«قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤١٧

الحديث رقم ٧٤١٧ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٤١٧ في صحيح البخاري

«قَالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا.»

بَابُ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارْتَفَعَ ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ خَلَقَهُنَّ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿اسْتَوَى﴾ عَلَا عَلَى الْعَرْشِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الْمَجِيدُ﴾ الْكَرِيمُ وَ ﴿الْوَدُودُ﴾ الْحَبِيبُ يُقَالُ ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ مَحْمُودٌ مِنْ حَمِيدٍ

إسناد حديث البخاري رقم ٧٤١٧

٧٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٤١٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الشَّخْصِ يَعْنِي فِي اللُّغَةِ لِجِرْمِ الْإِنْسَانِ وَجِسْمِهِ، يُقَالُ: شَخْصُ فُلَانٍ وَجُثْمَانِهِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ، يُقَالُ: شَخَصَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا مُرْتَفِعَ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ لَا مَوْجُودَ أَوْ لَا أَحَدَ وَهُوَ أَحْسَنُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى؛ وَكَأَنَّ لَفْظَ الشَّخْصِ أُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ إِيمَانِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَى فَهْمِهِ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ لِلْجَارِيَةِ: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَحَكَمَ بِإِيمَانِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ لِقُصُورِ فَهْمِهَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

(تَنْبِيهٌ)

لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِ الشَّخْصِ عَلَى اللَّهِ، بَلْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، فَتَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ.

٢١ - بَاب: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا، وَسَمَّى النَّبِيُّ الْقُرْآنَ شَيْئًا وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾

٧٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ: أَمَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْقَابِسِيِّ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٌ لِغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَسَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بَعْدَ أَثَرَيْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ - سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ شَيْئًا - ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَتَوْجِيهُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ لَفْظَ: أَيُّ، إِذَا جَاءَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً اقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِاسْمِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ شَيْئًا وَتَكُونَ الْجَلَالَةُ خَبَرَ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ، أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ شَهَادَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: وَسَمَّى النَّبِيُّ الْقُرْآنَ شَيْئًا وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ) يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ: أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي قِصَّةِ الْوَاهِبَةِ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ قُرْآنٌ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِلْمَطْلُوبِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا مُتَّصِلٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي انْدِرَاجَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، عَلَى أَنَّ لَفْظَ شَيْءٍ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْجُمْلَةِ بِأَشْهَرِ مَا فِيهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوَجْهِ مَا يُعْمَلُ لِأَجْلِ اللَّهِ أَوِ الْجَاهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ وَالتَّقْدِيرُ: لَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَهْلِكُ، وَالشَّيْءُ يُسَاوِي الْمَوْجُودَ لُغَةً وَعُرْفًا، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ، فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَعْدُومِ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ انْتَزَعَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْمَكِّيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْحَيْدَةِ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا إِثْبَاتًا لِوُجُودِهِ وَنَفْيًا لِلْعَدَمِ عَنْهُ، وَكَذَا أَجْرَى عَلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقيل: الاستثناء منقطعٌ، والتَّقدير: لكن هو سبحانه لا يهلك.

٧٤١٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ) لم يُسَمَّ، لمَّا قال له في المرأة الواهبة نفسَها له ولم يُرِدْها : يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوِّجنيها، فقال: «وهل عندك من شيءٍ؟» قال: لا، قال: «انظر ولو خاتمًا من حديدٍ» فقال: ولا خاتمًا من حديدٍ، فقال له: (أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا) عيَّن النَّسائيُّ في روايته عن أبي هريرة: «البقرة» والتي تليها (١)، وعند الدَّارقطني: «البقرة» وسورٌ (٢) من المفصَّل، وقد أُجِمعَ على أنَّ لفظ «شيء» يقتضي إثبات موجودٍ، ولفظ «لا شيء» يقتضي نفي موجودٍ (٣)، وأمَّا قولهم: فلانٌ ليس بشيء؛ فإنَّه على طريق المبالغة في الذَّمِّ، فوُصِفَ لذلك بصفة المعدوم.

وحديث الباب مختصرٌ من حديثٍ سبق في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٥].

(٢٢) (بَابٌ) قوله تعالى: (﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]) أي: فوقه، أي: ما كان تحته خلقٌ قبل خلق السَّموات والأرض إلَّا الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السَّموات والأرض، وروى الحافظ محمَّد بن عثمان ابن أبي شيبة في «كتاب صفة

العرش» عن بعض السَّلف: أنَّ العرش مخلوقٌ من ياقوتةٍ حمراءَ بُعْدُ ما بين قُطْرَيه ألف سنةٍ، واتِّساعه خمسون ألفَ سنةٍ، إنَّه أبعد ما بين العرش إلى الأرض السَّابعة مسيرة خمسين ألف سنةٍ، وقيل -ممَّا ذكره في «المدارك» -: إنَّ الله خلق ياقوتةً خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماءً، ثمَّ خلق ريحًا، فأقرَّ الماء على متنه، ثمَّ وضع عرشه على الماء، وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبارٍ لأهل الأفكار.

(﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]) روى ابن مردويه في «تفسيره» مرفوعًا: «إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع عند الكرسيِّ كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وإنَّ فضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة».

(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيع بن مهران الرِّياحيُّ في قوله تعالى: (﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾) معناه: (ارْتَفَعَ) وهذا وصله الطَّبريُّ، وقال أبو العالية أيضًا في قوله تعالى: (﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]) أي: (خَلَقَهُنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فسوَّى» أي: «خَلَقَ».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: (﴿اسْتَوَى﴾) ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: (عَلَا عَلَى العَرْشِ) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيح عنه، قال ابن بطَّال: وهذا صحيحٌ، وهو المذهب الحقُّ، وقولُ أهل السُّنَّة؛ لأنَّ الله وصف نفسه بالعلي، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهي صفة من صفات الذات، قال في «المصابيح»: وما قاله مجاهد مِن أنَّه بمعنى علا، ارتضاه غير واحد من أئمَّة أهل السُّنَّة، ودفعوا اعتراض مَن قال: علا بمعنى ارتفع من غير فَرْق، وقد أبطلتموه؛ لِمَا في ظاهره مِنَ الانتقال مِنْ سُفْل إلى علْوٍ، وهو محالٌ على الله، فليكن علا كذلك؟ ووجه الدفع أنَّ الله تعالى وصف نفسه بالعلوِّ، ولم يصف نفسه بالارتفاع. وقال المعتزلة معناه: الاستيلاء بالقهر والغلبة ورُدَّ: بأنَّه تعالى لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنَّه كان مغالَبًا فيه، فاستولى عليه بقهرِ مَن غالبه، وهذا منتفٍ عن الله، وقالت (١) المجسِّمة معناه: الاستقرار، ودُفع: بأنَّ الاستقرار من صفات الأجسام ويَلزمُ منه الحُلُولُ، وهو محالٌ في حقِّه تعالى، وعند أبي القاسم اللَّالكائيِّ في «كتاب السنة» من طريق

الحسن البصريِّ عن أمِّه عن أمِّ سلمة أنَّها قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر»، ومن طريق ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن أنَّه سُئِلَ: كيف استوى على العرش؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره»: (﴿الْمَجِيدُ﴾) من قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أي: (الكَرِيمُ) والمجد النهاية في الكرم (و ﴿الْوَدُودُ﴾) أي: من (١) قوله تعالى: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أي: (الحَبِيبُ) قال في «اللباب»: و ﴿الْوَدُودُ﴾ مبالغةٌ في الودِّ. وقال ابن عبَّاسٍ: هو المتودِّد لعباده بالعفو (٢)، وقال في «الفتح»: وقدَّم المصنِّف ﴿الْمَجِيدُ﴾ على ﴿الْوَدُودُ﴾ لأنَّ غرضَه تفسير لفظ ﴿الْمَجِيدُ﴾ الواقع في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ فلمَّا فسَّره استطرد لتفسير (٣) الاسم الذي قبله إشارةً إلى أنَّه قرئ مرفوعًا اتِّفاقًا، و ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ بالرَّفع صفةٌ له، واختلف القرَّاء في ﴿الْمَجِيدُ﴾ فبالرفع يكون من صفات الله، وبالجرِّ من صفات العرش.

(يُقَالُ: حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَأَنَّهُ فَعِيلٌ) أي: كأنَّ «مجيدًا» على وزن «فعيل» أُخذ (مِنْ مَاجِدٍ) و (مَحْمُودٌ) أُخذ (مِنْ حَمِيدٍ) وللكشميهنيِّ: «مِن حَمِدَ» بغير ياء فعلًا ماضيًا، كذا في الفرع، وقال في «الفتح»: كذا لهم بغير ياء، ولغير أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «محمودٌ من حميد» وأصل هذا قول أبي عُبيدة في «المجاز» في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] أي: محمودٌ ماجد، وقال الكِرمانيُّ: غرضه منه أنَّ مَجِيدًا فعيل بمعنى فاعل كقدير بمعنى قادر، وحميدًا فعيل بمعنى مفعول (٤)، فلذلك قال: مجيد من ماجد، وحميد من محمود، قال: وفي بعض النسخ: «محمود من حميد» وفي أخرى: «محمود من حمِدَ» مبنيًّا للفاعل والمفعول أيضًا، وإنَّما قال: كأنَّه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد، ومجيد بمعنى ممجَّد، ثم قال: وفي عبارة البخاريِّ تعقيدٌ، قال في «الفتح»: التعقيد هو في قوله: «محمود من حَمِدَ»، وقد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الشَّخْصِ يَعْنِي فِي اللُّغَةِ لِجِرْمِ الْإِنْسَانِ وَجِسْمِهِ، يُقَالُ: شَخْصُ فُلَانٍ وَجُثْمَانِهِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ، يُقَالُ: شَخَصَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا مُرْتَفِعَ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ لَا مَوْجُودَ أَوْ لَا أَحَدَ وَهُوَ أَحْسَنُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى؛ وَكَأَنَّ لَفْظَ الشَّخْصِ أُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ إِيمَانِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَى فَهْمِهِ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ لِلْجَارِيَةِ: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَحَكَمَ بِإِيمَانِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ لِقُصُورِ فَهْمِهَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

(تَنْبِيهٌ)

لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِ الشَّخْصِ عَلَى اللَّهِ، بَلْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ، فَتَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ.

٢١ - بَاب: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا، وَسَمَّى النَّبِيُّ الْقُرْآنَ شَيْئًا وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾

٧٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ: أَمَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْقَابِسِيِّ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابٌ لِغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَسَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾. وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بَعْدَ أَثَرَيْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ - سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ شَيْئًا - ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَتَوْجِيهُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ لَفْظَ: أَيُّ، إِذَا جَاءَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً اقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِاسْمِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ شَيْئًا وَتَكُونَ الْجَلَالَةُ خَبَرَ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ، أَيْ: ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ شَهَادَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: وَسَمَّى النَّبِيُّ الْقُرْآنَ شَيْئًا وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ) يُشِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ: أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي قِصَّةِ الْوَاهِبَةِ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ مَشْرُوحًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ قُرْآنٌ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِلْمَطْلُوبِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا مُتَّصِلٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي انْدِرَاجَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ، عَلَى أَنَّ لَفْظَ شَيْءٍ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنِ الْجُمْلَةِ بِأَشْهَرِ مَا فِيهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوَجْهِ مَا يُعْمَلُ لِأَجْلِ اللَّهِ أَوِ الْجَاهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ وَالتَّقْدِيرُ: لَكِنْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَهْلِكُ، وَالشَّيْءُ يُسَاوِي الْمَوْجُودَ لُغَةً وَعُرْفًا، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ، فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِصِفَةِ الْمَعْدُومِ، وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ انْتَزَعَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى الْمَكِّيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْحَيْدَةِ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا إِثْبَاتًا لِوُجُودِهِ وَنَفْيًا لِلْعَدَمِ عَنْهُ، وَكَذَا أَجْرَى عَلَى

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقيل: الاستثناء منقطعٌ، والتَّقدير: لكن هو سبحانه لا يهلك.

٧٤١٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمةَ بنِ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ أنَّه قال: (قَالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ) لم يُسَمَّ، لمَّا قال له في المرأة الواهبة نفسَها له ولم يُرِدْها : يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوِّجنيها، فقال: «وهل عندك من شيءٍ؟» قال: لا، قال: «انظر ولو خاتمًا من حديدٍ» فقال: ولا خاتمًا من حديدٍ، فقال له: (أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا) عيَّن النَّسائيُّ في روايته عن أبي هريرة: «البقرة» والتي تليها (١)، وعند الدَّارقطني: «البقرة» وسورٌ (٢) من المفصَّل، وقد أُجِمعَ على أنَّ لفظ «شيء» يقتضي إثبات موجودٍ، ولفظ «لا شيء» يقتضي نفي موجودٍ (٣)، وأمَّا قولهم: فلانٌ ليس بشيء؛ فإنَّه على طريق المبالغة في الذَّمِّ، فوُصِفَ لذلك بصفة المعدوم.

وحديث الباب مختصرٌ من حديثٍ سبق في «النِّكاح» [خ¦٥١٣٥].

(٢٢) (بَابٌ) قوله تعالى: (﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]) أي: فوقه، أي: ما كان تحته خلقٌ قبل خلق السَّموات والأرض إلَّا الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السَّموات والأرض، وروى الحافظ محمَّد بن عثمان ابن أبي شيبة في «كتاب صفة

العرش» عن بعض السَّلف: أنَّ العرش مخلوقٌ من ياقوتةٍ حمراءَ بُعْدُ ما بين قُطْرَيه ألف سنةٍ، واتِّساعه خمسون ألفَ سنةٍ، إنَّه أبعد ما بين العرش إلى الأرض السَّابعة مسيرة خمسين ألف سنةٍ، وقيل -ممَّا ذكره في «المدارك» -: إنَّ الله خلق ياقوتةً خضراء، فنظر إليها بالهيبة، فصارت ماءً، ثمَّ خلق ريحًا، فأقرَّ الماء على متنه، ثمَّ وضع عرشه على الماء، وفي وقوف العرش على الماء أعظم اعتبارٍ لأهل الأفكار.

(﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩]) روى ابن مردويه في «تفسيره» مرفوعًا: «إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السَّبع عند الكرسيِّ كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاةٍ، وإنَّ فضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة».

(قَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيع بن مهران الرِّياحيُّ في قوله تعالى: (﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾) معناه: (ارْتَفَعَ) وهذا وصله الطَّبريُّ، وقال أبو العالية أيضًا في قوله تعالى: (﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٩]) أي: (خَلَقَهُنَّ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فسوَّى» أي: «خَلَقَ».

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: (﴿اسْتَوَى﴾) ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي: (عَلَا عَلَى العَرْشِ) وهذا وصله الفِريابيُّ عن ورقاء، عن ابن أبي نَجيح عنه، قال ابن بطَّال: وهذا صحيحٌ، وهو المذهب الحقُّ، وقولُ أهل السُّنَّة؛ لأنَّ الله وصف نفسه بالعلي، وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهي صفة من صفات الذات، قال في «المصابيح»: وما قاله مجاهد مِن أنَّه بمعنى علا، ارتضاه غير واحد من أئمَّة أهل السُّنَّة، ودفعوا اعتراض مَن قال: علا بمعنى ارتفع من غير فَرْق، وقد أبطلتموه؛ لِمَا في ظاهره مِنَ الانتقال مِنْ سُفْل إلى علْوٍ، وهو محالٌ على الله، فليكن علا كذلك؟ ووجه الدفع أنَّ الله تعالى وصف نفسه بالعلوِّ، ولم يصف نفسه بالارتفاع. وقال المعتزلة معناه: الاستيلاء بالقهر والغلبة ورُدَّ: بأنَّه تعالى لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ يقتضي افتتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، ولازم تأويلهم أنَّه كان مغالَبًا فيه، فاستولى عليه بقهرِ مَن غالبه، وهذا منتفٍ عن الله، وقالت (١) المجسِّمة معناه: الاستقرار، ودُفع: بأنَّ الاستقرار من صفات الأجسام ويَلزمُ منه الحُلُولُ، وهو محالٌ في حقِّه تعالى، وعند أبي القاسم اللَّالكائيِّ في «كتاب السنة» من طريق

الحسن البصريِّ عن أمِّه عن أمِّ سلمة أنَّها قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر»، ومن طريق ربيعةَ بن أبي عبد الرَّحمن أنَّه سُئِلَ: كيف استوى على العرش؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله ابن أبي حاتم في «تفسيره»: (﴿الْمَجِيدُ﴾) من قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أي: (الكَرِيمُ) والمجد النهاية في الكرم (و ﴿الْوَدُودُ﴾) أي: من (١) قوله تعالى: ﴿الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أي: (الحَبِيبُ) قال في «اللباب»: و ﴿الْوَدُودُ﴾ مبالغةٌ في الودِّ. وقال ابن عبَّاسٍ: هو المتودِّد لعباده بالعفو (٢)، وقال في «الفتح»: وقدَّم المصنِّف ﴿الْمَجِيدُ﴾ على ﴿الْوَدُودُ﴾ لأنَّ غرضَه تفسير لفظ ﴿الْمَجِيدُ﴾ الواقع في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ فلمَّا فسَّره استطرد لتفسير (٣) الاسم الذي قبله إشارةً إلى أنَّه قرئ مرفوعًا اتِّفاقًا، و ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ بالرَّفع صفةٌ له، واختلف القرَّاء في ﴿الْمَجِيدُ﴾ فبالرفع يكون من صفات الله، وبالجرِّ من صفات العرش.

(يُقَالُ: حَمِيدٌ مَجِيدٌ، كَأَنَّهُ فَعِيلٌ) أي: كأنَّ «مجيدًا» على وزن «فعيل» أُخذ (مِنْ مَاجِدٍ) و (مَحْمُودٌ) أُخذ (مِنْ حَمِيدٍ) وللكشميهنيِّ: «مِن حَمِدَ» بغير ياء فعلًا ماضيًا، كذا في الفرع، وقال في «الفتح»: كذا لهم بغير ياء، ولغير أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «محمودٌ من حميد» وأصل هذا قول أبي عُبيدة في «المجاز» في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] أي: محمودٌ ماجد، وقال الكِرمانيُّ: غرضه منه أنَّ مَجِيدًا فعيل بمعنى فاعل كقدير بمعنى قادر، وحميدًا فعيل بمعنى مفعول (٤)، فلذلك قال: مجيد من ماجد، وحميد من محمود، قال: وفي بعض النسخ: «محمود من حميد» وفي أخرى: «محمود من حمِدَ» مبنيًّا للفاعل والمفعول أيضًا، وإنَّما قال: كأنَّه لاحتمال أن يكون حميد بمعنى حامد، ومجيد بمعنى ممجَّد، ثم قال: وفي عبارة البخاريِّ تعقيدٌ، قال في «الفتح»: التعقيد هو في قوله: «محمود من حَمِدَ»، وقد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله