«لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ.» بَابُ مَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢٣٧

الحديث رقم ٧٢٣٧ من كتاب «كتاب التمني» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب كراهية تمني لقاء العدو.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٢٣٧ في صحيح البخاري

«لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ.»

بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوْ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٧٢٣٧

٧٢٣٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ

⦗٨٥⦘

كَاتِبًا لَهُ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٢٣٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ:

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْجُزْءِ زِيَادَةُ سَبَبٍ خَفِيفٍ وَهُوَ الْخَزْمُ بِالزَّايِ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالرِّوَايَةُ الْوُسْطَى سَالِمَةٌ مِنَ الْخَرْمِ وَالْخَزْمِ مَعًا. وَقَوْلُهُ هُنَا: إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ:

إِنَّ الْمَلَأَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ

إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

وَلَمْ يَتَرَدَّدْ وَالْأُلَى بِهَمْزَةٍ مَضْمُومًا غَيْرِ مَمْدُودَةٍ. وَاللَّامُ بَعْدَهَا مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِينَ وَإِنَّمَا يَتَّزِنُ بِلَفْظِ الَّذِينَ فَكَأَنَّ أَحَدَ الرُّوَاةِ ذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى، وَمَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظِ: إِنَّ الْعِدَا وَهُوَ غَيْرُ مَوْزُونٍ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ الْأَعَادِي لَا تُزَنْ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ:

وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

وَهَذَا مَوْزُونٌ، ذَكَرَهُ فِي رَجَزِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزَوْهِ خَيْبَرَ.

قَوْلُهُ: قَبْلَ ذَلِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ) بِسُكُونِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بِلَفْظِ: الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الْمُوَارَاةِ، أَيْ غَطَّى وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: وَإِنَّ التُّرَابَ لَمُوَارٍ.

قَوْلُهُ: (بَيَاضَ بَطْنِهِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَقَالَ: بَيَاضَ إِبْطَيْهِ تَثْنِيَةُ الْإِبْطِ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ الشَّاعِرَ الْأَنْصَارِيَّ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ، وَمَا فِي الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ زِحَافٍ وَتَوْجِيهَهُ.

وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشِّعْرِ إِنْشَادًا وَإِنْشَاءً فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَفِي حَقِّ مَنْ دُونَهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَوْلَا عِنْدَ الْعَرَبِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ تَقُولُ: لَوْلَا زَيْدٌ مَا صِرْتُ إِلَيْكَ أَيْ كَانَ مَصِيرِي إِلَيْكَ مِنْ أَجْلِ زَيْدٍ وَكَذَلِكَ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا أَيْ كَانَتْ هِدَايَتُنَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الرَّاغِبُ: لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ خَبَرَهُ الْحَذْفُ وَيُسْتَغْنَى بِجَوَابِهِ عَنِ الْخَبَرِ قَالَ وَتَجِيءُ بِمَعْنَى هَلَّا نَحْوَ لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَمِثْلُهُ: لَوْمَا بِالْمِيمِ بَدَلَ اللَّامِ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَوْلَا تَجِيءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى جُمْلَةٍ لِتَرْبِطَ امْتِنَاعَ الثَّانِيَةِ بِوُجُودِ الْأُولَى نَحْوُ لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُكَ أَيْ لَوْلَا وُجُودُهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ فَالتَّقْدِيرُ: لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أَشُقَّ لَأَمَرْتُ أَمْرَ إِيجَابٍ وَإِلَّا لَانْعَكَسَ مَعْنَاهَا، إِذِ الْمُمْتَنِعُ الْمَشَقَّةُ، وَالْمَوْجُودُ الْأَمْرُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِيءُ لِلْحَضِّ وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ وَلِلْعَرْضِ وَهُوَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَأَدَبٍ، فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ نَحْوُ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَجِيءُ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ فَتَخْتَصُّ بِالْمَاضِي نَحْوُ ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أَيْ: هَلَّا انْتَهَى.

وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنَ أَنَّهَا تَجِيءُ بِمَعْنَى لِمَ لَا وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَمَوْقِعُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِذَا عَلَّقَ بِهَا الْقَوْلَ الْحَقَّ، لَا يَمْنَعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، كَمَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ فَيَقُولُ: لَوْلَا فَعَلْتُ كَذَا مَا كَانَ كَذَا، فَلَوْ حَقَّقَ لَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، سَوَاءٌ فَعَلَ أَمْ تَرَكَ فَقَوْلُهَا وَاعْتِقَادُ مَعْنَاهَا يُفْضِي إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ.

٨ - بَاب كَرَاهِيَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَرَوَاهُ الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ

٧٢٣٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لَموارٍ بياض إِبْطَيه» بكسر الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الطَّاء المهملة، تثنية «إبطٍ» والجملة حاليَّةٌ: (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) قال ابن بطَّالٍ: «لولا» عند العرب يمتنع بها الشَّيء لوجود غيره، تقول: لولا زيدٌ ما صرت إليك أي: كان مصيري إليك من أجل زيد، وكذلك «لولا الله ما اهتدينا» أي: كانت هدايتنا من قِبَل الله (وَلاتَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فأَنْزِلَنْ) بنون التَّأكيد الخفيفة (سَكِيَنةً): وقارًا وطمأنينةً (عَلَيْنَا، إِنَّ الأُلَى) بضمِّ الهمزة فلامٍ مفتوحةٍ: الذين (-وَرُبَّمَا قَالَ) : (إنَّ المَلَا- قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً؛ أَبَيْنَا أَبَيْنَا) مرَّتين، من الإباء أي: امتنعنا (يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ).

والحديث ومباحثه مرّا في «غزوة الخندق» [خ¦٢٨٣٧].

(٨) (باب كَرَاهِيَةِ التَّمَنِّي لِقَاءَ العَدُوِّ) بنصب «لقاء» على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «تمنِّي» بإسقاط الألف واللَّام «لقاءِ» بالجرِّ على الإضافة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «التَّمنِّي للقاء العدوِّ» بزيادة لامٍ قبل التي بعدها القاف (وَرَوَاهُ) أي: كراهية تمنِّي لقاء العدو (الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وسبق أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠٢٦].

٧٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن المهلَّب الأزديُّ البغداديُّ أصله من الكوفة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد الفَزَاريُّ، بفتح الفاء والزَّاي (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ) بالتَّنوين (أَبِي النَّضْرِ) بالنُّون المفتوحة والمعجَمة السَّاكنة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما القرشيِّ - (وَكَانَ) أبو النَّضر (كَاتِبًا لَهُ) أي: لمولاه عمر- أنَّه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ) أي: لعمر بن عبيد الله (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة الصحابيُّ كتابًا (فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا تَتَمَنَّوْا) بفتح النُّون

المشدَّدة (لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا (١) اللهَ العَافِيَةَ) من المكاره والبليَّات في الدُّنيا والآخرة، فإن قلت: لا ريب أنَّ تمنِّي الشَّهادة محبوبٌ، فكيف ينهى عن تمنِّي لقاء العدوِّ وهو يُفضي إلى المحبوب؟ أُجيب بأنَّ حصول الشَّهادة أخصُّ من اللِّقاء؛ لإمكان تحصيل الشَّهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزِّه، واللِّقاء قد يُفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنِّيه، ولا ينافي ذلك تمنِّي الشَّهادة.

(٩) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوِّْ) بألفٍ ولامينِ وواوٍ ساكنةٍ مخفَّفةٍ في الفرع وأصله (٢) ويُروى بتشديدها، واستُشكِل بأنَّ «لو» حرفٌ، وأهل العربية لا يُجيزون دخول الألف واللام على الحروف، قاله القاضي عياضٌ، وأُجيب بأنَّ «لو» هنا مسمًّى بها، فهي اسمٌ زِيْدَ فيه واوٌ أخرى، ثم أُدغمت الأولى في الثَّانية على القاعدة المقرَّرة في بابها، فلا بِدْعَ إذًا في دخول علامات الأسماء عليها؛ إذ لم تدخل وهي حرفٌ، إنَّما دخلت وهي اسمٌ، وقال صاحب «النِّهاية»: الأصل «لو» ساكنة الواو، وهي حرفٌ من حروف المعاني يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره غالبًا، فلمَّا سُمِّيَ بها زِيْدَ فيها، فلمَّا أرادوا (٣) إعرابها أُتي فيها بالتعريف لتكون علامةً لذلك، ومن ثَمَّ شدَّد الواو، وقد سُمِع بالتشديد منوَّنًا، قال (٤):

أُلَامُ على لَوٍّ ولَو كُنْتُ عالمًا … بإدبار (٥) لوٍّ لمَ تَفُتني أوائلُه

وقال آخر:

لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي ليتُ … إنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عَناءُ

وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ : «لو» إنَّما لا يدخلها الألف واللام إذا بقيت على

الحرفيَّة، أمَّا إذا سُمِّي بها فهي من جملة الحروف التي سُمعتِ التَّسمية بها من حروف الهجاء، ومن (١) حروف المعاني، ومن شواهده قوله:

وقِدْمًا أَهْلَكَتْ لوٌّ كثيرًا … وقبلَ اليَوْمِ عَالَجَها قُدارُ

فأضاف إليها واوًا أخرى، وأدغمها، وجعلها فاعلًا، قال: ومقصود البخاريِّ بالتَّرجمة وأحاديثها: أنَّ النُّطق بـ «لو» لا يُكره في الإطلاق، وإنَّما يكره في شيءٍ مخصوصٍ، يؤخَذ ذلك من قوله: «من اللَّوِّ» فأشار إلى التبعيض، ولورودها في الأحاديث الصَّحيحة، وقيل: إنَّ البخاريَّ أشار بقوله: «ما يجوز من اللَّوِّ» إلى أنَّ «اللَّوَّ» في الأصل لا يجوز إلَّا ما استُثني، وعند النَّسائيِّ وابن ماجه من طريق محمَّد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة يَبْلُغ به النبيَّ قال: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعك ولا تعجِزْ، فإن غلبك أمرٌ فقل: قدَّر الله وما شاء فَعَلَ، وإياك واللَّوَّ؛ فإنَّ اللَّوَّ تفتح عمل الشَّيطان» هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ النَّسائيِّ قال: قال رسول الله … ، والباقي سواءٌ إلَّا أنَّه قال: «وما شاء، وإيَّاك … » وأخرجه النَّسائيُّ والطبريُّ والطَّحاويُّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان فقال: عن محمَّد بن يحيى بن حبَّان عن الأعرج، ولفظ النَّسائيِّ: «وفي كلٍّ خيرٌ» وفيه: «احرص على ما ينفعك، واستعِنْ بالله ولا تعجِز، وإذا أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلت كذا وكذا، ولكن قُل: قَدَّر الله وما شاء فعل»، قال في «الفتح»: هذه الطريق أصحُّ طرق هذا الحديث، وقوله: «فإنَّ اللَّوَّ تفتح عمل الشَّيطان» أي: تُلقي في القلب معارضةَ القَدَر، فيوسوس به الشَّيطان، ولا معارضة بين ما ورد من الأحاديث الدالَّة على الجواز والدالَّة على النَّهي؛ لأنَّ النَّهي مخصوصٌ بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى لا تقل لشيءٍ لم يقع: لو أنِّي فعلت كذا لوقع، قاضيًا بتحتُّم ذلك، غير مضمرٍ في نفسك شَرْطَ مشيئة الله، وما ورد من قول: «لو» محمولٌ على ما إذا كان قائلُه موقنًا بالشَّرط المذكور وهو أنَّه لا يقع شيءٌ إلَّا بمشيئة الله وإرادته، قاله الطبريُّ، وقال غيره: الظاهر أنَّ النَّهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، أمَّا من قاله تأسُّفًا على ما فاته من طاعة الله فلا بأس به.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ:

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا

وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْجُزْءِ زِيَادَةُ سَبَبٍ خَفِيفٍ وَهُوَ الْخَزْمُ بِالزَّايِ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالرِّوَايَةُ الْوُسْطَى سَالِمَةٌ مِنَ الْخَرْمِ وَالْخَزْمِ مَعًا. وَقَوْلُهُ هُنَا: إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ:

إِنَّ الْمَلَأَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ

إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

وَلَمْ يَتَرَدَّدْ وَالْأُلَى بِهَمْزَةٍ مَضْمُومًا غَيْرِ مَمْدُودَةٍ. وَاللَّامُ بَعْدَهَا مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِينَ وَإِنَّمَا يَتَّزِنُ بِلَفْظِ الَّذِينَ فَكَأَنَّ أَحَدَ الرُّوَاةِ ذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى، وَمَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظِ: إِنَّ الْعِدَا وَهُوَ غَيْرُ مَوْزُونٍ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ الْأَعَادِي لَا تُزَنْ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ:

وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

وَهَذَا مَوْزُونٌ، ذَكَرَهُ فِي رَجَزِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزَوْهِ خَيْبَرَ.

قَوْلُهُ: قَبْلَ ذَلِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ) بِسُكُونِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بِلَفْظِ: الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الْمُوَارَاةِ، أَيْ غَطَّى وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: وَإِنَّ التُّرَابَ لَمُوَارٍ.

قَوْلُهُ: (بَيَاضَ بَطْنِهِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَقَالَ: بَيَاضَ إِبْطَيْهِ تَثْنِيَةُ الْإِبْطِ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ الشَّاعِرَ الْأَنْصَارِيَّ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ، وَمَا فِي الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ زِحَافٍ وَتَوْجِيهَهُ.

وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشِّعْرِ إِنْشَادًا وَإِنْشَاءً فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَفِي حَقِّ مَنْ دُونَهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَوْلَا عِنْدَ الْعَرَبِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ تَقُولُ: لَوْلَا زَيْدٌ مَا صِرْتُ إِلَيْكَ أَيْ كَانَ مَصِيرِي إِلَيْكَ مِنْ أَجْلِ زَيْدٍ وَكَذَلِكَ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا أَيْ كَانَتْ هِدَايَتُنَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الرَّاغِبُ: لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُ خَبَرَهُ الْحَذْفُ وَيُسْتَغْنَى بِجَوَابِهِ عَنِ الْخَبَرِ قَالَ وَتَجِيءُ بِمَعْنَى هَلَّا نَحْوَ لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَمِثْلُهُ: لَوْمَا بِالْمِيمِ بَدَلَ اللَّامِ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لَوْلَا تَجِيءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى جُمْلَةٍ لِتَرْبِطَ امْتِنَاعَ الثَّانِيَةِ بِوُجُودِ الْأُولَى نَحْوُ لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُكَ أَيْ لَوْلَا وُجُودُهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ فَالتَّقْدِيرُ: لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أَشُقَّ لَأَمَرْتُ أَمْرَ إِيجَابٍ وَإِلَّا لَانْعَكَسَ مَعْنَاهَا، إِذِ الْمُمْتَنِعُ الْمَشَقَّةُ، وَالْمَوْجُودُ الْأَمْرُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِيءُ لِلْحَضِّ وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ وَلِلْعَرْضِ وَهُوَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَأَدَبٍ، فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ نَحْوُ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَجِيءُ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ فَتَخْتَصُّ بِالْمَاضِي نَحْوُ ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أَيْ: هَلَّا انْتَهَى.

وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنَ أَنَّهَا تَجِيءُ بِمَعْنَى لِمَ لَا وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَمَوْقِعُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِذَا عَلَّقَ بِهَا الْقَوْلَ الْحَقَّ، لَا يَمْنَعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، كَمَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ فَيَقُولُ: لَوْلَا فَعَلْتُ كَذَا مَا كَانَ كَذَا، فَلَوْ حَقَّقَ لَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، سَوَاءٌ فَعَلَ أَمْ تَرَكَ فَقَوْلُهَا وَاعْتِقَادُ مَعْنَاهَا يُفْضِي إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ.

٨ - بَاب كَرَاهِيَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَرَوَاهُ الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ

٧٢٣٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لَموارٍ بياض إِبْطَيه» بكسر الهمزة وسكون الموحَّدة وفتح الطَّاء المهملة، تثنية «إبطٍ» والجملة حاليَّةٌ: (لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا) قال ابن بطَّالٍ: «لولا» عند العرب يمتنع بها الشَّيء لوجود غيره، تقول: لولا زيدٌ ما صرت إليك أي: كان مصيري إليك من أجل زيد، وكذلك «لولا الله ما اهتدينا» أي: كانت هدايتنا من قِبَل الله (وَلاتَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فأَنْزِلَنْ) بنون التَّأكيد الخفيفة (سَكِيَنةً): وقارًا وطمأنينةً (عَلَيْنَا، إِنَّ الأُلَى) بضمِّ الهمزة فلامٍ مفتوحةٍ: الذين (-وَرُبَّمَا قَالَ) : (إنَّ المَلَا- قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً؛ أَبَيْنَا أَبَيْنَا) مرَّتين، من الإباء أي: امتنعنا (يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ).

والحديث ومباحثه مرّا في «غزوة الخندق» [خ¦٢٨٣٧].

(٨) (باب كَرَاهِيَةِ التَّمَنِّي لِقَاءَ العَدُوِّ) بنصب «لقاء» على المفعوليَّة، ولأبي ذرٍّ: «تمنِّي» بإسقاط الألف واللَّام «لقاءِ» بالجرِّ على الإضافة، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «التَّمنِّي للقاء العدوِّ» بزيادة لامٍ قبل التي بعدها القاف (وَرَوَاهُ) أي: كراهية تمنِّي لقاء العدو (الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) وسبق أواخر «الجهاد» [خ¦٣٠٢٦].

٧٢٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن المهلَّب الأزديُّ البغداديُّ أصله من الكوفة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن محمَّد الفَزَاريُّ، بفتح الفاء والزَّاي (عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ) الإمام في المغازي (عَنْ سَالِمٍ) بالتَّنوين (أَبِي النَّضْرِ) بالنُّون المفتوحة والمعجَمة السَّاكنة (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين فيهما القرشيِّ - (وَكَانَ) أبو النَّضر (كَاتِبًا لَهُ) أي: لمولاه عمر- أنَّه (قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ) أي: لعمر بن عبيد الله (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة الصحابيُّ كتابًا (فَقَرَأْتُهُ، فَإِذَا فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: لَا تَتَمَنَّوْا) بفتح النُّون

المشدَّدة (لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا (١) اللهَ العَافِيَةَ) من المكاره والبليَّات في الدُّنيا والآخرة، فإن قلت: لا ريب أنَّ تمنِّي الشَّهادة محبوبٌ، فكيف ينهى عن تمنِّي لقاء العدوِّ وهو يُفضي إلى المحبوب؟ أُجيب بأنَّ حصول الشَّهادة أخصُّ من اللِّقاء؛ لإمكان تحصيل الشَّهادة مع نصرة الإسلام ودوام عزِّه، واللِّقاء قد يُفضي إلى عكس ذلك، فنهى عن تمنِّيه، ولا ينافي ذلك تمنِّي الشَّهادة.

(٩) (بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوِّْ) بألفٍ ولامينِ وواوٍ ساكنةٍ مخفَّفةٍ في الفرع وأصله (٢) ويُروى بتشديدها، واستُشكِل بأنَّ «لو» حرفٌ، وأهل العربية لا يُجيزون دخول الألف واللام على الحروف، قاله القاضي عياضٌ، وأُجيب بأنَّ «لو» هنا مسمًّى بها، فهي اسمٌ زِيْدَ فيه واوٌ أخرى، ثم أُدغمت الأولى في الثَّانية على القاعدة المقرَّرة في بابها، فلا بِدْعَ إذًا في دخول علامات الأسماء عليها؛ إذ لم تدخل وهي حرفٌ، إنَّما دخلت وهي اسمٌ، وقال صاحب «النِّهاية»: الأصل «لو» ساكنة الواو، وهي حرفٌ من حروف المعاني يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره غالبًا، فلمَّا سُمِّيَ بها زِيْدَ فيها، فلمَّا أرادوا (٣) إعرابها أُتي فيها بالتعريف لتكون علامةً لذلك، ومن ثَمَّ شدَّد الواو، وقد سُمِع بالتشديد منوَّنًا، قال (٤):

أُلَامُ على لَوٍّ ولَو كُنْتُ عالمًا … بإدبار (٥) لوٍّ لمَ تَفُتني أوائلُه

وقال آخر:

لَيْتَ شِعْرِي وَأَيْنَ مِنِّي ليتُ … إنَّ ليتًا وإنَّ لوًّا عَناءُ

وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ : «لو» إنَّما لا يدخلها الألف واللام إذا بقيت على

الحرفيَّة، أمَّا إذا سُمِّي بها فهي من جملة الحروف التي سُمعتِ التَّسمية بها من حروف الهجاء، ومن (١) حروف المعاني، ومن شواهده قوله:

وقِدْمًا أَهْلَكَتْ لوٌّ كثيرًا … وقبلَ اليَوْمِ عَالَجَها قُدارُ

فأضاف إليها واوًا أخرى، وأدغمها، وجعلها فاعلًا، قال: ومقصود البخاريِّ بالتَّرجمة وأحاديثها: أنَّ النُّطق بـ «لو» لا يُكره في الإطلاق، وإنَّما يكره في شيءٍ مخصوصٍ، يؤخَذ ذلك من قوله: «من اللَّوِّ» فأشار إلى التبعيض، ولورودها في الأحاديث الصَّحيحة، وقيل: إنَّ البخاريَّ أشار بقوله: «ما يجوز من اللَّوِّ» إلى أنَّ «اللَّوَّ» في الأصل لا يجوز إلَّا ما استُثني، وعند النَّسائيِّ وابن ماجه من طريق محمَّد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة يَبْلُغ به النبيَّ قال: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعك ولا تعجِزْ، فإن غلبك أمرٌ فقل: قدَّر الله وما شاء فَعَلَ، وإياك واللَّوَّ؛ فإنَّ اللَّوَّ تفتح عمل الشَّيطان» هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ النَّسائيِّ قال: قال رسول الله … ، والباقي سواءٌ إلَّا أنَّه قال: «وما شاء، وإيَّاك … » وأخرجه النَّسائيُّ والطبريُّ والطَّحاويُّ من طريق عبد الله بن إدريس عن ربيعة بن عثمان فقال: عن محمَّد بن يحيى بن حبَّان عن الأعرج، ولفظ النَّسائيِّ: «وفي كلٍّ خيرٌ» وفيه: «احرص على ما ينفعك، واستعِنْ بالله ولا تعجِز، وإذا أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلت كذا وكذا، ولكن قُل: قَدَّر الله وما شاء فعل»، قال في «الفتح»: هذه الطريق أصحُّ طرق هذا الحديث، وقوله: «فإنَّ اللَّوَّ تفتح عمل الشَّيطان» أي: تُلقي في القلب معارضةَ القَدَر، فيوسوس به الشَّيطان، ولا معارضة بين ما ورد من الأحاديث الدالَّة على الجواز والدالَّة على النَّهي؛ لأنَّ النَّهي مخصوصٌ بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فالمعنى لا تقل لشيءٍ لم يقع: لو أنِّي فعلت كذا لوقع، قاضيًا بتحتُّم ذلك، غير مضمرٍ في نفسك شَرْطَ مشيئة الله، وما ورد من قول: «لو» محمولٌ على ما إذا كان قائلُه موقنًا بالشَّرط المذكور وهو أنَّه لا يقع شيءٌ إلَّا بمشيئة الله وإرادته، قاله الطبريُّ، وقال غيره: الظاهر أنَّ النَّهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، أمَّا من قاله تأسُّفًا على ما فاته من طاعة الله فلا بأس به.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله