مشتمل على ثلاث مسائل من مسائل الطلاق:" الأولى ": إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا بكلمة واحدة، أو أكثر من الثلاث بلفظة واحدة " والثانية ": إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مكررات في مجلس واحد. " والثالثة ": إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا على عوض، هل يجوز أن يراجعها بملاك جديد، أم لا؟ ف

الإسلام > فتاوى > نكاح > مشتمل على ثلاث مسائل من مسائل الطلاق:" الأولى ": إذا طلق الرجل امرأت…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «مشتمل على ثلاث مسائل من مسائل الطلاق:" الأولى ": إ…»

عن المسألة الأولى أن نقول: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء من السلف والخلف،
قديما وحديثا،
وفيها قولان مشهوران للعلماء:

"القول الأول": قول أكثر العلماء من أهل الحديث والفقهاء وغيرهم من المالكية،
والشافعية،
والحنابلة،
والحنفية من المتأخرين والمتقدمين: أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بكلمة واحدة؛
بانت منه -صارت لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره-،
واستدلوا على ذلك بدلائل: منها قوله -تعالى-:

{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}

١ قالوا: وهذا لا يكون إلا في المبتوتة؛
لأن غير

المبتوتة ممن له عليها الرجعة ينفق عليهن حوامل،
أو غير حوامل.

فعلم بهذا أن قوله:

{لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}

١ راجع إلى بعض ما انتظمه الكلام،
وهي التي لم تبلغ بطلاقها ثلاثا،
كما أن قوله:

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}

٢ قد عم المطلقات ذوات القروء،
وقوله في نسق الآية:

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}

٣ راجع إلى من لم يبلغ بطلاقها.

وفي ذلك إباحة إيقاع ما شاء المطلق من الطلاق.
وظاهر حديث ابن عمر يشهد بهذا؛
لأنه قال: "ثم إن شاء طلق،
وإن شاء أمسك" ٤ فلم يخص طلاقا من طلاق،
ولا عدة من عدة في الطلاق،
قالوا: فله أن يطلق كم شاء،
إذا كان مدخولا بها،
وإن كانت غير مدخول بها طلقها كم شاء،
ومتى شاء طاهرا أو حائضا؛
لأنه لا عدة عليها،
ومما احتجوا به أيضا: أن العجلاني طلق امرأته بعد اللعان ثلاثا،
فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن رفاعة بن شموال طلق امرأته ثلاثا،
فلم ينكره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ركانة طلق امرأته ألبتة،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أردت بها" ٥ فدل على أنه لو أراد ثلاثا لكانت ثلاثا،
ولم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ثلاثا.
ذكره الشعبي عن فاطمة،
وشعبة،
وسفيان،
ثم أبي بكر،
وكذلك قال أكثر أصحاب ابن شهاب في حديث فاطمة: طلقها ثلاثا.

قالوا: ومن جهة النظر أن من كان له أن يوقع واحدة كان له أن يوقع ثلاثا،
وليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.
قد أباحه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فعند هؤلاء أن من طلق امرأته ثلاثا مجتمعات في طهر لم يصبها فيه فقد طلقها طلاقا مباحا،
ومنهم من يقول: إنه قد طلقها للسنة.

"والقول الثاني" : قول مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في المشهور عنه: أن طلاق السنة أن يطلقها طلقة في طهر،
لم يمسها فيه،
ولو كان في آخر ساعة منه،
ثم يمهلها حتى تنقضي عدتها،
وذلك بطهر أول الحيضة الثالثة في الحرة،
أو أول الحيضة

الثانية في الأمة،
فيتم للحرة ثلاثة أقراء،
وللأمة قرآن،
القرء: الطهر المتصل بالدم عندهم،
فإن طلقها في طهر تطليقة،
أو طلقها ثلاثا مجتمعات في طهر لم يمسها فيه فقد لزمه،
وليس بمطلق للسنة عند مالك،
وجمهور أصحابه،
وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد،
وهذا هو المشهور عن أحمد وأصحابه.

وأجابوا عما احتج به أهل القول الأول فقالوا: أما حديث العجلاني فلا حجة فيه؛
لأنه طلق في غير موضع طلاق،
فاستغنى عن الإنكار عليه.

وأما حديث رفاعة بن شموال فقالوا: يحتمل أن يكون طلقها ثلاثا مفترقات في أوقات.

وأما حديث فاطمة بنت قيس،
فقد قال فيه أبو سلمة: " بعث إلي زوجي بتطليقتي الثالثة" ،
وأما حديث ركانة فقد تكلموا فيه وضعفوه،
فلا حجة فيه.

واحتج هؤلاء بقوله -تعالى-:

{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}

١ ثم قال:

{إِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ}

٢ومرتان لا تكون إلا في وقتين،
والثلاث في ثلاث أوقات،
كما في قوله -عليه السلام-: "من سبح الله مائة مرة" أي مرة بعد مرة،
ليس المراد أن يقولها مرة واحدة،
وكذلك من قال: قرأت سورة كذا مرتين،
المراد مرة بعد مرة.

ومن حجتهم أيضا قول الله -تعالى-:

{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}

٣إلى قوله:

{لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً}

٤ فأي أمر يحدث بعد الثلاث،
والأمر إنما أريد به المراجعة،
فبطل أن يكون وقوع الثلاث للسنة.

ومن حجتهم أيضا: ما روى النسائي عن محمود بن لبيد: "أن رجلا طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا،
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقام مغضبا،
فقال: " أيلعب بكتاب الله،
وأنا بين أظهركم؟
" قال العسقلاني: رجاله ثقات.

وبما روى سعيد بن منصور عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمر كان إذا أُتي برجل طلق امرأته ثلاثا،
أوجع ظهره،
قال العسقلاني: وسنده صحيح،
وبما روى عبد الرزاق وغيره أن ابن عمر قال لمن طلق امرأته ثلاثا مجموعة: عصيت ربك،
وبانت منك امرأتك.
وبما روى

أبو داود بسند صحيح عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس،
فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا،
فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه،
فقال: "ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة،
ثم يقول: يا ابن عباس،
يا ابن عباس،
إن الله قال:

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً}

١وإنك لم تتق الله،
فلا أجد لك مخرجا،
عصيت ربك،
وبانت منك امرأتك" ،
قالوا: ففي هذا دليل على أن من طلق امرأته ثلاثا مجتمعات فقد عصى ربه وفعل ما هو محرم،
ومن فعل مباحا لا يقال: عصى ربه.

وقال هؤلاء: يصير مطلقا امرأته ثلاثا،
فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره،
وإن كان فعله هذا محرما عليه.

ومن القائلين بالتحريم للزوم من قال: إذا طلق ثلاثا مجموعة وقعت واحدة،
وهو قول محمد بن إسحاق -صاحب المغازي-،
ونقله ابن المنذر عن جماعة من التابعين؛
كعمرو بن دينار،
وطاووس،
وغيرهما.

ومن أقوى ما احتجوا به ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر،
وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة،
فقال عمر بن الخطاب: إن الناس استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة،
فلو أمضيناه عليهم،
فأمضاه عليهم" ٢.

قال أبو عمر بن عبد البر في حديث ابن عباس هذا: لم يتابع عليه طاوس،
وأن سائر أصحاب ابن عباس يروي عنه خلاف ذلك،
وما كان ابن عباس يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخالفه إلى رأي نفسه،
بل المعروف عنه أنه كان يقول: أنا أقول لكم: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تقولون: أبو بكر وعمر؟
قاله في فسخ الحج وغيره.
قال جمهور العلماء: إن حديث طاوس في قصة أبي الصهباء لا يصح معناه.

وممن روينا عنه أن الثلاث تحرم التي لم يدخل بها زوجها،
حتى تنكح زوجا غيره كالدخول سواء: علي بن أبي طالب،
وابن مسعود،
وابن عباس،
وابن عمر،

وعبد الله بن عمرو بن العاص،
وأبو سعيد الخدري،
وجابر بن عبد الله،
وعبد الله بن المغفل،
وأبو هريرة،
وعائشة،
وأنس،
وهو قول جماعة من التابعين،
وبه قال جماعة فقهاء الأمصار،
وابن أبي ليلى،
وابن شبرمة،
وسفيان الثوري،
ومالك،
وأبو حنيفة،
والشافعي وأصحابه،
وأحمد،
وإسحاق،
وأبو ثور،
وأبو عبيد الطبري.
انتهى.

إذا عرفت مذهب أهل العلم في المسألة،
فالقول المفتى به عندنا ما ذكره ابن عبد البر،
وغيره عن جماعة العلماء: أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة،
سواء كان مدخولا بها،
أو غير مدخول بها،
صغيرة أو كبيرة،
أنها تحرم عليه،
حتى تنكح زوجا غيره.

تعدد لفظ الطلاق وتكراره ثلاثا

"وأما المسألة الثانية" : إذا قال لامرأته أنت طالق،
أنت طالق،
أنت طالق ثلاث كلمات مكررات،
فالصحيح من مذهب أحمد: أن ذلك يرجع إلى نيته؛
فإن أراد التأكيد بطلقة واحدة،
ولم يرد أنها ثلاث طلقات فهي تصير واحدة،
يجوز له رجعتها،
ما دامت في العدة،
فإن خرجت من العدة لم يجز له مراجعتها إلا بملاك جديد،
وإن أريد بقوله: أنت طالق،
أنت طالق،
أنت طالق ثلاث تطليقات لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره،
وهذا هو المفتى به عندنا؛
لأنا لا نعلم شيئا يخالفه من الكتاب والسنة.

الخلاف في كون الخلع طلاقا وعده من الثلاث

وأما المسألة الثالثة: إذا طلق الرجل زوجته ثلاثا على عوض،
هل يجوز أن يتراجعا بملاك جديد،
أم لا؟.

فهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل: فإن كانت المرأة أعطت زوجها عوضا على طلاقها إذا كرهته،
وخافت أن لا تقيم ما أوجب الله عليها من القيام بحقوق الزوج من المعاشرة بالمعروف،
وتمكنه من الاستمتاع منها،
وخدمته كما ينبغي من مثلها لمثله،
فلا بأس بذلك،
ولا على الزوج حرج في أخذ العوض منها،
إذا كان الحال كما وصفنا-،
ويسمى هذا: الخلع الصحيح،
كما قال تعالى-: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا

آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ١.

وقد اختلف العلماء هل يكون هذا الخلع طلاقا يعد من الطلقات الثلاث،
أم لا يكون طلاقا،
ولو خالعها أكثر من ثلاث؟
فمذهب ابن عباس رضي الله عنهكما روى ابن عيينة،
عن عمرو بن دينار،
عن طاوس،
عن ابن عباس رضي الله عنهأن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله عن رجل طلق امرأته تطليقتين،
ثم اختلعت منه،
أيتزوجها؟
قال: نعم،
ليس الخلع بطلاق،
ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها،
والخلع فيما بين ذلك،
فليس الخلع بشيء،
ثم قرأ:

{الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}

٢ وقرأ:

{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ}

٣ وبهذا قال أحمد بن حنبل وجمهور أصحابه،
وإسحاق،
وأبو ثور،
وداود،
واختار هذا القول طوائف من العلماء منهم الشيخ تقي الدين بن تيمية،
وهو اختيار شيخنا -رحمه الله-.

وقال أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم: هو طلاق يعد من الطلقات الثلاث،
وهو طلاق بائن لا رجعة فيه للزوج إلا برضى الزوجة،
فعلى هذا القول: لو خالعها ثلاث مرات،
أو طلقها طلقتين وخالعها مرة،
حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره،
سواء تلفظ بلفظ الطلاق،
أو غيره.

واختلف العلماء هل يلحق المختلعة طلاق ما دامت في العدة؟
فقال مالك: إن طلقها بعد الخلع من غير سكوت طلقت،
وإن كان بينهما سكوت لم تطلق،
وقال الشافعي: لا يلحقها طلاق،
وإن كانت في العدة،
وهو قول ابن عباس،
وابن الزبير،
وبه قال أحمد،
وإسحاق،
وأبو ثور.
وهذا هو المفتى به عندنا،
وهو أظهر الأقوال،
وعكسه قول أبي حنيفة،
وكثير من التابعين.

واختلف -أيضا - في قدر عدتها؛
فقال أكثر العلماء: عدة المطلقة،
وقال عثمان،
وابن عباس -رضي الله عنهم-: عدتها حيضة واحدة.
وبه قال عكرمة،
وابن عباس،

وإسحاق بن راهويه،
وحجتهم: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جعل عدة جميلة بنت أبي سلول حيضة،
حين اختلعت من زوجها ثابت بن قيس بن شماس،
وأصل القصة ثابت في الصحيحين.

فالذين قالوا: إن الخلع الصحيح المجتمع فيه الشروط التي ذكرها الله ليس من الطلاق،
يقولون: إنه إذا خالعها،
ولم يذكر الطلاق لفظا ولا نواه بقلبه فإنه لا يقع به شيء من الطلاق.

قال العسقلاني،
واستدل لمن قال: إنه فسخ بما وقع في بعض طرق حديث امرأة ثابت بن قيس عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الربيع بنت معوذ: أن عثمان أمرها أن تعتد بحيضة.
قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس.
قال الخطابي: في هذا أقوى دليل لمن قال: إن الخلع فسخ،
وليس بطلاق،
إذ لو كان طلاقا لم تعتد بحيضة.
انتهى.

وأما إذا تلفظ بالطلاق عند الخلع،
أو نواه بقلبه،
فالذي عليه الجمهور من التابعين،
وفقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام أنه يقع طلاقا بائنا،
لا يجوز له الرجعة إلا بعد عقد جديد،
ورضاء الزوجة،
إلا أن تقول: أنت طالق ثلاثا،
فلا يجوز له مراجعتها إلا بعد زوج جديد كالمطلقة ثلاثا بغير عوض.

وقيل: إنه فسخ سواء تلفظ بالطلاق أو نواه،
أو لم يكن،
وهو قول ابن عباس؛
فإنه صح عنه أنه قال: ما أجازه المال فليس بطلاق،
وصح عنه أنه قال: الخلع يفرق وليس بطلاق.
وصح عن ابن الزبير،
وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين،
واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية،
وعليه دل كلام أحمد،
وقدماء أصحابه،
قال صاحب الفروع: ومراده ما قال عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت أبي كان يذهب إلى قول ابن عباس.

وأما إذا كان حال الزوجين مستقيمة،
ولم يوجد ما ذكر الله من الخوف ألا

يقيما حدود الله،
ثم خالعها زوجها مع ذلك على ما بذلته له الزوجة أو غيرها،
فالذي عليه جمهور العلماء: أنه يكره،
ويصح الخلع،
وعن أحمد -رحمه الله-: أن ذلك لا يجوز،
ولا يصح.

وأما إن عضلها وأساء عشرتها لتفتدي منه،
ففعلت فالخلع باطل،
والعوض مردود،
والزوجية بحالها إلا أن يذكر الطلاق فيقع رجعيا،
وقيل: يقع طلاقا بائنا،
إن قيل: إن الخلع يصح بلا عوض.

قال العسقلاني في شرح البخاري: أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد ابن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها،
ليدع لها شيئا،
وقال: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق،
وبأكثر لقوله -تعالى-:

{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}

١ ولحديث حبيبة بنت سهل.
فإذا كان الخلع من قِبلها حل للزوج ما أخذ منها برضاها،
وإن كان من قِبله لم يحل،
ويرد عليها إن أخذ،
وتمضي الفرقة.
انتهى.

"قلت" : وهذا القول كان يفتي به شيخنا رحمه الله تعالى لكثرة الظلم للنساء في هذا الزمان؛
لأن كثيرا من الذين لا يخافون الله إذا أراد أن يطلق امرأته بعد أن تستقيم حالها مدة عضلها وأضر بها،
ومنهم من يضربها،
فإذا فعل ذلك اشترت نفسها بمال تبذله له على طلاقها فيطلقها،
فكان شيخنا -رحمه الله- يفتي إذا كان الأمر ما وصفناه أن العوض الذي بذلت له المرأة على الطلاق مردود،
وتَبِين منه المرأة،
فلا يمكن من مراجعتها إلا برضاها.

طلق امرأته بحضرة شاهد عدل وأنكر الزوج

وأما المسألة الثانية من المسائل المسئول عنها: فيمن طلق امرأته،
بحضرة شاهد عدل،
وأنكر الزوج.

فالذي عليه أكثر العلماء،
وعليه الفتوى،
أنه لا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان.

طلق امرأته وأحضر شاهدا عدلا وقال العاقد: لا بد من شاهدين عدلين

"وأما المسألة الثالثة" : فيمن طلق امرأته وأحضر شاهدا عدلا،
وقال العاقد: لا بد

من شاهدين عدلين،
هل يزوج العاقدين أو يمنعهما؟
فإن كان مراد السائل -رحمه الله- أن المرأة المطلقة من زوجها،
أو وكيلها أحضرت شاهدا على طلاقها من زوجها،
وطلبت من العاقد أن يعقد نكاحها على زوجها الثاني بشهادة شاهد واحد على طلاقها من زوجها الأول.

فجواب هذه المسألة يؤخذ من جواب التي قبلها؛
لأن الذي عليه عامة العلماء من المالكية والشافعية والحنبلية: أن الطلاق لا يثبت إلا بشاهدين عدلين،
وإن كان له مراد غير ذلك،
فلم نفهمه من سؤاله.

شهادة النساء في الطلاق

"وأما الرابعة" : هل تقبل شهادة النساء في الطلاق

فالذي عليه أكثر العلماء،
وعليه الفتوى،
أن شهادة النساء لا تقبل في ذلك،
ولا تقبل منفردات إلا فيما لا يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال: كالرضاع،
وكعيوب المرأة التي تحت الثياب،
والثيوبة،
والبكارة،
والاستهلال،
وما جرى هذا المجرى.

له دين على مليء أو مفلس وأراد صاحب الدَّين أن يسلم على المدين

"وأما المسألة الخامسة" : فيمن له دَين على مليء أو مفلس،
وأراد صاحب الدَّين أن يسلم على المدين،
ويقضيه إياه،
هل يجوز أم لا؟
فإذا كان المدين مفلسا فلا يجوز ذلك؛
لأن ذلك يكون حيلة على الربا،
والحيل لا تجوز في الدين.

وأما إذا كان المدين مليئا،
وكل من أراد أن يكتب عليه في ذمته ويسلم فعل،
سواء كان رب الدَّين أو غيره،
وكل يشتهيه؛
لأجل ملاءته،
فلا أعلم في ذلك بأسا عند أكثر العلماء.

واشتراط بعض المالكية: دفع رأس مال السلم،
ويذهب به عن مجلس العقد إلى السوق،
أو إلى بيته،
ثم إن بدا له بعد ذلك أن يوفيه أوفاه.

التسمية بعبد المطلب

"وأما المسألة السادسة" : ما معنى قوله في كتاب التوحيد: "اتفقوا على تحريم كل مُعبَّد لغير الله ١ حاشا عبد المطلب" ما الحكمة في هذا الاستثناء؟.

فسبب الاستثناء: أن بعض العلماء أجاز التسمية بعبد المطلب على ظاهر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة حنين،
لما انهزم عنه أصحابه إلا قليل "أنا النبي لا كذب،
أنا ابن عبد المطلب" ١ ولِما حكى ابن حزم الإجماع على تحريم كل اسم معبد لغير الله،
استثنى التسمية بعبد المطلب من ذكر الإجماع،
لأجل ما تقدم عن بعض العلماء.

بيع الصفر بالصفر والرصاص بالرصاص والنحاس بالنحاس

"وأما المسألة السابعة" : هل الصفر والنحاس والرصاص تدخل في المنصوص عليه في قوله "الذهب بالذهب" ٢ إلخ،
الحديث؟.

فهذه مسألة اختلف فيها كثير من العلماء،
يقولون: إن العلة في الذهب والفضة كونهما موزونين من جنس واحد،
فيطّردون العلة في كل موزون من جنس واحد،
فلا يجوز بيع الصفر بالصفر،
أو الرصاص بالرصاص،
أو النحاس بالنحاس،
أو الحديد بالحديد،
وكذلك الأصناف الأربعة: البر،
والشعير،
والتمر،
والملح،
المنصوص عليها في حديث عبادة المُخرَّج في صحيح مسلم "الذهب والفضة" يقولون: العلة في البر،
والشعير،
والتمر،
والملح: الطعم والكيل،
فيطردون ذلك في كل مطعوم ومكيل.

وأما المطعوم الذي لا يكال ولا يوزن كالمعدودات،
كالبطيخ والرمان،
وكالبعير والفرس،
وما جرى هذا المجرى فيجوز التفاضل في ذلك إذا كان يدا بيد،
ولا يجوز بيع ذلك بعضه ببعض نسيئة،
هذا الذي عليه قول أكثر العلماء،
وعليه الفتوى عندنا.

واستدلوا على ذلك بما روى الإمام أحمد في المسند: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تبيعوا الدينار بالدينارين،
ولا الدرهم بالدرهمين،
ولا الصاع بالصاعين،
فإني أخاف عليكم الرماء" ٣ وهو الربا،
فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله،
الرجل يبيع الفرس بالأفراس،
والنجيبة بالإبل؟
فقال: "لا بأس إذا كان يدا بيد" ٤.

زكاة الطعام

"وأما المسألة الثامنة" : إذا حال عند رجل تمر،
أو عيش يزكي زكاة الحرث،
فإن كان أراده للتجارة فهو يزكيه زكاة التجارة،
بحسب قيمته وقت حلول زكاة التجارة،
وإن كان أراده للأكل له أو لبهائمه فليس عليه زكاة،
ولو أقام عنده سنين،
وإن نقص عن قيمة النصاب،
ولم يكن عنده ما يضيفه إليه من الذهب والفضة،
أو العروض فلا زكاة فيه،
هذا هو الذي عليه الفتوى،
والعمل عندنا.

أركان الصلاة

"وأما التاسعة" : ما أركان الصلاة؟.

فاعلم أن أركان الصلاة المعمول بها عندنا ثلاثة عشر:

"الأول" : القيام مع القدرة بإجماع أهل العلم،
واستدلوا على ذلك بقوله -تعالى-:

{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}

١.

" الثاني" : تكبيرة الإحرام،
واستدلوا عليه بقوله -عليه السلام-: "تحريمها التكبير" وبقوله في حديث المسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكبّر" ٢.

"الثالث" : قراءة الفاتحة لمن يقدر على تعلمها ٣ لقوله عليه السلام "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ٤ وأما العاجز عن تعلمها فيقرأ ما تيسر معه من القرآن،
أو يذكر بالتهليل،
والتكبير،
والتحميد.

"الرابع" : الركوع حتى يطمئن راكعا،
لحديث المسيء في صلاته وفيه: "اركع حتى تطمئن راكعا" ١.

"الخامس" : الاعتدال من الركوع حتى يطمئن قائما ويقيم صلبه،
لقوله عليه السلام في حديث المسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائما" ٢.

"السادس" : السجود حتى يطمئن ساجدا،
لقوله في حديث المسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا" ٣ "السابع" : الاعتدال من السجود حتى يطمئن جالسا.

"الثامن" : السجدة حتى يطمئن ساجدا.

"التاسع" : قراءة التشهد الأخير إلى قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" لما جاء في حديث ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد.

"العاشر" : الجلوس له حتى يفرغ.

"الحادي عشر" : الترتيب على ما ذكر الله ورسوله.

"الثاني عشر" : الطمأنينة في جميع أحوال الصلاة.

"الثالث عشر" : التسليم لقوله -عليه السلام- "وتحليلها التسليم" ٤.

واعلم أن أكثر هذه الأركان قد تضمنها حديث المسيء في صلاته،
وهو ما ثبت في الصحيحين والسنن عن أبي هريرة رضي الله عنه"أن رجلا دخل المسجد،
ثم صلى،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس،
ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل،
فرجع الرجل فصلى كما كان صلى،
ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام،
ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل،
فعل ثلاثاً،
ثم قال في الثالثة: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني،
فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبّر،
ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن،
ثم اركع حتى تطمئن راكعا،
ثم ارفع حتى تعتدل قائما،
ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا،
ثم اجلس حتى تطمئن جالسا،
ثم افعل ذلك في

صلاتك كلها " ١.

قال العلماء: فدل على أن الطمأنينة في هذا الحديث لا تسقط بحال،
فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي الجاهل.

النية في الاستجمار

"وأما المسألة العاشرة ": فيمن صلى،
ولم يستنج وهو مستجمر،
وغسل أطرافه،
لكنه لم ينو بالاستجمار عن الصلاة.

📖
مصدر الفتوى مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الرابع، القسم الثاني)
ص 778

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«مشتمل على ثلاث مسائل من مسائل الطلاق:" الأولى ": إ…»

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
هلال متزايد اليوم 7.1 / 29.5
الإضاءة 47%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله