الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١١٥
الحديث رقم ٧١١٥ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ
٧١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْوُقُوعِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ) زَادَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، بِمُهْمَلَةٍ، ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: بَيَّاعُ السَّابِرِيِّ، بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَلَكِنَّهُ قَدِيمُ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ آدَمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ نَحْوَ النَّاسِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يَعْمَلُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا كَانُوا شَرًّا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَاضِينَ كَانُوا يُسِرُّونَ قَوْلَهُمْ فَلَا يَتَعَدَّى شَرُّهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَصَارُوا يَجْهَرُونَ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ. وَيُوقِعُونَ الشَّرَّ بَيْنَ الْفِرَقِ، فَيَتَعَدَّى ضَرَرُهُمْ لِغَيْرِهِمْ. قَالَ: وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَهْرَهُمْ بِالنِّفَاقِ وَشَهْرَ السِّلَاحِ عَلَى النَّاسِ هُوَ الْقَوْلُ بِخِلَافِ مَا بَذَلُوهُ مِنَ الطَّاعَةِ، حِينَ بَايَعُوا أَوَّلًا مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ آخِرًا. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يُظْهِرْ أُولَئِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ النَّفْثُ يُلْقُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ، فَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ. كَذَا قَالَ، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: النِّفَاقُ الْيَوْمَ شَرٌّ أَمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: أَوَّهْ، هُوَ الْيَوْمَ ظَاهِرٌ؛ إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَخْفُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَاسْمُهُ سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُذَيْفَةَ) لَمْ أَرَ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ حُذَيْفَةَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ أَرَهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا، وَكَأَنَّهُ تَسَمَّحَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ، أَوْ ثَبْتَ عِنْدَهُ لُقِيُّهُ حُذَيْفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ) أَيْ: مَوْجُودًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ مِسْعَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ، وَكَذَا حَكَى الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مِسْعَرٍ: فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ: وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مِسْعَرٍ: فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَبِيبٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ: مِمَّ ضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قُلْتُ: لَعَلَّهُ عَرَفَ مُرَادَهُ فَتَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ حِفْظِهِ أَوْ فَهْمِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَلَى فِطْرَتِهِ فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حُذَيْفَةَ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ اتِّفَاقِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ إِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِخْفَاءُ الْكُفْرِ، وَوُجُودُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ، وَيَقْبَلُ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُمُ احْتِمَالُ خِلَافِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَمَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَا يُتْرَكُ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: غَرَضُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ جَاهِلِيَّةٌ، وَلَا جَاهِلِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ تَفْرِيقٌ لِلْجَمَاعَةِ، فَهُوَ بِخِلَافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا تَفَرَّقُوا.
وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْتُورٍ، فَهُوَ كَالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ.
٢٢ - بَاب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ
٧١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: غَبَطَهُ بِالْفَتْحِ يَغْبِطُهُ بِالْكَسْرِ غَبْطًا وَغِبْطَةً بِالسُّكُونِ، وَالْغِبْطَةُ تَمَنِّي مِثْلَ حَالِ الْمَغْبُوطِ مَعَ بَقَاءِ حَالِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أُوَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) وَافَقَ مَالِكًا، شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ.
قَوْلُهُ: حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، أَيْ: كُنْتُ مَيِّتًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَغَبُّطُ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَتَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، إِنَّمَا هُوَ خَوْفُ ذَهَابِ الدِّينِ بِغَلَبَةِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرِ … انْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا عَامًّا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ، فَقَدْ يَكُونُ لِمَا يَقَعُ لِأَحَدِهِمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ دُنْيَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ.
وَذَكَرَ الرَّجُلَ فِيهِ لِلْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْمَرْأَةُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ: يَقَعُ الْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ أَهْوَنَ عَلَى الْمَرْءِ، فَيَتَمَنَّى أَهْوَنَ الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَهُ عِيَاضٌ احْتِمَالًا، وَأَغْرَبَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالدِّينِ هُنَا الْعِبَادَةُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَمَرَّغُ عَلَى الْقَبْرِ، وَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ فِي حَالَةٍ لَيْسَ الْمُتَمَرِّغُ فِيهَا مِنْ عَادَتِهِ، وَإِنَّمَا الْحَامِلُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ حَمْلَ الدِّينِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى، أَيْ: لَيْسَ التَّمَنِّي وَالتَّمَرُّغُ لِأَمْرٍ أَصَابَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْح دِيثَ مُعَارِضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ فِي الدِّينِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ خَوْفِ ذَهَابِهِ لَا لِضَرَرٍ يَنْزِلُ فِي الْجِسْمِ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ هُوَ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِضَرَرِ الْجِسْمِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِضَرَرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ احْتِمَالًا أَيْضًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُعَارَضَةٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ صَرِيحٌ، وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ إِخْبَارٌ عَنْ شِدَّةٍ سَتَحْصُلُ يَنْشَأُ عَنْهَا هَذَا التَّمَنِّي، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِهِ، وَإِنَّمَا سِيقَ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا سَيَقَعُ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَخْذُ الْحُكْمِ مِنَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِنَّمَا هُوَ الْبَلَاءُ، فَإِنَّهُ سِيقَ مَسَاقَ الذَّمِّ وَالْإِنْكَارِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الدِّينِ لَكَانَ مَحْمُودًا، وَيُؤَيِّدُهُ ثُبُوتُ تَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ فَسَادِ أَمْرِ الدِّينِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، بَلْ فَعَلَهُ خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعِيسَى الْغِفَارِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْفِتَنَ وَالْمَشَقَّةَ الْبَالِغَةَ سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفَّ أَمْرُ الدِّينِ وَيَقِلَّ الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِهِ، وَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ اعْتِنَاءٌ إِلَّا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاشِهِ نَفْسِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْرُ الْعِبَادَةِ أَيَّامَ الْفِتْنَةِ، كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَفَعَهُ: الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ أَنَّ التَّمَنِّيَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْقَبْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ هَذَا التَّمَنِّي؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَمَنَّى الْمَوْتَ بِسَبَبِ الشِّدَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَهُ قَدْ يَذْهَبُ ذَلِكَ التَّمَنِّي أَوْ يَخِفُّ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْقَبْرِ وَالْمَقْبُورِ، فَيَتَذَكَّرُ هَوْلَ الْمَقَامِ فَيَضْعُفُ تَمَنِّيهِ، فَإِذَا تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ تِلْكَ الشِّدَّةِ عِنْدَهُ؛ حَيْثُ لَمْ يَصْرِفْهُ مَا شَاهَدَهُ مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ وَتَذَكُّرِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ عَنِ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذْكَر فيه: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الغين المعجمة وفتح الموحَّدة والطَّاء مهملةً؛ والغِبْطة: تمنِّي حال المغبوط مع بقائها له.
٧١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس بن مالكٍ الأصبحيُّ، أبو عبد الله المدنيُّ، إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ الكوفيِّ (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) أي (٢): كنت ميِّتًا، وذلك عند ظهور الفتن وخوف ذهاب الدِّين؛ لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي، أو لما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيءٌ يتعلَّق بدينه، وعند مسلمٍ من طريق أبي حازمٍ عن أبي هريرة: «لا تذهب الدُّنيا حتَّى يمرَّ الرَّجل على القبر، فيتمرَّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت (٣) مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلَّا البلاء … » الحديث، وعن ابن مسعودٍ قال: سيأتي عليكم زمانٌ لو وجد أحدُكم الموتَ يباع لاشتراه، وعليه قول الشاعر:
وهذا العيشُ ما لا خيرَ فيه … ألَّا موتٌ يباعُ فأشتريهِ
وسبب ذلك أنَّه يقع البلاء والشِّدَّة حتَّى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء؛ فيتمنَّى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر «الرَّجل» في الحديث للغالب، وإلَّا فالمرأة يمكن (٤) أن تتمنَّى الموت لذلك أيضًا، نسأل الله العافية، والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْوُقُوعِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ) زَادَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، بِمُهْمَلَةٍ، ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ، يُقَالُ لَهُ: بَيَّاعُ السَّابِرِيِّ، بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَلَكِنَّهُ قَدِيمُ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ) فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ آدَمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ نَحْوَ النَّاسِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يَعْمَلُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا كَانُوا شَرًّا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَاضِينَ كَانُوا يُسِرُّونَ قَوْلَهُمْ فَلَا يَتَعَدَّى شَرُّهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَصَارُوا يَجْهَرُونَ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ. وَيُوقِعُونَ الشَّرَّ بَيْنَ الْفِرَقِ، فَيَتَعَدَّى ضَرَرُهُمْ لِغَيْرِهِمْ. قَالَ: وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَهْرَهُمْ بِالنِّفَاقِ وَشَهْرَ السِّلَاحِ عَلَى النَّاسِ هُوَ الْقَوْلُ بِخِلَافِ مَا بَذَلُوهُ مِنَ الطَّاعَةِ، حِينَ بَايَعُوا أَوَّلًا مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ آخِرًا. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَرَادَ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يُظْهِرْ أُولَئِكَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ النَّفْثُ يُلْقُونَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ، فَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ. كَذَا قَالَ، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: النِّفَاقُ الْيَوْمَ شَرٌّ أَمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: أَوَّهْ، هُوَ الْيَوْمَ ظَاهِرٌ؛ إِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَخْفُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ، وَاسْمُهُ سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ الْمُحَارِبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حُذَيْفَةَ) لَمْ أَرَ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ حُذَيْفَةَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ أَرَهُ إِلَّا مُعَنْعَنًا، وَكَأَنَّهُ تَسَمَّحَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ، أَوْ ثَبْتَ عِنْدَهُ لُقِيُّهُ حُذَيْفَةَ فِي غَيْرِ هَذَا.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ) أَيْ: مَوْجُودًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ مِسْعَرٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ، وَكَذَا حَكَى الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مِسْعَرٍ: فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، قَالَ: وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مِسْعَرٍ: فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حَبِيبٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي الشَّعْثَاءِ: مِمَّ ضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قُلْتُ: لَعَلَّهُ عَرَفَ مُرَادَهُ فَتَبَسَّمَ تَعَجُّبًا مِنْ حِفْظِهِ أَوْ فَهْمِهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَانَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَلَى فِطْرَتِهِ فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَحْكَامُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حُذَيْفَةَ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ اتِّفَاقِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ إِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِخْفَاءُ الْكُفْرِ، وَوُجُودُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ، وَيَقْبَلُ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ ظَهَرَ مِنْهُمُ احْتِمَالُ خِلَافِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَمَنْ أَظْهَرَ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلَا يُتْرَكُ لِمَصْلَحَةِ التَّأَلُّفِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: غَرَضُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ جَاهِلِيَّةٌ، وَلَا جَاهِلِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ تَفْرِيقٌ لِلْجَمَاعَةِ، فَهُوَ بِخِلَافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا تَفَرَّقُوا.
وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْتُورٍ، فَهُوَ كَالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ.
٢٢ - بَاب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ
٧١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ الْقُبُورِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: غَبَطَهُ بِالْفَتْحِ يَغْبِطُهُ بِالْكَسْرِ غَبْطًا وَغِبْطَةً بِالسُّكُونِ، وَالْغِبْطَةُ تَمَنِّي مِثْلَ حَالِ الْمَغْبُوطِ مَعَ بَقَاءِ حَالِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أُوَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) وَافَقَ مَالِكًا، شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ.
قَوْلُهُ: حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، أَيْ: كُنْتُ مَيِّتًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَغَبُّطُ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَتَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، إِنَّمَا هُوَ خَوْفُ ذَهَابِ الدِّينِ بِغَلَبَةِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرِ … انْتَهَى. وَلَيْسَ هَذَا عَامًّا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ، فَقَدْ يَكُونُ لِمَا يَقَعُ لِأَحَدِهِمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ دُنْيَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِدِينِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ، وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ.
وَذَكَرَ الرَّجُلَ فِيهِ لِلْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْمَرْأَةُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا ذَلِكَ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ: يَقَعُ الْبَلَاءُ وَالشِّدَّةُ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ أَهْوَنَ عَلَى الْمَرْءِ، فَيَتَمَنَّى أَهْوَنَ الْمُصِيبَتَيْنِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَذَكَرَهُ عِيَاضٌ احْتِمَالًا، وَأَغْرَبَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِالدِّينِ هُنَا الْعِبَادَةُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَمَرَّغُ عَلَى الْقَبْرِ، وَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ فِي حَالَةٍ لَيْسَ الْمُتَمَرِّغُ فِيهَا مِنْ عَادَتِهِ، وَإِنَّمَا الْحَامِلُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ حَمْلَ الدِّينِ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى، أَيْ: لَيْسَ التَّمَنِّي وَالتَّمَرُّغُ لِأَمْرٍ أَصَابَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْح دِيثَ مُعَارِضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ فِي الدِّينِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ خَوْفِ ذَهَابِهِ لَا لِضَرَرٍ يَنْزِلُ فِي الْجِسْمِ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ هُوَ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِضَرَرِ الْجِسْمِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِضَرَرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلَا. وَقَدْ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ احْتِمَالًا أَيْضًا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُعَارَضَةٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ صَرِيحٌ، وَهَذَا إِنَّمَا فِيهِ إِخْبَارٌ عَنْ شِدَّةٍ سَتَحْصُلُ يَنْشَأُ عَنْهَا هَذَا التَّمَنِّي، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِهِ، وَإِنَّمَا سِيقَ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا سَيَقَعُ.
قُلْتُ: وَيُمْكِنُ أَخْذُ الْحُكْمِ مِنَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِنَّمَا هُوَ الْبَلَاءُ، فَإِنَّهُ سِيقَ مَسَاقَ الذَّمِّ وَالْإِنْكَارِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الدِّينِ لَكَانَ مَحْمُودًا، وَيُؤَيِّدُهُ ثُبُوتُ تَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ فَسَادِ أَمْرِ الدِّينِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، بَلْ فَعَلَهُ خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعِيسَى الْغِفَارِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُمْ. ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْفِتَنَ وَالْمَشَقَّةَ الْبَالِغَةَ سَتَقَعُ حَتَّى يَخِفَّ أَمْرُ الدِّينِ وَيَقِلَّ الِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِهِ، وَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ اعْتِنَاءٌ إِلَّا بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَمَعَاشِهِ نَفْسِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ عَظُمَ قَدْرُ الْعِبَادَةِ أَيَّامَ الْفِتْنَةِ، كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَفَعَهُ: الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ أَنَّ التَّمَنِّيَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْقَبْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ هَذَا التَّمَنِّي؛ لِأَنَّ الَّذِي يَتَمَنَّى الْمَوْتَ بِسَبَبِ الشِّدَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَهُ قَدْ يَذْهَبُ ذَلِكَ التَّمَنِّي أَوْ يَخِفُّ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْقَبْرِ وَالْمَقْبُورِ، فَيَتَذَكَّرُ هَوْلَ الْمَقَامِ فَيَضْعُفُ تَمَنِّيهِ، فَإِذَا تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ تِلْكَ الشِّدَّةِ عِنْدَهُ؛ حَيْثُ لَمْ يَصْرِفْهُ مَا شَاهَدَهُ مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ وَتَذَكُّرِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ عَنِ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٢٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يُذْكَر فيه: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الغين المعجمة وفتح الموحَّدة والطَّاء مهملةً؛ والغِبْطة: تمنِّي حال المغبوط مع بقائها له.
٧١١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو ابن أنس بن مالكٍ الأصبحيُّ، أبو عبد الله المدنيُّ، إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ الكوفيِّ (١) (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ) أي (٢): كنت ميِّتًا، وذلك عند ظهور الفتن وخوف ذهاب الدِّين؛ لغلبة الباطل وأهله وظهور المعاصي، أو لما يقع لبعضهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه وإن لم يكن في ذلك شيءٌ يتعلَّق بدينه، وعند مسلمٍ من طريق أبي حازمٍ عن أبي هريرة: «لا تذهب الدُّنيا حتَّى يمرَّ الرَّجل على القبر، فيتمرَّغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت (٣) مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدِّين إلَّا البلاء … » الحديث، وعن ابن مسعودٍ قال: سيأتي عليكم زمانٌ لو وجد أحدُكم الموتَ يباع لاشتراه، وعليه قول الشاعر:
وهذا العيشُ ما لا خيرَ فيه … ألَّا موتٌ يباعُ فأشتريهِ
وسبب ذلك أنَّه يقع البلاء والشِّدَّة حتَّى يكون الموت الذي هو أعظم المصائب أهون على المرء؛ فيتمنَّى أهون المصيبتين في اعتقاده، وذكر «الرَّجل» في الحديث للغالب، وإلَّا فالمرأة يمكن (٤) أن تتمنَّى الموت لذلك أيضًا، نسأل الله العافية، والحديث أخرجه مسلمٌ في «الفتن».