سيرة عبد الله بن مظعون
فوجَدْتُه قد قضَى (١).
[١٥٢٤] عبدُ اللهِ بنُ مَظْعونِ بنِ حبيبِ بنِ وهَبِ بنِ حُذافةَ بنِ جُمَحَ القُرَشيُّ الجُمَحيُّ (٢)، يُكنَى أبا محمدٍ، هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ ثم شهد بدرًا، وكذلك (٣) سائر إخوته عثمان، وقُدامةَ، والسَّائِبِ، كلُّهم هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ، وشهِد بدرًا فيما ذكر العَدَويُّ.
وأمَّا ابنُ إسحاق فذكر في البَدْريِّينَ عثمانَ بنَ مظعونٍ وابنَه السَّائِبَ بنَ عثمانَ وأخوَيهِ قُدامةُ، وعبدُ الله ابنَي مظعونٍ (٤).
وقال الواقِديُّ: تُوفّي عبدُ اللَّهِ بنُ مَظْعونٍ سنةَ ثلاثينَ وهو ابنُ ستينَ سنةً (٥).
لا أحفَظُ لأحدٍ مِن بني مظعونٍ روايةً إِلَّا لقُدامةَ.
[١٥٢٥] عبد الله (٦) بن مسعودِ بنِ غافِلِ -بالغين المنقوطةِ والفاءِ- ابنِ حبيبِ بنِ شَمْخِ (١) بنِ فارِ بنِ مخزومِ بنِ صاهِلةَ بنِ كاهلِ بنِ الحارثِ بنِ تميم -[وقيل: ابنُ غنمِ] (٢) (٣) - بن سعد بن هُذَيلِ بنِ مُدْرِكة ابن إلياسَ بنِ مُضَرَ، أبو عبدِ الرحمنِ الهُذَليُّ (٤)، حليفُ بني زُهْرةَ؛ كان أبوه مسعودُ بنُ غافلٍ قد حالَفَ في الجاهِليَّةِ عبدَ اللهِ بنَ الحارثِ ابنِ زُهْرةَ، وأمُّ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أُمُّ عبدٍ بنتِ عبدِ وُدِّ بنِ سَواءِ [بنِ قُرَيمِ بنِ صاهِلةَ بنِ كاهلٍ] (٥) مِن (٦) هُذَيلٍ أيضًا، وأمُّها (٧) زُهْرِيةٌ؛ قيل (٨): بنتُ الحارثِ بنِ زُهْرةَ.
كان إسلامُه قديمًا في أَوَّلِ الإسلامِ في حينِ أسلَم (١) سعيدُ بنُ زِيدٍ وزوجتُه فاطمةُ بنتُ الخطَّابِ (٢) قبلَ إسلامِ عمرَ بزمانٍ، وكانَ سببَ إسلامِه أنَّه كان يَرْعَى غنمًا لعُقْبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، فَمَرَّ به رسولُ اللهِ ﷺ، وأَخَذ شاةً حائِلًا من تلك الغنمِ، فَدَرَّتْ عليه لبنًا غزيرًا.
ومِن إسنادِ (٣) حديثِه هذا ما رَواه أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ وغيرُه، عن عاصمِ بنِ أبي النَّجودِ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كنتُ أرعَى غَنمًا لعُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، فمرَّ بي رسولُ اللهِ ﷺ فقال لي: "يا غلامُ، هل مِن لبَنٍ؟ "، قلتُ: نعم، ولكنَّي مُؤْتَمَنٌ، قال: "فهل مِن شاةٍ حائلٍ (٤) لم يَنْزُ عليها الفحلُ؟ "، فأتَيتُه بشاةٍ فمسَحَ ضَرعَها، فنزَل لبنٌ فحَلَبَه في إناءٍ وشرِب وسقَى أبا بكرٍ، ثمَّ قال للضَّرْعِ: "اقلِصْ"، فقَلَص، قال: ثمَّ أتيتُه بعدَ هذا، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، عَلِّمْني مِن هذا القول، فمسَحَ رأسي (٥)، وقال: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنَّكَ عَلِيمٌ (٦)
مُعَلَّمٌ" (١).
قال أبو عمرَ رضي الله عنه: ثمَّ ضَمَّه رسولُ اللهِ ﷺ إليه، فكان يَلِجُ عليه ويُلْبِسُه نَعْلَيهِ، ويَمْشِي أمامَه ومعه، ويَسْتُرُه إذا اغتسَلَ، ويُوقِظُه (٢) إذا نام، وقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "إِذنُكَ عليَّ أن تَرْفَعَ الحِجابَ، وأن تسمعَ سِوَادِي (٣) حَتَّى أَنْهاكَ" (٤)، وكان يُعرَفُ في الصَّحابةِ بصاحبِ السِّوادِ والسِّواكِ.
شهِد بدرًا والحُدَيبيةَ، وهاجَر الهِجْرَتينِ جميعًا: الهِجرةَ (٥) الأُولى إلى أرضِ الحبشةِ، والهِجْرةَ الثَّانِيةَ مِن مكةَ إلى المدينةِ، وصلَّى القِبلَتَينِ، وشهِد له رسولُ اللهِ ﷺ بالجنَّةِ فيما ذُكِر في حديثِ العَشرَةِ بإسنادٍ حسنٍ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ [بنِ عبدِ المؤمنِ] (١)، قال: حدَّثَنَا ابنُ (٢) جامعٍ، قال: حدَّثَنَا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثَنَا أبو حُذَيْفَةَ [موسى بنُ مسعودٍ] (٣)، قال: حدَّثَنَا سفيانُ الثَّوريُّ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، عن ابنِ ظالمٍ، عن سعيدِ بن زيدٍ، قال كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ على حراءٍ، فذكَر عشرةً في الجَنَّةِ: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزُّبَيرُ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عوفٍ، وسعدُ ابنُ مالكٍ، وسعيدُ بنُ زيدٍ، وعبدُ اللهِ بنِ مسعودٍ (٤).
وروَى منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ، وسفيانُ الثَّوريُّ، وإسرائيلُ بنُ يونُسَ، كلُّهُم عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "لو كنتُ مُؤَمِّرًا أحدًا - وفي روايَةِ بعضِهم- مُسْتَخلِفًا أحدًا - مِن غيرِ مَشورةٍ لأَمَّرتُ (٥) - وقال بعضُهم: لاستَخلَفتُ - ابنَ أمِّ عبدٍ" (١).
وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "رَضِيتُ لأُمَّتِي ما رضي لها ابنُ أمِّ عبدٍ، وسخِطتُ لأُمَّتي ما سخط لها ابنُ أمِّ عبدٍ" (٢).
وقال (٣): "اهْدُوا هَدْيَ عَمَّارٍ، وتَمَسَّكوا بعهدِ ابنِ أُمّ عبدٍ" (٤).
وقال رسولُ اللهِ: "رِجْلُ عبدِ اللهِ -أو رِجْلَا عبدِ اللَّهِ- في الميزانِ أثقلُ مِن أُحُدٍ".
حدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، [قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاحٍ، قال] (٥): حدَّثَنَا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن مُغيرةَ، عن أمِّ موسى، قالَتْ: سمِعتُ عليًّا رضي الله عنه يقولُ: أمَر رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أن يصعَدَ شجرةً، فيأتِيَه بشيءٍ منها، فنظَر أصحابُه إلى حُموشَةِ (١) ساقَيهِ، فضحِكوا، فقال النبيُّ ﷺ: ما يُضحِكُكُم؟ لَرِجْلَا عبدِ اللهِ في الميزان أثقَلُ مِن أُحُدٍ" (٢).
وقال ﷺ: "استقرِئوا القُرآنَ مِن أربعةِ نَفَرٍ"، فبَدَأ [بابنِ أمِّ عبدٍ] (٣).
حدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثَنَا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثَنَا وكيعٌ، حدَّثَنَا الأعمشُ، عن شَقِيقٍ أبي (٤) وائلٍ، عن مسروقٍ، [قال: سمعتُ] (٥) عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو (٦)، يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "خُذوا القُرآنَ مِن أربعةٍ: منِ ابنِ أمِّ عبدٍ -فبَدَأ به- ومعاذِ بنِ جبلٍ، وأُبَيِّ بنِ كعبٍ، وسالِمٍ مولَى أبي حُذَيفةَ" (٧).
وقال ﷺ: "مَن أحبَّ أن يسمَعَ القرآنَ غَضًّا، فَليَسْمَعْه مِنِ ابنِ أمِّ عبدٍ"، وبعضُهم يَرْوِيه: "مَن أرادَ أن يقرأَ القرآنَ غَضًّا كما أُنزِل، فليَقرَأْه على قراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ".
حدَّثَنَا سعيدٌ (١)، حدَّثَنَا قاسمٌ، حدَّثَنَا ابنُ وَضَّاحٍ، حدَّثَنَا ابنُ أبي شيبةَ، حدَّثَنَا معاويةُ بنُ عمرٍو، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ، أنَّ النبيَّ ﷺ أتَى بينَ أبي بكرٍ وعمر وعبدُ اللَّهِ يُصَلِّي، فافتَحَ بالنِّساءِ، فقال النبيُّ ﷺ: "مَن أحَبَّ أن يقرَأَ القُرآنَ غَضًّا كما أُنزِلَ، فَليَقرأْه على قراءةِ ابنِ أُمِّ عبدٍ"، ثمَّ قعَد يسألُ، فجعَل النبيُّ ﷺ يقولُ: "سَلْ تُعْطَه"، فقال فيما سأل: اللَّهمَّ إنِّي أسألُك إيمانًا لا يرتدُّ، ونعيمًا لا ينفَدُ، ومُرافقةَ محمَّدٍ (٢) في أعلَى جنَّةِ الخُلدِ، فأتَى عمرُ عبدَ اللهِ (٣) يُبشِّرُه، فوجَد أبا بكرٍ خارجًا قد سبَقه، فقال: إِنْ فَعَلْتَ، لقد كنتَ سَبَّاقًا [إلى الخير] (٤).
وكان رضي الله عنه رجلًا قصيرًا نَحيفًا يكادُ طِوالُ الرِّجالِ يوازونَه (١) جُلُوسًا، وهو قائمٌ، وكانت له شَعَرَةٌ تَبْلُغَ أُذُنَيهِ، وكان لا يُغَيِّرُ شيبَه.
حدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسمِ، حدَّثَنَا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، حدَّثَنَا (٢) الدُّولابيُّ، حدَّثَنَا عثمانُ بنُ عبدِ اللَّهِ، حدَّثَنَا يحيى الحِمَّانيُّ، حدَّثَنَا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبَيدةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، عن أبيه، قال: أَتَيتُ النبيَّ ﷺ يومَ بدرٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي قَتَلتُ أبا جهلٍ، قال: "آللَّهِ الَّذي لا إلهَ غيرُه (٣)، لأنتَ قتلتَه" قلتُ: نعم، فاستَخَفَّه الفرحُ، ثم قال: "انطَلِقْ فَأَرِنيهِ"، قال: فانطلَقتُ معه حتَّى قمتُ به على رأسِه، فقال: "الحمدُ للهِ الذي أخزاكَ (٤)؛ هذا فرعونُ هذه الأُمَّةِ، جُرُّوه إلى القَلِيبِ"، قال: وقد كُنتُ ضرَبتُه بسيفِي فلم يعمَلْ فيه، فأخذْتُ سيفَه فضرَبتُه به حتَّى قتَلتُه، فنَفَلَني رسولُ اللَّهِ ﷺ سيفَه (٥).
وقال الأعمشُ، عن شَقِيقٍ أبي (١) وائلٍ: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إنِّي لأعلمُهم بكتابِ اللهِ، وما أنا بخيرِهم، وما في كتابِ اللهِ سورةٌ ولا آيَةٌ إِلَّا وأنا أعلمُ فيما (٢) نَزَلَتْ ومَتَى نَزَلَتْ؟ قال أبو وائلٍ: فما سمِعتُ أحدًا أنكَرَ ذلك عليه (٣).
وقال حُذَيفةُ: لقد علِم المَحفُوظونَ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عبدَ اللهِ (٤) كان مِن أَقرَبِهم وسيلةً، وأعلَمِهم بكتابِ اللهِ ﷿.
روَى (٥) عليُّ بنُ المَدِينيِّ، قال: حدَّثَنَا سفيانُ، حدَّثَنَا جامِعُ بنُ أبي راشِدٍ، سمِعَ حُذَيفةَ (٦) يحلِفُ باللَّهِ ما أَعلَمُ أحدًا أَشبَهَ دَلًّا وهَديًا (١) برسولِ اللهِ ﷺ مِن حين يخرُجُ مِن بيتِه إلى أنْ يرجِعَ إليه مِن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، ولقد علم المحْفُوظون مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ أَنَّه مِن أقرَبِهم وسيلةً إلى اللهِ ﷿ يومَ القيامةِ (٢).
قال عليٌّ: وقد روَى هذا الحديثَ الأعمشُ، عن أبي وائلٍ، عن حُذيفةَ، حدَّثَنَا محمدُ بنُ عُبَيدٍ، حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقِيقٍ، قال: سمِعتُ حُذَيفةَ، يقولُ: إِنَّ أشبَهَ النَّاسِ هَدْيًا ودَلًّا وسَمْتًا بمحمدٍ ﷺ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، مِن حينِ يخرُجُ إلى أنْ يرجِعَ، لا أدرِي ما يصنَعُ في بيتِه، ولقد علِم المحْفوظون مِن أصحابِ محمَّدٍ ﷺ أَنَّ عبدَ اللَّهِ مِن أقرَبِهم عندَ اللهِ وسيلةً يومَ القيامةِ (٣).
قال عليٌّ: وقد رَواه عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ، عن حُذَيفةَ؛ حدَّثَنَا يحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، قالا (٤): حدَّثَنَا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ عبدَ الرَّحْمنِ بنَ يزيدَ، قال: قلنا لحذيفةَ: أخبِرْنا برَجُلٍ قريبِ السَّمْتِ والهَدْيِ والدَّلِّ مِن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى نَلْزَمَه (١)، فقال: ما أعلمُ أحدًا أقربُ سَمْتًا ولا هَدْيًا ولا دَلًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى يُوارِيه جدارُ بيتِه مِن ابنِ أمِّ عبدٍ (٢).
ورَوى وكيعٌ وجماعةٌ معه عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: قال لي عبدُ اللهِ بن عَبَّاسٍ: أَيَّ القِراءَتَينِ تَقرأُ؟ قلتُ: القراءةَ الأُولَى؛ قراءةَ ابنِ أمِّ عبدٍ؟ فقال لي: بل هي الآخرةُ؛ إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَعْرِضُ القرآنَ على جِبريلَ في كلِّ عامٍ مَرَّةً، فلمَّا كان العامُ الذي قُبِضَ فيه رسولُ اللهِ ﷺ عرَضه عليه مَرَّتَين، فحضَر ذلك عبدُ اللهِ، فعلِم ما نُسِخ مِن ذلك وما بُدِّلَ (٣).
ورَوَى أبو معاويةَ وغيرُه عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ وهو بعَرَفاتٍ، فقال: جئتُكَ مِن الكوفةِ وتَرَكتُ بها رجلًا (يُملِي المصاحِفَ) (١) عن ظهرِ قلبِه، فغضب عمرُ غَضَبًا شديدًا، وقال: وَيْحَكَ! ومَن هو؟ قال: عبدُ اللهِ ابنُ مسعودٍ، قال: فذهَب عنه ذلك الغضبُ وسكَن، وعادَ إلى حالِه، وقال: واللهِ ما أعلمُ مِن الناسِ أحدًا هو أحقُّ بذلك منه، وذكَر تمامَ الخبرِ (٢).
وبعَثه عمرُ بنُ الخَطَّابِ إلى الكوفةِ مع عَمَّارِ بنِ ياسرٍ، وكتَب إليهم: إنِّي قد بعَثتُ إليكم بعَمَّارِ بنِ ياسِرٍ أميرًا، وعبدِ اللهِ بن مسعودٍ مُعلِّمًا ووزيرًا، وهما مِن النُّجَباءِ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ مِن أهلِ بدرٍ، فاقْتَدُوا بهما، واسمَعوا من قولِهما، وقد آثَرتُكُم بعبدِ اللهِ على نفسي (٣).
وقال فيه عمرُ: كُنَيفٌ (١) مُلِئَ علمًا (٢)، وسُئِل عليٌّ عن قومٍ من الصَّحابةِ؛ منهم: ابنُ مسعودٍ، فقال: أمَّا ابنُ مسعودٍ، فقرَأ القرآنَ، وعلِم السُّنَّةَ، وكفَى بذلك (٣).
ورَوى الأعمشُ، عن شَقيقٍ [أبي وائلٍ] (٤)، قال: لمَّا أمَر عثمانُ في المصاحفِ بما أمَر، قامَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ خطيبًا، فقال: تأمُروني (٥) أنْ أَقرَأَ القرآنَ على قراءةِ زيدِ بنِ ثابتٍ! والذي نفسي بيدِه، لقد أخَذتُ مِن في رسولِ اللهِ ﷺ سبعينَ سورةً وإِنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ لذو ذُؤابةٍ (٦) يلعَبُ مع (٧) الغلمانِ، واللهِ ما نزل مِن القرآنِ شيءٌ إِلَّا وأنا أعلمُ في أيِّ شيءٍ نزَل، وما أحدٌ أعلمَ بكتابِ اللهِ ﷿ مِنِّي، ولو أعلَمُ أحدًا تُبَلِّغُنيهِ الإبلُ أعلمُ بكتابِ الله تعالى مِنِّي لأتَيتُه، ثمَّ اسْتَحْيَا مما قال،
فقال: وما أنا بخيرِكم، قال شَقِيقٌ: فقعَدتُ في الحِلَقِ فيها أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، فما سمِعتُ أحدًا أنكَر (١) عليه ولا ردَّ ما قال (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ (٣)، حدَّثنا ابنُ أبي (٤) دُلَيمٍ، حدَّثنا ابنُ وَضَّاحٍ، حدَّثنا يوسفُ بنُ عديٍّ (٥) ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ، قالا: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، قال: لمَّا بعَث عثمانُ إلى عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ يَأْمُرُه بالخروجِ إلى المدينةِ اجتَمَع إليه الناسُ، فقالوا: أقِمْ ولا تَخرُجْ، ونحنُ نَمْنَعُك أن يَصِلَ إليك شيءٌ (٦) تَكْرَهُه منه، فقال (٧) عبدُ اللهِ: إِنَّ له عليَّ طاعةً، وإنَّها ستكونُ أمورٌ وفِتَنٌ، لا أُحِبُّ أنْ أكونَ أَوَّلَ مَن فتَحها، فَردَّ النَّاسَ وخرَج إليه (٨).
ورُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال حينَ نافَر الناسُ عثمانَ: ما أُحِبُّ أنِّي رَمَيتُ عثمانَ بسهمٍ (٩)، وقال بعضُ أصحابِه: ما سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقول في عثمانَ سُبَّةً (١) قَطُّ، وسمِعتُه يقولُ: لئِنْ قتَلوه لا يَسْتَخلِفونَ بعدَه مثلَه (٢).
ولمَّا مات ابنُ مسعودٍ نُعِي إلى أبي الدَّرداء، فقال: ما ترَك بعدَه مثلَه (٣).
وماتَ ابنُ مسعودٍ رحمه الله بالمدينةِ سنةَ ثِنتَينِ وثلاثينَ، ودُفِن بالبَقيعِ، وصلَّى عليه عثمانُ، [وقيل: بل صلَّى عليه عمَّارٌ] (٤)، وقيل: بل صَلَّى عليه الزُّبَيرُ، ودفَنه ليلًا؛ بإيصائِه بذلك إليه (٥)، ولم يعلَمْ عثمانُ