«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٧٨

الحديث رقم ٦٨٧٨ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى أن النفس بالنفس والعين بالعين.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٨٧٨ في صحيح البخاري

«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ.»

بَابُ مَنْ أَقَادَ بِالْحَجَرِ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٨٧٨

٦٨٧٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٨٧٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

٦٨٧٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ بَعْدَهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الظَّالِمُونَ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ مُطَابَقَتُهَا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَكِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ أَصْلٌ فِي الْقِصَاصِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَحِلُّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ وَهِيَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يَحِلُّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ إِثْبَاتُ إِبَاحَةِ قَتْلِ مَنِ اسْتُثْنِيَ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِتَحْرِيمِ قَتْلِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَتْلُ مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ وَاجِبًا فِي الْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: دَمُ رَجُلٍ وَالْمُرَادُ لَا يَحِلُّ إِرَاقَةُ دَمِهِ أَيْ كُلُّهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ وَلَوْ لَمْ يُرِقْ دَمَهُ.

قَوْلُهُ: (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ ذُكِرت لِبَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْلِمِ هُوَ الْآتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ هِيَ حَالٌ مُقَيِّدَةٌ لِلْمَوْصُوفِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الْعُمْدَةِ فِي حَقْنِ الدَّمِ، وَهَذَا رَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ، وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ.

قَوْلُهُ: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أَيْ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ قُتِلَ بِشَرْطِهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ: قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا.

قَوْلُهُ: (وَالثَّيِّبُ الزَّانِي) أَيْ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ بِالرَّجْمِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: رَجُلٍ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الزَّانِي يَجُوزُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا أَشْهَرُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ لَكِنْ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ: قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَارِقُ لِدِينِهِ هُوَ التَّارِكُ لَهُ، مِنَ الْمُرُوقِ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ وَزَادَ: قَالَ الْأَعْمَشُ فَحَدَّثْتُ بِهِمَا إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي النَّخَعِيَّ فَحَدَّثَنِي عَنِ الْأَسْوَدِ يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ.

قُلْتُ: وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ذِكْرَهَا فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَأَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ لَكِنْ قَالَ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا وَلَمْ يَقُلْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَفْرَدَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ سَوَاءً، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ أَيْ فَارَقَهُمْ أَوْ تَرَكَهُمْ بِالِارْتِدَادِ، فَهِيَ صِفَةٌ لِلتَّارِكِ أَوِ الْمُفَارِقِ لَا صِفَةٌ

مُسْتَقِلَّةٌ وَإِلَّا لَكَانَتِ الْخِصَالُ أَرْبَعًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: مُسْلِمٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا صِفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: مُسْلِمٌ وَلَيْسَتْ قَيْدًا فِيهِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إِلَّا بِذَلِكَ.

وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: أَوْ يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ صَحِيحٍ أَيْضًا: ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَوْ كَفَرَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (١) مُرْتَدٌّ بَعْدَ إِيمَانٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الرِّدَّةُ سَبَبٌ لِإِبَاحَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ بِالْإِجْمَاعِ فِي الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا خِلَافٌ.

وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الرَّجُلِ لِاسْتِوَاءِ حُكْمِهِمَا فِي الزِّنَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا دَلَالَةُ اقْتِرَانٍ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: التَّارِكُ لِدِينِهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَارِقِ أَيِ الَّذِي تَرَكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي عُدِّدَ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُخَالِفُ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَقُولُ: مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ كَافِرٌ، وَقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْهَيِّنِ فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا وَتَارَةً لَا يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ، فَالْأَوَّلُ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَةِ التَّوَاتُرِ لَا لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي لَا يُكَفَّرُ بِهِ.

قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: الصَّحِيحُ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ تَقْيِيدُهُ بِإِنْكَارِ مَا يُعْلَمُ وُجُوبُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ بِالتَّوَاتُرِ وَمِنْهُ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَعَ هُنَا مَنْ يَدَّعِي الْحِذْقَ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَيَمِيلُ إِلَى الْفَلْسَفَةِ فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالِفَ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ لَا يُكَفَّرُ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِنَا إِنَّ مُنْكِرَ الْإِجْمَاعِ لَا يُكَفَّرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّقْلُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرًا عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، قَالَ وَهُوَ تَمَسُّكٌ سَاقِطٌ إِمَّا عَنْ عَمًى فِي الْبَصِيرَةِ أَوْ تَعَامٍ لِأَنَّ حُدُوثَ الْعَالَمِ مِنْ قَبِيلِ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: التَّارِكُ لِدِينِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ ارْتَدَّ بِأَيِّ رِدَّةٍ كَانَتْ فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ أَوْ نَفْيِ إِجْمَاعٍ كَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، كَذَا قَالَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَنَّهُ نَعْتٌ لِلتَّارِكِ لِدِينِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ كَمَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِذَا وَجَبَ وَيُقَاتِلُ عَلَى ذَلِكَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْمُحَارِبِينَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: فَيَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظُ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْحَصْرُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْفِيَ مَنْ ذُكِرَ وَدَمُهُ حَلَالٌ فَلَا يَصِحُّ الْحَصْرُ، وَكَلَامُ الشَّارِعِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَصْفَ الْمُفَارَقَةِ لِلْجَمَاعَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ.

قَالَ: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ تَرَكَ دِينَهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَرَكَ كُلَّهُ وَالْمُفَارِقَ بِغَيْرِ رِدَّةٍ تَرَكَ بَعْضَهُ، انْتَهَى.

وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ أَصْلَ الْخَصْلَةِ الثَّالِثَةِ الِارْتِدَادُ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ، وَالْمُفَارِقُ بِغَيْرِ رِدَّةٍ لَا يُسَمَّى مُرْتَدًّا فَيَلْزَمُ الْخُلْفُ فِي الْحَصْرِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِيمَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ عَيْنًا، وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَهُمْ فَإِنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ إِنَّمَا يُبَاحُ إِذَا وَقَعَ حَالَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرًا اتِّفَاقًا فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ، وَعَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمُحَارِبِينَ أَيْضًا، لَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَتْلُ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَارِكَ

الصَّلَاةِ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ شَيْخُ وَالِدِي الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيُّ فِي أَبْيَاتِهِ الْمَشْهُورَةِ، ثُمَّ سَاقَهَا وَمِنْهَا وَهُوَ كَافٍ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ هُنَا:

وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يُعَزِّرَهُ الْإِمَا … مُ بِكُلِّ تَعْزِيرٍ يَرَاهُ صَوَابَا

فَالْأَصْلُ عِصْمَتُهُ إِلَى أَنْ يَمْتَطِيَ … إِحْدَى الثَّلَاثِ إِلَى الْهَلَاكِ رِكَابَا

قَالَ: فَهَذَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اخْتَارَ خِلَافَ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا اسْتَشْكَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

قُلْتُ: تَارِكُ الصَّلَاةِ اخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ جُوَيْرِيَةَ (١) وَمَنْصُورٌ الْفَقِيهُ وَأَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّرُ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمْ الْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ.

وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ رَفَعَهُ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ الْحَدِيثَ.

وَفِيهِ: وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُمَا، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِرِ أَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِتَكْفِيرِهِ وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَأَرَادَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانَهُ أَنْ يُزِيلَ الْإِشْكَالَ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ الْعِصْمَةَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْمُرَتَّبُ عَلَى أَشْيَاءَ لَا تحْصُلُ إِلَّا بِحُصُولِ مَجْمُوعِهَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا.

قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِمَنْطُوقِهِ وَهُوَ أُقَاتِلُ النَّاسَ إِلَخْ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الْحُصُولَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ إِبَاحَةُ قَتْلِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ فِعْلِهَا إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ قَوْمًا لَوْ تَرَكُوا الصَّلَاةَ وَنَصَبُوا الْقِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُمْ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَانٌ مِنْ غَيْرِ نَصْبِ قِتَالٍ هَلْ يُقْتَلُ أَوْ لَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ تَرَتُّبُ الْعِصْمَةِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِهِ هَانَ الْأَمْرُ لِأَنَّهَا دَلَالَةُ مَفْهُومٍ، وَمُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ حُجَّتَهُ بِأَنَّهُ عَارَضَتْهُ دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِقَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلدِّينِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُولُوا بِقَتْلِ تَارِكِ الزَّكَاةِ لِإِمْكَانِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ قَهْرًا، وَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصِّيَامِ لِإِمْكَانِ مَنْعِهِ الْمُفْطِرَاتِ فَيَحْتَاجُ هُوَ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُرْجَمُ إِذَا زَنَى وَلَوْ كَانَ ثَيِّبًا؛ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ قَالَ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ مَا جَمَعَهُ اللَّهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَصْلَةِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالْحُرَّ فِي الرِّدَّةِ سَوَاءٌ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ أَنَّ الْأَصْلَ الْعَمَلُ بِدَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ مَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ يُخَالِفُهُ.

وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الثَّلَاثَةِ قَتْلَ الصَّائِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِلدَّفْعِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الثَّلَاثَةِ الصَّائِلُ وَنَحْوُهُ فَيُبَاحُ قَتْلُهُ فِي الدَّفْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ قَتْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إِلَّا مُدَافَعَةً بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْرِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ لِأَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقد احتجَّ الأئمَّةُ كلُّهم على أنَّ الرَّجل يقتلُ بالمرأةِ بعموم هذهِ الآية (١)، واحتجَّ أبو حنيفة أيضًا بعمومِها على قتل المسلمِ بالكافر الذِّميِّ، وعلى قتل الحرِّ بالعبدِ، وخالفه الجمهور فيهما لحديث «الصَّحيحين» [خ¦١١١]: «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ» (٢) وقد حكى الإمام الشَّافعيُّ الإجماع على خلافِ قول الحنفيَّة في ذلك. وقال ابنُ كثيرٍ: ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهِم إلَّا بدليلٍ مخصِّصٍ للآية، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَالأَنفَ﴾ … » إلى آخرها، وقال بعد ﴿بِالْعَيْنِ﴾: «الآيةَ»، وقال ابنُ عساكرَ: «إلى آخره» وسقط للأَصيليِّ (٣) من قولهِ «﴿وَالْعَيْنَ﴾».

٦٨٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) الخارفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) «أنْ» هي المخفَّفة من الثَّقيلة، بدليل أنَّه عطف عليها الجملة التَّالية، ولأنَّ الشَّهادة بمعنى العلم؛ لأنَّ شرطَها أن يتقدَّمها علمٌ أو ظنٌّ، فالتَّقدير: أشهد أنَّه لا إله إلَّا الله، فحذفَ اسمها وبقيتِ الجملة في محلِّ الخبرِ (وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ) صفةٌ ثانيةٌ ذكرت لبيان أنَّ المراد بالمسلمِ هو الآتي بالشَّهادتين. وقال في «شرح المشكاة»: الظَّاهر أنَّ «يشهدُ» حال جِيء به (٤) مقيِّدًا للموصوف مع صفتهِ إشعارًا بأنَّ الشَّهادة هي العُمدة في حقنِ الدَّم (إِلَّا بِإِحْدَى) خصالٍ (ثَلَاثٍ) وحرف الجرِّ متعلِّق بحال، والتَّقدير: إلَّا متلبِّسًا (٥) بفعلِ إحدى ثلاث، فيكون الاستثناءُ مفرَّغًا لعمل ما قبل «إلَّا» فيما بعدَها، ثمَّ إنَّ المستثنى منه يحتملُ أن يكون من الدَّم، فيكون التَّقدير: لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلَّا دمه متلبِّسًا بإحدى الثَّلاث، ويحتملُ أن يكون الاستثناءُ من امرئٍ، فيكون

التَّقدير: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ (١) إلَّا امرأً متلبِّسًا بإحدى ثلاث خصالٍ، فمتلبِّسًا حال من امرئٍ، وجاز لأنَّه وصف (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) بالجرِّ والرَّفع، فيحلُّ قتلُها قصاصًا بالنَّفس الَّتي قتلها (٢) عدوانًا وظلمًا (٣)، وهو مخصوصٌ بولي الدَّم لا يحلُّ قتله لأحدٍ سواه، فلو قتلَه غيره لزمهُ القصاص، والباء في «بالنَّفس» للمقابلةِ (وَالثَّيِّبُ) أي: المحصن المكلَّف الحرُّ، ويُطلق الثَّيِّب على الرَّجل والمرأة بشرطِ التَّزوُّج والدُّخول (الزَّانِي) يحلُّ قتله بالرَّجم، فلو قتلَه مسلمٌ غير الإمام فالأظهرُ عند الشَّافعيَّة لا قصاصَ على قاتلهِ لإباحةِ دمهِ، والزَّاني بالياء على الأصل، ويروى بحذفِها اكتفاءً بالكسر كقولهِ تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] (وَالمَارِقُ) الخارج (مِنَ الدِّينِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «والمفارقُ لدينِهِ التَّارك له (٤)» (التَّارِكُ الجَمَاعَةَ) من المسلمين، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «للجماعةِ» بلام الجرِّ. وفي «شرح المشكاة»: و «التَّارك للجماعةِ» صفةٌ مؤكِّدة «للمارقِ» أي: الَّذي تركَ جماعةَ المسلمين، وخرجَ من (٥) جملتِهم، وانفردَ عن (٦) زُمرتهم، واستدلَّ بهذا (٧) الحديث على أنَّ تارك الصَّلاة لا يُقتل بتركها لكونهِ ليس (٨) من الأمور الثَّلاثة، وقد اختُلف فيه، والجمهورُ على أنَّه يُقتل حدًّا لا كفرًا بعد الاستتابةِ، فإن تابَ وإلَّا قُتل، وقال أحمدُ وبعض المالكيَّة وابنُ خُزيمة من الشَّافعيَّة: إنَّه يكفرُ بذلك ولو لم يجحدْ وجوبَها. وقال الحنفيَّة: لا يكفرُ ولا يقتلُ؛ لحديث عبادةَ عند أصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبادِ … » الحديثَ، وفيه: «ومَن لم يأتِ بهنَّ فليسَ له عندَ الله عهدٌ إنْ شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ أدخلَه الجنَّة»، والكافرُ لا يدخلُ الجنَّة. وتمسَّك الإمام أحمد بظواهرِ أحاديث وردتْ في تكفيرِه، وحملها من خالفهُ على المستحلِّ جمعًا بين الأخبارِ، واستثنى بعضُهم مع الثَّلاثة قتلَ الصَّائل فإنَّه يجوزُ قتلهُ للدَّفع.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

٦٨٧٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ بَعْدَهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: الظَّالِمُونَ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ مُطَابَقَتُهَا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لَكِنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ أَصْلٌ فِي الْقِصَاصِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا يَحِلُّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ زِيَادَةٌ فِي أَوَّلِهِ وَهِيَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يَحِلُّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ إِثْبَاتُ إِبَاحَةِ قَتْلِ مَنِ اسْتُثْنِيَ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِتَحْرِيمِ قَتْلِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ قَتْلُ مَنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ وَاجِبًا فِي الْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: دَمُ رَجُلٍ وَالْمُرَادُ لَا يَحِلُّ إِرَاقَةُ دَمِهِ أَيْ كُلُّهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ وَلَوْ لَمْ يُرِقْ دَمَهُ.

قَوْلُهُ: (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ ذُكِرت لِبَيَانِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْلِمِ هُوَ الْآتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ، أَوْ هِيَ حَالٌ مُقَيِّدَةٌ لِلْمَوْصُوفِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الْعُمْدَةِ فِي حَقْنِ الدَّمِ، وَهَذَا رَجَّحَهُ الطِّيبِيُّ، وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ.

قَوْلُهُ: (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أَيْ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ قُتِلَ بِشَرْطِهِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الْمَذْكُورِ: قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا ظُلْمًا.

قَوْلُهُ: (وَالثَّيِّبُ الزَّانِي) أَيْ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ بِالرَّجْمِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: رَجُلٍ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الزَّانِي يَجُوزُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْيَاءِ وَحَذْفُهَا وَإِثْبَاتُهَا أَشْهَرُ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ لَكِنْ عِنْدَ النَّسَفِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ: قَالَ الطِّيبِيُّ الْمَارِقُ لِدِينِهِ هُوَ التَّارِكُ لَهُ، مِنَ الْمُرُوقِ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ وَزَادَ: قَالَ الْأَعْمَشُ فَحَدَّثْتُ بِهِمَا إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي النَّخَعِيَّ فَحَدَّثَنِي عَنِ الْأَسْوَدِ يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ.

قُلْتُ: وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ذِكْرَهَا فِي مُسْنَدِ عَائِشَةَ وَأَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ لَكِنْ قَالَ بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا وَلَمْ يَقُلْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَفْرَدَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ سَوَاءً، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ أَيْ فَارَقَهُمْ أَوْ تَرَكَهُمْ بِالِارْتِدَادِ، فَهِيَ صِفَةٌ لِلتَّارِكِ أَوِ الْمُفَارِقِ لَا صِفَةٌ

مُسْتَقِلَّةٌ وَإِلَّا لَكَانَتِ الْخِصَالُ أَرْبَعًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: مُسْلِمٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا صِفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: مُسْلِمٌ وَلَيْسَتْ قَيْدًا فِيهِ؛ إِذْ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إِلَّا بِذَلِكَ.

وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ: أَوْ يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ صَحِيحٍ أَيْضًا: ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ غَالِبٍ عَنْ عَائِشَةَ: أَوْ كَفَرَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (١) مُرْتَدٌّ بَعْدَ إِيمَانٍ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الرِّدَّةُ سَبَبٌ لِإِبَاحَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ بِالْإِجْمَاعِ فِي الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَفِيهَا خِلَافٌ.

وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الرَّجُلِ لِاسْتِوَاءِ حُكْمِهِمَا فِي الزِّنَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا دَلَالَةُ اقْتِرَانٍ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: التَّارِكُ لِدِينِهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَارِقِ أَيِ الَّذِي تَرَكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي عُدِّدَ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ الطِّيبِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُخَالِفُ لِأَهْلِ الْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ مُتَمَسَّكًا لِمَنْ يَقُولُ: مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ كَافِرٌ، وَقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْهَيِّنِ فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ مَثَلًا وَتَارَةً لَا يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ، فَالْأَوَّلُ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَةِ التَّوَاتُرِ لَا لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي لَا يُكَفَّرُ بِهِ.

قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: الصَّحِيحُ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ تَقْيِيدُهُ بِإِنْكَارِ مَا يُعْلَمُ وُجُوبُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ بِالتَّوَاتُرِ وَمِنْهُ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَعَ هُنَا مَنْ يَدَّعِي الْحِذْقَ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَيَمِيلُ إِلَى الْفَلْسَفَةِ فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالِفَ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ لَا يُكَفَّرُ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِنَا إِنَّ مُنْكِرَ الْإِجْمَاعِ لَا يُكَفَّرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّقْلُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرًا عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، قَالَ وَهُوَ تَمَسُّكٌ سَاقِطٌ إِمَّا عَنْ عَمًى فِي الْبَصِيرَةِ أَوْ تَعَامٍ لِأَنَّ حُدُوثَ الْعَالَمِ مِنْ قَبِيلِ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ: التَّارِكُ لِدِينِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ ارْتَدَّ بِأَيِّ رِدَّةٍ كَانَتْ فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ أَوْ نَفْيِ إِجْمَاعٍ كَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، كَذَا قَالَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ أَنَّهُ نَعْتٌ لِلتَّارِكِ لِدِينِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ فَارَقَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ كَمَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ إِذَا وَجَبَ وَيُقَاتِلُ عَلَى ذَلِكَ كَأَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْمُحَارِبِينَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: فَيَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظُ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْحَصْرُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْفِيَ مَنْ ذُكِرَ وَدَمُهُ حَلَالٌ فَلَا يَصِحُّ الْحَصْرُ، وَكَلَامُ الشَّارِعِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَصْفَ الْمُفَارَقَةِ لِلْجَمَاعَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ.

قَالَ: وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ تَرَكَ دِينَهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَرَكَ كُلَّهُ وَالْمُفَارِقَ بِغَيْرِ رِدَّةٍ تَرَكَ بَعْضَهُ، انْتَهَى.

وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ أَصْلَ الْخَصْلَةِ الثَّالِثَةِ الِارْتِدَادُ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ، وَالْمُفَارِقُ بِغَيْرِ رِدَّةٍ لَا يُسَمَّى مُرْتَدًّا فَيَلْزَمُ الْخُلْفُ فِي الْحَصْرِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِيمَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ عَيْنًا، وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَهُمْ فَإِنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ إِنَّمَا يُبَاحُ إِذَا وَقَعَ حَالَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ صَبْرًا اتِّفَاقًا فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ، وَعَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمُحَارِبِينَ أَيْضًا، لَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَتْلُ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَارِكَ

الصَّلَاةِ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ شَيْخُ وَالِدِي الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيُّ فِي أَبْيَاتِهِ الْمَشْهُورَةِ، ثُمَّ سَاقَهَا وَمِنْهَا وَهُوَ كَافٍ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ هُنَا:

وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ يُعَزِّرَهُ الْإِمَا … مُ بِكُلِّ تَعْزِيرٍ يَرَاهُ صَوَابَا

فَالْأَصْلُ عِصْمَتُهُ إِلَى أَنْ يَمْتَطِيَ … إِحْدَى الثَّلَاثِ إِلَى الْهَلَاكِ رِكَابَا

قَالَ: فَهَذَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اخْتَارَ خِلَافَ مَذْهَبِهِ، وَكَذَا اسْتَشْكَلَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.

قُلْتُ: تَارِكُ الصَّلَاةِ اخْتُلِفَ فِيهِ؛ فَذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ جُوَيْرِيَةَ (١) وَمَنْصُورٌ الْفَقِيهُ وَأَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَفَّرُ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمْ الْمُزَنِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ.

وَمِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ حَدِيثُ عُبَادَةَ رَفَعَهُ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ الْحَدِيثَ.

وَفِيهِ: وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُمَا، وَتَمَسَّكَ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِظَوَاهِرِ أَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِتَكْفِيرِهِ وَحَمَلَهَا مَنْ خَالَفَهُمْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَأَرَادَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا زَمَانَهُ أَنْ يُزِيلَ الْإِشْكَالَ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ وَقَفَ الْعِصْمَةَ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالْمُرَتَّبُ عَلَى أَشْيَاءَ لَا تحْصُلُ إِلَّا بِحُصُولِ مَجْمُوعِهَا وَيَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ بَعْضِهَا.

قَالَ: وَهَذَا إِنْ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِمَنْطُوقِهِ وَهُوَ أُقَاتِلُ النَّاسَ إِلَخْ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، فَقَدْ ذَهِلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُقَاتَلَةَ مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي الْحُصُولَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الصَّلَاةِ إِبَاحَةُ قَتْلِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ فِعْلِهَا إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ قَوْمًا لَوْ تَرَكُوا الصَّلَاةَ وَنَصَبُوا الْقِتَالَ أَنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُمْ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَا إِذَا تَرَكَهَا إِنْسَانٌ مِنْ غَيْرِ نَصْبِ قِتَالٍ هَلْ يُقْتَلُ أَوْ لَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقَتْلِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ آخِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ تَرَتُّبُ الْعِصْمَةِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِهِ هَانَ الْأَمْرُ لِأَنَّهَا دَلَالَةُ مَفْهُومٍ، وَمُخَالِفُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ حُجَّتَهُ بِأَنَّهُ عَارَضَتْهُ دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَهِيَ أَرْجَحُ مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِقَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلدِّينِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُولُوا بِقَتْلِ تَارِكِ الزَّكَاةِ لِإِمْكَانِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ قَهْرًا، وَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصِّيَامِ لِإِمْكَانِ مَنْعِهِ الْمُفْطِرَاتِ فَيَحْتَاجُ هُوَ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُرْجَمُ إِذَا زَنَى وَلَوْ كَانَ ثَيِّبًا؛ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ قَالَ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَرِّقَ مَا جَمَعَهُ اللَّهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَصْلَةِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالْحُرَّ فِي الرِّدَّةِ سَوَاءٌ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ أَنَّ الْأَصْلَ الْعَمَلُ بِدَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ مَا لَمْ يَأْتِ دَلِيلٌ يُخَالِفُهُ.

وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنَ الثَّلَاثَةِ قَتْلَ الصَّائِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِلدَّفْعِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ يُخَصُّ مِنْ عُمُومِ الثَّلَاثَةِ الصَّائِلُ وَنَحْوُهُ فَيُبَاحُ قَتْلُهُ فِي الدَّفْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ قَتْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إِلَّا مُدَافَعَةً بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْرِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ لِأَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقد احتجَّ الأئمَّةُ كلُّهم على أنَّ الرَّجل يقتلُ بالمرأةِ بعموم هذهِ الآية (١)، واحتجَّ أبو حنيفة أيضًا بعمومِها على قتل المسلمِ بالكافر الذِّميِّ، وعلى قتل الحرِّ بالعبدِ، وخالفه الجمهور فيهما لحديث «الصَّحيحين» [خ¦١١١]: «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ» (٢) وقد حكى الإمام الشَّافعيُّ الإجماع على خلافِ قول الحنفيَّة في ذلك. وقال ابنُ كثيرٍ: ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهِم إلَّا بدليلٍ مخصِّصٍ للآية، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿وَالأَنفَ﴾ … » إلى آخرها، وقال بعد ﴿بِالْعَيْنِ﴾: «الآيةَ»، وقال ابنُ عساكرَ: «إلى آخره» وسقط للأَصيليِّ (٣) من قولهِ «﴿وَالْعَيْنَ﴾».

٦٨٧٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمانُ بن مهران (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ) الخارفيِّ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو: ابنُ الأجدع (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) «أنْ» هي المخفَّفة من الثَّقيلة، بدليل أنَّه عطف عليها الجملة التَّالية، ولأنَّ الشَّهادة بمعنى العلم؛ لأنَّ شرطَها أن يتقدَّمها علمٌ أو ظنٌّ، فالتَّقدير: أشهد أنَّه لا إله إلَّا الله، فحذفَ اسمها وبقيتِ الجملة في محلِّ الخبرِ (وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ) صفةٌ ثانيةٌ ذكرت لبيان أنَّ المراد بالمسلمِ هو الآتي بالشَّهادتين. وقال في «شرح المشكاة»: الظَّاهر أنَّ «يشهدُ» حال جِيء به (٤) مقيِّدًا للموصوف مع صفتهِ إشعارًا بأنَّ الشَّهادة هي العُمدة في حقنِ الدَّم (إِلَّا بِإِحْدَى) خصالٍ (ثَلَاثٍ) وحرف الجرِّ متعلِّق بحال، والتَّقدير: إلَّا متلبِّسًا (٥) بفعلِ إحدى ثلاث، فيكون الاستثناءُ مفرَّغًا لعمل ما قبل «إلَّا» فيما بعدَها، ثمَّ إنَّ المستثنى منه يحتملُ أن يكون من الدَّم، فيكون التَّقدير: لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلَّا دمه متلبِّسًا بإحدى الثَّلاث، ويحتملُ أن يكون الاستثناءُ من امرئٍ، فيكون

التَّقدير: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ (١) إلَّا امرأً متلبِّسًا بإحدى ثلاث خصالٍ، فمتلبِّسًا حال من امرئٍ، وجاز لأنَّه وصف (النَّفْسُ بِالنَّفْسِ) بالجرِّ والرَّفع، فيحلُّ قتلُها قصاصًا بالنَّفس الَّتي قتلها (٢) عدوانًا وظلمًا (٣)، وهو مخصوصٌ بولي الدَّم لا يحلُّ قتله لأحدٍ سواه، فلو قتلَه غيره لزمهُ القصاص، والباء في «بالنَّفس» للمقابلةِ (وَالثَّيِّبُ) أي: المحصن المكلَّف الحرُّ، ويُطلق الثَّيِّب على الرَّجل والمرأة بشرطِ التَّزوُّج والدُّخول (الزَّانِي) يحلُّ قتله بالرَّجم، فلو قتلَه مسلمٌ غير الإمام فالأظهرُ عند الشَّافعيَّة لا قصاصَ على قاتلهِ لإباحةِ دمهِ، والزَّاني بالياء على الأصل، ويروى بحذفِها اكتفاءً بالكسر كقولهِ تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] (وَالمَارِقُ) الخارج (مِنَ الدِّينِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشمِيهنيِّ: «والمفارقُ لدينِهِ التَّارك له (٤)» (التَّارِكُ الجَمَاعَةَ) من المسلمين، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «للجماعةِ» بلام الجرِّ. وفي «شرح المشكاة»: و «التَّارك للجماعةِ» صفةٌ مؤكِّدة «للمارقِ» أي: الَّذي تركَ جماعةَ المسلمين، وخرجَ من (٥) جملتِهم، وانفردَ عن (٦) زُمرتهم، واستدلَّ بهذا (٧) الحديث على أنَّ تارك الصَّلاة لا يُقتل بتركها لكونهِ ليس (٨) من الأمور الثَّلاثة، وقد اختُلف فيه، والجمهورُ على أنَّه يُقتل حدًّا لا كفرًا بعد الاستتابةِ، فإن تابَ وإلَّا قُتل، وقال أحمدُ وبعض المالكيَّة وابنُ خُزيمة من الشَّافعيَّة: إنَّه يكفرُ بذلك ولو لم يجحدْ وجوبَها. وقال الحنفيَّة: لا يكفرُ ولا يقتلُ؛ لحديث عبادةَ عند أصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبادِ … » الحديثَ، وفيه: «ومَن لم يأتِ بهنَّ فليسَ له عندَ الله عهدٌ إنْ شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ أدخلَه الجنَّة»، والكافرُ لا يدخلُ الجنَّة. وتمسَّك الإمام أحمد بظواهرِ أحاديث وردتْ في تكفيرِه، وحملها من خالفهُ على المستحلِّ جمعًا بين الأخبارِ، واستثنى بعضُهم مع الثَّلاثة قتلَ الصَّائل فإنَّه يجوزُ قتلهُ للدَّفع.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله