الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٨٠
الحديث رقم ٦٨٨٠ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٦⦘
ﷺ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِلَّا الْإِذْخِرَ» وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: الْقَتْلَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ.
٦٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ : حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ :
يخبر أبو هريرة رضي الله عنه أنه لما فُتحت مكة قتل رجلٌ من خُزاعة رجلاً من بني هُذيل بقتيلٍ لهم كان في الجاهلية وأن النبي صلى الله عليه وسلم قام فخطب بما ذكر في الحديث حيث بيَّن حرمة مكة وأن الله حبس عنها أهلَ الفيل وأباحَها لنبيه ساعة من نهار، وليس المراد بالساعة هي الساعة المحدودة، ولكن المراد وقتاً من نهارِ يوم الفتح إذ إنها أبيحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحة ذلك اليوم إلى العصر، وأخبر أن حرمتها عادت بعد ذلك كما هي لا يعضد شوكها ولايختلى خلاها، أي لا يقطع شجرها ولا يجز حشيشها النابت في حدود الحرم إلا الإذخر، ولاتحل ساقطتها إلا لمنشد.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقَادَ بِالْحَجَرِ) أَيْ حَكَمَ بِالْقَوَدِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيِّ وَالْجَارِيَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ: فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْ نَعَمْ بِالنُّونِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ وَكِلَاهُمَا يَجِيءُ لِتَفْسِيرِ مَا يَتَقَدَّمُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا أَشَارَتْ إِشَارَةً مُفْهِمَةً يُسْتَفَادُ مِنْهَا مَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا لَوْ نَطَقَتْ. فَقَالَتْ نَعَمْ.
٨ - بَاب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
٦٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ من بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّها أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أن يُودَى وَإِمَّا أن يُقَاد، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِلَّا الْإِذْخِرَ. وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَتْلَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ.
٦٨٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ .. ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، قَالَ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الِاخْتِيَارَ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ أَوِ الِاقْتِصَاصِ رَاجِعٌ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ رِضَا الْقَاتِلِ.
وَهَذَا الْقَدْرُ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أَيْ تَرَكَ لَهُ دَمَهُ وَرَضِيَ مِنْهُ بِالدِّيَةِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالدِّيَةِ.
وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعَفْوَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ، وَقَبُولُ الدِّيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ طَلَبُ الْقِصَاصِ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا لَزِمَتِ الْقَاتِلَ الدِّيَةُ بِغَيْرِ
رِضَاهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فَإِذَا رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ بِأَخْذِ الدِّيَةِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلْ كَانَ الْقِصَاصُ مُتَحَتِّمًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الدِّيَةِ إِذَا رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ.
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مُرْسَلًا، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَهِيَ شَاذَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) كَذَا تَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي الطَّرِيقَيْنِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ هُنَا عَلَى لَفْظِ حَرْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ شَيْبَانَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَطَرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَلِيٍّ السِّيرَافِيِّ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُصَرِّحًا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ) الْهَاءُ فِي أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
قَوْلُهُ: (قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَإِنِّي عَاقِلُهُ، وَقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ كَمَا أَوْرَدْتُهُ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ مِنْ أَبْوَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
فَأَمَّا خُزَاعَةُ فَتَقَدَّمَ نَسَبُهُمْ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ، وَأَمَّا بَنُو لَيْثٍ فَقَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَأَمَّا هُذَيْلٌ فَقَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى هُذَيْلٍ وَهُمْ بَنُو مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَتْ هُذَيْلٌ وَبَكْرٌ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ وَكَانُوا فِي ظَوَاهِرِهَا خَارِجِينَ مِنَ الْحَرَمِ، وَأَمَّا خُزَاعَةُ فَكَانُوا غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ وَحَكَمُوا فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا فَصَارُوا فِي ظَاهِرِهَا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ حُلَفَاءَ قُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ مِنْ خُزَاعَةَ خِرَاشُ بِمُعْجَمَتَيْنِ ابْنُ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ اسْمُهُ أَحْمَرَ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ لَمْ يُسَمَّ وَكَذَا الْقَاتِلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْخُزَاعِيَّ الْمَقْتُولَ اسْمُهُ مُنَبِّهٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَنْدَرٍ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ كَانَ شُجَاعًا وَكَانَ إِذَا نَامَ غَطَّ فَإِذَا طَرَقَهُمْ شَيْءٌ صَاحُوا بِهِ فَيَثُورُ مِثْلَ الْأَسَدِ، فَغَزَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ هُذَيْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَثْوَعِ، وَهُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ أَحْمَرُ فِيهِمْ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَمَعَ فَإِذَا غَطِيطُ أَحْمَرَ فَمَشَى إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَ السَّيْفَ فِي صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ وَأَغَارُوا عَلَى الْحَيِّ.
فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَكَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ أَتَى ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيُّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَرَأَتْهُ خُزَاعَةُ فَعَرَفُوهُ فَأَقْبَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَالَ أَفْرِجُوا عَنِ الرَّجُلِ فَطَعَنَهُ بِالسَّيْفِ فِي بَطْنِهِ فَوَقَعَ قَتِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ، وَلَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَنَعَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ خِرَاشًا لَقَتَّالٌ يَعِيبُهُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَا قِصَّةُ الْهُذَلِيِّ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَقْتُولِ مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَكَأَنَّهَا أُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ اسْمُهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ، وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ قَتَلَهُ بَنُو كَعْبٍ فَوَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، لَكِنْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ، فَرَآهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَعْجَبِ الْأَسْلَمِيُّ فَخَرَجَ يَسْتَجِيشُ عَلَيْهِ فَجَاءَ خِرَاشٌ فَقَتَلَهُ، فَظَهَرَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ فَلَعَلَّهُ كَانَ هُذَلِيًّا حَالَفَ بَنِي لَيْثٍ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَرَأَيْتُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ اسْمَ الْخُزَاعِيِّ الْقَاتِلِ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّ هِلَالًا لَقَبُ خِرَاشٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي الْعِلْمِ: فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ) بِالْفَاءِ، اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ بِحَبْسِهِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى قِصَّةِ الْحَبَشَةِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ سَاقَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطَةً، وَحَاصِلُ مَا سَاقَهُ أَنَّ أَبْرَهَةَ الْحَبَشِيَّ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا بَنَى كَنِيسَةً وَأَلْزَمَ النَّاسَ بِالْحَجِّ إِلَيْهَا، فَعَمَدَ بَعْضُ الْعَرَبِ فَاسْتَغْفَلَ الْحَجَبَةَ وَتَغَوَّطَ فَهَرَبَ، فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَعَزَمَ عَلَى تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ، فَتَجَهَّزَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فِيلًا عَظِيمًا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَعْظَمَهُ وَكَانَ جَمِيلَ الْهَيْئَةِ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إِبِلًا لَهُ نُهِبَتْ فَاسْتَقْصَرَ هِمَّتَهُ وَقَالَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ لَا تَسْأَلُنِي إِلَّا فِي الْأَمْرِ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، فَقَالَ إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبًّا سَيَحْمِيهِ، فَأَعَادَ إِلَيْهِ إِبِلَهُ، وَتَقَدَّمَ أَبْرَهَةُ بِجُيُوشِهِ فَقَدَّمُوا الْفِيلَ فَبَرَكَ وَعَجَزُوا فِيهِ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ؛ حَجَرَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرًا فِي مِنْقَارِهِ فَأَلْقَوْهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أُصِيبَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَصْحَابُ الْفِيلِ حَتَّى نَزَلُوا الصِّفَاحَ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَوْضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ طَرِيقِ الْيَمَنِ، فَأَتَاهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِ أَحَدًا، قَالُوا لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَهْدِمَهُ، فَكَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ فِيلَهُمْ إِلَّا تَأَخَّرَ، فَدَعَا اللَّهُ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ فَأَعْطَاهَا حِجَارَةً سَوْدَاءَ فَلَمَّا حَاذَتْهُمْ رَمَتْهُمْ، فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْهُ الْحَكَّةُ، فَكَانَ لَا يَحُكُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ جِلْدَهُ إِلَّا تَسَاقَطَ لَحْمُهُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ أَوَّلَ مَا وَقَعَتِ الْحَصْبَاءُ وَالْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ يَوْمئِذٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ لَهَا رُءُوسٌ كَرُءُوسِ السِّبَاعِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَنْشَأَهَا مِنَ الْبَحْرِ كَأَمْثَالِ الْخَطَاطِيفِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي إِلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ مِنْ أَبْوَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِيمَا قَبْلَهُ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُلْتَقَطُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي آخِرِهِ (إِلَّا لِمُنْشِدٍ)، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ: إِلَّا مُنْشِدٌ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أَيْ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ كَانَ حَيًّا فَصَارَ قَتِيلًا بِذَلِكَ الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا اخْتِيَارَ لَهُ وَإِنَّمَا الِاخْتِيَارُ لِوَلِيِّهِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَالْمُرَادُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ وَعَلَّقَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَيْ إِنْ أَرَادَ زِيَادَةً عَلَى الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِيَارَ هَلْ هُوَ الْقَاتِلُ أَوْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ،
وَاخْتُلِفَ إِذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ إِجَابَتُهُ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجِبُ إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ قُتِلَ لَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا أَوْ طِفْلًا لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ الْقِصَاصُ حَتَّى يَبْلُغَ الطِّفْلُ وَيَقْدَمَ الْغَائِبُ.
قَوْلُهُ: (إِمَّا أَنْ يُودِيَ) بِسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ يُعْطِيَ الْقَاتِلُ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ (وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) أَيْ يُقْتَلُ بِهِ، وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: إِمَّا أَنْ يَعْقِلَ بَدَلَ إِمَّا أَنْ يُودِيَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَالْعَقْلُ الدِّيَةُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي اللُّقَطَةِ: إِمَّا أَنْ يُفْدِيَ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَفِي نُسْخَةٍ وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ أَيِ الدِّيَةَ.
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِمَّا أَنْ يُودِيَ أَوْ يُفَادِي، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْفَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الدِّيَةِ، وَلَوْ كَانَ بِالْقَافِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ لَذُكِرَا بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُقَادَا بِقَتِيلِهِمَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، قَالَ: وَصَحِيحُ الرِّوَايَةِ إِمَّا أَنْ يُودِيَ أَوْ يُقَادَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ يُقادَى إِنْ تَقَدَّمَهُ أَنْ يُقْتَصَّ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِيقَاعِ الْقِصَاصِ بِالْحَرَمِ لِأَنَّهُ ﷺ خَطَبَ بِذَلِكَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِغَيْرِ الْحَرَمِ، وَتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهْ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ، وَحَكَى السَّلَفِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَطَقَ بِهَا بِتَاءٍ فِي آخِرِهِ وَغَلَّطَهُ وَقَالَ هُوَ فَارِسِيٌّ مِنْ فُرْسَانِ الْفُرْسِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ) تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَأَنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَشُرِحَ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ الْمُتَعَلِّقِ بِتَحْرِيمِ مَكَّةَ وَبِالْإِذْخِرِ فِي الْأَبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ) أَيْ تَابِعُ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى فِي الْفِيلِ بِالْفَاءِ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: الْقَتْلَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ جَزَمَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: الْقَتْلُ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالشَّكِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ) أَيْ يُؤْخَذُ لَهُمْ بِثَأْرِهِمْ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْمَذْكُورُ، وَرِوَايَتُهُ إِيَّاهُ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ وَلَفْظُهُ: إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ.
الحديث الثاني، قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعْتُ مُجَاهِدًا.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ هَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي عَمْرٍو، وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَمْرٍو فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ) كَذَا هُنَا مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِصَاصِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قُلْتُ: كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، وَوَقَعَ هُنَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ إِلَى قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْمُرَادُ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ فِي آيَةٍ تَلِي الْآيَةَ الْمُبْدَأَ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْقَتْلَى: فَقَرَأَ إِلَى ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ
الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ مَا حُذِفَ هُنَا مِنَ الْآيَةِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أَيْ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعَذَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لِمَنْ قَتَلَ ابْتِدَاءً وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ يَتَحَتَّمُ الْقَتْلُ وَلَا يَتَمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ.
وَفِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: لَا أَعْفُو عَمَّنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بَلْ هُمَا مُحَكَّمَتَانِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مُفَسِّرَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ نَفْسُ الْأَحْرَارِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ دُونَ الْأَرِقَّاءِ فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ دُونَ الْأَحْرَارِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: الْمُرَادُ فِي النَّفْسِ بِالنَّفْسِ الْمُكَافِئَةُ لِلْأُخْرَى فِي الْحُدُودِ ; لِأَنَّ الْحُرَّ لَوْ قَذَفَ عَبْدًا لَمْ يُجْلَدِ اتِّفَاقًا، وَالْقَتْلُ قِصَاصًا مِنْ جُمْلَةِ الْحُدُودِ، قَالَ وَبَيَّنَهُ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فَمِنْ هُنَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ وَالْكَافِرُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدَمِهِ وَلَا بِجُرْحِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُسَمَّى مُتَصَدِّقًا وَلَا مُكَفَّرًا عَنْهُ.
قُلْتُ: مُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أَيْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ مُطْلَقًا فَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الدِّيَةِ بَدَلًا عَنِ الْقَتْلِ لِمَنْ عَفَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنِ الْقِصَاصِ وَبِتَخْصِيصِهِ بِالْحُرِّ فِي الْحُرِّ، فَحِينَئِذٍ لَا حُجَّةَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا إِنَّمَا يُتَمَسَّكُ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ شَرِيعَةَ عِيسَى لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ وَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا الدِّيَةُ فَقَطْ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَازَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهَا جَمَعَتِ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَتْ وُسْطَى؛ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُخَيَّرَ فِي الْقَوَدِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَرَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْعَفْوَ فِي الْآيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَبِعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ عُفِيَ عَنْهُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ فَعَلَى مُسْتَحِقِّ الدِّيَةِ الِاتِّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ وَعَلَى الْقَاتِلِ الْأَدَاءُ وَهُوَ دَفْعُ الدِّيَةِ بِإِحْسَانٍ. وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخِيَارَ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ عَمَّتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَلَمْ يُخَيِّرْ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْوَلِيِّ لَأَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَحَكَّمَ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى الْجَانِي أَنْ يَغْرَمَ الدِّيَةَ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ إِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَ طَلَبِ أَوْلِيَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدَ فَأَعْلَمَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ نَزَلَ عَلَى أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْقَوَدَ أُجِيبَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ رَضِيتُ أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا عَلَى أَنْ لَا أَقْتُلَكَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْقِنَ دَمَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا سُئِلَ فِي الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ إِنْ شَاءَ قَبِلَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَعَلَى الْوَلِيِّ اتِّبَاعُ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِكْرَاهِ الْقَاتِلِ عَلَى بَذْلِ الدِّيَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ بَدَلٌ مِنْهُ، وَقِيلَ الْوَاجِبُ الْخِيَارُ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَكَذَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ فَقِيلَ نَزَلَتْ فِي حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ لِأَحَدِهِمَا طَوْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الشَّرَفِ فَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَإِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بهذا القتل لا بقتلٍ سابقٍ. قال: ومثلُه يذكر (١) في علمِ الكلام على سبيلِ المغلطة (٢). قالوا: لا يمكنُ إيجادُ موجودٍ؛ لأنَّ الموجود إمَّا يُوجده في حال وجودهِ فهو تحصيلُ الحاصل، وإمَّا حال العدمِ فهو جمعٌ بين النَّقيضين، فيُجاب باختيارِ الشِّقِّ الأوَّل؛ إذ ليس إيجادًا للموجود بوجودٍ سابق؛ ليكون تحصيل الحاصل بل إيجادٌ له بهذا الوجودِ، وكذا حديث [خ¦٣١٤٢] «مَن قتلَ قتيلًا فلهُ سلبُهُ» (فَهْو) أي: وليُّ القتيل (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) إمَّا الدِّيَة وإمَّا القِصاص.
٦٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة فألف فنون (٣)، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ البصريُّ، نزيل الكوفة (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير الطَّائيِّ، واسم أبي كثيرٍ صالح (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمنِ بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ خُزَاعَةَ) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة وبعد الألف عين مهملة، القبيلة المشهورة (قَتَلُوا رَجُلًا) وكانت خُزاعة قد غَلبوا على مكَّة وحكموا فيها، ثمَّ أُخرِجوا منها فصاروا في ظاهرهَا، ورواية شَيْبان في «باب كتابة العلم»، من «كتاب العلم» [خ¦١١٢].
قال المؤلِّف محوِّلًا للسَّند: (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) ضدُّ الخوف، ابن المثنى شيخ المؤلِّف،
ووصله البيهقيُّ من طريق هشام بن عليٍّ السِّيرافيُّ عنه، قال: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) بفتح الحاء (١) المهملة وسكون الراء بعدها موحدة، ابن شدَّاد، ولفظ الحديث له (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ) أي: أنَّ (٢) الشَّأن (عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا) لم يُسمَّ (مِنْ بَنِي لَيْثٍ) بالمثلَّثة، القبيلةُ المشهورةُ المنسوبة إلى ليثِ بن بكرِ بن كنانة بنِ خُزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضر (بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ) اسمُه أحمرُ، واسم الخزاعيِّ الَّذي قُتِل خِرَاش -بالخاء والشين المعجمتين بينهما راء بألف- ابن أميَّة، وذكر ابنُ هشام أنَّ المقتول من بني ليث اسمهُ جندب بن الأكوع.
قال في «الفتح»: ورأيتُ في الجزء الثَّالث من «فوائد أبي عليِّ بن خُزيمة» أنَّ اسم الخزاعيِّ القاتل هلال بن أميَّة، فإن ثبتَ فلعلَّ هلالًا لقبُ خِرَاش. وفي «مغازي» ابن إسحاق: حَدَّثني سعيد بن أبي سَنْدَر (٣) الأسلميُّ عن رجلٍ من قومهِ قال: كان معنَا رجلٌ (٤) يقال له: أحمرُ، وكان شُجاعًا وكان إذا نامَ غطَّ، فإذا طرقهم شيءٌ صاحوا به، فيثورُ مثل الأسدِ، فغزَاهم قومٌ من هُذيل في الجاهليَّة، فقال لهم ابن الأثوع -بالثاء المثلثة والعين المهملة-: لا تعجلوا حتَّى أنظرَ فإن كان أحمرُ فيهم فلا سبيلَ إليهم، فاستمعَ إليهم (٥)، فإذا غطيطُ أحمرَ فمَشى إليه حتَّى وضع السَّيف في (٦) صدرِه فقتلهُ، وأغاروا على الحيِّ، فلمَّا كان عام الفتح، وكان الغد من يوم الفتحِ أتى ابن الأثوع الهذليُّ حتَّى دخلَ مكَّة وهو على شركهِ، فرأتْه خُزاعة فعرفوه فأقبَل خِرَاشُ بن أميَّة، فقال: أفْرِجوا عن الرَّجل، فطعنَه بالسَّيف في بطنهِ فوقع قتيلًا (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) وفي رواية شيبان في «العلم» [خ¦١١٢] فأخبر بذلك النَّبيّ ﷺ فركبَ راحلتَه فخطبَ، فقال: (إِنَّ اللهَ حَبَسَ) منعَ (عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء والتَّحتية، الحيوان المعروف المشهور في قصَّةِ أبرهةَ، وهي أنَّه لما غلبَ على اليمن وكان نصرانيًّا بنى كنيسةً، وألزم النَّاس بالحجِّ (٧) إليها،
فاستغفلَ بعضُ العربِ الحَجَبةَ، وتغوَّط فيها وهرب، فغضبَ أبرهةُ وعزم على تخريبِ الكعبة، فتجهَّز في جيشٍ كثيفٍ واستصحبَ معه فيلًا عظيمًا، فلمَّا قَرُب من مكَّة قدَّم الفيلَ فبركَ الفيلُ، وكانوا كلَّما قدَّموه نحو الكعبة تأخَّر، وأرسل الله عليهم طيرًا مع كلِّ واحدٍ (١) ثلاثة أحجارٍ، حجران في رجليهِ، وحجرٌ في منقارهِ، فألقوها عليهم، فلم يبقَ أحدٌ منهم إلَّا أُصيب وأخذتْه الحكَّة، فكان لا يحكُّ أحدٌ منهم جلدهُ إلَّا تساقطَ لحمهُ (وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ) على أهلِ مكَّة (رَسُولَهُ) ﷺ (وَالمُؤْمِنِينَ) ﵃ (أَلَا) بالتخفيف، إنَّ الله قد حبسَ عنها (وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ) بفتح فكسر (لأَحَدٍ قَبْلِي) الجارُّ يتعلَّق بـ «تحلَّ»، وقيل: يتعلَّق بخبر كان تقديرُه (٢): أي: لا تحلُّ (٣) لأحدٍ كان كائنًا (وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) برفع «تحلُّ»، وزيادةُ «مِنْ» قبلَ «بعدِي»، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي» بإسقاط: «من» (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (وَإِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإنَّها» «بالهاء» بدل: «الميم» (٤)، (أُحِلَّتْ لِي) أن أُقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) ما بين طلوع الشَّمس وصلاة العصر (أَلَا) بالتخفيف (وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ) قوله: «وإنَّها ساعتي»: إنَّ واسمها و «ساعتي» الخبر، و «هذه» يحتملُ أن تكون بدلًا من «ساعتي»، أو عطف بيانٍ، ويحتملُ أن يكون الكلامُ تمَّ عند قوله: «ساعتي»، ثمَّ ابتدأ فقال: هذه -أي: مكة- حرام، ويكون قد حذف صفة «ساعتي»، أي: إنَّها ساعتي الَّتي أنا فيها، وعلى الأوَّل يكون قوله: «حرام (٥)» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي حرامٌ (لَا يُخْتَلَى) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام، لا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي (وَلَا يُعْضَدُ) بالضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول، لا يُقطعُ (شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ) بفتح التحتية، مبنيًّا للفاعل (سَاقِطَتَهَا) نصب مفعول، أي: ما سقطَ فيها بغفلةِ مالكهِ (إِلَّا مُنْشِدٌ) فليس لواجدِها سوى التَّعريف فلا يملكُها عند الشَّافعيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تُلتقط» بضم الفوقية (٦) مبنيًّا للمفعول «ساقطتُها» رفع نائب
عن الفاعل «إلَّا لمنشدٍ» بزيادةِ لام (١) قبل الميم، والاستثناءُ مفرَّغ؛ لأنَّه متعلِّق (٢) بـ «تلتقط ساقطتُها»، فتلتقطُ بمعنى تُباح، أي: لا تباح (٣) لقطتُها، أو لا تجوزُ «إلَّا لمنشدٍ»، فهو ملموح (٤) منه معنى فعلٍ آخر (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أي: ومن قُتِلَ له قريبٌ (٥) وكان حيًّا، فصار قتيلًا بذلك القتل. وقال في «العمدة»: قتيلٌ فعيلٌ بمعنى مفعولٌ سُمِّي (٦) بما آلَ إليه حاله، وهو في الأصلِ صفةٌ لمحذوفٍ، أي: لوليِّ (٧) قتيلٍ، ويحتملُ أن يُضمّنَ قُتِلَ معنى: وُجِدَ له قتيلٌ. قال (٨): ولا يصحُّ هذا التَّقدير في قولهِ ﵇: «من قتل قتيلًا فله سلبه» والأوَّل من قبيل تسمية العصير خمرًا، وجواب «مَن» الشَّرطية قوله: (فَهْوَ) أي: المقتول له (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى) بضم التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة، أي: يعطي القاتلُ أو أولياؤه لأولياء المقتول الدِّيةَ (وَإِمَّا يُقَادُ) بضم أوَّله والرفع، أي: يُقتل. قال المهلَّب وغيره: يُستفاد منه «أنَّ» الوليَّ إذا سئل في العفو على مالٍ إن شاء قَبِل ذلك وإن شاء اقتصَّ، وعلى الوليِّ (٩) اتِّباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدلُّ على إكراهِ القاتل على بذل الدِّية، ولأبي ذرٍّ: «إمَّا أن يودَى» بزيادة «أنْ» كقولهِ: «وإمَّا أنْ يُقاد» (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ) بالشين المعجمة بعدها ألف فهاء، وهو في محلِّ صفة ثانية، وتركيبه تركيب إضافِي كأبي هريرة (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ) الخطبة الَّتي سمعتها منك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اكْتُبُوا) الخطبة (لأَبِي شَاهٍ) قال ابنُ دقيق العيد: كان قد وقع الاختلافُ في الصَّدر الأول في كتابة غيرِ القرآن، ووردَ فيه نهيٌ، ثمَّ استقرَّ الأمرُ بين النَّاس على الكتابة؛ لتقييدِ العلم بها، وهذا الحديثُ يدلُّ على ذلك لإذنه ﵊ لأبي شاهٍ (ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو: العبَّاس بنُ عبد المطَّلب ﵁ (فَقَالَ (١٠): يَا رَسُولَ اللهِ: إِلَّا الإِذْخِرَ) بكسر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أقاد أَي اقْتصّ بِالْحجرِ من الْقود وَهُوَ الْقصاص.
٦٨٧٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ هِشام بنِ زَيْدٍ عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ يَهُودِيّاً قَتَلَ جارِيَةً على أوضاحٍ لَهَا، فَقَتَلَها بحَجَرٍ، فَجِيءَ بهَا إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبهَا رمَقٌ، فَقَالَ: أقَتَلَكِ فُلَانٌ فأشارَتْ بِرَأسِها أنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثانِيَةَ: فأشارَتْ بِرَأسِها أنْ لَا، ثُمَّ سألَها الثّالِثَةَ فأشارَتْ بِرَأسِها أنْ نَعَمْ، فَقَتلَهُ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحَجَرَيْن.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر. وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب إِذا قتل بِحجر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: أَن لَا كلمة: أَن، فِي الْمَوْضِعَيْنِ تفسيرية تفسر مَا بعْدهَا. قَوْله: أَن نعم هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: أَي نعم.
٨ - (بابٌ مَنْ قُتِلَ لهُ قَتيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر من قتل لَهُ قَتِيل أَي: الْقَتِيل بِهَذَا الْقَتْل لَا بقتل سَابق لِأَن قتل الْقَتِيل محَال. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمثله. يذكر فِي علم الْكَلَام على سَبِيل المغالطة، قَالُوا: لَا يُمكن إِيجَاد مَوْجُود لِأَن الموجد إِمَّا أَن يوجده فِي حَال وجوده فَهُوَ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَأما فِي حَال الْعَدَم فَهُوَ جمع بَين النقيضين، فيجاب بِاخْتِيَار الشق الأول إِذْ لَيْسَ إيجاداً للموجود بِوُجُود سَابق ليَكُون تَحْصِيل الْحَاصِل، بل إِيجَاد لَهُ بِهَذَا الْوُجُود، وَكَذَا حَدِيث: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه. قَوْله: فَهُوَ أَي: ولي الْقَتِيل بِخَير النظرين أَي: الدِّيَة أَو الْقصاص.
٦٨٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حدّثنا شَيْبانُ، عنْ يَحْياى، عنْ أبي سَلَمَة، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ خُزاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ رَجاءٍ: حدّثنا حَرْبٌ، عنْ يَحْياى، حدّثنا أبُو سَلمَةَ، حدّثنا أبُو هُرَيْرَةَ أنهُ عامَ فَتحِ مَكَّةَ قَتَلتْ خُزاعَةُ رَجلاً. مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الجاهِلِيَّةِ، فقامَ رسولُ الله فَقَالَ: إنَّ الله حَبَسَ عنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَليْهمْ رَسولَهُ والمُؤْمِنِينَ، أَلا وإنَّها لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأِحَدٍ بَعْدِي، أَلا وإنّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِنْ نَهارٍ، أَلا وإنَّها ساعَتي هاذِهِ حَرامٌ: لَا يُخْتَلاى شوْكُها، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُها وَلَا يَلْتَقِطُ ساقِطَتَها إلاّ مُنْشِدٌ، ومَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمَّا يُودَى وإمَّا يُقادُ فقامَ رَجُلٌ مِنْ أهْل اليَمَنِ يُقال لهُ أبُو شاةٍ، فقالَ: اكْتُبْ لِي يَا رسولَ الله. فَقَالَ رسولُ الله اكْتُبُوا لأبي شاةٍ ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْش فَقَالَ: يَا رسولَ الله إلاّ الإذْخِرَ، فإنّما نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنا وقُبُورنا، فَقَالَ رسولُ الله إلاّ الإذْخِرَ
انْظُر الحَدِيث ١١٢ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة من لفظ الحَدِيث.
وَأخرجه من طَرِيقين. أَحدهمَا عَن أبي نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن عَن شَيبَان بن عبد الرحمان النَّحْوِيّ أَصله بَصرِي سكن الْكُوفَة عَن يحياى بن أبي كثير اليمامي الطَّائِي وَاسم أبي كثير صَالح بن المتَوَكل عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى هَذَا فِي الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن شَيبَان ... الخ نَحوه. وَفِيه بعض الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. وَالطَّرِيق الآخر: أخرجه عَن عبد الله بن رَجَاء بن الْمثنى الْبَصْرِيّ فِي صُورَة التَّعْلِيق، وَهُوَ أَيْضا شَيْخه روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، وروى عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ
عَن حَرْب بن شَدَّاد عَن يحياى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هِشَام بن عَليّ السيرافي عَنهُ، وسَاق البُخَارِيّ الحَدِيث هُنَا على لفظ حَرْب، وسَاق الطَّرِيق الأول على لفظ شَيبَان، كَمَا فِي كتاب الْعلم، وَمرَاده من الطَّرِيق الثَّانِي تَبْيِين عدم تَدْلِيس يحياى بن أبي كثير، وَتقدم فِي اللّقطَة من طَرِيق الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحياى عَن أبي سَلمَة مُصَرحًا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع السَّنَد.
قَوْله: أَنه أَي: الشَّأْن. قَوْله: خُزَاعَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالزاي وَهِي قَبيلَة كَانُوا غلبوا على مَكَّة وحكموا فِيهَا، ثمَّ أخرجُوا مِنْهَا فصاروا فِي ظَاهرهَا، وَكَانَت بَينهم وَبَين بني بكر عَدَاوَة ظَاهِرَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَت خُزَاعَة حلفاء بني هَاشم بن عبد منَاف إِلَى عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَت بَنو بكر حلفاء قُرَيْش. قَوْله: رجلا من بني لَيْث وَاسم الرجل الْقَاتِل من خُزَاعَة: خرَاش، بِالْخَاءِ والشين المعجمتين ابْن أُميَّة الْخُزَاعِيّ، وَاسم الْمَقْتُول مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة: أَحْمَر، وَاسم الْمَقْتُول من بني لَيْث: قَبيلَة، لم يدر اسْمه، وَبَنُو لَيْث قَبيلَة مَشْهُورَة ينسبون إِلَى لَيْث بن بكر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر. قَوْله: حبس عَن مَكَّة الْفِيل أَشَارَ بِهِ إِلَى قصَّة الْحَبَشَة وَهِي مَشْهُورَة. قَوْله: أَلا بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام المخففة وَهِي كلمة تَنْبِيه تدل على تحقق مَا بعْدهَا، وَتَأْتِي لمعان أخر. قَوْله: وَلَا يخْتَلى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا يجز شَوْكهَا. قَوْله: وَلَا يعضد أَي: لَا يقطع. قَوْله: وَلَا يلتقط بِفَتْح الْيَاء من الِالْتِقَاط وفاعله هُوَ قَوْله: إلَاّ منشد بِالرَّفْع وَهُوَ الْمُعَرّف يَعْنِي: لَا يجوز لقطتهَا إِلَّا للتعريف. قَوْله: فَهُوَ أَي: ولي الْقَتِيل بِخَير النظرين، وهما: الدِّيَة وَالْقصاص. قَوْله: إِمَّا يودَى بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى: إِمَّا أَن يُؤدى، أَي: إِمَّا أَن يعْطى الدِّيَة، وَإِمَّا أَن يُقَاد أَي يقْتَصّ من الْقود وَهُوَ الْقصاص. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَخذ الدِّيَة من قَاتل الْعمد، فَروِيَ عَن سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء: أَن ولي الْمَقْتُول بِالْخِيَارِ بَين الْقصاص وَأخذ الدِّيَة، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون: لَيْسَ لَهُ إِذا كَانَ عمدا إلَاّ الْقصاص، وَلَا يَأْخُذ الدِّيَة إلَاّ إِذا رَضِي الْقَاتِل، وَبِه قَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ. قَوْله: أَبُو شاه بِالْهَاءِ لَا غير على الْمَشْهُور، وَقيل: بِالتَّاءِ. قَوْله: ثمَّ قَامَ رجل من قُرَيْش هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا فِي كتاب الْعلم وَكتاب الْحَج. والإذخر بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالراء وَهِي: حشيشة طيبَة الرَّائِحَة تسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، وهمزتها زَائِدَة.
وتابَعَهُ عُبَيْدُ الله عَنْ شَيْبَانَ فِي الفِيلِ.
أَي: تَابع حَرْب بن شَدَّاد عبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، فِي رِوَايَته عَن شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: الْفِيل، بِالْفَاءِ وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَقد مر فِي كتاب الْعلم حبس مَكَّة عَن الْقَتْل أَو الْفِيل بِالشَّكِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: عنْ أبي نُعَيْمٍ: القَتْلُ.
أَرَادَ بِالْبَعْضِ مُحَمَّد بن يحياى الذهلي فَإِنَّهُ روى عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن: الْقَتْل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقد مر فِي الْعلم: وجعلوه على الشَّك، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم: الْفِيل أَو الْقَتْل، وَغَيره يَقُول: الْفِيل، يَعْنِي بِالْفَاءِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ الله: إمَّا أنْ يُقادَ أهْلُ القَتِيلِ.
هُوَ عبيد الله بن مُوسَى الْمَذْكُور شيخ البُخَارِيّ أَي: قَالَ فِي رِوَايَته. . الحَدِيث الْمَذْكُور عَن شَيبَان بعد قَوْله: إِمَّا أَن يودى وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، يَعْنِي: زَاد هَذِه اللَّفْظَة، وَهِي فِي رِوَايَته: إِمَّا أَن يعْطى الدِّيَة وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، وَمَعْنَاهُ: يُؤْخَذ لأهل الْقَتِيل بثأرهم، هَكَذَا يُفَسر حَتَّى لَا يبْقى الْإِشْكَال، وَقد استشكله الْكرْمَانِي ثمَّ أجَاب بقوله: هُوَ مفعول مَا لم يسم فَاعله ليودى لَهُ، وَأما مفعول: يُقَاد، ضمير عَائِد إِلَى الْقَتِيل، وبالتفسير الَّذِي فسرناه يَزُول الْإِشْكَال فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف.
٦٨٨١ - حدّثنا قُتَيْبَة بنُ سَعيدٍ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ عَمْرٍ و، عنْ مُجاهدٍ، عَن ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقَادَ بِالْحَجَرِ) أَيْ حَكَمَ بِالْقَوَدِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيِّ وَالْجَارِيَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ: فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْ نَعَمْ بِالنُّونِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ وَكِلَاهُمَا يَجِيءُ لِتَفْسِيرِ مَا يَتَقَدَّمُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا أَشَارَتْ إِشَارَةً مُفْهِمَةً يُسْتَفَادُ مِنْهَا مَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا لَوْ نَطَقَتْ. فَقَالَتْ نَعَمْ.
٨ - بَاب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ
٦٨٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ من بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّها أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أن يُودَى وَإِمَّا أن يُقَاد، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِلَّا الْإِذْخِرَ. وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَتْلَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ.
٦٨٨١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ "عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ .. ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، قَالَ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الِاخْتِيَارَ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ أَوِ الِاقْتِصَاصِ رَاجِعٌ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ رِضَا الْقَاتِلِ.
وَهَذَا الْقَدْرُ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أَيْ تَرَكَ لَهُ دَمَهُ وَرَضِيَ مِنْهُ بِالدِّيَةِ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالدِّيَةِ.
وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعَفْوَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ، وَقَبُولُ الدِّيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ طَلَبُ الْقِصَاصِ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا لَزِمَتِ الْقَاتِلَ الدِّيَةُ بِغَيْرِ
رِضَاهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فَإِذَا رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ بِأَخْذِ الدِّيَةِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلْ كَانَ الْقِصَاصُ مُتَحَتِّمًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الدِّيَةِ إِذَا رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ.
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مُرْسَلًا، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَهِيَ شَاذَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) كَذَا تَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي الطَّرِيقَيْنِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ هُنَا عَلَى لَفْظِ حَرْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ شَيْبَانَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَطَرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَلِيٍّ السِّيرَافِيِّ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُصَرِّحًا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ) الْهَاءُ فِي أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
قَوْلُهُ: (قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَإِنِّي عَاقِلُهُ، وَقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ كَمَا أَوْرَدْتُهُ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ مِنْ أَبْوَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
فَأَمَّا خُزَاعَةُ فَتَقَدَّمَ نَسَبُهُمْ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ، وَأَمَّا بَنُو لَيْثٍ فَقَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَأَمَّا هُذَيْلٌ فَقَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى هُذَيْلٍ وَهُمْ بَنُو مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَتْ هُذَيْلٌ وَبَكْرٌ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ وَكَانُوا فِي ظَوَاهِرِهَا خَارِجِينَ مِنَ الْحَرَمِ، وَأَمَّا خُزَاعَةُ فَكَانُوا غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ وَحَكَمُوا فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا فَصَارُوا فِي ظَاهِرِهَا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ حُلَفَاءَ قُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ مِنْ خُزَاعَةَ خِرَاشُ بِمُعْجَمَتَيْنِ ابْنُ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيُّ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ اسْمُهُ أَحْمَرَ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ لَمْ يُسَمَّ وَكَذَا الْقَاتِلُ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْخُزَاعِيَّ الْمَقْتُولَ اسْمُهُ مُنَبِّهٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَنْدَرٍ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ كَانَ شُجَاعًا وَكَانَ إِذَا نَامَ غَطَّ فَإِذَا طَرَقَهُمْ شَيْءٌ صَاحُوا بِهِ فَيَثُورُ مِثْلَ الْأَسَدِ، فَغَزَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ هُذَيْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَثْوَعِ، وَهُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ أَحْمَرُ فِيهِمْ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَمَعَ فَإِذَا غَطِيطُ أَحْمَرَ فَمَشَى إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَ السَّيْفَ فِي صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ وَأَغَارُوا عَلَى الْحَيِّ.
فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَكَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ أَتَى ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيُّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، فَرَأَتْهُ خُزَاعَةُ فَعَرَفُوهُ فَأَقْبَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَالَ أَفْرِجُوا عَنِ الرَّجُلِ فَطَعَنَهُ بِالسَّيْفِ فِي بَطْنِهِ فَوَقَعَ قَتِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ، وَلَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ مَا صَنَعَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ خِرَاشًا لَقَتَّالٌ يَعِيبُهُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَا قِصَّةُ الْهُذَلِيِّ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَقْتُولِ مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَكَأَنَّهَا أُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ اسْمُهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ، وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ قَتَلَهُ بَنُو كَعْبٍ فَوَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ، لَكِنْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ، فَرَآهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَعْجَبِ الْأَسْلَمِيُّ فَخَرَجَ يَسْتَجِيشُ عَلَيْهِ فَجَاءَ خِرَاشٌ فَقَتَلَهُ، فَظَهَرَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ فَلَعَلَّهُ كَانَ هُذَلِيًّا حَالَفَ بَنِي لَيْثٍ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَرَأَيْتُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ اسْمَ الْخُزَاعِيِّ الْقَاتِلِ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّ هِلَالًا لَقَبُ خِرَاشٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي الْعِلْمِ: فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ) بِالْفَاءِ، اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ بِحَبْسِهِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى قِصَّةِ الْحَبَشَةِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ سَاقَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطَةً، وَحَاصِلُ مَا سَاقَهُ أَنَّ أَبْرَهَةَ الْحَبَشِيَّ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا بَنَى كَنِيسَةً وَأَلْزَمَ النَّاسَ بِالْحَجِّ إِلَيْهَا، فَعَمَدَ بَعْضُ الْعَرَبِ فَاسْتَغْفَلَ الْحَجَبَةَ وَتَغَوَّطَ فَهَرَبَ، فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَعَزَمَ عَلَى تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ، فَتَجَهَّزَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فِيلًا عَظِيمًا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَعْظَمَهُ وَكَانَ جَمِيلَ الْهَيْئَةِ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إِبِلًا لَهُ نُهِبَتْ فَاسْتَقْصَرَ هِمَّتَهُ وَقَالَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ لَا تَسْأَلُنِي إِلَّا فِي الْأَمْرِ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، فَقَالَ إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبًّا سَيَحْمِيهِ، فَأَعَادَ إِلَيْهِ إِبِلَهُ، وَتَقَدَّمَ أَبْرَهَةُ بِجُيُوشِهِ فَقَدَّمُوا الْفِيلَ فَبَرَكَ وَعَجَزُوا فِيهِ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ؛ حَجَرَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرًا فِي مِنْقَارِهِ فَأَلْقَوْهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أُصِيبَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَصْحَابُ الْفِيلِ حَتَّى نَزَلُوا الصِّفَاحَ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَوْضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ طَرِيقِ الْيَمَنِ، فَأَتَاهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِ أَحَدًا، قَالُوا لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَهْدِمَهُ، فَكَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ فِيلَهُمْ إِلَّا تَأَخَّرَ، فَدَعَا اللَّهُ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ فَأَعْطَاهَا حِجَارَةً سَوْدَاءَ فَلَمَّا حَاذَتْهُمْ رَمَتْهُمْ، فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْهُ الْحَكَّةُ، فَكَانَ لَا يَحُكُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ جِلْدَهُ إِلَّا تَسَاقَطَ لَحْمُهُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ أَوَّلَ مَا وَقَعَتِ الْحَصْبَاءُ وَالْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ يَوْمئِذٍ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ لَهَا رُءُوسٌ كَرُءُوسِ السِّبَاعِ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَنْشَأَهَا مِنَ الْبَحْرِ كَأَمْثَالِ الْخَطَاطِيفِ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي إِلَخْ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ مِنْ أَبْوَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِيمَا قَبْلَهُ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُلْتَقَطُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي آخِرِهِ (إِلَّا لِمُنْشِدٍ)، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ: إِلَّا مُنْشِدٌ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أَيْ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ كَانَ حَيًّا فَصَارَ قَتِيلًا بِذَلِكَ الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا اخْتِيَارَ لَهُ وَإِنَّمَا الِاخْتِيَارُ لِوَلِيِّهِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ: فَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَالْمُرَادُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ: فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ وَعَلَّقَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَيْ إِنْ أَرَادَ زِيَادَةً عَلَى الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِيَارَ هَلْ هُوَ الْقَاتِلُ أَوْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ،
وَاخْتُلِفَ إِذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ إِجَابَتُهُ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجِبُ إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ قُتِلَ لَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا أَوْ طِفْلًا لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ الْقِصَاصُ حَتَّى يَبْلُغَ الطِّفْلُ وَيَقْدَمَ الْغَائِبُ.
قَوْلُهُ: (إِمَّا أَنْ يُودِيَ) بِسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ يُعْطِيَ الْقَاتِلُ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ (وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ) أَيْ يُقْتَلُ بِهِ، وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ: إِمَّا أَنْ يَعْقِلَ بَدَلَ إِمَّا أَنْ يُودِيَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ، وَالْعَقْلُ الدِّيَةُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي اللُّقَطَةِ: إِمَّا أَنْ يُفْدِيَ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَفِي نُسْخَةٍ وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ أَيِ الدِّيَةَ.
وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِمَّا أَنْ يُودِيَ أَوْ يُفَادِي، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْفَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الدِّيَةِ، وَلَوْ كَانَ بِالْقَافِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ لَذُكِرَا بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُقَادَا بِقَتِيلِهِمَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، قَالَ: وَصَحِيحُ الرِّوَايَةِ إِمَّا أَنْ يُودِيَ أَوْ يُقَادَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ يُقادَى إِنْ تَقَدَّمَهُ أَنْ يُقْتَصَّ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِيقَاعِ الْقِصَاصِ بِالْحَرَمِ لِأَنَّهُ ﷺ خَطَبَ بِذَلِكَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِغَيْرِ الْحَرَمِ، وَتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهْ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ، وَحَكَى السَّلَفِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَطَقَ بِهَا بِتَاءٍ فِي آخِرِهِ وَغَلَّطَهُ وَقَالَ هُوَ فَارِسِيٌّ مِنْ فُرْسَانِ الْفُرْسِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ) تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَأَنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَشُرِحَ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ الْمُتَعَلِّقِ بِتَحْرِيمِ مَكَّةَ وَبِالْإِذْخِرِ فِي الْأَبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ) أَيْ تَابِعُ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ يَحْيَى فِي الْفِيلِ بِالْفَاءِ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: الْقَتْلَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ جَزَمَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: الْقَتْلُ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالشَّكِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ) أَيْ يُؤْخَذُ لَهُمْ بِثَأْرِهِمْ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْمَذْكُورُ، وَرِوَايَتُهُ إِيَّاهُ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ وَلَفْظُهُ: إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ: إِمَّا أَنْ يُقَادَ.
الحديث الثاني، قَوْلُهُ: (عَنْ عَمْرٍو) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعْتُ مُجَاهِدًا.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ هَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي عَمْرٍو، وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَمْرٍو فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ) كَذَا هُنَا مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِصَاصِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قُلْتُ: كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ، وَوَقَعَ هُنَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ إِلَى قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْمُرَادُ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ فِي آيَةٍ تَلِي الْآيَةَ الْمُبْدَأَ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْقَتْلَى: فَقَرَأَ إِلَى ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ
الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ مَا حُذِفَ هُنَا مِنَ الْآيَةِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أَيْ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعَذَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لِمَنْ قَتَلَ ابْتِدَاءً وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ يَتَحَتَّمُ الْقَتْلُ وَلَا يَتَمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ.
وَفِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ: لَا أَعْفُو عَمَّنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بَلْ هُمَا مُحَكَّمَتَانِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مُفَسِّرَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ نَفْسُ الْأَحْرَارِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ دُونَ الْأَرِقَّاءِ فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ دُونَ الْأَحْرَارِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: الْمُرَادُ فِي النَّفْسِ بِالنَّفْسِ الْمُكَافِئَةُ لِلْأُخْرَى فِي الْحُدُودِ ; لِأَنَّ الْحُرَّ لَوْ قَذَفَ عَبْدًا لَمْ يُجْلَدِ اتِّفَاقًا، وَالْقَتْلُ قِصَاصًا مِنْ جُمْلَةِ الْحُدُودِ، قَالَ وَبَيَّنَهُ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فَمِنْ هُنَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ وَالْكَافِرُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدَمِهِ وَلَا بِجُرْحِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُسَمَّى مُتَصَدِّقًا وَلَا مُكَفَّرًا عَنْهُ.
قُلْتُ: مُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أَيْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ مُطْلَقًا فَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الدِّيَةِ بَدَلًا عَنِ الْقَتْلِ لِمَنْ عَفَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنِ الْقِصَاصِ وَبِتَخْصِيصِهِ بِالْحُرِّ فِي الْحُرِّ، فَحِينَئِذٍ لَا حُجَّةَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا إِنَّمَا يُتَمَسَّكُ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ شَرِيعَةَ عِيسَى لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ وَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا الدِّيَةُ فَقَطْ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَازَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهَا جَمَعَتِ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَتْ وُسْطَى؛ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُخَيَّرَ فِي الْقَوَدِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقَرَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْعَفْوَ فِي الْآيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَبِعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ عُفِيَ عَنْهُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ فَعَلَى مُسْتَحِقِّ الدِّيَةِ الِاتِّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ وَعَلَى الْقَاتِلِ الْأَدَاءُ وَهُوَ دَفْعُ الدِّيَةِ بِإِحْسَانٍ. وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخِيَارَ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ عَمَّتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَلَمْ يُخَيِّرْ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْوَلِيِّ لَأَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَحَكَّمَ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى الْجَانِي أَنْ يَغْرَمَ الدِّيَةَ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ إِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَ طَلَبِ أَوْلِيَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدَ فَأَعْلَمَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ نَزَلَ عَلَى أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْقَوَدَ أُجِيبَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ رَضِيتُ أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا عَلَى أَنْ لَا أَقْتُلَكَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْقِنَ دَمَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا سُئِلَ فِي الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ إِنْ شَاءَ قَبِلَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَعَلَى الْوَلِيِّ اتِّبَاعُ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِكْرَاهِ الْقَاتِلِ عَلَى بَذْلِ الدِّيَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ بَدَلٌ مِنْهُ، وَقِيلَ الْوَاجِبُ الْخِيَارُ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، وَكَذَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ فَقِيلَ نَزَلَتْ فِي حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ لِأَحَدِهِمَا طَوْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الشَّرَفِ فَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَإِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بهذا القتل لا بقتلٍ سابقٍ. قال: ومثلُه يذكر (١) في علمِ الكلام على سبيلِ المغلطة (٢). قالوا: لا يمكنُ إيجادُ موجودٍ؛ لأنَّ الموجود إمَّا يُوجده في حال وجودهِ فهو تحصيلُ الحاصل، وإمَّا حال العدمِ فهو جمعٌ بين النَّقيضين، فيُجاب باختيارِ الشِّقِّ الأوَّل؛ إذ ليس إيجادًا للموجود بوجودٍ سابق؛ ليكون تحصيل الحاصل بل إيجادٌ له بهذا الوجودِ، وكذا حديث [خ¦٣١٤٢] «مَن قتلَ قتيلًا فلهُ سلبُهُ» (فَهْو) أي: وليُّ القتيل (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) إمَّا الدِّيَة وإمَّا القِصاص.
٦٨٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بنُ دُكين قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بفتح الشين المعجمة وبعد التحتية الساكنة موحدة فألف فنون (٣)، ابن عبد الرَّحمن النَّحويُّ البصريُّ، نزيل الكوفة (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير الطَّائيِّ، واسم أبي كثيرٍ صالح (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بنِ عبد الرَّحمنِ بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّ خُزَاعَةَ) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة وبعد الألف عين مهملة، القبيلة المشهورة (قَتَلُوا رَجُلًا) وكانت خُزاعة قد غَلبوا على مكَّة وحكموا فيها، ثمَّ أُخرِجوا منها فصاروا في ظاهرهَا، ورواية شَيْبان في «باب كتابة العلم»، من «كتاب العلم» [خ¦١١٢].
قال المؤلِّف محوِّلًا للسَّند: (وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ) ضدُّ الخوف، ابن المثنى شيخ المؤلِّف،
ووصله البيهقيُّ من طريق هشام بن عليٍّ السِّيرافيُّ عنه، قال: (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) بفتح الحاء (١) المهملة وسكون الراء بعدها موحدة، ابن شدَّاد، ولفظ الحديث له (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (أَنَّهُ) أي: أنَّ (٢) الشَّأن (عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا) لم يُسمَّ (مِنْ بَنِي لَيْثٍ) بالمثلَّثة، القبيلةُ المشهورةُ المنسوبة إلى ليثِ بن بكرِ بن كنانة بنِ خُزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مُضر (بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ) اسمُه أحمرُ، واسم الخزاعيِّ الَّذي قُتِل خِرَاش -بالخاء والشين المعجمتين بينهما راء بألف- ابن أميَّة، وذكر ابنُ هشام أنَّ المقتول من بني ليث اسمهُ جندب بن الأكوع.
قال في «الفتح»: ورأيتُ في الجزء الثَّالث من «فوائد أبي عليِّ بن خُزيمة» أنَّ اسم الخزاعيِّ القاتل هلال بن أميَّة، فإن ثبتَ فلعلَّ هلالًا لقبُ خِرَاش. وفي «مغازي» ابن إسحاق: حَدَّثني سعيد بن أبي سَنْدَر (٣) الأسلميُّ عن رجلٍ من قومهِ قال: كان معنَا رجلٌ (٤) يقال له: أحمرُ، وكان شُجاعًا وكان إذا نامَ غطَّ، فإذا طرقهم شيءٌ صاحوا به، فيثورُ مثل الأسدِ، فغزَاهم قومٌ من هُذيل في الجاهليَّة، فقال لهم ابن الأثوع -بالثاء المثلثة والعين المهملة-: لا تعجلوا حتَّى أنظرَ فإن كان أحمرُ فيهم فلا سبيلَ إليهم، فاستمعَ إليهم (٥)، فإذا غطيطُ أحمرَ فمَشى إليه حتَّى وضع السَّيف في (٦) صدرِه فقتلهُ، وأغاروا على الحيِّ، فلمَّا كان عام الفتح، وكان الغد من يوم الفتحِ أتى ابن الأثوع الهذليُّ حتَّى دخلَ مكَّة وهو على شركهِ، فرأتْه خُزاعة فعرفوه فأقبَل خِرَاشُ بن أميَّة، فقال: أفْرِجوا عن الرَّجل، فطعنَه بالسَّيف في بطنهِ فوقع قتيلًا (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ) وفي رواية شيبان في «العلم» [خ¦١١٢] فأخبر بذلك النَّبيّ ﷺ فركبَ راحلتَه فخطبَ، فقال: (إِنَّ اللهَ حَبَسَ) منعَ (عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ) بالفاء والتَّحتية، الحيوان المعروف المشهور في قصَّةِ أبرهةَ، وهي أنَّه لما غلبَ على اليمن وكان نصرانيًّا بنى كنيسةً، وألزم النَّاس بالحجِّ (٧) إليها،
فاستغفلَ بعضُ العربِ الحَجَبةَ، وتغوَّط فيها وهرب، فغضبَ أبرهةُ وعزم على تخريبِ الكعبة، فتجهَّز في جيشٍ كثيفٍ واستصحبَ معه فيلًا عظيمًا، فلمَّا قَرُب من مكَّة قدَّم الفيلَ فبركَ الفيلُ، وكانوا كلَّما قدَّموه نحو الكعبة تأخَّر، وأرسل الله عليهم طيرًا مع كلِّ واحدٍ (١) ثلاثة أحجارٍ، حجران في رجليهِ، وحجرٌ في منقارهِ، فألقوها عليهم، فلم يبقَ أحدٌ منهم إلَّا أُصيب وأخذتْه الحكَّة، فكان لا يحكُّ أحدٌ منهم جلدهُ إلَّا تساقطَ لحمهُ (وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ) على أهلِ مكَّة (رَسُولَهُ) ﷺ (وَالمُؤْمِنِينَ) ﵃ (أَلَا) بالتخفيف، إنَّ الله قد حبسَ عنها (وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ) بفتح فكسر (لأَحَدٍ قَبْلِي) الجارُّ يتعلَّق بـ «تحلَّ»، وقيل: يتعلَّق بخبر كان تقديرُه (٢): أي: لا تحلُّ (٣) لأحدٍ كان كائنًا (وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) برفع «تحلُّ»، وزيادةُ «مِنْ» قبلَ «بعدِي»، والَّذي في «اليونينيَّة»: «ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي» بإسقاط: «من» (أَلَا) بالتَّخفيف وفتح الهمزة (وَإِنَّمَا) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «وإنَّها» «بالهاء» بدل: «الميم» (٤)، (أُحِلَّتْ لِي) أن أُقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) ما بين طلوع الشَّمس وصلاة العصر (أَلَا) بالتخفيف (وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ) قوله: «وإنَّها ساعتي»: إنَّ واسمها و «ساعتي» الخبر، و «هذه» يحتملُ أن تكون بدلًا من «ساعتي»، أو عطف بيانٍ، ويحتملُ أن يكون الكلامُ تمَّ عند قوله: «ساعتي»، ثمَّ ابتدأ فقال: هذه -أي: مكة- حرام، ويكون قد حذف صفة «ساعتي»، أي: إنَّها ساعتي الَّتي أنا فيها، وعلى الأوَّل يكون قوله: «حرام (٥)» خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي حرامٌ (لَا يُخْتَلَى) بضم التحتية وسكون المعجمة وفتح الفوقية واللام، لا يُجَزُّ (شَوْكُهَا) إلَّا المؤذي (وَلَا يُعْضَدُ) بالضاد المعجمة مبنيًّا للمفعول، لا يُقطعُ (شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ) بفتح التحتية، مبنيًّا للفاعل (سَاقِطَتَهَا) نصب مفعول، أي: ما سقطَ فيها بغفلةِ مالكهِ (إِلَّا مُنْشِدٌ) فليس لواجدِها سوى التَّعريف فلا يملكُها عند الشَّافعيَّة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تُلتقط» بضم الفوقية (٦) مبنيًّا للمفعول «ساقطتُها» رفع نائب
عن الفاعل «إلَّا لمنشدٍ» بزيادةِ لام (١) قبل الميم، والاستثناءُ مفرَّغ؛ لأنَّه متعلِّق (٢) بـ «تلتقط ساقطتُها»، فتلتقطُ بمعنى تُباح، أي: لا تباح (٣) لقطتُها، أو لا تجوزُ «إلَّا لمنشدٍ»، فهو ملموح (٤) منه معنى فعلٍ آخر (وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أي: ومن قُتِلَ له قريبٌ (٥) وكان حيًّا، فصار قتيلًا بذلك القتل. وقال في «العمدة»: قتيلٌ فعيلٌ بمعنى مفعولٌ سُمِّي (٦) بما آلَ إليه حاله، وهو في الأصلِ صفةٌ لمحذوفٍ، أي: لوليِّ (٧) قتيلٍ، ويحتملُ أن يُضمّنَ قُتِلَ معنى: وُجِدَ له قتيلٌ. قال (٨): ولا يصحُّ هذا التَّقدير في قولهِ ﵇: «من قتل قتيلًا فله سلبه» والأوَّل من قبيل تسمية العصير خمرًا، وجواب «مَن» الشَّرطية قوله: (فَهْوَ) أي: المقتول له (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا يُودَى) بضم التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة، أي: يعطي القاتلُ أو أولياؤه لأولياء المقتول الدِّيةَ (وَإِمَّا يُقَادُ) بضم أوَّله والرفع، أي: يُقتل. قال المهلَّب وغيره: يُستفاد منه «أنَّ» الوليَّ إذا سئل في العفو على مالٍ إن شاء قَبِل ذلك وإن شاء اقتصَّ، وعلى الوليِّ (٩) اتِّباع الأولى في ذلك، وليس فيه ما يدلُّ على إكراهِ القاتل على بذل الدِّية، ولأبي ذرٍّ: «إمَّا أن يودَى» بزيادة «أنْ» كقولهِ: «وإمَّا أنْ يُقاد» (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ) بالشين المعجمة بعدها ألف فهاء، وهو في محلِّ صفة ثانية، وتركيبه تركيب إضافِي كأبي هريرة (فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ) الخطبة الَّتي سمعتها منك (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اكْتُبُوا) الخطبة (لأَبِي شَاهٍ) قال ابنُ دقيق العيد: كان قد وقع الاختلافُ في الصَّدر الأول في كتابة غيرِ القرآن، ووردَ فيه نهيٌ، ثمَّ استقرَّ الأمرُ بين النَّاس على الكتابة؛ لتقييدِ العلم بها، وهذا الحديثُ يدلُّ على ذلك لإذنه ﵊ لأبي شاهٍ (ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ) هو: العبَّاس بنُ عبد المطَّلب ﵁ (فَقَالَ (١٠): يَا رَسُولَ اللهِ: إِلَّا الإِذْخِرَ) بكسر
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من أقاد أَي اقْتصّ بِالْحجرِ من الْقود وَهُوَ الْقصاص.
٦٨٧٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ جعْفَرٍ، حدّثنا شُعْبَةُ، عنْ هِشام بنِ زَيْدٍ عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، أنَّ يَهُودِيّاً قَتَلَ جارِيَةً على أوضاحٍ لَهَا، فَقَتَلَها بحَجَرٍ، فَجِيءَ بهَا إِلَى النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبهَا رمَقٌ، فَقَالَ: أقَتَلَكِ فُلَانٌ فأشارَتْ بِرَأسِها أنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثانِيَةَ: فأشارَتْ بِرَأسِها أنْ لَا، ثُمَّ سألَها الثّالِثَةَ فأشارَتْ بِرَأسِها أنْ نَعَمْ، فَقَتلَهُ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحَجَرَيْن.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَمُحَمّد بن جَعْفَر هُوَ غنْدر. وَقد مر الحَدِيث عَن قريب فِي: بَاب إِذا قتل بِحجر، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: أَن لَا كلمة: أَن، فِي الْمَوْضِعَيْنِ تفسيرية تفسر مَا بعْدهَا. قَوْله: أَن نعم هَكَذَا رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره: أَي نعم.
٨ - (بابٌ مَنْ قُتِلَ لهُ قَتيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ ذكر من قتل لَهُ قَتِيل أَي: الْقَتِيل بِهَذَا الْقَتْل لَا بقتل سَابق لِأَن قتل الْقَتِيل محَال. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَمثله. يذكر فِي علم الْكَلَام على سَبِيل المغالطة، قَالُوا: لَا يُمكن إِيجَاد مَوْجُود لِأَن الموجد إِمَّا أَن يوجده فِي حَال وجوده فَهُوَ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَأما فِي حَال الْعَدَم فَهُوَ جمع بَين النقيضين، فيجاب بِاخْتِيَار الشق الأول إِذْ لَيْسَ إيجاداً للموجود بِوُجُود سَابق ليَكُون تَحْصِيل الْحَاصِل، بل إِيجَاد لَهُ بِهَذَا الْوُجُود، وَكَذَا حَدِيث: من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه. قَوْله: فَهُوَ أَي: ولي الْقَتِيل بِخَير النظرين أَي: الدِّيَة أَو الْقصاص.
٦٨٨٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ، حدّثنا شَيْبانُ، عنْ يَحْياى، عنْ أبي سَلَمَة، عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ خُزاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً.
وَقَالَ عَبْدُ الله بنُ رَجاءٍ: حدّثنا حَرْبٌ، عنْ يَحْياى، حدّثنا أبُو سَلمَةَ، حدّثنا أبُو هُرَيْرَةَ أنهُ عامَ فَتحِ مَكَّةَ قَتَلتْ خُزاعَةُ رَجلاً. مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الجاهِلِيَّةِ، فقامَ رسولُ الله فَقَالَ: إنَّ الله حَبَسَ عنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَليْهمْ رَسولَهُ والمُؤْمِنِينَ، أَلا وإنَّها لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأِحَدٍ بَعْدِي، أَلا وإنّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِنْ نَهارٍ، أَلا وإنَّها ساعَتي هاذِهِ حَرامٌ: لَا يُخْتَلاى شوْكُها، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُها وَلَا يَلْتَقِطُ ساقِطَتَها إلاّ مُنْشِدٌ، ومَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمَّا يُودَى وإمَّا يُقادُ فقامَ رَجُلٌ مِنْ أهْل اليَمَنِ يُقال لهُ أبُو شاةٍ، فقالَ: اكْتُبْ لِي يَا رسولَ الله. فَقَالَ رسولُ الله اكْتُبُوا لأبي شاةٍ ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْش فَقَالَ: يَا رسولَ الله إلاّ الإذْخِرَ، فإنّما نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنا وقُبُورنا، فَقَالَ رسولُ الله إلاّ الإذْخِرَ
انْظُر الحَدِيث ١١٢ وطرفه
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة من لفظ الحَدِيث.
وَأخرجه من طَرِيقين. أَحدهمَا عَن أبي نعيم بِضَم النُّون الْفضل بن دُكَيْن عَن شَيبَان بن عبد الرحمان النَّحْوِيّ أَصله بَصرِي سكن الْكُوفَة عَن يحياى بن أبي كثير اليمامي الطَّائِي وَاسم أبي كثير صَالح بن المتَوَكل عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن أبي هُرَيْرَة وَمضى هَذَا فِي الْعلم فِي: بَاب كِتَابَة الْعلم، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي نعيم عَن شَيبَان ... الخ نَحوه. وَفِيه بعض الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان. وَالطَّرِيق الآخر: أخرجه عَن عبد الله بن رَجَاء بن الْمثنى الْبَصْرِيّ فِي صُورَة التَّعْلِيق، وَهُوَ أَيْضا شَيْخه روى عَنهُ فِي غير مَوضِع، وروى عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عَنهُ
عَن حَرْب بن شَدَّاد عَن يحياى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة وَوَصله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق هِشَام بن عَليّ السيرافي عَنهُ، وسَاق البُخَارِيّ الحَدِيث هُنَا على لفظ حَرْب، وسَاق الطَّرِيق الأول على لفظ شَيبَان، كَمَا فِي كتاب الْعلم، وَمرَاده من الطَّرِيق الثَّانِي تَبْيِين عدم تَدْلِيس يحياى بن أبي كثير، وَتقدم فِي اللّقطَة من طَرِيق الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحياى عَن أبي سَلمَة مُصَرحًا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع السَّنَد.
قَوْله: أَنه أَي: الشَّأْن. قَوْله: خُزَاعَة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالزاي وَهِي قَبيلَة كَانُوا غلبوا على مَكَّة وحكموا فِيهَا، ثمَّ أخرجُوا مِنْهَا فصاروا فِي ظَاهرهَا، وَكَانَت بَينهم وَبَين بني بكر عَدَاوَة ظَاهِرَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَت خُزَاعَة حلفاء بني هَاشم بن عبد منَاف إِلَى عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَت بَنو بكر حلفاء قُرَيْش. قَوْله: رجلا من بني لَيْث وَاسم الرجل الْقَاتِل من خُزَاعَة: خرَاش، بِالْخَاءِ والشين المعجمتين ابْن أُميَّة الْخُزَاعِيّ، وَاسم الْمَقْتُول مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة: أَحْمَر، وَاسم الْمَقْتُول من بني لَيْث: قَبيلَة، لم يدر اسْمه، وَبَنُو لَيْث قَبيلَة مَشْهُورَة ينسبون إِلَى لَيْث بن بكر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر. قَوْله: حبس عَن مَكَّة الْفِيل أَشَارَ بِهِ إِلَى قصَّة الْحَبَشَة وَهِي مَشْهُورَة. قَوْله: أَلا بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام المخففة وَهِي كلمة تَنْبِيه تدل على تحقق مَا بعْدهَا، وَتَأْتِي لمعان أخر. قَوْله: وَلَا يخْتَلى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا يجز شَوْكهَا. قَوْله: وَلَا يعضد أَي: لَا يقطع. قَوْله: وَلَا يلتقط بِفَتْح الْيَاء من الِالْتِقَاط وفاعله هُوَ قَوْله: إلَاّ منشد بِالرَّفْع وَهُوَ الْمُعَرّف يَعْنِي: لَا يجوز لقطتهَا إِلَّا للتعريف. قَوْله: فَهُوَ أَي: ولي الْقَتِيل بِخَير النظرين، وهما: الدِّيَة وَالْقصاص. قَوْله: إِمَّا يودَى بِضَم الْيَاء على صِيغَة الْمَجْهُول ويروى: إِمَّا أَن يُؤدى، أَي: إِمَّا أَن يعْطى الدِّيَة، وَإِمَّا أَن يُقَاد أَي يقْتَصّ من الْقود وَهُوَ الْقصاص. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أَخذ الدِّيَة من قَاتل الْعمد، فَروِيَ عَن سعيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء: أَن ولي الْمَقْتُول بِالْخِيَارِ بَين الْقصاص وَأخذ الدِّيَة، وَبِه قَالَ اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَقَالَ الثَّوْريّ والكوفيون: لَيْسَ لَهُ إِذا كَانَ عمدا إلَاّ الْقصاص، وَلَا يَأْخُذ الدِّيَة إلَاّ إِذا رَضِي الْقَاتِل، وَبِه قَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ. قَوْله: أَبُو شاه بِالْهَاءِ لَا غير على الْمَشْهُور، وَقيل: بِالتَّاءِ. قَوْله: ثمَّ قَامَ رجل من قُرَيْش هُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مَبْسُوطا فِي كتاب الْعلم وَكتاب الْحَج. والإذخر بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالراء وَهِي: حشيشة طيبَة الرَّائِحَة تسقف بهَا الْبيُوت فَوق الْخشب، وهمزتها زَائِدَة.
وتابَعَهُ عُبَيْدُ الله عَنْ شَيْبَانَ فِي الفِيلِ.
أَي: تَابع حَرْب بن شَدَّاد عبيد الله بن مُوسَى بن باذام الْكُوفِي، وَهُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، فِي رِوَايَته عَن شَيبَان عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: الْفِيل، بِالْفَاءِ وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، وَقد مر فِي كتاب الْعلم حبس مَكَّة عَن الْقَتْل أَو الْفِيل بِالشَّكِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: عنْ أبي نُعَيْمٍ: القَتْلُ.
أَرَادَ بِالْبَعْضِ مُحَمَّد بن يحياى الذهلي فَإِنَّهُ روى عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن: الْقَتْل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقد مر فِي الْعلم: وجعلوه على الشَّك، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم: الْفِيل أَو الْقَتْل، وَغَيره يَقُول: الْفِيل، يَعْنِي بِالْفَاءِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ الله: إمَّا أنْ يُقادَ أهْلُ القَتِيلِ.
هُوَ عبيد الله بن مُوسَى الْمَذْكُور شيخ البُخَارِيّ أَي: قَالَ فِي رِوَايَته. . الحَدِيث الْمَذْكُور عَن شَيبَان بعد قَوْله: إِمَّا أَن يودى وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، يَعْنِي: زَاد هَذِه اللَّفْظَة، وَهِي فِي رِوَايَته: إِمَّا أَن يعْطى الدِّيَة وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، وَمَعْنَاهُ: يُؤْخَذ لأهل الْقَتِيل بثأرهم، هَكَذَا يُفَسر حَتَّى لَا يبْقى الْإِشْكَال، وَقد استشكله الْكرْمَانِي ثمَّ أجَاب بقوله: هُوَ مفعول مَا لم يسم فَاعله ليودى لَهُ، وَأما مفعول: يُقَاد، ضمير عَائِد إِلَى الْقَتِيل، وبالتفسير الَّذِي فسرناه يَزُول الْإِشْكَال فَلَا يحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف.
٦٨٨١ - حدّثنا قُتَيْبَة بنُ سَعيدٍ، حدّثنا سُفْيانُ، عنْ عَمْرٍ و، عنْ مُجاهدٍ، عَن ابنِ عبَّاسٍ، رَضِي