«كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدّ�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٥٥

الحديث رقم ٧٥٥٥ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى والله خلقكم وما تعملون.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥٥٥ في صحيح البخاري

«كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ كَأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي، فَدَعَاهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ، فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ قَالَ: وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِنَهْبِ إِبِلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا، فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا مَا صَنَعْنَا حَلَفَ رَسُولُ اللهِ لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ يَمِينَهُ، وَاللهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا.»

إسناد حديث البخاري رقم ٧٥٥٥

٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥٥٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي الْجَامِعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ بَصْرِيٌّ يُقَالُ لَهُ ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَزْنُ عَظِيمَةَ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي التَّارِيخِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَمْ أَرَ عَنْهُ فِي الْجَامِعِ شَيْئًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِثْلُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظِ الْمُلَقَّبِ جَزَرَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ وَمُوسَى بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمَا.

٥٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنْ الْأَمْرِ بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وَسَمَّى النَّبِيُّ الْإِيمَانَ عَمَلًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلنَّبِيِّ : مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنْ الْأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا

٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جُرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَحْمِلَنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا.

٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالُوا إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنْ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَإِقَامُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، أبو بكرٍ السَّختيانيُّ الإمام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله زيدٍ الجرميِّ (وَالقَاسِمِ) بن عاصمٍ (التَّمِيمِيِّ) وقيل الكلبيِّ، وقيل اللَّيثيِّ، كلاهما (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزَّاي وبالدَّال المهملة بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ابن مضَرِّبٍ بالضَّاد المعجمة المفتوحة والرَّاء المشدَّدة المكسورة، من التَّضريب، أنَّه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الرَّاء (وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع أشعريٍّ نسبةً إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (وُدٌّ) بضمِّ الواو وتشديد الدَّال، محبَّةٌ (وَإِخَاءٌ) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا، مؤاخاةٌ، قال (١): (فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ) (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، و «الطَّعام» معرَّفٌ، وللأَصيليِّ: «طعامٌ» كذا رأيته في أصلٍ معتمدٍ، وهو الذي في «اليونينيَّة» والذي في الفرع بالتَّنكير فقط غير معزوٍّ (فِيهِ لَحْمُ دَُِجَاجٍ) مثلَّث الدَّال، يقع على الذَّكر والأنثى (وَعِنْدَهُ) وعند أبي موسى (رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، قبيلةٍ من قضاعة (كَأَنَّهُ) وللأَصيليِّ ممَّا ليس في الفرع «كان» (مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ) أبو موسى (إِلَيْهِ) أي: إلى لحم الدَّجاج (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) من النَّجاسة، وثبت «شيئًا» للكشميهنيِّ، وسقط لغيره (فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذَّال المعجمة، أي: فكرهته (فَحَلَفْتُ، لَا آكُلُهُ) وللكشميهنيِّ: «ألَّا آكله» واختُلِف بالجَلَّالة فقال مالكٌ: لا بأس بأكل الجَلَّالة من الدَّجاج وغيره، إنَّما جاء النَّهي عنها للتَّقذُّر، ولأبي داود والنَّسائيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: «نهى رسول الله يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليَّة، وعن الجَلَّالة إذا تغيَّر لحمها بأكل النَّجاسة» وصحَّح النَّوويُّ أنَّه إذا ظهر تغيُّر لحم الجَلَّالة من نَعَمٍ أو دجاجٍ بالرَّائحة والنَّتن في عرقها وغيره كُرِه أكلها، وذهب جماعةٌ من الشَّافعيَّة -وهو قول الحنابلة- إلى أنَّ النَّهي للتَّحريم، وهو الذي صحَّحه الشَّيخ أبو إسحاق المروزيُّ وإمام الحرمين والبغويُّ والغزاليُّ. ولم يُسَمَّ الرَّجل المذكور في الحديث،

وفي سياق التِّرمذيِّ: أنَّه زهدم، وكذا عند أبي عَوانة في «صحيحه» ويحتمل أن يكون كلٌّ من زَهْدَم والآخر امتنعا من الأكل (فَقَالَ) أبو موسى له: (هَلُمَّ) تعال (فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ) أي: فوالله لأحدِّثك، أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين، وفي أصل «اليونينيَّة»: «فلْأحدِّثْك» بسكون اللَّام والمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلأحدثنَّك» (١) بنون التَّأكيد عن ذلك باللَّام قبل الكاف: (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (نَسْتَحْمِلُهُ) نطلب منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا في غزوة تبوك على شيءٍ من الإبل (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) أي: عليه (فَأُتِيَ النَّبِيُّ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول ( بِنَهْبِ إِبِلٍ) من غنيمةٍ (فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ)؟ فأتينا (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ) بفتح الذَّال المعجمة وسكون الواو بعدها دالٌ مهملةٌ، وهو من الإبل ما بين الثَّنتين إلى التِّسعة، وقيل: ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، واللَّفظة مؤنَّثةٌ لا واحد لها من لفظها كالنَّعم، وقال أبو عبيدٍ: الذَّود من الإناث دون الذُّكور، وفي «غزوة تبوك» [خ¦٤٤١٥] ستَّة أبعرةٍ، وفي «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٧١٨] بثلاثة ذودٍ، ولا تنافي في ذلك لأنَّ ذكر عددٍ لا ينافي غيره، وقوله: «خمس» بالتَّنوين، وفي رواية (٢): بغير تنوينٍ على الإضافة، واستنكره أبو البقاء في «غريبه» (٣) وقال: والصَّواب تنوين «خمس» وأن يكون «ذود» بدلًا من «خمس» فإنه لو كان بغير تنوينٍ لتغيَّر المعنى؛ لأنَّ العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون «خمس» خمسة عشر بعيرًا؛ لأنَّ الإبل الذَّود ثلاثةٌ (٤)، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ فقال: ما أدري كيف حُكِم

بفساد المعنى إذا كان العدد كذا، وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضرُّ؟ وقد ثبت في بعض طرقه: خذ هذين القرينين وهذين القرينين إلى أن عدَّ ستَّ مرَّاتٍ، والذي قاله إنَّما يتمُّ أنْ (١) لو جاءت روايةٌ صريحةٌ أنَّه لم يُعطهم سوى خمسة أبعرةٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الرَّاء، و «الذُّرى» بالذَّال المعجمة المضمومة وفتح الرَّاء، جمع ذروةٍ، وهي أعلى كلِّ شيءٍ، أي: ذوي الأسنمة البيض من سمنهنَّ وكثرة شحومهنَّ.

(ثُمَّ انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟) بسكون العين (حَلَفَ رَسُولُ اللهِ لَا يَحْمِلُنَا) ولأبي ذرٍّ: «أن لا يحملنا» (وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللَّام في الأخير (٢) (تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ يَمِينَهُ) بسكون اللَّام، أي: طلبنا غفلته وكنَّا سبب ذهوله عمَّا وقع (وَاللهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (فَقُلْنَا لَهُ) ذلك (فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ) حقيقةً؛ لأنَّه خالق أفعال العباد، وهذا مناسبٌ لِمَا تُرجم به (٣)، وقال ابن المُنيِّر (٤): الذي يظهر أنَّ النَّبيَّ حلف لا يحملهم، فلمَّا حملهم راجعوه في يمينه، فقال: «ما أنا حملتكم، ولكنَّ الله حملكم» فبيَّن أنَّ يمينه إنَّما انعقدت فيما يملك، فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفّر، ولكنَّه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله، وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده في الأوَّل أنَّه لا يحملهم على ما لا يملك (٥) بقرضٍ يتكلَّفه (٦) ونحو ذلك، وأمَّا قوله

عقب ذلك: «لا أحلف على يمين … » إلى آخره فتأسيس قاعدةٍ مبتدأةٍ كأنَّه يقول: ولو كنت حلفت ثمَّ رأيت ترك ما (١) حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت نفسي وكفَّرت عن يميني، قال: وهم إنَّما سألوه ظنًّا أنَّه يملك حملانًا فحلف (٢) لا يحملهم على شيءٍ يملكه؛ لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك. انتهى. ووجَّهه البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: بأنَّ مكارم أخلاقه ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى أنَّه يحلف على عدم حملانهم مطلقًا، قال: والذي يظهر لي أنَّ قوله: «وما عندي ما أحملكم» جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل الفعل المنفيِّ بـ «لا» أو مفعوله، أي: لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيءٍ أحملكم عليه، أي: إنَّه (٣) لا يتكلَّف حملهم بقرضٍ أو غيره لِمَا رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنثه، وأُجيب بأنَّ المعنى: إزالة المنَّة عنهم (٤)، وإضافة النِّعمة لمالكها الأصليِّ، ولم يرد أنَّه لا صنع له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أراد ذلك ما قال بعد: (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ: «وإنِّي» (وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوفِ يمينٍ، وسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة، ومثله صلَّى على قبره بعدما دُفِن، أي: صلَّى على صاحب القبر، وأطلق القبر على صاحب القبر، ويدلُّ لهذا التأويل رواية مسلمٍ حيث قال فيها بدل قوله: «على يمين»: «على أمرٍ» (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي: خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ (٥)، وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة، وفي «الأيمان والنذور» [خ¦٦٧١٨] «فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خيرٌ» فقدَّم الكفَّارة على الإتيان، ففيه دلالةٌ على الجواز؛ لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وقد ذهب أكثر الصَّحابة إلى جواز تقدُّم الكفَّارة على اليمين، وإليه ذهب الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمد إلَّا أنَّ الشَّافعيَّ استثنى الصِّيام (٦)،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَلَكِنْ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي الْجَامِعِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي غَالِبٍ بَصْرِيٌّ يُقَالُ لَهُ ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ بِمُهْمَلَةٍ وَنُونٍ وَزْنُ عَظِيمَةَ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ فِي التَّارِيخِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَمْ أَرَ عَنْهُ فِي الْجَامِعِ شَيْئًا إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعَ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِثْلُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظِ الْمُلَقَّبِ جَزَرَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ وَمُوسَى بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِمَا.

٥٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ وَيُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: بَيَّنَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنْ الْأَمْرِ بقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وَسَمَّى النَّبِيُّ الْإِيمَانَ عَمَلًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: سُئِلَ النَّبِيُّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَقَالَ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ لِلنَّبِيِّ : مُرْنَا بِجُمَلٍ مِنْ الْأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالشَّهَادَةِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَمَلًا

٧٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَالْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جُرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ كَأَنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي فَدَعَاهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ لَا آكُلُهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَلْأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ، إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِنَهْبِ إِبِلٍ فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الْأَشْعَرِيُّونَ؟ فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ثُمَّ انْطَلَقْنَا، قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يَحْمِلَنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَتَحَلَّلْتُهَا.

٧٥٥٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالُوا إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي أَشْهُرٍ حُرُمٍ فَمُرْنَا بِجُمَلٍ مِنْ الأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ وَنَدْعُو إِلَيْهَا مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَإِقَامُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥٥٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ) الحجبيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) بن أبي تميمة، أبو بكرٍ السَّختيانيُّ الإمام (عَنْ أَبِي قِلَابَةَ) بكسر القاف، عبد الله زيدٍ الجرميِّ (وَالقَاسِمِ) بن عاصمٍ (التَّمِيمِيِّ) وقيل الكلبيِّ، وقيل اللَّيثيِّ، كلاهما (عَنْ زَهْدَمٍ) بفتح الزَّاي وبالدَّال المهملة بينهما هاءٌ ساكنةٌ، ابن مضَرِّبٍ بالضَّاد المعجمة المفتوحة والرَّاء المشدَّدة المكسورة، من التَّضريب، أنَّه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ هَذَا الحَيِّ مِنْ جَرْمٍ) بفتح الجيم وسكون الرَّاء (وَبَيْنَ الأَشْعَرِيِّينَ) جمع أشعريٍّ نسبةً إلى أشعر أبي قبيلة من اليمن (وُدٌّ) بضمِّ الواو وتشديد الدَّال، محبَّةٌ (وَإِخَاءٌ) بكسر الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة ممدودًا، مؤاخاةٌ، قال (١): (فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ (الأَشْعَرِيِّ) (فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ) بضمِّ القاف مبنيًّا للمفعول، و «الطَّعام» معرَّفٌ، وللأَصيليِّ: «طعامٌ» كذا رأيته في أصلٍ معتمدٍ، وهو الذي في «اليونينيَّة» والذي في الفرع بالتَّنكير فقط غير معزوٍّ (فِيهِ لَحْمُ دَُِجَاجٍ) مثلَّث الدَّال، يقع على الذَّكر والأنثى (وَعِنْدَهُ) وعند أبي موسى (رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ الله) بفتح الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة، قبيلةٍ من قضاعة (كَأَنَّهُ) وللأَصيليِّ ممَّا ليس في الفرع «كان» (مِنَ المَوَالِي، فَدَعَاهُ) أبو موسى (إِلَيْهِ) أي: إلى لحم الدَّجاج (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا) من النَّجاسة، وثبت «شيئًا» للكشميهنيِّ، وسقط لغيره (فَقَذِرْتُهُ) بكسر الذَّال المعجمة، أي: فكرهته (فَحَلَفْتُ، لَا آكُلُهُ) وللكشميهنيِّ: «ألَّا آكله» واختُلِف بالجَلَّالة فقال مالكٌ: لا بأس بأكل الجَلَّالة من الدَّجاج وغيره، إنَّما جاء النَّهي عنها للتَّقذُّر، ولأبي داود والنَّسائيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: «نهى رسول الله يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليَّة، وعن الجَلَّالة إذا تغيَّر لحمها بأكل النَّجاسة» وصحَّح النَّوويُّ أنَّه إذا ظهر تغيُّر لحم الجَلَّالة من نَعَمٍ أو دجاجٍ بالرَّائحة والنَّتن في عرقها وغيره كُرِه أكلها، وذهب جماعةٌ من الشَّافعيَّة -وهو قول الحنابلة- إلى أنَّ النَّهي للتَّحريم، وهو الذي صحَّحه الشَّيخ أبو إسحاق المروزيُّ وإمام الحرمين والبغويُّ والغزاليُّ. ولم يُسَمَّ الرَّجل المذكور في الحديث،

وفي سياق التِّرمذيِّ: أنَّه زهدم، وكذا عند أبي عَوانة في «صحيحه» ويحتمل أن يكون كلٌّ من زَهْدَم والآخر امتنعا من الأكل (فَقَالَ) أبو موسى له: (هَلُمَّ) تعال (فَلأُحَدِّثْكَ عَنْ ذَاكَ) أي: فوالله لأحدِّثك، أي: عن الطَّريق في حلِّ اليمين، وفي أصل «اليونينيَّة»: «فلْأحدِّثْك» بسكون اللَّام والمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فلأحدثنَّك» (١) بنون التَّأكيد عن ذلك باللَّام قبل الكاف: (إِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ) ما بين الثَّلاثة إلى العشرة من الرِّجال (نَسْتَحْمِلُهُ) نطلب منه أن يحملنا ويحمل أثقالنا في غزوة تبوك على شيءٍ من الإبل (قَالَ) صلوات الله وسلامه عليه: (وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ) أي: عليه (فَأُتِيَ النَّبِيُّ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول ( بِنَهْبِ إِبِلٍ) من غنيمةٍ (فَسَأَلَ عَنَّا فَقَالَ: أَيْنَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ)؟ فأتينا (فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسٍ ذَوْدٍ) بفتح الذَّال المعجمة وسكون الواو بعدها دالٌ مهملةٌ، وهو من الإبل ما بين الثَّنتين إلى التِّسعة، وقيل: ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، واللَّفظة مؤنَّثةٌ لا واحد لها من لفظها كالنَّعم، وقال أبو عبيدٍ: الذَّود من الإناث دون الذُّكور، وفي «غزوة تبوك» [خ¦٤٤١٥] ستَّة أبعرةٍ، وفي «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٧١٨] بثلاثة ذودٍ، ولا تنافي في ذلك لأنَّ ذكر عددٍ لا ينافي غيره، وقوله: «خمس» بالتَّنوين، وفي رواية (٢): بغير تنوينٍ على الإضافة، واستنكره أبو البقاء في «غريبه» (٣) وقال: والصَّواب تنوين «خمس» وأن يكون «ذود» بدلًا من «خمس» فإنه لو كان بغير تنوينٍ لتغيَّر المعنى؛ لأنَّ العدد المضاف غير المضاف إليه، فيلزم أن يكون «خمس» خمسة عشر بعيرًا؛ لأنَّ الإبل الذَّود ثلاثةٌ (٤)، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ فقال: ما أدري كيف حُكِم

بفساد المعنى إذا كان العدد كذا، وليكن عدد الإبل خمسة عشر بعيرًا فما الذي يضرُّ؟ وقد ثبت في بعض طرقه: خذ هذين القرينين وهذين القرينين إلى أن عدَّ ستَّ مرَّاتٍ، والذي قاله إنَّما يتمُّ أنْ (١) لو جاءت روايةٌ صريحةٌ أنَّه لم يُعطهم سوى خمسة أبعرةٍ (غُرِّ الذُّرَى) بضمِّ الغين المعجمة وتشديد الرَّاء، و «الذُّرى» بالذَّال المعجمة المضمومة وفتح الرَّاء، جمع ذروةٍ، وهي أعلى كلِّ شيءٍ، أي: ذوي الأسنمة البيض من سمنهنَّ وكثرة شحومهنَّ.

(ثُمَّ انْطَلَقْنَا قُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟) بسكون العين (حَلَفَ رَسُولُ اللهِ لَا يَحْمِلُنَا) ولأبي ذرٍّ: «أن لا يحملنا» (وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا) بفتح اللَّام في الأخير (٢) (تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ يَمِينَهُ) بسكون اللَّام، أي: طلبنا غفلته وكنَّا سبب ذهوله عمَّا وقع (وَاللهِ لَا نُفْلِحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ) صلوات الله وسلامه عليه (فَقُلْنَا لَهُ) ذلك (فَقَالَ: لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ) حقيقةً؛ لأنَّه خالق أفعال العباد، وهذا مناسبٌ لِمَا تُرجم به (٣)، وقال ابن المُنيِّر (٤): الذي يظهر أنَّ النَّبيَّ حلف لا يحملهم، فلمَّا حملهم راجعوه في يمينه، فقال: «ما أنا حملتكم، ولكنَّ الله حملكم» فبيَّن أنَّ يمينه إنَّما انعقدت فيما يملك، فلو حملهم على ما يملك لحنث وكفّر، ولكنَّه حملهم على ما لا يملك ملكًا خاصًّا وهو مال الله، وبهذا لا يكون قد حنث في يمينه هذا مع قصده في الأوَّل أنَّه لا يحملهم على ما لا يملك (٥) بقرضٍ يتكلَّفه (٦) ونحو ذلك، وأمَّا قوله

عقب ذلك: «لا أحلف على يمين … » إلى آخره فتأسيس قاعدةٍ مبتدأةٍ كأنَّه يقول: ولو كنت حلفت ثمَّ رأيت ترك ما (١) حلفت عليه خيرًا منه لأحنثت نفسي وكفَّرت عن يميني، قال: وهم إنَّما سألوه ظنًّا أنَّه يملك حملانًا فحلف (٢) لا يحملهم على شيءٍ يملكه؛ لكونه كان حينئذٍ لا يملك شيئًا من ذلك. انتهى. ووجَّهه البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: بأنَّ مكارم أخلاقه ورأفته بالمؤمنين ورحمته بهم تأبى أنَّه يحلف على عدم حملانهم مطلقًا، قال: والذي يظهر لي أنَّ قوله: «وما عندي ما أحملكم» جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل الفعل المنفيِّ بـ «لا» أو مفعوله، أي: لا أحملكم في حالة عدم وجداني لشيءٍ أحملكم عليه، أي: إنَّه (٣) لا يتكلَّف حملهم بقرضٍ أو غيره لِمَا رآه من المصلحة المقتضية لذلك، وحينئذٍ فحمله لهم على ما جاءه من مال الله لا يكون مقتضيًا لحنثه، وأُجيب بأنَّ المعنى: إزالة المنَّة عنهم (٤)، وإضافة النِّعمة لمالكها الأصليِّ، ولم يرد أنَّه لا صنع له أصلًا في حملهم؛ لأنَّه لو أراد ذلك ما قال بعد: (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ: «وإنِّي» (وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوفِ يمينٍ، وسمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شأنه أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة، ومثله صلَّى على قبره بعدما دُفِن، أي: صلَّى على صاحب القبر، وأطلق القبر على صاحب القبر، ويدلُّ لهذا التأويل رواية مسلمٍ حيث قال فيها بدل قوله: «على يمين»: «على أمرٍ» (فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا) أي: خيرًا من الخصلة المحلوف عليها (إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ (٥)، وَتَحَلَّلْتُهَا) بالكفَّارة، وفي «الأيمان والنذور» [خ¦٦٧١٨] «فأرى غيرها خيرًا منها إلَّا كفَّرت عن يميني، وأتيت الذي هو خيرٌ» فقدَّم الكفَّارة على الإتيان، ففيه دلالةٌ على الجواز؛ لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، وقد ذهب أكثر الصَّحابة إلى جواز تقدُّم الكفَّارة على اليمين، وإليه ذهب الشَّافعيُّ ومالكٌ وأحمد إلَّا أنَّ الشَّافعيَّ استثنى الصِّيام (٦)،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله