«لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٢٣٢

الحديث رقم ٧٢٣٢ من كتاب «كتاب التمني» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تمني القرآن والعلم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله…

«لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ،» حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بِهَذَا.

سند حديث: ٧٢٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي…

٧٢٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله…

يُشير النبي صلى الله عليه وسلم هنا إلى أن الحَسَدَ أنواع مختلفة فمنه حسد مَذْمُوم محرم شرعًا، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعًا، وهو أن يرى نعمة دينية عند غيره فيتمناها لنفسه. وهو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا حَسَدَ إلا في اثنتين" أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حسب اختلاف أنواعه ولا يكون محمودًا مستحبًا شرعيًا إلا في أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالا حلالا، فينفقه في سبيل الله تعالى، فيتمنى أن يكون مثله، ويَغْبِطَه على هذه النعمة.
الأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علما نافعا يعمل به، ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس، فيتمنى أن يكون مثله.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحَسَدُ داء خطير يجب الابتعاد عنه والحذر منه.
  • حسد الغِبْطَة محمود إذا كان في وجوه الخير.
  • فضل الغني الذي لا يبخل بما آتاه الله .
  • الواجب شكر المُنْعِم على ما أنعم به على العبد وذلك بأن يضعها العبد في موضعها.
  • استحباب الإنفاق وبذل المال والخروج عنه بالكلية في وجوه الخير ما لم يؤد إلى حرمان الورثة أو سؤال الناس ونحو ذلك مما حَرَّمَه الشرع.
  • فضل العلم بأحكام الدين وتعليم الناس ودعوتهم إلى التفقه في الدين.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥ - بَاب تَمَنِّي الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ

٧٢٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: بَابُ تَمَنِّي الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا تَحَاسُدُ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَمَنِّي الْقُرْآنِ وَأَضَافَ الْعِلْمَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ هُنَا: فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ بِزِيَادَةِ مِنْ.

قَوْلُهُ: يَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْقَائِلِ وَظَاهِرُهُ الَّذِي أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ السَّامِعُ وَأَفْصَحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَلَفْظُهُ ; فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ إِلَخْ، وَلَفْظُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَدْخَلُ فِي التَّمَنِّي لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ.

٦ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَنِّي ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

٧٢٣٣ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا تَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُ.

٧٢٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ قَالَ أَتَيْنَا خَبَّابَ بْنَ الأَرَتِّ نَعُودُهُ وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا فَقَالَ لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ

٧٢٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ - اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي) قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ تَمَنِّي مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ أَيْ مِمَّا يُبَاحُ، وَعَلَى هَذَا فَالنَّهْيُ عَنِ التَّمَنِّي مخُصُوصِ بِمَا يَكُونُ دَاعِيَةً إِلَى الْحَسَدِ، وَالتَّبَاغُضِ، وَعَلَى هَذَا يحملُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ كَذَا. وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ كُلَّ التَّمَنِّي يَحْصُلُ بِهِ الْإِثْمُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ كُلُّهَا فِي الزَّجْرِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَفِي مُنَاسَبَتِهَا لِلْآيَةِ غُمُوضٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مِنَ التَّمَنِّي هُوَ جِنْسُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَمَا دَلَّ

عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْآيَةِ الزَّجْرُ عَنِ الْحَسَدِ، وَحَاصِلُ مَا لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ) لِأَنَّ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ غَالِبًا يَنْشَأُ عَنْ وُقُوعِ أَمْرٍ يَخْتَارُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ، فَإِذَا نَهَى عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ كَأنَ أَمَرَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ، وَيَجْمَعُ الْحَدِيثُ وَالْآيَةُ الْحَثَّ عَلَى الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ عَنْهُ فِي: بَابِ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ مِنْ كِتَابِ الْمَرْضَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ; فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، الْحَدِيثَ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ مَثَلًا ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِتَحْصِيلِ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّذَلُّلِ لَهُ وَالِاحْتِيَاجِ وَالْمَسْكَنَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِاحْتِيَاجِ الدَّاعِي إِلَيْهَا فَقَدْ تَكُونُ قُدِّرَتْ لَهُ إِنْ دَعَا بِهَا فَكُلٌّ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ مُقَدَّرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ بَلْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ. وَهِيَ طَلَبُ إِزَالَةِ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَإِنَّ اسْتِمْرَارَ الْإِيمَانِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ في الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: عَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَحْوَلِ وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً كَهَذَا، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ، فَذَكَرَهُ. وَقَوْلُهُ: لَا تَمَنَّوْا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَثَالِثُهُ مُشَدَّدًا وَهِيَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَتَمَنَّوْا وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَنَسٍ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَرْضَى وَأَوْرَدَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.

وَمُحَمَّدٌ في الْحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَعَبْدَةَ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَرْضَى

وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَا لِهِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ:، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ لِمَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَتَابَعَهُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، شُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَبد الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ قَالَ النَّسَائِيُّ: إِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: (لَا يَتَمَنَّى) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ أَوْ هُوَ لِلنَّهْيِ وَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا لَا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَمَعَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَالنُّطْقِ، وَفِي قَوْلِهِ: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ إِشَارَةٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنْ كَرَاهِيَتِهِ إِذَا حَضَرَ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ: اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَكَلَامُهُ بَعْدَمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْمَوْتِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ خَطَبَ بِذَلِكَ وَفَهِمَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي طَلَبِ الْمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِهِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةً لِلْقَدَرِ وَإِنْ كَانَتِ الْآجَالُ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ، فَإِنَّ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ لَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَتِهَا وَلَا نَقْصِهَا، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ قَدْ غُيِّبَ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٥) (بابُ تَمَنِّي القُرْآنِ وَالعِلْمِ).

٧٢٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن بلالٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تَحَاسُدَ) بفوقيَّةٍ قبل الحاء المهملة وألفٍ بعدها وضمِّ السِّين المهملة، وفي «كتاب العلم» [خ¦٧٣] «لا حسد» والحسد تمنِّي زوال النِّعمة عن المنعَم عليه، والمراد به هنا الغِبطة، وأُطلِق الحسد عليها مجازًا، وهو أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، أي: لا غبطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث أي: لا حسد محمودًا في شيءٍ إلَّا في خصلتين، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣١٦] «اثنين» بغير تاءٍ (١) أي: في شيئين: (رَجُلٌ) بالرَّفع، بتقدير إحدى الاثنتين خصلة رجلٍ، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (آتَاهُ اللهُ) أي: أعطاه الله (القُرْآنَ، فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ساعتهما، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من آناء اللَّيل والنَّهار» (يَقُولُ) سامعه: (لَوْ أُوتِيتُ) أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطيَ (هَذَا) الرَّجل (٢) من تلاوة القرآن آناء اللَّيل والنَّهار (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لقرأت كما يقرأ (و) الثَّاني: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ) الذي يراه ينفقه: (لَوْ أُوتِيتُ) أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطيَ (هَذَا) من المال (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لأنفقته كما أنفق.

والحديث يأتي إن شاء الله تعالى (٣) في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٨].

وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (بِهَذَا) الحديث السَّابق.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ له فيه شيخين: عثمان بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيدٍ، كلاهما عن جريرٍ، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ.

(٦) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي) وهو الذي يكون فيه إثمٌ كالذي يكون داعيًّا إلى الحسد والبغضاء (﴿وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾) لأنَّ ذلك التَّفضيل قسمةٌ من الله تعالى، صادرةٌ عن حكمةٍ وتدبيرٍ وعلمٍ بأحوال العباد، وبما ينبغي لكلٍّ من بُسِطَ له في الرِّزق أو قُبِضَ، فعلى كلِّ واحدٍ أن يرضى بما قُسِمَ له، ولا يحسد أخاه على حظِّه، فالحسد -كما مرَّ- أن يتمنَّى أن يكون ذلك الشَّيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنَّى مثل ما لغيره، والأوَّل منهيٌّ عنه؛ لما فيه من الاعتراض على الله تعالى في فعله وفي حكمته، وربَّما اعتقد في نفسه أنَّه أحقُّ بتلك النِّعم من ذلك الإنسان، وهذا اعتراضٌ على الله تعالى في حكمته (١) فيما (٢) يلقيه في الكفر وفساد الدِّين.

وأمَّا الثَّاني وهو الغبطة، فجوَّزه قومٌ ومنعه آخرون، قالوا: لأنَّه ربَّما كانت تلك النِّعمة مَفْسدةً في دينه ومَضرَّةً عليه في الدُّنيا ولذا قالوا: لا يقول: اللَّهمَّ أعطني دارًا مثل دار فلان، وزوجةً مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول: اللَّهمَّ أعطني ما يكون صلاحًا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، وإذا تأمَّل الإنسان؛ لم يجد دعاءً أحسن ممَّا ذكره الله تعالى في القرآن تعليمًا لعباده، وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ولمَّا قال الرِّجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضِّعف من أجر النِّساء كالميراث، وقالت النساء: يكون

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٥ - بَاب تَمَنِّي الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ

٧٢٣٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تَحَاسُدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هَذَا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ: لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ هذا لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ بِهَذَا.

قَوْلُهُ: بَابُ تَمَنِّي الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا تَحَاسُدُ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَمَنِّي الْقُرْآنِ وَأَضَافَ الْعِلْمَ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَقَوْلُهُ هُنَا: فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ بِزِيَادَةِ مِنْ.

قَوْلُهُ: يَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْقَائِلِ وَظَاهِرُهُ الَّذِي أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ السَّامِعُ وَأَفْصَحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَلَفْظُهُ ; فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ إِلَخْ، وَلَفْظُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَدْخَلُ فِي التَّمَنِّي لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِشَارَةِ.

٦ - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَنِّي ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

٧٢٣٣ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: لَا تَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَتَمَنَّيْتُ.

٧٢٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ قَالَ أَتَيْنَا خَبَّابَ بْنَ الأَرَتِّ نَعُودُهُ وَقَدْ اكْتَوَى سَبْعًا فَقَالَ لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ

٧٢٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ - اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي) قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ تَمَنِّي مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرِ أَيْ مِمَّا يُبَاحُ، وَعَلَى هَذَا فَالنَّهْيُ عَنِ التَّمَنِّي مخُصُوصِ بِمَا يَكُونُ دَاعِيَةً إِلَى الْحَسَدِ، وَالتَّبَاغُضِ، وَعَلَى هَذَا يحملُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ كَذَا. وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ كُلَّ التَّمَنِّي يَحْصُلُ بِهِ الْإِثْمُ.

قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ كُلُّهَا فِي الزَّجْرِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَفِي مُنَاسَبَتِهَا لِلْآيَةِ غُمُوضٌ، إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الْمَكْرُوهَ مِنَ التَّمَنِّي هُوَ جِنْسُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَمَا دَلَّ

عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْآيَةِ الزَّجْرُ عَنِ الْحَسَدِ، وَحَاصِلُ مَا لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّبْرِ) لِأَنَّ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ غَالِبًا يَنْشَأُ عَنْ وُقُوعِ أَمْرٍ يَخْتَارُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ، فَإِذَا نَهَى عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ كَأنَ أَمَرَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ، وَيَجْمَعُ الْحَدِيثُ وَالْآيَةُ الْحَثَّ عَلَى الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ عَنْهُ فِي: بَابِ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ مِنْ كِتَابِ الْمَرْضَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ; فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، الْحَدِيثَ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ مَثَلًا ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِتَحْصِيلِ الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْغَيْبِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّذَلُّلِ لَهُ وَالِاحْتِيَاجِ وَالْمَسْكَنَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِاحْتِيَاجِ الدَّاعِي إِلَيْهَا فَقَدْ تَكُونُ قُدِّرَتْ لَهُ إِنْ دَعَا بِهَا فَكُلٌّ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ مُقَدَّرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ بَلْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ. وَهِيَ طَلَبُ إِزَالَةِ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ، لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَإِنَّ اسْتِمْرَارَ الْإِيمَانِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ في الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: عَاصِمٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَحْوَلِ وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ، وَرُبَّمَا أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً كَهَذَا، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ، فَذَكَرَهُ. وَقَوْلُهُ: لَا تَمَنَّوْا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَثَالِثُهُ مُشَدَّدًا وَهِيَ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لَا تَتَمَنَّوْا وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَنَسٍ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَرْضَى وَأَوْرَدَ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ.

وَمُحَمَّدٌ في الْحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، وَعَبْدَةَ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ هُوَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمَرْضَى

وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَا لِهِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ:، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ لِمَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَتَابَعَهُ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، شُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَبد الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ قَالَ النَّسَائِيُّ: إِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ: (لَا يَتَمَنَّى) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ النَّفْيِ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ أَوْ هُوَ لِلنَّهْيِ وَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لَا يَتَمَنَّيَنَّ بِزِيَادَةِ نُونِ التَّأْكِيدِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا لَا يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَمَعَ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَالنُّطْقِ، وَفِي قَوْلِهِ: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ إِشَارَةٌ إِلَى الزَّجْرِ عَنْ كَرَاهِيَتِهِ إِذَا حَضَرَ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ: اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَكَلَامُهُ بَعْدَمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْمَوْتِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ خَطَبَ بِذَلِكَ وَفَهِمَهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي طَلَبِ الْمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِهِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةً لِلْقَدَرِ وَإِنْ كَانَتِ الْآجَالُ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ، فَإِنَّ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ لَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَتِهَا وَلَا نَقْصِهَا، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ قَدْ غُيِّبَ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٥) (بابُ تَمَنِّي القُرْآنِ وَالعِلْمِ).

٧٢٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أبو الحسن العبسيُّ مولاهم الكوفيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن بلالٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا تَحَاسُدَ) بفوقيَّةٍ قبل الحاء المهملة وألفٍ بعدها وضمِّ السِّين المهملة، وفي «كتاب العلم» [خ¦٧٣] «لا حسد» والحسد تمنِّي زوال النِّعمة عن المنعَم عليه، والمراد به هنا الغِبطة، وأُطلِق الحسد عليها مجازًا، وهو أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، أي: لا غبطة (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث أي: لا حسد محمودًا في شيءٍ إلَّا في خصلتين، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣١٦] «اثنين» بغير تاءٍ (١) أي: في شيئين: (رَجُلٌ) بالرَّفع، بتقدير إحدى الاثنتين خصلة رجلٍ، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (آتَاهُ اللهُ) أي: أعطاه الله (القُرْآنَ، فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ساعتهما، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «من آناء اللَّيل والنَّهار» (يَقُولُ) سامعه: (لَوْ أُوتِيتُ) أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطيَ (هَذَا) الرَّجل (٢) من تلاوة القرآن آناء اللَّيل والنَّهار (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لقرأت كما يقرأ (و) الثَّاني: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، فَيَقُولُ) الذي يراه ينفقه: (لَوْ أُوتِيتُ) أُعطيت (مِثْلَ مَا أُوتِيَ) أُعطيَ (هَذَا) من المال (لَفَعَلْتُ كَمَا يَفْعَلُ) لأنفقته كما أنفق.

والحديث يأتي إن شاء الله تعالى (٣) في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٢٨].

وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (بِهَذَا) الحديث السَّابق.

وفيه إشارةٌ إلى أنَّ له فيه شيخين: عثمان بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيدٍ، كلاهما عن جريرٍ، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ.

(٦) (بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي) وهو الذي يكون فيه إثمٌ كالذي يكون داعيًّا إلى الحسد والبغضاء (﴿وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾) لأنَّ ذلك التَّفضيل قسمةٌ من الله تعالى، صادرةٌ عن حكمةٍ وتدبيرٍ وعلمٍ بأحوال العباد، وبما ينبغي لكلٍّ من بُسِطَ له في الرِّزق أو قُبِضَ، فعلى كلِّ واحدٍ أن يرضى بما قُسِمَ له، ولا يحسد أخاه على حظِّه، فالحسد -كما مرَّ- أن يتمنَّى أن يكون ذلك الشَّيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنَّى مثل ما لغيره، والأوَّل منهيٌّ عنه؛ لما فيه من الاعتراض على الله تعالى في فعله وفي حكمته، وربَّما اعتقد في نفسه أنَّه أحقُّ بتلك النِّعم من ذلك الإنسان، وهذا اعتراضٌ على الله تعالى في حكمته (١) فيما (٢) يلقيه في الكفر وفساد الدِّين.

وأمَّا الثَّاني وهو الغبطة، فجوَّزه قومٌ ومنعه آخرون، قالوا: لأنَّه ربَّما كانت تلك النِّعمة مَفْسدةً في دينه ومَضرَّةً عليه في الدُّنيا ولذا قالوا: لا يقول: اللَّهمَّ أعطني دارًا مثل دار فلان، وزوجةً مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول: اللَّهمَّ أعطني ما يكون صلاحًا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي، وإذا تأمَّل الإنسان؛ لم يجد دعاءً أحسن ممَّا ذكره الله تعالى في القرآن تعليمًا لعباده، وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ولمَّا قال الرِّجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضِّعف من أجر النِّساء كالميراث، وقالت النساء: يكون

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الحمد لله