«أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٨٢

الحديث رقم ٦٨٨٢ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من طلب دم امرئ بغير حق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٨٨٢ في صحيح البخاري

«أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ.»

بَابُ الْعَفْوِ فِي الْخَطَاِ بَعْدَ الْمَوْتِ

إسناد حديث البخاري رقم ٦٨٨٢

٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٨٨٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا أَوِ امْرَأَةٌ قَتَلُوا بِهَا رَجُلًا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ يُودَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَقَالُوا ادْفَعُوهُ لَنَا نَقْتُلْهُ، فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ ، فَأَتَوْهُ فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وَالْقِسْطُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾

وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَلَوْ كَانَ غِيلَةً وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَ شَخْصًا حَتَّى يَصِيرَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ خَفِيٍّ فَيَقْتُلُهُ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَأَلْحَقَهُ مَالِكٌ بِالْمُحَارِبِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ حَدَّ الْمُحَارِبِ الْقَتْلُ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلتَّنْوِيعِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُتَأَوِّلًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ قَتَلَ خَطَأً فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ : فَإِنِّي عَاقِلَهُ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَتْلِ مَنِ الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بَعْدَ أَنْ يَقْتُلَ عَمْدًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ بَلْ يُلْجَأُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ قَالَهُ فِي قِصَّةِ قَتِيلِ خُزَاعَةَ الْمَقْتُولِ فِي الْحَرَمِ، وَأَنَّ الْقَوَدَ مَشْرُوعٌ فِيمَنْ قَتَلَ عَمْدًا، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذُكِرَ مِنْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَعْظِيمُهُ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْجَانِي بِهِ مِنْ جُمْلَةِ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.

٩ - بَاب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ

٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ؛ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) أَيْ بَيَانِ حُكْمِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَثَبَتَ ذِكْرُ أَبِيهِ فِي هَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيِ ابْنِ مُطْعِمٍ.

قَوْلُهُ: (أَبْغَضُ) هُوَ أَفْعَلُ مِنَ الْبُغْضِ، قَالَ وَهُوَ شَاذٌّ وَمِثْلُهُ أَعْدَمُ مِنَ الْعَدَمِ إِذَا افْتَقَرَ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُقَالُ أَفْعَلُ مِنْ كَذَا لِلْمُفَاضَلَةِ فِي الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ، قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ أَبْغَضُ أَهْلِ الْمَعَاصِي إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَإِلَّا فَالشِّرْكُ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي.

قَوْلُهُ: (مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ) أَصْلُ الْمُلْحِدِ هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الْحَقِّ، وَالْإِلْحَادُ الْعُدُولُ عَنِ الْقَصْدِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُرْتَكِبَ الصَّغِيرَةِ مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْخَارِجِ عَنِ الدِّينِ فَإِذَا وُصِفَ بِهِ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عِظَمِهَا، وَقِيلَ إِيرَادُهُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُشْعِرٌ بِثُبُوتِ الصِّفَةِ، ثُمَّ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى عِظَمِ الذَّنْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي عَدِّ الْكَبَائِرِ مُسْتَحِلَّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ.

وَأَخْرَجَ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ رَجُلًا لَوْ هَمَّ بِعَدَنِ أَبْيَنَ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ إِلَّا أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّ السُّدِّيَّ رَفَعَهُ لَهُمْ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَرْوِيهِ عَنْهُ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾: (فَالعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ) وليُّ المقتولِ (الدِّيَةَ فِي العَمْدِ) ويترك الدَّم (قَالَ) ابنُ عبَّاس أيضًا: (﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]) هو (أَنْ يَطْلُبَ) وليُّ المقتول الدِّية من القاتلِ (بِمَعْرُوفٍ) ولأبي ذرٍّ: «أن يُطلَب» بضم التحتية وفتح اللام مبنيًّا للمفعول (وَيُؤَدِّيَ) القاتل الدِّية (بِإِحْسَانٍ) وذكر الطَّبريُّ عن الشَّعبيِّ: أنَّ هذه الآية نزلتْ في حيَّين من العربِ كان لأحدهما طَوْلٌ على الآخرِ في الشَّرف، فكانوا يتزوَّجون من نسائِهم بغير (١) مهرٍ، وإذا قُتل منهم عبدٌ قتلوا به حرًّا، أو امرأةً قتلوا بها رجلًا.

تنبيه: قال في «الفتح»: قوله: «فقال الله لهذه الأمَة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾» كذا وقع في روايةِ قتيبة، ووقع هنا عند أبي ذرٍّ والأكثر، ووقع هنا في رواية النَّسفيِّ والقابسيِّ: «إلى قولهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾» ووقع في روايةِ ابن أبي (٢) عمر في «مسنده» ومن طريقه أبو (٣) نُعيم في «المستخرج»: «إلى قوله في هذه الآية» وبهذا يظهرُ المراد، وإلَّا فالأوَّل يُوهم أن قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ في آيةٍ تلي الآية المبدوء بها، وليس كذلك. انتهى.

(٩) (باب) حكمِ (مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ (٤) بِغَيْرِ حَقٍّ).

٦٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا (٥) شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حَمْزة (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حُسين -بضم الحاء المهملة- النَّوفليِّ، نسبه إلى جدِّه، قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابنِ مطعم القرشيُّ

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ) أبغضُ أفعل التَّفضيل بمعنى المفعول، من البغض، وهو شاذٌّ، ومثلُه أَعْدَم من العَدَمِ؛ إذا افتقرَ، وإنَّما يُقال أفعلُ من كذا للمُفاضلةِ في الفعل الثَّلاثي.

وقال في «الصِّحاح»: وقولهم: ما أبغضه لي، شاذٌّ لا يُقاس عليه، والبغضُ من الله إرادةُ إيصال المكروهِ، والمراد بالناس: المسلمون (ثَلَاثَةٌ) امرؤ (مُلْحِدٌ) بضم الميم وسكون اللام وكسر الحاء بعدها دال مهملتين، مائلٌ عن القصد (فِي الحَرَمِ) المكيِّ. قال سفيان الثَّوريُّ في «تفسيرهِ» عن السُّديِّ عن مُرَّة عن عبد الله -يعني: ابنَ مسعود-: وما مِن رجلٍ يهمُّ بسيِّئةٍ فتكتب عليه، ولو أنَّ رجلًا بعدَنِ أَبْين همَّ أنْ يقتلَ رجلًا بهَذَا البيتِ لأذاقَهُ (١) اللهُ من عذابٍ أليم.

وفي «تفسير ابن أبي حاتم»: حَدَّثنا أحمدُ بنُ سنان: حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون: أَخبرنا شعبة عن السُّديِّ أنَّه سمع مُرَّة يحدِّث عن عبد الله -يعني: ابن مسعود- في قولهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] قال (٢): لو أنَّ رجلًا أراد فيه بإلحادٍ بظُلْمٍ وهو بعدَنِ أَبْين لأذاقَهُ الله من العذابِ الأليمِ. قال شعبة: هو رفعَه لنا وأنا لا أرفعهُ لكم. قال يزيد: هو قد رفعهُ. ورواهُ أحمد عن يزيد بنِ هارون به. قال الحافظُ ابنُ كثير: هذا الإسنادُ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ووقفُه أشبَه من رفعهِ، ولهذا صمَّم شعبة على وقفهِ من كلامِ ابن مسعودٍ، وكذا رواه أسباطُ وسفيان الثَّوريُّ، عن السُّديِّ، عن مُرَّة عن ابنِ مسعود. انتهى.

واستُشكلَ: فإنَّ ظاهره: أنَّ فعل الصَّغيرة في الحرم المكيِّ أشدُّ من فعلِ الكبيرة في غيرهِ. وأُجيب بأنَّ الإلحاد في العُرْف مستعملٌ (٣) في الخارج عن الدِّين، فإذا وصفَ به من ارتكبَ معصيةً كان في ذلك إشارةً إلى عِظمها، وقد يؤخذُ ذلك من سياق قولهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فإنَّ الإتيان بالجملةِ الاسميَّة يفيدُ ثبوت الإلحادِ

ودوامه، والتَّنوين للتَّعظيم، فيكون إشارةً إلى عظم الذَّنب. وقال ابنُ كثير: أي: يهمُّ فيه بأمرٍ فظيعٍ من المعاصي الكبار. وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنَّه ظلمٌ ليس بمتأوِّلٍ. وقال ابن عبَّاس -فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة-: ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشركٍ. وقال مجاهد: أن يعبدَ غير الله، وهذا من خصوصياتِ الحرم، فإنَّه يعاقب النَّاوي فيه الشَّرَّ إذا كان عازمًا عليه ولو لم يُوقعه (وَ) (١) ثاني الثَّلاثة الَّذين هم أبغضُ النَّاس إلى الله: (مُبْتَغٍ) بضم الميم وسكون الموحدة وبعد الفوقية غين معجمة، طالب (فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ) اسم جنسٍ يعمُّ جميع ما كان عليه أهل الجاهليَّة من الطِّيرة والكهانةِ والنَّوح وأخذِ الجار بجاره، وأن يكون له حقٌّ (٢) عند شخصٍ فيطلبهُ من غيره (وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) بضم الميم وتشديد الطاء وكسر اللام بعدها موحدة، مفتعلٌ من الطَّلب، أي: متطلِّب، فأبدلت التاء طاء وأدغمتْ في الطاء، أي: المتكلِّف للطَّلب المبالغ فيه (لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) بضم التحتية وفتح الهاء وتسكن، وخرج بقولهِ: «بغير حقٍّ»، من طلبَ بحقٍّ (٣) كالقصاص مثلًا. وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: الإهراقُ هو المحظور المستحقُّ لمثل هذا الوعيد لا مجرَّد الطَّلب. وأجاب بأنَّ المراد الطَّلب المترتِّب عليه المطلوب، أو ذكر الطَّلب ليلزم في الإهراق بالطَّريق (٤) الأولى، ففيه مبالغةٌ.

والحديث من أفرادهِ.

(١٠) (باب العَفْوِ) من وليِّ المقتول عن القاتلِ (فِي) القتلِ (الخَطَأ) بأن لم يقصدْ كأن زلقَ فوقع عليه (بعْدَ المَوْتِ) يتعلَّق بـ «العفو» أي: بعد موتِ المقتولِ، وليس المراد عفو المقتولِ؛ إذ هو محالٌ كما لا يخفى.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا أَوِ امْرَأَةٌ قَتَلُوا بِهَا رَجُلًا، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ يُودَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَقَالُوا ادْفَعُوهُ لَنَا نَقْتُلْهُ، فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ ، فَأَتَوْهُ فَنَزَلَتْ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وَالْقِسْطُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾

وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَلَوْ كَانَ غِيلَةً وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَ شَخْصًا حَتَّى يَصِيرَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ خَفِيٍّ فَيَقْتُلُهُ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَأَلْحَقَهُ مَالِكٌ بِالْمُحَارِبِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْوُ عَنْهُ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ حَدَّ الْمُحَارِبِ الْقَتْلُ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلتَّنْوِيعِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُتَأَوِّلًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ قَتَلَ خَطَأً فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ : فَإِنِّي عَاقِلَهُ.

وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَتْلِ مَنِ الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بَعْدَ أَنْ يَقْتُلَ عَمْدًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ بَلْ يُلْجَأُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ قَالَهُ فِي قِصَّةِ قَتِيلِ خُزَاعَةَ الْمَقْتُولِ فِي الْحَرَمِ، وَأَنَّ الْقَوَدَ مَشْرُوعٌ فِيمَنْ قَتَلَ عَمْدًا، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذُكِرَ مِنْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَعْظِيمُهُ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْجَانِي بِهِ مِنْ جُمْلَةِ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ.

٩ - بَاب مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ

٦٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ؛ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) أَيْ بَيَانِ حُكْمِهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ، وَثَبَتَ ذِكْرُ أَبِيهِ فِي هَذَا السَّنَدِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي نُسْخَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَكَذَا فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيِ ابْنِ مُطْعِمٍ.

قَوْلُهُ: (أَبْغَضُ) هُوَ أَفْعَلُ مِنَ الْبُغْضِ، قَالَ وَهُوَ شَاذٌّ وَمِثْلُهُ أَعْدَمُ مِنَ الْعَدَمِ إِذَا افْتَقَرَ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُقَالُ أَفْعَلُ مِنْ كَذَا لِلْمُفَاضَلَةِ فِي الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ، قَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ أَبْغَضُ أَهْلِ الْمَعَاصِي إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَإِلَّا فَالشِّرْكُ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي.

قَوْلُهُ: (مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ) أَصْلُ الْمُلْحِدِ هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الْحَقِّ، وَالْإِلْحَادُ الْعُدُولُ عَنِ الْقَصْدِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مُرْتَكِبَ الصَّغِيرَةِ مَائِلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلَةٌ لِلْخَارِجِ عَنِ الدِّينِ فَإِذَا وُصِفَ بِهِ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى عِظَمِهَا، وَقِيلَ إِيرَادُهُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُشْعِرٌ بِثُبُوتِ الصِّفَةِ، ثُمَّ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى عِظَمِ الذَّنْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي عَدِّ الْكَبَائِرِ مُسْتَحِلَّ الْبَيْتِ الْحَرَامِ.

وَأَخْرَجَ الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ يَهُمُّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ رَجُلًا لَوْ هَمَّ بِعَدَنِ أَبْيَنَ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ إِلَّا أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّ السُّدِّيَّ رَفَعَهُ لَهُمْ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَرْوِيهِ عَنْهُ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾: (فَالعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ) وليُّ المقتولِ (الدِّيَةَ فِي العَمْدِ) ويترك الدَّم (قَالَ) ابنُ عبَّاس أيضًا: (﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]) هو (أَنْ يَطْلُبَ) وليُّ المقتول الدِّية من القاتلِ (بِمَعْرُوفٍ) ولأبي ذرٍّ: «أن يُطلَب» بضم التحتية وفتح اللام مبنيًّا للمفعول (وَيُؤَدِّيَ) القاتل الدِّية (بِإِحْسَانٍ) وذكر الطَّبريُّ عن الشَّعبيِّ: أنَّ هذه الآية نزلتْ في حيَّين من العربِ كان لأحدهما طَوْلٌ على الآخرِ في الشَّرف، فكانوا يتزوَّجون من نسائِهم بغير (١) مهرٍ، وإذا قُتل منهم عبدٌ قتلوا به حرًّا، أو امرأةً قتلوا بها رجلًا.

تنبيه: قال في «الفتح»: قوله: «فقال الله لهذه الأمَة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى هذه الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾» كذا وقع في روايةِ قتيبة، ووقع هنا عند أبي ذرٍّ والأكثر، ووقع هنا في رواية النَّسفيِّ والقابسيِّ: «إلى قولهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾» ووقع في روايةِ ابن أبي (٢) عمر في «مسنده» ومن طريقه أبو (٣) نُعيم في «المستخرج»: «إلى قوله في هذه الآية» وبهذا يظهرُ المراد، وإلَّا فالأوَّل يُوهم أن قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ في آيةٍ تلي الآية المبدوء بها، وليس كذلك. انتهى.

(٩) (باب) حكمِ (مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ (٤) بِغَيْرِ حَقٍّ).

٦٨٨٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بنُ نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا (٥) شُعَيْبٌ) هو: ابنُ أبي حَمْزة (عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حُسين -بضم الحاء المهملة- النَّوفليِّ، نسبه إلى جدِّه، قال: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضم الجيم مصغَّرًا، ابنِ مطعم القرشيُّ

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ) أبغضُ أفعل التَّفضيل بمعنى المفعول، من البغض، وهو شاذٌّ، ومثلُه أَعْدَم من العَدَمِ؛ إذا افتقرَ، وإنَّما يُقال أفعلُ من كذا للمُفاضلةِ في الفعل الثَّلاثي.

وقال في «الصِّحاح»: وقولهم: ما أبغضه لي، شاذٌّ لا يُقاس عليه، والبغضُ من الله إرادةُ إيصال المكروهِ، والمراد بالناس: المسلمون (ثَلَاثَةٌ) امرؤ (مُلْحِدٌ) بضم الميم وسكون اللام وكسر الحاء بعدها دال مهملتين، مائلٌ عن القصد (فِي الحَرَمِ) المكيِّ. قال سفيان الثَّوريُّ في «تفسيرهِ» عن السُّديِّ عن مُرَّة عن عبد الله -يعني: ابنَ مسعود-: وما مِن رجلٍ يهمُّ بسيِّئةٍ فتكتب عليه، ولو أنَّ رجلًا بعدَنِ أَبْين همَّ أنْ يقتلَ رجلًا بهَذَا البيتِ لأذاقَهُ (١) اللهُ من عذابٍ أليم.

وفي «تفسير ابن أبي حاتم»: حَدَّثنا أحمدُ بنُ سنان: حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون: أَخبرنا شعبة عن السُّديِّ أنَّه سمع مُرَّة يحدِّث عن عبد الله -يعني: ابن مسعود- في قولهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] قال (٢): لو أنَّ رجلًا أراد فيه بإلحادٍ بظُلْمٍ وهو بعدَنِ أَبْين لأذاقَهُ الله من العذابِ الأليمِ. قال شعبة: هو رفعَه لنا وأنا لا أرفعهُ لكم. قال يزيد: هو قد رفعهُ. ورواهُ أحمد عن يزيد بنِ هارون به. قال الحافظُ ابنُ كثير: هذا الإسنادُ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ووقفُه أشبَه من رفعهِ، ولهذا صمَّم شعبة على وقفهِ من كلامِ ابن مسعودٍ، وكذا رواه أسباطُ وسفيان الثَّوريُّ، عن السُّديِّ، عن مُرَّة عن ابنِ مسعود. انتهى.

واستُشكلَ: فإنَّ ظاهره: أنَّ فعل الصَّغيرة في الحرم المكيِّ أشدُّ من فعلِ الكبيرة في غيرهِ. وأُجيب بأنَّ الإلحاد في العُرْف مستعملٌ (٣) في الخارج عن الدِّين، فإذا وصفَ به من ارتكبَ معصيةً كان في ذلك إشارةً إلى عِظمها، وقد يؤخذُ ذلك من سياق قولهِ تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فإنَّ الإتيان بالجملةِ الاسميَّة يفيدُ ثبوت الإلحادِ

ودوامه، والتَّنوين للتَّعظيم، فيكون إشارةً إلى عظم الذَّنب. وقال ابنُ كثير: أي: يهمُّ فيه بأمرٍ فظيعٍ من المعاصي الكبار. وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنَّه ظلمٌ ليس بمتأوِّلٍ. وقال ابن عبَّاس -فيما رواه عنه عليُّ بن أبي طلحة-: ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشركٍ. وقال مجاهد: أن يعبدَ غير الله، وهذا من خصوصياتِ الحرم، فإنَّه يعاقب النَّاوي فيه الشَّرَّ إذا كان عازمًا عليه ولو لم يُوقعه (وَ) (١) ثاني الثَّلاثة الَّذين هم أبغضُ النَّاس إلى الله: (مُبْتَغٍ) بضم الميم وسكون الموحدة وبعد الفوقية غين معجمة، طالب (فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ) اسم جنسٍ يعمُّ جميع ما كان عليه أهل الجاهليَّة من الطِّيرة والكهانةِ والنَّوح وأخذِ الجار بجاره، وأن يكون له حقٌّ (٢) عند شخصٍ فيطلبهُ من غيره (وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) بضم الميم وتشديد الطاء وكسر اللام بعدها موحدة، مفتعلٌ من الطَّلب، أي: متطلِّب، فأبدلت التاء طاء وأدغمتْ في الطاء، أي: المتكلِّف للطَّلب المبالغ فيه (لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) بضم التحتية وفتح الهاء وتسكن، وخرج بقولهِ: «بغير حقٍّ»، من طلبَ بحقٍّ (٣) كالقصاص مثلًا. وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: الإهراقُ هو المحظور المستحقُّ لمثل هذا الوعيد لا مجرَّد الطَّلب. وأجاب بأنَّ المراد الطَّلب المترتِّب عليه المطلوب، أو ذكر الطَّلب ليلزم في الإهراق بالطَّريق (٤) الأولى، ففيه مبالغةٌ.

والحديث من أفرادهِ.

(١٠) (باب العَفْوِ) من وليِّ المقتول عن القاتلِ (فِي) القتلِ (الخَطَأ) بأن لم يقصدْ كأن زلقَ فوقع عليه (بعْدَ المَوْتِ) يتعلَّق بـ «العفو» أي: بعد موتِ المقتولِ، وليس المراد عفو المقتولِ؛ إذ هو محالٌ كما لا يخفى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله