«الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَار�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩١٢

الحديث رقم ٦٩١٢ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المعدن جبار والبئر جبار.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن…

«الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.»

بَابٌ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ

وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنَ النَّفْحَةِ وَيُضَمِّنُونَ مِنْ رَدِّ الْعِنَانِ وَقَالَ حَمَّادٌ لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ وَقَالَ شُرَيْحٌ لَا تُضْمَنُ مَا عَاقَبَتْ أَنْ يَضْرِبَهَا فَتَضْرِبَ بِرِجْلِهَا وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ إِذَا سَاقَ الْمُكَارِي حِمَارًا عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَخِرُّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِذَا سَاقَ دَابَّةً فَأَتْعَبَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهَا مُتَرَسِّلًا لَمْ يَضْمَنْ

سند حديث: ٦٩١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٦٩١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن…

يخبر أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم ضمان التلف أو النقص الحاصل بفعل البهيمة أو بنزول البئر أو المعدن، حيث بين -عليه الصلاة والسلام- أن ما حصل من تلف أو نقص بفعل البهيمة فلا ضمان فيه على أحد، وكذلك ما حصل من تلف أو نقص بالبئر ينزل فيه الرجل فيهلك، أو المَعْدِنُ ينزل فيه فيهلك؛ لأن البهيمة والبئر والمعدن لا يمكن إحالة الضمان عليها، ولا على مالكها إذا لم يحصل منه اعتداء أو تفريط، ثم ذكر أن من وجد كنزًا قليلًا أو كثيرًا فعليه إخراج خمسه؛ لأنه حصله بلا كُلْفَةٍ ولا تعب، والباقي له.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جناية البهيمة هَدَرٌ ؛ لأنها ليست أهلا للتضمين، إلا أن يكون حصل من مالكها اعتداء أو تفريط.
  • لا ضمان على صاحب البئر أو المَعْدِن فيما تلف فيه، إلا إذا حصل منه تعدٍّ كأن يحفرها في الطريق أو تفريط.
  • أنه يجب إخراج الخُمْس مما وجد من الكنوز، قليلا كان الموجود، أو كثيرًا.
  • أن الرِّكَازِ ملك لواجده ولا يلزمه تعريفه.
  • وجوب إخراج خمس الركاز فورًا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْعُرْفِ السَّائِغِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ الْعَبِيدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَرَى بِرِضَا السَّادَةِ بِاسْتِخْدَامِ عَبِيدِهِمْ فِي الْأَمْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالْخِدْمَةِ كَمَا يُتَصَرَّفُ فِي الْعَبِيدِ.

وَأَمَّا قِصَّةُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ كَانَ فِي كَفَالَةِ أُمِّهِ فَرَأَتْ لَهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَخْدُمَ النَّبِيَّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ النَّفْعِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَأَحْضَرَتْهُ وَكَانَ زَوْجُهَا مَعَهَا فَنَسَبَ الْإِحْضَارَ إِلَيْهَا تَارَةً وَإِلَيْهِ أُخْرَى، وَهَذَا صَدَرَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ حُسْنِ الْخُلُقِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ وَاضِحًا، وَكَانَتْ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي إِحْضَارِ أَنَسٍ قِصَّةٌ أُخْرَى وَذَلِكَ عِنْدَ إِرَادَةِ النَّبِيِّ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ هُنَاكَ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي قَوْلُهُ لِأَبِي طَلْحَةَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ: الْتَمِسْ لِي غُلَامًا يَخْرُجُ مَعِي فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ أَيْضًا.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْإِعَانَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا، كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، وَهُوَ فِي الْإِثْبَاتِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَلُمْهُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ عَلَى شَيْءٍ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ تَجَوُّزًا عَنْهُ وَحِلْمًا، وَلَا لَامَهُ فِي الشِّقِّ الثَّانِي عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ خَشْيَةً مِنْ أَنَسٍ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ لَوْ فَعَلَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَكَذَا لِأَنَّهُ كَمَا صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا لَمْ يَفْعَلْهُ خَشْيَةَ وُقُوعِ الْخَطَإِ مِنْهُ، وَلَوْ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ لَصَفَحَ عَنْهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ رَاوِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ: وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ هُنَا عَنْ تِلْمِيذِهِ.

٢٨ - بَاب الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ

٦٩١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَعْدِنِ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) كَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ، وَأَفْرَدَ بَعْضُهُ بَعْدَهُ، وَتَرْجَمَ فِي الزَّكَاةِ لِبَقِيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَمَامِهِ وَبَدَأَ فِيهِ بِالْمَعْدِنِ وَثَنَّى بِالْبِئْرِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ وَهَذَا مِمَّا سَمِعَهُ اللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ) كَذَا جَمَعَهُمَا اللَّيْثُ وَوَافَقَهُ الْأَكْثَرُ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهَذَا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مَوْصُولٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَلَيْسَ قَوْلُ يُونُسَ بِمَدْفُوعٍ.

قُلْتُ: قَدْ تَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَكِنْ قَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَدَلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا مِنْهُ، وَرَوَى بَعْضُ الضُّعَفَاءِ عَنْ

عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بَعْضَهُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَهُوَ غَلَطٌ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدُ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ تَأْنِيثُ أَعْجَمَ وَهِيَ الْبَهِيمَةُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْإِنْسَانِ، وَيُقَالُ لِمَنْ لَا يُفْصِحُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (جُبَارٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، كَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْ مَالِكٍ: مَا لَا دِيَةَ فِيهِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي السَّيْلَ جُبَارًا أَيْ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: الْعَجْمَاءُ الدَّابَّةُ الْمُنْفَلِتَةُ مِنْ صَاحِبِهَا فَمَا أَصَابَتْ مِنِ انْفِلَاتِهَا فَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبِهَا، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: الْعَجْمَاءُ الَّتِي تَكُونُ مُنْفَلِتَةً لَا يَكُونُ مَعَهَا أَحَدٌ، وَقَدْ تَكُونُ بِالنَّهَارِ وَلَا تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي آخِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: وَالْعَجْمَاءُ الْبَهِيمَةُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، وَالْجُبَارُ هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا يُغْرَمُ، كَذَا وَقَعَ التَّفْسِيرُ مُدْرَجًا وَكَأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ بِنَاءَ ج ب ر لِلرَّفْعِ وَالْإِهْدَارِ مِنْ بَابِ السَّلْبِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، يَأْتِي اسْمُ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِسَلْبِ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ لِلرَّفْعِ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ إِتْلَافَاتِ الْآدَمِيِّ مَضْمُونَةٌ مَقْهُورٌ مُتْلِفُهَا عَلَى ضَمَانِهَا، وَهَذَا إِتْلَافٌ قَدِ ارْتَفَعَ عَنْ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ أَحَدٌ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَجْمَاءِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَالْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ أَمَّا الْبِئْرُ فَهِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ يَاءٌ سَاكِنَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَقَدْ تُذَكَّرُ عَلَى مَعْنَى الْقَلِيبِ وَالطَّوَى وَالْجَمْعُ أَبْؤُرٌ وَآبَارٌ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ وَبِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْبِئْرِ هُنَا الْعَادِيَةُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ فَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَسَبُّبٌ إِلَى ذَلِكَ وَلَا تَغْرِيرَ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَحْفِرَ لَهُ الْبِئْرَ فَانْهَارَتْ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ، وَأَمَّا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَتَلِفَ بِهَا إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْرُ آدَمِيٍّ وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْحَافِرِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْبِئْرِ كُلُّ حُفْرَةٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ بِجَرْحِهَا وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا غَيْرَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ مَا يَحْصُلُ بِالْوَاقِعِ فِيهَا مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَيْسَتِ الْجِرَاحَةُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ الْإِتْلَافَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا.

قَالَ عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ أَوْ هُوَ مِثَالٌ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ وَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْإِتْلَافَاتِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ لَا عُمُومَ فِيهِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَضَمَّنُوا حَافِرَ الْبِئْرِ مُطْلَقًا قِيَاسًا عَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَلَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْبِئْرِ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ بِلَفْظِ: النَّارُ جُبَارٌ بِنُونٍ وَأَلِفٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا مِمَّا يَجُوزُ لَهُ فَتَعَدَّتْ حَتَّى أَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَحَّفَهَا بَعْضُهُمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يَكْتُبُونَ النَّارَ بِالْيَاءِ لَا بِالْأَلِفِ، فَظَنَّ بَعْضُهُمُ الْبِئْرَ الْمُوَحَّدَةَ النَّارَ بِالنُّونِ فَرَوَاهَا كَذَلِكَ، قُلْتُ: هَذَا التَّأْوِيلُ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَجَزَمَ بِأَنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ مَعِينٍ عَلَى قَوْلِهِ بِدَلِيلٍ، وَلَيْسَ بِهَذَا تُرَدُّ أَحَادِيثُ الثِّقَاتِ.

قُلْتُ: وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ بِالِاحْتِمَالَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يعترض عليه لا في فعلٍ ولا في (١) تركٍ، ففيه حسنُ خلقه إنَّه (٢) لعلى خلقٍ عظيمٍ، واعلم أنَّ تركَ اعتراضه على أنسٍ إنَّما هو فيما يتعلَّق بالخدمةِ والآداب لا فيما يتعلَّق بالتَّكاليف الشَّرعيَّة، فإنَّه لا يجوز تركُ الاعتراض فيها.

ومطابقة ذلك للتَّرجمة من جهة أنَّ الخدمة مستلزمةٌ للاستعانةِ، أو اعتمدَ على ما في سائرِ الرِّوايات أنَّه قال له: «التَمِس لي غلامًا يخدمُني» وقد كان أنسٌ في كفالة أمِّه، فأحضرتْه إلى النَّبيِّ وكان زوجها معها، فنسب الإحضار إليها تارةً وإليه أُخرى، وهذا صدر من أمِّ سُليم أوَّل قدومه المدينة، وكانت لأبي طلحةَ في إحضارِه أنسًا قصَّةٌ أخرى، وذلك عند إرادته الخروجَ إلى خيبر، كما سبقَ في «المغازي» [خ¦٢٨٩٣].

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة.

٦٩١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ) بضم جيم «جُرحها» في الفرع. وقال في «الفتح»: بفتحها لا غير، كما نقله في «النهاية» عن الأزهريِّ، والعَجْماء -بفتح العين المهملة وسكون الجيم ممدودًا- البهيمة، سُمِّيت عجماء؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وجُبَار هَدَرٌ، والجملة مبتدأٌ وخبرٌ، أي: جرحُ العجماءِ هدَرٌ لا شيءَ فيه، وسقط في رواية لفظ «جُرحها» وحينئذٍ فالمراد: أنَّ البهيمة إذا أتلفتْ شيئًا ولم يكن معها قائدٌ ولا سائقٌ وكان نهارًا فلا ضمان، فإن كان معها أحدٌ ولو

مُستأجِرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا ضمن ما أتلفتْه نفسًا ومالًا، ليلًا أو نهارًا، سواء كان سائقها أمْ راكبها (١) أم قائدها؛ لأنَّها في يدِه وعليه تعهُّدُها وحفظُها، نعم، لو أركبَها أجنبيٌّ بغيرِ إذن الوليِّ صبيًّا أو مجنونًا لا يضبطُها مثلهما، أو نخسها إنسانٌ بغير إذنٍ من صحبها، أو غلبتْه فاستقبلَها إنسانٌ فردَّها فأتلفتْ شيئًا في انصرافِها، فالضَّمان على الأجنبيِّ والنَّاخس والرَّادِّ.

وقال الحنفيَّة: لا ضمان مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، واللَّيل والنَّهار، معها أحدٌ أو (٢) لا، إلا أن يحملَها الَّذي معها على الإتلافِ، أو يقصدَه (٣) فيضمنُ لتعدِّيه.

(وَالبِئْرُ) بكسر الموحدة بعدها ياء ساكنةٌ مهموزةٌ، وتسهَّلُ وهي مؤنَّثة وتذكَّر على معنى القَليب، والجمع أَبْؤر وأبْآر -بالمدِّ والتَّخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة- إذا حفرها إنسانٌ في مُلكه أو في مَوات، فوقع فيها إنسانٌ أو غيره فتلفَ فهو (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه، وكذا لو استأجرَ إنسانًا ليحفرَها (٤) فانهارتْ عليه. نعم، لو حفرَها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بلا إذنٍ منه فتلفَ بها إنسانٌ (٥) فإنَّه يجبُ ضمانه على عاقلةِ الحافرِ والكفَّارة في مالهِ، وإن تلفَ بها غيرُ آدميٍّ وجبَ ضمانه في مالِ الحافرِ، ويلتحقُ (٦) بالبئر كلُّ حفرةٍ على التَّفصيل المذكور.

(وَالمَعْدِنُ) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين، المكانُ من الأرض يخرجُ منه شيءٌ من الجواهرِ والأجسادِ كالذَّهب والفضَّة والحديدِ والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغيرها، مِن عَدَن بالمكان إذا أقام به يَعْدِن -بالكسر- عُدُونًا، وسمِّي به لِعُدُون ما أنبتَه الله فيه -كما قال الأزهريُّ- إذا انهارَ على من حفرَ فيه فهلكَ فدَمُه (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه كالبئرِ (وَفِي الرِّكَازِ) بكسر الراء آخره زاي، بمعنى مرَكْوز ككِتَاب بمعنى (٧) مَكْتوب، وهو دفينُ الجاهليَّة ممَّا تجبُ فيه الزَّكاة (٨) من ذهبٍ أو فضَّة إذا بلغ النِّصاب (الخُمُسُ) والقول بأنَّ الرِّكاز دَفين

الجاهليَّة هو قول مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وهو حجَّة على أبي حنيفة وغيره من العراقيين حيث قالوا: الرِّكاز هو المعدنُ وجعلوهما (١) لفظين مُتَرادفين، وقد عطفَ أحدهما على الآخرِ، وذكر لهذا حكمًا غيرَ حكمِ الأوَّل، والعطفُ يقتضِي التَّغاير. وقال الأزهريُّ: يُطلق على الأمرين. قال: وقيل: إنَّ الرِّكاز قطَعُ الفضَّة تخرج من المعدن، وقيل: من الذَّهب أيضًا.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن» الأربعة.

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد ممَّا وصلَه سعيدُ ابن منصورٍ: (كَانُوا) أي: علماءُ الصَّحابة أو التَّابعين (٢) (لَا يُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم (مِنَ النَّفْحَةِ) بفتح النون وسكون الفاء بعدها حاء مهملة، من الضَّربة الصَّادرة من الدَّابَّة برجلِها (وَيُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم أيضًا (مِنْ رَدِّ العِنَانِ) بكسر العين المهملة وتخفيف النون، وهو ما وضعُ (٣) في فمِ الدَّابَّة؛ ليصرفها الرَّاكب لما يختارُه، يعني: أنَّ الدَّابَّة إذا كانت مركوبةً فلفتَ الرَّاكب عِنَانها، فأصابتْ برجلها شيئًا ضمنَه الرَّاكب.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي (٤) سليمان مسلم الأشعريُّ، فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ) بالحاء المهملة، رفعُ نائب عن الفاعلِ (إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) مثلثة الخاء المعجمة (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) بعودٍ ونحوه فيضمنُ.

(وَقَالَ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، ابن الحارث الكنديُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم سليم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: كيس بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وبالسين الْمُهْملَة أَي: طريف، وَقيل: أَي عَاقل والكيس خلاف الأحمق. قَوْله: فليخدمك بِضَم الْمِيم.

وَفِيه: حسن خلق النَّبِي وَأَنه مَا اعْترض عَلَيْهِ لَا فِي فعل وَلَا فِي ترك.

٢٨ - (بابٌ المَعْدِنُ جُبارٌ والبِئْرُ جُبارٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَعْدن جَبَّار بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: هدر لَا شَيْء فِيهِ، وَمعنى: الْمَعْدن جَبَّار، هُوَ أَن يحْفر معدناً فِي موَات أَو فِي ملكه فَيهْلك فِيهِ الْأَجِير أَو غَيره مِمَّن يمر بِهِ، فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي ذَلِك. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: الْمَعْدن جَبَّار إِذا احتفر الرجل معدناً فَوَقع فِيهَا إِنْسَان فَلَا غرم عَلَيْهِ، ذكره فِي تَفْسِير حَدِيث الْبَاب. قَوْله: والبئر جَبَّار، يَعْنِي إِذا احتفر بِئْر للسبيل فِي ملك أَو موَات فَوَقع فِيهَا إِنْسَان فَلَا غرم على صَاحبهَا، وَيُقَال: المُرَاد بالبئر هُنَا العادية الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يعلم لَهَا مَالك، تكون فِي الْبَادِيَة فَيَقَع فِيهَا إِنْسَان أَو دَابَّة فَلَا شَيْء فِي ذَلِك على أحد.

٦٩١٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حَدثنَا اللّيْثُ، حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسيَّبِ وَأبي سَلَمَة بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله قَالَ: العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئْرُ جُبارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة بعض الحَدِيث. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة السّنة. فَمُسلم عَن يحيى بن يحيى وَغَيره، وَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع. وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِبَعْضِه وَعَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن مَيْمُون بباقيه، وَكلهمْ قَالُوا فِيهِ: عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة، وَهَكَذَا قَالَ الإِمَام مَالك بن أنس، وَخَالفهُم يُونُس بن يزِيد فَرَوَاهُ: عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ كَذَلِك مُسلم وَالنَّسَائِيّ، وَقَول اللَّيْث وَمَالك أصح، وَيجوز أَن يكون ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ سَمعه من الثَّلَاثَة جَمِيعًا.

قَوْله العجماء مُبْتَدأ أَو قَوْله: جرحها بدل مِنْهُ وَخَبره قَوْله: جَبَّار وَالْجرْح هُنَا بِفَتْح الْجِيم مصدر، وَالْجرْح بِالضَّمِّ اسْم قَالَ القَاضِي: إِنَّمَا عبر بِالْجرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَب، أَو هُوَ مِثَال مِنْهُ على مَا عداهُ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي لم يذكر فِيهَا لفظ الْجرْح فَمَعْنَاه إِتْلَاف العجماء بِأَيّ وَجه كَانَ بِجرح أَو غَيره جَبَّار أَي: هدر لَا شَيْء فِيهِ والعجماء تَأْنِيث الْأَعْجَم وَهِي الْبَهِيمَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فسره بعض أهل الْعلم فَقَالُوا: العجماء الدَّابَّة المنفلتة من صَاحبهَا فَمَا أَصَابَت فِي انفلاتها فَلَا غرم على صَاحبهَا. انْتهى. وَاحْتج بِهِ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على أَنه لَا ضَمَان فِيمَا أتلفته الْبَهَائِم مُطلقًا سَوَاء فِيهِ الْجرْح وَغَيره، وَسَوَاء فِيهِ اللَّيْل وَالنَّهَار، وَسَوَاء كَانَ مَعهَا أَو لَا إلَاّ أَن يحملهَا الَّذِي مَعهَا على الْإِتْلَاف أَو يَقْصِدهُ فحينئذٍ يضمن لوُجُود التَّعَدِّي مِنْهُ، وَهُوَ قَول دَاوُد وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: إِن كَانَ مَعهَا أحد من مَالك أَو مُسْتَأْجر أَو مستعير أَو مُودع أَو وَكيل أَو غَاصِب أَو غَيرهم وَجب عَلَيْهِ ضَمَان مَا أتلفته، وحملوا الحَدِيث على مَا إِذْ لم يكن مَعهَا أحد فأتلفت شَيْئا بِالنَّهَارِ أَو انفلتت بِاللَّيْلِ بِغَيْر تَفْرِيط من مَالِكهَا فأتلفت شَيْئا، وَلَيْسَ مَعهَا أحد. وَأجَاب أَصْحَاب أبي حنيفَة: بِأَن الحَدِيث مُطلق عَام فَوَجَبَ الْعَمَل بِعُمُومِهِ، وَأما التَّعَدِّي فخارج عَنهُ. قَوْله: والبئر جَبَّار قد مر تَفْسِيره آنِفا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: والبئر جرحها جَبَّار، وَالْمرَاد بجرحها مَا يحصل للْوَاقِع فِيهَا من الْجراحَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: اتّفقت الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة على التَّلَفُّظ بالبئر وَجَاءَت رِوَايَة شَاذَّة بِلَفْظ: النَّار جَبَّار بنُون وَألف سَاكِنة قبل الرَّاء وَمَعْنَاهُ عِنْدهم أَن من استوقد نَارا مِمَّا يجوز لَهُ فتعدت حَتَّى أتلفت شَيْئا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: صحفها بَعضهم لِأَن أهل الْيمن يَكْتُبُونَ النَّار بِالْيَاءِ لَا بِالْألف فَظن بَعضهم الْبِئْر بِالْبَاء الْمُوَحدَة: النَّار، بالنُّون فرواها كَذَلِك. قَوْله: والمعدن جَبَّار قد مر تَفْسِيره. قَوْله: وَفِي الرِّكَاز الْخمس بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ مَا وجد من دفن الْجَاهِلِيَّة مِمَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة من ذهب أَو فضَّة، أَي: مِقْدَار مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَهُوَ النّصاب فَإِنَّهُ يجب فِيهِ الْخمس على سَبِيل الزَّكَاة الْوَاجِبَة، كَذَا

قَالَ شَيخنَا فِي شرح التِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ: هَذَا عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَفِيه حجَّة على أبي حنيفَة وَغَيره من الْعِرَاقِيّين حَيْثُ: قَالُوا: الرِّكَاز هُوَ الْمَعْدن وجعلوهما لفظين مترادفين. وَقد عطف الشَّارِع أَحدهمَا على الآخر، وَذكر لهَذَا حكما غير الحكم الَّذِي ذكره فِي الأول. انْتهى. قلت: الْمَعْدن هُوَ الرِّكَاز، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يذكر لَهُ حكما آخر ذكره بِالِاسْمِ الآخر وَهُوَ: الرِّكَاز، وَلَو قَالَ: وَفِيه الْخمس بِدُونِ أَن يَقُول: وَفِي الرِّكَاز الْخمس لحصل الالتباس بِاحْتِمَال عود الضَّمِير إِلَى الْبِئْر، وَقد أورد أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كنز وجده رجل: إِن كنت وجدته فِي قَرْيَة مسكونة، أَو فِي غير سَبِيل، أَو فِي سَبِيل ميتاء فَعرفهُ، وَإِن كنت وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة أَو فِي غير سَبِيل ميتاء، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَعطف الرِّكَاز على الْكَنْز دَلِيل على أَن الرِّكَاز غير الْكَنْز وَأَنه الْمَعْدن كَمَا يَقُوله أهل الْعرَاق، فَهُوَ حجَّة لمخالف الشَّافِعِي. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرِّكَاز وَجْهَان: فَالْمَال الَّذِي يُوجد مَدْفُونا لَا يعلم لَهُ مَالك ركاز، وعروق الذَّهَب وَالْفِضَّة ركاز. قلت: وَعَن هَذَا قَالَ صَاحب الْهِدَايَة الرِّكَاز يُطلق على الْمَعْدن وعَلى المَال المدفون. وَقَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ: اخْتلف فِي تَفْسِير الرِّكَاز أهل الْعرَاق وَأهل الْحجاز، فَقَالَ أهل الْعرَاق: هِيَ الْمَعَادِن، وَقَالَ أهل الْحجاز: هِيَ كنوز أهل الْجَاهِلِيَّة، وكلٌّ مُحْتَمل فِي اللُّغَة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْلهم: ركز فِي الأَرْض إِذا ثَبت أَصله.

٢٩ - (بابٌ العَجْماءُ جُبارٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ العجماء جَبَّار، وَإِنَّمَا أعَاد ذكر هَذَا بترجمة أُخْرَى لما فِيهَا من التفاريع الزَّائِدَة على الْبِئْر والمعدن.

وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: كانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنَ النّفْحَة ويُضَمِّنُونَ مِنْ ردِّ العنانِ.

أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: كَانُوا، أَي: الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَا يضمنُون بِالتَّشْدِيدِ من التَّضْمِين من النفحة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهِي الضَّرْبَة بِالرجلِ، يُقَال: نفحت الدَّابَّة إِذا ضربت برجلها، ويضمنون من رد الْعَنَان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَهُوَ مَا يوضع فِي فَم الدَّابَّة ليصرفها الرَّاكِب لما يخْتَار، وَذَلِكَ لِأَن فِي الأول لَا يُمكنهُ التحفظ بِخِلَاف الثَّانِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم: حَدثنَا ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.

وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النّفْحَةُ إلاّ أنْ يَنْخُسَ إنْسانٌ الدَّابَّةَ.

أَي: قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان الْأَشْعَرِيّ: وَاسم أبي سُلَيْمَان مُسلم. قَوْله: لَا تضمن على صِيغَة الْمَجْهُول، والنفحة مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل. قَوْله: إلَاّ أَن ينخس بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَكسرهَا من النخس، وَهُوَ غرز مُؤخر الدَّابَّة أَو جنبها بِعُود وَنَحْوه.

وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عاقَبَ أنْ يَضْرِبَها فَتَضْرِبَ بِرِجْلِها.

أَي: قَالَ شُرَيْح بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ القَاضِي الْمَشْهُور. قَوْله: مَا عاقب، يرْوى بالتذكير والتأنيث، فَالْمَعْنى على التَّذْكِير لَا يضمن ضَارب الدَّابَّة مَا دَامَ فِي تعاقبها بِالضَّرْبِ، وَهِي أَيْضا تضرب برجلها على سَبِيل المعاقبة أَي: الْمُكَافَأَة مِنْهَا، وَأما على معنى التَّأْنِيث فَقَوله: لَا تضمن، أَي: الدَّابَّة بِإِسْنَاد الضَّمَان إِلَيْهَا مجَازًا، وَالْمرَاد ضاربها. قَوْله: أَن يضْربهَا قَالَ الْكرْمَانِي: أَن يضْربهَا فَتضْرب برجلها إِمَّا مجرور بجار مُقَدّر أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وَهُوَ أَن يضْربهَا، وَفِي قَول شُرَيْح هَذَا قلاقة قل من يُفَسِّرهَا كَمَا يَنْبَغِي، وأثره هَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين عَن شُرَيْح، قَالَ: يضمن السَّائِق والراكب وَلَا تضمن الدَّابَّة إِذا عَاقَبت. قلت: وَمَا عَاقَبت. قَالَ إِذا ضربهَا رجل فأصابته.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهُوَ جَارٍ عَلَى الْعُرْفِ السَّائِغِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَصَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ الْعَبِيدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَرَى بِرِضَا السَّادَةِ بِاسْتِخْدَامِ عَبِيدِهِمْ فِي الْأَمْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ فَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالْخِدْمَةِ كَمَا يُتَصَرَّفُ فِي الْعَبِيدِ.

وَأَمَّا قِصَّةُ أَنَسٍ فَإِنَّهُ كَانَ فِي كَفَالَةِ أُمِّهِ فَرَأَتْ لَهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَخْدُمَ النَّبِيَّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ النَّفْعِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَأَحْضَرَتْهُ وَكَانَ زَوْجُهَا مَعَهَا فَنَسَبَ الْإِحْضَارَ إِلَيْهَا تَارَةً وَإِلَيْهِ أُخْرَى، وَهَذَا صَدَرَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ الْمَدِينَةَ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ حُسْنِ الْخُلُقِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ وَاضِحًا، وَكَانَتْ لِأَبِي طَلْحَةَ فِي إِحْضَارِ أَنَسٍ قِصَّةٌ أُخْرَى وَذَلِكَ عِنْدَ إِرَادَةِ النَّبِيِّ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ كَمَا أَوْضَحْتُ ذَلِكَ هُنَاكَ أَيْضًا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي قَوْلُهُ لِأَبِي طَلْحَةَ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ: الْتَمِسْ لِي غُلَامًا يَخْرُجُ مَعِي فَأَحْضَرَ لَهُ أَنَسًا وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ أَيْضًا.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْإِعَانَةِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا، كَذَا وَقَعَ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، وَهُوَ فِي الْإِثْبَاتِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَلُمْهُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ عَلَى شَيْءٍ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ تَجَوُّزًا عَنْهُ وَحِلْمًا، وَلَا لَامَهُ فِي الشِّقِّ الثَّانِي عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ خَشْيَةً مِنْ أَنَسٍ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ لَوْ فَعَلَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَكَذَا لِأَنَّهُ كَمَا صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ صَفَحَ عَنْهُ فِيمَا لَمْ يَفْعَلْهُ خَشْيَةَ وُقُوعِ الْخَطَإِ مِنْهُ، وَلَوْ فَعَلَهُ نَاقِصًا عَنْ إِرَادَتِهِ لَصَفَحَ عَنْهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ رَاوِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ: وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ هُنَا عَنْ تِلْمِيذِهِ.

٢٨ - بَاب الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ

٦٩١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَعْدِنِ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) كَذَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ، وَأَفْرَدَ بَعْضُهُ بَعْدَهُ، وَتَرْجَمَ فِي الزَّكَاةِ لِبَقِيَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَمَامِهِ وَبَدَأَ فِيهِ بِالْمَعْدِنِ وَثَنَّى بِالْبِئْرِ، وَأَوْرَدَهُ هُنَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ وَهَذَا مِمَّا سَمِعَهُ اللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَبِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ) كَذَا جَمَعَهُمَا اللَّيْثُ وَوَافَقَهُ الْأَكْثَرُ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهَذَا قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ عَنْ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ مَوْصُولٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَلَيْسَ قَوْلُ يُونُسَ بِمَدْفُوعٍ.

قُلْتُ: قَدْ تَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَكِنْ قَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَدَلَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ عَدِيٍّ، وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا مِنْهُ، وَرَوَى بَعْضُ الضُّعَفَاءِ عَنْ

عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ بَعْضَهُ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَهُوَ غَلَطٌ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدُ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (الْعَجْمَاءُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْمَدِّ تَأْنِيثُ أَعْجَمَ وَهِيَ الْبَهِيمَةُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْإِنْسَانِ، وَيُقَالُ لِمَنْ لَا يُفْصِحُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (جُبَارٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ، كَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَعَنْ مَالِكٍ: مَا لَا دِيَةَ فِيهِ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي السَّيْلَ جُبَارًا أَيْ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: الْعَجْمَاءُ الدَّابَّةُ الْمُنْفَلِتَةُ مِنْ صَاحِبِهَا فَمَا أَصَابَتْ مِنِ انْفِلَاتِهَا فَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبِهَا، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: الْعَجْمَاءُ الَّتِي تَكُونُ مُنْفَلِتَةً لَا يَكُونُ مَعَهَا أَحَدٌ، وَقَدْ تَكُونُ بِالنَّهَارِ وَلَا تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي آخِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: وَالْعَجْمَاءُ الْبَهِيمَةُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، وَالْجُبَارُ هُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا يُغْرَمُ، كَذَا وَقَعَ التَّفْسِيرُ مُدْرَجًا وَكَأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.

وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ بِنَاءَ ج ب ر لِلرَّفْعِ وَالْإِهْدَارِ مِنْ بَابِ السَّلْبِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، يَأْتِي اسْمُ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِسَلْبِ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّهُ لِلرَّفْعِ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ إِتْلَافَاتِ الْآدَمِيِّ مَضْمُونَةٌ مَقْهُورٌ مُتْلِفُهَا عَلَى ضَمَانِهَا، وَهَذَا إِتْلَافٌ قَدِ ارْتَفَعَ عَنْ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ أَحَدٌ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَجْمَاءِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَالْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ أَمَّا الْبِئْرُ فَهِيَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ يَاءٌ سَاكِنَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَقَدْ تُذَكَّرُ عَلَى مَعْنَى الْقَلِيبِ وَالطَّوَى وَالْجَمْعُ أَبْؤُرٌ وَآبَارٌ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ وَبِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ.

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْبِئْرِ هُنَا الْعَادِيَةُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ فَيَقَعُ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ فَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَسَبُّبٌ إِلَى ذَلِكَ وَلَا تَغْرِيرَ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ إِنْسَانًا لِيَحْفِرَ لَهُ الْبِئْرَ فَانْهَارَتْ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ، وَأَمَّا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَتَلِفَ بِهَا إِنْسَانٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَافِرِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْرُ آدَمِيٍّ وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْحَافِرِ، وَيَلْتَحِقُ بِالْبِئْرِ كُلُّ حُفْرَةٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُرَادُ بِجَرْحِهَا وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ لَا غَيْرَ كَمَا نَقَلَهُ فِي النِّهَايَةِ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ مَا يَحْصُلُ بِالْوَاقِعِ فِيهَا مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَيْسَتِ الْجِرَاحَةُ مَخْصُوصَةً بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ الْإِتْلَافَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا.

قَالَ عِيَاضٌ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ أَوْ هُوَ مِثَالٌ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ وَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْإِتْلَافَاتِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الَّذِي يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ لَا عُمُومَ فِيهِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَضَمَّنُوا حَافِرَ الْبِئْرِ مُطْلَقًا قِيَاسًا عَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ، وَلَا قِيَاسَ مَعَ النَّصِّ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْبِئْرِ، وَجَاءَتْ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ بِلَفْظِ: النَّارُ جُبَارٌ بِنُونٍ وَأَلِفٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا مِمَّا يَجُوزُ لَهُ فَتَعَدَّتْ حَتَّى أَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَحَّفَهَا بَعْضُهُمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يَكْتُبُونَ النَّارَ بِالْيَاءِ لَا بِالْأَلِفِ، فَظَنَّ بَعْضُهُمُ الْبِئْرَ الْمُوَحَّدَةَ النَّارَ بِالنُّونِ فَرَوَاهَا كَذَلِكَ، قُلْتُ: هَذَا التَّأْوِيلُ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَجَزَمَ بِأَنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ حَيْثُ رَوَاهُ عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ مَعِينٍ عَلَى قَوْلِهِ بِدَلِيلٍ، وَلَيْسَ بِهَذَا تُرَدُّ أَحَادِيثُ الثِّقَاتِ.

قُلْتُ: وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ بِالِاحْتِمَالَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يعترض عليه لا في فعلٍ ولا في (١) تركٍ، ففيه حسنُ خلقه إنَّه (٢) لعلى خلقٍ عظيمٍ، واعلم أنَّ تركَ اعتراضه على أنسٍ إنَّما هو فيما يتعلَّق بالخدمةِ والآداب لا فيما يتعلَّق بالتَّكاليف الشَّرعيَّة، فإنَّه لا يجوز تركُ الاعتراض فيها.

ومطابقة ذلك للتَّرجمة من جهة أنَّ الخدمة مستلزمةٌ للاستعانةِ، أو اعتمدَ على ما في سائرِ الرِّوايات أنَّه قال له: «التَمِس لي غلامًا يخدمُني» وقد كان أنسٌ في كفالة أمِّه، فأحضرتْه إلى النَّبيِّ وكان زوجها معها، فنسب الإحضار إليها تارةً وإليه أُخرى، وهذا صدر من أمِّ سُليم أوَّل قدومه المدينة، وكانت لأبي طلحةَ في إحضارِه أنسًا قصَّةٌ أخرى، وذلك عند إرادته الخروجَ إلى خيبر، كما سبقَ في «المغازي» [خ¦٢٨٩٣].

(٢٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة.

٦٩١٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمَّدُ بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) المخزوميِّ (وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ) بضم جيم «جُرحها» في الفرع. وقال في «الفتح»: بفتحها لا غير، كما نقله في «النهاية» عن الأزهريِّ، والعَجْماء -بفتح العين المهملة وسكون الجيم ممدودًا- البهيمة، سُمِّيت عجماء؛ لأنَّها لا تتكلَّم، وجُبَار هَدَرٌ، والجملة مبتدأٌ وخبرٌ، أي: جرحُ العجماءِ هدَرٌ لا شيءَ فيه، وسقط في رواية لفظ «جُرحها» وحينئذٍ فالمراد: أنَّ البهيمة إذا أتلفتْ شيئًا ولم يكن معها قائدٌ ولا سائقٌ وكان نهارًا فلا ضمان، فإن كان معها أحدٌ ولو

مُستأجِرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا ضمن ما أتلفتْه نفسًا ومالًا، ليلًا أو نهارًا، سواء كان سائقها أمْ راكبها (١) أم قائدها؛ لأنَّها في يدِه وعليه تعهُّدُها وحفظُها، نعم، لو أركبَها أجنبيٌّ بغيرِ إذن الوليِّ صبيًّا أو مجنونًا لا يضبطُها مثلهما، أو نخسها إنسانٌ بغير إذنٍ من صحبها، أو غلبتْه فاستقبلَها إنسانٌ فردَّها فأتلفتْ شيئًا في انصرافِها، فالضَّمان على الأجنبيِّ والنَّاخس والرَّادِّ.

وقال الحنفيَّة: لا ضمان مطلقًا سواء فيه الجرح وغيره، واللَّيل والنَّهار، معها أحدٌ أو (٢) لا، إلا أن يحملَها الَّذي معها على الإتلافِ، أو يقصدَه (٣) فيضمنُ لتعدِّيه.

(وَالبِئْرُ) بكسر الموحدة بعدها ياء ساكنةٌ مهموزةٌ، وتسهَّلُ وهي مؤنَّثة وتذكَّر على معنى القَليب، والجمع أَبْؤر وأبْآر -بالمدِّ والتَّخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة- إذا حفرها إنسانٌ في مُلكه أو في مَوات، فوقع فيها إنسانٌ أو غيره فتلفَ فهو (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه، وكذا لو استأجرَ إنسانًا ليحفرَها (٤) فانهارتْ عليه. نعم، لو حفرَها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بلا إذنٍ منه فتلفَ بها إنسانٌ (٥) فإنَّه يجبُ ضمانه على عاقلةِ الحافرِ والكفَّارة في مالهِ، وإن تلفَ بها غيرُ آدميٍّ وجبَ ضمانه في مالِ الحافرِ، ويلتحقُ (٦) بالبئر كلُّ حفرةٍ على التَّفصيل المذكور.

(وَالمَعْدِنُ) بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين، المكانُ من الأرض يخرجُ منه شيءٌ من الجواهرِ والأجسادِ كالذَّهب والفضَّة والحديدِ والنُّحاس والرَّصاص والكبريت وغيرها، مِن عَدَن بالمكان إذا أقام به يَعْدِن -بالكسر- عُدُونًا، وسمِّي به لِعُدُون ما أنبتَه الله فيه -كما قال الأزهريُّ- إذا انهارَ على من حفرَ فيه فهلكَ فدَمُه (جُبَارٌ) لا ضمانَ فيه كالبئرِ (وَفِي الرِّكَازِ) بكسر الراء آخره زاي، بمعنى مرَكْوز ككِتَاب بمعنى (٧) مَكْتوب، وهو دفينُ الجاهليَّة ممَّا تجبُ فيه الزَّكاة (٨) من ذهبٍ أو فضَّة إذا بلغ النِّصاب (الخُمُسُ) والقول بأنَّ الرِّكاز دَفين

الجاهليَّة هو قول مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد، وهو حجَّة على أبي حنيفة وغيره من العراقيين حيث قالوا: الرِّكاز هو المعدنُ وجعلوهما (١) لفظين مُتَرادفين، وقد عطفَ أحدهما على الآخرِ، وذكر لهذا حكمًا غيرَ حكمِ الأوَّل، والعطفُ يقتضِي التَّغاير. وقال الأزهريُّ: يُطلق على الأمرين. قال: وقيل: إنَّ الرِّكاز قطَعُ الفضَّة تخرج من المعدن، وقيل: من الذَّهب أيضًا.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ وأصحاب «السُّنن» الأربعة.

(٢٩) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد ممَّا وصلَه سعيدُ ابن منصورٍ: (كَانُوا) أي: علماءُ الصَّحابة أو التَّابعين (٢) (لَا يُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم (مِنَ النَّفْحَةِ) بفتح النون وسكون الفاء بعدها حاء مهملة، من الضَّربة الصَّادرة من الدَّابَّة برجلِها (وَيُضَمِّنُونَ) بتشديد الميم أيضًا (مِنْ رَدِّ العِنَانِ) بكسر العين المهملة وتخفيف النون، وهو ما وضعُ (٣) في فمِ الدَّابَّة؛ ليصرفها الرَّاكب لما يختارُه، يعني: أنَّ الدَّابَّة إذا كانت مركوبةً فلفتَ الرَّاكب عِنَانها، فأصابتْ برجلها شيئًا ضمنَه الرَّاكب.

(وَقَالَ حَمَّادٌ) هو: ابنُ أبي (٤) سليمان مسلم الأشعريُّ، فيما وصلَه ابنُ أبي شيبة: (لَا تُضْمَنُ النَّفْحَةُ) بالحاء المهملة، رفعُ نائب عن الفاعلِ (إِلَّا أَنْ يَنْخُسَ) مثلثة الخاء المعجمة (إِنْسَانٌ الدَّابَّةَ) بعودٍ ونحوه فيضمنُ.

(وَقَالَ شُرَيْحٌ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء آخره حاء مهملة، ابن الحارث الكنديُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَبُو طَلْحَة هُوَ زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ زوج أم سليم، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: كيس بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وبالسين الْمُهْملَة أَي: طريف، وَقيل: أَي عَاقل والكيس خلاف الأحمق. قَوْله: فليخدمك بِضَم الْمِيم.

وَفِيه: حسن خلق النَّبِي وَأَنه مَا اعْترض عَلَيْهِ لَا فِي فعل وَلَا فِي ترك.

٢٨ - (بابٌ المَعْدِنُ جُبارٌ والبِئْرُ جُبارٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَعْدن جَبَّار بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: هدر لَا شَيْء فِيهِ، وَمعنى: الْمَعْدن جَبَّار، هُوَ أَن يحْفر معدناً فِي موَات أَو فِي ملكه فَيهْلك فِيهِ الْأَجِير أَو غَيره مِمَّن يمر بِهِ، فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي ذَلِك. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: الْمَعْدن جَبَّار إِذا احتفر الرجل معدناً فَوَقع فِيهَا إِنْسَان فَلَا غرم عَلَيْهِ، ذكره فِي تَفْسِير حَدِيث الْبَاب. قَوْله: والبئر جَبَّار، يَعْنِي إِذا احتفر بِئْر للسبيل فِي ملك أَو موَات فَوَقع فِيهَا إِنْسَان فَلَا غرم على صَاحبهَا، وَيُقَال: المُرَاد بالبئر هُنَا العادية الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يعلم لَهَا مَالك، تكون فِي الْبَادِيَة فَيَقَع فِيهَا إِنْسَان أَو دَابَّة فَلَا شَيْء فِي ذَلِك على أحد.

٦٩١٢ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ، حَدثنَا اللّيْثُ، حَدثنَا ابنُ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ المُسيَّبِ وَأبي سَلَمَة بنِ عبْدِ الرَّحْمانِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ الله قَالَ: العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئْرُ جُبارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وَفِي الرِّكازِ الخُمُسُ

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن التَّرْجَمَة بعض الحَدِيث. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة السّنة. فَمُسلم عَن يحيى بن يحيى وَغَيره، وَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد، وَالتِّرْمِذِيّ عَن أَحْمد بن منيع. وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِبَعْضِه وَعَن هِشَام بن عمار وَمُحَمّد بن مَيْمُون بباقيه، وَكلهمْ قَالُوا فِيهِ: عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة، وَهَكَذَا قَالَ الإِمَام مَالك بن أنس، وَخَالفهُم يُونُس بن يزِيد فَرَوَاهُ: عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة كِلَاهُمَا عَن أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ كَذَلِك مُسلم وَالنَّسَائِيّ، وَقَول اللَّيْث وَمَالك أصح، وَيجوز أَن يكون ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ سَمعه من الثَّلَاثَة جَمِيعًا.

قَوْله العجماء مُبْتَدأ أَو قَوْله: جرحها بدل مِنْهُ وَخَبره قَوْله: جَبَّار وَالْجرْح هُنَا بِفَتْح الْجِيم مصدر، وَالْجرْح بِالضَّمِّ اسْم قَالَ القَاضِي: إِنَّمَا عبر بِالْجرْحِ لِأَنَّهُ الْأَغْلَب، أَو هُوَ مِثَال مِنْهُ على مَا عداهُ، وَأما الرِّوَايَة الَّتِي لم يذكر فِيهَا لفظ الْجرْح فَمَعْنَاه إِتْلَاف العجماء بِأَيّ وَجه كَانَ بِجرح أَو غَيره جَبَّار أَي: هدر لَا شَيْء فِيهِ والعجماء تَأْنِيث الْأَعْجَم وَهِي الْبَهِيمَة، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: فسره بعض أهل الْعلم فَقَالُوا: العجماء الدَّابَّة المنفلتة من صَاحبهَا فَمَا أَصَابَت فِي انفلاتها فَلَا غرم على صَاحبهَا. انْتهى. وَاحْتج بِهِ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على أَنه لَا ضَمَان فِيمَا أتلفته الْبَهَائِم مُطلقًا سَوَاء فِيهِ الْجرْح وَغَيره، وَسَوَاء فِيهِ اللَّيْل وَالنَّهَار، وَسَوَاء كَانَ مَعهَا أَو لَا إلَاّ أَن يحملهَا الَّذِي مَعهَا على الْإِتْلَاف أَو يَقْصِدهُ فحينئذٍ يضمن لوُجُود التَّعَدِّي مِنْهُ، وَهُوَ قَول دَاوُد وَأهل الظَّاهِر، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: إِن كَانَ مَعهَا أحد من مَالك أَو مُسْتَأْجر أَو مستعير أَو مُودع أَو وَكيل أَو غَاصِب أَو غَيرهم وَجب عَلَيْهِ ضَمَان مَا أتلفته، وحملوا الحَدِيث على مَا إِذْ لم يكن مَعهَا أحد فأتلفت شَيْئا بِالنَّهَارِ أَو انفلتت بِاللَّيْلِ بِغَيْر تَفْرِيط من مَالِكهَا فأتلفت شَيْئا، وَلَيْسَ مَعهَا أحد. وَأجَاب أَصْحَاب أبي حنيفَة: بِأَن الحَدِيث مُطلق عَام فَوَجَبَ الْعَمَل بِعُمُومِهِ، وَأما التَّعَدِّي فخارج عَنهُ. قَوْله: والبئر جَبَّار قد مر تَفْسِيره آنِفا، وَفِي رِوَايَة مُسلم: والبئر جرحها جَبَّار، وَالْمرَاد بجرحها مَا يحصل للْوَاقِع فِيهَا من الْجراحَة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: اتّفقت الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة على التَّلَفُّظ بالبئر وَجَاءَت رِوَايَة شَاذَّة بِلَفْظ: النَّار جَبَّار بنُون وَألف سَاكِنة قبل الرَّاء وَمَعْنَاهُ عِنْدهم أَن من استوقد نَارا مِمَّا يجوز لَهُ فتعدت حَتَّى أتلفت شَيْئا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: صحفها بَعضهم لِأَن أهل الْيمن يَكْتُبُونَ النَّار بِالْيَاءِ لَا بِالْألف فَظن بَعضهم الْبِئْر بِالْبَاء الْمُوَحدَة: النَّار، بالنُّون فرواها كَذَلِك. قَوْله: والمعدن جَبَّار قد مر تَفْسِيره. قَوْله: وَفِي الرِّكَاز الْخمس بِكَسْر الرَّاء وَهُوَ مَا وجد من دفن الْجَاهِلِيَّة مِمَّا تجب فِيهِ الزَّكَاة من ذهب أَو فضَّة، أَي: مِقْدَار مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة، وَهُوَ النّصاب فَإِنَّهُ يجب فِيهِ الْخمس على سَبِيل الزَّكَاة الْوَاجِبَة، كَذَا

قَالَ شَيخنَا فِي شرح التِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ: هَذَا عِنْد جُمْهُور الْعلمَاء، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَفِيه حجَّة على أبي حنيفَة وَغَيره من الْعِرَاقِيّين حَيْثُ: قَالُوا: الرِّكَاز هُوَ الْمَعْدن وجعلوهما لفظين مترادفين. وَقد عطف الشَّارِع أَحدهمَا على الآخر، وَذكر لهَذَا حكما غير الحكم الَّذِي ذكره فِي الأول. انْتهى. قلت: الْمَعْدن هُوَ الرِّكَاز، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يذكر لَهُ حكما آخر ذكره بِالِاسْمِ الآخر وَهُوَ: الرِّكَاز، وَلَو قَالَ: وَفِيه الْخمس بِدُونِ أَن يَقُول: وَفِي الرِّكَاز الْخمس لحصل الالتباس بِاحْتِمَال عود الضَّمِير إِلَى الْبِئْر، وَقد أورد أَبُو عمر فِي التَّمْهِيد عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كنز وجده رجل: إِن كنت وجدته فِي قَرْيَة مسكونة، أَو فِي غير سَبِيل، أَو فِي سَبِيل ميتاء فَعرفهُ، وَإِن كنت وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة أَو فِي غير سَبِيل ميتاء، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَعطف الرِّكَاز على الْكَنْز دَلِيل على أَن الرِّكَاز غير الْكَنْز وَأَنه الْمَعْدن كَمَا يَقُوله أهل الْعرَاق، فَهُوَ حجَّة لمخالف الشَّافِعِي. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرِّكَاز وَجْهَان: فَالْمَال الَّذِي يُوجد مَدْفُونا لَا يعلم لَهُ مَالك ركاز، وعروق الذَّهَب وَالْفِضَّة ركاز. قلت: وَعَن هَذَا قَالَ صَاحب الْهِدَايَة الرِّكَاز يُطلق على الْمَعْدن وعَلى المَال المدفون. وَقَالَ أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ: اخْتلف فِي تَفْسِير الرِّكَاز أهل الْعرَاق وَأهل الْحجاز، فَقَالَ أهل الْعرَاق: هِيَ الْمَعَادِن، وَقَالَ أهل الْحجاز: هِيَ كنوز أهل الْجَاهِلِيَّة، وكلٌّ مُحْتَمل فِي اللُّغَة، وَالْأَصْل فِيهِ قَوْلهم: ركز فِي الأَرْض إِذا ثَبت أَصله.

٢٩ - (بابٌ العَجْماءُ جُبارٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ العجماء جَبَّار، وَإِنَّمَا أعَاد ذكر هَذَا بترجمة أُخْرَى لما فِيهَا من التفاريع الزَّائِدَة على الْبِئْر والمعدن.

وَقَالَ ابنُ سِيرينَ: كانُوا لَا يُضَمِّنُونَ مِنَ النّفْحَة ويُضَمِّنُونَ مِنْ ردِّ العنانِ.

أَي: قَالَ مُحَمَّد بن سِيرِين: كَانُوا، أَي: الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَا يضمنُون بِالتَّشْدِيدِ من التَّضْمِين من النفحة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الْفَاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَهِي الضَّرْبَة بِالرجلِ، يُقَال: نفحت الدَّابَّة إِذا ضربت برجلها، ويضمنون من رد الْعَنَان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون وَهُوَ مَا يوضع فِي فَم الدَّابَّة ليصرفها الرَّاكِب لما يخْتَار، وَذَلِكَ لِأَن فِي الأول لَا يُمكنهُ التحفظ بِخِلَاف الثَّانِي، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله سعيد بن مَنْصُور عَن هشيم: حَدثنَا ابْن عون عَن مُحَمَّد بن سِيرِين.

وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا تُضْمَنُ النّفْحَةُ إلاّ أنْ يَنْخُسَ إنْسانٌ الدَّابَّةَ.

أَي: قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان الْأَشْعَرِيّ: وَاسم أبي سُلَيْمَان مُسلم. قَوْله: لَا تضمن على صِيغَة الْمَجْهُول، والنفحة مَرْفُوع بِهِ لِأَنَّهُ مفعول قَامَ مقَام الْفَاعِل. قَوْله: إلَاّ أَن ينخس بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَكسرهَا من النخس، وَهُوَ غرز مُؤخر الدَّابَّة أَو جنبها بِعُود وَنَحْوه.

وَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تُضْمَنُ مَا عاقَبَ أنْ يَضْرِبَها فَتَضْرِبَ بِرِجْلِها.

أَي: قَالَ شُرَيْح بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ القَاضِي الْمَشْهُور. قَوْله: مَا عاقب، يرْوى بالتذكير والتأنيث، فَالْمَعْنى على التَّذْكِير لَا يضمن ضَارب الدَّابَّة مَا دَامَ فِي تعاقبها بِالضَّرْبِ، وَهِي أَيْضا تضرب برجلها على سَبِيل المعاقبة أَي: الْمُكَافَأَة مِنْهَا، وَأما على معنى التَّأْنِيث فَقَوله: لَا تضمن، أَي: الدَّابَّة بِإِسْنَاد الضَّمَان إِلَيْهَا مجَازًا، وَالْمرَاد ضاربها. قَوْله: أَن يضْربهَا قَالَ الْكرْمَانِي: أَن يضْربهَا فَتضْرب برجلها إِمَّا مجرور بجار مُقَدّر أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: بِأَن يضْربهَا، أَو مَرْفُوع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: وَهُوَ أَن يضْربهَا، وَفِي قَول شُرَيْح هَذَا قلاقة قل من يُفَسِّرهَا كَمَا يَنْبَغِي، وأثره هَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن سِيرِين عَن شُرَيْح، قَالَ: يضمن السَّائِق والراكب وَلَا تضمن الدَّابَّة إِذا عَاقَبت. قلت: وَمَا عَاقَبت. قَالَ إِذا ضربهَا رجل فأصابته.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد