفر والرِّدَّة.
٦٨٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبدُ الرَّحمن قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو قِلَابَةَ) عبدُ الله بنُ زيد (الجَرْمِيُّ) بفتح الجيم وسكون الراء (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) سنة ستٍّ (٣) (نَفَرٌ) من الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين المهملة وسكون الكاف، قبيلةٌ معروفةٌ (فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ) بالجيم الساكنة وفتح الفوقية والواو الأولى وضم الثانية، أي: أصابَهم الجَوى، وهو
داءُ الجوفِ إذا تطاوَل، أو كرهُوا الإقامةَ بها لسقمٍ أصابهم (فَأَمَرَهُمْ) رسول الله ﷺ (أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ (١) أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) للتَّداوي (فَفَعَلُوا) الشُّرب المذكُور (فَصَحُّوا) من ذلك الدَّاء (فَارْتَدُّوا) عن الإسلامِ (وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا) أي: رعاةَ الإبلِ، وسبق في «الوضوء»: وقتلوا راعِي النَّبيِّ ﷺ وأنَّه (٢) يسار النُّوبيُّ [خ¦٢٣٣] (وَاسْتَاقُوا) بحذفِ المفعول، ولأبي ذرٍّ: «واستاقُوا الإبل» (فَبَعَثَ) ﷺ (فِي آثَارِهِمْ) بمدِّ الهمزة، أي: وراءهم الطَّلب عشرين أميرهُم كُرْز، فأدركُوهم فأُخِذُوا (فَأُتِيَ بِهِمْ) النَّبيَّ ﷺ أسارى (فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ) من خلافٍ (وَسَمَلَ) بفتح المهملة والميم واللام، فقأَ (أَعْيُنَهُمْ) أي: أمرَ ﷺ بذلك، لا أنَّه باشرَ ذلك بنفسهِ الزَّكيَّة (ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ) بسكون الحاء وكسر السين المهملتين، أي: لم يَكْوِ مواضعَ القطعِ لينقطع الدَّم بل تركهُم (٣) (حَتَّى مَاتُوا). وزادَ عبدُ الرَّزَّاق في آخرِ هذا الحديث قال: فبلغَنا أنَّ هذه الآية نزلَت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الاية [المائدة: ٣٣].
وأخرج الطَّبريُّ من طريقِ ابن عُبادة عن سعيدِ بنِ أبي عَروبة عن قتادةَ عن أنسٍ في آخر قصَّة العُرنيِّين، قال: فذكر لنا أنَّ هذهِ الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾. وعندَ الإسماعيليِّ من طريقِ مروان بنِ معاوية عن معاويةَ بنِ أبي العبَّاس عن أيوب عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ عن النَّبيِّ ﷺ في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم من عُكْل، وفي «الصَّحيحين» [خ¦٢٣٣] [خ¦١٥٠١] [خ¦٦٨٠٥] أنَّهم كانوا من عُكل وعُرينة.
والحديثُ سبق في «بابِ أبوالِ الإبلِ»، في «كتاب الوضوء» [خ¦٢٣٣].
(١٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَمْ يَحْسِمِ النَّبِيُّ ﷺ) لم يَكْوِ موضع القطعِ من (المُحَارِبِينَ مِنْ