«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَلَقَدْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7236

الحديث رقم 7236 من كتاب «كتاب التمني» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الرجل لولا الله ما اهتدينا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب…

«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، يَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا نَحْنُ، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ: الْمَلَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا أَبَيْنَا. يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.»

سند حديث: ٧٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي…

٧٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب…

أخبر البراء بن مالك رضي الله عنه عن حال من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يوم غزوة الخندق، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال، وكان سببها أن نفرًا من رؤساء اليهود انطلقوا إلى كفار مكة مشجِّعين لهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعوا الجموع، وحزَّبوا الأحزاب، فاجتمعت قريش وقادتها، وغطفان وقادتها، وفزارة وقادتها، وغيرهم من أخلاط الناس، وخرجوا بقوتهم وسلاحهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة، ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربهم شاور أصحابه، فأشار سلمان الفارسي بالخندق، فحفروا الخندق، وتحصنوا به، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف، فبرز، وأقام على الخندق، وجاءت الأحزاب، ونزلت من الجانب الآخر، ونقضت يهود قُريظة ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاونوا الأحزاب عليه، واشتد البلاء على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ جاء عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، فأقام المسلمون على تلك الحال قريبًا من شهر إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة، فاختلفوا، وأرسل الله عليهم ريحًا عاصفة في ليال شديدة البرد، فجعلت تقلب آنيتهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفأ قدورهم، حتى أشرفوا على الهلاك، فارتحلوا متفرقين في كل وجه، لا يلوي أحد على أحد، وكفى الله المؤمنين القتال.
وكان عليه الصلاة والسلام في وقت حقر الخندق ينقل التراب حتى صار بطنه مغبّرًا، وكان يقول شعرًا معناه: والله لولا أن هدانا الله ما كنا لنهتدي، ولا كنا لنتصدق أو نصلي، فأنزل يا ربُّ السكونَ والثباتَ والطمأنينةَ علينا، وثبِّت أقدامَنا إذا واجهنا العدو، فلا نهرب ولا نتزعزع، إن الجماعة السابقة بالشر قد بغوا علينا، إذا أرادوا أن يفتنونا عن ديننا امتنعنا وأبينا، وكان يرفع صوته بقوله: أبينا أبينا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز التحصن، والاحتراز من المكروهات، والأخذ بالحزم، والعمل في العادات بمقتضاها، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل، ولا منقص منه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على كمال المعرفة بالله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب.
  • تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحمله للتراب.
  • إنشاد النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه ما يدل على ما يفعله أهل الفسوق من الغناء المحرم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «كان النبي ﷺ ينقل معنا التراب يوم الأحزاب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ مِنْ كِتَابِ الْمَرْضَى قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ فَاقَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ بِعَدُوٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا،

فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضَرَرًا أَوْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ فعَلَهُ خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ لذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى الضُّرِّ وَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَلْيَقُلِ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ. قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الدُّعَاءِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّمَنِّي لِيَكُونَ عَوْنًا عَلَى تَرْكِ التَّمَنِّي.

قَوْلُهُ: (إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يُسْتَعْتَبُ) كَذَا لَهُمْ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلِ نَصْبٍ نَحْوُ يَكُونُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَقَوْلُهُ: يُسْتَعْتَبُ أَيْ يَسْتَرْضِي اللَّهَ بِالْإِقْلَاعِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِعْتَابُ طَلَبُ الْإِعْتَابِ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِزَالَةِ، أَيْ: يَطْلُبُ إِزَالَةَ الْعِتَابِ، عَاتَبَهُ: لَامَهُ، وَأَعْتَبَهُ: أَزَالَ عِتَابَهُ: قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَهُوَ مِمَّا جَاءَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ إِذْ الِاسْتِفْعَالُ إِنَّمَا يَنْبَنِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ لَا مِنَ الْمَزِيدِ فِيهِ انْتَهَى.

وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ انْحِصَارُ حَالِ الْمُكَلَّفِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُخَلِّطًا فَيَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَزِيدَ إِحْسَانًا أَوْ يَزِيدَ إِسَاءَةً أَوْ يَكُونَ مُحْسِنًا فَيَنْقَلِبَ مُسِيئًا أَوْ يَكُونَ مُسِيئًا فَيَزْدَادَ إِسَاءَةً، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّ غَالِبَ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ شِفَاهًا الصَّحَابَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا مَعَ شَرْحِهِ هُنَاكَ، وَقَدْ خَطَرَ لِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَغْبِيطِ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ وَتَحْذِيرِ الْمُسِيءِ مِنْ إِسَاءَتِهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ مُحْسِنًا فَلْيَتْرُكْ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ وَلْيَسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ، وَمَنْ كَانَ مُسِيئًا فَلْيَتْرُكْ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ وَلْيُقْلِعْ عَنِ الْإِسَاءَةِ لِئَلَّا يَمُوتَ عَلَى إِسَاءَتِهِ فَيَكُونَ عَلَى خَطَرٍ، وَأَمَّا مَنْ عَدَا ذَلِكَ مِمَّنْ تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِذْ لَا انْفِكَاكَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَنْبِيهٌ:

أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُعْطَى وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ.

٧ - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

٧٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ يَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ: الْمَلَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) إِشَارَةٌ إِلَى رِوَايةٍ مُخْتَصَرَةٍ أَوْرَدَهَا فِي بَابِ حَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَأَوْرَدَهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ أَتَمَّ سِيَاقًا وَقَوْلُهُ: هُنَا

لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَفِي بَعْضِهَا: لَوْلَا اللَّهُ هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ بَعْضِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَيُسَمَّى الْخَرْمَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ:

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقد سبق في «باب تمنِّي المريض الموت» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧١] مزيدٌ على ما هنا، فليراجع، وفي الحديث: التَّصريح بكراهة تمنِّي الموت لضرٍّ نزل به من فاقةٍ أو محنةٍ بعدوٍّ ونحوه من مشاقِّ الدُّنيا، وأمَّا إذا خاف ضررًا أو فتنةً فلا كراهة فيه، وفي مناسبة الأحاديث الثَّلاثة للآية المسوقة قبلها غموضٌ إلَّا إن كان أراد أنَّ المكروه من التَّمنِّي هو جنس ما دلَّت عليه الآية وما دلَّ عليه الحديث، وحاصل ما في الآية الزَّجر عن الحسد، وحاصل ما في الحديث الحثُّ على الصَّبر؛ لأنَّ تمنِّي الموت غالبًا ينشأ عن وقوع أمرٍ يختار الذي يقع به المَوت على الحياة، فإذا نُهيَ عن تمنِّي الموت؛ كان (١) كأنَّه أمرٌ بالصَّبر على ما نزل به، ومجمع (٢) الآية والحديث الحثُّ على الرِّضا بالقضاء، والتَّسليم لأمر الله تعالى، قاله في «فتح الباري».

(٧) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «النَّبيِّ» ﷺ: (لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا).

٧٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جبلة بن أبي رَوَّادٍ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا (٣) التُّرَابَ) ونحن نحفر الخندق (يَوْمَ الأَحْزَابِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه حال كونه (وَارَى) بألفٍ وفتح الرَّاء من غير همزٍ، أي: غطَّى (التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ) حال كونه (يَقُولُ) يرتجز بكلام ابن رواحة عبد الله، أو هو من كلام عامر بن الأكوع، وسبق ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنيِّ: «وإنَّ التُّراب

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ مِنْ كِتَابِ الْمَرْضَى قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ فَاقَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ بِعَدُوٍّ وَنَحْوِهِ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا،

فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضَرَرًا أَوْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ فعَلَهُ خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ لذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى الضُّرِّ وَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَلْيَقُلِ الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ. قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الدُّعَاءِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّمَنِّي لِيَكُونَ عَوْنًا عَلَى تَرْكِ التَّمَنِّي.

قَوْلُهُ: (إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يُسْتَعْتَبُ) كَذَا لَهُمْ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلِ نَصْبٍ نَحْوُ يَكُونُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ وَاضِحَةٌ، وَقَوْلُهُ: يُسْتَعْتَبُ أَيْ يَسْتَرْضِي اللَّهَ بِالْإِقْلَاعِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِعْتَابُ طَلَبُ الْإِعْتَابِ وَالْهَمْزَةُ لِلْإِزَالَةِ، أَيْ: يَطْلُبُ إِزَالَةَ الْعِتَابِ، عَاتَبَهُ: لَامَهُ، وَأَعْتَبَهُ: أَزَالَ عِتَابَهُ: قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَهُوَ مِمَّا جَاءَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ إِذْ الِاسْتِفْعَالُ إِنَّمَا يَنْبَنِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ لَا مِنَ الْمَزِيدِ فِيهِ انْتَهَى.

وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ انْحِصَارُ حَالِ الْمُكَلَّفِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُخَلِّطًا فَيَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَزِيدَ إِحْسَانًا أَوْ يَزِيدَ إِسَاءَةً أَوْ يَكُونَ مُحْسِنًا فَيَنْقَلِبَ مُسِيئًا أَوْ يَكُونَ مُسِيئًا فَيَزْدَادَ إِسَاءَةً، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّ غَالِبَ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ شِفَاهًا الصَّحَابَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا مَعَ شَرْحِهِ هُنَاكَ، وَقَدْ خَطَرَ لِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَغْبِيطِ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ وَتَحْذِيرِ الْمُسِيءِ مِنْ إِسَاءَتِهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ مُحْسِنًا فَلْيَتْرُكْ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ وَلْيَسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ، وَمَنْ كَانَ مُسِيئًا فَلْيَتْرُكْ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ وَلْيُقْلِعْ عَنِ الْإِسَاءَةِ لِئَلَّا يَمُوتَ عَلَى إِسَاءَتِهِ فَيَكُونَ عَلَى خَطَرٍ، وَأَمَّا مَنْ عَدَا ذَلِكَ مِمَّنْ تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِذْ لَا انْفِكَاكَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَنْبِيهٌ:

أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنْظُرْ مَا يَتَمَنَّى فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يُعْطَى وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ.

٧ - بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

٧٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ يَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا، وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ: الْمَلَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ: (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) إِشَارَةٌ إِلَى رِوَايةٍ مُخْتَصَرَةٍ أَوْرَدَهَا فِي بَابِ حَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَأَوْرَدَهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ أَتَمَّ سِيَاقًا وَقَوْلُهُ: هُنَا

لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَفِي بَعْضِهَا: لَوْلَا اللَّهُ هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ بَعْضِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَيُسَمَّى الْخَرْمَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ:

وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقد سبق في «باب تمنِّي المريض الموت» من «الطِّبِّ» [خ¦٥٦٧١] مزيدٌ على ما هنا، فليراجع، وفي الحديث: التَّصريح بكراهة تمنِّي الموت لضرٍّ نزل به من فاقةٍ أو محنةٍ بعدوٍّ ونحوه من مشاقِّ الدُّنيا، وأمَّا إذا خاف ضررًا أو فتنةً فلا كراهة فيه، وفي مناسبة الأحاديث الثَّلاثة للآية المسوقة قبلها غموضٌ إلَّا إن كان أراد أنَّ المكروه من التَّمنِّي هو جنس ما دلَّت عليه الآية وما دلَّ عليه الحديث، وحاصل ما في الآية الزَّجر عن الحسد، وحاصل ما في الحديث الحثُّ على الصَّبر؛ لأنَّ تمنِّي الموت غالبًا ينشأ عن وقوع أمرٍ يختار الذي يقع به المَوت على الحياة، فإذا نُهيَ عن تمنِّي الموت؛ كان (١) كأنَّه أمرٌ بالصَّبر على ما نزل به، ومجمع (٢) الآية والحديث الحثُّ على الرِّضا بالقضاء، والتَّسليم لأمر الله تعالى، قاله في «فتح الباري».

(٧) (بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «النَّبيِّ» ﷺ: (لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا).

٧٢٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عثمان بن جبلة بن أبي رَوَّادٍ البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج أنَّه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﵁ أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا (٣) التُّرَابَ) ونحن نحفر الخندق (يَوْمَ الأَحْزَابِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) صلوات الله وسلامه عليه حال كونه (وَارَى) بألفٍ وفتح الرَّاء من غير همزٍ، أي: غطَّى (التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ) حال كونه (يَقُولُ) يرتجز بكلام ابن رواحة عبد الله، أو هو من كلام عامر بن الأكوع، وسبق ذلك، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنيِّ: «وإنَّ التُّراب

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 65%
البدر بعد 6 يوم
اللهم صل على محمد

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56