الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥١٤
الحديث رقم ٧٥١٤ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "فِي النَّجْوَى قَالَ يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ وَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ.
وَقَالَ آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ) ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الشَّفَاعَةِ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا ثُمَّ مُطَوَّلًا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ) هُوَ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى بْنِ رَاشِدٍ الْقَطَّانُ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ نِسْبَةً لِجَدِّهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِيهِ أَشْهَرُ، وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى التَّسْتُرِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ أَصْغَرُ مِنَ الْقَطَّانِ، وَشَيْخُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ كَثِيرًا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ هُوَ الْمُقْرِئُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحْمَدَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
قَوْلُهُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُشَدَّدًا وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِهِ مُخَفَّفًا.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ يَا رَبِّ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ هَذَا فِيهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الرَّبِّ لَيْسَ كَلَامُ الرَّبِّ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ أَقُولُ) ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ ثُمَّ نَقُولُ بِالنُّونِ، قَالَ وَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيبَ، أَيْ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ وَيَكُونُ جَوَابًا عَنِ اعْتِرَاضِ الدَّاوُدِيِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلَهُ ثُمَّ أَقُولُ خِلَافٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ.
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ: ثُمَّ أَقُولُ بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ أَحْمَدِ بْنِ جَوَّاسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالتَّشْدِيدِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَلَفْظُهُ أَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لِي لَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَعِيرَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا فَيُجَابُ إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا، فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْرُ السُّؤَالِ وَفِي الْبَقِيَّةِ ذِكْرُ الْإِجَابَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ قَالَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَوْلُهُ أَدْنَى أَدْنَى التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ التَّوْزِيعُ عَلَى الْحَبَّةِ وَالْخَرْدَلِ أَيْ أَقَلُّ حَبَّةِ مِنْ أَقَلِّ خَرْدَلَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِتَجَزُّؤ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ، وَقَوْلُهُ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي قَوْلَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَكَأَنَّهُ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ وَيُشِيرُ بِهَا، وَقَوْلُهُ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ مِنَ النَّارِ مِنَ النَّارِ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلنَّظَرِ إِلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْحَبَّةِ
وَالْخَرْدَلَةِ وَالْإِيمَانِ أَوْ جَعَلَ أَيْضًا لِلنَّارِ مَرَاتِبَ. قُلْتُ: سَقَطَ تَكْرِيرُ قَوْلِهِ مِنَ النَّارِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَمَنْ ذَكَرْتُ مَعَهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَوْلُهُ فِيهِ فَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ
الْبُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَسَأَلَهُ بِفَاءٍ وَصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَاصَّةِ الْعَالِمِ لِيَسْأَلَهُ، وَفِي قَوْلِهِ فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ اتِّخَاذُ الْقَصْرِ لِمَنْ كَثُرَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَقَوْلُهُ فَوَافَقْنَا كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَوَافَقْنَاهُ وَقَوْلُهُ مَاجَ النَّاسُ أَيِ اخْتَلَطُوا، يُقَالُ: مَاجَ الْبَحْرُ أَيِ اضْطَرَبَتْ أَمْوَاجُهُ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهُ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَيَقُولُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ) هُوَ حَجَّاجُ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ وَالِدُ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَتَبِعَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى.
قَوْلُهُ (وَهُوَ جَمِيعُ) أَيْ مُجْتَمِعُ الْعَقْلِ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكِبَرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ تَفَرُّقِ الذِّهْنِ وَحُدُوثُ اخْتِلَاطِ الْحِفْظِ، وَقَوْلُهُ فَحَدَّثْنَاهُ بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَحَذْفِ الضَّمِيرِ، وَقَوْلُهُ قُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ
فَقُلْنَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ هُنَا لَسْتُ لَهَا وَفِي غَيْرِهِ لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ: وَأَسْقُطَ هُنَا ذِكْرَ نُوحٍ وَزَادَ فَأَقُولُ أَنَا لَهَا وَزَادَ فَأَقُولُ أُمَّتِي أُمَّتِي قَالَ الدَّاوُدِيُّ لَا أُرَاهُ مَحْفُوظًا؛ لِأَنَّ الْخَلَائِقَ اجْتَمَعُوا وَاسْتَشْفَعُوا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَاصَّةً لَمْ تَذْهَبْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَمِيعُ وَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ لَهُمْ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ فَكَيْفَ يَخُصُّهَا بِقَوْلِهِ أُمَّتِي أُمَّتِي، ثُمَّ قَالَ: وَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ بَلْ بَقِيَ بَيْنَ طَلَبِهِمُ الشَّفَاعَةَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَاشْفَعْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أُمُورِ الْقِيَامَةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ مَعْنِي الْكَلَامِ فَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ وَيُلْهِمُنِي ابْتِدَاءُ كَلَامٍ آخَرَ وَبَيَانٌ لِلشَّفَاعَةِ الْأُخْرَى الْخَاصَّةِ بِأُمَّتِهِ، وَفِي السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ وَادَّعَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ قَوْلَهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي مِمَّا زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَلَى سَائِرِ الرُّوَاةِ كَذَا قَالَ، وَهُوَ اجْتِرَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالظَّنِّ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَلْ رَوَاهَا مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَذَا أَبُو الرَّبِيعِ الزُّهْرَانِيُّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي التَّفْسِيرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّابٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ كِلَاهُمَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ شَيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ وَلَا فِي رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَحَدًا اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَالْمَعْرُوفُ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ الذُّهْلِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ نُسِبَ لِجَدِّ أَبِيهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْحَاكِمُ وَالْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، وَقِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ جَبَلَةَ الرَّافِعِيُّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، وَخَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَقَدْ رَوَى هُنَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِالْوَاسِطَةِ، وَرَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِلَا وَاسِطَةٍ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا فِي الْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ وَالْفَرَائِضِ، وَمَنْصُورٌ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ سَنَدِ هَذَا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا وَقَدْ مَضَى بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا فِي الرِّقَاقِ، وَقَوْلُهُ كُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَكُلُّ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ عَشْرَ مِرَارٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عليه إمساكها ولا تحريكها (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ) مرَّتين (فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ) ظهرت (نَوَاجِذُهُ) بالذَّال المعجمة، أنيابه التي تبدو عند الضَّحك (تَعَجُّبًا) من قول الحبر (وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]) والتَّعبير بالإصبع والضَّحك من المتشابهات كما سبق، فيتأوَّل على نوعٍ من المجاز، وضربٍ من التَّمثيل ممَّا جرت (١) عادة الكلام بين النَّاس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى إنَّ قدرته تعالى على طيِّها وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئًا في كفِّه فاستخفَّ حمله، فلم يشتمل عليه بجميع كفِّه، بل أقلَّه ببعض أصابعه، وقد يقول الإنسان في الأمر الشَّاقِّ (٢) إذا أُضيف إلى القويِّ: إنَّه يأتي عليه بإِصبعٍ أو إنَّه يقلُّه بخنصره، والظَّاهر أنَّ هذا -كما مرَّ- من تخليط اليهود وتحريفهم، وأنَّ ضحكه ﷺ إنَّما كان على وجه (٣) التَّعجُّب والنَّكير (٤) له، والعلم عند الله، قاله الخطَّابيُّ فيما (٥) نقله عنه في «الفتح» ومطابقة الحديث في قوله: «ثمَّ يقول: أنا الملك، أنا الملك».
وسبق في «باب قوله (٦) تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» [خ¦٧٤١٤].
٧٥١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وبعد الرَّاء
المكسورة زايٌ، المازنيِّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ فقال له: (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى) التي تقع بين الله وبين عبده يوم القيامة؟ (قَالَ) ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) أي: يقرب منه تعالى قرب رحمةٍ (حَتَّى يَضَعَ) الله تعالى (كَنَفَهُ عَلَيْهِ) بفتح الكاف والنُّون، أي: يحفظه (١) ويستره عن أهل الموقف فضلًا منه، حيث يذكر له معاصيه سرًّا (فَيَقُولُ) له: (أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ) العبد: (نَعَمْ) يا ربِّ (وَيَقُولُ) له: (عَمِلْتَ) وللأَصيليِّ: «أعملت» (كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ) يا ربِّ (فَيُقَرِّرُهُ) بذنوبه ليعرِّفه منَّته عليه في ستره عليه (٢) في الدُّنيا وعفوه عنه (٣) في الآخرة (ثُمَّ يَقُولُ) تعالى: (إِنِّي سَتَرْتُ) ذنوبك (عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ) ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «فيقول» في الموضعين.
وأخرجه في «باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» من «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٤١].
(وَقَالَ آدَمُ) بن أبي إياسٍ: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا صَفْوَانُ) بن محرزٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ) ذكره لتصريح قتادة فيه (٤) بقوله: «حدَّثنا صفوان»، وليس في أحاديث هذا الباب كلام الرَّبِّ مع الأنبياء إلَّا في حديث أنسٍ، وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه معهم أولى، والله الموفِّق (٥).
(٣٧) (بابُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]) الجمهور على رفع الجلالة الشَّريفة، و ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ رافعٌ للمجاز، قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما يُوصَل إلى
الإنسان كلامًا بأيِّ طريقٍ وصل، ولكن لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقِّق (١) بالمصدر لم يكن إلَّا حقيقة الكلام، وقال القرطبيُّ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ معناه التَّأكيد، وهذا يدلُّ على بطلان قول من يقول:
خلق الله (٢) لنفسه كلامًا في شجرةٍ (٣) يسمعه (٤) موسى، بل هو الكلام الحقيقيُّ الذي يكون به المتكلِّم متكلِّمًا، قال النَّحَّاس: وأجمع النَّحويُّون على أنَّك إذا أكَّدت الفعل بالمصادر لم يكن مجازًا، وأنَّه لا يجوز في قول الشَّاعر:
امتلأ الحوض وقال: قَطْني
أن يقول: وقال قولًا، وكذا لمَّا قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة. قال في «المصابيح» بعد أن ذكر نحو ما ذكرته: واعتُرِض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] وقول الشَّاعر:
بكى الخَزُّ من رَوْحٍ وأنكر جلده … وعجَّت عجيجًا من جذامَ المطارفُ
فإنَّ ذلك كلَّه مجازٌ مع وجود التَّأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتَّأكيد بالمصدر يرفع المجاز في الأمر العامِّ؛ يريد الغالب، قال: وكان الشَّيخ بهاء الدِّين بن عقيلٍ يقول: الجواب عن هذا البيت يؤيِّد تحقيقًا سمعناه من شيخنا علاء الدِّين القونويِّ فيقول: لا تخلو الجملة التي أُكِّد الفعل فيها بالمصدر من أن تكون صالحةً لأن (١) تُستعمَل لكلٍّ من المعنيين، يريد الحقيقة والمجاز، أو لا يصلح استعمالها إلَّا في المعنى المجازيِّ فقط، فإن كان الأوَّل كان التَّأكيد بالمصدر يرفع المجاز، وإن كان الثَّاني لم يكن التَّأكيد رافعًا له، فمثال الأوَّل قولك: ضربت زيدًا ضربًا، ومثال الثَّاني البيت المذكور؛ لأنَّ عجيج المطارف لا يقع إلَّا مجازًا. انتهى. واختُلِف في سماع كلام الله تعالى فقال الأشعريُّ: كلام الله تعالى القائم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٥١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "فِي النَّجْوَى قَالَ يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ وَيَقُولُ عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ.
وَقَالَ آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ.
قَوْلُهُ: بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ) ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الشَّفَاعَةِ أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا ثُمَّ مُطَوَّلًا، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ) هُوَ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى بْنِ رَاشِدٍ الْقَطَّانُ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ نِسْبَةً لِجَدِّهِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِأَبِيهِ أَشْهَرُ، وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ مُوسَى التَّسْتُرِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ أَصْغَرُ مِنَ الْقَطَّانِ، وَشَيْخُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ كَثِيرًا وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ هُوَ الْمُقْرِئُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحْمَدَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.
قَوْلُهُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعْتُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُشَدَّدًا وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِهِ مُخَفَّفًا.
قَوْلُهُ (فَقُلْتُ يَا رَبِّ أَدْخِلِ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ) هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ هَذَا فِيهِ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ الرَّبِّ لَيْسَ كَلَامُ الرَّبِّ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ أَقُولُ) ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِلَفْظِ ثُمَّ نَقُولُ بِالنُّونِ، قَالَ وَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ فَإِنْ كَانَ رُوِيَ بِالْيَاءِ طَابَقَ التَّبْوِيبَ، أَيْ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ وَيَكُونُ جَوَابًا عَنِ اعْتِرَاضِ الدَّاوُدِيِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلَهُ ثُمَّ أَقُولُ خِلَافٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ.
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ: ثُمَّ أَقُولُ بِالْهَمْزَةِ كَمَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ أَحْمَدِ بْنِ جَوَّاسٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالتَّشْدِيدِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَلَفْظُهُ أَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لِي لَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَعِيرَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ، وَلَكَ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ ﷺ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا فَيُجَابُ إِلَى ذَلِكَ ثَانِيًا، فَوَقَعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ذِكْرُ السُّؤَالِ وَفِي الْبَقِيَّةِ ذِكْرُ الْإِجَابَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأُولَى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ قَالَ الدَّاوُدِيُّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُفَسَّرٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَوْلُهُ أَدْنَى أَدْنَى التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ التَّوْزِيعُ عَلَى الْحَبَّةِ وَالْخَرْدَلِ أَيْ أَقَلُّ حَبَّةِ مِنْ أَقَلِّ خَرْدَلَةٍ مِنَ الْإِيمَانِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِتَجَزُّؤ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ، وَقَوْلُهُ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي قَوْلَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَكَأَنَّهُ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ وَيُشِيرُ بِهَا، وَقَوْلُهُ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ مِنَ النَّارِ مِنَ النَّارِ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ أَيْضًا لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلنَّظَرِ إِلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْحَبَّةِ
وَالْخَرْدَلَةِ وَالْإِيمَانِ أَوْ جَعَلَ أَيْضًا لِلنَّارِ مَرَاتِبَ. قُلْتُ: سَقَطَ تَكْرِيرُ قَوْلِهِ مِنَ النَّارِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَمَنْ ذَكَرْتُ مَعَهُ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَقَوْلُهُ فِيهِ فَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ
الْبُنَانِيِّ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَسَأَلَهُ بِفَاءٍ وَصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَاصَّةِ الْعَالِمِ لِيَسْأَلَهُ، وَفِي قَوْلِهِ فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ قَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ اتِّخَاذُ الْقَصْرِ لِمَنْ كَثُرَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَقَوْلُهُ فَوَافَقْنَا كَذَا لَهُمْ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَوَافَقْنَاهُ وَقَوْلُهُ مَاجَ النَّاسُ أَيِ اخْتَلَطُوا، يُقَالُ: مَاجَ الْبَحْرُ أَيِ اضْطَرَبَتْ أَمْوَاجُهُ، وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَوْلُهُ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَيَقُولُ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ) هُوَ حَجَّاجُ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ الْبَصْرِيُّ وَالِدُ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ، سَمَّاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَتَبِعَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى.
قَوْلُهُ (وَهُوَ جَمِيعُ) أَيْ مُجْتَمِعُ الْعَقْلِ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكِبَرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ تَفَرُّقِ الذِّهْنِ وَحُدُوثُ اخْتِلَاطِ الْحِفْظِ، وَقَوْلُهُ فَحَدَّثْنَاهُ بِسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَحَذْفِ الضَّمِيرِ، وَقَوْلُهُ قُلْنَا يَا أَبَا سَعِيدٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ
فَقُلْنَا قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ هُنَا لَسْتُ لَهَا وَفِي غَيْرِهِ لَسْتُ هُنَاكُمْ قَالَ: وَأَسْقُطَ هُنَا ذِكْرَ نُوحٍ وَزَادَ فَأَقُولُ أَنَا لَهَا وَزَادَ فَأَقُولُ أُمَّتِي أُمَّتِي قَالَ الدَّاوُدِيُّ لَا أُرَاهُ مَحْفُوظًا؛ لِأَنَّ الْخَلَائِقَ اجْتَمَعُوا وَاسْتَشْفَعُوا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَاصَّةً لَمْ تَذْهَبْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَمِيعُ وَإِذَا كَانَتِ الشَّفَاعَةُ لَهُمْ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ فَكَيْفَ يَخُصُّهَا بِقَوْلِهِ أُمَّتِي أُمَّتِي، ثُمَّ قَالَ: وَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ بَلْ بَقِيَ بَيْنَ طَلَبِهِمُ الشَّفَاعَةَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَاشْفَعْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أُمُورِ الْقِيَامَةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ مَعْنِي الْكَلَامِ فَيُؤْذَنُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ وَيُلْهِمُنِي ابْتِدَاءُ كَلَامٍ آخَرَ وَبَيَانٌ لِلشَّفَاعَةِ الْأُخْرَى الْخَاصَّةِ بِأُمَّتِهِ، وَفِي السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ وَادَّعَى الْمُهَلَّبُ أَنَّ قَوْلَهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أُمَّتِي مِمَّا زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَلَى سَائِرِ الرُّوَاةِ كَذَا قَالَ، وَهُوَ اجْتِرَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالظَّنِّ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ بَلْ رَوَاهَا مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَكَذَا أَبُو الرَّبِيعِ الزُّهْرَانِيُّ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي التَّفْسِيرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّابٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ كِلَاهُمَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ شَيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ فِيهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَاضِيَةِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ وَلَا فِي رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ أَحَدًا اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَالْمَعْرُوفُ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ هُوَ الذُّهْلِيُّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسٍ نُسِبَ لِجَدِّ أَبِيهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْحَاكِمُ وَالْكَلَابَاذِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، وَقِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ جَبَلَةَ الرَّافِعِيُّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، وَخَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ، وَقَدْ رَوَى هُنَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِالْوَاسِطَةِ، وَرَوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِلَا وَاسِطَةٍ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا فِي الْمَغَازِي وَالتَّفْسِيرِ وَالْفَرَائِضِ، وَمَنْصُورٌ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو السَّلْمَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَرِجَالُ سَنَدِ هَذَا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا جِدًّا وَقَدْ مَضَى بِتَمَامِهِ مَشْرُوحًا فِي الرِّقَاقِ، وَقَوْلُهُ كُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَكُلُّ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ عَشْرَ مِرَارٍ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عليه إمساكها ولا تحريكها (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ أَنَا المَلِكُ) مرَّتين (فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ) ظهرت (نَوَاجِذُهُ) بالذَّال المعجمة، أنيابه التي تبدو عند الضَّحك (تَعَجُّبًا) من قول الحبر (وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]) والتَّعبير بالإصبع والضَّحك من المتشابهات كما سبق، فيتأوَّل على نوعٍ من المجاز، وضربٍ من التَّمثيل ممَّا جرت (١) عادة الكلام بين النَّاس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى إنَّ قدرته تعالى على طيِّها وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئًا في كفِّه فاستخفَّ حمله، فلم يشتمل عليه بجميع كفِّه، بل أقلَّه ببعض أصابعه، وقد يقول الإنسان في الأمر الشَّاقِّ (٢) إذا أُضيف إلى القويِّ: إنَّه يأتي عليه بإِصبعٍ أو إنَّه يقلُّه بخنصره، والظَّاهر أنَّ هذا -كما مرَّ- من تخليط اليهود وتحريفهم، وأنَّ ضحكه ﷺ إنَّما كان على وجه (٣) التَّعجُّب والنَّكير (٤) له، والعلم عند الله، قاله الخطَّابيُّ فيما (٥) نقله عنه في «الفتح» ومطابقة الحديث في قوله: «ثمَّ يقول: أنا الملك، أنا الملك».
وسبق في «باب قوله (٦) تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]» [خ¦٧٤١٤].
٧٥١٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي: ابن مُسَرْهَدٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ) بضمِّ الميم وسكون الحاء المهملة وبعد الرَّاء
المكسورة زايٌ، المازنيِّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) ﵄ فقال له: (كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى) التي تقع بين الله وبين عبده يوم القيامة؟ (قَالَ) ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ) أي: يقرب منه تعالى قرب رحمةٍ (حَتَّى يَضَعَ) الله تعالى (كَنَفَهُ عَلَيْهِ) بفتح الكاف والنُّون، أي: يحفظه (١) ويستره عن أهل الموقف فضلًا منه، حيث يذكر له معاصيه سرًّا (فَيَقُولُ) له: (أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ) العبد: (نَعَمْ) يا ربِّ (وَيَقُولُ) له: (عَمِلْتَ) وللأَصيليِّ: «أعملت» (كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ) يا ربِّ (فَيُقَرِّرُهُ) بذنوبه ليعرِّفه منَّته عليه في ستره عليه (٢) في الدُّنيا وعفوه عنه (٣) في الآخرة (ثُمَّ يَقُولُ) تعالى: (إِنِّي سَتَرْتُ) ذنوبك (عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ) ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «فيقول» في الموضعين.
وأخرجه في «باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]» من «كتاب المظالم» [خ¦٢٤٤١].
(وَقَالَ آدَمُ) بن أبي إياسٍ: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة قال: (حَدَّثَنَا صَفْوَانُ) بن محرزٍ (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أنَّه قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ) ذكره لتصريح قتادة فيه (٤) بقوله: «حدَّثنا صفوان»، وليس في أحاديث هذا الباب كلام الرَّبِّ مع الأنبياء إلَّا في حديث أنسٍ، وإذا ثبت كلامه مع غير الأنبياء فوقوعه معهم أولى، والله الموفِّق (٥).
(٣٧) (بابُ قَوْلِهِ) ﷿: (﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]) الجمهور على رفع الجلالة الشَّريفة، و ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ رافعٌ للمجاز، قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما يُوصَل إلى
الإنسان كلامًا بأيِّ طريقٍ وصل، ولكن لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقِّق (١) بالمصدر لم يكن إلَّا حقيقة الكلام، وقال القرطبيُّ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرٌ معناه التَّأكيد، وهذا يدلُّ على بطلان قول من يقول:
خلق الله (٢) لنفسه كلامًا في شجرةٍ (٣) يسمعه (٤) موسى، بل هو الكلام الحقيقيُّ الذي يكون به المتكلِّم متكلِّمًا، قال النَّحَّاس: وأجمع النَّحويُّون على أنَّك إذا أكَّدت الفعل بالمصادر لم يكن مجازًا، وأنَّه لا يجوز في قول الشَّاعر:
امتلأ الحوض وقال: قَطْني
أن يقول: وقال قولًا، وكذا لمَّا قال: ﴿تَكْلِيمًا﴾ وجب أن يكون كلامًا على الحقيقة. قال في «المصابيح» بعد أن ذكر نحو ما ذكرته: واعتُرِض هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] وقول الشَّاعر:
بكى الخَزُّ من رَوْحٍ وأنكر جلده … وعجَّت عجيجًا من جذامَ المطارفُ
فإنَّ ذلك كلَّه مجازٌ مع وجود التَّأكيد بالمصدر، ولهذا قال بعضهم: والتَّأكيد بالمصدر يرفع المجاز في الأمر العامِّ؛ يريد الغالب، قال: وكان الشَّيخ بهاء الدِّين بن عقيلٍ يقول: الجواب عن هذا البيت يؤيِّد تحقيقًا سمعناه من شيخنا علاء الدِّين القونويِّ فيقول: لا تخلو الجملة التي أُكِّد الفعل فيها بالمصدر من أن تكون صالحةً لأن (١) تُستعمَل لكلٍّ من المعنيين، يريد الحقيقة والمجاز، أو لا يصلح استعمالها إلَّا في المعنى المجازيِّ فقط، فإن كان الأوَّل كان التَّأكيد بالمصدر يرفع المجاز، وإن كان الثَّاني لم يكن التَّأكيد رافعًا له، فمثال الأوَّل قولك: ضربت زيدًا ضربًا، ومثال الثَّاني البيت المذكور؛ لأنَّ عجيج المطارف لا يقع إلَّا مجازًا. انتهى. واختُلِف في سماع كلام الله تعالى فقال الأشعريُّ: كلام الله تعالى القائم