الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨١٥
الحديث رقم ٦٨١٥ من كتاب «كتاب الحدود وما يحذر من الحدود» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يرجم المجنون والمجنونة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٨١٦ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ.»
بَابٌ: لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟، قَالَ: نَعَمْ، فَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَالتَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَاعِزٍ فَجَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَ، وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ وَالْجُهَنِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ فِي مَاعِزٍ اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَلْدَ، فَدَلَّ تَرْكُ ذِكْرِهِ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَدَلَّ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَغْرَبَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، زَادَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَمْ إِنْ أُحْصِنَ فَقَطْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَقَالَتِ: الْجَمْعُ عَلَى الشَّيْخِ الثَّيِّبِ دُونَ الشَّابِّ وَلَا أَصْلَ لَهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، كَذَا قَالَهُ وَنَفَى أَصْلَهُ، وَوَصْفَهُ بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ طَرِيقَهُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الشَّيْخِ فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ فَلَا يَنْفَكَّانِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّةَ لَا تُنَافِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ، سَلَّمْنَا، لَكِنَّ التِّلَاوَةَ أَمَارَةُ الْحُكْمِ فَيَدُلُّ وُجُودُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَا دَلَالَةَ مِنْ مُجَرَّدِهَا عَلَى وُجُوبِ الدَّوَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ فِي طَرَفِ الدَّوَامِ انْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا نُسِخَتِ التِّلَاوَةُ وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُولُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ سُلَيْمَانُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْ بَعْدَهَا وَفَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الرَّجْمَ إِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى نَسْخُهُ بِالتَّنْصِيصِ فِيهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْجَلْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا وَأَيْضًا فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي) يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ لِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالرَّجْمُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَضَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا جَاءَ مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: أَخْبَرَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنِي.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي مُسَمًّى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
٢٢ - بَاب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ، لِعُمَرَ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّواب؛ لقولهِ ﷺ للمرأة لما سألته: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم ولك أجر (١)».
٦٨١٥ - ٦٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حَزْن، الإمام أبي محمد المخزوميِّ، أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) هو ماعز ابن مالك (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) حالٌ من «رسول الله ﷺ»، والجملة التَّالية معطوفةٌ على «أتى» (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ﵊ (حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) بدالين أولاهما مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى ردَّ» بإسقاط الدَّال الثَّانية (فَلَمَّا شَهِدَ) أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ولأبي ذرٍّ: «أربع مرَّات» وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) له: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) بهمزة الاستفهام، و «جنون» مبتدأ، والجارّ متعلق بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (قَالَ) ﷺ: (فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟) تزوَّجت (قَالَ: نَعَمْ) أحصنتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية أو الحال، أي: اذهبُوا مصاحبين له (فَارْجُمُوهُ) وقد تمسَّك بهذا (٢) الحنفيَّة والحنابلة في اشتراطِ الإقرار أربع مرَّات وأنَّه لا يكتفى بما دونها قياسًا على الشُّهود.
وأُجيب عن المالكيَّة والشَّافعيَّة في عدمِ اشتراطِ ذلك بما في حديثِ العسيفِ من قولهِ ﷺ: «واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذَا، فإن اعترفَتْ فارجُمْهَا» ولم يقلْ: فإنْ اعترفتْ أربع
مرَّاتٍ، وبحديث رجمِ الغامِديَّة -بالغين المعجمة والميم المكسورة بعدها دال مهملة- إذ لم ينقل أنَّه تكرَّر إقرارها، وأمَّا التِّكرار هنا فإنَّما (١) كان للاستثباتِ والتَّحقيق والاحتياط في درء الحدِّ بالشُّبهة (٢) كقولهِ: «أبكَ جنون؟» فإنَّه من التَّثبُّت؛ ليتحقَّق حاله أيضًا، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضي هلاكه من غير سؤالٍ مع أنَّ له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتَّوبة، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: ثمَّ سأل قومه، فقالوا: ما (٣) نعلمُ به بأسًا إلَّا أنَّه أصابَ شيئًا يرى أنَّه (٤) لا يخرجه منه إلَّا أن يقامَ فيه الحدُّ، وهذا مبالغةٌ في تحقيق حاله، وفي صيانةِ دم المسلم، فيُبنى الأمرُ عليه لا على مجرَّد إقرارهِ بعدمِ الجنون، فإنَّه لو كان مجنونًا لم يُفِدْ قوله إنَّه ليس به جنون؛ لأنَّ إقرار المجنونِ غيرُ معتبرٍ، فهذه هي الحكمة في سؤاله عنه قومه. وقال القرطبيُّ: إنَّ ذلك قالَه لما ظهرَ عليه من الحال الَّذي يشبهُ حال المجنون، وذلك أنَّه دخل منتفشَ الشَّعر ليس عليه رداءٌ يقول: زنيت فطهِّرني كما في «صحيح مسلم» من حديث جابرِ بن سَمُرة، واسمُ المرأة الَّتي زنى بها فاطمةُ فتاةُ هَزَّال، وقيل: مُنِيرة، وفي «طبقات ابن سعد»: مُهَيرة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ -بالسَّند السَّابق-: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ) قال في «الفتح»: صرَّح يونس ومَعمر في روايتهما بأنَّه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما عند سعيد بن المسيَّب، وعنده زيادة عليه عن جابرٍ (قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) مكان صلاةِ العيد والجنائز، وخبرُ «كان» في المجرورِ، و «مَن» بمعنى «الَّذي»، وصلتُها جملة «رجمَه» (٥)، والمعنى: في جماعةِ مَن رجمَه، وأعاد الضَّمير على لفظ «من»، ولو أعاده على معناها لقال: فيمن رجموه، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمَن رجمَه، أو يقدَّر: فكنت فيمن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَالتَّقْصِيرُ فِي تَرْكِ ذِكْرِ الْعُمْرَةِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مَاعِزٍ فَجَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِأَسَانِيدَ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ جَلَدَ، وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ وَالْجُهَنِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ فِي مَاعِزٍ اذْهَبُوا فَارْجُمُوهُ، وَكَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَلْدَ، فَدَلَّ تَرْكُ ذِكْرِهِ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وَدَلَّ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَمِنَ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَغْرَبَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ حَزْمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، زَادَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ خَاصٌّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ، وَأَمَّا الشَّابُّ فَيُجْلَدُ إِنْ لَمْ يُحْصَنْ وَيُرْجَمْ إِنْ أُحْصِنَ فَقَطْ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا، وَقَالَ عِيَاضٌ: شَذَّتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَقَالَتِ: الْجَمْعُ عَلَى الشَّيْخِ الثَّيِّبِ دُونَ الشَّابِّ وَلَا أَصْلَ لَهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، كَذَا قَالَهُ وَنَفَى أَصْلَهُ، وَوَصْفَهُ بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ طَرِيقَهُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي بَابِ الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ دَلِيلَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الشَّيْخِ فَفَهِمَ هَؤُلَاءِ مِنْ تَخْصِيصِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّابَّ أَعْذَرُ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ مَعَ حُكْمِهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ فَلَا يَنْفَكَّانِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّ الْعَالَمِيَّةَ لَا تُنَافِي قِيَامَ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ، سَلَّمْنَا، لَكِنَّ التِّلَاوَةَ أَمَارَةُ الْحُكْمِ فَيَدُلُّ وُجُودُهَا عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَا دَلَالَةَ مِنْ مُجَرَّدِهَا عَلَى وُجُوبِ الدَّوَامِ فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الْأَمَارَةِ فِي طَرَفِ الدَّوَامِ انْتِفَاءُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، فَإِذَا نُسِخَتِ التِّلَاوَةُ وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَدْلُولُ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ سُلَيْمَانُ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَمْ بَعْدَهَا وَفَائِدَةُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الرَّجْمَ إِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى نَسْخُهُ بِالتَّنْصِيصِ فِيهَا عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي الْجَلْدُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدَهَا فَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى نَسْخِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ إِذَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمَشْهُورَةُ فَلَا وَأَيْضًا فَلَا نَسْخَ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ الْمُحْصَنِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَدْرِي) يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرَّجْمَ وَقَعَ بَعْدَ سُورَةِ النُّورِ لِأَنَّ نُزُولَهَا كَانَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالرَّجْمُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ حَضَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ سَنَةَ سَبْعٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا جَاءَ مَعَ أُمِّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: أَخْبَرَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنِي.
قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) أَيْ مِنْ بَنِي أَسْلَمَ الْقَبِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا سَيَأْتِي مُسَمًّى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ.
٢٢ - بَاب لَا يُرْجَمُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ، لِعُمَرَ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟
٦٨١٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الثَّواب؛ لقولهِ ﷺ للمرأة لما سألته: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم ولك أجر (١)».
٦٨١٥ - ٦٨١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه، واسم أبيه عبد الله قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، ابن خالد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) بن حَزْن، الإمام أبي محمد المخزوميِّ، أحد الأعلام، وسيِّد التَّابعين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁) أنَّه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) هو ماعز ابن مالك (رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ) حالٌ من «رسول الله ﷺ»، والجملة التَّالية معطوفةٌ على «أتى» (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) ﵊ (حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) بدالين أولاهما مشددة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «حتَّى ردَّ» بإسقاط الدَّال الثَّانية (فَلَمَّا شَهِدَ) أقرَّ (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) ولأبي ذرٍّ: «أربع مرَّات» وجواب «لمَّا» قوله: (دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ) له: (أَبِكَ جُنُونٌ؟) بهمزة الاستفهام، و «جنون» مبتدأ، والجارّ متعلق بالخبر، والمسوِّغ للابتداء بالنَّكرة تقدُّم الخبر في الظَّرف وهمزة الاستفهام (قَالَ: لَا) ليس بي جنونٌ (قَالَ) ﷺ: (فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟) تزوَّجت (قَالَ: نَعَمْ) أحصنتُ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اذْهَبُوا بِهِ) الباء للتعدية أو الحال، أي: اذهبُوا مصاحبين له (فَارْجُمُوهُ) وقد تمسَّك بهذا (٢) الحنفيَّة والحنابلة في اشتراطِ الإقرار أربع مرَّات وأنَّه لا يكتفى بما دونها قياسًا على الشُّهود.
وأُجيب عن المالكيَّة والشَّافعيَّة في عدمِ اشتراطِ ذلك بما في حديثِ العسيفِ من قولهِ ﷺ: «واغْدُ يا أُنَيس إلى امرأةِ هذَا، فإن اعترفَتْ فارجُمْهَا» ولم يقلْ: فإنْ اعترفتْ أربع
مرَّاتٍ، وبحديث رجمِ الغامِديَّة -بالغين المعجمة والميم المكسورة بعدها دال مهملة- إذ لم ينقل أنَّه تكرَّر إقرارها، وأمَّا التِّكرار هنا فإنَّما (١) كان للاستثباتِ والتَّحقيق والاحتياط في درء الحدِّ بالشُّبهة (٢) كقولهِ: «أبكَ جنون؟» فإنَّه من التَّثبُّت؛ ليتحقَّق حاله أيضًا، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يصرُّ على إقرارِ ما يقتضي هلاكه من غير سؤالٍ مع أنَّ له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتَّوبة، وفي حديث أبي سعيدٍ عند مسلم: ثمَّ سأل قومه، فقالوا: ما (٣) نعلمُ به بأسًا إلَّا أنَّه أصابَ شيئًا يرى أنَّه (٤) لا يخرجه منه إلَّا أن يقامَ فيه الحدُّ، وهذا مبالغةٌ في تحقيق حاله، وفي صيانةِ دم المسلم، فيُبنى الأمرُ عليه لا على مجرَّد إقرارهِ بعدمِ الجنون، فإنَّه لو كان مجنونًا لم يُفِدْ قوله إنَّه ليس به جنون؛ لأنَّ إقرار المجنونِ غيرُ معتبرٍ، فهذه هي الحكمة في سؤاله عنه قومه. وقال القرطبيُّ: إنَّ ذلك قالَه لما ظهرَ عليه من الحال الَّذي يشبهُ حال المجنون، وذلك أنَّه دخل منتفشَ الشَّعر ليس عليه رداءٌ يقول: زنيت فطهِّرني كما في «صحيح مسلم» من حديث جابرِ بن سَمُرة، واسمُ المرأة الَّتي زنى بها فاطمةُ فتاةُ هَزَّال، وقيل: مُنِيرة، وفي «طبقات ابن سعد»: مُهَيرة.
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ -بالسَّند السَّابق-: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ) قال في «الفتح»: صرَّح يونس ومَعمر في روايتهما بأنَّه أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، فكأنَّ الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما عند سعيد بن المسيَّب، وعنده زيادة عليه عن جابرٍ (قَالَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى) مكان صلاةِ العيد والجنائز، وخبرُ «كان» في المجرورِ، و «مَن» بمعنى «الَّذي»، وصلتُها جملة «رجمَه» (٥)، والمعنى: في جماعةِ مَن رجمَه، وأعاد الضَّمير على لفظ «من»، ولو أعاده على معناها لقال: فيمن رجموه، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: فرجمنَاه بالمصلَّى، فكنتُ فيمَن رجمَه، أو يقدَّر: فكنت فيمن