الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7308
الحديث رقم 7308 من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
(ح) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرَ هَذَا الْأَمْرِ». قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: شَهِدْتُ صِفِّينَ وَبِئْسَتْ صِفُّونَ.
٧٣٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالحديث على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ، وهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر الحنابلة وبعضٍ من غيرهم؛ لأنَّه صريحٌ في رفع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل، ومِنْ لازِمِهِ الحُكمُ بالجهل، وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد، وعورض هذا بحديث «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتَّى يأتي أمر الله» [خ¦٣١١٦] وأُجيب بأنَّه ظاهرٌ في عدم الخلوِّ، لا في نفي الجواز، وبأنَّ الدَّليل الأوَّل أظهر؛ للتَّصريح بقبض العلم تارةً ورفعه (١) أخرى، بخلاف الثَّاني، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فيفتون برأيهم».
والحديث سبق في «باب كيف يقبض العلم» من «كتاب العلم» [خ¦١٠٠] وأخرجه مسلمٌ في «القدر» والتِّرمذيُّ في «العلم» وابن ماجه في «السَّنة».
٧٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان، وعبدان لقبه قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريُّ قال: (سَمِعْتُ الأَعْمَشَ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة: (هَلْ شَهِدْتَ) وقعة (صِفِّينَ) التي كانت بين عليٍّ ومعاوية؟ (قَالَ: نَعَمْ) حضرتُها (فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء وفتح النون (يَقُولُ) … (ح) لتحويل السَّند إلى آخر، قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوَّضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) ﵁ يوم صِفِّين وقد كانوا يتَّهمونه بالتَّقصير في القتال يومئذٍ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ) في هذا القتال (عَلَى دِينِكُمْ) فإنَّما تقاتلون إخوانكم في الإسلام باجتهادٍ اجتهدتموه، وقال في «الفتح»: أي: لا تعملوا في أمر الدِّين بالرَّأي المجرَّد الذي لا يستند إلى أصلٍ من
الدِّين، وقال ابن بطالٍ: وهذا وإن كان يدلُّ على ذمِّ الرَّأي لكنَّه مخصوصٌ بما إذا كان معارضًا للنصِّ، فكأنَّه قال: اتَّهموا الرَّأي إذا خالف السُّنة (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) بفتح الجيم والدَّال المهملة بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره لامٌ، ابن سُهَيل ابن عمرٍو؛ إذ جاء يَرْسُفُ في قيوده يوم الحديبية سنة ستٍّ عند كتب الصُّلح على وضع الحرب عشر سنين، ومن أتى من قريشٍ بغير إذن وليِّه ردَّه عليهم (وَلَوْ أَسْتَطِيعُ (١) أَنَّ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) إذ ردَّ أبا جندلٍ إلى قريشٍ لأجل الصُّلح (لَرَدَدْتُهُ) وقاتلتُ قريشًا قتالًا لا مزيد له، فكما توقَّفتُ يوم الحديبية من أجل أنِّي لا أخالف حكم رسول الله ﷺ كذلك أتوقَّف اليوم؛ لأجل مصلحة المسلمين، وقد جاء عن عمر نحو قول (٢) سهلٍ (٣) ولفظه «اتقوا الرَّأي في دينكم» أخرجه البيهقيُّ في «المدخل» وأخرجه هو والطَّبرانيُّ مطوَّلًا بلفظ: «اتَّهموا الرَّأي على الدِّين، فلقد رأيتُني أردُّ أمر رسول الله ﷺ برأيي اجتهادًا، فوالله ما آلوو عن الحقِّ، وذلك يوم أبي جندلٍ، حتَّى قال لي رسول الله ﷺ: تراني أرضى وتأبى؟!» والحاصل -كما قال في «فتح الباري» -: أنَّ المصير إلى الرَّأي إنَّما يكون عند فقد النَّصِّ، وإلى هذا يومئ قولُ إمامنا الشَّافعيِّ فيما أخرجه البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ إلى أحمد ابن حنبلٍ: سمعتُ الشَّافعيَّ يقول: القياس عند الضَّرورة، ومع ذلك فليس القائل برأيه على ثقةٍ من أنَّه وقع على المراد من الحُكم في نفس الأمر، وإنَّما عليه بذل الوسع (٤) في الاجتهاد ليؤجر ولو أخطأ، وبالله التَّوفيق. ولأبي ذرٍّ: «ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول الله ﷺ عليه (٥) لرددته» (وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا) في الله (إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الفاء وكسر الظَّاء المعجمة: يوقعُنا في أمرٍ فظيعٍ، أي: شديدٍ في القبح (إِلَّا أَسْهَلْنَ) أي: السُّيوف ملتبسة (٦) (بِنَا) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة واللَّام بينهما هاءٌ مفتوحةٌ آخره نونٌ، أي: إلَّا أفضَيْنَ بنا، ولأبي ذرٍّ عن
الكُشْمِيهَنيِّ: «إلَّا أسهلن بها» (إِلَى أَمْرٍ) سهلٍ (نَعْرِفُهُ) حالًا ومآلًا فأدخلتنا فيه (غَيْرَ هَذَا الأَمْرِ) الذي نحن فيه فإنَّه مُشكل حيث عَظُمت المصيبة بقتل المسلمين وشِدَّة المعارضة من حجج الفريقين إذ حجَّة عليٍّ وأتباعه ما شُرِعَ من قتال أهل البغي حتَّى يرجعوا إلى الحقِّ، وحجَّة معاوية وأتباعه قَتْلُ عثمان ظلمًا، ووجود قَتَلَتِه بأعيانهم في العسكر العراقيِّ، فعظُمت الشُّبهة حتَّى اشتدَّ القتال، إلى أن وقع التَّحكيم فكان ما كان (١).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «اتَّهموا رأيكم على دينكم» ونَسَبَ اليومَ إلى أبي جندلٍ لا إلى الحديبية؛ لأنَّ ردَّه إلى المشركين كان شاقًّا على المسلمين، وكان ذلك أعظم ما جرى عليهم من سائر الأمور، وأرادوا القتال بسببه، وألَّا يردُّوا أبا جندلٍ، ولا يرضوا بالصُّلح، والحديث سبق في «كتاب الجزية» [خ¦٣١٨١].
(قَالَ) الأعمش سليمان بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة: (شَهِدْتُ) أي: حضرت وقعة (صِفِّينَ) بكسر الصَّاد المهملة والفاء المشدَّدة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فنونٌ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث: بقعة بين الشَّام والعراق، بشاطئ الفرات (وَبِئْسَتْ صِفُّونَ) بضمِّ الفاء بعدها واوٌ بدل الياء، أي: بئست المقاتلة التي وقعت فيها، وإعراب الواقع هنا كإعراب الجمع في نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨] والمشهور إعرابه بالنُّون والتَّحتيَّةُ ثابتةٌ في أحواله الثَّلاثة، تقول: هذا صفِّينُ برفع النُّون، ورأيت صفِّينَ، ومررت بصفِّينَ بفتح النُّون فيهما، قال في «الفتح»: ولأبي ذرٍّ: «شهدت صفِّين وبئست صفِّين» بالتَّحتيَّة فيهما، ولغيره الثَّاني بالواو، وفي رواية النَّسفيِّ مثلُه، لكن قال: «بئست الصَّفُّون» بزيادة الألف واللَّام، وبعضهم فتح الصَّاد، والفاء مكسورةٌ مشدَّدةٌ اتِّفاقًا، والله أعلم.
(٨) (بابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ) مبنيٌّ (٢)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأُمُور، وَأَرَادُوا الْقِتَال بِسَبَبِهِ وَأَن لَا يردوا أَبَا جندل وَلَا يرضون بِالصُّلْحِ. قَوْله: وَمَا وَضعنَا سُيُوفنَا على عواتقنا جمع عاتق. قَوْله: إِلَى أَمر يفظعنا بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة أَي: يخوفنا ويهولنا، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي يوقعنا فِي أَمر فظيع أَي: شَدِيد شنيع وَقد فظع يفظع فَهُوَ مفظع، وفظع الْأَمر فَهُوَ فظيع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله، أَي: نزل بِهِ أَمر عَظِيم، وأفظعت الشَّيْء واستفظعته وجدته فظيعاً. قَوْله: أَلا أسهلن بِنَا أَي: أفضين بِنَا إِلَى سهولة يَعْنِي السيوف أفضين بِنَا إِلَى أَمر سهل نعرفه خَبرا غير هَذَا الْأَمر أَي: الَّذِي نَحن فِيهِ من هَذِه الْمُقَاتلَة فِي صفّين، فَإِنَّهُ لَا يسهل بِنَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بهَا وَقَالَ بَعضهم إلَاّ أسهلن أَي: أنزلتنا فِي السهل من الأَرْض أَي: أفضين بِنَا وَهُوَ كِنَايَة عَن التَّحَوُّل من الشدَّة إِلَى الْفرج. قلت: هَذَا معنى بعيد على مَا لَا يخفى على المتأمل.
قَوْله: قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِل أَي: قَالَ الْأَعْمَش: قَالَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور: شهِدت صفّين وبئست صفون أَي: بئست الْمُقَاتلَة الَّتِي وَقعت فِيهَا. وإعراب هَذَا اللَّفْظ كإعراب الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: {كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الَاْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} وَالْمَشْهُور أَن يعرب بالنُّون وَيكون بِالْيَاءِ فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، تَقول: هَذِه صفّين بِرَفْع النُّون وَرَأَيْت صفّين ومررت بصفين بِفَتْح النُّون فيهمَا، وَكَذَلِكَ تَقول فِي قنسرين وفلسطين ونبرين، وَالْحَاصِل أَن فِيهَا لغتين: إِحْدَاهمَا: إِجْرَاء الْإِعْرَاب على مَا قبل النُّون وَتركهَا مَفْتُوحَة كجمع السَّلامَة. وَالثَّانيَِة: أَن يَجْعَل النُّون حرف الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: شهِدت صفّين وبئست صفّين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وبئست الصفون، بِالْألف وَاللَّام وَهُوَ لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث، وَالْمَشْهُور كسر الصَّاد وَقيل: جَاءَ بِفَتْحِهَا أَيْضا.
٨ - (بابُ مَا كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَيَقُولُ: (لَا أدْرِي) أوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ولَمْ يَقُلْ بِرَأيٍ وَلَا بِقِياسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، الخ. قَوْله: يسْأَل على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: لَا أَدْرِي قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ حزازة حَيْثُ قَالَ: لَا أَدْرِي، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ وَلم يثبت عَنهُ، ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تساهل شَدِيد مِنْهُ لِأَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى مَا ورد فِي ذَلِك وَلكنه لم يثبت عِنْده مِنْهُ شَيْء على شَرطه، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا فَلْيقل بِهِ، وَمن لم يعلم فَلْيقل: الله أعلم وَذكر حَدِيث ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: أَي الْبِقَاع خير؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سل رَبك، فانتفض جِبْرِيل انتفاضة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، قَالَ: مَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا. انْتهى.
قلَّة نِسْبَة الْكرْمَانِي إِلَى التساهل الشَّديد تساهل أَشد مِنْهُ لِأَن قَوْله: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، صَحِيح. وَقَوله: وَلم يثبت عَنهُ ذَلِك، أَيْضا صَحِيح لِأَن مُرَاده أَنه لم يثبت عِنْده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل البُخَارِيّ: لَا أَدْرِي، غير وَاقع فِي مَحَله. قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: لَا فرق بَينهمَا وهما مُتَرَادِفَانِ، وَقيل: الرَّأْي هُوَ التفكر، أَي: لم يقل بِمُقْتَضى الْعقل وَلَا بِالْقِيَاسِ، وَقيل: الرَّأْي أَعم لتنَاوله مثل الِاسْتِحْسَان، وَقَالَ الْمُهلب مَا حَاصله الرَّد على البُخَارِيّ فِي قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس لِأَن النَّبِي، قد علم أمته كَيْفيَّة الْقيَاس والاستنباط فِي مسَائِل لَهَا أصُول وَمَعَان فِي كتاب الله عز وَجل لِيُرِيَهُمْ كَيفَ يصنعون فِيمَا عدموا فِيهِ النُّصُوص، وَالْقِيَاس هُوَ تَشْبِيه مَا لَا حكم فِيهِ بِمَا فِيهِ حكم فِي الْمَعْنى، وَقد شبه، الْحمر بِالْخَيْلِ فَقَالَ: مَا أنزل الله عليّ فيهمَا بِشَيْء غير هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} وَقَالَ للَّتِي أخْبرته: إِن أَبَاهَا لم يحجّ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيته؟ فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ. وَهَذَا هُوَ عين الْقيَاس عِنْد الْعَرَب، وَعند الْعلمَاء بمعاني الْكَلَام، وَأما سُكُوته، حَتَّى نزل الْوَحْي فَإِنَّمَا سكت فِي أَشْيَاء معضلة لَيست لَهَا أصُول فِي الشَّرِيعَة، فَلَا بُد فِيهَا من اطلَاع الْوَحْي، وَنحن الْآن قد فرغت لنا الشَّرَائِع وأكمل الله الدّين فَإِنَّمَا نَنْظُر ونقيس موضوعاتها فِيمَا أعضل من النَّوَازِل. قَوْله: لقَوْله: {بِمَا أَرَاك الله} أَي: لقَوْل الله تَعَالَى، ويروى: هَكَذَا لقَوْل الله، وَهُوَ رِوَايَة
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالحديث على جواز خلوِّ الزَّمان عن مجتهدٍ، وهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر الحنابلة وبعضٍ من غيرهم؛ لأنَّه صريحٌ في رفع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل، ومِنْ لازِمِهِ الحُكمُ بالجهل، وإذا انتفى العلم ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد، وعورض هذا بحديث «لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتَّى يأتي أمر الله» [خ¦٣١١٦] وأُجيب بأنَّه ظاهرٌ في عدم الخلوِّ، لا في نفي الجواز، وبأنَّ الدَّليل الأوَّل أظهر؛ للتَّصريح بقبض العلم تارةً ورفعه (١) أخرى، بخلاف الثَّاني، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «فيفتون برأيهم».
والحديث سبق في «باب كيف يقبض العلم» من «كتاب العلم» [خ¦١٠٠] وأخرجه مسلمٌ في «القدر» والتِّرمذيُّ في «العلم» وابن ماجه في «السَّنة».
٧٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله بن عثمان، وعبدان لقبه قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريُّ قال: (سَمِعْتُ الأَعْمَشَ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ) شقيق بن سلمة: (هَلْ شَهِدْتَ) وقعة (صِفِّينَ) التي كانت بين عليٍّ ومعاوية؟ (قَالَ: نَعَمْ) حضرتُها (فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ) بضمِّ الحاء وفتح النون (يَقُولُ) … (ح) لتحويل السَّند إلى آخر، قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوَّضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ) ﵁ يوم صِفِّين وقد كانوا يتَّهمونه بالتَّقصير في القتال يومئذٍ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ) في هذا القتال (عَلَى دِينِكُمْ) فإنَّما تقاتلون إخوانكم في الإسلام باجتهادٍ اجتهدتموه، وقال في «الفتح»: أي: لا تعملوا في أمر الدِّين بالرَّأي المجرَّد الذي لا يستند إلى أصلٍ من
الدِّين، وقال ابن بطالٍ: وهذا وإن كان يدلُّ على ذمِّ الرَّأي لكنَّه مخصوصٌ بما إذا كان معارضًا للنصِّ، فكأنَّه قال: اتَّهموا الرَّأي إذا خالف السُّنة (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي: رأيت نفسي (يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ) بفتح الجيم والدَّال المهملة بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره لامٌ، ابن سُهَيل ابن عمرٍو؛ إذ جاء يَرْسُفُ في قيوده يوم الحديبية سنة ستٍّ عند كتب الصُّلح على وضع الحرب عشر سنين، ومن أتى من قريشٍ بغير إذن وليِّه ردَّه عليهم (وَلَوْ أَسْتَطِيعُ (١) أَنَّ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) إذ ردَّ أبا جندلٍ إلى قريشٍ لأجل الصُّلح (لَرَدَدْتُهُ) وقاتلتُ قريشًا قتالًا لا مزيد له، فكما توقَّفتُ يوم الحديبية من أجل أنِّي لا أخالف حكم رسول الله ﷺ كذلك أتوقَّف اليوم؛ لأجل مصلحة المسلمين، وقد جاء عن عمر نحو قول (٢) سهلٍ (٣) ولفظه «اتقوا الرَّأي في دينكم» أخرجه البيهقيُّ في «المدخل» وأخرجه هو والطَّبرانيُّ مطوَّلًا بلفظ: «اتَّهموا الرَّأي على الدِّين، فلقد رأيتُني أردُّ أمر رسول الله ﷺ برأيي اجتهادًا، فوالله ما آلوو عن الحقِّ، وذلك يوم أبي جندلٍ، حتَّى قال لي رسول الله ﷺ: تراني أرضى وتأبى؟!» والحاصل -كما قال في «فتح الباري» -: أنَّ المصير إلى الرَّأي إنَّما يكون عند فقد النَّصِّ، وإلى هذا يومئ قولُ إمامنا الشَّافعيِّ فيما أخرجه البيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ إلى أحمد ابن حنبلٍ: سمعتُ الشَّافعيَّ يقول: القياس عند الضَّرورة، ومع ذلك فليس القائل برأيه على ثقةٍ من أنَّه وقع على المراد من الحُكم في نفس الأمر، وإنَّما عليه بذل الوسع (٤) في الاجتهاد ليؤجر ولو أخطأ، وبالله التَّوفيق. ولأبي ذرٍّ: «ولو أستطيع أن أردَّ أمر رسول الله ﷺ عليه (٥) لرددته» (وَمَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا) في الله (إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الفاء وكسر الظَّاء المعجمة: يوقعُنا في أمرٍ فظيعٍ، أي: شديدٍ في القبح (إِلَّا أَسْهَلْنَ) أي: السُّيوف ملتبسة (٦) (بِنَا) بفتح الهمزة وسكون السِّين المهملة واللَّام بينهما هاءٌ مفتوحةٌ آخره نونٌ، أي: إلَّا أفضَيْنَ بنا، ولأبي ذرٍّ عن
الكُشْمِيهَنيِّ: «إلَّا أسهلن بها» (إِلَى أَمْرٍ) سهلٍ (نَعْرِفُهُ) حالًا ومآلًا فأدخلتنا فيه (غَيْرَ هَذَا الأَمْرِ) الذي نحن فيه فإنَّه مُشكل حيث عَظُمت المصيبة بقتل المسلمين وشِدَّة المعارضة من حجج الفريقين إذ حجَّة عليٍّ وأتباعه ما شُرِعَ من قتال أهل البغي حتَّى يرجعوا إلى الحقِّ، وحجَّة معاوية وأتباعه قَتْلُ عثمان ظلمًا، ووجود قَتَلَتِه بأعيانهم في العسكر العراقيِّ، فعظُمت الشُّبهة حتَّى اشتدَّ القتال، إلى أن وقع التَّحكيم فكان ما كان (١).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «اتَّهموا رأيكم على دينكم» ونَسَبَ اليومَ إلى أبي جندلٍ لا إلى الحديبية؛ لأنَّ ردَّه إلى المشركين كان شاقًّا على المسلمين، وكان ذلك أعظم ما جرى عليهم من سائر الأمور، وأرادوا القتال بسببه، وألَّا يردُّوا أبا جندلٍ، ولا يرضوا بالصُّلح، والحديث سبق في «كتاب الجزية» [خ¦٣١٨١].
(قَالَ) الأعمش سليمان بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة: (شَهِدْتُ) أي: حضرت وقعة (صِفِّينَ) بكسر الصَّاد المهملة والفاء المشدَّدة بعدها تحتيَّةٌ ساكنةٌ فنونٌ، لا ينصرف للعلميَّة والتَّأنيث: بقعة بين الشَّام والعراق، بشاطئ الفرات (وَبِئْسَتْ صِفُّونَ) بضمِّ الفاء بعدها واوٌ بدل الياء، أي: بئست المقاتلة التي وقعت فيها، وإعراب الواقع هنا كإعراب الجمع في نحو قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨] والمشهور إعرابه بالنُّون والتَّحتيَّةُ ثابتةٌ في أحواله الثَّلاثة، تقول: هذا صفِّينُ برفع النُّون، ورأيت صفِّينَ، ومررت بصفِّينَ بفتح النُّون فيهما، قال في «الفتح»: ولأبي ذرٍّ: «شهدت صفِّين وبئست صفِّين» بالتَّحتيَّة فيهما، ولغيره الثَّاني بالواو، وفي رواية النَّسفيِّ مثلُه، لكن قال: «بئست الصَّفُّون» بزيادة الألف واللَّام، وبعضهم فتح الصَّاد، والفاء مكسورةٌ مشدَّدةٌ اتِّفاقًا، والله أعلم.
(٨) (بابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ) مبنيٌّ (٢)
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الْأُمُور، وَأَرَادُوا الْقِتَال بِسَبَبِهِ وَأَن لَا يردوا أَبَا جندل وَلَا يرضون بِالصُّلْحِ. قَوْله: وَمَا وَضعنَا سُيُوفنَا على عواتقنا جمع عاتق. قَوْله: إِلَى أَمر يفظعنا بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْفَاء وَكسر الظَّاء الْمُعْجَمَة أَي: يخوفنا ويهولنا، قَالَه الْكرْمَانِي، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: أَي يوقعنا فِي أَمر فظيع أَي: شَدِيد شنيع وَقد فظع يفظع فَهُوَ مفظع، وفظع الْأَمر فَهُوَ فظيع. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأفظع الرجل، على مَا لم يسم فَاعله، أَي: نزل بِهِ أَمر عَظِيم، وأفظعت الشَّيْء واستفظعته وجدته فظيعاً. قَوْله: أَلا أسهلن بِنَا أَي: أفضين بِنَا إِلَى سهولة يَعْنِي السيوف أفضين بِنَا إِلَى أَمر سهل نعرفه خَبرا غير هَذَا الْأَمر أَي: الَّذِي نَحن فِيهِ من هَذِه الْمُقَاتلَة فِي صفّين، فَإِنَّهُ لَا يسهل بِنَا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني بهَا وَقَالَ بَعضهم إلَاّ أسهلن أَي: أنزلتنا فِي السهل من الأَرْض أَي: أفضين بِنَا وَهُوَ كِنَايَة عَن التَّحَوُّل من الشدَّة إِلَى الْفرج. قلت: هَذَا معنى بعيد على مَا لَا يخفى على المتأمل.
قَوْله: قَالَ: وَقَالَ أَبُو وَائِل أَي: قَالَ الْأَعْمَش: قَالَ أَبُو وَائِل الْمَذْكُور: شهِدت صفّين وبئست صفون أَي: بئست الْمُقَاتلَة الَّتِي وَقعت فِيهَا. وإعراب هَذَا اللَّفْظ كإعراب الْجمع كَقَوْلِه تَعَالَى: {كَلَاّ إِنَّ كِتَابَ الَاْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} وَالْمَشْهُور أَن يعرب بالنُّون وَيكون بِالْيَاءِ فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، تَقول: هَذِه صفّين بِرَفْع النُّون وَرَأَيْت صفّين ومررت بصفين بِفَتْح النُّون فيهمَا، وَكَذَلِكَ تَقول فِي قنسرين وفلسطين ونبرين، وَالْحَاصِل أَن فِيهَا لغتين: إِحْدَاهمَا: إِجْرَاء الْإِعْرَاب على مَا قبل النُّون وَتركهَا مَفْتُوحَة كجمع السَّلامَة. وَالثَّانيَِة: أَن يَجْعَل النُّون حرف الْإِعْرَاب كَمَا ذكرنَا، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر: شهِدت صفّين وبئست صفّين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: وبئست الصفون، بِالْألف وَاللَّام وَهُوَ لَا ينْصَرف للعلمية والتأنيث، وَالْمَشْهُور كسر الصَّاد وَقيل: جَاءَ بِفَتْحِهَا أَيْضا.
٨ - (بابُ مَا كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَيَقُولُ: (لَا أدْرِي) أوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ولَمْ يَقُلْ بِرَأيٍ وَلَا بِقِياسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} )
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، الخ. قَوْله: يسْأَل على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: لَا أَدْرِي قَالَ الْكرْمَانِي: فِيهِ حزازة حَيْثُ قَالَ: لَا أَدْرِي، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ وَلم يثبت عَنهُ، ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ تساهل شَدِيد مِنْهُ لِأَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَة إِلَى مَا ورد فِي ذَلِك وَلكنه لم يثبت عِنْده مِنْهُ شَيْء على شَرطه، ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود: من علم شَيْئا فَلْيقل بِهِ، وَمن لم يعلم فَلْيقل: الله أعلم وَذكر حَدِيث ابْن عمر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، فَقَالَ: أَي الْبِقَاع خير؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سل رَبك، فانتفض جِبْرِيل انتفاضة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله، قَالَ: مَا أَدْرِي الْحُدُود كَفَّارَة لأَهْلهَا. انْتهى.
قلَّة نِسْبَة الْكرْمَانِي إِلَى التساهل الشَّديد تساهل أَشد مِنْهُ لِأَن قَوْله: لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، صَحِيح. وَقَوله: وَلم يثبت عَنهُ ذَلِك، أَيْضا صَحِيح لِأَن مُرَاده أَنه لم يثبت عِنْده، فَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل البُخَارِيّ: لَا أَدْرِي، غير وَاقع فِي مَحَله. قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس قَالَ الْكرْمَانِي: قيل: لَا فرق بَينهمَا وهما مُتَرَادِفَانِ، وَقيل: الرَّأْي هُوَ التفكر، أَي: لم يقل بِمُقْتَضى الْعقل وَلَا بِالْقِيَاسِ، وَقيل: الرَّأْي أَعم لتنَاوله مثل الِاسْتِحْسَان، وَقَالَ الْمُهلب مَا حَاصله الرَّد على البُخَارِيّ فِي قَوْله: وَلم يقل بِرَأْي وَلَا قِيَاس لِأَن النَّبِي، قد علم أمته كَيْفيَّة الْقيَاس والاستنباط فِي مسَائِل لَهَا أصُول وَمَعَان فِي كتاب الله عز وَجل لِيُرِيَهُمْ كَيفَ يصنعون فِيمَا عدموا فِيهِ النُّصُوص، وَالْقِيَاس هُوَ تَشْبِيه مَا لَا حكم فِيهِ بِمَا فِيهِ حكم فِي الْمَعْنى، وَقد شبه، الْحمر بِالْخَيْلِ فَقَالَ: مَا أنزل الله عليّ فيهمَا بِشَيْء غير هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} وَقَالَ للَّتِي أخْبرته: إِن أَبَاهَا لم يحجّ: أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين أَكنت قاضيته؟ فَالله أَحَق بِالْقضَاءِ. وَهَذَا هُوَ عين الْقيَاس عِنْد الْعَرَب، وَعند الْعلمَاء بمعاني الْكَلَام، وَأما سُكُوته، حَتَّى نزل الْوَحْي فَإِنَّمَا سكت فِي أَشْيَاء معضلة لَيست لَهَا أصُول فِي الشَّرِيعَة، فَلَا بُد فِيهَا من اطلَاع الْوَحْي، وَنحن الْآن قد فرغت لنا الشَّرَائِع وأكمل الله الدّين فَإِنَّمَا نَنْظُر ونقيس موضوعاتها فِيمَا أعضل من النَّوَازِل. قَوْله: لقَوْله: {بِمَا أَرَاك الله} أَي: لقَوْل الله تَعَالَى، ويروى: هَكَذَا لقَوْل الله، وَهُوَ رِوَايَة
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56