هل تحريم المُخدِّرات متَّفق عليه في الشريعة الإسلاميَّة، أو هو مِن جملة ما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء؟ وما حُكمُ متعاطي المُخدِّرات؟ وهل له عقوبة شرعيَّة معيَّنة كشارب الخَمْر والزاني والسارق ونحوهم

الإسلام > فتاوى > اداب > هل تحريم المُخدِّرات متَّفق عليه في الشريعة الإسلاميَّة، أو هو مِن ج…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «هل تحريم المُخدِّرات متَّفق عليه في الشريعة الإسلا…»

المخدِّرات في اللُّغة جَمْعُ مُخَدِّر،
والمُخَدِّر مشتقٌّ من مادَّة (خ د ر) ،
وهذه المادَّة تدلُّ بالاشتراك على معانٍ: منها: السَّتْر والتَّغطية،
ومنه قيل: امرأة مُخدَّرة؛
أي مُستترة بخِدْرها.
ومنها: الظُّلْمة الشَّديدة.
ومنها: الكَسَل والفُتور والاسترخاء.
ومنها: الغَيْم والمَطَر.
ومنها: الحَيْرة.
(لسان العرب) (٤/ ٢٣٠) ،
مادة (خ د ر) .

وبين هذه المعاني اللُّغويَّة وبين المخدِّرات وأحوال متعاطيها علاقة قويَّة،
وتلازمٌ ظاهر،
فالمخدِّرات تستر العَقْل وتغطِّيه،
وتحجب القلب عن النور والهداية كما يحجب الغَيْمُ ضوء الشمس،
وتُفتِّر الجسم وتدعوه إلى

الكَسَل والارتخاء،
وتُصيب متعاطيها بظُلْمةٍ شديدةٍ في قلبه،
وحَيْرةٍ في أمره وتخلُّف عن أقرانه.

ولا يختلف تعريف المخدِّرات في الاصطلاح الفقهي عمَّا هي عليه في اللُّغة،
فقد عرَّفها الإمام القرافي في «الفروق» (١/ ٢١٧،
ط.
عالم الكتب) بأنَّها: «ما غَيَّب العَقْل والحَواسَّ دون أنْ يَصْحَبَ ذلك نَشْوَةٌ أو سُرورٌ» اه بتصرُّف.

وعرَّفها العلَّامة ابنُ حَجَر الهَيْتَمي في (الزواجر) (ص: ٣٥٦،
ط.
دار الفكر،
الطبعة الأولى) بأنَّها: «كُلُّ ما يتولَّد عنه تغطية العَقْل وفُقدان الإحساس في البدن أو فتوره،
ويُسبِّب أضداد النَّشْوَة والطَّرَب والعَرْبَدة والغَضَب والحَمِيَّة» اه بتصرُّف.

والمخدِّرات في الاصطلاح العِلْمي المعاصر: كُلُّ مادَّة خامٍ أو مُستحضَرَةٍ أو مُصنَّعةٍ،
يؤدِّي تناولها إلى اختلال في وظائف الجهاز العَصَبِيِّ المَرْكَزيِّ،
سواء بالتَّهْبيط أو التَّنْشيط أو الهَلْوَسة؛
ممَّا يؤثِّر على العَقْل والحَوَاسِّ،
ويُسبِّب الإدْمَان.

ويُلاحظ أنَّ التعريف اللُّغوي والفقهي والعِلْمي للمُخَدِّرات يكاد يكون واحداً،
والمعنى الجامع المشترك بين هذه التعاريف: أنَّ المُخدِّرات يتولَّد عنها فُقدانٌ للحِسِّ أو فُتور.

ومن الجدير بالذِّكْر أنَّ المُخدِّرات لم تُعْرَف زمان الفقهاء المتقدِّمين حتَّى نهاية المائة السادسة،
وفي ذلك يقول الشيخ ابن تيمية: لم يتكلَّم المتقدِّمون في خصوصها؛
لأنَّه إنَّما حَدَث أَكْلُها من قريب،
ولذلك لم يتكلَّم فيها الأئمَّة الأربعة،
فقد ظهرت في آخر المائة السادسة وأوَّل المائة السابعة حين ظهرت دولة التَّتار.
اه.
بتصرُّف.
«السياسة الشرعيَّة» : (ص: ١٠١،
ط.
وزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعوديَّة،
سنة ١٤١٨ ه) .

وقد دلَّت الأدلَّة الشرعيَّة على حُرْمَة تناول وتعاطي المُخدِّرات،
منها: قوله تعالى:

{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}

[البقرة: ١٩٥] ،،
وقوله:

{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}

[النساء: ٢٩] ،
فقد نصَّت الآيتان على النهي عن الإضرار بالنَّفْس والإلقاء بها في المهالك،
والأمر بالمحافظة عليها من المخاطر؛
فإنَّ الحفاظ على النَّفْس والعَقْل من المقاصد الكُلِّيَّة الخمسة في الإسلام،
ومن أجل ذلك حَرَّم على الإنسان كُلُّ ما يُذهِبُ عَقْله أو يَضُرُّ نَفْسه،
ومعلوم أنَّ في تعاطي المُخدِّرات هلاكاً ظاهراً،
وإلقاءً بالنَّفْس في المخاطر.

قال العلَّامة ابن عاشور مُعلِّقاً على الآية الأولى في (التحرير والتنوير- ٢/ ٢١٥،
ط.
الدار التونسيَّة للنشر) : «ووقوع فعل (تُلْقُوا) في سياق النَّهي يقتضي عموم كلِّ إلْقاءٍ باليد للتَّهلُكة،
أي: كلِّ تَسبُّبٍ في الهلاك عن عَمْدٍ،
فيكون مَنْهيًّا عنه مُحرَّماً ما لم يوجد مُقْتَضٍ لإزالة ذلك التحريم».
اه.

ومن الأدلَّة أيضاً: ما رواه الإمام أحمد في (مسنده) ،
وأبو داود في (سُنَنه) عن أمِّ سَلَمَة رضي الله عنها قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِر) .

قال الإمام الخطَّابي في (معالم السنن - ٤/ ٢٦٧،
ط.
المطبعة العلميَّة بسوريا،
الطبعة الأولى) : «المُفتر: كلُّ شرابٍ يُورِثُ الفُتور والرِّخْوَة في الأعضاء،
والخَدَرَ في الأطراف،
وهو مقدِّمة السُّكْر،
ونُهِيَ عن شُرْبِه لئلَّا يكون ذريعة إلى السُّكْر» . اه.

فهذا الحديث نصٌّ في تحريم المُخدِّرات؛
لأنَّها من جملة المفتِّرات،
والقاعدة عند الأصوليِّين: أنَّه (إذا وَرَدَ النَّهْيُ عن شَيْئَيْن مُقْتَرِنَيْن،
ثمَّ نُصَّ عَلَى حُكمِ النَّهْي عن أَحَدِهما -من حُرْمَةٍ أو غيرها- أُعْطِيَ الآخرُ ذلك الحُكْمَ) ،
بدليل اقترانهما في الذِّكْر والنَّهي،
وفي

الحديث المذكور ذُكِر المُفْتِر مقروناً بالمُسْكِر،
وتقرَّر عندنا تحريم المُسْكِر بالكتاب والسُّنَّة والإجماع؛
فيجب أن يُعطَى المُفْتِر حُكمَه؛
بقرينة النَّهي عنهما مُقْتَرِنَيْن.
اه.
يُراجع: (حاشية ابن الشاط على الفروق - ١/ ٢١٦) .

فالاقتران إن كان بين الجُمَل التامَّة المُستقلَّة،
فدلالة الاقتران على المشاركة في الخبر أو الحكم مُختلَفٌ فيها،
والجمهور على أنَّها دلالة ضعيفة.
أمَّا اقتران الجُمْلة الناقصة أو المفردات بالجُمْلة التامَّة فإنَّه يدلُّ دلالة قويَّة على الاشتراك في الخَبَر والحُكْم.

يقول الإمام الزركشي في (البحر المحيط - ٨/ ١١٠،
ط.
دار الكتبي) : «أمَّا إذا كان المعطوف ناقصاً،
بأن لم يذكر فيه الخبر،
فلا خلاف في مشاركته للأول؛
كقولك: زينب طالق وعمرة؛
لأنَّ العطف يوجب المشاركة،
...
ومثله عطف المفردات» . اه.

والقواعد الشرعيَّة تقتضي أيضاً القول بحُرْمَة المُخدِّرات؛
حيث ثبت أنَّ الإدمان عليها فيه ضرر حسِّي ومعنوي،
وما كان ضارًّا فهو حرامٌ؛
لحديث: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) رواه أحمد،
وابن ماجه،
والحاكم وصحَّحه.

كما أنَّ تعاطيها يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلاميَّة في محافظتها على العَقْل والنَّفْس والمال التي هي من الضروريَّات الخمس.

وقد نصَّ عُلماء الإسلام على تحريم تعاطي المخدِّرات،
ونقَل الإجماع على الحُرْمة الإمام القرافي المالكي في (الفروق) ،
والشيخ ابن تيمية الحنبلي في (الفتاوى) ،
كما ذكره العلامة ابن حَجَر الهيتمي في (الزواجر - ١/ ٣٥٤) ؛
حيث عَدَّه من جملة الكبائر.
ولا يخفى أنَّ هذا في غير الضرورة؛
فإنَّ هذه الحُرْمة تزول إذا تعيَّن شيءٌ من المُخدِّرات طريقاً للدَّواء،
وذلك مِن قِبَل الطبيب الحاذق الموثوق به تخصُّصاً وأمانةً،
يقول الإمام النووي

في (الروضة -١٠/ ١٧١،
ط.
المكتب الإسلامي) : «وما يُزيل العَقْل من غير الأشربة كالبَنْ

📖
مصدر الفتوى موسوعة صناعة الحلال
ص 6 · أولا: المخدرات > تعاطي المخدرات وزراعتها والاتجار فيها

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«هل تحريم المُخدِّرات متَّفق عليه في الشريعة الإسلا…»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله