الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٩٤
الحديث رقم ٦٨٩٤ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب السن بالسن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ دِيَةِ الْأَصَابِعِ
٦٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اسْتُحِقَّ فِي إِتْلَافِ ذَلِكَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَا فَعَلَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا مَا جَنَاهُ عَلَى الْآخَرِ، كَمَنْ قَلَعَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَطَعَ الْآخَرُ يَدَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ أَسْنَانَهُ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ فَسَقَطَتْ عَقِبَ النَّزْعِ، وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدْفَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ لَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ فِي الْإِجَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ يَعْلَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَى فِيهِ بِمِثْلِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْيِيدِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، وَكَذَا إِلْحَاقُ عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْفَمِ بِهِ فَإِنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَوْ بَلَغَ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ لَمَا خَالَفَهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يَقَعْ هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَأَمَّا طَرِيقُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَرَوَاهَا أَهْلُ الْحِجَازِ وَحَمَلَهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَاعْتَذَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ، قَالَ وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَكَأَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْقُرْطُبِيِّ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَتَكَلَّمِ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا إِجْرَاءُ الْقِصَاصِ فِي الْعَضَّةِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعَضَّ هُنَا إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْقِصَاصِ فِي قَلْعِ السِّنِّ، لَكِنَّ الْجَوَابَ السَّدِيدَ فِي هَذَا أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ لَا تَقْرِيرَ شَرْعٍ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفَوَائِدِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْظِمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِأَنَّهُ أَدَّى إِلَى سُقُوطِ ثَنِيَّةِ الْغَضْبَانِ، لِأَنَّ يَعْلَى غَضِبَ مِنْ أَجِيرِهِ فَضَرَبَهُ فَدَفَعَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسِهِ فَعَضَّهُ يَعْلَى فَنَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّةُ الْعَاضِّ، وَلَوْلَا الِاسْتِرْسَالُ مَعَ الْغَضَبِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهِ اسْتِئْجَارُ الْحُرِّ لِلْخِدْمَةِ وَكِفَايَةُ مُؤْنَةِ الْعَمَلِ فِي الْغَزْوِ لَا لِيُقَاتِلَ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجِهَادِ.
وَفِيهِ رَفْعُ الْجِنَايَةِ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ، وَأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَقْتَصُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ بِالْجِنَايَةِ يَسْقُطُ مَا ثَبَتَ لَهُ قَبْلَهَا مِنْ جِنَايَةٍ إِذَا تَرَتَّبَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى.
وَفِيهِ جَوَازُ تَشْبِيهِ فِعْلِ الْآدَمِيِّ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ إِذَا وَقَعَ فِي مَقَامِ التَّنْفِيرِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ حَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَنْ صَحَّفَ قَوْلَهُ: كَمَا يَقْضَمُ الْفُجْلُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْبَقْلِ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ.
وَفِيهِ دَفْعُ الصَّائِلِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ مِنْهُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ هَدَرًا، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ يَأْنَفُهُ أَوْ يَحْتَشِمُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ إِذَا حَكَاهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: فَعَلَ رَجُلٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذَا، وَكَذَا كَمَا وَقَعَ لِيَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكَمَا وَقَعَ لِعَائِشَةَ حَيْثُ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ: هَلْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَتَبَسَّمَتْ.
١٩ - بَاب ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾
٦٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السِّنِّ بِالسِّنِّ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى قَلْعِ السِّنِّ بِالسِّنِّ فِي الْعَمْدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ عِظَامِ الْجَسَدِ فَقَالَ مَالِكٌ: فِيهَا الْقَوَدُ إِلَّا مَا كَانَ مُجَوَّفًا أَوْ كَانَ كَالْمَأْمُومَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْهَاشِمَةِ فَفِيهَا الدِّيَةُ وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا بِغَيْرِ إِنْكَارٍ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: السِّنُّ بِالسِّنِّ عَلَى إِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْعَظْمِ؛ لِأَنَّ السِّنَّ عَظْمٌ إِلَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا قِصَاصَ فِيهِ إِمَّا لِخَوْفِ ذَهَابِ النَّفْسِ وَإِمَّا لِعَدَمِ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ غَيْرِ السِّنِّ لِأَنَّ دُونَ الْعَظْمِ حَائِلًا مِنْ جِلْدٍ وَلَحْمٍ وَعَصَبٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُمَاثَلَةُ، فَلَوْ أَمْكَنَتْ لَحَكَمْنَا بِالْقِصَاصِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْعَظْمِ حَتَّى يَنَالَ مَا دُونَهُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمِ الرَّأْسِ فَلْيَلْتَحِقْ بِهَا سَائِرُ الْعِظَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهَا كَسَرَتِ الثَّنِيَّةَ فَأُمِرَتْ بِالْقِصَاصِ مَعَ أَنَّ الْكَسْرَ لَا تَطَّرِدُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ) تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ عَمَّتُهُ، وَفِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ عَمَّةُ أَنَسٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ.
قَوْلُهُ: (لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ امْرَأَةً بَدَلَ جَارِيَةٍ، وَهُوَ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ لَا الْأَمَةَ الرَّقِيقَةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ زَادَ فِي الصُّلْحِ: وَمِثْلُهُ لِابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ: فَطَلَبُوا إِلَيْهِمُ الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْأَرْشَ فَأَبَوْا، أَيْ: طَالَبَ أَهْلُ الرُّبَيِّعِ إِلَى أَهْلِ الَّتِي كُسِرَتْ ثَنِيَّتُهَا أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْكَسْرِ الْمَذْكُورِ مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَالٍ فَامْتَنَعُوا، زَادَ فِي الصُّلْحِ: فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاصَ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ) زَادَ فِي الصُّلْحِ: فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ إِلَى آخِرِ مَا حَكَيْتُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَقَبِلُوا الْأَرْشَ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ فَرَضَوْا بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَرَضِيَ أَهْلُ الْمَرْأَةِ بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ فَعَفَوْا فَعُرِفَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَعَفَوْا أَيْ عَلَى الدِّيَةِ، زَادَ مُعْتَمِرٌ فَعَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَيْ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ كَمْ مِنْ رَجُلٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ وَوَجْهُ تَعَجُّبِهِ أَنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ أَقْسَمَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ مَعَ إِصْرَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ عَلَى إِيقَاعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَكَانَ قَضِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ، فَأَلْهَمَ اللَّهُ الْغَيْرَ الْعَفْوَ فَبَرَّ قَسَمُ أَنَسٍ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاتِّفَاقَ إِنَّمَا وَقَعَ إِكْرَامًا مِنَ اللَّهِ لِأَنَسٍ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ وَيُعْطِيهِمْ أَرَبَهُمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ قَوْلِهِ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا مَرْفُوعَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا وُضِعَ فِيهِ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ الْفِعْلِ أَيْ كَتَبَ اللَّهُ الْقِصَاصَ، أَوْ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالْقِصَاصُ بَدَلٌ مِنْهُ فَيُنْصَبُ، أَوْ يُنْصَبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى فَقِيلَ: الْمُرَادُ حُكْمُ كِتَابِ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْحُكْمُ أَيْ حُكْمُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اسْتُحِقَّ فِي إِتْلَافِ ذَلِكَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَا فَعَلَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا مَا جَنَاهُ عَلَى الْآخَرِ، كَمَنْ قَلَعَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَطَعَ الْآخَرُ يَدَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ أَسْنَانَهُ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ فَسَقَطَتْ عَقِبَ النَّزْعِ، وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدْفَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ لَهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ فِي الْإِجَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ يَعْلَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَى فِيهِ بِمِثْلِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْيِيدِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، وَكَذَا إِلْحَاقُ عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْفَمِ بِهِ فَإِنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لَوْ بَلَغَ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ لَمَا خَالَفَهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَمْ يَقَعْ هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ.
قُلْتُ: وَهُوَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَأَمَّا طَرِيقُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَرَوَاهَا أَهْلُ الْحِجَازِ وَحَمَلَهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَاعْتَذَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ، قَالَ وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَكَأَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْقُرْطُبِيِّ.
(تَنْبِيهٌ):
لَمْ يَتَكَلَّمِ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عِمْرَانَ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا إِجْرَاءُ الْقِصَاصِ فِي الْعَضَّةِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْعَضَّ هُنَا إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْقِصَاصِ فِي قَلْعِ السِّنِّ، لَكِنَّ الْجَوَابَ السَّدِيدَ فِي هَذَا أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ لَا تَقْرِيرَ شَرْعٍ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفَوَائِدِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْظِمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِأَنَّهُ أَدَّى إِلَى سُقُوطِ ثَنِيَّةِ الْغَضْبَانِ، لِأَنَّ يَعْلَى غَضِبَ مِنْ أَجِيرِهِ فَضَرَبَهُ فَدَفَعَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسِهِ فَعَضَّهُ يَعْلَى فَنَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّةُ الْعَاضِّ، وَلَوْلَا الِاسْتِرْسَالُ مَعَ الْغَضَبِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ.
وَفِيهِ اسْتِئْجَارُ الْحُرِّ لِلْخِدْمَةِ وَكِفَايَةُ مُؤْنَةِ الْعَمَلِ فِي الْغَزْوِ لَا لِيُقَاتِلَ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجِهَادِ.
وَفِيهِ رَفْعُ الْجِنَايَةِ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ، وَأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَقْتَصُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ بِالْجِنَايَةِ يَسْقُطُ مَا ثَبَتَ لَهُ قَبْلَهَا مِنْ جِنَايَةٍ إِذَا تَرَتَّبَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى.
وَفِيهِ جَوَازُ تَشْبِيهِ فِعْلِ الْآدَمِيِّ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ إِذَا وَقَعَ فِي مَقَامِ التَّنْفِيرِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ حَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَنْ صَحَّفَ قَوْلَهُ: كَمَا يَقْضَمُ الْفُجْلُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْبَقْلِ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ.
وَفِيهِ دَفْعُ الصَّائِلِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ مِنْهُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ هَدَرًا، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ.
وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ يَأْنَفُهُ أَوْ يَحْتَشِمُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ إِذَا حَكَاهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ: فَعَلَ رَجُلٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذَا، وَكَذَا كَمَا وَقَعَ لِيَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَكَمَا وَقَعَ لِعَائِشَةَ حَيْثُ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ: هَلْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَتَبَسَّمَتْ.
١٩ - بَاب ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾
٦٨٩٤ - حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ، فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ السِّنِّ بِالسِّنِّ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى قَلْعِ السِّنِّ بِالسِّنِّ فِي الْعَمْدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ عِظَامِ الْجَسَدِ فَقَالَ مَالِكٌ: فِيهَا الْقَوَدُ إِلَّا مَا كَانَ مُجَوَّفًا أَوْ كَانَ كَالْمَأْمُومَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْهَاشِمَةِ فَفِيهَا الدِّيَةُ وَاحْتَجَّ بِالْآيَةِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا بِغَيْرِ إِنْكَارٍ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: السِّنُّ بِالسِّنِّ عَلَى إِجْرَاءِ الْقِصَاصِ فِي الْعَظْمِ؛ لِأَنَّ السِّنَّ عَظْمٌ إِلَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا قِصَاصَ فِيهِ إِمَّا لِخَوْفِ ذَهَابِ النَّفْسِ وَإِمَّا لِعَدَمِ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ وَالْحَنَفِيَّةُ: لَا قِصَاصَ فِي الْعَظْمِ غَيْرِ السِّنِّ لِأَنَّ دُونَ الْعَظْمِ حَائِلًا مِنْ جِلْدٍ وَلَحْمٍ وَعَصَبٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُمَاثَلَةُ، فَلَوْ أَمْكَنَتْ لَحَكَمْنَا بِالْقِصَاصِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْعَظْمِ حَتَّى يَنَالَ مَا دُونَهُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمِ الرَّأْسِ فَلْيَلْتَحِقْ بِهَا سَائِرُ الْعِظَامِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهَا كَسَرَتِ الثَّنِيَّةَ فَأُمِرَتْ بِالْقِصَاصِ مَعَ أَنَّ الْكَسْرَ لَا تَطَّرِدُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَةَ النَّضْرِ) تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِهَذَا السَّنَدِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ عَمَّتُهُ، وَفِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ عَمَّةُ أَنَسٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ.
قَوْلُهُ: (لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ ثَنِيَّتَهَا) وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ امْرَأَةً بَدَلَ جَارِيَةٍ، وَهُوَ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَارِيَةِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ لَا الْأَمَةَ الرَّقِيقَةَ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ زَادَ فِي الصُّلْحِ: وَمِثْلُهُ لِابْنِ مَاجَهْ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ: فَطَلَبُوا إِلَيْهِمُ الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْأَرْشَ فَأَبَوْا، أَيْ: طَالَبَ أَهْلُ الرُّبَيِّعِ إِلَى أَهْلِ الَّتِي كُسِرَتْ ثَنِيَّتُهَا أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْكَسْرِ الْمَذْكُورِ مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَالٍ فَامْتَنَعُوا، زَادَ فِي الصُّلْحِ: فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاصَ، وَفِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ) زَادَ فِي الصُّلْحِ: فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ إِلَى آخِرِ مَا حَكَيْتُهُ قَرِيبًا فِي بَابِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَقَبِلُوا الْأَرْشَ وَفِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرٍ فَرَضَوْا بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَرَضِيَ أَهْلُ الْمَرْأَةِ بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ فَعَفَوْا فَعُرِفَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَعَفَوْا أَيْ عَلَى الدِّيَةِ، زَادَ مُعْتَمِرٌ فَعَجِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَيْ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الطَّحَّانِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ كَمْ مِنْ رَجُلٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ وَوَجْهُ تَعَجُّبِهِ أَنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ أَقْسَمَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ مَعَ إِصْرَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ عَلَى إِيقَاعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَكَانَ قَضِيَّةُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ، فَأَلْهَمَ اللَّهُ الْغَيْرَ الْعَفْوَ فَبَرَّ قَسَمُ أَنَسٍ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى أَنَّ هَذَا الِاتِّفَاقَ إِنَّمَا وَقَعَ إِكْرَامًا مِنَ اللَّهِ لِأَنَسٍ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ وَيُعْطِيهِمْ أَرَبَهُمْ.
وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ قَوْلِهِ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا مَرْفُوعَانِ عَلَى أَنَّهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَقِيلَ مَنْصُوبَانِ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا وُضِعَ فِيهِ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ الْفِعْلِ أَيْ كَتَبَ اللَّهُ الْقِصَاصَ، أَوْ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالْقِصَاصُ بَدَلٌ مِنْهُ فَيُنْصَبُ، أَوْ يُنْصَبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَعْنَى فَقِيلَ: الْمُرَادُ حُكْمُ كِتَابِ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْحُكْمُ أَيْ حُكْمُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ