الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٤١
الحديث رقم ٧١٤١ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أجر من قضى بالحكمة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً
٧١٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣ - بَاب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
٧١٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ) سَقَطَ لَفْظُ أَجْرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ لَازِمِ الْإِذْنِ فِي تَغْبِيطِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتُ الْفَضْلِ فِيهِ، وَمَا ثَبَتَ فِيهِ الْفَضْلُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ أَنَّ مَنْطُوقَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ كَانَ مَحْمُودًا حَتَّى أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ الَّذِي لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَحُسْنِ الذِّكْرِ، وَمَفْهُومُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ فَاعِلِهِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ الْآيَةُ بِأَنَّهُ فَاسِقٌ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِي الْمُسْلِمِينَ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ مَا قَبْلَهَا عَمَلًا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْآيَتَيْنِ قَبْلَهَا نَزَلَتَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَنَسَقُ الْآيَةِ لَا يَقْتَضِي مَا قَالَ، قُلْتُ: وَمَا نَفَاهُ ثَابِتٌ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ ; وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَ سَبَبَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ لَكِنَّ عُمُومَهَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ، لَكِنْ لَمَّا تَقَرَّرَ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةِ لَا يُسَمَّى كَافِرًا وَلَا يُسَمَّى أَيْضًا ظَالِمًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ قَدْ فُسِّرَ بِالشِّرْكِ، بَقِيَتِ الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ، فَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ: ظَاهِرُ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا وَاخْتَرَعَ حُكْمًا يُخَالِفُ بِهِ حُكْمَ اللَّهِ وَجَعَلَهُ دِينًا يُعْمَلُ بِهِ فَقَدْ لَزِمَهُ مِثْلُ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ حَاكِمًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ اسْتَحَقَّ جَزِيلَ الْأَجْرِ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ مُنَافَسَتِهِ فَاقْتَضَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ. الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعَبْدِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ هُوَ الرُّؤَاسِيُّ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) رَجُلٍ بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى هَلَكَتِهِ) بِفَتَحَاتٍ أَيْ عَلَى إِهْلَاكِهِ أَيْ إِنْفَاقِهِ (فِي الْحَقِّ).
قَوْلُهُ (وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ: وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِكْمَةِ الْقُرْآنُ كما فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَضَابِطُهَا مَا مَنَعَ الْجَهْلَ وَزَجَرَ عَنِ الْقُبْحِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْمُرَادُ بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَةُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ويحمي البيضة، وأن يكون أهلًا للقضاء بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حرًّا عدلًا ذَكَرًا مجتهدًا ذا رأي وسمعٍ وبصرٍ ونطقٍ، وتنعقد الإمامة ببيعة أهل العقد والحلِّ من العلماء ووجوه النَّاس المتيسِّر اجتماعهم، وباستخلاف الإمام من يعيِّنه في حياته، ويشترط القبول في حياته؛ ليكون خليفةً بعد موته، وباستيلاء متغلِّبٍ على الإمامة ولو غير أهلٍ لها؛ كصبيٍّ وامرأةٍ بأن قهر النَّاسَ بشوكته وجنده؛ وذلك لينتظم شمل المسلمين.
والحديث سبق في «المناقب (١)» [خ¦٣٥٠١]، وأخرجه مسلمٌ (٢) في «المغازي».
(٣) (باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالحِكْمَةِ) وسقط لفظ «أجر» لأبي زيد المروزيِّ، أي: من قضى بحكم الله تعالى، فلو قضى بغير حكم الله تعالى فسق (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]) الخارجون عن طاعة الله، وقال أبو منصورٍ ﵀: يجوز أن يُحمَل على الجحود في الثَّلاثة؛ يعني قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فَأُوْلَئِكَ (٣) هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فيكون ظالمًا كافرًا فاسقًا؛ لأنَّ الفاسق المطلقَ والظَّالم المطلَق هو الكافر، وقيل: التَّعريف فيه للعهد، قال ابن بطَّالٍ: مفهوم الآية: أنَّ مَن حكم بما أنزل الله؛ استحقَّ جزيل الأجر.
٧١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، الرُّؤاسيُّ القيسيُّ العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن عبد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ القيسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁
أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا حَسَدَ): لا غِبْطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين (رَجُلٌ) بالرَّفع على الاستئناف (آتَاهُ) أي: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحاتٍ: إهلاكه، أي: إنفاقه (فِي الحَقِّ، وَ) رجلٌ (آخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً) بكسر الحاء وسكون الكاف: علمًا يمنعه عن (١) الجهل، ويزجره عن القبح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة بين النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وفيه التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال، وتعليم (٢) العلم، وقيل: إنَّ فيه تخصيصًا لإباحة نوعٍ من الحسد وإن كانت جملته محظورةً، وإنَّما رخَّص فيها؛ لما يتضمَّن مصلحة الدِّين، قال أبو تمَّامٍ (٣):
............................ … وما حاسدٌ في المكرمات بحاسدٍ
وقيل: معناه: لا يحسن الحسد في موضعٍ إلَّا في هذين الموضعين، وقال الطِّيبيُّ: أثبت الحسد في الحديث؛ لإرادة المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين؛ يعني: ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم؛ فينبغي أن يُتَحرَّى ويُجتَهد في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودة؟ وكيف لا وكلُّ واحدةٍ من الخصلتين بلغت غايةً (٤) لا أمد فوقها؟ وإذا اجتمعتا (٥) في امرئٍ؛ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ، قال ابن المُنَيِّر: ليس المراد بالنَّفي (٦) حقيقته، وإلَّا لزم الخُلْف؛ لأنَّ النَّاس حَسَدوا في غير هاتين الخصلتين، وغبطوا من فيه سواهما، فليس هو خبرًا، والمراد به: الحكم، ومعناه: حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين، فكأنَّه قال: هما آكد القُربات التي يُغبَط بها، وفيه التَّرغيب في ولاية القضاء لمن جمع شروطه، وقوي (٧) على أعمال الحقِّ، ووجد له (٨) أعوانًا لما فيه من الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحقِّ لمستحقِّه وكفِّ يد الظَّالم، والإصلاح بين النَّاس، وذلك كلُّه من القُرُبات، وهو من مرتبته ﷺ، وعند ابن المنذر
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣ - بَاب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
٧١٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ) سَقَطَ لَفْظُ أَجْرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَلَيْسَ فِي الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ لَازِمِ الْإِذْنِ فِي تَغْبِيطِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتُ الْفَضْلِ فِيهِ، وَمَا ثَبَتَ فِيهِ الْفَضْلُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ أَنَّ مَنْطُوقَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ كَانَ مَحْمُودًا حَتَّى أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ الَّذِي لَهُ مِنْ ذَلِكَ لِيَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَحُسْنِ الذِّكْرِ، وَمَفْهُومُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ فَاعِلِهِ، وَقَدْ صَرَّحَتِ الْآيَةُ بِأَنَّهُ فَاسِقٌ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَجِّحُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِي الْمُسْلِمِينَ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ اقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ دُونَ مَا قَبْلَهَا عَمَلًا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْآيَتَيْنِ قَبْلَهَا نَزَلَتَا فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَنَسَقُ الْآيَةِ لَا يَقْتَضِي مَا قَالَ، قُلْتُ: وَمَا نَفَاهُ ثَابِتٌ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ ; وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْآيَاتِ وَإِنْ كَانَ سَبَبَهَا أَهْلُ الْكِتَابِ لَكِنَّ عُمُومَهَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ، لَكِنْ لَمَّا تَقَرَّرَ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةِ لَا يُسَمَّى كَافِرًا وَلَا يُسَمَّى أَيْضًا ظَالِمًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ قَدْ فُسِّرَ بِالشِّرْكِ، بَقِيَتِ الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ، فَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ: ظَاهِرُ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا وَاخْتَرَعَ حُكْمًا يُخَالِفُ بِهِ حُكْمَ اللَّهِ وَجَعَلَهُ دِينًا يُعْمَلُ بِهِ فَقَدْ لَزِمَهُ مِثْلُ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ حَاكِمًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ اسْتَحَقَّ جَزِيلَ الْأَجْرِ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ مُنَافَسَتِهِ فَاقْتَضَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَأَجَلِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ. الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قُلْتُ: وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْعَبْدِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ هُوَ الرُّؤَاسِيُّ بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) رَجُلٍ بِالْجَرِّ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالنَّصْبِ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى هَلَكَتِهِ) بِفَتَحَاتٍ أَيْ عَلَى إِهْلَاكِهِ أَيْ إِنْفَاقِهِ (فِي الْحَقِّ).
قَوْلُهُ (وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ: وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِكْمَةِ الْقُرْآنُ كما فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَضَابِطُهَا مَا مَنَعَ الْجَهْلَ وَزَجَرَ عَنِ الْقُبْحِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْمُرَادُ بِالْحَسَدِ هُنَا الْغِبْطَةُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ويحمي البيضة، وأن يكون أهلًا للقضاء بأن يكون مسلمًا مكلَّفًا حرًّا عدلًا ذَكَرًا مجتهدًا ذا رأي وسمعٍ وبصرٍ ونطقٍ، وتنعقد الإمامة ببيعة أهل العقد والحلِّ من العلماء ووجوه النَّاس المتيسِّر اجتماعهم، وباستخلاف الإمام من يعيِّنه في حياته، ويشترط القبول في حياته؛ ليكون خليفةً بعد موته، وباستيلاء متغلِّبٍ على الإمامة ولو غير أهلٍ لها؛ كصبيٍّ وامرأةٍ بأن قهر النَّاسَ بشوكته وجنده؛ وذلك لينتظم شمل المسلمين.
والحديث سبق في «المناقب (١)» [خ¦٣٥٠١]، وأخرجه مسلمٌ (٢) في «المغازي».
(٣) (باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالحِكْمَةِ) وسقط لفظ «أجر» لأبي زيد المروزيِّ، أي: من قضى بحكم الله تعالى، فلو قضى بغير حكم الله تعالى فسق (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]) الخارجون عن طاعة الله، وقال أبو منصورٍ ﵀: يجوز أن يُحمَل على الجحود في الثَّلاثة؛ يعني قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿فَأُوْلَئِكَ (٣) هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فيكون ظالمًا كافرًا فاسقًا؛ لأنَّ الفاسق المطلقَ والظَّالم المطلَق هو الكافر، وقيل: التَّعريف فيه للعهد، قال ابن بطَّالٍ: مفهوم الآية: أنَّ مَن حكم بما أنزل الله؛ استحقَّ جزيل الأجر.
٧١٤١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ) بفتح العين المهملة وتشديد الموحَّدة، الرُّؤاسيُّ القيسيُّ العبديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء، ابن عبد الرَّحمن الرُّؤاسيُّ القيسيُّ الكوفيُّ (عَنْ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي خالدٍ (عَنْ قَيْسٍ) هو ابن أبي حازمٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ﵁
أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا حَسَدَ): لا غِبْطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) أي: خصلتين (رَجُلٌ) بالرَّفع على الاستئناف (آتَاهُ) أي: أعطاه (اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ) بفتحاتٍ: إهلاكه، أي: إنفاقه (فِي الحَقِّ، وَ) رجلٌ (آخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً) بكسر الحاء وسكون الكاف: علمًا يمنعه عن (١) الجهل، ويزجره عن القبح (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بالحكمة بين النَّاس (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وفيه التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال، وتعليم (٢) العلم، وقيل: إنَّ فيه تخصيصًا لإباحة نوعٍ من الحسد وإن كانت جملته محظورةً، وإنَّما رخَّص فيها؛ لما يتضمَّن مصلحة الدِّين، قال أبو تمَّامٍ (٣):
............................ … وما حاسدٌ في المكرمات بحاسدٍ
وقيل: معناه: لا يحسن الحسد في موضعٍ إلَّا في هذين الموضعين، وقال الطِّيبيُّ: أثبت الحسد في الحديث؛ لإرادة المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين؛ يعني: ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم؛ فينبغي أن يُتَحرَّى ويُجتَهد في تحصيلهما، فكيف بالطَّريق المحمودة؟ وكيف لا وكلُّ واحدةٍ من الخصلتين بلغت غايةً (٤) لا أمد فوقها؟ وإذا اجتمعتا (٥) في امرئٍ؛ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ، قال ابن المُنَيِّر: ليس المراد بالنَّفي (٦) حقيقته، وإلَّا لزم الخُلْف؛ لأنَّ النَّاس حَسَدوا في غير هاتين الخصلتين، وغبطوا من فيه سواهما، فليس هو خبرًا، والمراد به: الحكم، ومعناه: حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين، فكأنَّه قال: هما آكد القُربات التي يُغبَط بها، وفيه التَّرغيب في ولاية القضاء لمن جمع شروطه، وقوي (٧) على أعمال الحقِّ، ووجد له (٨) أعوانًا لما فيه من الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحقِّ لمستحقِّه وكفِّ يد الظَّالم، والإصلاح بين النَّاس، وذلك كلُّه من القُرُبات، وهو من مرتبته ﷺ، وعند ابن المنذر