الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٧٦
الحديث رقم ٧٣٧٦ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله ﵎ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْكُرَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ لَهُ بِهِمْ إِرَادَةٌ مُخَصَّصَةٌ، وَإِذَا صَحَّ الْفَرْقُ فَاللَّهُ ﷾ مَحْبُوبٌ لِمُحِبِّيهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ مُحِبِّيهِ الْمُخْلِصِينَ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَحَبَّةُ وَالْبُغْضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَمَعْنَى مَحَبَّتِهِ إِكْرَامُ مَنْ أَحَبَّهُ وَمَعْنَى بُغْضِهِ إِهَانَتُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَكَلَامُهُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْإِرَادَةِ، فَمَحَبَّتُهُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ وَفَاعِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ إِكْرَامَهُ، وَبُغْضُهُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ وَفَاعِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ إِهَانَتَهُ.
٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ظَبْيَانَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ.
٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ تدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَعَادَتْ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ: لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
وَحَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّةِ وَلَدِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا، وَفِيهِ: فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَفِيهِ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ الرَّحْمَةَ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَالرَّحْمَنُ وَصْفٌ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الرَّحْمَةِ، كَمَا تَضَمَّنَ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ عَالِمُ مَعْنَى الْعِلْمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِرَحْمَتِهِ إِرَادَتُهُ نَفْعَ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ، قَالَ: وَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ دَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ يَخْتَصُّ الِاسْمُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَصَفَهَا بِأَنَّهُ خَلَقَهَا فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَهِيَ رِقَّةٌ عَلَى الْمَرْحُومِ، وَهُوَ ﷾ مُنَزَّهٌ عَنِ الْوَصْفِ بِذَلِكَ فَتُتَأَوَّلُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: هُمَا اسْمَانِ مِنْ غَيْرِ اشْتِقَاقٍ، وَقِيلَ: يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْإِرَادَةِ، فَرَحْمَتُهُ إِرَادَتُهُ تَنْعِيمَ مَنْ يَرْحَمُهُ، وَقِيلَ: رَاجِعَانِ إِلَى تَرْكِهِ عِقَابَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: مَعْنَى الرَّحْمَنِ أَنَّهُ مُزِيحُ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ بَيَّنَ حُدُودَهَا وَشُرُوطَهَا فَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ وَكَلَّفَ مَا تَحْمِلُهُ بِنْيَتُهُمْ، فَصَارَتِ الْعِلَلُ عَنْهُمْ مُزَاحَةً وَالْحِجَجُ مِنْهُمْ مُنْقَطِعَةً، قَالَ: وَمَعْنَى الرَّحِيمِ
أَنَّهُ الْمُثِيبُ عَلَى الْعَمَلِ، فَلَا يُضَيِّعُ لِعَامِلٍ أَحْسَنَ عَمَلًا، بَلْ يُثِيبُ الْعَامِلَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ أَضْعَافَ عَمَلِهِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّحْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَةِ لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَفِيهِ: خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي. قُلْتُ: وَكَذَا حَدِيثُ الرَّحْمَةِ الَّذِي اشْتَهَرَ بِالْمُسَلْسَلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَالرَّحْمَنُ ذُو الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وَأُورِدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، وَعَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ، وَزَادَ: فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْمُتَرَحِّمِ، وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُتَعَطِّفِ، ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا مَعْنَى لِدُخُولِ الرِّقَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا اللُّطْفُ، وَمَعْنَاهُ الْغُمُوضُ لَا الصِّغَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ.
قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ صَالِحٍ عَنْهُ، وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ مُقَاتِلٌ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُفَضَّلِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ نَسَبَ رَاوِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى التَّصْحِيفِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ الرَّفِيقُ بِالْفَاءِ، وَقَوَّاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَأَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى ثُمَّ قَالَ: وَالرَّحْمَنُ خَاصٌّ فِي التَّسْمِيَةِ عَامٌّ فِي الْفِعْلِ، وَالرَّحِيمُ عَامٌّ فِي التَّسْمِيَةِ خَاصٌّ فِي الْفِعْلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَقَرَّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَدْ خَصَّ الْحَلِيمِيُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ بِهِ الِاشْتِرَاكُ، كَمَا لَوْ قَالَ الطَّبَائِعِيُّ: لَا إِلَهَ إِلَّا الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِاسْمٍ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّجْسِيمِ مِنَ الْيَهُودِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي فِي السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا كَذَلِكَ، إِلَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا لَا يَفْقَهُ مَعْنَى التَّجْسِيمِ، فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْجَارِيَةِ الَّتِي سَأَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ: أَنْتِ مُؤْمِنَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَإِنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الرَّحْمَنُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عِنَادًا، وَسَمَّى غَيْرَ اللَّهِ رَحْمَانًا، كَمَا وَقَعَ لِأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَلَوْ قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَتَّى يُقِرَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ الْوَثَنِيُّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّنَمَ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ عِبَادَةِ الصَّنَمِ.
تَنْبِيهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، فَيُدْخِلُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهَا فِي بَابٍ، وَيُؤَيِّدُهُ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى خُرُوجِهَا عَنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ فِي تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ، وَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ جَمِيعًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُبْتَدِعَةَ فَقَالَ: وَيْلَهُمْ مَاذَا يُنْكِرُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهِ مَا فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ مِثْلُهُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ - أَيْ سَلَّامُ بْنُ مُطِيعٍ - يَذْكُرُ الْآيَاتِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّحَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» بتخفيف اللام وتشديدها، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم، بالخاء المعجمة والزَّاي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (وَأَبِي ظَبْيَانَ) بفتح الظاء المعجَمة وسكون الموحَّدة، «حُصَين»: بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن جندبٍ الكوفيِّ، كلاهما (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَرْحَمُ اللهُ) في الآخرة (مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ) من مؤمنٍ وكافرٍ، و «يَرْحَم» بفتح أوَّله في الموضعين.
ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ، وسبق الحديث في «الأدب» [خ¦٦٠١٣] وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
٧٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الحاء والميم المشدَّدة ابن درهمٍ الأزديُّ أحد الأعلام (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) بن سليمان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) الحِبِّ ابن الحِبِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ) زينب (يَدْعُوهُ) أي: الرّسول، ولأبي ذرٍّ: «تدعوه» بالفوقيَّة بدل التّحتيَّة، أي: تدعوه زينب على لسان رسولها (إِلَى ابْنِهَا) وهو (فِي) حالة (المَوْتِ) من معالجة الرُّوح (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ) زاد أبو ذرٍّ: «إليها» وسقط له لفظ «النّبيُّ» والتَّصلية (فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: الذي أراد أن يأخذه هو الذي أعطاه، فإن أخذه؛ أخذ ما هو له، ولفظ «ما» فيهما
مصدريَّةٌ، أي: أنَّ (١) لله الأخذ والإعطاء، أو موصولةٌ والعائد محذوفٌ، وكذا الصِّلة (وَكُلُّ شَيْءٍ) من الأخذ والإعطاء وغيرهما (عِنْدَهُ) في علمه (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) مقدَّرٍ (فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثَّواب منه تعالى؛ ليحسب (٢) ذلك من عملها الصالح (فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ) إليه ﷺ (أَنَّهَا أَقْسَمَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد أقسمت» أي: عليه (لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] وأبيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابتٍ ورجالٌ (فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ) بالفاء والدَّال المهملة المضمومة، وللكُشْميهنيِّ: «فرُفِعَ» بالرَّاء بدل الدَّال، وللحَمُّويي والمُستملي: «ورُفِعَ» بالواو بدل الفاء (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا، أي: تضطرب وتتحرَّك، والقعقعة: حكاية حركةٍ لشيءٍ يُسمَع له صوتٌ كالسِّلاح (كَأَنَّهَا) أي: نفسُه (فِي شَنٍّ) بفتح الشِّين المعجَمة وتشديد النُّون: قِربةٍ خلقةٍ يابسةٍ (فَفَاضَتْ) بالبكاء (عَيْنَاهُ) ﷺ (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ) أي: ابن عبادة المذكور: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا) البكاء وأنت تنهى عنه؟ وثبت: «ما هذا» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ: (هَذِهِ رَحْمَةٌ) أي: الدَّمعة التي تراها من حزن القلب بغير تعمُّدٍ ولا استدعاءٍ لا مؤاخذة فيها، فهي أثر الرَّحمة التي (جَعَلَهَا اللهُ) تعالى (فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وليس من باب الجزع وقلَّة الصَّبر، و «الرُّحماء»: جمع رحيمٍ، من صيغ المبالغة، وهو أحد الأمثلة الخمسة: فَعول وفعَّال ومِفْعال وفَعِل وفعيل، وزاد بعضهم فيها: فِعِّيلًا كَسِكِّير، وجاء «فعيل» بمعنى: مفعول، قال المتلمِّس:
فأمَّا إذا عضَّت بك الحرب عضّةً … فإنَّك معطوفٌ عليك رحيمُ
والرَّحمة لغةً: الرِّقَّة والانعطاف، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي البطن؛ لانعطافها على
الجنين، فعلى هذا يكون وصفه تعالى بالرَّحمة مجازًا عن (١) إنعامه تعالى على عباده، كالملك إذا عطف على رعيَّته أصابهم خيره، وتكون على هذا التقدير صفة فعلٍ، لا صفة ذاتٍ، وقيل: الرَّحمة: إرادة الخير لمن أراد الله به ذلك، ووصفه بها على ذلك القول حقيقةٌ، وهي حينئذٍ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظَّاهر، وقيل: الرَّحمة رقَّةٌ تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في الرِّقَّة المجرَّدة، وتارةً في الإحسان المجرَّد، وإذا وُصِف بها الباري تعالى فليس يُراد بها إلَّا الإحسان المجرَّد دون الرِّقَّة، وعلى هذا روي: الرَّحمة من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميِّين رقَّةٌ وتعطُّفٌ، وأمَّا ما روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «الرَّحمن الرَّحيم: اسمانِ رقيقان، أحدهما أرقُّ من الآخر» فلا يثبت؛ لأنَّه من رواية الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عنه، والكلبيُّ متروكُ الحديث، ونقل البيهقيُّ عن الحسين بن الفضل البجليِّ أنَّه نسب راوي حديث ابن عبَّاسٍ إلى التَّصحيف، وقال: إنَّما هو الرَّفيق؛ بالفاء، أي: فهما اسمان رفيقان، أحدهما أرفق من الآخر، وقوَّاه البيهقيُّ بالحديث المرويِّ في مسلمٍ عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العنف» واختُلِف هل «الرَّحمن الرَّحيم» بمعنًى واحدٍ؟ فقيل: بمعنًى واحدٍ، كندمان ونديم، فيكون الجمع بينهما تأكيدًا، وقيل: لكلِّ واحدٍ منهما فائدةٌ غير فائدة الآخر، وذلك بالنِّسبة إلى تغاير تعلُّقهما؛ إذ يقال: رحمن الدُّنيا ورحيم الآخرة؛ لأنَّ رحمته في الدُّنيا تعمُّ المؤمن والكافر، وفي الآخرة تخصُّ المؤمن، وقيل: الرَّحمن أبلغ؛ إذ لا يُطلَق إلَّا على الله سبحانه، وعلى هذا فالقياس أن يترقَّى إلى الأبلغ فيقول: رحيم رحمن، قال صاحب «التقريب»: إنَّما قدَّم أعلى الوصفين، والقياس تقديم أدناهما، كجوادٍ فيَّاضٍ؛ لأنَّ ذلك القياس فيما كان الثَّاني من جنس الأوَّل وفيه زيادةٌ، و «الرَّحمن» يتناول جلائل النِّعم وأصولها، و «الرَّحيم» دقائقها وفروعها، فلم يكن في الثَّاني زيادةٌ على الأوَّل، فكأنَّه جنسٌ آخر، فيقال: لِما ثبت أنَّ «الرَّحمن» أبلغ من «الرَّحيم» في تأدية معنى الرَّحمة المترقِّي (٢) من «الرَّحيم» إليه؛ لأنَّ معنى التَّرقِّي هو أن يُذكَر معنًى ثمَّ يُردَف بما هو أبلغ منه (٣)، وقال صاحب
«الإيجاز والانتصاف»: «الرَّحمن» أبلغ؛ لأنَّه كالعَلَم إذ كان لا يوصَف به غير الله تعالى، فكأنَّه الموصوف، وهو أقدم إذ الأصل في نِعَم الله أن تكون عظيمةً، فالبداءة بما يدلُّ على عظمها أَولى. هذا أحسن الأقوال، يعني: أنَّ هذا الأسلوب ليس من باب التَّرقِّي، بل هو من باب التَّتميم، وهو تقييدُ الكلام بتابعٍ يفيد مبالغةً، وذلك أنَّه تعالى لمَّا ذكر ما دلَّ على جلائل النِّعم وعظائمها أراد المبالغة والاستيعاب، فتمَّم بما دلَّ على دقائقها وروادفها؛ ليدلَّ به على أنَّه مولى النِّعم كلِّها، ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، فلو قصد التَّرقِّي لفاتت المبالغة المذكورة، ومن شرط التَّتميم الأخذ بما هو أعلى في الشَّيء، ثمَّ بما هو أحطُّ (١) منه؛ ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشَّيء؛ لأنَّهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلَّا لتوخِّي نُكْتةٍ، وقيل: إنَّه من باب التَّكميل، وهو أن يؤتى بكلامٍ في فنٍّ، فيُرَى أنَّه ناقصٌ فيه، فيكمَّل بآخر، فإنَّه تعالى لمَّا قال: «الرَّحمن» تُوُهِّم أنَّ جلائل النِّعم منه، وأنَّ الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمَّل بـ «الرَّحيم» ويؤيِّده ما في حديث التِّرمذيِّ عن أنسٍ مرفوعًا: «لِيَسأل أحدكم ربَّه حاجته كلَّها حتَّى يسأل شسع نعله إذا انقطع» وزاد: «حتَّى يسأل الملح».
وحديث الباب سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤].
(٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَنَا الرَّزَّاقُ) ولأبوي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾» أي: الذي يرزق كلَّ ما يفتقر إلى الرِّزق، وفيه إيماءٌ باستغنائه عنه، وقُرِئ: (إنِّي أنا الرَّزَّاق) وهو موافقٌ للرِّواية الأُولى (﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]) الشَّديد القوَّة، و ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرفع: صفة لـ ﴿ذُو﴾ وقرأ الأعمش بالجرِّ صفةً لـ ﴿الْقُوَّةِ﴾ على تأويل الاقتدار.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْكُرَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ لَهُ بِهِمْ إِرَادَةٌ مُخَصَّصَةٌ، وَإِذَا صَحَّ الْفَرْقُ فَاللَّهُ ﷾ مَحْبُوبٌ لِمُحِبِّيهِ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ مُحِبِّيهِ الْمُخْلِصِينَ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمَحَبَّةُ وَالْبُغْضُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَمَعْنَى مَحَبَّتِهِ إِكْرَامُ مَنْ أَحَبَّهُ وَمَعْنَى بُغْضِهِ إِهَانَتُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَكَلَامُهُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْإِرَادَةِ، فَمَحَبَّتُهُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ وَفَاعِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ إِكْرَامَهُ، وَبُغْضُهُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ وَفَاعِلَهَا يَرْجِعُ إِلَى إِرَادَتِهِ إِهَانَتَهُ.
٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
٧٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَأَبِي ظَبْيَانَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ.
٧٣٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ تدْعُوهُ إِلَى ابْنِهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَأَعَادَتْ الرَّسُولَ أَنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ: لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ.
وَحَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّةِ وَلَدِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا، وَفِيهِ: فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَفِيهِ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِثْبَاتُ الرَّحْمَةَ، وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَالرَّحْمَنُ وَصْفٌ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنَى الرَّحْمَةِ، كَمَا تَضَمَّنَ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ عَالِمُ مَعْنَى الْعِلْمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِرَحْمَتِهِ إِرَادَتُهُ نَفْعَ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ، قَالَ: وَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ دَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ يَخْتَصُّ الِاسْمُ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَصَفَهَا بِأَنَّهُ خَلَقَهَا فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَهِيَ رِقَّةٌ عَلَى الْمَرْحُومِ، وَهُوَ ﷾ مُنَزَّهٌ عَنِ الْوَصْفِ بِذَلِكَ فَتُتَأَوَّلُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: هُمَا اسْمَانِ مِنْ غَيْرِ اشْتِقَاقٍ، وَقِيلَ: يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْإِرَادَةِ، فَرَحْمَتُهُ إِرَادَتُهُ تَنْعِيمَ مَنْ يَرْحَمُهُ، وَقِيلَ: رَاجِعَانِ إِلَى تَرْكِهِ عِقَابَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: مَعْنَى الرَّحْمَنِ أَنَّهُ مُزِيحُ الْعِلَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ بَيَّنَ حُدُودَهَا وَشُرُوطَهَا فَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ وَكَلَّفَ مَا تَحْمِلُهُ بِنْيَتُهُمْ، فَصَارَتِ الْعِلَلُ عَنْهُمْ مُزَاحَةً وَالْحِجَجُ مِنْهُمْ مُنْقَطِعَةً، قَالَ: وَمَعْنَى الرَّحِيمِ
أَنَّهُ الْمُثِيبُ عَلَى الْعَمَلِ، فَلَا يُضَيِّعُ لِعَامِلٍ أَحْسَنَ عَمَلًا، بَلْ يُثِيبُ الْعَامِلَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ أَضْعَافَ عَمَلِهِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّحْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَةِ لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهَا، وَلِذَلِكَ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَفِيهِ: خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي. قُلْتُ: وَكَذَا حَدِيثُ الرَّحْمَةِ الَّذِي اشْتَهَرَ بِالْمُسَلْسَلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِلَفْظِ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَالرَّحْمَنُ ذُو الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وَأُورِدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: الرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، وَعَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِثْلُهُ، وَزَادَ: فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْمُتَرَحِّمِ، وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُتَعَطِّفِ، ثُمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا مَعْنَى لِدُخُولِ الرِّقَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا اللُّطْفُ، وَمَعْنَاهُ الْغُمُوضُ لَا الصِّغَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ.
قُلْتُ: وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ صَالِحٍ عَنْهُ، وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ مُقَاتِلٌ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُفَضَّلِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ نَسَبَ رَاوِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى التَّصْحِيفِ، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ الرَّفِيقُ بِالْفَاءِ، وَقَوَّاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَأَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى ثُمَّ قَالَ: وَالرَّحْمَنُ خَاصٌّ فِي التَّسْمِيَةِ عَامٌّ فِي الْفِعْلِ، وَالرَّحِيمُ عَامٌّ فِي التَّسْمِيَةِ خَاصٌّ فِي الْفِعْلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَقَرَّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَقَدْ خَصَّ الْحَلِيمِيُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ بِهِ الِاشْتِرَاكُ، كَمَا لَوْ قَالَ الطَّبَائِعِيُّ: لَا إِلَهَ إِلَّا الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِاسْمٍ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّجْسِيمِ مِنَ الْيَهُودِ: لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي فِي السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا كَذَلِكَ، إِلَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا لَا يَفْقَهُ مَعْنَى التَّجْسِيمِ، فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْجَارِيَةِ الَّتِي سَأَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ: أَنْتِ مُؤْمِنَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَإِنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الرَّحْمَنُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عِنَادًا، وَسَمَّى غَيْرَ اللَّهِ رَحْمَانًا، كَمَا وَقَعَ لِأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَلَوْ قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَتَّى يُقِرَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ الْوَثَنِيُّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّنَمَ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا حَتَّى يَتَبَرَّأَ مِنْ عِبَادَةِ الصَّنَمِ.
تَنْبِيهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، فَيُدْخِلُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهَا فِي بَابٍ، وَيُؤَيِّدُهُ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى خُرُوجِهَا عَنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ فِي تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ، وَأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ جَمِيعًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلَّامِ بْنِ أَبِي مُطِيعٍ، وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُبْتَدِعَةَ فَقَالَ: وَيْلَهُمْ مَاذَا يُنْكِرُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهِ مَا فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ إِلَّا وَفِي الْقُرْآنِ مِثْلُهُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ - أَيْ سَلَّامُ بْنُ مُطِيعٍ - يَذْكُرُ الْآيَاتِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّحَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٧٣٧٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) ولأبي ذرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» بتخفيف اللام وتشديدها، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم، بالخاء المعجمة والزَّاي (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران الكوفيِّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (وَأَبِي ظَبْيَانَ) بفتح الظاء المعجَمة وسكون الموحَّدة، «حُصَين»: بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المهملتين، ابن جندبٍ الكوفيِّ، كلاهما (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا يَرْحَمُ اللهُ) في الآخرة (مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ) من مؤمنٍ وكافرٍ، و «يَرْحَم» بفتح أوَّله في الموضعين.
ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ، وسبق الحديث في «الأدب» [خ¦٦٠١٣] وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل».
٧٣٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بفتح الحاء والميم المشدَّدة ابن درهمٍ الأزديُّ أحد الأعلام (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) بن سليمان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملٍّ (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) الحِبِّ ابن الحِبِّ ﵁ أنَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ) زينب (يَدْعُوهُ) أي: الرّسول، ولأبي ذرٍّ: «تدعوه» بالفوقيَّة بدل التّحتيَّة، أي: تدعوه زينب على لسان رسولها (إِلَى ابْنِهَا) وهو (فِي) حالة (المَوْتِ) من معالجة الرُّوح (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ) زاد أبو ذرٍّ: «إليها» وسقط له لفظ «النّبيُّ» والتَّصلية (فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي: الذي أراد أن يأخذه هو الذي أعطاه، فإن أخذه؛ أخذ ما هو له، ولفظ «ما» فيهما
مصدريَّةٌ، أي: أنَّ (١) لله الأخذ والإعطاء، أو موصولةٌ والعائد محذوفٌ، وكذا الصِّلة (وَكُلُّ شَيْءٍ) من الأخذ والإعطاء وغيرهما (عِنْدَهُ) في علمه (بِأَجَلٍ مُسَمًّى) مقدَّرٍ (فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) أي: تنوي بصبرها طلب الثَّواب منه تعالى؛ ليحسب (٢) ذلك من عملها الصالح (فَأَعَادَتِ الرَّسُولَ) إليه ﷺ (أَنَّهَا أَقْسَمَتْ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد أقسمت» أي: عليه (لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) زاد في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤] وأبيُّ بن كعبٍ وزيد بن ثابتٍ ورجالٌ (فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ) بالفاء والدَّال المهملة المضمومة، وللكُشْميهنيِّ: «فرُفِعَ» بالرَّاء بدل الدَّال، وللحَمُّويي والمُستملي: «ورُفِعَ» بالواو بدل الفاء (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) بحذف إحدى التَّاءين تخفيفًا، أي: تضطرب وتتحرَّك، والقعقعة: حكاية حركةٍ لشيءٍ يُسمَع له صوتٌ كالسِّلاح (كَأَنَّهَا) أي: نفسُه (فِي شَنٍّ) بفتح الشِّين المعجَمة وتشديد النُّون: قِربةٍ خلقةٍ يابسةٍ (فَفَاضَتْ) بالبكاء (عَيْنَاهُ) ﷺ (فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ) أي: ابن عبادة المذكور: (يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا) البكاء وأنت تنهى عنه؟ وثبت: «ما هذا» لأبي ذرٍّ (قَالَ) ﷺ: (هَذِهِ رَحْمَةٌ) أي: الدَّمعة التي تراها من حزن القلب بغير تعمُّدٍ ولا استدعاءٍ لا مؤاخذة فيها، فهي أثر الرَّحمة التي (جَعَلَهَا اللهُ) تعالى (فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وليس من باب الجزع وقلَّة الصَّبر، و «الرُّحماء»: جمع رحيمٍ، من صيغ المبالغة، وهو أحد الأمثلة الخمسة: فَعول وفعَّال ومِفْعال وفَعِل وفعيل، وزاد بعضهم فيها: فِعِّيلًا كَسِكِّير، وجاء «فعيل» بمعنى: مفعول، قال المتلمِّس:
فأمَّا إذا عضَّت بك الحرب عضّةً … فإنَّك معطوفٌ عليك رحيمُ
والرَّحمة لغةً: الرِّقَّة والانعطاف، ومنه اشتقاق الرَّحِم، وهي البطن؛ لانعطافها على
الجنين، فعلى هذا يكون وصفه تعالى بالرَّحمة مجازًا عن (١) إنعامه تعالى على عباده، كالملك إذا عطف على رعيَّته أصابهم خيره، وتكون على هذا التقدير صفة فعلٍ، لا صفة ذاتٍ، وقيل: الرَّحمة: إرادة الخير لمن أراد الله به ذلك، ووصفه بها على ذلك القول حقيقةٌ، وهي حينئذٍ صفةُ ذاتٍ، وهذا القولُ هو الظَّاهر، وقيل: الرَّحمة رقَّةٌ تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل تارةً في الرِّقَّة المجرَّدة، وتارةً في الإحسان المجرَّد، وإذا وُصِف بها الباري تعالى فليس يُراد بها إلَّا الإحسان المجرَّد دون الرِّقَّة، وعلى هذا روي: الرَّحمة من الله إنعامٌ وإفضالٌ، ومن الآدميِّين رقَّةٌ وتعطُّفٌ، وأمَّا ما روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «الرَّحمن الرَّحيم: اسمانِ رقيقان، أحدهما أرقُّ من الآخر» فلا يثبت؛ لأنَّه من رواية الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عنه، والكلبيُّ متروكُ الحديث، ونقل البيهقيُّ عن الحسين بن الفضل البجليِّ أنَّه نسب راوي حديث ابن عبَّاسٍ إلى التَّصحيف، وقال: إنَّما هو الرَّفيق؛ بالفاء، أي: فهما اسمان رفيقان، أحدهما أرفق من الآخر، وقوَّاه البيهقيُّ بالحديث المرويِّ في مسلمٍ عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويُعطي عليه ما لا يُعطي على العنف» واختُلِف هل «الرَّحمن الرَّحيم» بمعنًى واحدٍ؟ فقيل: بمعنًى واحدٍ، كندمان ونديم، فيكون الجمع بينهما تأكيدًا، وقيل: لكلِّ واحدٍ منهما فائدةٌ غير فائدة الآخر، وذلك بالنِّسبة إلى تغاير تعلُّقهما؛ إذ يقال: رحمن الدُّنيا ورحيم الآخرة؛ لأنَّ رحمته في الدُّنيا تعمُّ المؤمن والكافر، وفي الآخرة تخصُّ المؤمن، وقيل: الرَّحمن أبلغ؛ إذ لا يُطلَق إلَّا على الله سبحانه، وعلى هذا فالقياس أن يترقَّى إلى الأبلغ فيقول: رحيم رحمن، قال صاحب «التقريب»: إنَّما قدَّم أعلى الوصفين، والقياس تقديم أدناهما، كجوادٍ فيَّاضٍ؛ لأنَّ ذلك القياس فيما كان الثَّاني من جنس الأوَّل وفيه زيادةٌ، و «الرَّحمن» يتناول جلائل النِّعم وأصولها، و «الرَّحيم» دقائقها وفروعها، فلم يكن في الثَّاني زيادةٌ على الأوَّل، فكأنَّه جنسٌ آخر، فيقال: لِما ثبت أنَّ «الرَّحمن» أبلغ من «الرَّحيم» في تأدية معنى الرَّحمة المترقِّي (٢) من «الرَّحيم» إليه؛ لأنَّ معنى التَّرقِّي هو أن يُذكَر معنًى ثمَّ يُردَف بما هو أبلغ منه (٣)، وقال صاحب
«الإيجاز والانتصاف»: «الرَّحمن» أبلغ؛ لأنَّه كالعَلَم إذ كان لا يوصَف به غير الله تعالى، فكأنَّه الموصوف، وهو أقدم إذ الأصل في نِعَم الله أن تكون عظيمةً، فالبداءة بما يدلُّ على عظمها أَولى. هذا أحسن الأقوال، يعني: أنَّ هذا الأسلوب ليس من باب التَّرقِّي، بل هو من باب التَّتميم، وهو تقييدُ الكلام بتابعٍ يفيد مبالغةً، وذلك أنَّه تعالى لمَّا ذكر ما دلَّ على جلائل النِّعم وعظائمها أراد المبالغة والاستيعاب، فتمَّم بما دلَّ على دقائقها وروادفها؛ ليدلَّ به على أنَّه مولى النِّعم كلِّها، ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها، فلو قصد التَّرقِّي لفاتت المبالغة المذكورة، ومن شرط التَّتميم الأخذ بما هو أعلى في الشَّيء، ثمَّ بما هو أحطُّ (١) منه؛ ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشَّيء؛ لأنَّهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلَّا لتوخِّي نُكْتةٍ، وقيل: إنَّه من باب التَّكميل، وهو أن يؤتى بكلامٍ في فنٍّ، فيُرَى أنَّه ناقصٌ فيه، فيكمَّل بآخر، فإنَّه تعالى لمَّا قال: «الرَّحمن» تُوُهِّم أنَّ جلائل النِّعم منه، وأنَّ الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمَّل بـ «الرَّحيم» ويؤيِّده ما في حديث التِّرمذيِّ عن أنسٍ مرفوعًا: «لِيَسأل أحدكم ربَّه حاجته كلَّها حتَّى يسأل شسع نعله إذا انقطع» وزاد: «حتَّى يسأل الملح».
وحديث الباب سبق في «الجنائز» [خ¦١٢٨٤].
(٣) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: أَنَا الرَّزَّاقُ) ولأبوي الوقت وذرٍّ والأَصيليِّ: «﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾» أي: الذي يرزق كلَّ ما يفتقر إلى الرِّزق، وفيه إيماءٌ باستغنائه عنه، وقُرِئ: (إنِّي أنا الرَّزَّاق) وهو موافقٌ للرِّواية الأُولى (﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]) الشَّديد القوَّة، و ﴿الْمَتِينُ﴾ بالرفع: صفة لـ ﴿ذُو﴾ وقرأ الأعمش بالجرِّ صفةً لـ ﴿الْقُوَّةِ﴾ على تأويل الاقتدار.