«خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٣

الحديث رقم ٧٠٨٣ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو…

«خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ».

٧٠٨٣ (م) - قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ : فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: الْحَسَنُ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، وَهِشَامٌ، وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ. وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ

سند حديث: ٧٠٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ…

٧٠٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو…

يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا التقى المسلمان بسيفيهما، قاصدًا كلٌّ منهما إتلافَ صاحبِه؛ فالقاتل في النار بسبب مباشرته قتلَ صاحبه،
واستشكل الصحابةُ المقتولَ: كيف يكون في النار؟ فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه أيضًا في النار لحرصِه على قتلِ صاحبه، ولم يَمنعه من القتلِ إلا مبادرةُ القاتل وسبقِه له.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحقاق العقاب على مَن عَزَمَ على المعصية بقلبه وباشَرَ أسبابَها.
  • التحذير الشديد من اقتتال المسلمين والوعيد عليه بالنار.
  • القتال بين المسلمين بحق لا يَدخل في الوعيد، مثل قتال البُغَاة والمُفسدين.
  • مُرتكب الكبيرة لا يَكْفُرُ بمجرَّد فعلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّى المُتقاتلَينِ مُسلِمَينِ.
  • إذا التقى المسلمان بأيِّ وسيلة يكون بها القتل، فقَتَلَ أحدُهما الآخرَ فالقاتل والمقتول في النار، وذِكْرُ السيفِ في الحديث على سبيل التمثيل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّضَ لَهَا وَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا، وَضُبِطَ أَيْضًا مِنَ الشَّرَفِ وَمِنَ الْإِشْرَافِ.

قَوْلُهُ: (تَسْتَشْرِفُهُ)؛ أَيْ تُهْلِكُهُ بِأَنْ يُشْرِفَ مِنْهَا عَلَى الْهَلَاكِ، يُقَالُ: اسْتَشْرَفْتُ الشَّيْءَ عَلَوْتُهُ وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ، يُرِيدُ: مَنِ انْتَصَبَ لَهَا انْتَصَبَتْ لَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا أَعْرَضَتْ عَنْهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ طَلَعَ فِيهَا بِشَخْصِهِ قَابَلَتْهُ بِشَرِّهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: مَنْ خَاطَرَ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَهْلَكَتْهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ غَالَبَهَا غَلَبَتْهُ.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (مَلْجَأً)؛ أَيْ: يَلْتَجِئُ إِلَيْهِ مِنْ شَرِّهَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَاذًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ بِمَعْنَى الْمَلْجَأِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَرُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ؛ يَعْنِي: مُعَاذًا.

قَوْلُهُ: (فَلْيَعُذْ بِهِ)؛ أَيْ: لِيَعْتَزِلْ فِيهِ لِيَسْلَمَ مِنْ شَرِّ الْفِتْنَةِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: فَلْيَسْتَعِذْ. وَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَلَفْظُهُ: فَإِذَا نَزَلَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ - وَذَكَرَ الْغَنَمَ وَالْأَرْضَ - قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ؟ قَالَ: يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقَّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ. وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْحَثُّ عَلَى اجْتِنَابِ الدُّخُولِ فِيهَا وَأَنَّ شَرَّهَا يَكُونُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَنْشَأُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَهُمْ مَنْ قَعَدَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا كَسَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ فِي آخَرِينَ، وَتَمَسَّكُوا بِالظَّوَاهِرِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِلُزُومِ الْبُيُوتِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْ بَلَدِ الْفِتَنِ أَصْلًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَكُفُّ يَدَهُ وَلَوْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَالِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ إِنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَنَصَبَتِ الْحَرْبَ وَجَبَ قِتَالُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَارَبَتْ طَائِفَتَانِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ الْأَخْذُ عَلَى يَدِ الْمُخْطِئِ وَنَصْرُ الْمُصِيبَ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا: كُلُّ قِتَالٍ وَقَعَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا إِمَامَ لِلْجَمَاعَةِ فَالْقِتَالُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ، وَتَنْزِلُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفِتْنَةَ أَصْلُهَا الِابْتِلَاءُ، وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقَّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُخْطِئَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي حَقِّ نَاسٍ مَخْصُوصِينَ، وَأَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَخْصُوصَةٌ بِآخِرِ الزَّمَانِ حَيْثُ يَحْصُلُ التَّحَقُّقُ أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَيَّامَ الْهَرْجِ. قُلْتُ: وَمَتَى؟ قَالَ: حِينَ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ.

١٠ - بَاب إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا

٧٠٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا

أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الْحَسَنُ، عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفِيهِمَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) وَهُوَ الْحَجَبِيُّ؛ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ.

قَوْلُهُ: (حَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَقَدْ نَسَبَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَ سَيِّئَ الضَّبْطِ، هَكَذَا جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ الْمُبْهَمُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ كَمُغَلْطَايْ أَنْ يَكُونَ هُوَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَفِيهِ بُعْدٌ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَسَنِ) هُوَ الْبَصْرِيُّ (قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَسَقَطَ الْأَحْنَفُ بَيْنَ الْحَسَنِ، وَأَبِي بَكْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ الْحَرْبُ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا. وَقَوْلُهُ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْأَحْنَفِ قَالَ: الْتَحَفْتُ عَلَيَّ بِسَيْفِي لِآتِيَ عَلِيًّا فَأَنْصُرَهُ. وَقَوْلُهُ: فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا: فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ تُرِيدُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: يَا أَحْنَفُ.

قَوْلُهُ: (نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أُرِيدَ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ؛ يَعْنِي عَلِيًّا قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي النَّارِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ) الْقَائِلُ هُوَ أَبُو بَكْرَةَ وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ شَكَّ فَقَالَ: فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟. وَقَوْلُهُ: هَذَا الْقَاتِلُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: هَذَا الْقَاتِلُ يَسْتَحِقُّ النَّارَ، وَقَوْلُهُ: فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؛ أَيْ: فَمَا ذَنْبُهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ)؛ يَعْنِي أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ أَخْطَأَ فِي حَذْفِ الْأَحْنَفِ بَيْنَ الْحَسَنِ، وَأَبِي بَكْرَةَ، لَكِنْ وَافَقَهُ قَتَادَةُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ دُونَ الْقِصَّةِ، فَكَأَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يُرْسِلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فَإِذَا ذَكَرَ الْقِصَّةَ أَسْنَدَهُ، وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَتَعَقَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ قَوْلَ الْبَزَّارِ لَا يُعْرَفُ الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ لَعَلَّ الْبَزَّارَ يَرَى أَنَّ رِوَايَةَ التَّيْمِيِّ شَاذَّةٌ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ الْحَسَنِ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ عَنْهُ عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا) سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ حَرْبٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مُوَافَقَةِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَالْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ؛

ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَسَاقَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُؤَمَّلٌ) بِوَاوٍ مَهْمُوزَةٍ وَزْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ إِلَّا تَعْلِيقًا، وَهُوَ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ؛ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِّيُّ. وَقَدْ وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، ويُونُسَ - هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ -، وَهِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، وَالْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُؤَمَّلٍ، عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْأَرْبَعَةِ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ) قُلْتُ: وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، فَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَلَا أَبُو دَاوُدَ، وَسَاقَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، وَفِي هَذَا السَّنَدِ لَطِيفَةٌ وَهُوَ أَنَّ رِجَالَهُ كُلَّهُمْ بَصْرِيُّونَ، وَفِيهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ أَوَّلُهُمْ أَيُّوبُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي سَنَدِهِ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَيُّوبَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَعْمَرٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةِ) قُلْتُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَقَدْ وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فَقَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ بَكَّارٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - قَالَ: حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِنَّ فِتْنَةً كَائِنَةٌ؛ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، إِنَّ الْمَقْتُولَ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ الْقَاتِلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غُنْدَرٌ:، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ (عَنْ رِبْعِيٍّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ، وَاسْمُ أَبِيهِ حِرَاشٌ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - وَهُوَ غُنْدَرٌ - بِهَذَا السَّنَدِ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ السِّلَاحَ فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَهُ وَقَعَا فِيهَا جَمِيعًا، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ)؛ يَعْنِي الثَّوْرِيَّ (عَنْ مَنْصُورٍ)؛ يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: إِذَا حَمَلَ الرَّجُلَانِ الْمُسْلِمَانِ السِّلَاحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَهُمَا فِي النَّارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَائِلَ الصَّحِيحِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى كَوْنِهِمَا فِي النَّارِ أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمَا ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا مِنَ النَّارِ كَسَائِرِ الْمُوَحِّدِينَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمَا فَلَمْ يُعَاقِبْهُمَا أَصْلًا. وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْخَوَارِجِ، وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَعَاصِي مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَهُمَا فِي النَّارِ اسْتِمْرَارُ بَقَائِهِمَا فِيهَا. وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ وَهُمْ كُلُّ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ عَلِيٍّ فِي حُرُوبِهِ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالُوا: يَجِبُ الْكَفُّ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ قَتْلَهُ لَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ قَتْلَهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ.

وَذَهَبَ

جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى وُجُوبِ نَصْرِ الْحَقِّ وَقِتَالِ الْبَاغِينَ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ ضَعُفَ عَنِ الْقِتَالِ أَوْ قَصُرَ نَظَرُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ مَنْعِ الطَّعْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقَّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيبَ يُؤْجَرُ أَجْرَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ قَاتَلَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْمُلْكِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَنْعُ أَبِي بَكْرَةَ، الْأَحْنَفَ مِنَ الْقِتَالِ مَعَ عَلِيٍّ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ أَدَّاهُ إِلَى الِامْتِنَاعِ وَالْمَنْعِ احْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ نَصَحَهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاِبِ الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ اخْتِلَافٍ يَقَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبُ مِنْهُ بِلُزُومِ الْمَنَازِلِ وَكَسْرِ السُّيُوفِ لَمَا أُقِيمَ حَدٌّ وَلَا أُبْطِلَ بَاطِلٌ، وَلَوَجَدَ أَهْلُ الْفُسُوقِ سَبِيلًا إِلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَبْيِ الْحَرِيمِ بِأَنْ يُحَارِبُوهُمْ وَيَكُفَّ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ عَنْهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا هَذِهِ فِتْنَةٌ وَقَدْ نُهِينَا عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ بِالْأَخْذِ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ، انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي حَدِيثِ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ زِيَادَةً تُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَهِيَ: إِذَا اقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ. فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَبَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْقِتَالَ إِذَا كَانَ عَلَى جَهْلٍ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا أَوِ اتِّبَاعِ هَوًى فَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قُلْتُ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ أَقَلَّ عَدَدًا مِنَ الَّذِينَ قَاتَلُوا، وَكُلُّهُمْ مُتَأَوِّلٌ مَأْجُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِخِلَافِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ قَاتَلَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْفِعْلُ، وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا فِعْلًا وَهُوَ الْمُوَاجَهَةُ بِالسِّلَاحِ وَوُقُوعُ الْقِتَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي النَّارِ أَنْ يَكُونَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْقَاتِلُ يُعَذَّبُ عَلَى الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ، وَالْمَقْتُولُ يُعَذَّبُ عَلَى الْقِتَالِ فَقَطْ؛ فَلَمْ يَقَعِ التَّعْذِيبُ عَلَى الْعَزْمِ الْمُجَرَّدِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ اخْتِيَارُ بَابِ الِافْتِعَالِ فِي الشَّرِّ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْمُعَالَجَةِ، بِخِلَافِ الْخَيْرِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أَوْ يَعْمَلُوا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثٌ: الْهَمُّ الْمُجَرَّدُ وَهُوَ يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَاقْتِرَانُ الْفِعْلِ بِالْهَمِّ أَوْ بِالْعَزْمِ وَلَا نِزَاعَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، وَالْعَزْمُ وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْهَمِّ وَفِيهِ النِّزَاعُ.

(تَنْبِيهٌ): وَرَدَ فِي اعْتِزَالِ الْأَحْنَفِ الْقِتَالَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَبَبٌ آخَرُ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ اعْتِزَالَ الْأَحْنَفِ مَا كَانَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَحْنَفَ قَالَ: حَجَجْنَا فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ - يَعْنِي النَّبَوِيَّ - وَفِيهِمْ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدٌ إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ فَذَكَرَ قِصَّةَ مُنَاشَدَتِهِ لَهُمْ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِهِ، قَالَ الْأَحْنَفُ: فَلَقِيتُ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَرَى هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي عُثْمَانَ - إِلَّا مَقْتُولًا، فَمَنْ تَأْمُرَانِي بِهِ؟ قَالَا: عَلِيٌّ. فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَلَقِيتُ عَائِشَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إن قَتل أو قُتِل، والله أعلم (١).

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) فالقاتل والمقتول في النَّار.

٧٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّد الحَجَبِيُّ -بفتح الحاء المهملة والجيم والموحَّدة المكسورة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة والميم المشدَّدة، ابن زيد بن درهمٍ الإمام، أبو إسماعيل، الأزديُّ الأزرقُ (عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ) حمَّادٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: هو عمرو بن عبيدٍ شيخ المعتزلة، وكان سيِّئ الضَّبط، هكذا جزم المزِّيُّ في «التَّهذيب» بأنَّه المبهم في هذا الموضع، وجوَّز غيره -كمغلطاي- أن يكون هو هشام بن حسَّان، أي: القردوسيّ، وفيه بعدٌ. انتهى. (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ) التي وقعت بين عليٍّ وعائشة، وهي وقعة الجمل ووقعة صفِّين (فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثَّقفيُّ، سقط هنا: الأحنف بن قيسٍ بين الحسن وأبي بكرة، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (فَقَالَ) لي: (أَيْنَ تُرِيدُ؟) زاد مسلمٌ: يا أحنف (قُلْتُ) له: (أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ) يعني: عليًّا (قَالَ) أبو بَكْرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ )

ولمسلمٍ (١): فقال لي: يا أحنف؛ ارجع، فإنِّي سمعت رسول الله يقول: (إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بفتح الفاء بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: ضرب كلٌّ منهما وجه الآخر، أي: ذاته (فَكِلَاهُمَا) القاتل والمقتول (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي: يستحقَّانها، وقد يعفو الله عنهما، أو ذلك محمولٌ على من استَحلَّ ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في النَّار» (قِيلَ: فَهَذَا القَاتِلُ) يستحقُّ النَّار (فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟) فما ذنبه حتَّى يدخلها؟ والقائل ذلك هو أبو بَكْرة (قَالَ) : (إِنَّهُ أَرَادَ) ولأبي الوقت: «قد أراد» (قَتْلَ صَاحِبِهِ) وفي «الإيمان» [خ¦٣١] «إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه» أي: جازمًا بذلك مصمِّمًا عليه، وبه استدلَّ من قال بالمؤاخذة بالعزم (٢) وإن لم يقعِ الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك: أنَّ في هذا فعلًا، وهو المواجهة بالسِّلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتِل والمقتول في النَّار أن يكونا في مرتبةٍ واحدةٍ؛ فالقاتل يُعَذَّبُ على القتال والقتل، والمقتول يُعَذَّبُ على القتال فقط، فلم يقعِ التَّعذيب على العزم المجرَّد، وبالسَّند السَّابق هنا: (قَالَ حَمَّادُ (٣) بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لأَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، ابن دينارٍ القيسيِّ البصريِّ (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ: الحَسَنُ) البصريُّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النُّون بعدها فاءٌ (بْنِ قَيْسٍ) السَّعديِّ التَّميميِّ البصريِّ، واسمه: الضَّحَّاك، والأحنف لقبه وشُهِرَ به (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ؛ يعني: أنَّ (٤) عمرو (٥) بن عبيدٍ الرَّجل الذي لم يُسَمَّ في السَّند السَّابق أخطأ؛ حيث أسقط الأحنف بين الحسن وأبي بَكْرة. نعم؛ وافقه قتادة؛ -كما عند النَّسائيِّ- من وجهين عنه عن الحسن، عن أبي بَكْرة إلَّا أنَّه اقتصر على الحديث دون القصَّة، قال في «الفتح»: فكأنَّ الحسن كان يُرسِله عن أبي بَكْرة، فإذا ذكر القصَّة أسنده، وسقط قوله «الحديث» من قوله: «هذا الحديث» لابن عساكر.

وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن حربٍ الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي (١): ابن زيد بن درهمٍ (بِهَذَا) الحديث المذكور على الموافقة لرواية حمَّاد بن زيد، عن أيَّوب ويونس بن عبيدٍ (وَقَالَ مُؤَمَّلٌ) بالهمزة وفتح الميم الثَّانية المشدَّدة، قال العينيُّ كالكِرمانيِّ: هو ابن هشامٍ، أي: اليشكريّ -بتحتيَّةٍ ومعجمةٍ- أبو هشامٍ البصريُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة» و «الشَّرح»: هو ابن إسماعيل أبو عبد الرَّحمن البصريُّ نزيل مكَّة، أدركه البخاريُّ ولم يلقَه؛ لأنَّه مات سنة ستٍّ ومئتين، وذلك قبل أن يرحل البخاريُّ، ولم يُخرِّج عنه إلَّا تعليقًا، وهو صدوقٌ كثيرُ الخطأ، قاله أبو حاتم الرَّازيُّ، قال: وقد وصل هذه الطَّريق الإسماعيليُّ من طريق أبي موسى محمَّد بن المثنَّى قال: حدَّثنا مُؤمَّل بن إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) السَّابق قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (وَيُونُسُ) بن عبيدٍ (وَهِشَامٌ) هو ابن حسَّان الأزديُّ، مولاهم الحافظ (وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، القرشيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بن قيسٍ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ) وأخرجه الإمام أحمدُ عن مُؤمَّلٍ عن حمَّادٍ، عن الأربعة، فكأنَّ البخاريَّ أشار إلى هذه الطريق، قاله في «الفتح».

(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ والإسماعيليُّ بلفظِ: عن أيُّوب عن الحسن عن الأحنف بن قيسٍ عن أبي بَكْرة: سمعت رسول الله … فذكر الحديث دون القصَّة، (وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بَكْرة، وليس له ولا لابنه (٢) بكَّارٍ في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ، ووصله الطَّبرانيُّ بلفظ: سمعت رسول الله يقول (٣): «إنَّ فتنةً كائنةٌ القاتل والمقتول في النَّار، إنَّ المقتول قد أراد قتل القاتل» (وَقَالَ غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعْتَمِر (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، آخره شينٌ معجمةٌ، والرَّاء مخفَّفةٌ، الأعور الغطفانيِّ التَّابعي المشهور، وسقط «ابن حِراشٍ» لابن عساكر (عَنْ أَبِي

بَكْرَةَ) نُفيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ) ووصله الإمام أحمد مرفوعًا بلفظ: «إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السِّلاح؛ فهما على جرف (١) جهنَّم، فإذا قتله وقعا فيها جميعًا» (وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المُعتمِر بالسَّند المذكور إلى النَّبيِّ ، ووصله النَّسائيُّ بلفظ: قال: «إذا حمل (٢) الرَّجلان المسلمان السِّلاح أحدهما على الآخر؛ فهما على جرف جهنَّم، فإذا قتل أحدهما الآخر؛ فهما في النَّار»، ولا يلزم من ذلك استمرار البقاء في النَّار، وهذا الوعيد المذكور محمولٌ على من قاتل بغير تأويلٍ سائغ، بل لمجرَّد (٣) طلب الملك، وعند البزَّار في حديث: «القاتل والمقتول في النَّار» زيادةٌ؛ وهي: «إذا اقتتلتم على الدُّنيا؛ فالقاتل والمقتول في النَّار».

(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ) تُوجد (جَمَاعَةٌ) مجتمعون على خليفةٍ؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ويُونُسُ وهِشامٌ ومُعَلَّى بنُ زِيادٍ عنِ الحَسَنِ عنِ الأحْنَفِ عَن أبي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ سُلَيْمَان هَذَا هُوَ ابْن حَرْب، وحما هُوَ ابْن زيد، وَأَشَارَ بقوله: بِهَذَا إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ آنِفا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْأَحْنَف، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ مُؤَمل، يَعْنِي ابْن هِشَام أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ عَن عَلْقَمَة عَن حَمَّاد بن زيد وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَيُونُس بن عبيد وَهِشَام بن حسان وَمعلى بن زِيَاد ... إِلَى آخِره.

وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدثنَا مُوسَى حَدثنَا يزِيد بن سِنَان حَدثنَا أَيُّوب وَيُونُس ... إِلَى آخِره. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ أَيُّوب وَيُونُس هِشَام وَمعلى عَن الْحسن عَن الْأَحْنَف عَن أبي بكرَة، وَقَالَ: أَبُو خلف عبد الله بن عِيسَى، ومحبوب بن الْحسن عَن مُوسَى عَن الْحسن عَن أبي بكرَة، وَرَوَاهُ قَتَادَة وجسر بن فرقد ومعروف الْأَعْوَر عَن الْحسن عَن أبي بكرَة وَلم يذكرُوا فِيهِ الْأَحْنَف، وَالصَّحِيح حَدِيث أَيُّوب حدث بِهِ عَنهُ حَمَّاد بن زيد.

ورَواهُ مَعْمَرٌ عنْ أيُّوبَ.

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور معمر عَن أَيُّوب، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن ياسين: حَدثنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد والرمادي قَالَا: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق نَا معمر عَن أَيُّوب عَن الْحسن عَن الْأَحْنَف بن قيس عَن أبي بكرَة: سَمِعت رَسُول الله فَذكر الحَدِيث دون الْقِصَّة.

وروَاهُ بَكَّارُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أبِيهِ عنْ أبي بَكْرَة.

بكار بن عبد الْعَزِيز رَوَاهُ عَن أَبِيه عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي بكرَة، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لوَلَده بكار فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق خَالِد بن خِدَاش بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالدال الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة قَالَ: حَدثنَا بكار بن عبد الْعَزِيز بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه: سَمِعت النَّبِي أَن فتْنَة كائنة، الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار، إِذْ الْمَقْتُول قد أَرَادَ قتل الْقَاتِل.

وَقَالَ غُنْدَرٌ: حدّثنا شُعْبَةُ عنْ منْصُور عنْ رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ عنْ أبي بَكْرةَ عنِ النبيِّ ولَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ

غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وبالراء ابْن حِرَاش لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة الْأَعْوَر الْغَطَفَانِي التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الإِمَام أَحْمد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ غنْدر بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا وَلَفظه: إِذا التقى المسلمان حملا أَحدهمَا على صَاحبه السِّلَاح فهما على حرف جَهَنَّم فَإِذا قتل أَحدهمَا الآخر فهما فِي النَّار. قَوْله: وَلم يرفعهُ سُفْيَان، أَي: لم يرفع الحَدِيث الْمَذْكُور سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر بالسند الْمَذْكُور، وَوَصله النَّسَائِيّ من رِوَايَة يعلى بن عبيد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بالسند الْمَذْكُور عَن أبي بكرَة، قَالَ: إِذا حمل الرّجلَانِ المسلمان السِّلَاح أَحدهمَا على الآخر فهما فِي النَّار قَالَ الْعلمَاء: معنى كَونهمَا فِي النَّار أَنهم يستحقان ذَلِك وَلَكِن أَمرهمَا إِلَى الله عز وَجل إِن شَاءَ عاقبهما فِي النَّار كَسَائِر الْمُوَحِّدين، وَإِن شَاءَ عَفا عَنْهُمَا فَلم يعاقبهما أصلا، وَقيل: هُوَ مَحْمُول على من اسْتحلَّ ذَلِك.

١١ - (بابٌ كَيْفَ الأمْرُ إذَا لَمْ تَكُنْ جَماعَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ أَمر الْمُسلم؟ يَعْنِي مَاذَا يفعل فِي حَال الِاخْتِلَاف والفتنة إِذا لم تكن أَي إِذا لم تُوجد، وَكَانَ تَامَّة، وَجَمَاعَة أَي مجتمعون على خَليفَة؟ وَحَاصِل معنى التَّرْجَمَة أَنه إِذا وَقع اخْتِلَاف وَلم يكن خَليفَة فَكيف يفعل الْمُسلم من قبل أَن يَقع الِاجْتِمَاع على خَليفَة؟ وَفِي حَدِيث الْبَاب بيَّن ذَلِك وَهُوَ أَنه يعتزل النَّاس كلهم وَلَو بِأَن يعَض بِأَصْل شَجَرَة حَتَّى يُدْرِكهُ الْمَوْت وَذَلِكَ خير لَهُ من دُخُوله بَين طَائِفَة لَا إِمَام لَهُم خشيَة مَا يؤول من عَاقِبَة ذَلِك من فَسَاد الْأَحْوَال باخْتلَاف الْأَهْوَاء وبسبب الآراء.

٧٠٨٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، حدّثنا ابنُ جابِرٍ، حدّثني بُسْرُ بنُ عُبَيْدِ الله الحَضْرَمِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا إدْرِيسَ الخَوْلَانِيَّ أنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمانِ يَقولُ: كانَ النَّاسُ يَسألُونَ رسولَ الله عنِ الخَيْرِ وكُنْتُ أسْألُهُ عنِ الشَّرِّ مَخافَةَ أنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله إنَّا كُنَّا فِي جاهِلِيَّةٍ وشَرَ، فَجاءَنَا الله بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ: نَعَمْ وفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وتنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرَ قَالَ: نَعَمْ دُعاة عَلى أبْوابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أجابَهُمْ إلَيْها قَذَفُوهُ فِيها قُلْتُ يَا رسُولَ الله صفْهُمْ لَنا. قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدتِنا ويَتَكَلَّمُونَ بألْسِنَتِنا قُلْتُ فَما تأمُرُني إنْ أدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ وإمامَهُمْ قُلْتُ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَماعَةٌ وَلَا إمامٌ؟ قَالَ: فاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلّها، ولوْ أنْ تَعَضَّ بأصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأنْتَ عَلى ذَلِكَ

انْظُر الحَدِيث ٣٦٠٦ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فَإِن لم يكن لَهُم جمَاعَة وَلَا إِمَام إِلَى آخِره.

وَابْن جَابر بِالْجِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ عبد الرحمان بن زيد بن جَابر، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن الْمثنى شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن عبد الله الْحَضْرَمِيّ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة.

والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن يحيى بن مُوسَى: وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد بِبَعْضِه.

قَوْله مَخَافَة أَي: لأجل مَخَافَة أَن يدركني أَي الشَّرّ، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: فِي جَاهِلِيَّة وَشر يُشِير بِهِ إِلَى مَا كَانَ قبل الْإِسْلَام من الْكفْر وَقتل بَعضهم بَعْضًا وَنهب بَعضهم بَعْضًا وارتكاب الْفَوَاحِش. قَوْله: بِهَذَا الْخَيْر يَعْنِي: الْإِيمَان والأمن وَصَلَاح الْحَال وَاجْتنَاب الْفَوَاحِش. قَوْله: دخن بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدُّخان، وَأَرَادَ بِهِ لَيْسَ خيرا خَالِصا بل فِيهِ كدورة بِمَنْزِلَة الدُّخان من النَّار، وَقيل: أَرَادَ بالدخن الحقد، وَقيل: الدغل، وَقيل: فَسَاد فِي الْقلب، وَقيل: الدخن كل أَمر مَكْرُوه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد من الدخن أَن لَا تصفو الْقُلُوب بَعْضهَا لبَعض كَمَا كَانَت عَلَيْهِ من الصفاء. قَوْله: يهْدُونَ بِفَتْح أَوله قَوْله: بِغَيْر هَدْيِي بياء الْإِضَافَة عِنْد الْأَكْثَرين وبياء وَاحِدَة بِالتَّنْوِينِ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأسود: تكون بعدِي أَئِمَّة يَهْتَدُونَ بهديي وَلَا يستنون بِسنتي. قَوْله: تعرف مِنْهُم أَي: من الْقَوْم الْمَذْكُورين وتنكر يَعْنِي من أَعْمَالهم. وَقَالَ القَاضِي: الْخَيْر بعد الشَّرّ أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالَّذِي تعرف مِنْهُم وتنكرهم الْأُمَرَاء بعده وَمِنْهُم من يَدْعُو إِلَى بِدعَة وضلالة كالخوارج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بِالشَّرِّ زمَان قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبالخير بعده زمَان خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والدخن الْخَوَارِج وَنَحْوهم، وَالشَّر بعده زمَان الَّذين يلعنونه على المنابر. قَوْله: دعاة بِضَم الدَّال جمع دَاع على أَبْوَاب جَهَنَّم قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ حَالهم. قَوْله: من جلدتنا أَي: من قَومنَا وَمن أهل لِسَانا وملتنا. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَنهم من الْعَرَب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي من بني آدم، وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ أَنهم فِي الظَّاهِر على ملتنا وَفِي الْبَاطِن مخالفون، وجلدة الشَّيْء ظَاهره وَهِي فِي الأَصْل غشاء الْبدن. قَوْله: وإمامهم بِكَسْر الْهمزَة أَي: أَمِيرهمْ، وَفِي رِوَايَة الْأسود: تسمع وتطيع وَإِن ضرب ظهرك وَأخذ مَالك. قَوْله: وَأَن تعض بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة من عضض يعضض من بَاب علم يعلم أَي: وَلَو كَانَ الاعتزال من تِلْكَ الْفرق بالعض فَلَا تعدل عَنهُ، وَلَفظ: تعض، مَنْصُوب عِنْد الروَاة كلهم، وَجوز بَعضهم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّضَ لَهَا وَلَا يُعْرِضُ عَنْهَا، وَضُبِطَ أَيْضًا مِنَ الشَّرَفِ وَمِنَ الْإِشْرَافِ.

قَوْلُهُ: (تَسْتَشْرِفُهُ)؛ أَيْ تُهْلِكُهُ بِأَنْ يُشْرِفَ مِنْهَا عَلَى الْهَلَاكِ، يُقَالُ: اسْتَشْرَفْتُ الشَّيْءَ عَلَوْتُهُ وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ، يُرِيدُ: مَنِ انْتَصَبَ لَهَا انْتَصَبَتْ لَهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا أَعْرَضَتْ عَنْهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ طَلَعَ فِيهَا بِشَخْصِهِ قَابَلَتْهُ بِشَرِّهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: مَنْ خَاطَرَ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَهْلَكَتْهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ غَالَبَهَا غَلَبَتْهُ.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ وَجَدَ فِيهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنْهَا.

قَوْلُهُ: (مَلْجَأً)؛ أَيْ: يَلْتَجِئُ إِلَيْهِ مِنْ شَرِّهَا.

قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَاذًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ بِمَعْنَى الْمَلْجَأِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَرُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ؛ يَعْنِي: مُعَاذًا.

قَوْلُهُ: (فَلْيَعُذْ بِهِ)؛ أَيْ: لِيَعْتَزِلْ فِيهِ لِيَسْلَمَ مِنْ شَرِّ الْفِتْنَةِ، وَفِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: فَلْيَسْتَعِذْ. وَوَقَعَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَلَفْظُهُ: فَإِذَا نَزَلَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ - وَذَكَرَ الْغَنَمَ وَالْأَرْضَ - قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ؟ قَالَ: يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقَّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ. وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْحَثُّ عَلَى اجْتِنَابِ الدُّخُولِ فِيهَا وَأَنَّ شَرَّهَا يَكُونُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ مَا يَنْشَأُ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ حَيْثُ لَا يُعْلَمُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَهُمْ مَنْ قَعَدَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا كَسَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ فِي آخَرِينَ، وَتَمَسَّكُوا بِالظَّوَاهِرِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِلُزُومِ الْبُيُوتِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْ بَلَدِ الْفِتَنِ أَصْلًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا هَجَمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَكُفُّ يَدَهُ وَلَوْ قُتِلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَالِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ إِنْ قَتَلَ أَوْ قُتِلَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ فَامْتَنَعَتْ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا وَنَصَبَتِ الْحَرْبَ وَجَبَ قِتَالُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَحَارَبَتْ طَائِفَتَانِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ الْأَخْذُ عَلَى يَدِ الْمُخْطِئِ وَنَصْرُ الْمُصِيبَ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا: كُلُّ قِتَالٍ وَقَعَ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لَا إِمَامَ لِلْجَمَاعَةِ فَالْقِتَالُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ، وَتَنْزِلُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْفِتْنَةَ أَصْلُهَا الِابْتِلَاءُ، وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَمَنْ أَعَانَ الْمُحِقَّ أَصَابَ وَمَنْ أَعَانَ الْمُخْطِئَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي حَقِّ نَاسٍ مَخْصُوصِينَ، وَأَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَخْصُوصَةٌ بِآخِرِ الزَّمَانِ حَيْثُ يَحْصُلُ التَّحَقُّقُ أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَتَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَيَّامَ الْهَرْجِ. قُلْتُ: وَمَتَى؟ قَالَ: حِينَ لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ.

١٠ - بَاب إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا

٧٠٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ . قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَنَا

أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الْحَسَنُ، عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ . وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ، وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ.

قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفِيهِمَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) وَهُوَ الْحَجَبِيُّ؛ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ.

قَوْلُهُ: (حَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَقَدْ نَسَبَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَ سَيِّئَ الضَّبْطِ، هَكَذَا جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ الْمُبْهَمُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ كَمُغَلْطَايْ أَنْ يَكُونَ هُوَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَفِيهِ بُعْدٌ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الْحَسَنِ) هُوَ الْبَصْرِيُّ (قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَسَقَطَ الْأَحْنَفُ بَيْنَ الْحَسَنِ، وَأَبِي بَكْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالْفِتْنَةِ الْحَرْبُ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ وَعَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا. وَقَوْلُهُ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الْأَحْنَفِ قَالَ: الْتَحَفْتُ عَلَيَّ بِسَيْفِي لِآتِيَ عَلِيًّا فَأَنْصُرَهُ. وَقَوْلُهُ: فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا: فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ تُرِيدُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: يَا أَحْنَفُ.

قَوْلُهُ: (نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أُرِيدَ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ؛ يَعْنِي عَلِيًّا قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فِي النَّارِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ) الْقَائِلُ هُوَ أَبُو بَكْرَةَ وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ شَكَّ فَقَالَ: فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟. وَقَوْلُهُ: هَذَا الْقَاتِلُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: هَذَا الْقَاتِلُ يَسْتَحِقُّ النَّارَ، وَقَوْلُهُ: فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؛ أَيْ: فَمَا ذَنْبُهُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ بِلَفْظِ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ)؛ يَعْنِي أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ أَخْطَأَ فِي حَذْفِ الْأَحْنَفِ بَيْنَ الْحَسَنِ، وَأَبِي بَكْرَةَ، لَكِنْ وَافَقَهُ قَتَادَةُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَدِيثِ دُونَ الْقِصَّةِ، فَكَأَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يُرْسِلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فَإِذَا ذَكَرَ الْقِصَّةَ أَسْنَدَهُ، وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَتَعَقَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ قَوْلَ الْبَزَّارِ لَا يُعْرَفُ الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَكِنْ لَعَلَّ الْبَزَّارَ يَرَى أَنَّ رِوَايَةَ التَّيْمِيِّ شَاذَّةٌ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ الْحَسَنِ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ عَنْهُ عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا) سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ حَرْبٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مُوَافَقَةِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَالْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ؛

ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَسَاقَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُؤَمَّلٌ) بِوَاوٍ مَهْمُوزَةٍ وَزْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ، أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَلْقَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ إِلَّا تَعْلِيقًا، وَهُوَ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ؛ قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِّيُّ. وَقَدْ وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، ويُونُسَ - هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ -، وَهِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، وَوَصَلَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، وَالْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ فَذَكَرَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُؤَمَّلٍ، عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْأَرْبَعَةِ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ) قُلْتُ: وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، فَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَلَا أَبُو دَاوُدَ، وَسَاقَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الْقِصَّةِ، وَفِي هَذَا السَّنَدِ لَطِيفَةٌ وَهُوَ أَنَّ رِجَالَهُ كُلَّهُمْ بَصْرِيُّونَ، وَفِيهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ أَوَّلُهُمْ أَيُّوبُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي سَنَدِهِ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَيُّوبَ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَعْمَرٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةِ) قُلْتُ: عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَقَدْ وَقَعَ مَنْسُوبًا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فَقَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ بَكَّارٍ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ - بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - قَالَ: حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَلَفْظُهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: إِنَّ فِتْنَةً كَائِنَةٌ؛ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، إِنَّ الْمَقْتُولَ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ الْقَاتِلِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ غُنْدَرٌ:، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ (عَنْ رِبْعِيٍّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ، وَاسْمُ أَبِيهِ حِرَاشٌ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ - تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - وَهُوَ غُنْدَرٌ - بِهَذَا السَّنَدِ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ السِّلَاحَ فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَهُ وَقَعَا فِيهَا جَمِيعًا، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ)؛ يَعْنِي الثَّوْرِيَّ (عَنْ مَنْصُورٍ)؛ يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: إِذَا حَمَلَ الرَّجُلَانِ الْمُسْلِمَانِ السِّلَاحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَهُمَا عَلَى جُرُفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَهُمَا فِي النَّارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَائِلَ الصَّحِيحِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى كَوْنِهِمَا فِي النَّارِ أَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمَا ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا مِنَ النَّارِ كَسَائِرِ الْمُوَحِّدِينَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمَا فَلَمْ يُعَاقِبْهُمَا أَصْلًا. وَقِيلَ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْخَوَارِجِ، وَمَنْ قَالَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَعَاصِي مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ فَهُمَا فِي النَّارِ اسْتِمْرَارُ بَقَائِهِمَا فِيهَا. وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَرَ الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ وَهُمْ كُلُّ مَنْ تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ عَلِيٍّ فِي حُرُوبِهِ كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالُوا: يَجِبُ الْكَفُّ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ قَتْلَهُ لَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ قَتْلَهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ.

وَذَهَبَ

جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى وُجُوبِ نَصْرِ الْحَقِّ وَقِتَالِ الْبَاغِينَ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ ضَعُفَ عَنِ الْقِتَالِ أَوْ قَصُرَ نَظَرُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ مَنْعِ الطَّعْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقَّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيبَ يُؤْجَرُ أَجْرَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ قَاتَلَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ سَائِغٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ طَلَبِ الْمُلْكِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَنْعُ أَبِي بَكْرَةَ، الْأَحْنَفَ مِنَ الْقِتَالِ مَعَ عَلِيٍّ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ أَدَّاهُ إِلَى الِامْتِنَاعِ وَالْمَنْعِ احْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ نَصَحَهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاِبِ الَّذِي بَعْدَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ اخْتِلَافٍ يَقَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْهَرَبُ مِنْهُ بِلُزُومِ الْمَنَازِلِ وَكَسْرِ السُّيُوفِ لَمَا أُقِيمَ حَدٌّ وَلَا أُبْطِلَ بَاطِلٌ، وَلَوَجَدَ أَهْلُ الْفُسُوقِ سَبِيلًا إِلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَبْيِ الْحَرِيمِ بِأَنْ يُحَارِبُوهُمْ وَيَكُفَّ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ عَنْهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا هَذِهِ فِتْنَةٌ وَقَدْ نُهِينَا عَنِ الْقِتَالِ فِيهَا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَمْرِ بِالْأَخْذِ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ، انْتَهَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي حَدِيثِ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ زِيَادَةً تُبَيِّنُ الْمُرَادَ، وَهِيَ: إِذَا اقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ. فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَبَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْقِتَالَ إِذَا كَانَ عَلَى جَهْلٍ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا أَوِ اتِّبَاعِ هَوًى فَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ. قُلْتُ: وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ أَقَلَّ عَدَدًا مِنَ الَّذِينَ قَاتَلُوا، وَكُلُّهُمْ مُتَأَوِّلٌ مَأْجُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِخِلَافِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ قَاتَلَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْفِعْلُ، وَأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَنَّ فِي هَذَا فِعْلًا وَهُوَ الْمُوَاجَهَةُ بِالسِّلَاحِ وَوُقُوعُ الْقِتَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِي النَّارِ أَنْ يَكُونَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْقَاتِلُ يُعَذَّبُ عَلَى الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ، وَالْمَقْتُولُ يُعَذَّبُ عَلَى الْقِتَالِ فَقَطْ؛ فَلَمْ يَقَعِ التَّعْذِيبُ عَلَى الْعَزْمِ الْمُجَرَّدِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ اخْتِيَارُ بَابِ الِافْتِعَالِ فِي الشَّرِّ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْمُعَالَجَةِ، بِخِلَافِ الْخَيْرِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ أَوْ يَعْمَلُوا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ ثَلَاثٌ: الْهَمُّ الْمُجَرَّدُ وَهُوَ يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَاقْتِرَانُ الْفِعْلِ بِالْهَمِّ أَوْ بِالْعَزْمِ وَلَا نِزَاعَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، وَالْعَزْمُ وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْهَمِّ وَفِيهِ النِّزَاعُ.

(تَنْبِيهٌ): وَرَدَ فِي اعْتِزَالِ الْأَحْنَفِ الْقِتَالَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَبَبٌ آخَرُ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ اعْتِزَالَ الْأَحْنَفِ مَا كَانَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَحْنَفَ قَالَ: حَجَجْنَا فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ - يَعْنِي النَّبَوِيَّ - وَفِيهِمْ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدٌ إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ فَذَكَرَ قِصَّةَ مُنَاشَدَتِهِ لَهُمْ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِهِ، قَالَ الْأَحْنَفُ: فَلَقِيتُ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَرَى هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي عُثْمَانَ - إِلَّا مَقْتُولًا، فَمَنْ تَأْمُرَانِي بِهِ؟ قَالَا: عَلِيٌّ. فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَلَقِيتُ عَائِشَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إن قَتل أو قُتِل، والله أعلم (١).

(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) فالقاتل والمقتول في النَّار.

٧٠٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) أبو محمَّد الحَجَبِيُّ -بفتح الحاء المهملة والجيم والموحَّدة المكسورة- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) بفتح الحاء المهملة والميم المشدَّدة، ابن زيد بن درهمٍ الإمام، أبو إسماعيل، الأزديُّ الأزرقُ (عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ) حمَّادٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: هو عمرو بن عبيدٍ شيخ المعتزلة، وكان سيِّئ الضَّبط، هكذا جزم المزِّيُّ في «التَّهذيب» بأنَّه المبهم في هذا الموضع، وجوَّز غيره -كمغلطاي- أن يكون هو هشام بن حسَّان، أي: القردوسيّ، وفيه بعدٌ. انتهى. (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الفِتْنَةِ) التي وقعت بين عليٍّ وعائشة، وهي وقعة الجمل ووقعة صفِّين (فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث الثَّقفيُّ، سقط هنا: الأحنف بن قيسٍ بين الحسن وأبي بكرة، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى (فَقَالَ) لي: (أَيْنَ تُرِيدُ؟) زاد مسلمٌ: يا أحنف (قُلْتُ) له: (أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ) يعني: عليًّا (قَالَ) أبو بَكْرة: (قَالَ رَسُولُ اللهِ )

ولمسلمٍ (١): فقال لي: يا أحنف؛ ارجع، فإنِّي سمعت رسول الله يقول: (إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا) بفتح الفاء بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ، أي: ضرب كلٌّ منهما وجه الآخر، أي: ذاته (فَكِلَاهُمَا) القاتل والمقتول (مِنْ أَهْلِ النَّارِ) أي: يستحقَّانها، وقد يعفو الله عنهما، أو ذلك محمولٌ على من استَحلَّ ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «في النَّار» (قِيلَ: فَهَذَا القَاتِلُ) يستحقُّ النَّار (فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟) فما ذنبه حتَّى يدخلها؟ والقائل ذلك هو أبو بَكْرة (قَالَ) : (إِنَّهُ أَرَادَ) ولأبي الوقت: «قد أراد» (قَتْلَ صَاحِبِهِ) وفي «الإيمان» [خ¦٣١] «إنَّه كان حريصًا على قتل صاحبه» أي: جازمًا بذلك مصمِّمًا عليه، وبه استدلَّ من قال بالمؤاخذة بالعزم (٢) وإن لم يقعِ الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك: أنَّ في هذا فعلًا، وهو المواجهة بالسِّلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتِل والمقتول في النَّار أن يكونا في مرتبةٍ واحدةٍ؛ فالقاتل يُعَذَّبُ على القتال والقتل، والمقتول يُعَذَّبُ على القتال فقط، فلم يقعِ التَّعذيب على العزم المجرَّد، وبالسَّند السَّابق هنا: (قَالَ حَمَّادُ (٣) بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لأَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) بضمِّ العين، ابن دينارٍ القيسيِّ البصريِّ (وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ، فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ: الحَسَنُ) البصريُّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النُّون بعدها فاءٌ (بْنِ قَيْسٍ) السَّعديِّ التَّميميِّ البصريِّ، واسمه: الضَّحَّاك، والأحنف لقبه وشُهِرَ به (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ؛ يعني: أنَّ (٤) عمرو (٥) بن عبيدٍ الرَّجل الذي لم يُسَمَّ في السَّند السَّابق أخطأ؛ حيث أسقط الأحنف بين الحسن وأبي بَكْرة. نعم؛ وافقه قتادة؛ -كما عند النَّسائيِّ- من وجهين عنه عن الحسن، عن أبي بَكْرة إلَّا أنَّه اقتصر على الحديث دون القصَّة، قال في «الفتح»: فكأنَّ الحسن كان يُرسِله عن أبي بَكْرة، فإذا ذكر القصَّة أسنده، وسقط قوله «الحديث» من قوله: «هذا الحديث» لابن عساكر.

وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن حربٍ الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) أي (١): ابن زيد بن درهمٍ (بِهَذَا) الحديث المذكور على الموافقة لرواية حمَّاد بن زيد، عن أيَّوب ويونس بن عبيدٍ (وَقَالَ مُؤَمَّلٌ) بالهمزة وفتح الميم الثَّانية المشدَّدة، قال العينيُّ كالكِرمانيِّ: هو ابن هشامٍ، أي: اليشكريّ -بتحتيَّةٍ ومعجمةٍ- أبو هشامٍ البصريُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في «المقدِّمة» و «الشَّرح»: هو ابن إسماعيل أبو عبد الرَّحمن البصريُّ نزيل مكَّة، أدركه البخاريُّ ولم يلقَه؛ لأنَّه مات سنة ستٍّ ومئتين، وذلك قبل أن يرحل البخاريُّ، ولم يُخرِّج عنه إلَّا تعليقًا، وهو صدوقٌ كثيرُ الخطأ، قاله أبو حاتم الرَّازيُّ، قال: وقد وصل هذه الطَّريق الإسماعيليُّ من طريق أبي موسى محمَّد بن المثنَّى قال: حدَّثنا مُؤمَّل بن إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) السَّابق قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (وَيُونُسُ) بن عبيدٍ (وَهِشَامٌ) هو ابن حسَّان الأزديُّ، مولاهم الحافظ (وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة واللَّام المشدَّدة، القرشيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنِ الأَحْنَفِ) بن قيسٍ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ) وأخرجه الإمام أحمدُ عن مُؤمَّلٍ عن حمَّادٍ، عن الأربعة، فكأنَّ البخاريَّ أشار إلى هذه الطريق، قاله في «الفتح».

(وَرَوَاهُ) أي: الحديث المذكور (مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ الأزديُّ مولاهم (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ فيما وصله مسلمٌ والنَّسائيُّ والإسماعيليُّ بلفظِ: عن أيُّوب عن الحسن عن الأحنف بن قيسٍ عن أبي بَكْرة: سمعت رسول الله … فذكر الحديث دون القصَّة، (وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بَكْرة، وليس له ولا لابنه (٢) بكَّارٍ في البخاريِّ إلَّا هذا الحديث (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) نُفيعٍ، ووصله الطَّبرانيُّ بلفظ: سمعت رسول الله يقول (٣): «إنَّ فتنةً كائنةٌ القاتل والمقتول في النَّار، إنَّ المقتول قد أراد قتل القاتل» (وَقَالَ غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعْتَمِر (عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، آخره شينٌ معجمةٌ، والرَّاء مخفَّفةٌ، الأعور الغطفانيِّ التَّابعي المشهور، وسقط «ابن حِراشٍ» لابن عساكر (عَنْ أَبِي

بَكْرَةَ) نُفيعٍ (عَنِ النَّبِيِّ ) ووصله الإمام أحمد مرفوعًا بلفظ: «إذا التقى المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السِّلاح؛ فهما على جرف (١) جهنَّم، فإذا قتله وقعا فيها جميعًا» (وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) أي: ابن المُعتمِر بالسَّند المذكور إلى النَّبيِّ ، ووصله النَّسائيُّ بلفظ: قال: «إذا حمل (٢) الرَّجلان المسلمان السِّلاح أحدهما على الآخر؛ فهما على جرف جهنَّم، فإذا قتل أحدهما الآخر؛ فهما في النَّار»، ولا يلزم من ذلك استمرار البقاء في النَّار، وهذا الوعيد المذكور محمولٌ على من قاتل بغير تأويلٍ سائغ، بل لمجرَّد (٣) طلب الملك، وعند البزَّار في حديث: «القاتل والمقتول في النَّار» زيادةٌ؛ وهي: «إذا اقتتلتم على الدُّنيا؛ فالقاتل والمقتول في النَّار».

(١١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه (كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ) تُوجد (جَمَاعَةٌ) مجتمعون على خليفةٍ؟

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ويُونُسُ وهِشامٌ ومُعَلَّى بنُ زِيادٍ عنِ الحَسَنِ عنِ الأحْنَفِ عَن أبي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ سُلَيْمَان هَذَا هُوَ ابْن حَرْب، وحما هُوَ ابْن زيد، وَأَشَارَ بقوله: بِهَذَا إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور الَّذِي رَوَاهُ آنِفا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْأَحْنَف، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ مُؤَمل، يَعْنِي ابْن هِشَام أحد مَشَايِخ البُخَارِيّ عَن عَلْقَمَة عَن حَمَّاد بن زيد وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وَيُونُس بن عبيد وَهِشَام بن حسان وَمعلى بن زِيَاد ... إِلَى آخِره.

وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ حَدثنَا مُوسَى حَدثنَا يزِيد بن سِنَان حَدثنَا أَيُّوب وَيُونُس ... إِلَى آخِره. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ أَيُّوب وَيُونُس هِشَام وَمعلى عَن الْحسن عَن الْأَحْنَف عَن أبي بكرَة، وَقَالَ: أَبُو خلف عبد الله بن عِيسَى، ومحبوب بن الْحسن عَن مُوسَى عَن الْحسن عَن أبي بكرَة، وَرَوَاهُ قَتَادَة وجسر بن فرقد ومعروف الْأَعْوَر عَن الْحسن عَن أبي بكرَة وَلم يذكرُوا فِيهِ الْأَحْنَف، وَالصَّحِيح حَدِيث أَيُّوب حدث بِهِ عَنهُ حَمَّاد بن زيد.

ورَواهُ مَعْمَرٌ عنْ أيُّوبَ.

أَي: روى الحَدِيث الْمَذْكُور معمر عَن أَيُّوب، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن ابْن ياسين: حَدثنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد والرمادي قَالَا: حَدثنَا عبد الرَّزَّاق نَا معمر عَن أَيُّوب عَن الْحسن عَن الْأَحْنَف بن قيس عَن أبي بكرَة: سَمِعت رَسُول الله فَذكر الحَدِيث دون الْقِصَّة.

وروَاهُ بَكَّارُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ عنْ أبِيهِ عنْ أبي بَكْرَة.

بكار بن عبد الْعَزِيز رَوَاهُ عَن أَبِيه عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي بكرَة، وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لوَلَده بكار فِي البُخَارِيّ إِلَّا هَذَا الحَدِيث، وَوَصله الطَّبَرِيّ من طَرِيق خَالِد بن خِدَاش بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالدال الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة قَالَ: حَدثنَا بكار بن عبد الْعَزِيز بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه: سَمِعت النَّبِي أَن فتْنَة كائنة، الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار، إِذْ الْمَقْتُول قد أَرَادَ قتل الْقَاتِل.

وَقَالَ غُنْدَرٌ: حدّثنا شُعْبَةُ عنْ منْصُور عنْ رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ عنْ أبي بَكْرةَ عنِ النبيِّ ولَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ

غنْدر بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال وبالراء ابْن حِرَاش لقب مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَإِسْكَان الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالشين الْمُعْجَمَة الْأَعْوَر الْغَطَفَانِي التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله الإِمَام أَحْمد قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر وَهُوَ غنْدر بِهَذَا السَّنَد مَرْفُوعا وَلَفظه: إِذا التقى المسلمان حملا أَحدهمَا على صَاحبه السِّلَاح فهما على حرف جَهَنَّم فَإِذا قتل أَحدهمَا الآخر فهما فِي النَّار. قَوْله: وَلم يرفعهُ سُفْيَان، أَي: لم يرفع الحَدِيث الْمَذْكُور سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر بالسند الْمَذْكُور، وَوَصله النَّسَائِيّ من رِوَايَة يعلى بن عبيد عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بالسند الْمَذْكُور عَن أبي بكرَة، قَالَ: إِذا حمل الرّجلَانِ المسلمان السِّلَاح أَحدهمَا على الآخر فهما فِي النَّار قَالَ الْعلمَاء: معنى كَونهمَا فِي النَّار أَنهم يستحقان ذَلِك وَلَكِن أَمرهمَا إِلَى الله عز وَجل إِن شَاءَ عاقبهما فِي النَّار كَسَائِر الْمُوَحِّدين، وَإِن شَاءَ عَفا عَنْهُمَا فَلم يعاقبهما أصلا، وَقيل: هُوَ مَحْمُول على من اسْتحلَّ ذَلِك.

١١ - (بابٌ كَيْفَ الأمْرُ إذَا لَمْ تَكُنْ جَماعَةٌ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ كَيفَ أَمر الْمُسلم؟ يَعْنِي مَاذَا يفعل فِي حَال الِاخْتِلَاف والفتنة إِذا لم تكن أَي إِذا لم تُوجد، وَكَانَ تَامَّة، وَجَمَاعَة أَي مجتمعون على خَليفَة؟ وَحَاصِل معنى التَّرْجَمَة أَنه إِذا وَقع اخْتِلَاف وَلم يكن خَليفَة فَكيف يفعل الْمُسلم من قبل أَن يَقع الِاجْتِمَاع على خَليفَة؟ وَفِي حَدِيث الْبَاب بيَّن ذَلِك وَهُوَ أَنه يعتزل النَّاس كلهم وَلَو بِأَن يعَض بِأَصْل شَجَرَة حَتَّى يُدْرِكهُ الْمَوْت وَذَلِكَ خير لَهُ من دُخُوله بَين طَائِفَة لَا إِمَام لَهُم خشيَة مَا يؤول من عَاقِبَة ذَلِك من فَسَاد الْأَحْوَال باخْتلَاف الْأَهْوَاء وبسبب الآراء.

٧٠٨٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، حدّثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، حدّثنا ابنُ جابِرٍ، حدّثني بُسْرُ بنُ عُبَيْدِ الله الحَضْرَمِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا إدْرِيسَ الخَوْلَانِيَّ أنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بنَ اليَمانِ يَقولُ: كانَ النَّاسُ يَسألُونَ رسولَ الله عنِ الخَيْرِ وكُنْتُ أسْألُهُ عنِ الشَّرِّ مَخافَةَ أنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رسولَ الله إنَّا كُنَّا فِي جاهِلِيَّةٍ وشَرَ، فَجاءَنَا الله بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ: نَعَمْ وفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وتنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرَ قَالَ: نَعَمْ دُعاة عَلى أبْوابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أجابَهُمْ إلَيْها قَذَفُوهُ فِيها قُلْتُ يَا رسُولَ الله صفْهُمْ لَنا. قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدتِنا ويَتَكَلَّمُونَ بألْسِنَتِنا قُلْتُ فَما تأمُرُني إنْ أدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ وإمامَهُمْ قُلْتُ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَماعَةٌ وَلَا إمامٌ؟ قَالَ: فاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلّها، ولوْ أنْ تَعَضَّ بأصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وأنْتَ عَلى ذَلِكَ

انْظُر الحَدِيث ٣٦٠٦ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: فَإِن لم يكن لَهُم جمَاعَة وَلَا إِمَام إِلَى آخِره.

وَابْن جَابر بِالْجِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ عبد الرحمان بن زيد بن جَابر، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته عَن مُحَمَّد بن الْمثنى شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَبسر بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ابْن عبد الله الْحَضْرَمِيّ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَأَبُو إِدْرِيس عَائِذ الله بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة الْخَولَانِيّ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة.

والْحَدِيث مضى فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن يحيى بن مُوسَى: وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن مُحَمَّد بن الْمثنى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد بِبَعْضِه.

قَوْله مَخَافَة أَي: لأجل مَخَافَة أَن يدركني أَي الشَّرّ، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة. قَوْله: فِي جَاهِلِيَّة وَشر يُشِير بِهِ إِلَى مَا كَانَ قبل الْإِسْلَام من الْكفْر وَقتل بَعضهم بَعْضًا وَنهب بَعضهم بَعْضًا وارتكاب الْفَوَاحِش. قَوْله: بِهَذَا الْخَيْر يَعْنِي: الْإِيمَان والأمن وَصَلَاح الْحَال وَاجْتنَاب الْفَوَاحِش. قَوْله: دخن بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الدُّخان، وَأَرَادَ بِهِ لَيْسَ خيرا خَالِصا بل فِيهِ كدورة بِمَنْزِلَة الدُّخان من النَّار، وَقيل: أَرَادَ بالدخن الحقد، وَقيل: الدغل، وَقيل: فَسَاد فِي الْقلب، وَقيل: الدخن كل أَمر مَكْرُوه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد من الدخن أَن لَا تصفو الْقُلُوب بَعْضهَا لبَعض كَمَا كَانَت عَلَيْهِ من الصفاء. قَوْله: يهْدُونَ بِفَتْح أَوله قَوْله: بِغَيْر هَدْيِي بياء الْإِضَافَة عِنْد الْأَكْثَرين وبياء وَاحِدَة بِالتَّنْوِينِ فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأسود: تكون بعدِي أَئِمَّة يَهْتَدُونَ بهديي وَلَا يستنون بِسنتي. قَوْله: تعرف مِنْهُم أَي: من الْقَوْم الْمَذْكُورين وتنكر يَعْنِي من أَعْمَالهم. وَقَالَ القَاضِي: الْخَيْر بعد الشَّرّ أَيَّام عمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَالَّذِي تعرف مِنْهُم وتنكرهم الْأُمَرَاء بعده وَمِنْهُم من يَدْعُو إِلَى بِدعَة وضلالة كالخوارج، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بِالشَّرِّ زمَان قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وبالخير بعده زمَان خلَافَة عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والدخن الْخَوَارِج وَنَحْوهم، وَالشَّر بعده زمَان الَّذين يلعنونه على المنابر. قَوْله: دعاة بِضَم الدَّال جمع دَاع على أَبْوَاب جَهَنَّم قَالَ ذَلِك بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ حَالهم. قَوْله: من جلدتنا أَي: من قَومنَا وَمن أهل لِسَانا وملتنا. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى أَنهم من الْعَرَب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أَي من بني آدم، وَقَالَ القَاضِي: مَعْنَاهُ أَنهم فِي الظَّاهِر على ملتنا وَفِي الْبَاطِن مخالفون، وجلدة الشَّيْء ظَاهره وَهِي فِي الأَصْل غشاء الْبدن. قَوْله: وإمامهم بِكَسْر الْهمزَة أَي: أَمِيرهمْ، وَفِي رِوَايَة الْأسود: تسمع وتطيع وَإِن ضرب ظهرك وَأخذ مَالك. قَوْله: وَأَن تعض بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة من عضض يعضض من بَاب علم يعلم أَي: وَلَو كَانَ الاعتزال من تِلْكَ الْفرق بالعض فَلَا تعدل عَنهُ، وَلَفظ: تعض، مَنْصُوب عِنْد الروَاة كلهم، وَجوز بَعضهم

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله