الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7416
الحديث رقم 7416 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي لا شخص أغير من الله.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗١٢٤⦘
أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ.»
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا (قُلِ اللهُ) وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ شَيْئًا وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ وَقَالَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾
٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ:
قال سعدُ بنُ عُبَادة: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لَضربتُه بحد السيف لا بعرضه، يعني: لقتلته بدون توقف، وقد أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأخبر أنه أغير من سعد، وأن الله أغير منه، وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته، مثل الغضب، والرضا، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها، ومعنى الشخص في اللغة: ما شخص، وارتفع، وظهر، والله تعالى أظهر من كل شيء، وأعظم، وأكبر، وليس في إطلاقه على الله تعالى محذور، على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش، ما ظهر منها، وما بطن» أي: من أثر غيرة الله أنه منع عباده من قربان الفواحش، وهي: ما عظم وفحش في النفوس الزاكية والعقول السليمة مثل الزنا. والظاهر: يشمل ما فعل علناً، وما باشرته الجوارح وإن كان سراً، والباطن: يشمل ما في السر، وما انطوت عليه القلوب.
وقوله: «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين» المعنى: بعث المرسلين للإعذار والإنذار لخلقه، قبل أخذهم بالعقوبة، وهو كقوله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.
وقوله: «ولا أحد أحب إليه المِدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» هذا لكماله المطلق، فهو تعالى يحب من عباده أن يثنوا عليه ويمدحوه على فضله وجوده، ومن أجل ذلك جاد عليهم بكل نعمة يتمتعون بها، ويرضى عنهم إذا حمدوه عليها، ومهما أثنوا عليه ومدحوه لا يمكن أن يصلوا إلى ما يستحقه من المدح والثناء، ولهذا مدح نفسه، فوعد الجنة ليكثر سؤاله، والثناء عليه من عباده ومدحه، ويجتهدوا في ذلك غاية ما يستطيعون؛ لأن الجنة هي منتهى الإنعام.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِضَرُورَةِ صِدْقِ مَنْ دَلَّتِ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَمَّا إِذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ بَلْ عَلَى لِسَانِ مَنْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْ نَوْعِهِ بِالْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ كَذَّبْنَاهُ وَقَبَّحْنَاهُ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِتَصْدِيقِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى بَلْ فِي اللَّفْظِ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَهَذَا الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ أَخِيرًا أَوْلَى مِمَّا ابْتَدَأَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى ثِقَاتِ الرُّوَاةِ وَرَدِّ الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي بِالظَّنِّ لَلَزِمَ مِنْهُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْبَاطِلِ وَسُكُوتُهُ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ الضَّحِكَ الْمَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ بِطَرِيقِهِ، قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ أَنْ يُوصَفَ رَبُّهُ بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ، فَيَجْعَلُ بَدَلَ الْإِنْكَارِ وَالْغَضَبِ عَلَى الْوَاصِفِ ضَحِكًا، بَلْ لَا يُوصِفُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْوَصْفِ مَنْ يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي الرِّقَاقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَفَعَهُ: تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّ يَهُودِيًّا دَخَلَ فَأَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ ضَحِكَ.
٢٠ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ
٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ) كَذَا لَهُمْ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ بِلَفْظِ: أَحَدَ بَدَلَ شَخْصَ، وَكَأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ وَالْمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحُدُودِ وَالْمُحَارِبِينَ، فَإِنَّهُ سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرَةِ اللَّهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ إِمَّا سَاكِتٌ عَنِ التَّأْوِيلِ وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ، وَالثَّانِي يَقُولُ الْمُرَادُ بِالْغَيْرَةِ الْمَنْعُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْحِمَايَةُ، وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْغَيْرَةِ فَأُطْلِقَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَالْمُلَازَمَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْجُهِ الشَّائِعَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ) يَعْنِي الرُّسُلَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَهِيَ أَوْضَحُ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ، أَيْ: وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ فَالْعُذْرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ كَذَا قَالَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمَعْنَى بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ لِخَلْقِهِ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَعَانِي، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، عَقِبَ قَوْلِهِ: لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مُنَبِّهًا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَرَادِعًا لَهُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَجِدُهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ اللَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ غَيْرَةً مِنْكَ يُحِبُّ الْإِعْذَارَ، وَلَا يُؤَاخِذُ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَّةِ، فَكَيْفَ تُقْدِمُ أَنْتَ عَلَى الْقَتْلِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؟
قَوْلُهُ: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ) يَجُوزُ فِي أَحَبُّ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ هَاءِ التَّأْنِيثِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ، وَالْمَدْحُ الثَّنَاءُ بِذِكْرِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَالْأَفْضَالِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَعَدَ الْجَنَّةَ بِإِضْمَارِ الْفَاعِلِ وَهُوَ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ مِنْ عِبَادِهِ بِطَاعَتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ لِيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَكَرَ الْمَدْحَ مَقْرُونًا بِالْغَيْرَةِ وَالْعُذْرَ تَنْبِيهًا لِسَعْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى غَيْرَتِهِ، وَلَا يُعَجِّلُ بَلْ يَتَأَنَّى وَيَتَرَفَّقُ وَيَتَثَبَّتُ، حَتَّى يَحْصُلَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَيَنَالَ كَمَالَ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ وَالثَّوَابِ لِإِيثَارِهِ الْحَقَّ وَقَمْعِ نَفْسِهِ وَغَلَبَتِهَا عِنْدَ هَيَجَانِهَا، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: الشَّدِيدُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَعَدَ الْجَنَّةَ أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا كَثُرَ السُّؤَالُ لَهُ وَالطَّلَبُ إِلَيْهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَا يُحْتَجُّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِجْلَابِ الْإِنْسَانِ الثَّنَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ حُبِّهِ لَهُ فِي قَلْبِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا فَإِنَّهُ لَا يُذَمُّ بِذَلِكَ، فَاللَّهُ ﷾ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَدْحِ بِكَمَالِهِ؛ وَالنَّقْصُ لِلْعَبْدِ لَازِمٌ وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ مِنْ جِهَةٍ مَا لَكِنَّ الْمَدْحَ يُفْسِدُ قَلْبَهُ وَيُعَظِّمُهُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَحْتَقِرَ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا جَاءَ: احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) هُوَ الرَّقِّيُّ الْأَسَدِيُّ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ)، يَعْنِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، فَقَالَ: لَا شَخْصَ بَدَلَ قَوْلِهِ لَا أَحَدَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرً، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَقُولُ: فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَطَّارِ، عَنْ زَكَرِيَّا بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: لَا شَخْصَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ فُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ الْبَصْرِيِّ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا شَخْصَ بَدَلَ لَا أَحَدَ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ شَخْصٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْهُ الْمُجَسِّمَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ كَذَا قَالَ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا قَالَ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ شَخْصٌ بَلْ هُوَ كَمَا جَاءَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتٌ أَنَّ آيَةَ
الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَصِفُ امْرَأَةً كَامِلَةً الْفَضْلِ حَسَنَةُ الْخَلْقِ مَا فِي النَّاسِ رَجُلٌ يُشْبِهُهَا، يُرِيدُ تَفْضِيلَهَا عَلَى الرِّجَالِ لَا أَنَّهَا رَجُلٌ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بِلَفْظِ: لَا أَحَدَ، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَ شَخْصَ جَاءَ مَوْضِعَ أَحَدَ، فَكَأَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي، ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ وَلَيْسَ الظَّنُّ مِنْ نَوْعِ الْعِلْمِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ قَرَّرَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَمِنْهُ أَخَذَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، فَقَالَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْغَيْرَةِ لَا تَبْلُغُ غَيْرتُهَا وَإِنْ تَنَاهَتْ غَيْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا بِوَجْهٍ، وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَبَنَى عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ هَذَا الْوَصْفِ لِلَّهِ تَعَالَى فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي، فَقَالَ: إِطْلَاقُ الشَّخْصِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُؤَلَّفًا فَخَلِيقٌ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنَ الرَّاوِي وَدَلِيلٌ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ: شَيْءَ، وَالشَّيْءُ وَالشَّخْصُ فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، فَمَنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَأْمَنِ الْوَهْمَ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يُرَاعِي لَفْظَ الْحَدِيثِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّاهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ فَهِمًا بَلْ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ جَفَاءٌ وَتَعَجْرُفٌ، فَلَعَلَّ لَفْظَ شَخْصَ جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا مِنْ قَبِيلِ التَّصْحِيفِ يَعْنِي السَّمْعِيَّ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو انْفَرَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَاعْتَوَرَهُ الْفَسَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ: وَقَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ، أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ، فَقَالَ لَفْظُ الشَّخْصِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ، فَإِنْ صَحَّ فَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا أَحَدَ، فَاسْتَعْمَلَ الرَّاوِي لَفْظَ
شَخْصَ مَوْضِعَ أَحَدَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَمِنْهُ أَخَذَ ابْنُ بَطَّالٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّخْصِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ، وَالثَّانِي: الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِسْمُ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْغَيْرَةِ الزَّجْرُ وَالتَّحْرِيمُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا الزَّجُورُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَأَنَا أَشَدُّ زَجْرًا مِنْهُ، وَاللَّهُ أَزْجَرُ مِنَ الْجَمِيعِ، انْتَهَى.
وَطَعْنُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي السَّنَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفَرُّدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَدُّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالطَّعْنُ فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ تَوْجِيهِ مَا رَوَوْا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْدَمَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُورَ فَهْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا حَاجَةَ لِتَخْطِئَةِ الرُّوَاةِ الثِّقَاةِ بَلْ حُكْمُ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ، إِمَّا التَّفْوِيضُ وَإِمَّا التَّأْوِيلُ، وَقَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ الشَّخْصِ مَا يُشْكِلُ كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَخْذُ نَفْيِ الْإِشْكَالِ مِمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الشَّخْصِ وَقَعَ تَجَوُّزًا مِنْ شَيْءَ أَوْ أَحَدَ، كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّخْصِ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ هُوَ مَا ظَهَرَ وَشَخَصَ وَارْتَفَعَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا مُرْتَفِعَ أَرْفَعُ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: لَا مُتَعَالِي أَعْلَى مِنَ اللَّهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعَجِّلْ وَلَا بَادَرَ بِعُقُوبَةِ عَبْدِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، بَلْ حَذَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ وَيَقِفَ
عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ وَضْعِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لكان كواحدٍ منَّا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهًا، فقول اليهوديِّ محالٌ وكذبٌ، ولذلك أنزل الله في الرَّدِّ عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. انتهى. وهذا يردُّه ما سبق قريبًا، والله الموفِّق والمعين لا ربَّ سواه (١).
(٢٠) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) «لا» الجنسيَّة، و «أَغْيَر» «أفعل» تفضيلٍ مرفوعٌ خبرها، وسقط لغير أبي ذرٍّ «باب» فالتَّالي مرفوعٌ.
٧٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكيُّ) وثبت لفظ: «التبوذكيُّ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشْكُريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عميرٍ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والرَّاء المشدَّدة (كَاتِبِ المُغِيرَةِ) بن شعبة ومولاه (عَنِ المُغِيرَةِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) سيِّد الخزرج ﵁: (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي) غيرَ مَحْرَمٍ لها (لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصَفَّحٍ) بفتح الصَّاد والفاء المشدَّدة وبسكون الصَّاد وتخفيف الفاء، وهو الذي في «اليونينيَّة» أي: غيرَ ضاربٍ بعَرْضِه بل بحدِّه (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الذي قاله سعدٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَعْجَبُونَ) ولأبي ذرٍّ: «أتعجبون» (مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللهِ) مجرورٌ بواو القَسَم (لأَنَا) مبتدأٌ دخلت عليه لام التَّأكيد المفتوحة، خبرُه: (أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي) مبتدأٌ وخبرٌ، قال ابن دقيق العيد: المنزِّهون لله إمَّا ساكتون عن التَّأويل، وإمَّا مؤوِّلون، والثَّاني يقول: المراد بالغَيرة: المنع من الشَّيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأُطلِقت على سبيل المجاز؛ كالملازمة وغيرها من الأوجه الشَّائعة (٢) في
لسان العرب، فالمراد الزَّجرُ عن الفواحش، والتَّحريم لها، والمنع منها، وقد بيَّن ذلك بقوله: (وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ) ﷿ (حَرَّمَ الفَوَاحِشَ) جمع فاحشةٍ، وهي كلُّ خصلةٍ قبيحةٍ من الأقوال والأفعال (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) كنكاح الجاهليَّة الأمهات (وَمَا بَطَنَ) كالزِّنا (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ) بالرَّفع خبرُ «لا» ولأبي ذرٍّ: «ولا أحدٌ» بالرَّفع منَّونًا «أحبُّ» (إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ) برفع «أحبُّ» أيضًا في الفرع كأصله، أو بالنَّصب خبر «لا» على الحجازيَّة، و «العذر» رفعٌ فاعل «أحبُّ» والعُذر: الحُجَّة (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ) بكسر الشِّين والذَّال المعجمتين، أي: بعث الرُّسل لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة، وفي غير رواية أبي ذرٍّ: تقديم «المنذرين» على «المبشرين» وفي مسلمٍ: «بعث المرسلين مبشرين ومنذرين» (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ) بكسر الميم وسكون الدَّال المهملة مرفوعٌ فاعلٌ «أحبُّ» والمدح: الثناء بذكر أوصاف الكمال والإفضال (مِنَ اللهِ) ﷿ (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ) من (١) أطاعه، وحذف أحد مفعولي «وعد» وهو «مَن أطاعه» للعلم به، قال القرطبيُّ: ذكر المدح مقرونًا بالغيرة والعذر بينهما (٢) لسعدٍ على ألَّا يعمل بمقتضى غيرته ولا يعجَل، بل يتأنَّى ويترفَّق ويتثبَّت (٣) حتَّى يحصل على وجه الصَّواب، فينال كمال الثَّناء والمدح والثَّواب؛ لإيثاره الحقَّ، وقمع نفسه وغلبتها عند هيجانها، وهو نحو قوله: «الشَّديد مَن يملك نفسه عند الغضب» [خ¦٦١١٤] وهو حديثٌ صحيحٌ متَّفقٌ عليه (٤).
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَمْرٍو) بفتحها، ابن أبي الوليد الأسديُّ مولاهم الرَّقيُّ، فيما وصله الدَّارميُّ عن زكريا بن عديِّ عن عبيد الله بن عمرٍو (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عمير بن سويدٍ الكوفيِّ، عن ورَّادٍ مولى المغيرة، عن المغيرة قال: يبلغ به النَّبيَّ ﷺ: (لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) قال الخطَّابيُّ: إطلاق الشَّخص في صفات الله ﷿ غير جائزٍ؛ لأنَّ الشَّخص لا يكون إلَّا جسمًا مؤلَّفًا، فخليقٌ ألَّا تكون هذه (٥) اللَّفظة صحيحة، وأن تكون تصحيفًا من
الرَّاوي، ودليل ذلك أنَّ أبا عَوانة روى هذا الحديث عن عبد الملك -يعني في هذا الباب- فلم يذكرها، فمَن لم يُمعِن (١) في الاستماع؛ لم يأمَنِ الوهم، وليس كلُّ الرُّواة يراعي لفظ الحديث حتَّى لا يتعدَّاه، بل كثيرٌ منهم يُحدِّث بالمعنى، وليس كلُّهم فَهِمًا، بل في كلام بعضهم جفاء (٢) وتعجرفٌ، فلعلَّ لفظ «شخص» جرى على هذا السَّبيل إن لم يكن غلطًا من قبيل التَّصحيف؛ يعني السَّمعيَّ، قال: ثمَّ إنَّ عبيد الله بن عمرٍو انفرد عن عبد الملك ولم يُتابَع عليه، واعتراه (٣) الفساد من هذه الوجوه. انتهى. وقال ابن فوركٍ: لفظ «الشَّخص» غير ثابتٍ من طريق السَّند، والإجماع على المنع منه؛ لأنَّ معناه الجسم المركَّب، وكذا قال نحوه الدَّاوديُّ والقرطبيُّ، وطَعْنُهم في السَّند بَنَوه على تفرُّد عبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك، فقد أخرجه (٤) الإسماعيليُّ من طريق عبيد الله بن عمر القواريريِّ وأبي كاملٍ فضيل بن حسينٍ الجَحْدَريِّ ومحمَّد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، ثلاثتهم عن أبي عَوانة الوضَّاح بالسَّند الذي أخرجه به البخاريُّ، لكن قال في المواضع الثَّلاثة: «لا شخص» بدل «لا أحد» ثمَّ ساقه من طريق زائدة بن قُدامة عن عبد الملك كذلك، فكأنَّ (٥) هذه اللَّفظة لم تقع في رواية البخاريِّ في حديث أبي عَوانة عن عبد الملك؛ فلذلك علَّقها عن عبيد الله بن عمرو. انتهى. وقد أخرجه مسلمٌ عن القواريريِّ وأبي كاملٍ كذلك، ومن طريق زائدة أيضًا، فكأنَّ الطَّاعنين لم يستحضروا إذ (٦) ذاك «صحيح مسلمٍ» ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللَّفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرٍو، ورَدُّ (٧) الرِّوايات الصَّحيحة والطَّعن في أئمَّة الحديث الضَّابطين مع إمكان توجيه ما رَوَوا من الأمور التي أقدم عليها كثيرٌ من غير أهل الحديث، وهو يقتضي
قصور فَهْمِ من فعل ذلك منهم، ومن ثمَّ قال الكِرمانيُّ: لا حاجة لتخطئة الرُّواة الثِّقات، بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات، إمَّا التَّفويض وإمَّا التَّأويل. انتهى. من «الفتح». وقال في «المصابيح»: هذا ظاهرٌ؛ إذ ليس في هذا اللَّفظ ما يقتضي إطلاق الشَّخص على الله، وما هو إلَّا بمثابة قولك: لا رجلَ أشجعُ من الأسد، وهذا لا يدلُّ على إطلاق الرَّجل على الأسد بوجهٍ من الوجوه، فأيُّ داعٍ بعد ذلك إلى توهيم الرَّاوي في ذكر «الشَّخص» أنَّه تصحيفٌ من قوله: «لا شيءَ (١) أغير من الله» كما صنعه الخطَّابيُّ.
(٢١) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾؟ [الأنعام: ١٩] وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا) إثباتًا لوجوده، ونفيًا لعدمه، وتكذيبًا للزَّنادقة والدَّهريَّة (٢) في قول الله ﷿: (﴿قُلِ اللّهِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ فسمَّى الله تعالى نفسه شيئًا» قال في «المدارك»: ﴿أَيُّ شَيْءٍ﴾ مبتدأٌ، و ﴿أَكْبَرُ﴾ خبرُه، و ﴿شَهَادةً﴾ تمييزٌ، و «أيُّ» كلمةٌ يُراد بها بعضُ ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهامًا كان جوابها (٣) مسمًّى باسم ما أُضِيفَت إليه، وقوله: ﴿قُلِ اللّهِ﴾ جوابٌ، أي: الله أكبر شهادةً، فـ ﴿اللّهِ﴾ مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ، فيكون دليلًا على أنَّه يجوز إطلاق اسم «الشَّيء» على الله تعالى؛ وهذا لأنَّ الشَّيء اسمٌ للموجود ولا يُطلَق على المعدوم، والله تعالى موجودٌ فيكون شيئًا، ولذا تقول: الله تعالى شيءٌ لا كالأشياء (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ شَيْئًا) في الحديث الذي بعده (وَهْوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ) تعالى، أي: من صفات (٤) ذاته (وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) فيه: أنَّ الاستثناء متَّصلٌ، فإنَّه يقتضي اندراج المستثنى في المستثنى منه، وهو الرَّاجح، فيدلُّ (٥) على أنَّ لفظ «شيءٍ» يطلَق عليه تعالى،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقيل: الأضراس، وَقيل: الدواخل من الأضراس الَّتِي فِي أقْصَى الْحلق، وَزَاد شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن: تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، وَفِي رِوَايَة فُضَيْل: تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ، وَعند مُسلم: تَعَجبا مِمَّا قَالَ الحبر تَصْدِيقًا لَهُ، وَفِي رِوَايَة جرير عِنْده: وَتَصْدِيقًا لَهُ، بِزِيَادَة: وَاو، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور: حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه تَصْدِيقًا لَهُ.
ثمَّ الْكَلَام هُنَا فِي مَوَاضِع.
الأول: فِي أَمر الإصبع، قَالَ ابْن بطال: لَا يحمل الإصبع على الْجَارِحَة بل يحمل على أَنه صفة من صِفَات الذَّات لَا يكيف وَلَا يحدد وَهَذَا ينْسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ، وَعَن ابْن فورك: يجوز أَن يكون الإصبع خلقا يخلقه الله فَيحمل مَا يحمل الإصبع، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يَقع ذكر الإصبع فِي الْقُرْآن وَلَا فِي حَدِيث مَقْطُوع بِهِ، وَقد تقرر أَن الْيَد لَيست جارحة حَتَّى يتَوَهَّم من ثُبُوتهَا ثُبُوت الْأَصَابِع، بل هُوَ تَوْقِيف أطلقهُ الشَّارِع فَلَا يكيف وَلَا يشبه، وَلَعَلَّ ذكر الْأَصَابِع من تَخْلِيط الْيَهُود، فَإِن الْيَهُود مشبهة وَفِيمَا يَدعُونَهُ من التَّوْرَاة أَلْفَاظ تدخل فِي بَاب التَّشْبِيه وَلَا تدخل فِي مَذَاهِب الْمُسلمين، ورد عَلَيْهِ إِنْكَاره وُرُود الإصبع لوروده فِي عدَّة أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث مُسلم: إِن قلب ابْن آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن، قيل: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الْقطع، وَفِيه نظر لَا يخفى، أَقُول: لَا يمْنَع ثُبُوت الإصبع الَّذِي هُوَ غير الْجَارِحَة، فَكَمَا ثَبت الْيَد أَنَّهَا غير جارحة فَكَذَلِك الإصبع.
الْموضع الثَّانِي: فِي تَصْدِيق النَّبِي، إِيَّاه، قَالَ الْخطابِيّ: قَول الرَّاوِي تَصْدِيقًا لَهُ، ظن مِنْهُ وحسبان وروى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد من أَصْحَاب عبد الله فَلم يذكرُوا فِيهِ: تَصْدِيقًا لَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهم وَأما من زَاد: تَصْدِيقًا لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْء فَإِن هَذِه الزِّيَادَة من قَول الرَّاوِي وَهِي بَاطِلَة لِأَن النَّبِي لَا يصدق الْمحَال، وَهَذِه الْأَوْصَاف فِي حق الله تَعَالَى محَال، وَطول الْكَلَام فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَلَئِن سلمنَا أَن النَّبِي صرح بتصديقه لم يكن ذَلِك تَصْدِيقًا فِي الْمَعْنى بل فِي اللَّفْظ الَّذِي نَقله من كِتَابه عَن نبيه، وَيقطع بِأَن ظَاهره غير مُرَاد.
الْموضع الثَّالِث: فِي ضحك النَّبِي قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَضحك النَّبِي إِنَّمَا هُوَ للتعجب من جهل الْيَهُودِيّ، فَظن الرَّاوِي أَن ذَلِك التَّعَجُّب تَصْدِيق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: حَاصِل الْخَبَر أَنه ذكر الْمَخْلُوقَات وَأخْبر عَن قدرَة الله جَمِيعًا، فَضَحِك النَّبِي تَعَجبا من كَونه يستعظم ذَلِك، فِي قدرَة الله تَعَالَى.
الْموضع الرَّابِع: فِي أَن النَّبِي مَا كَانَ يضْحك إِلَّا تبسماً، وَهنا ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، وَهُوَ قهقهة. قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ التبسم هُوَ الْغَالِب، وَهَذَا كَانَ نَادرا، أَو: المُرَاد بالنواجذ الأضراس مُطلقًا.
الْموضع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي قِرَاءَته قَوْله تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فَقيل: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الَّذِي قَالَه الْيَهُودِيّ يسير فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَيْسَ قدرته بِالْحَدِّ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهم أَو يُحِيط بِهِ الْحَد وَالْبَصَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْآيَة مُحْتَملَة للرضاء وَالْإِنْكَار، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ضحكه تَعَجبا من جهل الْيَهُودِيّ فَلذَلِك قَرَأَ هَذِه الْآيَة: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أَي: مَا عرفوه حق مَعْرفَته وَمَا عظموه حق عَظمته.
(بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ الله))
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا شخص أغير من الله وَوَقع فِي بعض النّسخ: بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا أحد أغير من الله، وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك: لَا شخص أغير من الله، وَابْن بطال غير قَوْله: لَا شخص بقوله: لَا أحد، وَعَلِيهِ شرح. وَقَالَ: اخْتلف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فَلم يخْتَلف فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه بِلَفْظ: لَا أحد، فَظهر أَن لفظ: شخص، جَاءَ فِي مَوضِع: أحد، فَكَانَ من تصرف الرَّاوِي. قلت: اخْتِلَاف أَلْفَاظ الحَدِيث هُوَ أَن فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود: مَا من أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة: مَا أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أَسمَاء: لَا شَيْء أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: إِن الله تَعَالَى يغار، كل ذَلِك مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة، وَرِوَايَة ابْن مَسْعُود مبينَة أَن لفظ: الشَّخْص، مَوْضُوع مَوضِع: أحد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي قَوْله: لَا شخص أغير من الله لم يَأْتِ مُتَّصِلا وَلم تتلق الْأمة مثل هَذِه الْأَحَادِيث بِالْقبُولِ، وَهُوَ يتوقى فِي الْأَحْكَام الَّتِي لَا تلجىء الضَّرُورَة النَّاس إِلَى الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِطْلَاق الشَّخْص فِي صِفَات الله غير جَائِز لِأَن الشَّخْص إِنَّمَا يكون جسماً مؤلفاً، وخليق أَن لَا تكون هَذِه اللَّفْظَة صَحِيحَة، وَأَن تكون تصحيفاً من الرَّاوِي
وَكثير من الروَاة يحدث بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ كلهم فُقَهَاء، وَفِي كَلَام آحَاد الروَاة جفَاء وتعجرف. وَقَالَ بعض كبار التَّابِعين: نعم الْمَرْء رَبنَا لَو أطعناه مَا عصانا، وَلَفظ الْمَرْء إِنَّمَا يُطلق على الذُّكُور من الْآدَمِيّين، فَأرْسل الْكَلَام وَبَقِي أَن يكون لفظ الشَّخْص جرى على هَذَا السَّبِيل فاعتوره الْفساد من وُجُوه: أَحدهَا أَن اللَّفْظ لَا يثبت إلَاّ من طَرِيق السّمع. وَالثَّانِي: إِجْمَاع الْأمة على الْمَنْع مِنْهُ. وَالثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ أَن يكون جسماً مؤلفاً فَلَا يُطلق على الله، وَقد منعت الْجَهْمِية إِطْلَاق الشَّخْص مَعَ قَوْلهم بالجسم فَدلَّ ذَلِك على مَا قُلْنَاهُ من الْإِجْمَاع على مَنعه فِي صفته، عز وَجل. قَوْله: لَا شخص، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: أغير، مَرْفُوع خَبره، و: أغير، أفعل تَفْضِيل من الْغيرَة وَهِي الحمية والأنفة. وَقَالَ عِيَاض: الْغيرَة مُشْتَقَّة من تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشد ذَلِك مَا يكون بَين الزَّوْجَيْنِ، هَذَا فِي حق الْآدَمِيّ، وَأما فِي حق الله فَيَأْتِي عَن قريب. قَوْله: وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو بتصغير العَبْد وبفتح الْعين فِي عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْأَسدي مَوْلَاهُم الرقي، يروي عَن عبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر بن سُوَيْد الْكُوفِي وَهُوَ أول من عبر نهر جيحون نهر بَلخ على طَرِيق سَمَرْقَنْد مَعَ سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان، خرج غازياً مَعَه وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وعمره يَوْم مَاتَ مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: انْفَرد بِهِ عبيد الله عَن عبد الْملك وَلم يُتَابع عَلَيْهِ، ورد بَعضهم على الْخطابِيّ بقوله: إِنَّه لم يُرَاجع صَحِيح مُسلم وَلَا غَيره من الْكتب الَّتِي وَقع فِيهَا هَذَا اللَّفْظ من غير رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو، ورد الرِّوَايَات الصَّحِيحَة والطعن فِي أَئِمَّة الحَدِيث الضابطين مَعَ إِمْكَان تَوْجِيه مَا رووا من الْأُمُور الَّتِي أقدم عَلَيْهَا كثير من غير أهل الحَدِيث، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُور فهم من فعل ذَلِك مِنْهُم، وَمن ثمَّة قَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة لتخطئة الروَاة الثقاة بل حكم هَذَا حكم سَائِر المتشابهات: إِمَّا التَّفْوِيض وَإِمَّا التَّأْوِيل. انْتهى. قلت: هَذَا وَقع فِي عين مَا أنكر عَلَيْهِ، والخطابي لم يُنكر هَذِه اللَّفْظَة وَحده، وَكَذَلِكَ أنكرها الدَّاودِيّ وَابْن فورك والقرطبي، قَالَ: أصل وضع الشَّخْص فِي اللُّغَة لجرم الْإِنْسَان وجسمه، وَاسْتعْمل فِي كل شَيْء ظَاهر، يُقَال: شخص الشَّيْء إِذا ظهر، وَهَذَا الْمَعْنى محَال على الله. انْتهى. فَكَلَامه يدل على أَنه لَا يرضى بِإِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الله وَإِن كَانَ قد أوَّله، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل: إِنَّه أيد كَلَامه بِمَا قَالَه الْكرْمَانِي، مَعَ أَنه ينْسبهُ فِي مَوَاضِع إِلَى الْغَفْلَة وَإِلَى الْوَهم والغلط، وَمن أَيْن ثَبت لَهُ عدم مُرَاجعَة الْخطابِيّ إِلَى صَحِيح مُسلم وَغَيره؟ وَكَلَامه عَام فِي كل مَوضِع فِيهِ، والسهو وَالنِّسْيَان غير مرفوعين عَن كل أحد يقعان عَن الثِّقَات وَغَيرهم، وَفِي نِسْبَة الثِّقَات إِلَى قُصُور الْفَهم وَاقع هُوَ فِيهِ.
٧٤١٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ، حدّثنا عَبْدُ المَلِكِ عنْ ورَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عنِ المُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: لَوْ رَأيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأتي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسولَ الله فَقَالَ: تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْد وَالله لأَنا أغْيَرُ مِنْهُ، وَالله أغْيَرُ مِنِّي، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ الله حرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ الله، ومِنْ أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذَرِينَ، وَلَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله، ومِنْ أجْل ذالِكَ وعَدَ الله الجَنَّةَ
انْظُر الحَدِيث ٦٨٤٦
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى ظَاهِرَة، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَقد مر الْآن، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة ومولاه، وَسعد بن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة سيد الْخَزْرَج.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة مُعَلّقا. من قَوْله: قَالَ وراد ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني، ثمَّ أخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْمُحَاربين فِي: بَاب من رأى مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله، فَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني.
قَوْله: غير مصفح بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْفَاء وَكسرهَا أَي: غير ضَارب بعرضه بل بحده، وَقَالَ ابْن التِّين: بتَشْديد الْفَاء فِي سَائِر الْأُمَّهَات.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِضَرُورَةِ صِدْقِ مَنْ دَلَّتِ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَمَّا إِذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ بَلْ عَلَى لِسَانِ مَنْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْ نَوْعِهِ بِالْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ كَذَّبْنَاهُ وَقَبَّحْنَاهُ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ بِتَصْدِيقِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ فِي الْمَعْنَى بَلْ فِي اللَّفْظِ الَّذِي نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ نَبِيِّهِ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ، انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَهَذَا الَّذِي نَحَا إِلَيْهِ أَخِيرًا أَوْلَى مِمَّا ابْتَدَأَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الطَّعْنِ عَلَى ثِقَاتِ الرُّوَاةِ وَرَدِّ الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي بِالظَّنِّ لَلَزِمَ مِنْهُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْبَاطِلِ وَسُكُوتُهُ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى أَنَّ الضَّحِكَ الْمَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ بِطَرِيقِهِ، قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ أَنْ يُوصَفَ رَبُّهُ بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ، فَيَجْعَلُ بَدَلَ الْإِنْكَارِ وَالْغَضَبِ عَلَى الْوَاصِفِ ضَحِكًا، بَلْ لَا يُوصِفُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْوَصْفِ مَنْ يُؤْمِنُ بِنُبُوَّتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي الرِّقَاقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَفَعَهُ: تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: أَنَّ يَهُودِيًّا دَخَلَ فَأَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ ضَحِكَ.
٢٠ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ
٧٤١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ) كَذَا لَهُمْ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ بِلَفْظِ: أَحَدَ بَدَلَ شَخْصَ، وَكَأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ وَالْمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحُدُودِ وَالْمُحَارِبِينَ، فَإِنَّهُ سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرَةِ اللَّهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ إِمَّا سَاكِتٌ عَنِ التَّأْوِيلِ وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ، وَالثَّانِي يَقُولُ الْمُرَادُ بِالْغَيْرَةِ الْمَنْعُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْحِمَايَةُ، وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْغَيْرَةِ فَأُطْلِقَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَالْمُلَازَمَةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْجُهِ الشَّائِعَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ) يَعْنِي الرُّسُلَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَهِيَ أَوْضَحُ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ، أَيْ: وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ فَالْعُذْرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ كَذَا قَالَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمَعْنَى بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ لِخَلْقِهِ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَعَانِي، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، عَقِبَ قَوْلِهِ: لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مُنَبِّهًا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَرَادِعًا لَهُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَجِدُهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ اللَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ غَيْرَةً مِنْكَ يُحِبُّ الْإِعْذَارَ، وَلَا يُؤَاخِذُ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَّةِ، فَكَيْفَ تُقْدِمُ أَنْتَ عَلَى الْقَتْلِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ؟
قَوْلُهُ: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ) يَجُوزُ فِي أَحَبُّ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ.
قَوْلُهُ: (الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ هَاءِ التَّأْنِيثِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ، وَالْمَدْحُ الثَّنَاءُ بِذِكْرِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَالْأَفْضَالِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ أَطَاعَهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: وَعَدَ الْجَنَّةَ بِإِضْمَارِ الْفَاعِلِ وَهُوَ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ مِنْ عِبَادِهِ بِطَاعَتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ لِيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَكَرَ الْمَدْحَ مَقْرُونًا بِالْغَيْرَةِ وَالْعُذْرَ تَنْبِيهًا لِسَعْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى غَيْرَتِهِ، وَلَا يُعَجِّلُ بَلْ يَتَأَنَّى وَيَتَرَفَّقُ وَيَتَثَبَّتُ، حَتَّى يَحْصُلَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَيَنَالَ كَمَالَ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ وَالثَّوَابِ لِإِيثَارِهِ الْحَقَّ وَقَمْعِ نَفْسِهِ وَغَلَبَتِهَا عِنْدَ هَيَجَانِهَا، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: الشَّدِيدُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ: وَعَدَ الْجَنَّةَ أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا كَثُرَ السُّؤَالُ لَهُ وَالطَّلَبُ إِلَيْهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَا يُحْتَجُّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِجْلَابِ الْإِنْسَانِ الثَّنَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ حُبِّهِ لَهُ فِي قَلْبِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا فَإِنَّهُ لَا يُذَمُّ بِذَلِكَ، فَاللَّهُ ﷾ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَدْحِ بِكَمَالِهِ؛ وَالنَّقْصُ لِلْعَبْدِ لَازِمٌ وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ مِنْ جِهَةٍ مَا لَكِنَّ الْمَدْحَ يُفْسِدُ قَلْبَهُ وَيُعَظِّمُهُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَحْتَقِرَ غَيْرَهُ، وَلِهَذَا جَاءَ: احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) هُوَ الرَّقِّيُّ الْأَسَدِيُّ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ)، يَعْنِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، فَقَالَ: لَا شَخْصَ بَدَلَ قَوْلِهِ لَا أَحَدَ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرً، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَقُولُ: فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَطَّارِ، عَنْ زَكَرِيَّا بِتَمَامِهِ، وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ: لَا شَخْصَ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ فُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ الْبَصْرِيِّ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا شَخْصَ بَدَلَ لَا أَحَدَ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ، فَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ، وَأَبِي كَامِلٍ كَذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ شَخْصٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْهُ الْمُجَسِّمَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ كَذَا قَالَ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا قَالَ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ شَخْصٌ بَلْ هُوَ كَمَا جَاءَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتٌ أَنَّ آيَةَ
الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَصِفُ امْرَأَةً كَامِلَةً الْفَضْلِ حَسَنَةُ الْخَلْقِ مَا فِي النَّاسِ رَجُلٌ يُشْبِهُهَا، يُرِيدُ تَفْضِيلَهَا عَلَى الرِّجَالِ لَا أَنَّهَا رَجُلٌ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بِلَفْظِ: لَا أَحَدَ، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَ شَخْصَ جَاءَ مَوْضِعَ أَحَدَ، فَكَأَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي، ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ وَلَيْسَ الظَّنُّ مِنْ نَوْعِ الْعِلْمِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ قَرَّرَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَمِنْهُ أَخَذَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، فَقَالَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْغَيْرَةِ لَا تَبْلُغُ غَيْرتُهَا وَإِنْ تَنَاهَتْ غَيْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا بِوَجْهٍ، وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَبَنَى عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ هَذَا الْوَصْفِ لِلَّهِ تَعَالَى فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي، فَقَالَ: إِطْلَاقُ الشَّخْصِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُؤَلَّفًا فَخَلِيقٌ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنَ الرَّاوِي وَدَلِيلٌ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ: شَيْءَ، وَالشَّيْءُ وَالشَّخْصُ فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ، فَمَنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَأْمَنِ الْوَهْمَ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يُرَاعِي لَفْظَ الْحَدِيثِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّاهُ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ فَهِمًا بَلْ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ جَفَاءٌ وَتَعَجْرُفٌ، فَلَعَلَّ لَفْظَ شَخْصَ جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا مِنْ قَبِيلِ التَّصْحِيفِ يَعْنِي السَّمْعِيَّ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو انْفَرَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَاعْتَوَرَهُ الْفَسَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ: وَقَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ، أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ، فَقَالَ لَفْظُ الشَّخْصِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ، فَإِنْ صَحَّ فَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا أَحَدَ، فَاسْتَعْمَلَ الرَّاوِي لَفْظَ
شَخْصَ مَوْضِعَ أَحَدَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ، وَمِنْهُ أَخَذَ ابْنُ بَطَّالٍ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّخْصِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ، وَالثَّانِي: الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِسْمُ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ، ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى الْغَيْرَةِ الزَّجْرُ وَالتَّحْرِيمُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا الزَّجُورُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَأَنَا أَشَدُّ زَجْرًا مِنْهُ، وَاللَّهُ أَزْجَرُ مِنَ الْجَمِيعِ، انْتَهَى.
وَطَعْنُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي السَّنَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفَرُّدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَدُّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالطَّعْنُ فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ تَوْجِيهِ مَا رَوَوْا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْدَمَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُورَ فَهْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَا حَاجَةَ لِتَخْطِئَةِ الرُّوَاةِ الثِّقَاةِ بَلْ حُكْمُ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ، إِمَّا التَّفْوِيضُ وَإِمَّا التَّأْوِيلُ، وَقَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ الشَّخْصِ مَا يُشْكِلُ كَذَا قَالَ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَخْذُ نَفْيِ الْإِشْكَالِ مِمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الشَّخْصِ وَقَعَ تَجَوُّزًا مِنْ شَيْءَ أَوْ أَحَدَ، كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّخْصِ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ هُوَ مَا ظَهَرَ وَشَخَصَ وَارْتَفَعَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا مُرْتَفِعَ أَرْفَعُ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: لَا مُتَعَالِي أَعْلَى مِنَ اللَّهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعَجِّلْ وَلَا بَادَرَ بِعُقُوبَةِ عَبْدِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، بَلْ حَذَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ وَيَقِفَ
عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ وَضْعِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لكان كواحدٍ منَّا، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلهًا، فقول اليهوديِّ محالٌ وكذبٌ، ولذلك أنزل الله في الرَّدِّ عليه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. انتهى. وهذا يردُّه ما سبق قريبًا، والله الموفِّق والمعين لا ربَّ سواه (١).
(٢٠) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) «لا» الجنسيَّة، و «أَغْيَر» «أفعل» تفضيلٍ مرفوعٌ خبرها، وسقط لغير أبي ذرٍّ «باب» فالتَّالي مرفوعٌ.
٧٤١٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكيُّ) وثبت لفظ: «التبوذكيُّ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليَشْكُريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ) بن عميرٍ (عَنْ وَرَّادٍ) بفتح الواو والرَّاء المشدَّدة (كَاتِبِ المُغِيرَةِ) بن شعبة ومولاه (عَنِ المُغِيرَةِ) ﵁ أنَّه (قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) سيِّد الخزرج ﵁: (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي) غيرَ مَحْرَمٍ لها (لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصَفَّحٍ) بفتح الصَّاد والفاء المشدَّدة وبسكون الصَّاد وتخفيف الفاء، وهو الذي في «اليونينيَّة» أي: غيرَ ضاربٍ بعَرْضِه بل بحدِّه (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الذي قاله سعدٌ (رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: تَعْجَبُونَ) ولأبي ذرٍّ: «أتعجبون» (مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللهِ) مجرورٌ بواو القَسَم (لأَنَا) مبتدأٌ دخلت عليه لام التَّأكيد المفتوحة، خبرُه: (أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي) مبتدأٌ وخبرٌ، قال ابن دقيق العيد: المنزِّهون لله إمَّا ساكتون عن التَّأويل، وإمَّا مؤوِّلون، والثَّاني يقول: المراد بالغَيرة: المنع من الشَّيء والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأُطلِقت على سبيل المجاز؛ كالملازمة وغيرها من الأوجه الشَّائعة (٢) في
لسان العرب، فالمراد الزَّجرُ عن الفواحش، والتَّحريم لها، والمنع منها، وقد بيَّن ذلك بقوله: (وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ) ﷿ (حَرَّمَ الفَوَاحِشَ) جمع فاحشةٍ، وهي كلُّ خصلةٍ قبيحةٍ من الأقوال والأفعال (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) كنكاح الجاهليَّة الأمهات (وَمَا بَطَنَ) كالزِّنا (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ) بالرَّفع خبرُ «لا» ولأبي ذرٍّ: «ولا أحدٌ» بالرَّفع منَّونًا «أحبُّ» (إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللهِ) برفع «أحبُّ» أيضًا في الفرع كأصله، أو بالنَّصب خبر «لا» على الحجازيَّة، و «العذر» رفعٌ فاعل «أحبُّ» والعُذر: الحُجَّة (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ) بكسر الشِّين والذَّال المعجمتين، أي: بعث الرُّسل لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة، وفي غير رواية أبي ذرٍّ: تقديم «المنذرين» على «المبشرين» وفي مسلمٍ: «بعث المرسلين مبشرين ومنذرين» (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ) بكسر الميم وسكون الدَّال المهملة مرفوعٌ فاعلٌ «أحبُّ» والمدح: الثناء بذكر أوصاف الكمال والإفضال (مِنَ اللهِ) ﷿ (وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الجَنَّةَ) من (١) أطاعه، وحذف أحد مفعولي «وعد» وهو «مَن أطاعه» للعلم به، قال القرطبيُّ: ذكر المدح مقرونًا بالغيرة والعذر بينهما (٢) لسعدٍ على ألَّا يعمل بمقتضى غيرته ولا يعجَل، بل يتأنَّى ويترفَّق ويتثبَّت (٣) حتَّى يحصل على وجه الصَّواب، فينال كمال الثَّناء والمدح والثَّواب؛ لإيثاره الحقَّ، وقمع نفسه وغلبتها عند هيجانها، وهو نحو قوله: «الشَّديد مَن يملك نفسه عند الغضب» [خ¦٦١١٤] وهو حديثٌ صحيحٌ متَّفقٌ عليه (٤).
(وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عَمْرٍو) بفتحها، ابن أبي الوليد الأسديُّ مولاهم الرَّقيُّ، فيما وصله الدَّارميُّ عن زكريا بن عديِّ عن عبيد الله بن عمرٍو (عَنْ عَبْدِ المَلِكِ) بن عمير بن سويدٍ الكوفيِّ، عن ورَّادٍ مولى المغيرة، عن المغيرة قال: يبلغ به النَّبيَّ ﷺ: (لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) قال الخطَّابيُّ: إطلاق الشَّخص في صفات الله ﷿ غير جائزٍ؛ لأنَّ الشَّخص لا يكون إلَّا جسمًا مؤلَّفًا، فخليقٌ ألَّا تكون هذه (٥) اللَّفظة صحيحة، وأن تكون تصحيفًا من
الرَّاوي، ودليل ذلك أنَّ أبا عَوانة روى هذا الحديث عن عبد الملك -يعني في هذا الباب- فلم يذكرها، فمَن لم يُمعِن (١) في الاستماع؛ لم يأمَنِ الوهم، وليس كلُّ الرُّواة يراعي لفظ الحديث حتَّى لا يتعدَّاه، بل كثيرٌ منهم يُحدِّث بالمعنى، وليس كلُّهم فَهِمًا، بل في كلام بعضهم جفاء (٢) وتعجرفٌ، فلعلَّ لفظ «شخص» جرى على هذا السَّبيل إن لم يكن غلطًا من قبيل التَّصحيف؛ يعني السَّمعيَّ، قال: ثمَّ إنَّ عبيد الله بن عمرٍو انفرد عن عبد الملك ولم يُتابَع عليه، واعتراه (٣) الفساد من هذه الوجوه. انتهى. وقال ابن فوركٍ: لفظ «الشَّخص» غير ثابتٍ من طريق السَّند، والإجماع على المنع منه؛ لأنَّ معناه الجسم المركَّب، وكذا قال نحوه الدَّاوديُّ والقرطبيُّ، وطَعْنُهم في السَّند بَنَوه على تفرُّد عبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك، فقد أخرجه (٤) الإسماعيليُّ من طريق عبيد الله بن عمر القواريريِّ وأبي كاملٍ فضيل بن حسينٍ الجَحْدَريِّ ومحمَّد بن عبد الملك بن أبي الشَّوارب، ثلاثتهم عن أبي عَوانة الوضَّاح بالسَّند الذي أخرجه به البخاريُّ، لكن قال في المواضع الثَّلاثة: «لا شخص» بدل «لا أحد» ثمَّ ساقه من طريق زائدة بن قُدامة عن عبد الملك كذلك، فكأنَّ (٥) هذه اللَّفظة لم تقع في رواية البخاريِّ في حديث أبي عَوانة عن عبد الملك؛ فلذلك علَّقها عن عبيد الله بن عمرو. انتهى. وقد أخرجه مسلمٌ عن القواريريِّ وأبي كاملٍ كذلك، ومن طريق زائدة أيضًا، فكأنَّ الطَّاعنين لم يستحضروا إذ (٦) ذاك «صحيح مسلمٍ» ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللَّفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرٍو، ورَدُّ (٧) الرِّوايات الصَّحيحة والطَّعن في أئمَّة الحديث الضَّابطين مع إمكان توجيه ما رَوَوا من الأمور التي أقدم عليها كثيرٌ من غير أهل الحديث، وهو يقتضي
قصور فَهْمِ من فعل ذلك منهم، ومن ثمَّ قال الكِرمانيُّ: لا حاجة لتخطئة الرُّواة الثِّقات، بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات، إمَّا التَّفويض وإمَّا التَّأويل. انتهى. من «الفتح». وقال في «المصابيح»: هذا ظاهرٌ؛ إذ ليس في هذا اللَّفظ ما يقتضي إطلاق الشَّخص على الله، وما هو إلَّا بمثابة قولك: لا رجلَ أشجعُ من الأسد، وهذا لا يدلُّ على إطلاق الرَّجل على الأسد بوجهٍ من الوجوه، فأيُّ داعٍ بعد ذلك إلى توهيم الرَّاوي في ذكر «الشَّخص» أنَّه تصحيفٌ من قوله: «لا شيءَ (١) أغير من الله» كما صنعه الخطَّابيُّ.
(٢١) (بابٌ) بالتَّنوين يُذكَر فيه قوله تعالى: (﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً﴾؟ [الأنعام: ١٩] وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ شَيْئًا) إثباتًا لوجوده، ونفيًا لعدمه، وتكذيبًا للزَّنادقة والدَّهريَّة (٢) في قول الله ﷿: (﴿قُلِ اللّهِ﴾) ولأبي ذرٍّ: «﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ فسمَّى الله تعالى نفسه شيئًا» قال في «المدارك»: ﴿أَيُّ شَيْءٍ﴾ مبتدأٌ، و ﴿أَكْبَرُ﴾ خبرُه، و ﴿شَهَادةً﴾ تمييزٌ، و «أيُّ» كلمةٌ يُراد بها بعضُ ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهامًا كان جوابها (٣) مسمًّى باسم ما أُضِيفَت إليه، وقوله: ﴿قُلِ اللّهِ﴾ جوابٌ، أي: الله أكبر شهادةً، فـ ﴿اللّهِ﴾ مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ، فيكون دليلًا على أنَّه يجوز إطلاق اسم «الشَّيء» على الله تعالى؛ وهذا لأنَّ الشَّيء اسمٌ للموجود ولا يُطلَق على المعدوم، والله تعالى موجودٌ فيكون شيئًا، ولذا تقول: الله تعالى شيءٌ لا كالأشياء (وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ شَيْئًا) في الحديث الذي بعده (وَهْوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ) تعالى، أي: من صفات (٤) ذاته (وَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) فيه: أنَّ الاستثناء متَّصلٌ، فإنَّه يقتضي اندراج المستثنى في المستثنى منه، وهو الرَّاجح، فيدلُّ (٥) على أنَّ لفظ «شيءٍ» يطلَق عليه تعالى،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَقيل: الأضراس، وَقيل: الدواخل من الأضراس الَّتِي فِي أقْصَى الْحلق، وَزَاد شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن: تَصْدِيقًا لقَوْل الحبر، وَفِي رِوَايَة فُضَيْل: تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ، وَعند مُسلم: تَعَجبا مِمَّا قَالَ الحبر تَصْدِيقًا لَهُ، وَفِي رِوَايَة جرير عِنْده: وَتَصْدِيقًا لَهُ، بِزِيَادَة: وَاو، وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة من رِوَايَة إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور: حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه تَصْدِيقًا لَهُ.
ثمَّ الْكَلَام هُنَا فِي مَوَاضِع.
الأول: فِي أَمر الإصبع، قَالَ ابْن بطال: لَا يحمل الإصبع على الْجَارِحَة بل يحمل على أَنه صفة من صِفَات الذَّات لَا يكيف وَلَا يحدد وَهَذَا ينْسب إِلَى الْأَشْعَرِيّ، وَعَن ابْن فورك: يجوز أَن يكون الإصبع خلقا يخلقه الله فَيحمل مَا يحمل الإصبع، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالسُّلْطَان. وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يَقع ذكر الإصبع فِي الْقُرْآن وَلَا فِي حَدِيث مَقْطُوع بِهِ، وَقد تقرر أَن الْيَد لَيست جارحة حَتَّى يتَوَهَّم من ثُبُوتهَا ثُبُوت الْأَصَابِع، بل هُوَ تَوْقِيف أطلقهُ الشَّارِع فَلَا يكيف وَلَا يشبه، وَلَعَلَّ ذكر الْأَصَابِع من تَخْلِيط الْيَهُود، فَإِن الْيَهُود مشبهة وَفِيمَا يَدعُونَهُ من التَّوْرَاة أَلْفَاظ تدخل فِي بَاب التَّشْبِيه وَلَا تدخل فِي مَذَاهِب الْمُسلمين، ورد عَلَيْهِ إِنْكَاره وُرُود الإصبع لوروده فِي عدَّة أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث مُسلم: إِن قلب ابْن آدم بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن، قيل: هَذَا لَا يرد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الْقطع، وَفِيه نظر لَا يخفى، أَقُول: لَا يمْنَع ثُبُوت الإصبع الَّذِي هُوَ غير الْجَارِحَة، فَكَمَا ثَبت الْيَد أَنَّهَا غير جارحة فَكَذَلِك الإصبع.
الْموضع الثَّانِي: فِي تَصْدِيق النَّبِي، إِيَّاه، قَالَ الْخطابِيّ: قَول الرَّاوِي تَصْدِيقًا لَهُ، ظن مِنْهُ وحسبان وروى هَذَا الحَدِيث غير وَاحِد من أَصْحَاب عبد الله فَلم يذكرُوا فِيهِ: تَصْدِيقًا لَهُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهم وَأما من زَاد: تَصْدِيقًا لَهُ، فَلَيْسَ بِشَيْء فَإِن هَذِه الزِّيَادَة من قَول الرَّاوِي وَهِي بَاطِلَة لِأَن النَّبِي لَا يصدق الْمحَال، وَهَذِه الْأَوْصَاف فِي حق الله تَعَالَى محَال، وَطول الْكَلَام فِيهِ ثمَّ قَالَ: وَلَئِن سلمنَا أَن النَّبِي صرح بتصديقه لم يكن ذَلِك تَصْدِيقًا فِي الْمَعْنى بل فِي اللَّفْظ الَّذِي نَقله من كِتَابه عَن نبيه، وَيقطع بِأَن ظَاهره غير مُرَاد.
الْموضع الثَّالِث: فِي ضحك النَّبِي قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَضحك النَّبِي إِنَّمَا هُوَ للتعجب من جهل الْيَهُودِيّ، فَظن الرَّاوِي أَن ذَلِك التَّعَجُّب تَصْدِيق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَقَالَ ابْن بطال: حَاصِل الْخَبَر أَنه ذكر الْمَخْلُوقَات وَأخْبر عَن قدرَة الله جَمِيعًا، فَضَحِك النَّبِي تَعَجبا من كَونه يستعظم ذَلِك، فِي قدرَة الله تَعَالَى.
الْموضع الرَّابِع: فِي أَن النَّبِي مَا كَانَ يضْحك إِلَّا تبسماً، وَهنا ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، وَهُوَ قهقهة. قَالَ الْكرْمَانِي: كَانَ التبسم هُوَ الْغَالِب، وَهَذَا كَانَ نَادرا، أَو: المُرَاد بالنواجذ الأضراس مُطلقًا.
الْموضع الْخَامِس: فِي الْحِكْمَة فِي قِرَاءَته قَوْله تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فَقيل: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الَّذِي قَالَه الْيَهُودِيّ يسير فِي جنب مَا يقدر عَلَيْهِ، أَي: لَيْسَ قدرته بِالْحَدِّ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْوَهم أَو يُحِيط بِهِ الْحَد وَالْبَصَر، وَقَالَ الْخطابِيّ: الْآيَة مُحْتَملَة للرضاء وَالْإِنْكَار، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: ضحكه تَعَجبا من جهل الْيَهُودِيّ فَلذَلِك قَرَأَ هَذِه الْآيَة: {وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالَاْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} أَي: مَا عرفوه حق مَعْرفَته وَمَا عظموه حق عَظمته.
(بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا شَخْصَ أغْيَرُ مِنَ الله))
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا شخص أغير من الله وَوَقع فِي بعض النّسخ: بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: لَا أحد أغير من الله، وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو عَن عبد الْملك: لَا شخص أغير من الله، وَابْن بطال غير قَوْله: لَا شخص بقوله: لَا أحد، وَعَلِيهِ شرح. وَقَالَ: اخْتلف أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث فَلم يخْتَلف فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه بِلَفْظ: لَا أحد، فَظهر أَن لفظ: شخص، جَاءَ فِي مَوضِع: أحد، فَكَانَ من تصرف الرَّاوِي. قلت: اخْتِلَاف أَلْفَاظ الحَدِيث هُوَ أَن فِي رِوَايَة ابْن مَسْعُود: مَا من أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة عَائِشَة: مَا أحد أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أَسمَاء: لَا شَيْء أغير من الله، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: إِن الله تَعَالَى يغار، كل ذَلِك مضى فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة، وَرِوَايَة ابْن مَسْعُود مبينَة أَن لفظ: الشَّخْص، مَوْضُوع مَوضِع: أحد، وَقَالَ الدَّاودِيّ: فِي قَوْله: لَا شخص أغير من الله لم يَأْتِ مُتَّصِلا وَلم تتلق الْأمة مثل هَذِه الْأَحَادِيث بِالْقبُولِ، وَهُوَ يتوقى فِي الْأَحْكَام الَّتِي لَا تلجىء الضَّرُورَة النَّاس إِلَى الْعَمَل بِهِ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِطْلَاق الشَّخْص فِي صِفَات الله غير جَائِز لِأَن الشَّخْص إِنَّمَا يكون جسماً مؤلفاً، وخليق أَن لَا تكون هَذِه اللَّفْظَة صَحِيحَة، وَأَن تكون تصحيفاً من الرَّاوِي
وَكثير من الروَاة يحدث بِالْمَعْنَى وَلَيْسَ كلهم فُقَهَاء، وَفِي كَلَام آحَاد الروَاة جفَاء وتعجرف. وَقَالَ بعض كبار التَّابِعين: نعم الْمَرْء رَبنَا لَو أطعناه مَا عصانا، وَلَفظ الْمَرْء إِنَّمَا يُطلق على الذُّكُور من الْآدَمِيّين، فَأرْسل الْكَلَام وَبَقِي أَن يكون لفظ الشَّخْص جرى على هَذَا السَّبِيل فاعتوره الْفساد من وُجُوه: أَحدهَا أَن اللَّفْظ لَا يثبت إلَاّ من طَرِيق السّمع. وَالثَّانِي: إِجْمَاع الْأمة على الْمَنْع مِنْهُ. وَالثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ أَن يكون جسماً مؤلفاً فَلَا يُطلق على الله، وَقد منعت الْجَهْمِية إِطْلَاق الشَّخْص مَعَ قَوْلهم بالجسم فَدلَّ ذَلِك على مَا قُلْنَاهُ من الْإِجْمَاع على مَنعه فِي صفته، عز وَجل. قَوْله: لَا شخص، كلمة: لَا، لنفي الْجِنْس، و: أغير، مَرْفُوع خَبره، و: أغير، أفعل تَفْضِيل من الْغيرَة وَهِي الحمية والأنفة. وَقَالَ عِيَاض: الْغيرَة مُشْتَقَّة من تغير الْقلب وهيجان الْغَضَب بِسَبَب الْمُشَاركَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشد ذَلِك مَا يكون بَين الزَّوْجَيْنِ، هَذَا فِي حق الْآدَمِيّ، وَأما فِي حق الله فَيَأْتِي عَن قريب. قَوْله: وَقَالَ عبيد الله بن عَمْرو بتصغير العَبْد وبفتح الْعين فِي عَمْرو بن أبي الْوَلِيد الْأَسدي مَوْلَاهُم الرقي، يروي عَن عبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر بن سُوَيْد الْكُوفِي وَهُوَ أول من عبر نهر جيحون نهر بَلخ على طَرِيق سَمَرْقَنْد مَعَ سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان، خرج غازياً مَعَه وَمَات سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، وعمره يَوْم مَاتَ مائَة سنة وَثَلَاث سِنِين. وَقَالَ الْخطابِيّ: انْفَرد بِهِ عبيد الله عَن عبد الْملك وَلم يُتَابع عَلَيْهِ، ورد بَعضهم على الْخطابِيّ بقوله: إِنَّه لم يُرَاجع صَحِيح مُسلم وَلَا غَيره من الْكتب الَّتِي وَقع فِيهَا هَذَا اللَّفْظ من غير رِوَايَة عبيد الله بن عَمْرو، ورد الرِّوَايَات الصَّحِيحَة والطعن فِي أَئِمَّة الحَدِيث الضابطين مَعَ إِمْكَان تَوْجِيه مَا رووا من الْأُمُور الَّتِي أقدم عَلَيْهَا كثير من غير أهل الحَدِيث، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُور فهم من فعل ذَلِك مِنْهُم، وَمن ثمَّة قَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة لتخطئة الروَاة الثقاة بل حكم هَذَا حكم سَائِر المتشابهات: إِمَّا التَّفْوِيض وَإِمَّا التَّأْوِيل. انْتهى. قلت: هَذَا وَقع فِي عين مَا أنكر عَلَيْهِ، والخطابي لم يُنكر هَذِه اللَّفْظَة وَحده، وَكَذَلِكَ أنكرها الدَّاودِيّ وَابْن فورك والقرطبي، قَالَ: أصل وضع الشَّخْص فِي اللُّغَة لجرم الْإِنْسَان وجسمه، وَاسْتعْمل فِي كل شَيْء ظَاهر، يُقَال: شخص الشَّيْء إِذا ظهر، وَهَذَا الْمَعْنى محَال على الله. انْتهى. فَكَلَامه يدل على أَنه لَا يرضى بِإِطْلَاق هَذِه اللَّفْظَة على الله وَإِن كَانَ قد أوَّله، وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل: إِنَّه أيد كَلَامه بِمَا قَالَه الْكرْمَانِي، مَعَ أَنه ينْسبهُ فِي مَوَاضِع إِلَى الْغَفْلَة وَإِلَى الْوَهم والغلط، وَمن أَيْن ثَبت لَهُ عدم مُرَاجعَة الْخطابِيّ إِلَى صَحِيح مُسلم وَغَيره؟ وَكَلَامه عَام فِي كل مَوضِع فِيهِ، والسهو وَالنِّسْيَان غير مرفوعين عَن كل أحد يقعان عَن الثِّقَات وَغَيرهم، وَفِي نِسْبَة الثِّقَات إِلَى قُصُور الْفَهم وَاقع هُوَ فِيهِ.
٧٤١٦ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ، حدّثنا أبُو عَوَانَةَ، حدّثنا عَبْدُ المَلِكِ عنْ ورَّادٍ كاتِبِ المُغِيرَةِ، عنِ المُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بنُ عُبادَةَ: لَوْ رَأيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأتي لَضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رسولَ الله فَقَالَ: تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْد وَالله لأَنا أغْيَرُ مِنْهُ، وَالله أغْيَرُ مِنِّي، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ الله حرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ الله، ومِنْ أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ والمُنْذَرِينَ، وَلَا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ الله، ومِنْ أجْل ذالِكَ وعَدَ الله الجَنَّةَ
انْظُر الحَدِيث ٦٨٤٦
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى ظَاهِرَة، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ وَأَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وبالنون بعد الْألف الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، وَقد مر الْآن، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء كَاتب الْمُغيرَة بن شُعْبَة ومولاه، وَسعد بن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة سيد الْخَزْرَج.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب الْغيرَة مُعَلّقا. من قَوْله: قَالَ وراد ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني، ثمَّ أخرجه مَوْصُولا فِي كتاب الْمُحَاربين فِي: بَاب من رأى مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله، فَقَالَ: حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَبُو عوَانَة ... إِلَى قَوْله: وَالله أغير مني.
قَوْله: غير مصفح بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد وَفتح الْفَاء وَكسرهَا أَي: غير ضَارب بعرضه بل بحده، وَقَالَ ابْن التِّين: بتَشْديد الْفَاء فِي سَائِر الْأُمَّهَات.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56