الإسلام > فتاوى > معاملات > لو كان عند الإنسان مال حرام وأراد أن يتوب إلى الله فكيف يتصرف فى هذا…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
من المعلوم أن الله سبحانه نهانا عن أكل الحرام،
وقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله لا يقبل التصدق إلا بالمال الحلال،
لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا،
وأن القليل من الحرام فى بطن الإنسان أو على جسمه يمنع قبول الدعاء،
ويؤدى فى الآخرة إلى النار،
والمال الحرام يجب التخلص منه عند التوبة،
وذلك برده إلى صاحبه أو إلى ورثته إن عرفوا،
وإلا وجب التصدق به تبرؤا منه لا تبرعا للثواب.
قال الإمام الغزالى فى كتابه "الإحياء" ج ٢ ص ١١٦ فى خروج التائب عن المظالم المادية: فإن قيل: ما دليل جواز التصدق بما هو حرام،
وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لأنه حرام،
وحكى عن الفضيل أنه وقع فى يديه درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال: لا أتصدق إلا بالطيب،
ولا أرضى لغيرى ما لا أرضاه لنفسى؟
.
فنقول: نعم ذلك له وجه احتمال،
وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر والقياس.
فأما الخبر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق بالشاة المصلية التى قدمت إليه فكلمته بأنها حرام،
إذ قال صلى الله عليه وسلم "أطعموها الأسارى" - والحديث قال فيه العراقى: رواه أحمد وإسناده جيد - ولما نزل قوله تعالى
{الم. غلبت الروم}
كذبه المشركون وقالوا للصحابة: ألا ترون ما يقول صاحبكم؟
يزعم أن الروم ستغلب،
فخاطرهم - أى راهنهم - أبو بكر رضى الله عنه،
بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر بما قامرهم به قال صلى الله عليه وسلم "هذا سحت فتصدق به " وفرح المؤمنون بنصر الله،
وكان قد نزل تحريم القمار بعد إذن الرسول صلى الله عليه وسلم له فى المخاطرة مع الكفار.
وأما الأثر فإن ابن مسعود اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن،
فطلبه كثيرا فلم يجده،
فتصدق بالثمن وقال: اللهم هذا عنه إن رضى،
وإلا فالأجر لى،
وروى أن رجلا سولت له نفسه فَغَلَّ مائة دينار من الغنيمة ثم أتى أميره ليردها عليه فأبى أن يقبضها وقال له: تفرق الجيش،
فأتى معاوية فأبى أن يقبض،
فأتى بعض النساك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما بقى.
فلما بلغ معاوية قوله تلهف إذ لم يخطر له ذلك.
وذهب أحمد بن حنبل والحارث المحاسبى وجماعة من الورعين إلى ذلك.
وأما القياس فهو أن يقال: إن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير،
إذ قد وقع اليأس من مالكه،
وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه فى البحر،
فإذا رميناه فى البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة،
وإذا رميناه فى يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه،
وحصل للفقير سَدُّ حاجته،
وحصول الأجر للمالك بغير اختياره فى التصدق لا ينبغى أن ينكر،
فإن فى الخبر الصحيح أن للغارس والزارع أجرا فى كل ما يصيبه الناس والطيور من ثماره وزرعه،
وذلك بغير اختياره،
وأما قول القائل:
لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا،
ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر،
وترددنا بين التضييع وبين التصدق،
ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع.
انتهى.
وقد أخذ برأى الغزالى هذا -إجابة دار الفتوى على مثل هذا
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.