تفسير الألوسي سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الفرقان

تفسيرُ سورةِ الفرقان كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 389 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفرقان كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

سُورَةُ الفُرْقانِ أطْلَقَ الجُمْهُورُ القَوْلَ بِمَكِّيَّتِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةَ هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا أوَّلَها إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولا نُشُورًا  ﴾ فَهو مَكِّيٌّ، وعَدَدُ آياتِها سَبْعٌ وسَبْعُونَ آيَةً بِلا خِلافٍ كَما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ والدّانِيُّ في كِتابِ العَدَدِ، ولَمّا ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في آخِرِ السُّورَةِ السّابِقَةِ وُجُوبَ مُتابَعَةِ المُؤْمِنِينَ لِلرَّسُولِ  ومَدَحَ المُتابِعِينَ وحَذَّرَ المُخالِفِينَ افْتَتَحَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يَدُلُّ عَلى تَعالِيهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ أوْ عَلى كَثْرَةِ خَيْرِهِ تَعالى ودَوامِهِ وأنَّهُ أنْزَلَ الفَرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا إطْماعًا في خَيْرِهِ وتَحْذِيرًا مِن عِقابِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وفي هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا مِن تَأْكِيدِ ما في السّابِقَةِ مِن مَدْحِ الرَّسُولِ  ما فِيها فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ أيْ تَعالى جَلَّ شَأْنُهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأبْلَغِهِ كَما يَشْعُرُ بِهِ إسْنادُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ إلَيْهِ وهَذا الفِعْلُ لا يُسْنَدُ في الأغْلَبِ إلى غَيْرِهِ تَعالى ومِثْلُهُ- تَعالى- ولا يَتَصَرَّفُ فَلا يَجِيءُ مِنهُ مُضارِعٌ ولا أمْرٌ ولا في الأغْلَبِ أيْضًا وإلّا فَقَدَ قَرَأ أُبَيٌّ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلِها، وجاءَ كَما في الكَشْفِ تَبارَكَتِ النَّخْلَةُ أيْ تَعالَتْ، وحَكى الأصْمَعِيُّ أنَّ أعْرابِيًّا صَعِدَ رابِيَةً فَقالَ لِأصْحابِهِ: تَبارَكَتْ عَلَيْكُمْ، وقالَ الشّاعِرُ: إلى الجِذْعِ جِذْعِ النَّخْلَةِ المُتَبارِكِ وقالَ الخَلِيلُ: مَعْنى تَبارَكَ تَمَجَّدَ، وقالَ الضَّحّاكُ: تَعَظَّمَ وهو قَرِيبٌ مِن قَرِيبٍ، وعَنِ الحُسْنِ والنَّخْعِيِّ أنَّ المَعْنى تَزايَدَ خَيْرُهُ وعَطاؤُهُ وتَكاثَرَ وهي إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ثانِيَتَهُما أنَّ المَعْنى لَمْ يَزَلْ، ولا يَزالُ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ تَبارَكَ مِنَ البَرَكَةِ وهي في الأصْلِ مَأْخُوذَةٌ مِن بَرَكَ البَعِيرُ وهو صَدْرُهُ ومِنهُ بَرَكَ البَعِيرُ إذا ألْقى بَرْكَهُ عَلى الأرْضِ واعْتَبَرَ فِيهِ مَعْنى اللُّزُومَ فَقِيلَ بَراكاءِ الحَرْبِ وبَرَكاؤُها لِلْمَكانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الأبْطالُ وسُمِّيَ مَحْبَسُ الماءِ بَرَكَةً كَسِدْرَةٍ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ثُبُوتِ الخَيْرِ الإلَهِيِّ في الشَّيْءِ ثُبُوتِ الماءِ في البَرَكَةِ، وقِيلَ: لِما فِيهِ ذَلِكَ الخَيْرُ مُبارَكٌ ولَمّا كانَ الخَيْرُ الإلَهِيُّ يَصْدُرُ مِن حَيْثُ لا يُحِسُّ وعَلى وجْهٍ لا يُحْصى ولا يُحْصَرُ قِيلَ لِكُلِّ ما يُشاهِدُهُ فِيهِ زِيادَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ هو مُبارَكٌ وفِيهِ بَرَكَةٌ فَمَنِ اعْتَبَرَ مَعْنى اللُّزُومَ كابْنِ عَبّاسٍ بِناءً عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ عَنْهُ قالَ: المَعْنى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ومَنِ اعْتَبَرَ مَعْنى التَّزايُدِ انْقَسَمَ إلى طائِفَتَيْنِ فَطائِفَةٌ جَعَلُوهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الذّاتِ في نَفْسِها ونُقْصانِ ما سِواها فَفَسَّرُوا ذَلِكَ بِالتَّعالِي ونَحْوِهِ وطائِفَةٍ جَعَلُوهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الفِعْلِ فَفَسَّرُوهُ بِتَزايُدِ الخَيْرِ وتَكاثُرِهِ ولا اعْتِبارٍ لِلتَّغَيُّرِ المَبْنِيِّ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى اللُّزُومِ لِقِلَّةِ فائِدَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وعَدَمُ مُناسِبَةِ ذَلِكَ المَعْنى لِما بَعْدُ، ومِن هُنا رَدَّدَ الجُمْهُورُ المَعْنى بَيْنَ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومَن مَعَهُ وتَرْتِيبُ وصْفِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تَبارَكَ ﴾ بِالمَعْنى الأوَّلِ عَلى إنْزالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ الفَرْقانِ لَمّا أنَّهُ ناطِقٌ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وسُمُوِّ صِفاتِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى أساسِ الحُكْمِ والمَصالِحِ وخُلُوِّها عَنْ شائِبَةِ الخَلَلِ بِالكُلِّيَّةِ وتَرْتِيبِ ذَلِكَ بِالمَعْنى الثّانِي عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأنَّهُ هِدايَةٌ ورَحْمَةٌ لِلْعالِمِينَ، وفِيهِ ما يَنْتَظِمُ بِهِ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ ورَجَّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِهِ لِمَكانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ في اخْتِصاصِ النَّذِيرِ دُونَ البَشِيرِ سُلُوكُ طَرِيقَةِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ والإيذانِ بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ المُعانِدِينَ المُتَّخِذِينَ لِلَّهِ تَعالى ولَدًا وشَرِيكًا الطّاعِنِينَ فى ( كُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمُ الآخِرِ ) [النِّساءُ: 136]، وهَذا المَعْنى يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ تَبارَكَ بِتَزايُدٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وتَعالى عَنْهُ في صِفاتِهِ وأفْعالِهِ جَلَّ وعَلا لِإفادَتِهِ صِفَةَ الجَلالِ والهَيْبَةِ وإيذانِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، و(الفُرْقانَ ) مَصْدَرُ فَرَّقَ الشَّيْءَ وعَنْهُ إذا فَصَلَهُ، ويُقالُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ فَرَقَّتْ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذا فَصَلَتْ بَيْنَهُما سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِفَصْلٍ يُدْرِكُهُ البَصَرُ أوْ بِفَصْلٍ تُدْرِكُهُ البَصِيرَةُ، والتَّفْرِيقُ بِمَعْناهُ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ دُونَهُ، وقِيلَ إنَّ الفَرْقَ في المَعانِي والتَّفْرِيقُ في الأجْسامِ والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ لِفَصْلِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِما فِيهِ مِنَ البَيانِ أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ لِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ أوْ لِكَوْنِهِ مَفْصُولًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ في نَفْسِهِ أوْ في الإنْزالِ حَيْثُ لَمْ يَنْزِلُ دُفْعَةً كَسائِرِ الكُتُبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَقُولُهُ الصُّوفِيَّةُ في ذَلِكَ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أوْ بِمَعْنى المَفْعُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ هي إقْبالٌ وإدْبارٌ فَلا تَغْفُلْ.

والمُرادُ بِعَبْدِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَشْرِيفِهِ والإيذانِ بِكَوْنِهِ صَلَواتِ اللَّهِ تَعالى وسَلامِهِ عَلَيْهِ في أقْصى مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا عَبْدًا لِلْمُرْسَلِ رَدًّا عَلى النَّصارى، وقِيلَ: المُرادُ بِالفُرْقانِ جَمِيعُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِأنَّها كُلُّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وبِعَبْدِهِ الجِنْسِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ مَن نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «عَلى عِبادِهِ»، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ، والمُرادُ بِالعِبادِ في قِراءَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمَتُّهُ، والإنْزالُ كَما يُضافُ إلى الرَّسُولِ  يُضافُ إلى أُمَّتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ  ﴾ لِأنَّهُ واصِلٌ إلَيْهِمْ ونُزُولَهُ لِأجْلِهِمْ فَكَأنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِمْ وإنْ كانَ إنْزالُهُ حَقِيقَةً عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ المُرادُ بِالجَمْعِ هو  وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ تَعْظِيمًا، وضَمِيرُ يَكُونُ عائِدٌ عَلى عَبْدِهِ، وقِيلَ عَلى ﴿ الفُرْقانَ ﴾ وإسْنادُ الإنْذارِ إلَيْهِ مَجازٌ، وقِيلَ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْهُ تَعالى، ورَجَّحَ بِأنَّهُ العُمْدَةُ المُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلَ والإنْذارَ مِن صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ  ﴾ وقِيلَ عَلى التَّنْزِيلِ المَفْهُومِ مِن ( نَزَّلَ ) والمُتَبادِرِ إلى الفَهْمِ هو الأوَّلُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما بَعْدُ، والنَّذِيرُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى مُنْذِرٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى إنْذارٍ كالنَّكِيرِ بِمَعْنى إنْكارِ وحُكْمُ الأخْبارِ بِالمَصْدَرِ شَهِيرٌ، والإنْذارُ إخْبارٌ فِيهِ تَخْوِيفٌ ويُقابِلُهُ التَّبْشِيرُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِما مَرَّ آنِفًا، والمُرادُ بِالعالَمِينَ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ العالَمِينَ الإنْسِ والجِنِّ مِمَّنْ عاصَرَهُ  إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِلْعالَمِينَ لِلْجِنِّ والإنْسِ وإرْسالِهِ  إلَيْهِمْ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وكَذا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما رَجَّحَهُ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ كالسُّبْكِيِّ ومَن تَبِعَهُ ورَدَّ عَلى مَن خالَفَ ذَلِكَ، وادَّعى بَعْضُهم دَلالَةَ الآيَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ العالِمَ ما سِوى اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ العَلِيِّ فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وصِيغَةُ جَمِيعِ العُقَلاءِ لِلتَّغْلِيبِ أوْ جَمْعٍ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالعُقَلاءِ.

ومِن قالَ كالبارِزِيِّ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أرْسَلَ حَتّى إلى الجَماداتِ بَعْدَ جَعْلِها مُدْرِكَةً لِظاهِرِ خَبَرٍ مُسْلِمٌ «وأُرْسِلَتْ إلى الخَلْقِ كافَّةً» لَمْ يُخَصَّصْ، واكْتَفى بِالتَّغْلِيبِ وفائِدَةُ الإرْسالِ لِلْمَعْصُومِ وغَيْرِ المُكَلِّفِ طَلَبَ إذْعانِهِما لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ودُخُولِهِما تَحْتَ دَعْوَتِهِ واتِّباعِهِ تَشْرِيفًا عَلى سائِرِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلتَّشْوِيقِ ومُراعاةِ الفَواصِلِ ولِلْحَصْرِ أيْضًا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في العالَمِينَ، وإبْرازُ تَنْزِيلِ الفَرْقانِ في مَعْرِضِ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُولِ عِنْدَ السّامِعِ مَعَ إنْكارِ الكَفَرَةِ لَهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى المَعْلُومِ المُسْلِمِ تَنْبِيهًا عَلى قُوَّةِ دَلائِلِهِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْهَلُهُ أحَدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ مِنَ الصِّلاتِ الَّتِي يُنْكِرُها الكَفَرَةُ: وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ لِما ذُكِرَ إذْ يَكْفِي في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ المُخاطَبِ بِها ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِكُلِّ سامِعٍ، والمُخاطِبُ بِها هُنا هو رَسُولًا لِلَّهِ  وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عالِمٌ بِثُبُوتِها لِلْمَوْصُولِ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ فِيها، أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وإنَّ تَعْرِيفَ المَوْصُولِ كَتَعْرِيفِ ألْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ والجِنْسِ وأنَّهُ قَدْ تَكُونُ صِلَتُهُ مُبْهَمَةً لِلتَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ: فَإنْ أسْتَطِعْ أغْلَبَ وأنْ يَغْلِبَ الهَوى ∗∗∗ فَمِثْلُ الَّذِي لاقَيْتُ يَغْلِبُ صاحِبَهُ وما ذَكَرَ أوَّلًا مِن تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ المَعْلُومِ أبْلَغُ لِكَوْنِهِ كِنايَةً عَمّا ذَكَرَ مُناسِبَةً لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرَ النُّبُوَّةَ وتَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًۭا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌۭ فِى ٱلْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ فَقَدَّرَهُۥ تَقْدِيرًۭا ٢

﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا السُّلْطانُ القاهِرُ والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ عَلَيْهِما المُسْتَلْزِمُ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيما إيجادًا وإعْدامًا وإحْياءً وإماتَةً وأمْرًا ونَهْيًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحُكْمِ والمَصالِحِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلِها أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَيانٌ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وما بَيْنَهُما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ لِأنَّهُ مِن تَمامِ الصِّلَةِ ومُتَعَلِّقٌ بِها فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ كَما في البَحْرِ أوْ مَحَلِّهِ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرٍ هو أوْ أمْدَحُ.

واخْتارَ الطِّيبِيُّ أنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلى الإبْدالِ وعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِأنَّ مِن حَقِّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً عِنْدَ المُخاطَبِ وتَكُ الصِّلَةُ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَ المُعانِدِينَ فَأبْدِلْ ( الَّذِي لَهُ ) إلَخْ بَيانًا وتَفْسِيرًا وهو بَعِيدٌ مِن مِثْلِهِ وسُبْحانَهُ مَن لا يُعابُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ﴾ أيْ لَمْ يَنْزِلْ أحَدٌ مَنزِلَةَ الوَلَدِ، وقِيلَ أيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ كَما يَزْعُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ في حَقِّ المَسِيحِ وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَقُولُونَ فَسُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلِها مِنَ الجُمْلَةِ الظَّرْفِيَّةِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ أيْ مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأفْرَدَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ ما ذَكَرَ مِنِ اخْتِصاصِ مَلِكِهِما بِهِ تَعالى مُسْتَلْزِمٌ لَهُ قَطْعًا لِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ زَعْمِ الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ والرَّدِّ في نُحُورِهِمْ وتَسَيُّطِ نَفْيِ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَيْنَهُما لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ وأصالَتِهِ والِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمٍ كَوْنُهُ تَتِمَّةً لِلْأوَّلِ ﴿ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أيْ أحْدَثَهُ إحْداثًا جارِيًا عَلى سُنَنِ التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ إرادَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ كَخِلْقَةِ الإنْسانِ مِن مَوادٍّ مَخْصُوصَةٍ وصُوَرٍ وأشْكالٍ مُعَيَّنَةٍ ﴿ فَقَدَّرَهُ ﴾ أيْ هَيَّأهُ لِما أرادَ بِهِ مِنَ الخَصائِصِ والأفْعالِ اللّائِقَةِ بِهِ واسْتِنْباطِ الصَّنائِعِ المُتَنَوِّعَةِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا تَكْرارَ في الآيَةِ لِما ظَهَرَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ الدّالَّ عَلَيْهِ الخَلْقُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ والمُعَبَّرِ عَنْهُ بِلَفْظِهِ بِمَعْنى التَّهْيِئَةِ وهُما غَيْرانَ والخَلْقُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ مَجازًا بَلْ مَنقُولًا عُرْفِيًّا في مَعْنى الإحْداثِ والإيجادُ غَيْرُ مُلاحَظٍ فِيهِ التَّقْدِيرُ وإنْ لَمْ يَخْلُ عَنْهُ ولِهَذا صَحَّ التَّجَوُّزُ ويَكُونُ التَّصْرِيحُ بِالتَّقْدِيرِ دَلالَةً عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ في إيجادِهِ لَمْ يُوجِدْهُ مُتَفاوِتًا بَلْ أوْجَدَهُ مُتَناصِفًا مُتَناسِبًا، وقِيلَ التَّقْدِيرُ الثّانِي هو التَّقْدِيرُ لِلْبَقاءِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَكَأنَّهُ قِيلَ وأوْجَدَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى سُنَنِ التَّقْدِيرِ فَأدامَهُ إلى الأجَلِ المُسَمّى والقَوْلُ الأوَّلُ مُخْتارُ الزَّجّاجِ وهو كَما في الكَشْفِ أظْهَرُ والفاءُ عَلَيْهِ لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرْتِيبِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ قَلْبًا وهو عَلى ما فِيهِ لا يَدْفَعُ لُزُومَ التَّكْرارِ بِدُونِ أحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ كَما لا يَخْفى، وجُمْلَةُ( خَلَقَ ) إلَخْ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ وفِيها رَدٌّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ خالِقَ الشَّرِّ غَيْرُ خالِقِ الخَيْرِ ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَعْلُومًا مِمّا تَقَدَّمَ لِأنَّها تُفِيدُ فائِدَةً جَدِيدَةً لِما فِيها مِنَ الزِّيادَةِ، وقِيلَ: هي رَدٌّ عَلى ما يَعْتَقِدُ اعْتِقادَ المُعْتَزِلَةِ في أفْعالِ الحَيَواناتِ الِاخْتِيارِيَّةِ.

وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّها جارِيَةٌ مَجْرى العَلِيلِ لِما قَبْلِها مِنَ الجُمَلِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ الصِّلَةِ فَإنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ عَلى النَّمَطِ البَدِيعِ كَما يَقْتَضِي اسْتِقْلالَهُ تَعالى بِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِظامَ كُلِّ ما سِواهُ كائِنًا ما كانَ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ القاهِرِ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ومَن كانَ كَذَلِكَ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ ولَدًا لَهُ سُبْحانَهُ أوْ شَرِيكًا في مُلْكِهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ وأرْدَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ لِما أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ بَدِيعُ السَّمَواتِ والأرْضِ وفاطِرُهُما ومالِكُهُما مُنافٍ لِاِتِّخاذِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ قالَ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ  ﴾ الآيَةُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ قَبْلُ لِيَكُونَ التَّشْنِيعُ عَلى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةًۭ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًۭا وَلَا حَيَوٰةًۭ وَلَا نُشُورًۭا ٣

﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أظْهَرُ، وضَمِيرُ ( اتَّخَذُوا ) لِلْمُشْرِكِينَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ أوْ مِنَ المَقامِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نَذِيرًا ﴾ ، وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ والمُرادُ حِكايَةُ أباطِيلِهِمْ في أمْرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وإظْهارِ بُطْلانِها بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سُبْحانِهِ حَقِيقَةَ الحَقِّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أيِ اتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ آلِهَةً لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى أوْ هم يَخْتَلِقُهم عَبَدَتْهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، ورَجَّحَ المَعْنى الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أشْمَلُ ولا يَخْتَصُّ بِالأصْنامِ بِخِلافِهِ عَلى الثّانِي ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلَيْهِ في ﴿ يَخْلُقُونَ ﴾ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِمُشاكَلَةِ ﴿ يَخْلُقُونَ ﴾ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ مَعَ اسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، ورَجَّحَ المَعْنى الثّانِي بِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ الَّذِينَ أنْذَرَهم نَبِيُّنا  شَفاها عَبَدَةُ الأصْنامِ وأنَّ الأحْكامَ الآتِيَةَ أوْفَقُ بِها، نَعَمْ فِيهِ تَفْسِيرُ الخَلْقِ بِالِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ لِأنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ نِسْبَتُهُ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وكَذا الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضَ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي والمُتَبادِرُ مِنهُ إيجادُ الشَّيْءِ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ كَما هو المُرادُ مِن سابِقِهِ، وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ أيْضًا كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعِيدٌ كَذا قِيلَ: وتَعَقَّبَ أنَّهُ يَجُوزُ أنَّ يُرادَ مِنهُ هَذا المُتَبادِرُ والأصْنامُ بِذَواتِها وصُوَرِها وأشْكالِها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ويَنْشَأُ مِنها مِنَ الآثارِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَهم كَما حَقَّقَ بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَعَيُّنِ هَذِهِ الإرادَةِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لَمْ يَبْعُدْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ خَلْقِهِمْ ووُجُودِهِمْ، والمُرادُ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في ضُرٍّ ما لِيَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا في نَفْعٍ ما حَتّى يَجْلِبُوهُ إلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضُّرِّ أهَمُّ أفْيَدُ أوَّلًا عَجْزِهِمْ عَنْهُ وقِيلَ: ﴿ لأنْفُسِهِمْ ﴾ لِيَدُلَّ عَلى غايَةِ عَجْزِهِمْ لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ لِأنَّ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى.

ومَن خَصَّ الأحْكامَ في الأصْنامِ قالَ: إنَّ هَذا لِبَيانِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن مَراتِبِ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ فَإنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ العاجِزِينَ عَنِ الخَلْقِ رُبَّما يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ وجَلْبَ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ كالحَيَوانِ، وقَدْ يُقالُ: التَّصَرُّفُ في الضُّرِّ والنَّفْعِ بِالدَّفْعِ والجَلْبِ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ  : ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في شَيْءٍ مِنها بِإماتَةِ الأحْياءِ وإحْياءِ المَوْتى في الدُّنْيا وبَعْثِهِمْ في الأُخْرى لِلتَّصْرِيحِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ عَلى التَّفْصِيلِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ لِمُناسَبَةِ الضُّرِّ المُقَدَّمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًۭا وَزُورًۭا ٤

﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ ﴾ القائِلُونَ- كَما أخْرَجَهُ جَمْعٌ عَنْ قَتادَةَ - هم مُشْرِكُو العَرَبِ لا جَمِيعَ الكَفّارِ بِقَرِينَةِ ادِّعاءٍ إعانَةِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ سُمِّيَ مِنهم في بَعْضِ الرِّواياتِ النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غَلّاتُهم كَهَؤُلاءِ ومِن ضامَّهُمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ ما يُؤَيِّدُهُ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّ القائِلَ هو النَّضِرُ والجَمْعُ لِمُشايَعَةِ الباقِينَ لَهُ في ذَلِكَ، ومَن خَصَّ ضَمِيرَ ( اتَّخَذُوا ) بِمُشْرِكِي العَرَبِ وجَعَلَ المَوْصُولَ هُنا عِبارَةً عَنْهم كُلَّهم جَعَلَ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإيذانِ بِأنَّ ما تَفَوَّهُوا بِهِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، وفي كَلِمَةِ ﴿ هَذا ﴾ حَطٌّ لِرُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ أيْ قالُوا ما هَذا إلّا كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ ﴿ افْتَراهُ ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهُ اخْتَرَعَهُ رَسُولًا لِلَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وأعانَهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى افْتِرائِهِ واخْتِراعِهِ اِفْتِرائِهِ أوْ عَلى الإفْكِ ﴿ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ يَعْنُونَ اليَهُودَ بِأنْ يُلْقُوا إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبارَ الأُمَمِ الدّارِجَةِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُعَبِّرُ عَنْها بِعِبارَتِهِ، وقِيلَ: هم عَدّاسٌ، وقِيلَ: عائِشٌ مَوْلى حُوَيْطَبِينَ عَبَدَ العُزّى ويَسارُ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ وكانُوا كِتابِيِّينَ يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ أسْلَمُوا وكانَ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَعَهَّدُهم فَقِيلَ ما قِيلَ، وقالَ المِبْرَدُ: عَنَوْا بِقَوْمٍ آخَرِينَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ آخَرَ لا يَكُونُ إلّا مِن جِنْسِ الأوَّلِ، وفِيهِ أنَّ الِاشْتِراكَ في الوَصْفِ غَيْرُ لازِمٍ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ  ﴾ ﴿ فَقَدْ جاءُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَما هو الظّاهِرُ ﴿ ظُلْمًا ﴾ مَنصُوبٌ بِجاءُوا فَإنْ جاءَ وأتى يُسْتَعْمَلانِ في مَعْنى فِعْلٍ فَيَتَعَدِّيانِ تَعْدِيَتَهُ كَما قالَ الكِسائِيُّ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ الطَّبَرْسِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ طُرْفَةَ: عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ جِئْتُهُ غَيْرَ َأنَّنِي نَشَدْتُ فَلَمْ أغْفُلْ حُمُولَةَ مَعْبَدِ وقالَ الزَّجّاجُ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ فَهو مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا أيْ ظالِمِينَ، والأوَّلُ أوْلى، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ جاؤُوا بِما قالُوا ظُلْمًا هائِلًا عَظِيمًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ حَيْثُ جَعَلُوا الحَقَّ البَحْتَ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ إفْكًا مُفْتَرًى مِن قِبَلِ البَشَرِ وهو مِن جِهَةِ نَظْمِهِ الرّائِقِ وطِرازِهِ الفائِقِ بِحَيْثُ لَوِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى مُباراتِهِ لَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ آيَةٍ مِن آياتِهِ ومِن جِهَةِ اشْتِمالِهِ عَلى الحِكَمِ الخَفِيَّةِ والأحْكامِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلسِّعاداتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ بِحَيْثُ لا تَنالُهُ عُقُولُ البَشَرِ ولا تُحِيطُ بِفَهْمِهِ القُوى والقَدَرِ، وكَذا التَّنْوِينُ في ﴿ وزُورًا ﴾ أيْ وكَذِبًا عَظِيمًا لا يَبْلُغُ غايَتَهُ حَيْثُ قالُوا ما لا احْتِمالَ فِيهِ لِلصِّدْقِ أصْلًا، وسُمِّيَ الكَذِبُ زُورًا لِازْوِرارِهِ أيْ مَيْلِهِ عَنْ جِهَةِ الحَقِّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها لَكِنْ لا عَلى أنَّهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ حَقِيقَةً يَقَعُ أحَدُهُما عُقَيْبَ الآخَرِ أوْ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَلْ عَلى أنَّ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ حَقِيقَةً وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسْبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، وقَدْ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى فَإنَّ ما جاءَهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ هو عَيْنُ ما حُكِيَ عَنْهم لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُغايِرًا لَهُ في المَفْهُومِ وأظْهَرُ مِنهُ بُطْلانًا رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ جاءُوا ﴾ عائِدٌ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، والجُمْلَةُ مِن مَقُولِ الكُفّارِ وأرادُوا أنَّ أُولَئِكَ المُعَيَّنِينَ جاؤُوا ظُلْمًا بِإعانَتِهِمْ وزُورًا بِما أعانُوا بِهِ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوٓا۟ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا ٥

﴿ وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ بَعْدَ ما جَعَلُوا الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ إفْكًا مُخْتَلَقًا بِإعانَةِ البَشَرِ بَيَّنُوا عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ كَيْفِيَّةَ الإعانَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أساطِيرَ وهي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ أوْ هو أوْ هي أساطِيرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اكْتَتَبَها ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ عامِلَ الحالِ إذا كانَ مَعْنَوِيًّا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ كَما في المُغْنِي، وفِيهِ أنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ كَما في شَرْحِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ أساطِيرُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿ اكْتَتَبَها ﴾ الخَبَرُ ومُرادُهم كَتَبَها لِنَفْسِهِ والإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، والمُرادُ أمَرَ بِكِتابَتِها أوْ يُقالُ حَقِيقَةً اكْتُتِبَ أمْرٌ بِالكِتابَةِ فَقَدْ شاعَ افْتُعِلَ بِهَذا المَعْنى كاحْتُجِمَ وافْتُصِدَ إذا أُمِرَ بِالحِجامَةِ والفَصْدِ، وقِيلَ قالُوا ذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ يَكْتُبُ حَقِيقَةً أوْ لِمَحْضِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عِلْمِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ  ، وقِيلَ: مُرادُهم جَمْعُها مِن كَتَبَ الشَّيْءَ جَمَعَهُ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ «اكْتَتَبَها» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ والأصْلُ اكْتَتَبَها لَهُ كاتِبٌ فَحَذَفَ اللّامَ وأفْضى الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ اكْتَتَبَها إيّاهُ كاتِبٌ ثُمَّ حَذَفَ الفاعِلَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِخُصُوصِهِ فَبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ وأسْنَدَ لِلضَّمِيرِ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ مَنصُوبًا بارِزًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ إقامَةِ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ مَقامَ الفاعِلِ مَعَ وُجُودِ الصَّرِيحِ وهو هُنا ضَمِيرُ الأساطِيرِ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى عَدَمِ الجَوازِ وتَعَيَّنَ المَفْعُولُ الصَّرِيحُ لِلْإقامَةِ فَيُقالُ عِنْدَهُمُ: اكْتَتَبَتْهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالُ سَماحَةً وجُودًا إذا ذَهَبَ الرِّياحُ الزُّعازِعُ بِنَصْبِ الرِّجالِ وعَلى الأوَّلِ كانَ حَقُّ التَّرْكِيبِ اخْتِيرَهُ الرِّجالُ بِالرَّفْعِ فَإنَّ الأصْلَ اخْتارَهُ مِنَ الرِّجالِ مُخْتارٌ وظاهِرٌ أنَّهُ إذا عَمِلَ فِيهِ ما تَقَدَّمَ يَصِيرُ إلى ما ذَكَرَ ﴿ فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ ﴾ أيْ تَلْقى تِلْكَ الأساطِيرُ عَلَيْهِ بَعْدَ اكْتِتابِها لِيَحْفَظَها مِن أفْواهِ مَن يُمْلِيها عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ المُكْتَتِبِ لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَتَلَقّاها مِنهُ بِالقِراءَةِ فالإمْلاءُ الإلْقاءُ لِلْحِفْظِ بَعْدَ الكِتابَةِ اسْتِعارَةٌ لا الإلْقاءُ لِلْكِتابَةِ كَما هو المَعْرُوفُ حَتّى يُقالَ: إنَّ الظّاهِرَ العَكْسُ بِأنْ يُقالَ: أمْلَيْتُ عَلَيْهِ فَهو يَكْتَتِبُها أوِ المَعْنى أرادَ اكْتِتابَها أوْ طَلَبَ كِتابَتِها فَأمْلَيْتُ عَلَيْهِ أيْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ أوْ عَلى كاتِبِهِ فالإمْلاءُ حِينَئِذٍ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى تُتْلى بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ ﴿ بُكْرَةً وأصِيلا ﴾ أيْ دائِمًا أوْ قَبْلَ انْتِشارِ النّاسِ وحِينَ يَأْتُونَ إلى مَساكِنِهِمْ وعَنَوْا بِذَلِكَ أنَّها تُمْلى عَلَيْهِ خِفْيَةً لِئَلّا يَقِفُ النّاسُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وهَذِهِ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ﴿ اكْتَتَبَها ﴾ إلَخْ مِن قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يُكَذِّبُهم بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوِ افْتُتِحَتِ الهَمْزَةُ في ﴿ اكْتَتَبَها ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوُ قَوْلِ حَضْرَمِيِّ بْنِ عامِرٍ وقَدْ خَرَجَ يَتَحَدَّثُ في مَجْلِسِ قَوْمٍ وهو في حُلَّتَيْنِ لَهُ فَقالَ جُزْءُ بْنُ سِنانِ بْنِ مُؤْلَةَ: واللَّهِ إنَّ حَضْرَمِيًّا لِجَذَلٍ بِمَوْتِ أخِيهِ إنَّ وِرْثَهُ: أفْرَحَ أنْ أرْزَأ الكِرامَ وأنْ ∗∗∗ أُورِثُ زَوَّدا شَصايِصًا نُبْلًا مِن أبْياتٍ، وحَقَّ لِلْحَسَنِ عَلى ما في الكَشّافِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٦

﴿ قُلْ ﴾ لَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وصْفُهُ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الخَفِيَّةِ والجَلِيَّةِ المَعْلُومَةِ مِن بابِ أوْلى لِلْإيذانِ بِانْطِواءِ ما أنْزَلَهُ عَلى أسْرارٍ مَطْوِيَّةٍ عَنْ عُقُولِ البَشَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِمُجازاتِهِمْ بِجِناياتِهِمُ المَحْكِيَّةِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى أيْ لَيْسَ ذَلِكَ كَما تَزْعُمُونَ بَلْ هو أمْرٌ سَماوِيٌّ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وأوْدَعَ فِيهِ فُنُونَ الحِكَمِ والأسْرارِ عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ لا تَحُومُ حَوْلَهُ الإفْهامِ حَيْثُ أعْجَزَكم قاطِبَةً بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ وأخْبَرَكم بِمُغَيَّباتِ مُسْتَقْبِلَهِ وأُمُورٍ مَكْنُونَةٍ لا يَهْتَدِي إلَيْها ولا يُوقِفُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى العَلِيمِ الخَبِيرِ عَلَيْها، وإذا أرادُوا بِبَكَرَةٍ وأصِيلًا خِفْيَةً عَنِ النّاسِ ازْدادَ مَوْقِعُ السِّرِّ حُسْنًا، وأمّا التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الجِناياتِ المَحْكِيَّةِ لَكِنْ أخَّرَ عَنْهم لِما أنَّهُ سُبْحانَهُ أزَلًا وأبَدًا مُسْتَمِرٌّ عَلى المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ المُسْتَتْبَعَتَيْنِ لِلتَّأْخِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ جَلَّ وعَلا مُتَّصِفٌ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَلِذَلِكَ لا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مَعَ كَمالِ اسْتِيجابِهِ إيّاها وغايَةُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها ولَوْلا ذَلِكَ لِصَبَّ عَلَيْكُمُ العَذابَ صَبّا، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ فِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا  ﴾ .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً عَنِ الِاقْتِدارِ العَظِيمِ عَلى عُقُوبَتِهِمْ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إلّا القادِرُ عَلى العُقُوبَةِ، وفي إيثارِها تَعْيِيرٌ لَهم ونَعِيَ عَلى فِعْلِهِمْ يَعْنِي أنَّكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتَصَدّى لِعَذابِكم مِن صِفَتِهِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَعْرِفُوا أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ العَظِيمَةَ المُتَجاوِزَةَ عَنِ الحَدِّ مَغْفُورَةٌ إنْ تابُوا وأنَّ رَحْمَتَهُ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ بَعْدَها وأنْ لا يَيْأسُوا مِن رَحْمَتِهِ تَعالى بِما فَرَّطَ مِنهم مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ الشَّدِيدَةِ وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌۭ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧ أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌۭ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا ٨

﴿ وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ أخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ عَتَبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وأبا سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ وأبا البُحْتُرِيِّ والأُسُودَ بْنُ المُطَّلِبِ وزَمَعَةَ بْنَ الأُسُودِ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلٍ بْنِ هِشامٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ والعاصِي بْنَ وائِلٍ ونَبِيهَ بْنَ الحَجّاجِ ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ  وكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تَعْذُرُوا مِنهُ فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ فَجاءَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنَعْذُرَ مِنكَ فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْناكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما بِي مِمّا تَقُولُونَ ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكم ولا الشَّرَفُ فِيكم ولا المُلْكُ عَلَيْكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنِي وبَيْنَكم قالُوا: يا مُحَمَّدُ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ فَما لِنَفْسِكَ سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ تُغْنِيكَ عَمّا تَبْتَغِي فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ وتَلْتَمِسُ المَعاشَ كَما نَلْتَمِسُهُ حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  : ما أنا بِفاعِلٍ ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ ﴾ » إلَخْ.

وقَدْ سِيقَ هُنا لِحِكايَةِ جِنايَتِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِخُصُوصِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ الفَرْقانِ بَعْدَ حِكايَةِ جِنايَتِهِمُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالمُنَزَّلِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيُهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَها مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ لَها، وقَدْ وقَعَتِ اللّامُ مَفْصُولَةً عَنْ هَذا المَجْرُورِ بِها في خَطِّ الإمامِ وهي سَنَةٌ مُتْبِعَةٌ وعَنَوْا بِالإشارَةِ والتَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ الِاسْتِهانَةَ والتَّهَكُّمَ، وجُمْلَةُ ﴿ يَأْكُلُ الطَّعامَ ﴾ حالٌ مِن ( الرَّسُولِ ) والعامِلُ فِيها ما عُمِلَ في الجارِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ أيَّ شَيْءٍ وأيَّ سَبَبٍ حَصَلَ لِهَذا الزّاعِمِ أنَّهُ رَسُولٌ حالَ كَوْنِهِ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَما تَأْكُلُ ﴿ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ لِابْتِغاءِ الأرْزاقِ كَما نَفْعَلُهُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبِّبِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ جَعْلَ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةِ والأوْلى ما ذَكَرْنا، ومُرادُهُمُ اسْتِبْعادُ الرِّسالَةِ المُنافِيَةِ لِأكْلِ الطَّعامِ وطَلَبِ المَعاشِ عَلى زَعْمِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَحَّ ما يَدَّعِيهِ فَما بالُهُ لَمْ تَأْلَفْ حالُهُ حالَنا ولَيْسَ هَذا إلّا لِعَمَهِهِمْ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ وقُصُورِ أبْصارِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ فَإنَّ تَمَيُّزَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمّا عَداهم لَيْسَ بِأُمُورٍ جُسْمانِيَّةٍ وإنَّما هو بِأُمُورٍ نَفْسانِيَّةٍ أعْنِي ما جَبَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى إباحَةِ دُخُولِ الأسْواقِ لِلْعُلَماءِ وأهْلِ الدِّينِ والصَّلاحِ خِلافًا لِمَن كَرِهَهُ لَهم.

﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ﴿ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها ﴾ تَنْزِلُ عَمّا تَقَدَّمَ كَأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ تُوجَدِ المُخالَفَةُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في الأكْلِ والتَّعَيُّشِ فَهَلّا يَكُونُ مَعَهُ مَن يُخالِفُ فِيهِما يَكُونُ رَدْءًا لَهُ في الإنْذارِ فَإنْ لَمْ تُوجَدْ فَهَلّا يُخالِفُنا في أحَدِهِما وهو طَلَبُ المَعاشِ بِأنْ يُلْقى إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ كَنْزٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ويَرْتَفِعُ احْتِياجُهُ إلى التَّعَيُّشِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنْ لَمْ يُوجَدْ فَلا أقَلَّ مِن رَفْعِ الِاحْتِياجِ في الجُمْلَةِ بِإتْيانِ بُسْتانٍ يَتَعَيَّشُ بِرَيْعِهِ كَما لِلدَّهاقِينِ والمَياسِيرِ مِنَ النّاسِ.

والزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ أنَّهم عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلِكًا ثُمَّ نَزَلُوا عَنْ مَلَكِيَّتِهِ إلى صُحْبَةِ مَلِكٍ لَهُ يُعِينُهُ ثُمَّ نَزَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى كَوْنِهِ مَرْفُودًا بِكَنْزٍ ثُمَّ نَزَلُوا فاقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ، قِيلَ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ فَقَطْ تَنْزِلُ مِنهم وما قَبْلُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَمّا يُقالُ كَيْفَ يُخالِفُ حالَهُ  حالَكم وبِأيِّ شَيْءٍ يَحْصُلُ ذَلِكَ ويَتَمَيَّزُ عَنْكُمْ؟

ولا يَخْفى ما فِيهِ ونَصَبَ ( فَيَكُونَ ) عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ، وقُرِئَ «فَيَكُونُ» بِالرَّفْعِ حَكاهُ أبُو مُعاذٍ، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفٌ عَلى ( أُنْزِلَ ) لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مَوْقِعَهُ المُضارِعُ لَكانَ مَرْفُوعًا لِأنَّكَ تَقُولُ ابْتِداءً لَوْلا يَنْزِلُ بِالرَّفْعِ وقَدْ عَطَفَ عَلَيْهِ ( يُلْقى وتَكُونُ ) وهُما مَرْفُوعانِ أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو أيْ فَهو يَكُونُ، ولا يَجُوزُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ نَصْبٌ ( يُلْقى ) وتَكُونُ بِالعَطْفِ عَلى يَكُونُ المَنصُوبُ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ.

ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ أوَّلًا بِالماضِي مَعَ أنَّ الأصْلَ في أوَّلًا الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ أوِ العَرْضِ دُخُولُها عَلى المُضارِعِ لِأنَّ إنْزالَ المَلِكِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرًا أمْرٌ مُتَحَقِّقٌ لَمْ يَزَلْ مُدَّعِيًا لَهُ  فَما أخْرَجُوا الكَلامَ حَسْبَما يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا عِنْدَهُمْ، وفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ مِنهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِخِلافِ الإلْقاءِ وحُصُولِ الجَنَّةِ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ فِيهِما وإنْ كانَ هو الأصْلُ إشارَةً إلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهم طَلَبُوا شَيْئًا لا يَنْفَدُ.

وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِيِّ عَنِ الهَرَوِيِّ أنَّهُ قالَ بِمَجِيءِ لَوْلا لِلِاسْتِفْهامِ ومَثَّلَ لَهُ بِمِثالَيْنِ أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّها في المِثالِ المَذْكُورِ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ  ﴾ ، وذَكَرَ أنَّها في ذَلِكَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ وهي حِينَئِذٍ تَخْتَصُّ بِالماضِي، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ما وقَعَ هُنا فَأمْرُ كَوْنِها فِيهِ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ في غايَةِ الخَفاءِ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ «أوْ يَكُونُ» بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطِلْحَةُ والأعْمَشُ «نَأْكُلُ» بِالنُّونِ إسْنادًا لِلْفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الكُفْرِ القائِلِينَ ما ذَكَرَ ﴿ وقالَ الظّالِمُونَ ﴾ هُمُ القائِلُونَ الأوَّلُونَ وإنَّما وضَعَ المَظْهَرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ لِكَوْنِهِ إضْلالًا خارِجًا عَنْ حَدِّ الضَّلالِ مَعَ ما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ  إلى ما يَشْهَدُ العَقْلُ والنَّقْلُ بِبَراءَتِهِ مِنهُ أوْ إلى ما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَمَسِّكًا لِما يَزْعُمُونَ مِن نَفْيِ الرِّسالَةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ، وقالَ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ مِنهم وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهم قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ أيْ ما تَتْبَعُونَ ﴿ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ سَحَرَ فَغَلَبَ عَلى عَقْلِهِ فالمُرادُ بِالسِّحْرِ ما بِهِ اخْتِلالُ العَقْلِ، وقِيلَ: أُصِيبَ سِحْرُهُ أيْ رِئَتِهِ فاخْتَلَّ حالُهُ كَما يُقالُ مَرْؤُوسٌ أيْ أُصِيبَ رَأْسُهُ، وقِيلَ: يَسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ يُغَذّى أوْ ذا سِحْرٍ أيْ رِئَةٍ عَلى أنَّ مَفْعُولَ لِلنَّسَبِ وأرادُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وقِيلَ أيُّ ذا سِحْرٍ بِكَسْرِ السِّينِ وعَنَوْا- قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- ساحِرًا، والأظْهَرُ عَلى ما في البَحْرِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ، وذَكَرَ أنَّ هو الأنْسَبُ بِحالِهِمُ.

<div class="verse-tafsir"

ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلْأَمْثَـٰلَ فَضَلُّوا۟ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًۭا ٩

﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ اسْتِعْظامٌ لِلْأباطِيلِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِها وتَعْجِيبٌ مِنها أيِ انْظُرْ كَيْفَ قالُوا في حَقِّكَ الأقاوِيلَ العَجِيبَةَ الخارِجَةَ عَنِ العُقُولِ الجارِيَةِ لِغَرابَتِها مَجْرى الأمْثالِ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ الشّاذَّةَ البَعِيدَةَ مِنَ الوُقُوعِ ﴿ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ فَبَقَوْا مُتَحَيِّرِينَ ضَلالًا لا يَجِدُونَ في القَدْحِ في نُبُوَّتِكَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ باطِلًا في نَفْسِهِ فالفاءُ الأُولى سَبَبِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ«ضَلُّوا» غَيْرُ مَنَوِيٍّ والفاءُ الثّانِيَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ فَضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إلَيْهِ فَإنَّ مَنِ اعْتادَ اسْتِعْمالَ هَذِهِ الأباطِيلِ لا يَكادُ يَهْتَدِي إلى اسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ الحَقَّةِ فالفاءُ في المَوْضِعَيْنِ سَبَبِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ «ضَلُّوا» مَنَوِيٌّ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ ما أتَوْا بِهِ قادِحًا في نُبُوَّتِهِ  ونَفى أنْ يَكُونَ عِنْدَهم ما يَصْلُحُ لِلْقَدْحِ قَطْعًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ القَدْحَ فِيها إنَّما يَكُونُ في القَدَحِ بِالمُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلَيْها وما أتَوْا بِهِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ أصْلًا وأنّى لَهم بِما يُفِيدُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تَبَارَكَ ٱلَّذِىٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًۭا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًۢا ١٠

﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ أيْ تَكاثَرَ خَيْرُ الَّذِي إنْ شاءَ وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا شَيْئًا خَيْرًا لَكَ مِمّا اقْتَرَحُوهُ وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ كَذا في الكَشّافِ، وعَنْ مُجاهِدٍ إنْ شاءَ جَعْلَ لَكَ جَنّاتِ الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ إنْ شاءَ جَعَلَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ودَخَلَتْ ﴿ إنْ ﴾ عَلى فِعْلِ المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ والعِبادِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ولا يَرُدُّ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِٱلسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ  ﴾ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ وخَيْرِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنَّةِ لِما فِيهِ مِن تَعَدُّدِ الجَنَّةِ وجَرَيانِ الأنْهارِ والمَساكِنِ الرَّفِيعَةِ في تِلْكَ الجِنانِ بِأنْ يَكُونَ في كُلٍّ مِنها مَسْكَنٌ أوْ في كُلِّ مَساكِنَ ومِنَ الكَنْزِ لِما أنَّهُ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وهو إنَّما يُطْلَبُ لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ وهو أيْضًا أظْهَرُ في الأبَهَةِ وأمْلَأُ لِعُيُونِ النّاسِ مِنَ الكَنْزِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِجَوابِ الِاقْتِراحِ الأوَّلِ لِظُهُورِ مُنافاتِهِ لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ ورُبَّما يَعْلَمُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ كَذا قِيلَ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الإشارَةَ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ  جَنَّةً يَأْكُلُ مِنها و ﴿ جَنّاتٍ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ خَيْرًا ﴾ مُحَقِّقٌ لِخَيْرِيَّتِهِ مِمّا قالُوا لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ التَّعَدُّدِ وجَرَيانِ الأنْهارِ، وتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ الجَعْلِ لِعَدَمِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحُكْمِ والمَصالِحِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِجَوابِ الِاقْتِراحَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خُرُوجِهِما عَنْ دائِرَةِ العَقْلِ واسْتِغْنائِهِما عَنِ الجَوابِ لِظُهُورِ بُطْلانِهِما ومُنافاتِهِما لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ وإنَّما الَّذِي لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ هو الِاقْتِراحُ الأخِيرُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ أُوتُوا في الدُّنْيا مَعَ النُّبُوَّةِ مُلْكًا عَظِيمًا انْتَهى، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في الإشارَةِ جَعَلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وما ذُكِرَ أوَّلًا اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ وحَكاهُ عَنْ مُجاهِدٍ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها إشارَةٌ إلى ما عَيَّرُوا بِهِ مِن أكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ وقالَ: إنَّهُ بَعِيدٌ، وحَكاهُ الإمامُ عَنْ عِكْرِمَةَ وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ما اخْتارَهُ صاحِبُ الإرْشادِ، والظّاهِرُ أنَّ ( يَجْعَلْ ) مَجْزُومٌ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ الَّذِي هو جَعْلُ هو جَزاءٌ أيْضًا وقَدْ جِيءَ بِهِ جُمْلَةً اسْتِقْبالِيَّةً عَلى الأصْلِ في الجَزاءِ، فَقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المَعانِي أنَّ الأصْلَ في جُمْلَتَيْ إنَّ الشَّرْطِيَّةَ أنْ تَكُونا فِعْلِيَّتَيْنِ اسْتِقْبالِيَّتَيْنِ لَفْظًا كَما أنَّهُما مُسْتَقْبَلَتانِ مَعْنًى، والعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ إلّا لِنُكْتَةٍ.

وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَلى هَذا بِالجُمْلَتَيْنِ الماضَوِيَّتَيْنِ لَفْظًا في ﴿ إنْ شاءَ جَعَلَ ﴾ إلَخْ لِزِيادَةِ تَبْكِيتِ الكُفّارِ فِيما اقْتَرَحُوا مِن جِنْسِهِ، ولَمّا لَمْ يَقْتَرِحُوا ما هو مِن جِنْسِ جَعْلِ القُصُورِ لَمْ يَسْلُكْ فِيهِ ذَلِكَ المَسْلَكَ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ نُعِدُّ التَّعْبِيرَ أوَّلًا في الجَزاءِ بِالماضِي أنْ يُعَبِّرَ بِهِ هُنا أيْضًا لَكِنَّهُ عَدَلَ إلى المُضارِعِ لِأنَّ جَعْلَ القُصُورِ في الجِنانِ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى جَعْلِ الجِنانِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العَطْفَ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ القُصُورِ في الخَيْرِ المُبَدَّلِ مِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَنّاتٍ ﴾ وكانَ ما تَقَدَّمَ عَنِ الكَشّافِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى بِمَعُونَةِ السِّياقِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ ﴿ لَكَ ﴾ لَكِنَّ إدْغامَ المَثَلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما إنَّما هو مَذْهَبُ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالتَّسْكِينِ مِنَ السَّبْعَةِ هو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وفي رِوايَةِ مَحْبُوبٍ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ بِلا إدْغامٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٍ وحَمِيدٍ وأبِي بَكْرٍ، والعَطْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ واحْتِمالُ الإدْغامِ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ عَلى المَعْنى في ﴿ جَعَلَ ﴾ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ ألا يَرى أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ جَعَلَ ﴾ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ في مَدْحِ هَرَمِ بْنِ سِنانٍ: وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرَمَ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ في مِثْلِ ذَلِكَ مَحْذُوفٌ وأنَّ المُضارِعَ المَرْفُوعَ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، والمِبْرَدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ والتَّرْكِيبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ فَصِيحٌ سائِغٌ في النَّثْرِ كالشِّعْرِ، وحَكى أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وتَمامُ الكَلامِ في تَحْقِيقِ المَذاهِبِ في مَحَلِّهِ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ قِيلَ وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ، والكَلامُ وعْدٌ لَهُ  بِجَعْلِ تِلْكَ القُصُورِ في الآخِرَةِ ولِذا عَدَلَ عَنِ الماضِي إلى المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كانَ قائِلًا يَقُولُ: كَيْفَ الحالُ في الآخِرَةِ؟

فَقِيلَ: يَجْعَلُ لَكَ فِيها قُصُورًا، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى الِاسْتِئْنافِ هَذا الجَعْلَ في الدُّنْيا أيْضًا عَلى مَعْنى إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ في الدُّنْيا جَنّاتٍ ويَجْعَلُ لَكَ في تِلْكَ الجَنّاتِ قُصُورًا إنْ تَحَقَّقَتِ الشُّرْطِيَّةُ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى ﴿ تَجْرِي ﴾ صِفَةٌ بِتَقْدِيرٍ ويَجْعَلُ فِيها أيِ الجَنّاتِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ «ويَجْعَلَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، ووَجْهُهُ عَلى ما نَقَلَ عَنِ السِّيرافِيِّ أنَّ الشَّرْطَ لَمّا كانَ غَيْرَ مَجْزُومٍ أشْبَهُ الِاسْتِفْهامِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ غَيْرَ واقِعِ حالٍ المُشارَطَةِ أشْبَهُ النَّفْيِ، وقَدْ ذَكَرَ النَّصْبَ بَعْدَهُ سِيبَوَيْهُ، وقالَ إنَّهُ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَرْفُوعٌ وفَتْحُ لامِهِ اتِّباعًا لِلّامِ ﴿ لَكَ ﴾ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالٍ مِن أنَّهُ فَتَحَ راءً غَيْرَ اتِّباعًا لِهَمْزَةِ أنَّ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ في البَيْتِ، ونَظِيرُ الآيَةِ في هَذِهِ القِراءاتِ قَوْلُ النّابِغَةِ: فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسٍ يَهْلَكُ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرُ لَيْسَ لَهُ سَنامُ فَإنَّهُ يُرْوى في نَأْخُذُ الجَزْمَ والرَّفْعَ والنَّصْبَ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ ﴾ انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ نَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ المَعادِ وما قَبْلَ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأمْرِ التَّوْحِيدِ وأمْرِ النُّبُوَّةِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ العَوْدُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالكَلامِ السّابِقِ، واخْتِلافُ أسالِيبِ الحِكايَةِ لِاخْتِلافِ المَحْكِيِّ، وما ألْطَفَ تَصْدِيرَ حِكايَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ بِبَلِ الِانْتِقالِيَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ إلَخْ لِبَيانِ ما لَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ أيْ هَيَّأْنا لَهم نارًا عَظِيمَةً شَدِيدَةَ الِاشْتِعالِ شَأْنُها كِيتْ وكِيتْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِها عَلى ما يَشْعُرُ بِهِ وضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هم أوْ لِكُلِّ مَن كَذَّبَ بِها كائِنًا مَن كانَ وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضَعَ السّاعَةَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ، وهَذا الِاعْتِدادُ وإنْ كانَ لَيْسَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِها خاصَّةً بَلْ يُشارِكُهُ في السَّبَبِيَّةِ لَهُ ارْتِكابُهُمُ الأباطِيلِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ وأمْرِ النُّبُوَّةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ السّاعَةُ نَفْسُها هي العِلَّةُ القَرِيبَةُ لِدُخُولِهِمُ السَّعِيرِ أُشِيرُ بِما ذَكَرَ إلى سَبَبِيَّةِ التَّكْذِيبِ بِها لِدُخُولِها ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإشارَةِ إلى سَبَبِيَّةِ شَيْءٍ آخَرَ وقِيلَ إنَّ مَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ صارَ كالِاسْمِ لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ  والمُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ أيِ الجامِعِينَ لِلْأوْصافِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ بِها أخَصُّ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ وأكْثَرُ دَوَرانًا عَلى ألْسِنَتِهِمْ إذْ مِنَ الكَفّارِ مَن يُشْرِكُ ويُكَذِّبُ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُكَذِّبُ بِالسّاعَةِ، فالمُرادُ مَن يُكَذِّبُ بِالسّاعَةِ أُولَئِكَ الصِّنْفُ مِنَ الكَفَرَةِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ ﴾ إلَخْ وإضْرابٌ عَنْهُ إلى ما هو أعْجَبُ مِنهُ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ  وهَذا تَكْذِيبٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ- وتَعالى- فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««قالَ اللَّهُ تَعالى كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ- إلى قَوْلِهِ تَعالى-: فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَزَعَمَ أنِّي لا أقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ»» وظاهِرُهُ أنَّ أعْجَبِيَّةَ التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ لِأنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأعْجَبِيَّةَ لِأنَّهم أنْكَرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى الإعادَةِ مَعَ ما شاهَدُوهُ في الأنْفُسِ والآفاقِ وما ارْتَكَزَ في أوْهامِهِمْ مِن أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الإبْداءِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَكْذِيبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا أمْرَ السّاعَةِ إلّا مِنَ النَّبِيِّ  فَهو تَكْذِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في الحَدِيثِ إشارَةً إلى ما ارْتَضاهُ.

وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ ذاكَ عَلى مَعْنى أتَوْا بِأعْجَبَ مِنهُ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأنْكَرُوها والحالُ أنّا قَدِ اعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِها سَعِيرًا فَإنَّ جَراءَتَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِها وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِمّا أعَدَّ لِمَن كَذَّبَ بِها مِن أنْواعِ العَذابِ أعْجَبُ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ كَوْنَ الجَراءَةِ عَلى التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ أعْجَبُ مِنَ الجَراءَةِ عَلى القَوْلِ السّابِقِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ ولا نُسَلِّمُ أنَّ انْضِمامَ عَدَمِ الخَوْفِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إذا كانَ ذَلِكَ التَّرَتُّبُ في السّاعَةِ المُكَذِّبُ بِها يُفِيدُ شَيْئًا وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ ذاكَ عَلى مَعْنى أتَوْا بِأعْجَبَ مِنهُ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ الَّتِي أخْبَرَ بِها جَمِيعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالجَراءَةُ عَلى التَّكْذِيبِ بِها جَراءَةٌ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِمْ والجَراءَةُ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِمْ أعْجَبُ مِنَ الجَراءَةِ عَلى القَوْلِ السّابِقِ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ مُرادَهم مِنَ القَوْلِ السّابِقِ نَفْيُ نَبُّوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَكْذِيبِهِ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ مِنَ الكَذِبِ في دَعْواهُ إيّاها لِعَدَمِ مُخالَفَةِ حالِهِ  حالِهِمْ واتِّصافِهِ بِما زَعَمُوا مُنافاتِهِ لِلرِّسالَةِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ ومُتَحَقِّقٌ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَتَكْذِيبُهُ  لِذَلِكَ تَكْذِيبٌ لَهم أيْضًا فَلا يَكُونُ التَّكْذِيبُ بِالسّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ أعْجَبُ مِن تَكْذِيبِ النَّبِيِّ  لِاشْتِراكِ التَّكْذِيبَيْنِ في كَوْنِهِما في حُكْمِ تَكْذِيبِ الكُلِّ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ ﴾ إلَخِ الواقِعُ جَوابًا لَهم والمُنْبِئُ عَنِ الوَعْدِ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ في الآخِرَةِ مُسَوِّقٌ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي نَفْعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ: عَوَّجُوا لِنِعَمٍ فَحَيُّوا دِمْنَةَ الدّارِ ∗∗∗ ماذا تُحْيُونَ مِن نُؤْيِ وأحْجارِ والمَعْنى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ فَكَيْفَ يَقْتَنِعُونَ بِهَذا الجَوابِ وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلٍ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنِ الجَوابِ إلى بَيانِ العِلَّةِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى التَّكْذِيبِ، والمَعْنى بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ فَقَصُرَتْ أنْظارُهم عَلى الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ وظَنُّوا أنَّ الكَرامَةَ لَيْسَتْ إلّا بِالمالِ وجَعَلُوا خُلُوَّ يَدِكَ عَنْهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِكَ.

<div class="verse-tafsir"

إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍۢ سَمِعُوا۟ لَهَا تَغَيُّظًۭا وَزَفِيرًۭا ١٢

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ صِفَةً لِلسَّعِيرِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ النّارِ، وقِيلَ لِأنَّهُ عَلِمَ لِجَهَنَّمَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ دُخُولَ ألْ عَلَيْهِ ولَمُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ دُخُولَ ألْ لِلَمْحِ الصِّفَةِ وهي تَدْخُلُ الإعْلامَ لِذَلِكَ كالحَسَنِ والعَبّاسِ وبِأنَّهُ صُرِّفَ لِلتَّناسُبِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.

أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وتَأْنِيثِهِ هُنا لِلتَّفَنُّنِ، وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلَيْها حَقِيقَةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ وكَذا نِسْبَةُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ فِيما بَعْدُ إذْ لا امْتِناعَ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى النّارَ حَيَّةً مُغْتاظَةً زافِرَةً عَلى الكُفّارِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَها إدْراكًا كَهَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ  ﴾ وقَوْلُهُ  كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ««شَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بِعَضًا فَأذَنَ لَها بِنَفْسَيْنِ نَفَسٌ في الشِّتاءِ ونَفَسٌ في الصَّيْفِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإذا صَحَّ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهٍ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ عَنْ أبِي أمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن بَيْنِ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِجَهَنَّمَ مِن عَيْنٍ؟

قالَ: نَعَمْ أمّا سَمِعْتُمُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ فَهَلْ تَراهم إلّا بِعَيْنَيْنِ»» كانَ ما قُلْناهُ هو الصَّحِيحُ.

وإسْنادُها إلَيْها لا إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ مِنها لِهَيَجانِ غَضَبِها عَلَيْهِمْ عِنْدَ رُؤْيَتِها إيّاهم ﴿ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ هو أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يَرى مِنهُ، ورُوِيَ أنَّهُ هُنا مَسِيرَةُ خَمْسَمِائَةِ عامٍ.

وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَسِيرَةَ مِائَةِ عامٍ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السَّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ كَعْبٍ، وقِيلَ: مَسِيرَةُ سَنَةٍ وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ونَسَبَهُ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ الى السَّدِّيِّ.

والكَلْبِيُّ ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا ﴾ أيْ صَوْتِ تَغَيُّظٍ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ السَّماعِ بِهِ.

وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ الغَيْظُ أشَدُّ الغَضَبِ والتَّغَيُّظُ هو إظْهارُ الغَيْظِ وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ صَوْتٍ مَسْمُوعٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسَّماعِ مُطْلَقَ الإدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: أدْرَكُوا لَها تَغَيُّظًا ﴿ وزَفِيرًا ﴾ هو إخْراجُ النَّفْسِ بَعْدَ مُدَّةٍ عَلى ما في القامُوسِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو تَرْدِيدُ النَّفْسِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ مِنهُ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في نَفْسِ صَوْتِ ذَلِكَ النَّفْسِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّماعُ ولِذا اسْتَشْكِلُوا تَعَلُّقَ السَّماعِ بِالتَّغَيُّظِ دُونَ الزَّفِيرِ فَأوَّلُوا لِذَلِكَ بِما سَمِعْتَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ما ذُكِرَ مِن قُبَيْلِ قَوْلِهِ: ورَأيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدًا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وهُوَ بِتَقْدِيرِ سَمِعُوا لَها وأدْرَكُوا تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ويُعادُ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ بِجَعْلِ التَّغَيُّظِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مَنِ المَسْمُوعاتِ مَسْمُوعًا، والتَّنْوِينُ فِيهِ وفي ( زَفِيرًا ) لِلتَّفْخِيمِ.

وقَدْ جاءَ في الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ زَفِيرِها أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها، فَفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا خافَ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَمِعُوا لَها ﴾ إلَخْ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا تُرْعِدُ فَرائِصَهُ حَتّى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَجْثُوَ عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولَ: يا رَبِّ لا أسْألُكَ اليَوْمَ إلّا نَفْسِي.

وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ صُفُوفًا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ائْتِ بِجَهَنَّمَ فَيَأْتِي بِها ثُمَّ تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ حَتّى إذا كانَتْ مِنَ الخَلائِقِ عَلى قَدْرِ مِائَةِ عامٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً طارَتْ لَها أفْئِدَةُ الخَلائِقِ ثُمَّ زَفَرَتْ ثانِيَةً فَلا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا جَثا لِرُكْبَتَيْهِ ثُمَّ تَزْفِرُ الثّالِثَةَ فَتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَذْهَلُ العُقُولُ فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرِئٍ إلى عَمَلِهِ حَتّى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: بِخِلَّتِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي ويَقُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: بِمُناجاتِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي ويَقُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: بِما أكْرَمْتَنِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي لا أسْألُكَ مَرْيَمَ الَّتِي ولَدَتْنِي ومُحَمَّدٌ  يَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي لا أسْألُكَ اليَوْمَ نَفْسِي فَيُجِيبُهُ الجَلِيلُ جَلَّ جَلالُهُ إنَّ أوْلِيائِي مِن أُمَّتِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ فَوَعِزَّتِي لِأُقِرَنَّ عَيْنَكَ ثُمَّ تَقِفُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى يَنْتَظِرُونَ ما يُؤَمِّرُونَ.

وهَذِهِ الأخْبارُ ظاهِرَةٌ في أنَّ النّارَ هي الَّتِي تَزْفِرُ وأنَّ الزَّفِيرَ عَلى حَقِيقَتِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ زَفِيرَها صَوْتُ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: إنَّ كُلًّا مِنَ الرُّؤْيَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ لِزَبانِيَتِها ونِسْبَتِهِ إلَيْها عَلى حَذْفِ المُضافِ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ رَأتْهُمْ ﴾ مِن قَوْلِهِ  «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» وقَوْلُهُمْ: دَوْرُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ كانَ بَعْضُها يَرى بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ والمَجازِ المُرْسَلِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ إذا كانَتْ بِمَرْأى مِنهُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا ﴾ عَلى تَشْبِيهِ صَوْتِ غَلَيانِها بِصَوْتِ المُغْتاظِ وزَفِيرُهُ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ وجَوَّزَ أنَّ تَكُونَ تَمْثِيلِيَّةً، وقَدْ ذَكَرَ هَذا التَّأْوِيلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُقَدَّمًا لَهُ وذَكَرَ بَعْضُ الأئِمَّةِ أنَّ هَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ لِأنَّهم جَعَلُوا البِنْيَةَ شَرْطًا في الحَياةِ.

وفِي الكَشْفِ الأشْبَهِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ ومِن أيْنَ العِلْمُ بِأنَّ بِنْيَةَ نارِ الآخِرَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَعِدُّ لِلْحَياةِ بَلْ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَعْرُوفِ جَمادِيَّتِهِ حَيًّا ناطِقًا فَكانَ خَبَرًا عَلى خِلافِ المُعْتادِ أوِ الحَمْلِ عَلى المَجازِ التَّمْثِيلِيِّ الشّائِعِ في كَلامِهِمْ لا سِيَّما في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإذْ لاحَ الوَجْهُ فَكُنِ الحاكِمَ في تَرْكِ الظّاهِرِ إلى هَذا أوْ ذاكَ، وفَتْحُ هَذا البابِ لا يَجُرُّ إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ كَما تَوَهَّمَ صاحِبُ الِانْتِصافِ ولا يُخالِفُ تَعَبُّدَنا بِالظَّواهِرِ فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ أيْضًا لَيْسَ بِظاهِرٍ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ الإغْماضِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما ذُكِرَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ هُنا أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ ولَعَلَّهُ يُهَوِّنُ أمْرَ الخَبَرِ عَلى خِلافِ المُعْتادِ وهَذا إنْ لَمْ يَصِحَّ الخَبَرُ السّابِقُ أمّا إذا صَحَّ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ ولَيْسَ لِأحَدٍ قَوْلٌ مَعَ قَوْلِهِ  فَإنَّهُ الأعْلَمُ بِظاهِرِ الكِتابِ وخافِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَآ أُلْقُوا۟ مِنْهَا مَكَانًۭا ضَيِّقًۭا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا۟ هُنَالِكَ ثُبُورًۭا ١٣

﴿ وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ﴾ أيْ في مَكانٍ فَهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ( ومِنها ) حالٌ مِنهُ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ، وجَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِألْقَوْا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَيِّقًا ﴾ صِفَةٌ لَمَكانًا مُقَيِّدَةٍ لِزِيادَةِ شِدَّةِ الكَرْبِ مَعَ الضِّيقِ كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السِّعَةِ وهو السِّرُّ في وصْفِ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّمَواتُ والأرْضُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أُسِيدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا أُلْقُوا ﴾ إلَخْ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لَيَسْتَكْرِهُونَ في النّارِ كَما يَسْتَكْرِهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزَّجُّ في الرُّمْحِ.

وقَرَأ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهَبُ والأعْلَوْنَ يَحُطُّهُمُ الدّاخِلُونَ فَيَزْدَحِمُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «ضَيْقًا» بِسُكُونِ الياءِ.

﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( أُلْقُوا ) أيْ إذا ألْقَوْا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا حالَ كَوْنِهِمْ مُقَرَّنِينَ قَدْ قُرِّنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالجَوامِعِ، وقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّياطِينِ في السَّلاسِلِ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، وحُكِيَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «مَقْرُنُونَ» بِالرَّفْعِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهٍ إلى مُعاذٍ، ووَجْهُها عَلى ما في البَحْرِ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( أُلْقُوا ) بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةِ ﴿ دَعَوْا هُنالِكَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الهائِلِ ﴿ ثُبُورًا ﴾ أيْ هَلاكًا كَما قالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ وهو مَفْعُولُ ( دَعَوْا ) أيْ نادَوْا ذَلِكَ فَقالُوا: يا ثُبُوراهُ عَلى مَعْنى احْضِرْ فَهَذا وقْتُكَ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ النِّداءَ بِمَعْنى التَّمَنِّي فَيَتَمَنَّوْنَ الهَلاكَ لِيُسَلِّمُوا مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ كَما قِيلَ أشَدُّ مِنَ المَوْتِ ما يَتَمَنّى مَعَهُ المَوْتَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَ ( ثُبُورًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ لَدَعَوْا عَلى مَعْنى دُعُوا دُعاءً، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ومَفْعُولُ ﴿ دَعَوْا ﴾ مُقَدَّرٌ أيْ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثَبَرْنا ثُبُورًا وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، ولا اخْتِصاصَ لِدُعاءِ الثُّبُورِ بِكَفَرَةِ الإنْسِ فَإنَّهُ يَكُونُ لِلشَّيْطانِ أيْضًا.

أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مَن خَلْفِهِ وذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ وهو يُنادِي يا ثُبُوراهُ ويَقُولُونَ يا ثُبُورَهم حَتّى يَقِفَ عَلى النّارِ: فَيَقُولُ يا ثُبُوراهُ ويَقُولُونَ يا ثُبُورَهُمُ»» الحَدِيثُ، وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ أوَّلَ مَن يَقُولُ ذَلِكَ إبْلِيسُ ثُمَّ يَتْبَعُهُ أتْباعُهُ، وظاهِرُهُ شُمُولُ الأتْباعِ كَفَرَةُ الإنْسِ والجِنِّ، ولا يَتَوَهَّمُ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِبَعْضِ كَفَرَةِ الإنْسِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ لِما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

لَّا تَدْعُوا۟ ٱلْيَوْمَ ثُبُورًۭا وَٰحِدًۭا وَٱدْعُوا۟ ثُبُورًۭا كَثِيرًۭا ١٤

﴿ لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ إمّا مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ دَعَوْا ﴾ أيْ دَعَوْا مَقُولًا لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ بِأنَّ تَخاطُبَهُمُ المَلائِكَةِ لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ما يَدْعُونَهُ أوْ لا يَنالُونَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي أوْ تَمْثِيلًا لَهم وتَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ وخِطابٌ كَما قِيلَ أيْ دَعَوْهُ حالَ كَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإمّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ إذا ألْقَوْا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا دَعُوا «ثُبُورًا» فَيُقالُ لَهُمْ: لا تَدْعُوا إلَخْ، أوْ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ دُعائِهِمُ المَذْكُورِ؟

فَقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ إقْناطُهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِنَ الهَلاكِ وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّ عَذابَهُمُ المُلْجِئَ لَهم إلى ذَلِكَ أبَدِيٌّ لا خَلاصَ لَهم مِنهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ المُخْلِصَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ عادَةً غَيْرُ مُخْلِصٍ وما يُخْلِصُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ هَلاكًا واحِدًا فَإنَّهُ لا يُخَلِّصُكم ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا ﴾ وهَلاكًا ﴿ كَثِيرًا ﴾ لا غايَةَ لِكَثْرَتِهِ لِتَخْلُصُوا بِهِ وأنّى بِالهَلاكِ الكَثِيرُ.

ومِن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدٌ وهَذا مَعْنى دَقِيقٌ لَمْ أعْلَمْ أنَّ أحَدًا ذَكَرَهُ، وقِيلَ: وصْفُ الثُّبُورِ بِالكَثْرَةِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقُولُوا يا ثُبُوراهُ فَقَطْ وقُولُوا يا ثُبُوراهُ يا هَلاكاهُ يا ويْلاهُ يا لَهْفاهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وصَفَهُ بِذَلِكَ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لا بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ ثُبُورٌ واحِدٌ في حَدِّ ذاتِهِ لَكِنَّهُ كُلَّما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ مِن تِلْكَ الأدْعِيَةِ الكَثِيرَةِ صارَ كَأنَّهُ ثُبُورٌ مُغايِرٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ آخَرُ، وتَحْقِيقُهُ لا تَدْعُوهُ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِغايَةِ شِدَّتِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِتَكْرِيرِ الدُّعاءِ في كُلِّ آنٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أدَلُّ عَلى فَظاعَةِ العَذابِ وهو لَهُ مِن جَعْلِ تَعَدُّدِ الدُّعاءِ وتَجَدُّدِهِ لِتَعَدُّدِ العَذابِ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ وألْوانِهِ أوْ لِتَعَدُّدِهِ بِتَجَدُّدُ الجُلُودُ كَما لا يَخْفى، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورَكم فِيهِ واحِدًا إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَها فَلا غايَةَ لِهَلاكِهِمْ فَلا يُلائِمُ المَقامَ كَيْفَ وهَمَ إنَّما يَدْعُونَ هَلاكًا يُنْهِي عَذابَهم ويُنْجِيهِمْ مِنهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجَوابُ إقْناطًا لَهم عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ اسْتِحالَتِهِ ودَوامِ ما يُوجِبُ اسْتِدْعاءَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ انْتَهى، وتَعَقَّبَ القَوْلَ بِأنَّ وصْفَ الثُّبُورِ بِالكَثْرَةِ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ النُّظُمَ وكَذا كَوْنُهُ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِالثُّبُورِ لِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ دُعاءً كَثِيرًا، وأمّا قَوْلُهُ: وأمّا ما قِيلَ إلَخْ فَهو لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَتَأمَّلْ.

وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ ما صَرَفَكَ عَنْهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الثُّبُورُ في الآيَةِ مِن ذَلِكَ كَأنَّهم نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا فَقالُوا: واصْرِفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: وانَدَماهُ فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ والأمْرِ بِاليَوْمِ لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ المَعْهُودَةِ الَّتِي يُخْلِصُ مِن عَذابِها ثُبُورٌ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالسّاعَةِ الَّتِي أصابَهم ما أصابَهم بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِها فَفِيهِ زِيادَةُ إيلامٍ لَهُمْ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «ثُبُورًا» بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها وفُعُولٍ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ نَحْوُ القُفُولِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءًۭ وَمَصِيرًۭا ١٥

﴿ قُلْ ﴾ تَقْرِيعًا لَهم وتَهَكُّمًا بِهِمْ وتَحْسِيرًا عَلى ما فاتَهم ﴿ أذَلِكَ ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِها بِما فَصَلَ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ فَإنَّها الَّتِي كَثِيرًا ما تُقابَلُ بِالجَنَّةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِها في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الجَنَّةِ والكَنْزِ في قَوْلِهِمْ: أوْ يَلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ إلَخْ.

وقِيلَ: إلى الجَنَّةِ والقُصُورِ المَجْعُولَةِ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ المَشِيئَةِ وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما لا سِيَّما الأخِيرِ أيْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ السَّعِيرِ الَّتِي اعْتَدَّتْ لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ وشَأْنُها كِيتْ وكِيتْ وشَأْنُ أهْلِها ذَيْتٌ ذَيْتٌ ﴿ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ وُعِدَها المُتَّقُونَ لِأنَّ وعْدَ تَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ وهَذا المَحْذُوفُ هو العائِدُ عَلى المَوْصُولِ وإضافَةُ الجَنَّةِ إلى الخُلْدِ إنْ كانَتْ نِسْبَةُ الإضافَةِ مَعْلُومَةً لِلْمَدْحِ فَإنَّ المَدْحَ يَكُونُ بِما هو مَعْلُومٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً فَلِإفادَةِ خُلُودِ الجَنَّةِ، ولا يَخْدِشُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ ﴾ بَعْدُ لِأنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى خُلُودِ أهْلِها لا خُلُودُها في نَفْسِها وإنْ تَلازَما أوْ أنَّ ذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ عَنْ جَنّاتِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ عِلْمٌ كَجَنَّةِ عَدْنٍ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ المُتَّصِفُونَ بِمُطْلَقِ التَّقْوى لا بِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ أوِ الثّالِثَةِ مِنها فَقَطْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهم بِالكافِرِينَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ الكامِلُونَ في التَّقْوى ووَعَدَها إيّاهم وعْدَ دُخُولِها ابْتِداءً دُونَ سَبْقِ عَذابٍ وهو مُخْتَصٌّ بِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ، والتَّرْدِيدُ والتَّفْضِيلُ في ﴿ خَيْرٌ ﴾ مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ في أنَّهُ لا خَيْرِيَّةَ في السَّعِيرِ لِلتَّهَكُّمِ والتَّقْرِيعِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والسَّعِيرِ في الخَيْرِ لِأنَّ المَوْقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقَفَ مَحاوِرَهُ عَلى ما شاءَ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَّوابِ أوْ بِالخَطَإ، وإنَّما مُنِعَ سِيبَوَيْهُ وغَيْرُهُ مِنَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا لِأنَّ فِيهِ مُخالَفَةَ الواقِعِ، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ ﴿ خَيْرٌ ﴾ هُنا لَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الأفْضَلِيَّةِ بَلْ هو عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في بَيانِ فَضْلِ الشَّيْءِ وخُصُوصِيَّتِهِ بِالفَضْلِ دُونَ مُقابِلِهِ كَقَوْلِ حَسّانٍ: «فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ» .

وقَوْلُهُمُ: الشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ والعَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ، وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةٌ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ  ﴾ ولا اخْتِصاصَ لِذَلِكَ في اسْتِفْهامٍ أوْ خَبَرٍ.

وما ذَكَّرَ مِن أمْثِلَةِ الخَبَرِ يَرُدُّ عَلى ابْنِ عَطِيَّةَ إلّا أنْ يُقَيِّدَ الخَيْرَ الَّذِي ادَّعى مَنعَ سِيبَوَيْهِ فِيهِ بِما لَمْ يَكُنِ الحُكْمُ فِيهِ واضِحًا أمّا إذا كانَ الحُكْمُ فِيهِ واضِحًا لِلسّامِعِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِجُ في ذِهْنِهِ ولا يَتَرَدَّدُ في الأفْضَلِ فَإنَّ التَّفْضِيلَ يَجُوزُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ وما أشَرْنا إلَيْهِ هُنا أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِمّا أشارَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو حَيّانَ إلَيْهِ.

﴿ كانَتْ ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ ﴿ لَهُمْ ﴾ أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أوْ في اللَّوْحِ أوِ المُرادِ تَكُونُ عَلى أنَّهُ وعْدٌ مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وجَوَّزَ أنَّ يَكُونَ هَذا بِاعْتِبارِ تَقَدُّمِ وعْدِهِ تَعالى في كُتُبِهِ وعَلى لِسانِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم بِها ﴿ جَزاءً ﴾ عَلى أعْمالِهِمْ بِمُقْتَضى الوَعْدِ لا بِالإيجابِ ﴿ ومَصِيرًا ﴾ يَنْقَلِبُونَ إلَيْهِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَتْ لَهم جَزاءً ﴾ لِعَدَمِ اسْتِلْزامِهِ ذَلِكَ فَقَدْ يُثِيبُ المَلِكَ في الدُّنْيا إنْسانًا بِبُسْتانٍ مَثَلًا ولا يَراهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْكُنَ فِيهِ، وجُمْلَةُ ﴿ كانَتْ لَهُمْ ﴾ إلَخْ عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ في ﴿ وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ وتَفْسِيرًا لَهُ، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما يُشْعِرُ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَذْيِيلٌ لِتَذْكِيرِ النِّعْمَةِ بِما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وطَيِّبَ عَيْشَهم في ذَلِكَ المَكانِ الرّافِعِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ ضِدَّ ذَلِكَ لِأضْدادِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كانَتْ لَهم جَزاءً مَوْفُورًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ ومَصِيرًا أيْ مَصِيرًا لا يُقادِرُ قَدْرَهُ ولَيْسَ كَمَصِيرِ الكَفَرَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا ﴾ ويَعْلَمُ مِنهُ فائِدَةَ ذِكْرِ المَصِيرِ مَعَ ذِكْرِ الجَزاءِ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَـٰلِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًۭا مَّسْـُٔولًۭا ١٦

﴿ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ ﴾ قِيلَ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبِلَهُ حَيْثُ أفادَ أنَّ الجَنَّةَ مَسْكَنٌ لَهم والسّاكِنُ في دارٍ يَحْتاجُ إلى أشْياءَ كَثِيرَةً لِتَطِيبَ نَفْسُهُ بِسُكْناها فَكَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: ما لَهم إذا صارُوا إلَيْها وسَكَنُوا فِيها؟

فَقِيلَ لَهم فِيها ما يَشاؤُونَ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ المُتَّقُونَ ﴾ وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ أوِ العائِدُ مَحْذُوفٌ ( ولَهم ) خَبَرُهُ ( وفِيها ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ أيْ كائِنٍ لَهم فِيها الَّذِي يَشاؤُونَهُ مِن فُنُونِ المَلاذِ والمُشْتَهِياتِ وأنْواعِ النَّعِيمِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ، ولَعَلَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم يَقْتَنِعُ بِما أُبِيحَ لَهُ مِن دَرَجاتِ النَّعِيمِ ويَرى ما هو فِيهِ ألَذُّ الأشْياءِ ولا تَمْتَدُّ أعْناقُ هِمَمِهِمْ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ ما يَخْطُرُ طَلَبُهُ ولا يَتَأتّى لَهُ فَلا يَشاءُ آحادُ المُؤْمِنِينَ رُتْبَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَتَعَرَّضُونَ لِلشَّفاعَةِ لِمَن كُتِبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ في النّارِ مَثَلًا فَلا يَلْزَمُ الحِرْمانَ ولا تَساوِي مَراتِبِ أهْلِ الجِنانِ، وعَلى ضِدِّ هَؤُلاءِ فِيما ذَكَرَ أهْلُ النّارِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ: ﴿ وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ  ﴾ .

﴿ خالِدِينَ ﴾ حالَ مِن أحَدِ ضَمائِرِهِمْ عَلى ما قِيلَ وظاهِرُهُ عَدَمُ التَّرْجِيحِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: جَعَلَهُ حالًا مِنَ الأوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَها حالًا مُقَدَّرَةً ومِنَ الثّالِثِ يُوهِمُ تَقْيِيدَ المَشِيئَةِ بِها فَخَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها، ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ الثّالِثَ لِقُرْبِهِ والتَّقْيِيدُ غَيْرُ مُخِلٍّ بَلْ مُهِمٌّ، وجَوَّزَ كَوْنَها حالًا مِنَ المُتَّقِينَ ولا يَخْفى حالُهُ، ولِبَعْضِ الأجِلَّةِ هاهُنا كَلامٌ فِيهِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ الحِمَصِيُّ في حَواشِي التَّصْرِيحِ فَلْيُراجَعْ ﴿ كانَ ﴾ أيِ الوَعْدِ بِما ذَكَرَ أوِ المَوْعُودُ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ فَيَشْمَلُ الوَعْدَ بِالجَنَّةِ وبِحُصُولِ ما يَشاؤُونَ لَهم فِيها وبِالخُلُودِ عَلى الأوَّلِ والجَنَّةِ وحُصُولُ المُرادّاتِ والخُلُودُ المَوْعُودُ بِها عَلى الثّانِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الضَّمِيرُ لِلْخُلُودِ، وآخَرُ لِحُصُولِ ما يَشاؤُونَ لَهم فِيها أوَّلُهُ ولِكَوْنِ الجَنَّةِ جَزاءً ومَصِيرًا، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ ما ذَكَرَ ويُغْنِي عَنْهُ ما سَمِعْتَ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَما يَشاؤُونَ وهو اسْمُ كانَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِها أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعْدًا ﴾ وهو خَبَرُها، ولَمْ يُجَوِّزْ تَعَلُّقَ الجارِّ بِهِ سَواءً كانَ باقِيًا عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أوْ مُؤَوَّلًا باسِمِ المَفْعُولِ أيْ مَوْعُودًا لِما عَلِمْتَ مِنَ الخِلافِ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ بِناءً عَلى مَنعِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِ المَصْدَرِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مُؤَوَّلًا بِغَيْرِهِ أوْ كانَ المُقَدَّمُ ظَرْفًا وفِيهِ خِلافٌ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عَلى رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ هو الخَبَرُ ( ووَعْدًا ) مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا، والأظْهَرُ أنْ يَجْعَلَ هو الخَبَرُ أيْ كانَ ذَلِكَ وعْدًا أوْ مَوْعُودًا ﴿ مَسْؤُولا ﴾ أيْ حَقِيقِيًّا أنْ يَسْألَ ويُطْلَبَ لِكَوْنِهِ مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أوْ سَبَبًا لِحُصُولِ ذَلِكَ فَمَسْؤُولِيَّتِهِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَظِيمًا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ كَوْنَ المَوْعُودِ مَسْؤُولًا حَقِيقَةٍ بِمَعْنى يَسْألُهُ النّاسُ في دُعائِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ  ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ أبِي هِلالٍ: سَمِعْتُ أبا حازِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ المُؤْمِنُونَ: رَبَّنا عَمَلْنا لَكَ بِما أمَرْتَنا فانْجُزْ لَنا ما وعَدَتْنا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعْدًا مَسْؤُولا ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدٍ هَذا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِتَسْألَ ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ  ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ  والإشْعارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الفائِزُ بِمَغانِمِ الوَعْدِ الكَرِيمِ.

واسْتَشْكَلَتِ الآيَةُ عَلى مَذْهَبِ الإشارَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِمَكانِ «عَلى» وعِنْدَهم لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ لِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ سَلْبِ الِاخْتِيارِ وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، وأُجِيبُ بِأنَّ الوُجُوبَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ وُجُوبٌ بِمُقْتَضى الوَعْدِ والمُمْتَنِعُ إيجابُ الإلْجاءِ والقَسْرُ مِن خارِجٍ لِأنَّهُ السّالِبُ لِلِاخْتِيارِ المُوجِبِ لِلْمُفْسِدَةِ دُونَ إيجابِهِ تَعالى عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا بِمُقْتَضى وعْدِهِ وكَرَمِهِ فَإنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالإرادَةِ والوُجُوبُ النّاشِئِ مِنَ الإرادَةِ لا يُنافِي الِاخْتِيارَ، وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَ الوَعْدُ حادِثًا وأمّا إذا كانَ قَدِيمًا فالسّابِقِيَّةُ والمَسْبُوقِيَّةُ بِحَسْبِ الذّاتِ وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ، أوْ يُقالُ: الحادِثُ بِالإرادَةِ تَعَلُّقُهُ بِالمَوْعُودِ بِهِ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰٓؤُلَآءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ١٧

﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٍ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أذَلِكَ ﴾ إلَخْ أيْ قِيلَ لَهم ذَلِكَ واذْكُرْ لَهم بَعْدَ التَّقْرِيعِ والتَّحْسِيرِ يَوْمَ يَحْشُرُهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِما فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ الهائِلَةِ عَلى ما سَمِعْتُ في نَظائِرِهِ أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخِّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ هَوْلِهِ وفَظاعَةِ ما فِيهِ والإيذانِ بِأنَّ العَبّارَةَ لا تُحِيطُ بِبَيانِهِ أيْ ويَوْمِ يَحْشُرُهم يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ المَقالُ.

وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ وكَثِيرٌ مِنَ السَّبْعَةِ «نَحْشُرُهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ «يَحْشُرُهُمْ» بِكَسْرِ الشِّينِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: في كُلِّ القُرْآنِ وهو القِياسُ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ الثُّلاثِيَّةِ لِأنْ يَفْعَلَ بِضَمِّ العَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنَ اللّازِمِ الَّذِي هو فِعْلٌ بِضَمِّها في الماضِي، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ لِأنْ يَفْعَلَ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقِيسُ مَن يَفْعَلُ بِضَمِّ العَيْنِ، وفِيهِ كَلامٌ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ ﴿ وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ عُطِفَ عَلى مَفْعُولٍ ﴿ يَحْشُرُهُمْ ﴾ ولَيْسَتِ الواوُ لِلْمَعِيَّةِ وجَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عِنْدَ الضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ الأصْنامَ بِناءً أنَّ السِّياقَ فِيها ويُنْطِقُها اللَّهُ تَعالى الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: تَتَكَلَّمُ بِلِسانِ الحالِ ولَيْسَ بِذاكَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِهِ المَلائِكَةُ وعِيسى وعَزِيزٌ وأضْرابُهم مِنَ العُقَلاءِ الَّذِينَ عَبَدُوا مَن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ عَلى ما في البَحْرِ لِأنَّ السُّؤالَ والجَوابَ يَقْتَضِيانِهِ لِاخْتِصاصِهِما بِالعُقَلاءِ عادَةً وإنْ كانَ الجَمادُ يَنْطِقُ يَوْمَئِذٍ، وجاءَ فِيما يُشْبِهُ الِاسْتِفْهامَ الآتِيَ النَّصَّ عَلَيْهِمْ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ  ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ  ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ- بِما- عَلى هَذا القَوْلِ العُقَلاءُ المَعْبُودُونَ الَّذِينَ لَيْسَ مِنهم إضْلالٌ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا ما يَشْمَلُهم ولِشَياطِينَ مَثَلًا فَإنَّ الجَوابَ يَأْبى ذَلِكَ بِظاهِرِهِ كَما يَخْفى وأطْلَقَتْ ما عَلى العُقَلاءِ إمّا عَلى أنَّها تُطْلَقُ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا أوْ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ مَعْبُودِيهِمْ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المُرادُ ما يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم إمّا لِأنَّ كَلِمَةً ما مَوْضُوعَةً لِلْكُلِّ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَ شَبَحًا مِن بَعِيدٍ تَقُولُ: ما هُوَ؟

أوْ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الوَصْفُ فَلا تَخْتَصُّ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ العُقَلاءِ كَما إذا أُرِيدَ بِها الذّاتُ أوْ لِتَغْلِيبِ الأصْنامِ عَلى غَيْرِها تَنْبِيهًا عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ وتَنْزِيلِهِمْ في ذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ أوِ اعْتِبارًا لِغَلَبَةِ عَبَدَتِها وكَثْرَتِهِمْ ﴿ فَيَقُولُ ﴾ أيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَعْبُودِينَ مِن دُونِهِ أثَرُ حَشْرِ الكُلِّ تَقْرِيعًا لِلْعَبَدَةِ وتَبْكِيتًا لَهم.

وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ وابْنُ عامِرٍ «فَنَقُولُ» بِنُونِ العَظَمَةِ أيْضًا، ومَن قَرَأ مِمَّنْ عَداهم هُناكَ بِالنُّونِ وهُنا بِالياءِ كانَ عَلى قِراءَتِهِ هُنا التِفاتًا مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ، وفي نُونِ العَظَمَةِ هُناكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الحَشْرَ أمْرٌ عَظِيمٌ.

﴿ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ ﴾ بِأنْ دَعَوْتُمُوهم إلى عِبادَتِكم وإضافَةُ ( عِبادِي ) قِيلَ لِلتَّرَحُّمِ أوْ لِتَعْظِيمِ جُرْمِهِمْ لِعِبادَةِ غَيْرِ خالِقِهِمْ أوْ لِتَعْظِيمِ أمْرِ إضْلالِهِمْ بِدَعْوَتِهِمْ إلى عِبادَتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ عِبادًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ( وهَؤُلاءِ ) بَدَلٌ مِنهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهُ ﴿ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أيْ عَنِ السَّبِيلِ بِأنْفُسِهِمْ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وإعْراضِهِمْ عَنِ المُرْشِدِ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  ﴾ والأصْلُ إلى السَّبِيلِ أوْ لِلسَّبِيلِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَنِ السَّبِيلِ لِلْمُبالَغَةِ فَإنْ ضَلَّهُ بِمَعْنى فَقَدَهُ وضَلَّ عَنْهُ بِمَعْنى خَرَجَ عَنْهُ.

والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ يَوْمَ أنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ رَأْسًا، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرَيْنِ عَلى الفِعْلَيْنِ لِما أنَّ المُرادَ بِالسُّؤالِ التَّقْرِيعِيِّ هو المُتَصَدِّي لِلْفِعْلِ لا نَفْسُهُ.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِى لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكْرَ وَكَانُوا۟ قَوْمًۢا بُورًۭا ١٨

﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في الجَوابِ؟

فَقِيلَ قالُوا: ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُعَبِّرَ بِالمُضارِعِ لَكانَ (يَقُولُ أوَّلًا، وكَأنَّ العُدُولَ إلى الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ التَّنْزِيهِ والتَّبْرِئَةِ وأنَّهُ حالُهم في الدُّنْيا، وقِيلَ: لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إجابَتَهم بِهَذا القَوْلِ هو مَحَلُّ الِاهْتِمامِ فَإنَّ بِها التَّبْكِيتَ والإلْزامَ فَدَلَّ بِالصِّيغَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِها، وسُبْحانَ إمّا لِلتَّعَجُّبِ مِمّا قِيلَ لَهم إمّا لِأنَّهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أوْ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ أوْ أنْبِياءُ مَعْصُومُونَ أوْ أوْلِياءُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ مَحْفُوظُونَ وإمّا هو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ مَوْسُومِينَ بِتَسْبِيحِهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ فَكَيْفَ يَتَأتّى مِنهم إضْلالُ عِبادِهِ وإمّا هو عَلى ظاهِرِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ والمُرادُ تَنْزِيهُهُ تَعالى عَنِ الأضْدادِ، وهو عَلى سائِرِ الأوْجُهِ جَوابٌ إجْمالِيٌّ إلّا أنَّ في كَوْنِهِ كَذَلِكَ عَلى الأخِيرِ نَوْعُ خَفاءٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا ﴾ إلَخْ كالتَّأْكِيدِ لِذَلِكَ والتَّفْصِيلُ لَهُ.

وجَعَلَ الطَّيِّبِيُّ قَوْلَهُمْ: ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِلْجَوابِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ ما كانَ ﴾ إلَخْ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَنا ﴿ أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ﴾ أيْ أوْلِياءَ عَلى أنَّ ﴿ مِن ﴾ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

ويُحْسِنُ زِيادَتَها بَعْدَ النَّفْيِ والمَنفِيِّ وإنَّ كانَ ﴿ كانَ ﴾ لَكِنَّ هَذا مَعْمُولُ مَعْمُولِها فَيَنْسَحِبُ النَّفْيُ عَلَيْهِ.

والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا هم مُضِلِّيهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهم قالُوا: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مُتَجاوِزِينَ إيّاكَ أوْلِياءَ نَعْبُدُهم لِما بِنا مِنَ الحالَةِ المُنافِيَةِ لَهُ فَأنّى يَتَصَوَّرُ أنْ نُحَمِّلَ غَيْرَنا عَلى أنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا غَيْرَكَ فَضْلًا أنْ يَتَّخِذُونا ولِيًّا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أتْباعًا فَإنَّ الوَلِيَّ كَما يُطْلِقُ عَلى المَتْبُوعِ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ ومِنهُ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ أيْ أتْباعِهِ وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ «يُنْبَغى» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

وقالَ ابْنُ خالَوَيْهٍ: زَعَمَ سِيبَوَيْهُ أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ.

وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وأبُو رَجاءَ ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأخُوهُ الباقِرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومَكْحُولٌ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وحَفْصُ بْنُ عَبِيدٍ والنَّخْعِيُّ والسِّلْمِيُّ وشَيْبَةُ وأبُو بِشْرٍ والزَّعْفَرانِيُّ «( يَتَّخِذُ)» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ مَنِ اتَّخَذَ المُتَعَدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ والمَفْعُولُ الأوَّلُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ والثّانِي ﴿ مِن أوْلِياءَ ﴾ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ لا زائِدَةَ أيْ أنْ يَتَّخِذُونا بَعْضَ الأوْلِياءِ، ولَمْ يُجَوِّزْ زِيادَتَها بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ مِن أنَّها لا تُزادُ في المَفْعُولِ الثّانِي، وعَلَّلَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الأوَّلِ يُشِيعُ بِشُيُوعِهِ ويَخُصُّ كَذَلِكَ، ومُرادُهُ أنَّهُ إذا كانَ مَحْمُولًا لا يُرادُ صِدْقَهُ عَلى غَيْرِهِ فَيَشِيعُ ويَخُصُّ كَذَلِكَ في الإرادَةِ فَلا يَرُدُّ زَيْدٌ حَيَوانٌ فَإنَّ المَحْمُولَ باقٍ عَلى عُمُومِهِ مَعَ خُصُوصِ المَوْضُوعِ، وقِيلَ: مُرادُهُ أنَّ الِاخْتِلافَ لا يُناسِبُ مَعَ إمْكانِ الِاتِّحادِ والمِثالِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا بَنى كَلامَهُ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ والتَزَمَ التَّبْعِيضَ جاءَ الإشْكالُ في تَنْكِيرِ ﴿ أوْلِياءَ ﴾ فَأجابَ بِأنَّهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الخُصُوصِ وامْتِيازُهم بِما امْتازُوا وهو لِلتَّنْوِيعِ عَلى الحَقِيقَةِ.

وقالَ السَّجاوِنْدِيُّ: المَعْنى ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَحْسَبَ مِن بَعْضِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوِلايَةِ فَضْلًا عَنِ الكُلِّ فَإنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَكُونُ مَعْبُودًا ومالِكًا وناصِرًا ومَخْدُومًا.

والزَّجّاجُ خُفِيَ عَلَيْهِ أمْرُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى مَذْهَبِهِ فَقالَ: هَذِهِ القِراءَةُ خَطَأٌ لِأنَّكَ تَقُولُ: ما اتَّخَذْتَ مِن أحَدٍ ولِيًّا ولا يَجُوزُ ما اتَّخَذْتَ أحَدًا مِن ولِيٍّ لِأنَّ مِن إنَّما دَخَلَتْ لِأنَّها تَنْفِي واحِدًا في مَعْنى جَمِيعٍ ويُقالُ: ما مِن أحَدٍ قائِمًا وما مِن رَجُلٍ مُحِبًّا لِما يَضُرُّهُ ولا يُقالُ: ما قائِمٌ مِن أحَدٍ وما رَجُلٌ مِن مُحِبٍّ لِما يَضُرُّهُ ولا وجْهَ عِنْدَنا لِهَذا البَتَّةَ ولَوْ جازَ هَذا لَجازَ في ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ  ﴾ ما مِنكم أحَدٌ عَنْهُ مِن حاجِزِينَ.

وأجازَ الفِراءُ هَذِهِ القِراءَةَ عَنْ ضَعْفٍ وزَعْمِ أنَّ ﴿ مِن أوْلِياءَ ﴾ هو اسْمٌ وما في ﴿ نَتَّخِذَ ﴾ هو الخَبَرُ كَأنَّهُ يَجْعَلُهُ عَلى القَلْبِ انْتَهى.

ونَقَلَ صاحِبُ المَطْلَعِ عَنْ صاحِبِ النُّظُمِ أنَّهُ قالَ: الَّذِي يُوجِبُ سُقُوطَ هَذا القِراءَةِ أنَّ مَن لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مَفْعُولٍ لا مَفْعُولَ دُونَهُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ  ﴾ فَإذا كانَ قَبْلَ المَفْعُولِ مَفْعُولٌ سِواهُ لَمْ يُحْسِنْ دُخُولَها كَما في الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ في الإقْدامِ عَلى القَوْلِ بِأنَّها خَطَأٌ أوْ ساقِطَةٌ مَعَ رِوايَتِها عَمَّنْ سَمِعْتَ مِنَ الأجِلَةِ خَطَرًا عَظِيمًا ومُنْشَأُ ذَلِكَ الجَهْلُ ومَفاسِدُهُ لا تُحْصى.

وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ إلى جَوازِ زِيادَةِ مَن في المَفْعُولِ الثّانِي فَيُقالُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ عَلى مَعْنى ما اتَّخَذْتُهُ وكِيلًا أيْ وكِيلٍ كانَ مِن أصْنافِ الوُكَلاءِ.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا المِنوالِ ما يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذُونا مِن دُونِكَ أوْلِياءٌ أيْ أوْلِياءٍ أيْ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الوِلايَةِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ «نَتَّخِذُ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِمّا لَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ و ﴿ مِن دُونِكَ ﴾ صِلَةٌ ( ومِن أوْلِياءَ ) حالٌ ( ومِن ) زائِدَةٌ وعَزا هَذا في البَحْرِ إلى ابْنِ جِنِّيٍّ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ «نَتَّخِذُ» في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مَنِ اتَّخَذَ المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ عَلى هَذا «مِن أوْلِياءٍ» المَفْعُولُ الأوَّلُ بِزِيادَةٍ مِنَ ﴿ مِن دُونِكَ ﴾ المَفْعُولُ الثّانِي وعَلى كَوْنِهِ مِنَ المُتَعَدِّي لِواحِدٍ يَكُونُ هَذا حالًا.

وقَرَأ الحَجّاجُ «أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءٍ» فَبَلَغَ عاصِمًا فَقالَ: مَقَتَ المُخَدَّجُ أوْ ما عَلِمَ أنَّ فِيها مِن.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ ﴾ إلَخِ اسْتِدْراكٌ مُسَوِّقٌ لِبَيانِ أنَّهم هُمُ الضّالُّونَ بَعْدَ بَيانِ تَنَزُّهِهِمْ عَنْ إضْلالِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَما سَمِعْتُ، وقَدْ نَعِي عَلَيْهِمْ سُوءُ صَنِيعِهِمْ حَيْثُ جَعَلُوا أسْبابَ الهِدايَةِ أسْبابًا لِلضَّلالَةِ أيْ ما أضْلَلْناهم ولَكِنْ مَتَّعْتُهم وآباءَهم بِأنْواعِ النِّعَمِ لِيَعْرِفُوا حَقَّها ويَشْكُرُوها فاسْتَغْرَقُوا في الشَّهَواتِ وانْهَمَكُوا فِيها ﴿ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أيْ غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكِ والإيمانِ بِكَ أوْ عَنْ تَوْحِيدِكَ أوْ عَنِ التَّذَكُّرِ لِنُعْمِكَ وآياتِ أُلُوهِيَّتِكَ ووَحْدَتِكَ.

وفِي البَحْرِ الذِّكْرُ ما ذَكَّرَ بِهِ النّاسَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنِ، ولا يَخْفى ما في الأخِيرِ إذا قِيلَ: بِعُمُومِ الكُفّارِ والمُخْبَرِ عَنْهم في الآيَةِ وشُمُولُهم كُفّارُ هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرُهم ﴿ وكانُوا ﴾ أيْ في عِلْمِكَ الأزَلِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ في أنْفُسِها أوْ بِما سَيَصْدُرُ عَنْهم فِيما لا يَزالُ بِاخْتِيارِهِمْ وسُوءُ اسْتِعْدادِهِمْ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ هالِكِينَ عَلى أنْ ﴿ بُورًا ﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وأنْشَدُوا: فَلا تَكْفُرُوا ما قَدْ صَنَعْنا إلَيْكم وكافُوا بِهِ فالكُفْرُ بُورٌ لِصانِعِهِ وقَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى: يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي ∗∗∗ راتِقُ ما فَتَقَتْ إذْ أنا بَوَّرَ أوْ جَمَعَ بِأثَرٍ كَعَوْذٍ في عائِذٍ وتَفْسِيرُهُ بِهالِكِينَ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هَلْكى بِلُغَةِ عَمّانَ وهم مِنَ اليَمَنِ، وقِيلَ: بُورًا فاسِدِينَ في لُغَةِ الأزَدِ ويَقُولُونَ: أمْرٌ بائِرٌ أيْ فاسِدٍ وبارَتِ البِضاعَةُ إذا فَسَدَتْ.

وقالَ الحَسَنُ: بُورًا لا خَيْرَ فِيهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ بُورٌ أيْ مُتَعَطِّلَةٍ لا نَباتَ فِيها، وقِيلَ: بُورًا عُمْيًا عَنِ الحَقِّ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلِهِ عَلى ما قالَ أبُو السُّعُودِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: هي حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ كَفَرُوا وكانُوا أوْ عَلى ما قَبْلِها، وقَدْ شَنَّعَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِما ذَكَرَ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ: فِيهِ كَسْرٌ بَيْنَ لِقَوْلِ مَن يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُضِلُّ عِبادَهُ عَلى الحَقِيقَةِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ لِلْمَعْبُودِينَ مَن دُونِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ أمْ هم ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَتَبَرَّؤُونَ مِن إضْلالِهِمْ ويَسْتَعِيذُونَ بِهِ أنْ يَكُونُوا مُضِلِّينَ ويَقُولُونَ: بَلْ أنْتِ تَفَضَّلْتِ مِن غَيْرِ سابِقَةٍ عَلى هَؤُلاءِ وآبائِهِمْ تَفَضُّلَ جَوادٍ كَرِيمٍ فَجَعَلُوا النِّعْمَةَ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ سَبَبَ الشُّكْرِ سَبَبَ الكُفْرِ ونِسْيانِ الذِّكْرِ وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَلاكِهِمْ فَإذا بَرَّأتِ المَلائِكَةُ والرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْفُسَهم مِن نِسْبَةِ الإضْلالِ الَّذِي هو عَمَلُ الشَّياطِينِ إلَيْهِمْ واسْتَعاذُوا مِنهُ فَهم لِرَبِّهِمُ الغَنِيِّ العَدْلِ أشَدُّ تَبْرِئَةً وتَنْزِيهًا مِنهُ.

ولَقَدْ نَزَّهُوهُ تَعالى حِينَ أضافُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ التَّفَضُّلَ بِالنِّعْمَةِ والتَّمْتِيعَ بِها وأسْنَدُوا نِسْيانَ الذِّكْرِ والتَّسَبُّبِ بِهِ لِلْبَوارِ إلى الكَفَرَةِ فَشَرَحُوا الإضْلالَ المَجازِيَّ الَّذِي أسْنَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( يُضِلُّ مَن يَشاءُ ) ولَوْ كانَ سُبْحانَهُ هو المُضِلُّ عَلى الحَقِيقَةِ لَكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْ يَقُولُوا: بَلْ أنْتَ أضْلَلْتُهُمُ انْتَهى.

وأجابَ صاحِبُ الفَرائِدِ عَنْ قَوْلِهِ: فَيَتَبَرَّؤُونَ مِن إضْلالِهِمْ إلَخْ بِأنَّهُمِ إنَّما تَبَرَّؤُوا لِأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ العَذابَ بِإضْلالِهِمْ ولَمْ يَكُنْ مِنهم فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِيَنْدَفِعَ عَنْهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ وذَلِكَ أنَّهم مَسْؤُولُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَسْألُ عَمّا يَفْعَلُ فَيَلْحَقُ بِهِمُ النُّقْصانُ إنْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ ولا يُمْكِنُ لُحُوقُهُ بِهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وعَنْ قَوْلِهِ: ولَقَدْ نَزَّهُوهُ حَيْثُ أضافُوا إلَخْ بِأنَّ قَوْلَهم ولَكِنْ مَتَّعْتُهم إلَخْ لا يُنافِي نِسْبَةَ الإضْلالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى الحَقِيقَةِ وأيْضًا ما يُؤَدِّي إلى الضَّلالِ إذا كانَ مِنهُ تَعالى وكانَ مَعْلُومًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ إنَّهم يُضِلُّونَ بِهِ كانَ فِيهِ ما في الإضْلالِ بِالحَقِيقَةِ يُوجِبُ عَلى مَذْهَبِهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّهم نَسَبُوهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وعَنْ قَوْلِهِ: ولَوْ كانَ تَعالى هو المُضِلُّ عَلى الحَقِيقَةِ لَكانَ الجَوابُ العَتِيدُ أنْتَ أضْلَلْتُهم بِأنَّ هَذا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأنَّهُ تَعالى ما سَألَهم إلّا عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ وما ذَكَرَ لا يَصْلُحُ جَوابًا لَهُ بَلْ هو جَوابٌ لِمَن قالَ: مَن أضَلَّهُمُ انْتَهى، وذَكَرَ في الكَشْفِ جَوابًا عَنِ الأخِيرِ أنَّهُ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْ تَعْيِينِ مَن أضَلَّ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ وإنَّما هو سُؤالُ تَقْرِيعٍ عَلى نَحْوِ ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ  ﴾ فَلَوْ قالُوا: أنْتَ أضْلَلْتَهم لَمْ يُطابِقْ وإنَّما الجَوابُ ما أجابُوا بِهِ كَما أجابَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي ﴾ إلَخْ وقَدِ اقْتَدى بِالإمامِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ أيْضًا قَبْلَ هَذا الجَوابِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ في ﴿ مَتَّعْتَهم وآباءَهُمْ ﴾ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لِلْإضْلالِ وأنَّهُ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أدَبًا لَكانَ وجْهًا ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ المَقْصُودِ مِنَ الجَوابِ بِمُتْعَتِهِمْ إلَخْ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ الجَوابَ بِأنْتَ أضْلَلْتَهم لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ أدَبًا لِأنَّ الجَوابَ بِذَلِكَ مِمّا لا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ كَما لا يَخْفى.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ جَوابَ المَسْؤُولِينَ بِما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى مُعْتَقَدِهِمُ المُوافِقِ لِما عَلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ لِأنَّ أهْلَ الحَقِّ يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وإنْ خَلَقَ الضَّلالَ إلّا أنَّ لِلْعِبادِ اخْتِيارًا فِيهِ وعِنْدَهم أنَّ كُلَّ فِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ لَهُ نِسْبَتانِ إنْ نَظَرَ إلى كَوْنِهِ مَخْلُوقًا فَهو مَنسُوبٌ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ نَظَرَ إلى كَوْنِهِ مُخْتارًا لِلْعَبْدِ فَهو مَنسُوبٌ لِلْعَبْدِ وهَؤُلاءِ المُجِيبُونَ نَسَبُوا النِّسْيانَ أيِ الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ النِّسْيانُ إلى الكَفَرَةِ لِأنَّهُمُ اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ فَصَدَقَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ ونَسَبُوا السَّبَبَ الَّذِي اقْتَضى نِسْيانَهم وانْهِماكَهم في الشَّهَواتِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو اسْتِدْراجُهم بِبَسْطِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وصَبِّها صَبًّا فَلا تُنافِي بَيْنَ مُعْتَقَدِ أهْلِ الحَقِّ ومَضْمُونِ ما قالُوا في الجَوابِ بَلْ هُما مُتَواطِئانِ عَلى أمْرٍ واحِدٍ انْتَهى.

ولا يَخْفى ما في بَيانِ التَّوافُقِ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ يُقالُ: حَيْثُ كانَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيعُ المُشْرِكِينَ وعِلْمِ المُسْتَفْهِمِينَ بِذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكِرَ لا سِيَّما إذا كانُوا المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جِيءَ بِالجَوابِ مُتَضَمِّنًا ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مُشْتَمِلًا عَلى تَحَقُّقِ الأمْرِ في مَنشَإ ضَلالِهِمْ كُلُّ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ بِمُرادِهِ تَعالى مِن تَقْرِيعِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ ولِذا لَمْ يَكْتَفُوا في الجَوابِ- بِهِمْ ضَلُّوا- بَلِ افْتَتَحُوا بِالتَّسْبِيحِ ثُمَّ نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الإضْلالَ عَلى وجْهٍ مِنَ المُبالَغَةِ لَيْسَ وراءَهُ ثُمَّ أفادُوا أنَّهم ضَلُّوا بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَرِيعَةً لَهم إلى الِاهْتِداءِ مِن تَمْتِيعِهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ وذَلِكَ مِن أقْبَحِ الضَّلالِ ونَبَّهُوا عَلى زِيادَةِ قُبْحِهِ فَوْقَ ما ذَكَرَ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ ثُمَّ ذَكَرُوا مَنشَأ ضَلالِهِمْ والأصْلُ الأصِيلُ فِيهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وكانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ أمّا عَلى مَعْنى كانُوا في نَفْسِ الأمْرِ قَوْمًا فاسِدِينَ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ هالِكِينَ ونَحْوُهُ مِمّا تَقَدَّمَ فَظَهَرُوا عَلى حَسَبِ ما كانُوا لِأنَّ ما في نَفْسِ الأمْرِ لا يَتَغَيَّرُ أوْ عَلى مَعْنى كانُوا في العِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ فَظَهَرُوا عَلى حَسَبِ ذَلِكَ لِئَلّا يُلْزِمَ الِانْقِلابَ المُحالَ، وحاصِلُهُ أنَّ مَنشَأ ضَلالِهِمْ فَسادُ اسْتِعْدادِهِمْ في نَفْسِهِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لِلْغَيْرِ في التَّأْثِيرِ فِيهِ وهَذا شَأْنُ جَمِيعِ ماهِيّاتِ الأشْياءِ في أنْفُسِها فَإنَّ مَدْخَلِيَّةَ الغَيْرِ إنَّما هي في نَحْوِ وُجُودِها الخارِجِيِّ لا غَيْرَ، وإلى هَذا ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ والصُّوفِيَّةِ وشَيَّدَ أرْكانَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكَوْرانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في أكْثَرِ كُتُبِهِ فَإنْ كانَ مَقْبُولًا فَلا بَأْسَ في تَخْرِيجِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًۭا وَلَا نَصْرًۭا ۚ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًۭا كَبِيرًۭا ١٩

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ حِكايَةٌ لِاحْتِجاجِهِ تَعالى عَلى العَبَدَةِ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنِ المَعْبُودِينَ عِنْدَ تَمامِ جَوابِهِمْ وتَوَجُّهِهِ إلى العَبَدَةِ مُبالَغَةً في تَقْرِيعِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُرَتَّبٍ عَلى الجَوابِ أيْ فَقالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ: قَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ أيُّها الكَفَرَةُ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الفاءُ فَصِيحَةٌ مِثْلُها في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ: قالُوا خُراسانَ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا والتَّقْدِيرُ هُنا قُلْنا أوْ قالَ تَعالى إنْ قُلْتُمْ إنَّهم آلِهَةٌ فَقَدْ كَذَّبُوكم ﴿ بِما تَقُولُونَ ﴾ أيْ في قَوْلِكم عَلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى في وما مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ والقَوْلُ بِمَعْنى المَقُولِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ في الَّذِي تَقُولُونَهُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ صِلَةً والمَجْرُورُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في كَذَّبُوكُمْ، والمُرادُ بِمِقْوَلِهِمْ أنَّهم آلِهَةٌ أوْ هَؤُلاءِ أضَلُّونا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ تَكْذِيبَهم في هَذا القَوْلِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما بَعْدَهُ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لِلصَّرْفِ والنَّصْرِ أصْلًا وإنَّما الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ تَكْذِيبُهم في زَعْمِهِمْ أنَّهم آلِهَتُهم وناصِرُوهم وفِيهِ نَظَرٌ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَعْبُودِينَ أيْ فَقَدْ كَذَّبَكُمُ العابِدُونَ أيُّها المَعْبُودُونَ في قَوْلِكم سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءٍ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّكم آلِهَةً، والمُرادُ الحُكْمُ عَلى أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ بِالكُفْرِ عَلى وجْهٍ فِيهِ اسْتِزادَةُ غَيْظِ المَعْبُودِينَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهُ مُفَرَّعًا عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

والفاءُ أيْضًا فَصِيحَةٌ، والجُمْلَةُ جَزاءٌ بِاعْتِبارِ الأخْبارِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكَفَرَةُ في الدُّنْيا فِيما تَقُولُونَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وجِيءَ بِالكَلامِ لِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى والثّانِي أبْعَدُهُما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «يَقُولُونَ» بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وقَنْبَلِ الخِطابِ في ﴿ كَذَّبُوكُمْ ﴾ لِلْعابِدِينَ وضَمِيرُ الجَمْعِ فِيهِ وفي «يَقُولُونَ» لِلْمَعْبُودِينَ أيْ فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها العَبَدَةُ المَعْبُودُونَ بِزَعْمِكم بِقَوْلِهِمْ سُبْحانَكَ إلَخْ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ الِاسْتِعانَةِ، وفِيهِ أيْضًا القَوْلانِ السّابِقانِ أيْ فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها المَعْبُودُونَ العَبَدَةُ بِقَوْلِهِمْ إنَّكم آلِهَةٌ أوْ فَقَدْ كَذَّبَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ في التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ المَحْكِيَّ عَنْهم آلِهَةٌ ﴿ فَما تَسْتَطِيعُونَ ﴾ أيْ فَما تَمْلِكُونَ أيُّها العَبَدَةُ ﴿ صَرْفًا ﴾ أيْ دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْ أنْفُسِكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّنْكِيرُ أيْ لا بِالذّاتِ ولا بِالواسِطَةِ، وقِيلَ: حِيلَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لِيَصْرِفَ في أُمُورِهِ أيْ يَحْتالُ فِيها، وقِيلَ: تَوْبَةٌ، وقِيلَ: فِدْيَةٌ والأوَّلُ أظْهَرُ فَإنَّ أصْلَ الصَّرْفِ رَدُّ الشَّيْءِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى وإطْلاقُهُ عَلى الحِيلَةِ أوِ التَّوْبَةِ أوِ الفِدْيَةِ مَجازٌ، والمُرادُ فَما تَمْلِكُونَ دَفْعًا لِلْعَذابِ قَبْلَ حُلُولِهِ ﴿ ولا نَصْرًا ﴾ أيْ فَرْدًا مِن أفْرادِ النَّصْرِ أيِ العَوْنِ لا مِن جِهَةِ أنْفُسِكم ومِن جِهَةِ غَيْرِكم بَعْدَ حُلُولِهِ، وقِيلَ: نَصْرًا جَمْعُ ناصِرٍ كَصَحْبٍ جَمْعُ صاحِبٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ عَلى ما قَبْلِها مِنَ التَّكْذِيبِ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ لَوْلاهُ لَوَجَدَتِ الِاسْتِطاعَةُ حَقِيقَةً بَلْ في زَعْمِهِمْ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَدْفَعُونَ عَنْهُمُ العَذابَ ويَنْصُرُونَهم وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، والمُرادُ مِنَ التَّكْذِيبِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِمْ إنَّهم آلِهَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ تَكْذِيبُهم بِقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ أضَلُّونا وهو مُتَضَمِّنٌ نَفْيِ كَوْنِهِمْ آلِهَةً وبِذَلِكَ يَتِمُّ أمْرُ التَّرْتِيبِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأكْثَرُ السَّبْعَةِ «يَسْتَطِيعُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ فَما يَسْتَطِيعُ آلِهَتُكم دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكُمْ، وقِيلَ حِيلَةٌ لِدَفْعِهِ، وقِيلَ فِدْيَةٌ عَنْكم ولا نَصْرًا لَكُمْ، وقِيلَ في مَعْنى الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخِطابِ السّابِقِ لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ شَدِيدٌ والشَّكِيمَةُ في التَّكْذِيبِ المُوجِبِ لِلتَّعْذِيبِ فَما تَسْتَطِيعُونَ أنْتُمْ صَرْفَهم عَنْهُ ولا نَصْرًا لَكم فِيما يُصِيبُهم مِمّا يَسْتَوْجِبُهُ مِنَ العَذابِ هَذا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ «تَسْتَطِيعُونَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وأمّا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ «يَسْتَطِيعُونَ» بِالياءِ فالمَعْنى ما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا لِأنْفُسِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ ولا نَصْرًا لَها فِيما اسْتَوْجَبُوهُ بِتَكْذِيبِهِمْ مِنَ العَذابِ أوْ فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَكم عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ انْتَهى وهو كَما تَرى ﴿ ومَن يَظْلِمْ ﴾ أيْ يَكْفُرُ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ ويَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ كَهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ ﴿ نُذِقْهُ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ عَذابًا كَبِيرًا ﴾ لا يُقادِرُ قَدْرَهُ وهو عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ «يَذُقْهُ» عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِمَصْدَرٍ يَظْلِمُ أيْ يَذُقْهُ الظُّلْمُ والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وابْنُ جَرِيجٍ وأيَّدَ بِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ فَإنَّ الكَلامَ في الكُفْرِ ووَعِيدِهِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ الشِّرْكَ وسائِرَ المَعاصِي والوَعِيدَ بِالعَذابِ لا يُنافِي العَفْوَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُشْرِكِ لِما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ.

واخْتارَ الطَّيِّبِيُّ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ وجَعَلَ الخِطابَ لِلْكُفّارِ أيْضًا لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ مِن أوَّلُ وقَدْ سَبَقَ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ لِما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الأهْوالِ والنَّكالِ مِن لَدُنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ  ﴾ ومَعْنى ﴿ ومَن يَظْلِمْ ﴾ حِينَئِذٍ ومَن يَدُمْ عَلى الظُّلْمِ، وفي الكَشْفِ الوَجْهُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ والظُّلْمُ الكُفْرُ ﴿ ومَن يَظْلِمْ ﴾ مَظْهَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الكَفْرِ وتَجاوُزِهِمْ حَدَّ الإنْصافِ والعَدْلِ إلى مَحْضِ الِاعْتِسافِ والجَدَلِ فِيما رَمَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ  وكانَ الأصْلُ فَلا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ونُذِيقُهم عَذابًا كَبِيرًا أوْ نُذِيقُكم عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ والحَمْلِ عَلى مَن يَدُمْ عَلى الظُّلْمِ مِنكم لِيَخْتَصَّ الخِطابُ بِالكُفّارِ صَحِيحٌ أيْضًا ولَكِنْ تَفُوتُهُ النُّكْتَةُ الَّتِي ذَكَرْناها انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَهُ مِن إقامَةِ المُظْهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ خِلافَ الظّاهِرِ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍۢ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًۭا ٢٠

﴿ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴾ قِيلَ هو تَسْلِيَةٌ لَهُ  عَنْ قَوْلِهِمْ مالِ هَذا الرَّسُولُ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ بِأنَّ لَكَ في سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُسْوَةَ حَسَنَةٍ فَإنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ كَذَلِكَ كانَ مَن خَلا مِنَ الرُّسُلِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ  بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ورَدَّهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمَ الجَلِيلَ لِأنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْ تَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ  ﴾ وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: ولِقائِلٍ أنَّ يَقُولَ هَذا جَوابٌ آخَرُ كَما أُجِيبُ هُنالِكَ مِن أوْجُهٍ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا ﴾ جَوابًا ثالِثًا وعَقِبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ ﴾ لِمَكانِ المُناسِبَةِ وتَمَّ الوَعِيدُ ثُمَّ أجابَهم سُبْحانَهُ جَوابًا آخَرَ يَتَضَمَّنُ التَّسْلِيَةَ أيْضًا وهَذا يُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ إلّا قِيلَ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ قَبِلَ ﴿ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ والمَعْنى ما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ فِيهِ الفَضْلَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِإلّا وقَدْ رَدَّهُ أكْثَرُ النُّحاةِ كَما في المُغْنِي، ومِن هُنا جَعَلَها بَعْضُهم صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ إلّا وذَلِكَ بَدَلٌ مِمّا حُذِفَ قَبْلُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، والمَعْنى ما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا رِجالًا أوْ رُسُلًا أنَّهم إلَخْ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهو جائِزٌ عِنْدَهم.

وقَدَّرَ الفِراءُ بَعْدَ إلّا مِن وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجُمْلَةَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وجُمْلَةُ القَوْلِ صِفَةٌ أيْ إلّا رِجالًا أوْ رُسُلًا قِيلَ إنَّهم إلَخْ وهو كَما تَرى، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ إلّا وأنَّهم.

قالَ أبُو حَيّانَ: وهو المُخْتارُ، وقَدَّرَ الواوَ بِناءً عَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ في مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالضَّمِيرِ غَيْرُ فَصِيحٍ، ورُبَّما يَخْتارُ عَدَمَ التَّقْدِيرِ ويَمْنَعُ دَعْوى عَدَمِ الفَصاحَةِ أوْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ المُقْتَرِنِ بِإلّا لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ بَدَلٌ، ووَجْهُ كَسْرِ إنَّ وُقُوعُها في الِابْتِداءِ ووُقُوعُ اللّامِ بَعْدَها أيْضًا.

وقُرِئَ «أنَّهُمْ» بِالفَتْحِ عَلى زِيادَةِ اللّامِ بَعْدَها وتَقْدِيرُ جارٍّ قَبْلَها أيْ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ إلَخْ.

والمُرادُ ما جَعَلْناهم رُسُلًا إلى النّاسِ إلّا لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهُمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «( يَمَشُّونَ)» بِتَشْدِيدِ الشِّينِ المَفْتُوحَةِ مَعَ ضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ يَمْشِيهِمْ حَوائِجِهِمْ أوِ النّاسُ والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ كَما في قَوْلِ الهُذَلِيِّ: يَمْشِي بَيْنَنا حانُوتٌ خَمَّرَ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيُّ كَما في البَحْرِ «يَمْشُونَ» بِضَمِّ الياءِ والشِّينِ مَعَ التَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهو مُبالَغَةٌ يَمْشِي المُخَفَّفُ فَهي مُطابَقَةٌ لِلْقِراءَةِ المَشْهُورَةِ ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ يَمْشِيهِمْ حَوائِجِهِمْ ونَحْوُهُ.

وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: ومَشى بِأغْصانِ المَباءَةِ وابْتَغى قَلائِصُ مِنها صَعْبَةٌ وذَلُولٌ وقَوْلُهُ: فَقَدْ تَرَكَتْ خَزِينَةٌ كُلَّ وغْدٍ ∗∗∗ يَمْشِي بَيْنَ خاتامٍ وطاقٍ وفِي بَعْضِ نُسَخِ الكَشّافِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهَذِهِ القِراءَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ ﴾ قِيلَ تَسْلِيَةٌ لَهُ  أيْضًا لَكِنَّ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ  ﴾ أيْ وجَعَلْنا أغْنِياءَكم أيُّها النّاسُ ابْتِلاءً لِفُقَرائِكم لِنَنْظُرَ هَلْ يَصْبِرُونَ ﴿ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ أيْ عالِمًا بِالصَّوابِ فِيما يُبْتَلى بِهِ وغَيْرُهُ فَلا يُضَيِّقْنَ صَدْرُكَ ولا تَسْتَخِفَّنَّكَ أقاوِيلُهُمْ، وقِيلَ: تَصْبِيرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما قالُوهُ واسْتَبْدَعُوهُ مِن أكْلِهِ الطَّعامِ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِسائِرِ الرُّسُلِ، والكَلامُ مِن تَلْوِينِ الخِطابِ بِتَعْمِيمِهِ لِسائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهُمْ، والمُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كَفّارُ الأُمَمِ واخْتِصاصُهم بِالرُّسُلِ مُصَحِّحٌ لِأنَّ يَعْدُوا بَعْضًا مِنهم وبِالبَعْضِ الثّانِي رُسُلُهم عَلى مَعْنى جَعَلْنا كُلَّ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأُمَمِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ مُعِينٍ عَلى مِنِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ وجَعَلَنا كُلَّ أُمَّةٍ مَخْصُوصَةً مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ فِتْنَةً لِرَسُولِها المُعِينِ.

وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ الحالِ، وحاصِلُهُ جَرَتْ سُنَّتُنا بِمُوجِبِ حِكْمَتِنا عَلى ابْتِلاءِ المُرْسَلِينَ بِأُمَمِهِمْ وبِمُناصَبَتِهِمْ لَهُمُ العَداوَةُ وإطْلاقُ ألْسِنَتِهِمْ فِيهِمْ بِالأقاوِيلِ الخارِجَةِ عَنْ حَدِّ الإنْصافِ وسُلُوكِهِمْ في أذاهم كُلَّ مَسْلَكٍ لِنَعْلَمَ صَبْرَهم أوْ هو خِطابُ النّاسِ كافَّةً عَلى ما قِيلَ وهو الظّاهِرُ، والبَعْضُ الأوَّلُ أعَمُّ مِنَ الكُفّارِ والأغْنِياءِ والأصِحّاءِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُصْلِحُ أنْ يَكُونَ فِتْنَةً والبَعْضُ الثّانِي أعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ والقُرّاءِ والمَرْضى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَفْتِنَ.

والكَلامُ عَلَيْهِ مُفِيدٌ لِتَصَبُّرِهِ  عَلى ما قالُوهُ وزِيادَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ مِن لا مالَ لَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ وبِالبَعْضِ الثّانِي أُمَمَهم ويَدْخُلُ في ذَلِكَ نَبِيُّنا  وأمَتُّهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا فَكَأنَّهُ قِيلَ جَعَلْناكَ فِتْنَةً لِأُمَّتِكَ لِأنَّكَ لَوْ كُنْتَ صاحِبَ كُنُوزٍ وجَنّاتٍ لَكانَ مَيْلُهم إلَيْكَ وطاعَتُهم لَكَ لِلدُّنْيا أوْ مَمْزُوجَةٌ بِالدُّنْيا وإنَّما بَعَثْناكَ لا مالَ لَكَ لِيَكُونَ طاعَةَ مَن يُطِيعُكَ مِنهم خالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ وكَذا حالُ سائِرِ مَن لا مالَ لَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ مَعَ أُمَمِهِمْ والأظْهَرُ عُمُومُ الخِطابِ والبَعْضَيْنِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الآثارُ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَ: ذَلِكَ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ والغَنِيِّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ والرَّسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةُ شَرافِ النّاسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ، وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمِ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ انْتَهى.

واخْتارَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ.

ولا يَضُرُّ فِيهِ خُصُوصُ سَبَبِ النُّزُولِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنِ وائِلٍ ومَن في طَبَقَتِهِمْ قالُوا: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلالٌ وفُلانٌ وفُلانٌ تَرَفَّعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إمّا في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ لِلْجَعْلِ ومُعادِلِهِ مَحْذُوفٌ كَما حَذَفَ فِيما لا يُحْصى مِنَ الأمْثِلَةِ والتَّقْدِيرُ لِنَعْلَمَ أتَصْبِرُونَ أمْ لا أيْ لِيَظْهَرَ ما في عِلْمِنا.

وقَرِينَةُ تَقْدِيرِ العِلْمِ تَضْمَنُ الفِتْنَةَ إيّاهُ.

وإمّا أنْ لا يَكُونُ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ هُناكَ مُعادِلٌ مَحْذُوفٌ بِأنْ يَكُونَ لِلتَّرْغِيبِ والتَّحْرِيضِ والمُرادُ اصْبِرُوا فَإنِّي ابْتُلِيتُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ.

ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ مُعادِلٌ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ التَّعْلِيلِ أيْضًا بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى ما سَمِعْتُ.

وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ الخَطّابَ فِيما سَبَقَ عامًّا وفي ﴿ أتَصْبِرُونَ ﴾ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لَهم في ضِمْنِ العُمُومِ السّابِقِ وقَدَّرَ مُعادِلًا فَقالَ: كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ وقَّفَهم أتَصْبِرُونَ أمْ لا.

وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ وعْدًا لِلصّابِرِينَ ووَعِيدًا لِلْعاصِينَ.

وجَعَلَهُ بَعْضُهم وعْدًا لِلرَّسُولِ  بِالأجْرِ الجَزِيلِ لِصَبْرِهِ الجَمِيلِ مَعَ مَزِيدِ تَشْرِيفٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالِالتِفاتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ  .

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِأُولَئِكَ المُعانِدِينَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِيءَ بِهِ إتْمامًا لِلتَّسْلِيَةِ أوِ التَّصَبُّرِ ولَيْسَ بِذاكَ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ فَإنَّها أفادَتْ أنَّ أفْعالَ العِبادِ كَعَداوَةِ الكَفّارِ وإيذائِهِمْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ والفِتْنَةِ بِمَعْنى الِابْتِلاءِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مِن أفْعالِ العِبادِ إلّا أنَّها مُفْضِيَةٌ ومُسْتَلْزَمَةٌ لِما هو مِنها.

وفِيهِ مِنَ الخَفاءِ ما فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى.

تَمَّ والحَمْدُ لِلَّهِ الجُزْءُ الثّامِنَ عَشَرَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ التّاسِعَ عَشَرَ وأوَّلُهُ ﴿ "وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّۭا كَبِيرًۭا ٢١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ إلَخْ، شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ وبَيانِ بُطْلانِها إثْرَ حِكايَةِ إبْطالِ أباطِيلِهِمُ السّابِقَةِ، وذِكْرُ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ ﴾ إلى آخِرِهِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ ما يُحْكى عَنْهم في الشَّناعَةِ بِحَيْثُ لا يَصْدُرُ عَمَّنْ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والرَّجاءُ في المَشْهُورِ الأمَلُ وقَدْ فَسَّرَ أحَدَهُما بِالآخَرِ أكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ، وفي فُرُوقِ ابْنِ هِلالٍ: الأمَلُ رَجاءٌ يَسْتَمِرُّ ولِذا قِيلَ لِلنَّظَرِ في الشَّيْءِ إذا اسْتَمَرَّ وطالَ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: الأمَلُ يَكُونُ في المُمْكِنِ والمُسْتَحِيلِ والرَّجاءُ يَخُصُّ المُمْكِنَ.

وفِي المِصْباحِ: الأمَلُ ضِدُّ اليَأْسِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما يَبْعُدُ حُصُولُهُ، والطَّمَعُ يَكُونُ فِيما قَرُبَ حُصُولُهُ، والرَّجاءُ بَيْنَ الأمَلِ والطَّمَعِ، فَإنَّ الرّاجِيَ يَخافُ أنْ لا يَحْصُلَ مَأْمُولُهُ ولِذا اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى الطَّمَعِ، انْتَهى.

وفَسَّرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ بِالخَوْفِ، وقالَ الفَرّاءُ: هَذِهِ الكَلِمَةُ تِهامِيَّةٌ، وهي أيْضًا مِن لُغَةِ هُذَيْلٍ إذا كانَ مَعَ الرَّجاءِ جَحْدٌ ذَهَبُوا بِهِ إلى مَعْنى الخَوْفِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ لا يَرْجُو رَبَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيدُونَ لا يَخافُ رَبَّهُ سُبْحانَهُ، ومِن ذَلِكَ ما ﴿ لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ أيْ لا تَخافُونَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً، وإذا قالُوا: فُلانٌ يَرْجُو رَبَّهُ فَهَذا عَلى مَعْنى الرَّجاءِ لا عَلى مَعْنى الخَوْفِ، وقالَ الشّاعِرُ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلِ وقالَ آخَرُ: لا يَرْتَجِي حِينَ يُلاقِي الذّائِدا ∗∗∗ أسَبْعَةً لاقَتْ لَهُ أوْ واحِدًا انْتَهى.

وذُكِرَ أنَّ اسْتِعْمالَ الرَّجاءِ في مَعْنى الخَوْفِ مُجازٌ؛ لِأنَّ الرّاجِيَ لِأمْرٍ يَخافُ فَواتَهُ، وأصْلُ اللِّقاءِ مُقابَلَةُ الشَّيْءِ ومُصادَفَتُهُ، وهو مُرادُ مَن قالَ: الوُصُولُ إلى الشَّيْءِ لا المُماسَّةُ، ويُطْلَقُ عَلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّها وُصُولٌ إلى المَرْئِيِّ، ولِقاؤُهُ تَعالى هُنا كِنايَةٌ عَنْ لِقاءِ جَزائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوِ المُرادُ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، والمَعْنى عَلى التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ لِلرَّجاءِ: وقالَ الَّذِينَ لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ جَزائِنا بِالخَيْرِ والثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الآخَرِ: وقالَ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَ جَزائِنا بِالشَّرِّ والعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ كَذا قِيلَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ رُؤْيَتُهُ تَعالى في الآخِرَةِ، والرَّجاءُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الأمَلِ دُونَ الخَوْفِ إذْ لا مَعْنى لِكَوْنِ الرُّؤْيَةِ مَخُوفَةً، وهو خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ لَمْ يَأْبَهُ ما بَعْدُ، إذْ يَكُونُ المَعْنى عَلَيْهِ: إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ رُؤْيَتَنا في الآخِرَةِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ الرُّؤْيَةِ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ اقْتَرَحُوا رُؤْيَتَنا في الدُّنْيا الَّتِي لَيْسَتْ مَظِنَّةً لِذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: نَفْيُ رَجاءِ لِقائِهِ تَعالى كِنايَةٌ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ والحَشْرِ، ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ، أيْ: وقالَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ والحَشْرَ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ  ﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِ، وفي طَلَبِ إنْزالِ مَلائِكَةٍ لِلتَّصْدِيقِ دُونَ إنْزالِ مَلَكٍ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في التَّكْذِيبِ مَبْلَغًا لا يَنْفَعُ مَعَهُ تَصْدِيقُ مَلَكٍ واحِدٍ وإذا، اعْتُبِرَتْ ألْ في المَلائِكَةِ لِلِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ كانَتِ الإشارَةُ إلى قُوَّةِ تَكْذِيبِهِمْ أقْوى، وتَزْدادُ القُوَّةُ إذا اعْتُبِرَ في ( عَلَيْنا ) مَعْنى كُلِّ واحِدٍ مِنّا ولَمْ يُعْتَبَرْ تَوْزِيعٌ، ويُشِيرُ أيْضًا إلى قُوَّةِ ذَلِكَ تَعْبِيرُهم بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي في ﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ كَأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِرُؤْيَتِهِ تَعالى وإخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِصِدْقِ رَسُولِهِ  حَتّى يَرَوْهُ سُبْحانَهُ ويُخْبِرَهم مِرارًا بِذَلِكَ، ولا يَأْبى قَصْدُ الِاسْتِمْرارِ مِنَ المُضارِعِ كَوْنَ الأصْلِ في «لَوْلا» الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ أوِ العَرْضِ أنْ تَدْخُلَ عَلى المُضارِعِ وما لَمْ يَكُنْ مُضارِعًا يُؤَوَّلُ بِهِ، ولَعَلَّ عُدُولَهم إلى الماضِي في جانِبِ إنْزالِ المَلائِكَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ - وإنْ كانَ في تَأْوِيلِ المُضارِعِ - عَلى نَحْوِ ما قَدَّمَنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.

وقِيلَ: المَعْنى لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَيُبَلِّغُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ونَهْيَهُ بَدَلَ مُحَمَّدٍ  أوْ نَرى رَبَّنا فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ أحَدٍ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ السِّياقَ لِتَكْذِيبِهِ  وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ مِنَ الكَذِبِ، والتَّعَنُّتُ في طَلَبِ مُصَدِّقٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا لِطَلَبِ مَن يُفِيدُهُمُ الأمْرَ والنَّهْيَ سِواهُ  ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ ﴾ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَعَ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ السّابِقِ لِظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ فِيهِما، ولَوْ فُرِضَ لُزُومُ التَّكْرارِ بَيْنَهُما فَهو لا يَضُرُّ كَما لا يَخْفى.

وانْتُصِرَ لِلْأخِيرِ بِأنَّ المُقامَ لَيْسَ إلّا لِذِكْرِ المُكَذِّبِينَ وحِكايَةِ أباطِيلِهِمُ النّاشِئَةِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ، وقَدْ عَدَّ فِيما سَبَقَ بَعْضًا مِنها مُتَضَمِّنًا تَعَنُّتَهم في طَلَبِ مُصَدِّقٍ لَهُ  فالأوْلى أنْ يَكُونَ ما هُنا حِكايَةَ نَوْعٍ آخَرَ مِنها لِيَكُونَ أبْعَدَ عَنِ التَّكْرارِ وأدَلَّ عَلى العِنادِ والِاسْتِكْبارِ.

ولَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ أنْسَبُ بِما ذُكِرَ.

ومَعْنى ﴿ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ أوْقَعُوا الِاسْتِكْبارَ في شَأْنِها وعَدُّوها كَبِيرَةَ الشَّأْنِ، وفِيهِ تَنْزِيلُ الفِعْلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَما في قَوْلِهِ: يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وهو المَصْدَرُ الشّائِعُ لِعَتا، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ وتَجاوَزُوا الحَدَّ في الظُّلْمِ والطُّغْيانِ تَجاوُزًا كَبِيرًا بالِغًا أقْصى غايَتِهِ، حَيْثُ كَذَّبُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمْ يَنْقادُوا لِبَشَرٍ مِثْلِهِمْ يُوحى إلَيْهِ في أمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ ولَمْ يَكْتَرِثُوا بِمُعْجِزاتِهِ القاهِرَةِ، وآياتِهِ الباهِرَةِ، فَطَلَبُوا ما لا يَكادُ تَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ، ورامُوا ما لا يَحْظى بِهِ إلّا بَعْضُ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.

وقَدْ فُسِّرَ ﴿ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴾ بِـ:أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ، وهو الكُفْرُ والعِنادُ في قُلُوبِهِمْ، وهو أظْهَرُ مِمّا تَقَدَّمَ، وما تَقَدَّمَ أبْلَغُ وأوْفَقُ لِما انْتُصِرَ لَهُ، وكَذا فُسِّرَ العُتُوُّ بِالنَّبْوِ عَنِ الطّاعَةِ، وما تَقَدَّمَ أبْلَغُ وأوْفَقُ بِذَلِكَ أيْضًا.

وفِي تَعَقُّبِ حِكايَةِ باطِلِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ إيذانٌ بِغايَةِ قُبْحِ ما هم عَلَيْهِ، وإشْعارٌ بِالتَّعَجُّبِ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ وعُتُوِّهِمْ، وهو مِنَ الفَحْوى في الحَقِيقَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ شائِعٌ في الكَلامِ، تَقُولُ لِمَن جَنى جِنايَةً: فَعَلْتَ كَذا وكَذا اسْتِعْظامًا وتَعَجُّبًا مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ في سائِرِ الألْسِنَةِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ مُهَلْهَلٍ: وجارَةُ جَسّاسٍ أبَأنا بِنابِها ∗∗∗ كُلَيْبًا غَلَتْ نابُ كُلَيْبٍ بَواؤُها والطِّيبِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ؛ لِأنَّ الثُّلاثِيَّ المُحَوَّلَ إلى فِعْلٍ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا مَوْضُوعٌ لِلتَّعَجُّبِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ، وذَكَّرَ الإمامُ مُخْتارَ القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ إلَخْ، أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: «لَوْلا أُنْزِلَ» إلَخْ، مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ: أحَدُها أنَّ القُرْآنَ لَمّا ظَهَرَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا فَقَدْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَبَعْدَ ذَلِكَ لا يَكُونُ اقْتِراحُ هَذِهِ الآياتِ إلّا مَحْضَ اسْتِكْبارٍ.

وثانِيها أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَوْ حَصَلَ لَكانَ أيْضًا مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ، ولا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ لِخُصُوصِ كَوْنِهِ نُزُولَ المَلَكِ بَلْ لِعُمُومِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَيَكُونُ قَبُولُ ذَلِكَ ورَدُّ الآخَرِ تَرْجِيحًا لِأحَدِ المِثْلَيْنِ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ.

وثالِثُها أنَّهم بِتَقْدِيرِ رُؤْيَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَصْدِيقِهِ لِرَسُولِهِ  لا يَسْتَفِيدُونَ عِلْمًا أزْيَدَ مِن تَصْدِيقِ المُعْجِزِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ صادِقًا فَأحْيِ هَذا المَيِّتَ فَيُحْيِيهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ أنْ يَقُولَ: إنْ كُنْتُ صادِقًا فَصَدِّقْنِي فَيُصَدِّقُهُ، فَتَعْيِينُ أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ مَحْضُ العِنادِ.

ورابِعُها أنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَعْتَرِضَ عَلى مَوْلاهُ إمّا بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ أوْ بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ عِنْدَ المُعْتَزَلِيِّ.

وخامِسُها أنَّ السّائِلَ المُلِحَّ المُعانِدَ الَّذِي لا يَرْضى بِما يُنْعَمُ عَلَيْهِ مَذْمُومٌ، وإظْهارُ المُعْجِزِ مِن جُمْلَةِ الأيادِي الجَسِيمَةِ، فَرَدُّ إحْداهُما واقْتِراحُ الأُخْرى لَيْسَ مِنَ الأدَبِ في شَيْءٍ.

وسادِسُها لَعَلَّ المُرادَ أنِّي لَوْ عَلِمْتُ أنَّهم لَيْسُوا مُسْتَكْبِرِينَ وعاتِينَ لَأعْطَيْتُهم مَطْلُوبَهُمْ، لَكِنِّي عَلِمْتُ أنَّهم إنَّما سَألُوا لِأجْلِ المُكابَرَةِ والعِنادِ، فَلا جَرَمَ لا أُعْطِيهِمْ.

وسابِعُها لَعَلَّهم عَرَفُوا مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى في الدُّنْيا، وأنَّهُ لا يُنْزِلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى عَوامِّ الخَلْقِ، ثُمَّ إنَّهم عَلَّقُوا إيمانَهم عَلى ذَلِكَ فَهم مُسْتَكْبِرُونَ ساخِرُونَ، انْتَهى، وفِيهِ ما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ.

واسْتَدَلَّتِ الأشاعِرَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: «لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» عَلى أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْكِنَةٌ، واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا ﴾ ، ﴿ وعَتَوْا ﴾ عَلى أنَّها مُمْتَنَعَةٌ، ولا يَخْفى ضَعْفُ الِاسْتِدْلالَيْنِ <div class="verse-tafsir"

يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا ٢٢

﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما يَلْقُونَهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ اسْتِعْظامِ طَلَبِهِمْ إنْزالَهم عَلَيْهِمْ، وبَيانِ كَوْنِهِ في غايَةِ الشَّناعَةِ.

وإنَّما قِيلَ: يَوْمَ يَرَوْنَ دُونَ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تَنْزِلُ المَلائِكَةُ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ رُؤْيَتَهم لَهم لَيْسَتْ عَلى طَرِيقِ الإجابَةِ إلى ما طَلَبُوهُ بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ لَمْ يَمُرَّ بِبالِهِمْ «ويَوْمَ» مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ فَإنَّهُ في مَعْنى: لا يُبَشَّرُ يَوْمَئِذٍ المُجْرِمُونَ، والعُدُولُ إلى نَفْيِ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ البُشْرى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يُبَشَّرُونَ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ يَفْقِدُونَها، والأوَّلُ أبْعَدُ مِنِ احْتِمالِ تَوَهُّمِ تَهْوِينِ الخَطْبِ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: لا بُشْرى قَبْلَ يَوْمٍ وجَعَلَهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِيُعَذَّبُونَ مُقَدَّرًا لِدَلالَةِ ﴿ لا بُشْرى ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ، وكَوْنِهِ مَعْمُولًا لا ذُكِرَ مُقَدَّرًا قالَ: أبُو حَيّانَ: وهو أقْرَبُ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ(يَنْزِلُ) مُضْمَرًا لِقَوْلِهِمْ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَنْزِلُ المَلائِكَةُ يَوْمَ يَرَوْنَهُمْ، ولا يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ وقْتُ الرُّؤْيَةِ وقْتًا لِلْإنْزالِ؛ لِأنّا نَقُولُ: الظَّرْفُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ لِسَعَتِهِ، واسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ، فَقالَ: هو قَوْلٌ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا انْتَصَبَ بِيَنْزِلُ يَلْتَئِمُ الكَلامانِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ﴾ إلَخْ، نَشْرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ إلَخْ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدِمْنا ﴾ نَشْرٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ ولَمْ يُجَوِّزِ الأكْثَرُونَ تَعَلُّقَهُ بِبُشْرى المَذْكُورِ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا، وهو لا يَعْمَلُ مُتَأخِّرًا، وكَوْنِهِ مَنفِيًّا بِلا ولا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها ويَوْمَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرٌ ولِلْمُجْرِمِينَ تَبْيِينٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَما في (سَقْيًا لَهُ) أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو ظَرْفٌ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ، أوْ لِبُشْرى إنْ قُدِّرَتْ مُنَوَّنَةً غَيْرَ مَبْنِيَّةٍ مَعَ لا فَإنَّها لا تَعْمَلُ إذْ لَوْ عَمِلَ اسْمُ لا طالَ وأشْبَهَ المُضافَ فَيَنْتَصِبُ.

وفِي البَحْرِ احْتَمَلَ بُشْرى أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا مَعَ لا، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ مَنصُوبَ اللَّفْظِ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ اللّازِمِ، فَإنْ كانَ مَبْنِيًّا مَعَ لا احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ( يَوْمَئِذٍ ) ولِلْمُجْرِمِينَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ نَعْتٌ لِبُشْرى، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وأنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) صِفَةً لِبُشْرى، والخَبَرُ ( لِلْمُجْرِمِينَ ) ويَجِيءُ خِلافُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ هَلِ الخَبَرُ لِنَفْسِ لا أوْ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو مَجْمُوعُ لا وما بُنِيَ مَعَها، وإنْ كانَ في نِيَّةِ التَّنْوِينِ وهو مُعْرَبٌ جازَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) مَعْمُولًا لِبُشْرى وأنْ يَكُونَ صِفَةً، والخَبَرُ «لِلْمُجْرِمِينَ»، وجازَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) خَبَرًا و( لِلْمُجْرِمِينَ ) صِفَةً، وجازَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَئِذٍ ) خَبَرًا و( لِلْمُجْرِمِينَ ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والخَبَرُ إذا كانَ الِاسْمُ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِلا نَفْسِها بِالإجْماعِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَوْمَئِذٍ تَكْرِيرٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ سَواءٌ أُرِيدَ بِالتَّكْرِيرِ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أمْ أُرِيدَ بِهِ البَدَلُ لِأنَّ «يَوْمَ» مَنصُوبٌ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنِ (اذْكُرْ) أوْ مِن (يَفْقِدُونَ) وما بَعْدَ لا العامِلَةِ في الِاسْمِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَها، وعَلى تَقْدِيرِهِ يَكُونُ العامِلُ فِيهِ ما قَبْلَها، انْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما في الِاحْتِمالاتِ الَّتِي ذَكَرَها.

وأمّا ما اعْتُرِضَ بِهِ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ فَتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ الَّتِي هي مَعْمُولٌ لِـ(يَرَوْنَ) ويَرَوْنَ مَعْمُولٌ لِـ(يَوْمَ) فَلا وما في حَيِّزِها مِن تَتِمَّةِ الظَّرْفِ الأوَّلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْمُولًا لِبَعْضِ ما في حَيِّزِهِ، ومِثْلُهُ لا يُعَدُّ مَحْذُورًا مَعَ أنَّ كَوْنَ لا لَها الصَّدْرُ مُطْلَقًا أوْ إذا بُنِيَ مَعَها اسْمُها لَيْسَ بِمُسْلَمٍ عِنْدَ جَمِيعِ النُّحاةِ؛ لِأنَّها لِكَثْرَةِ دَوْرِها خَرَجَتْ عَنِ الصَّدارَةِ فَتَأمَّلَ، هَذا ما وقَفْنا عَلَيْهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ في إعْرابِ الآيَةِ وما فِيهِ مِنَ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ.

وقالَ بَعْضُ العَصْرِيِّينَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُ ( يَوْمَ ) بِكَبِيرٍ أوْ تَقْيِيدُ كِبَرِهِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، لَيْسَ لِنَفْيِ كِبَرِهِ في نَفْسِهِ بَلْ لِظُهُورِ مُوجِبِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ: لِزَيْدٍ عِلْمٌ عَظِيمٌ يَوْمَ يُباحِثُ الخُصُومَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَوْمُ المَوْتِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا ﴾ إلَخْ، وفِيهِ نَظَرٌ.

ونَفْيُ البُشْرى كِنايَةٌ عَنْ إثْباتِ ضِدِّها كَما أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والمَقْتِ فَيَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ النَّذْرِ لَهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ تَعالى، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإجْرامِ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، وإيذانًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ومَنِ اعْتَبَرَ المَفْهُومَ في مِثْلِهِ ادَّعى إفادَةَ الآيَةِ عَدَمَ تَحَقُّقِ الحُكْمِ في غَيْرِهِمْ، وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ المُؤْمِنِينَ: ﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا ﴾ إلَخْ، عَلى حُصُولِ البُشْرى لَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّ العُصاةَ والكُفّارَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ تَعالى، ويُفِيدُ الكَلامُ سَلْبَ البُشْرى عَنِ الكُفّارِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المانِعَ مِن حُصُولِ البُشْرى هو الإجْرامُ، ولا إجْرامَ أعْظَمَ مِن إجْرامِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَقُولُونَ ما يَقُولُونَ فَهم أوْلى بِهِ.

ويَتِمُّ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ عَلَيْهِ في نَفْيِ العَفْوِ والشَّفاعَةِ لِلْعُصاةِ لِأنَّها لا تُفِيدُ النَّفْيَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ فَيَجُوزُ أنْ يُبَشِّرَ العُصاةَ بِما ذُكِرَ في وقْتٍ آخَرَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَ النَّفْيِ - لِكَوْنِها اسْمِيَّةً - تُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ، فَبَعْدَ دُخُولِ النَّفْيِ إرادَةُ نَفْيِ اسْتِمْرارِ البُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ - بِمَعْنى أنَّ البُشْرى تَكُونُ لَهم لَكِنْ لا تَسْتَمِرُّ - مِمّا لا يُظَنُّ أنَّ أحَدًا يَذْهَبُ إلَيْهِ، فَيَتَعَيَّنُ إرادَةُ اسْتِمْرارِ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ أضْدادِهِمْ ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَتَسَنّى قَوْلُهُ: إنَّها لا تُفِيدُ النَّفْيَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، فالأوْلى أنْ يُرادَ بِالمُجْرِمِينَ مَن سَمِعْتَ حَدِيثَهم ( ويَقُولُونَ ) عَطْفٌ عَلى لا يُبَشَّرُونَ أوْ يُمْنَعُونَ البُشْرى أوْ نَحْوِهِ المُقَدَّرِ قَبْلَ ( يَوْمَ ) .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يُفْهَمُ مِنهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُشاهِدُونَ أهْوالَ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ( يَرَوْنَ ) وجُمْلَةُ لا ( بُشْرى ) حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ - عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ - لِأنَّهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهُمْ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ، أيْ ويَقُولُ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ: ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ وهي كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ مُوتُورٍ وهُجُومِ نازِلَةٍ هائِلَةٍ، يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، حَيْثُ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ فَلا يَلْحَقُهُمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مَنعًا ويُحْجِرَهُ حِجْرًا.

وقالَ الخَلِيلُ: كانَ الرَّجُلُ يَرى الرَّجُلَ الَّذِي يَخافُ مِنهُ القَتْلَ في الجاهِلِيَّةِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ فَيَقُولُ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ: حَرامٌ عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي في هَذا الشَّهْرِ فَلا يَبْدَؤُهُ بِشَرٍّ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي عَوْذَةٌ لِلْعَرَبِ يَقُولُها مَن يَخافُ آخَرَ في الحَرَمِ أوْ في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مِمّا كانَتِ العَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ تُرِكَ قَوْلُهُمْ: حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذا كانَ عِنْدَهم لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُقالَ عِنْدَ الحِرْمانِ، إذا سُئِلَ الإنْسانُ فَقالَ ذَلِكَ عَلِمَ السّائِلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَحْرِمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ: حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها حَجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَّهارِيسُ والمَعْنى الآخَرُ الِاسْتِعاذَةُ، كانَ الإنْسانُ إذا سافَرَ فَرَأى ما يَخافُ قالَ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ حَرامٌ عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي انْتَهى.

وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ «حِجْرًا» مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، وأنَّهُ واجِبٌ إضْمارُ ناصِبِها، وقالَ: ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا؟

فَيَقُولُ: حِجْرًا، وهي مِن حَجَرَهُ إذا مَنَعَهُ؛ لِأنَّ المُسْتَعِيذَ طالِبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمْنَعَ المَكْرُوهَ مِن أنْ يَلْحَقَهُ، والأصْلُ فِيهِ فَتْحُ الحاءِ، وقُرِئَ بِهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - لَكِنْ لَمّا خَصُّوا اسْتِعْمالَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ أوِ الحِرْمانِ صارَ كالمَنقُولِ، فَلَمّا تَغَيَّرَ مَعْناهُ تَغَيَّرَ لَفْظُهُ عَمّا هو أصْلُهُ - وهو الفَتْحُ - إلى الكَسْرِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الضَّمُّ أيْضًا، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ويُقالُ فِيهِ: حِجْرى بِألِفِ التَّأْنِيثِ أيْضًا، ومِثْلُهُ في التَّغْيِيرِ عَنْ أصْلِهِ (قَعْدَكَ اللَّهُ تَعالى) بِسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ القافِ، وحُكِيَ كَسْرُها عَنِ المازِنِيِّ وأنْكَرَهُ الأزْهَرِيُّ، وقُعَيْدَكَ وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، والمُرادُ رَقِيبُكَ وحَفِيظُكَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ نُقِلَ إلى القَسَمِ قَعْدَكَ أوْ قُعَيْدَكَ اللَّهُ تَعالى لا تَفْعَلُ، وأصْلُهُ: بِإقْعادِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: إدامَتِهِ سُبْحانَهُ لَكَ، وكَذا: عَمَرَكَ اللَّهُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ثُمَّ اخْتُصَّ بِالقَسَمِ، وأصْلُهُ بِتَعْمِيرِكَ اللَّهَ تَعالى، أيْ بِإقْرارِكَ لَهُ بِالبَقاءِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّهُ لازِمُ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ اعْتُرِضَ عَلَيْهِ في الدُّرِّ المَصُونِ بِما أنْشَدَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكم وحُجْرُ فَإنَّهُ وقَعَ فِيهِ مَرْفُوعًا، ووَصْفُهُ بِـ(مَحْجُورًا) لِلتَّأْكِيدِ كَشِعْرٍ شاعِرٍ ومَوْتٍ مايِتٍ ولَيْلٍ ألْيَلَ، وذُكِرَ أنَّ مَفْعُولًا هُنا لِلنَّسَبِ أيْ ذُو حِجْرٍ، وهو كَفاعِلٍ يَأْتِي لِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ ولَيْسَ بِذاكَ، والمَعْنى أنَّهم يَطْلُبُونَ نُزُولَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وهم إذْ رَأوْهم كَرِهُوا لِقاءَهم أشَدَّ كَراهَةً وفَزِعُوا مِنهم فَزَعًا شَدِيدًا، وقالُوا ما كانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ نُزُولِ خَطْبٍ شَنِيعٍ وحُلُولِ بَأْسٍ فَظِيعٍ، وقِيلَ: ضَمِيرُ يَقُولُونَ لِلْمَلائِكَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وعَطِيَّةَ، ومُجاهِدٍ، عَلى ما في الدُّرِّ المَنثُورِ، قالُوا: إنَّ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ البُشْرى، أيْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى حَرامًا عَلَيْكم.

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم يَطْلُبُونَ البُشْرى مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَقُولُونَ ذَلِكَ لَهم.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنُونَ حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الجَنَّةُ، وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: الغُفْرانُ، وفي جَعْلِ ﴿ حِجْرًا ﴾ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ(جَعَلَ) مُقَدَّرًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِحْثٌ، والظّاهِرُ عَلى ما ذُكِرَ أنَّ إيرادَ هَذِهِ الكَلِمَةِ لِلْحِرْمانِ وهو المَعْنى الأوَّلُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الفارِسِيُّ ( ويَقُولُونَ )عَلى هَذا القَوْلِ قِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ ضَمِيرَهُ لِلْكَفَرَةِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُونَ المُقَدَّرَةِ قَبْلَ لا ( بُشْرى ) الواقِعَةِ حالًا.

وقالَ الطِّيبِيُّ: هو حالٌ مِنَ ( المَلائِكَةَ ) بِتَقْدِيرِ وهم يَقُولُونَ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: قُمْتُ وأصُكُّ وجْهَهُ، وعَلى الأوَّلِ هو عَطْفٌ عَلى ( يَرَوْنَ )، <div class="verse-tafsir"

وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنْ عَمَلٍۢ فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءًۭ مَّنثُورًا ٢٣

﴿ وقَدِمْنا ﴾ أيْ عَمَدْنا وقَصَدْنا، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ إلى ما عَمِلُوا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ مِن عَمَلٍ ﴾ فَخِيمٍ كَصِلَةِ رَحِمٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وقَرْيِ ضَعِيفٍ، ومَنٍّ عَلى أسِيرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَكارِمِهِمْ ومَحاسِنِهِمُ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَنالُوا ثَوابَها، والجارُّ والمَجْرُورُ بَيانٌ لِما، وصِحَّةُ البَيانِ بِاعْتِبارِ التَّنْكِيرِ كَصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ في ﴿ إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا ﴾ لَكِنَّ التَّنْكِيرَ هاهُنا لِلتَّفْخِيمِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْمِيمِ ودَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ العَهْدِ في المَوْصُولِ، أيْ عَمَدْنا إلى كُلِّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ خالٍ عَنِ الإيمانِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿ فَجَعَلْناهُ هَباءً ﴾ مِثْلَ هَباءٍ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى، وهو عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وهَجُ الغُبارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ الشَّرَرُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ الماءُ المُهَراقُ.

وعَنْ يَعْلى بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ الرَّمادُ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ، عَنْ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ وأبِي مالِكٍ وعامِرٍ أنَّهُ شُعاعُ الشَّمْسِ في الكُوَّةِ، وكَأنَّهم أرادُوا ما يُرى فِيهِ مِنَ الغُبارِ كَما هو المَشْهُورُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ، قالَ الرّاغِبُ: الهَباءُ دُقاقُ التُّرابِ وما انْبَثَّ في الهَواءِ فَلا يَبْدُو إلّا في أثْناءِ ضَوْءِ الشَّمْسِ في الكُوَّةِ، ويُقالُ: هَبا الغُبارُ يَهْبُو إذا ثارَ وسَطَعَ، ووُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَنثُورًا ﴾ مُبالَغَةً في إلْغاءِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ الهَباءَ تَراهُ مُنْتَظِمًا مَعَ الضَّوْءِ فَإذا حَرَّكَتْهُ الرِّيحُ تَناثَرَ وذَهَبَ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَلَمْ يَكْفِ أنَّ شَبَّهَ أعْمالَهم بِالهَباءِ حَتّى جَعَلَهُ مُتَناثِرًا لا يُمْكِنُ جَمْعُهُ والِانْتِفاعُ بِهِ أصْلًا، ومِثْلُ هَذا الإرْدافِ يُسَمّى في البَدِيعِ بِالتَّتْمِيمِ والإيغالِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: أغَرُّ أبْلَجُ تَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ حَيْثُ لَمْ يَكْفِها أنْ جَعَلَتْهُ عَلَمًا في الهِدايَةِ حَتّى جَعَلَتْهُ في رَأْسِهِ نارٌ، وقِيلَ: وُصِفَ بِالمَنثُورِ أيِ المُتَفَرِّقِ لِما أنَّ أغْراضَهم في أعْمالِهِمْ مُتَفَرِّقَةً، فَيَكُونُ جَعْلُ أعْمالِهِمْ هَباءً مُتَفَرِّقًا جَزاءً مِن جِنْسِ العَمَلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بَعْدَ مَفْعُولٍ لِـ(جَعَلَ) وهو مُرادُ مَن قالَ: مَفْعُولًا ثالِثًا لَها عَلى مَعْنى جَعَلْناهُ جامِعًا لِحَقارَةِ الهَباءِ والتَّناثُرِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ أيْ: جامِعِينَ لِلْمَسْخِ والخَسْءِ، وفِيهِ خِلافُ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ لِكانَ خَبَرُ إنَّ، وقِياسُ قَوْلِهِ: أنْ يُمْنَعَ أنْ يَكُونَ لِـ(جَعَلَ) مَفْعُولٌ ثالِثٌ، ومَعَ هَذا الظّاهِرُ الوَصْفِيَّةُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ حَيْثُ مُثِّلَتْ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ وحالُ أعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها فِي كُفْرِهِمْ بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، فَقَدِمَ إلى أشْيائِهِمْ وقَصَدَ إلى ما تَحْتَ أيْدِيهِمْ فَأفْسَدَها وجَعَلَها شَذَرَ مَذَرَ، ولَمْ يَتْرُكْ لَها مِن عَيْنٍ ولا أثَرٍ، واللَّفْظُ المُسْتَعارُ وقَعَ فِيهِ اسْتِعْمالُ- قَدِمَ- بِمَعْنى عَمَدَ وقَصَدَ لِاشْتِهارِهِ فِيهِ وإنْ كانَ مَجازًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الأساسِ، ويُسَمّى القَصْدُ المُوصِلُ إلى المَقْصِدِ قُدُومًا لِأنَّهُ مُقَدِّمَتُهُ، وتَضَمَّنَ التَّمْثِيلُ تَشْبِيهَ أعْمالِهِمُ المُحْبَطَةِ بِالهَباءِ المَنثُورِ بِدُونِ اسْتِعارَةٍ، فَلا إشْكالَ عَلى ما قِيلَ، والكَلامُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ فَلْيُطْلَبْ مِن مَحَلِّهِ.

وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القُدُومَ في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ عِبارَةً عَنْ حُكْمِهِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قَدِمَ مَلائِكَتُنا، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ سُبْحانَهُ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ لا يُؤَوَّلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجاءَ رَبُّكَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ﴾ عَلى ما هو عادَتُهم في الصِّفاتِ المُتَشابِهَةِ، وقِياسُ ذَلِكَ عَدَمُ التَّأْوِيلِ في الآيَةِ، ولَعَلَّهُ مِن هُنا قِيلَ: إنَّ تَأْوِيلَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها بِناءً عَلى مُعْتَقَدِهِ مِن إنْكارِ الصِّفاتِ، والقَلْبُ إلى التَّأْوِيلِ فِيها أمْيَلُ.

وأنْتَ إنْ لَمْ تُؤَوِّلِ القُدُومَ فَلا بُدَّ لَكَ أنْ تُؤَوِّلَ جَعْلَها هَباءً مَنثُورًا بِإظْهارِ بُطْلانِها بِالكُلِّيَّةِ وإلْغائِها عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ السَّلَفُ <div class="verse-tafsir"

أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌۭ مُّسْتَقَرًّۭا وَأَحْسَنُ مَقِيلًۭا ٢٤

﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِنَ القُدُومِ إلى أعْمالِهِمْ وجَعْلِها هَباءً مَنثُورًا، أوْ مِن هَذا وعَدَمِ التَّبْشِيرِ، وقَوْلِهِمْ: حِجْرًا مَحْجُورًا ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ المُسْتَقَرُّ المَكانُ الَّذِي يُسْتَقَرُّ فِيهِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ لِلتَّجالُسِ والتَّحادُثِ ﴿ وأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ المَقِيلُ المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ لِلِاسْتِرْواحِ إلى الأزْواجِ والتَّمَتُّعِ بِمُغازَلَتِهِنَّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّمَتُّعَ بِهِ يَكُونُ وقْتَ القَيْلُولَةِ غالِبًا، وقِيلَ: هو في الأصْلِ مَكانُ القَيْلُولَةِ - وهي النَّوْمُ نِصْفَ النَّهارِ- ونُقِلَ مِن ذَلِكَ إلى مَكانِ التَّمَتُّعِ بِالأزْواجِ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مَحَلَّ خَلْوَةٍ واسْتِراحَةٍ، فَهو اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ مَكانُ الِاسْتِرْواحِ مُطْلَقًا اسْتِعْمالًا لِلْمُقَيَّدِ في المُطْلَقِ، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، وإنَّما لَمْ يَبْقَ عَلى الأصْلِ لِما أنَّهُ لا نَوْمَ في الجَنَّةِ أصْلًا.

وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ وقَرَأ «إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ» وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالمُسْتَقَرِّ مَوْضِعُ الحِسابِ، وبِالمَقِيلِ مَحَلُّ الِاسْتِراحَةِ بَعْدَ الفَراغِ مِنهُ، ومَعْنى يَقِيلُ هَؤُلاءِ يَعْنِي أصْحابَ الجَنَّةِ يُنْقَلُونَ إلَيْها وقْتَ القَيْلُولَةِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ والمَقِيلُ في المَحْشَرِ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ، أوِ المُسْتَقَرُّ فِيها والمَقِيلُ فِيهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الصَّوّافِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ كَما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وإنَّهم لَيَقِيلُونَ في رِياضٍ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ مِنَ الحِسابِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا ﴾ وفي وصْفِهِ بِزِيادَةِ الحُسْنِ مَعَ حُصُولِ الخَيْرِيَّةِ بِعَطْفِهِ عَلى المُسْتَقَرِّ رَمْزٌ إلى أنَّ لَهم ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن حُسْنِ الصُّوَرِ وغَيْرِهِ مِنَ التِحاسِينِ؛ فَإنَّ حُسْنَ المَنزِلِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِاعْتِبارِ ما يَرْجِعُ لِصاحِبِهِ لَمْ تَتِمَّ المَسَرَّةُ بِهِ، والتَّفْضِيلُ المُعْتَبَرُ فِيهِما المَسَرَّةُ إمّا لِإرادَةِ الزِّيادَةِ عَلى الإطْلاقِ، أيْ هم في أقْصى ما يَكُونُ مِن خَيْرِيَّةِ المُسْتَقَرِّ وحُسْنِ المَقِيلِ، وإمّا بِالإضافَةِ إلى ما لِلْكَفَرَةِ المُتَنَعِّمِينَ في الدُّنْيا أوْ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، هَذا وتَفْسِيرُ المُسْتَقَرِّ والمَقِيلِ بِالمَكانَيْنِ حَسْبَما سَمِعْتَ هو المَشْهُورُ، وهو أحَدُ احْتِمالاتٍ تِسْعَةٍ، وذَلِكَ أنَّهم جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ كِلاهُما اسْمَ مَكانٍ أوِ اسْمَ زَمانٍ أوْ مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ اسْمَ مَكانٍ والثّانِي اسْمَ زَمانٍ أوْ مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ اسْمَ زَمانٍ والثّانِي اسْمَ مَكانٍ أوْ مَصْدَرًا، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ مَصْدَرًا والثّانِي اسْمَ مَكانٍ أوِ اسْمَ زَمانٍ، وما شِئْتَ تَخَيَّلْ في خَيْرِيَّةِ زَمانِ أصْحابِ الجَنَّةِ وأحْسَنِيَّتِهِ، وكَذا في خَيْرِيَّةِ اسْتِقْرارِهِمْ وأحْسَنِيَّةِ اسْتِراحَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥

﴿ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ﴾ العامِلُ في ( يَوْمَ ) إمّا اذْكُرْ أوْ يَنْفَرِدُ اللَّهُ تَعالى بِالمُلْكِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ وقِيلَ: العامِلُ ذاكَ بِمَعْناهُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَوْمَئِذٍ ) أوْ ( يَوْمَ يَرَوْنَ ) وتَشَقَّقُ تَتَفَتَّحُ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلتَّهْوِيلِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ كَما في ﴿ تَلَظّى ﴾ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَبَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ المُظِلَّةُ لَنا، وبِالغَمامِ السَّحابُ المَعْرُوفُ، والباءُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ باءُ السَّبَبِ، أيْ: تَشَقَّقُ السَّماءُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنها، ولا مانِعَ مِن أنْ تَشَقَّقُ بِهِ كَما يُشَقُّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وحَدِيثُ امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى السَّماءِ حَدِيثُ خُرافَةٍ.

وقِيلَ: باءُ الحالِ وهي باءُ المُلابَسَةِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، أيْ: تَشَقَّقُ مُتَغَيِّمَةً، وقِيلَ: بِمَعْنى عَنْ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ.

والفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ انْشَقَّتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ وانْشَقَّتْ عَنْهُ أنَّ مَعْنى الأوَّلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَقَّها بِطُلُوعِهِ فانْشَقَّتْ بِهِ، ومَعْنى الثّانِي أنَّ التُّرْبَةَ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ عِنْدَ طُلُوعِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالغَمامِ غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ، ولَمْ يَكُنْ إلّا لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ تَعالى فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهو غَمامٌ زَعَمُوا أنَّهُ في الجَنَّةِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ ما يَعُمُّ السَّماواتِ كُلَّها وتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الأهْوالِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا ﴾ أيْ تَنْزِيلًا عَجِيبًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَقالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها، وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِجَمِيعِهِمْ فَتَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا؟

فَيَقُولُونَ: لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا ومِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلَهم والجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّالِثَةُ فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الثّانِيَةِ والدُّنْيا وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلَهم وبِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الرّابِعَةِ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ الثّالِثَةِ والثّانِيَةِ والأُولى وأهْلِ الأرْضِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الخامِسَةِ وهم أكْثَرُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ أهْلُ السَّماءِ السّادِسَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ أهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ والإنْسِ والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القَنا وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخِذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن تَرْقُوَتِهِ إلى مَوْضِعِ القُرْطِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ونُزُولُ الرَّبِّ جَلَّ وعَلا مِنَ المُتَشابَهِ، وكَذا قَوْلُهُ: «وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ» وأهْلُ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ: المُرادُ بِذَلِكَ نُزُولُ الحُكْمِ والقَضاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَنْزِلُ حُكْمُ الرَّبِّ وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ أيْ مَعَهُ، وأمّا نُزُولُ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ فَلا يَمْنَعُ عَنْهُ ما يُشاهَدُ مِن صِغَرِ الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ تَمْتَدُّ بِحَيْثُ تَسَعُ أهْلَها وأهْلَ السَّماواتِ أجْمَعِينَ، وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ثُمَّ الخَبَرُ ظاهِرٌ في أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَنْزِلُونَ في الغَمامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم في الآيَةِ أنَّ السَّماءَ تَنْفَتِحُ بِغَمامٍ يَخْرُجُ مِنها، وفي الغَمامِ المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ وفي أيْدِيهِمْ صَحائِفُ الأعْمالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ «ونَزَّلَ» ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُشَدَّدًا، وعَنْهُ أيْضًا «وأنْزَلَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ تَنْزِيلًا وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جاءَ مَصْدَرُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ: حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ «وأُنْزِلَ» ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ونَزَلَ» ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ونُزِّلَ» بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ وكَسْرِها ونَصْبِ «المَلائِكَةُ» وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ بَعْدَ أنْ نَسَبَها إلى ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ عَلى أنَّ الأصْلَ «نُنَزِّلُ» كَما وُجِدَ في بَعْضِ المَصاحِفِ فَحُذِفَتِ النُّونُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ تَخْفِيفًا لِالتِقاءِ النُّونَيْنِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (ونُزِّلَتْ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و«المَلائِكَةُ» بِالرَّفْعِ فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونُزِلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ، فَحُذِفَ النُّزُولُ ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى المَلائِكَةِ، بِمَعْنى نُزِلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ اهـ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: نُزِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ نُزِلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، ولا يُقاسُ بِجُنَّ حَيْثُ إنَّهُ مِمّا لا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ، فَلا يُقالُ: جَنَّهُ اللَّهُ تَعالى بَلْ أجَنَّهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ شاذٌّ، والقِياسُ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لُغَةً نادِرَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المُضافِ، أيْ نُزِلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، قالَ العَجّاجُ: حَتّى إذا اصْطَفُّوا لَهُ حِذارا فَحِذارًا مَنصُوبٌ مَصْدَرًا لا مَفْعُولًا بِهِ، يُرِيدُ اصْطَفُّوا لَهُ اصْطِفافًا حِذارًا، ونُزِلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: هَذا نُزُولٌ مَنزُولٌ وصُعُودٌ مَصْعُودٌ وضَرْبٌ مَضْرُوبٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ، وقَدْ قِيلَ قَوْلٌ، وقَدْ خِيفَ مِنهُ خَوْفٌ، فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ أمْثَلُ ما يَحْتَجُّ بِهِ لِهَذِهِ القِراءَةِ اهـ.

وهُوَ أحْسَنُ مِن كَلامِ صاحِبِ اللَّوامِحِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا أنَّهُ قَرَأ «وتَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ» فَهَذِهِ مَعَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ وما في بَعْضِ المَصاحِفِ عَشَرَةُ قِراءاتٍ، وما كانَ مِنها بِصِيغَةِ المُضارِعِ وجْهُهُ ظاهِرٌ، وأمّا ما كانَ بِصِيغَةِ الماضِي فَوَجْهُهُ عَلى ما قِيلَ الإشارَةُ إلى سُرْعَةِ الفِعْلِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيرًۭا ٢٦

﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ أيِ السَّلْطَنَةُ القاهِرَةُ والِاسْتِيلاءُ الكُلِّيُّ العامُّ الثّابِتُ صُورَةً ومَعْنًى ظاهِرًا وباطِنًا بِحَيْثُ لا زَوالَ لَهُ ثابِتٌ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَ إذْ تَشَقَّقُ السَّماءُ وتَنْزِلُ المَلائِكَةُ، فالمُلْكُ مُبْتَدَأٌ والحَقُّ صِفَتُهُ ولِلرَّحْمَنِ خَبَرُهُ ويَوْمَئِذٍ ظَرْفٌ لِثُبُوتِ الخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ لَهُ تَعالى خاصَّةً يَوْمَئِذٍ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا تَصَرُّفٌ صُورِيٌّ في الجُمْلَةِ، واخْتارَ هَذا بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولَعَلَّ أمْرَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالظَّرْفِ المَذْكُورِ سَهْلٌ، وقِيلَ: المَلِك مُبْتَدَأٌ ويَوْمَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وهو بِمَعْنى المالِكِيَّةِ والحَقُّ خَبَرُهُ ولِلرَّحْمَنِ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ نُكْتَةُ إيرادِ المُسْنَدِ مُعَرَّفًا فَإنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: المُلْكُ يَوْمَئِذٍ حَقٌّ لِلرَّحْمَنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في تَعَلُّقِهِ بِما ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِما يُفِيدُ تَعْرِيفَ الطَّرَفَيْنِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى التَّبْيِينِ كَما في (سَقْيًا لَكَ) والمُبَيَّنُ مِن لَهُ المُلْكُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْحَقِّ وهو كَما تَرى، وقِيلَ يَوْمَئِذٍ هو الخَبَرُ والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ ولِلرَّحْمَنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ فَلا تَغْفُلْ.

ومَنَعُوا تَعَلُّقَ يَوْمَئِذٍ فِيما - إذا لَمْ يَكُنْ خَبَرًا - بِالحَقِّ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ ولَوْ ظَرْفًا وفِيهِ بَحْثٌ، والجُمْلَةُ عَلى أكْثَرِ الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ في عامِلِ يَوْمٍ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ وأهْوالِهِ، وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اتِّصافَهُ عَزَّ وجَلَّ بِغايَةِ الرَّحْمَةِ لا يُهَوِّنُ الخَطْبَ عَلى الكَفَرَةِ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ أيْ وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى المُبالِغِ في الرَّحْمَةِ بِعِبادِهِ شَدِيدًا عَلى الكافِرِينَ، والمُرادُ شِدَّةُ ما فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وفَسَّرَ الرّاغِبُ العَسِيرَ بِما لا يَتَيَسَّرُ فِيهِ أمْرٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وفِيها إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ اليَوْمِ يَسِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي الحَدِيثِ: ««إنَّهُ يُهَوَّنُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا»».

<div class="verse-tafsir"

وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا ٢٧

﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ ﴾ قالَ الطَّبَرْسِيُّ: العامِلُ في ( يَوْمَ ) اذْكُرْ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ ألْ في الظّالِمِ لِلْجِنْسِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ، وحَكى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَجاءٍ، وذُكِرَ أنَّ المُرادَ بِفُلانٍ - فِيما بَعْدُ - الشَّيْطانُ، وقِيلَ: لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى - وبِفُلانٍ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا فَدَعا عَلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهم وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ  ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ فَقَدِمَ ذاتَ يَوْمٍ مِن سَفَرٍ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ  إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي فَقالَ  : ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن طَعامِهِ» فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ ؟!

وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما صَبَوْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَفْعَلُ كَذا - وذَكَرَ فِعْلًا لا يَلِيقُ إلّا بِوَجْهِ القائِلِ اللَّعِينِ - فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : «لا ألْقاكَ خارِجًا عَنْ مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ»» .

وفِي رِوايَةٍ: ««إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مَعَهم فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ رَحَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ فَأُخِذَ أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأمَرَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.

وفِي رِوايَةِ ثابِتِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ بِأنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِمَ؟

قالَ: بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ  صَرَّحَ لَهُ بِما فَعَلَ مَعَهُ ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ».

وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَمَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ «قالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا  فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: «بَلْ أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ وقالَ لِمَن أخْبَرَهُ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ تَعالى أسْمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟

قالَ نَعَمْ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ لِما عَلِمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ  قالَ لِأصْحابِهِ: خَلُّوا عَنْهُ، فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ كَثِيرٌ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَخَرَّ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ، فَقالُوا: ما هَذا؟!

فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ، فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: أنا أقْتُلُهُ، واللَّهِ لَوْ أنَّ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهُمْ، فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ذَهَبَ إلى النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الظّالِمَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وفُلانٌ عُقْبَةُ، وعَضُّ اليَدَيْنِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وجَماعَةٍ قالُوا: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وإمّا كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وكَذا عَضُّ الأنامِلِ، والسُّقُوطُ في اليَدِ، وحَرْقُ الأسْنانِ والأُدْمِ ونَحْوِها؛ لِأنَّها لازِمَةٌ لِذَلِكَ في العادَةِ والعُرْفِ، وفي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويَسِيلُ دَمْعُهُ دَمًا، وقالَ الشّاعِرُ: أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابَهُ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ والفِعْلُ عَضَّ عَلى وزْنِ فَعِلَ مَكْسُورَ العَيْنِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَضَضْتُ بِفَتْحِ العَيْنِ.

﴿ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ﴾ الجُمْلَةُ مَعَ مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظّالِمِ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، و( يا لَيْتَنِي ) إلَخْ، مَقُولُ القَوْلِ، ويا إمّا لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَعْيِينِ المُنَبَّهِ أوِ المُنادى مَحْذُوفٌ يا قَوْمِي لَيْتَنِي، وألْ في ( الرَّسُولِ ) إمّا لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ رَسُولٍ، وإمّا لِلْعَهْدِ فالمُرادُ بِهِ رَسُولُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُحَمَّدٌ  والأوَّلُ إذا كانَتْ ألْ في الظّالِمِ لِلْجِنْسِ والثّانِي إذا كانَتْ لِلْعَهْدِ، وتَنْكِيرُ ( سَبِيلًا ) إمّا لِلشُّيُوعِ أوْ لِلْوَحْدَةِ، وعَدَمُ تَعْرِيفِهِ لِادِّعاءِ تَعَيُّنِهِ، أيْ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ طَرِيقًا إلى النَّجاةِ، أيَّ طَرِيقٍ كانَ أوْ طَرِيقًا واحِدًا وهو طَرِيقُ الحَقِّ ولَمْ تَتَشَعَّبْ بِي طُرُقُ الضَّلالَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا ٢٨

﴿ يا ويْلَتى ﴾ بِقَلْبِ ياءِ المُتَكَلِّمِ ألِفًا كَما في صَحارى، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ: (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ والياءِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى يا هَلَكَتِي تَعالَيْ واحْضُرِي فَهَذا أوانُكِ.

﴿ لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ أرادَ بِفُلانٍ الشَّيْطانَ أوْ مَن أضَلَّهُ في الدُّنْيا كائِنًا مَن كانَ، أوْ أُبَيًّا إنْ كانَ الظّالِمُ عُقْبَةَ أوْ عُقْبَةَ إنْ كانَ الظّالِمُ أُبَيًّا، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَلَمٍ مُذَكَّرٍ، وفُلانَةُ عَنْ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ، واشْتَرَطَ ابْنُ الحاجِبِ في فُلانٍ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالقَوْلِ كَما هُنا، ورَدَّهُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ بِأنَّهُ سَمِعَ خِلافَهُ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْرِهِ بِفُلانِ وتَقْدِيرُ القَوْلِ فِيهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، والفُلانُ والفُلانَةُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العاقِلِ مِنَ الحَيَواناتِ كَما قالَ الرّاغِبُ، وفُلٌّ وفُلَّةٌ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ، فالأوَّلُ بِمَعْنى رَجُلٍ، والثّانِي بِمَعْنى امْرَأةٍ، ووَهِمَ ابْنُ عُصْفُورٍ، وابْنُ مالِكٍ، وصاحِبُ البَسِيطِ كَما في البَحْرِ في قَوْلِهِمْ: فُلٌّ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ، ويَخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا ضَرُورَةً كَما في قَوْلِهِ: فِي لُجَّةٍ أمْسَكَ فُلانٌ عَنْ فُلٍّ ولَيْسَ مُرَخَّمَ فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ، واخْتَلَفُوا في لامِ فُلٍّ وفُلانٍ فَقِيلَ واوٌ، وقِيلَ: ياءٌ، وكَنُوا بِهَنٍ - بِفَتْحِ الهاءِ وتَخْفِيفِ النُّونِ - عَنْ أسْماءِ الأجْناسِ كَثِيرًا، وقَدْ كُنِيَ بِهِ عَنِ الأعْلامِ كَما في قَوْلِهِ: واللَّهُ أعْطاكَ فَضْلًا عَنْ عَطِيَّتِهِ ∗∗∗ عَلى هَنٍ وهَنٍ فِيما مَضى وهَنٍ فَإنَّهُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ أرادَ عَبْدَ اللَّهِ وإبْراهِيمَ وحَسَنًا، والخَلِيلُ مِنَ الخُلَّةِ - بِضَمِّ الخاءِ - بِمَعْنى المَوَدَّةِ، أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ إمّا لِأنَّها تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ أيْ تَتَوَسَّطُها، وأنْشَدَ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وبِهِ سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا وإمّا لِأنَّها تَخَلُّها فَتُؤَثِّرُ فِيها تَأْثِيرَ السَّهْمِ في الرَّمِيَّةِ، وإمّا لِفَرْطِ الحاجَةِ إلَيْها، وهَذا التَّمَنِّي - وإنْ كانَ مَسُوقًا لِإبْرازِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ - لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِنَوْعِ تَعَلُّلٍ واعْتِذارٍ بِتَوْرِيكِ جِنايَتِهِ إلى الغَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى <div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًۭا ٢٩

﴿ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِ المَذْكُورِ وتَوْضِيحٌ لِتَعَلُّلِهِ، وتَصْدِيرُهُ بِاللّامِ القَسَمِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ خَطَئِهِ وإظْهارِ نَدَمِهِ وحَسْرَتِهِ، أيْ واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي فُلانٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَنْ مَوْعِظَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عَنْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ ﴿ بَعْدَ إذْ جاءَنِي ﴾ أيْ وصَلَ إلَيَّ وعَلِمْتُهُ، أوْ تَمَكَّنْتُ مِنهُ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى إيمانِ مَن أُنْزِلَتْ فِيهِ ثُمَّ ارْتِدادِهِ ﴿ وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا ﴾ مُبالِغًا في الخِذْلانِ، وهو تَرْكُ المُعاوَنَةِ والنُّصْرَةِ وقْتَ الحاجَةِ مِمَّنْ يُظَنُّ فِيهِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ إمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، عَلى أنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ وصْفِهِ بِالإضْلالِ الَّذِي هو أخَصُّ الأوْصافِ الشَّيْطانِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى مُجالَسَةِ المُضِلِّينَ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ الهادِي - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالخِذْلانِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ يَعِدُهُ في الدُّنْيا ويُمَنِّيهِ بِأنْ يَنْفَعَهُ في الآخِرَةِ وهو أوْفَقُ لِحالِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَـٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًۭا ٣٠

﴿ وقالَ الرَّسُولُ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ إلَخْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِاسْتِعْظامِ ما قالُوهُ، وبَيانِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ والخُطُوبِ، والمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَّفَ وعَظَّمَ وكَرَّمَ - وإيرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، والرَّدِّ عَلى نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانَ ما حُكِيَ عَنْهم قَدْحًا في رِسالَتِهِ  أيْ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وقالَ الرَّسُولُ إثْرَ ما شاهَدَ مِنهم غايَةَ العُتُوِّ ونِهايَةَ الطُّغْيانِ بِطَرِيقِ البَثِّ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ والشَّكْوى عَلَيْهِمْ: ﴿ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي ﴾ الَّذِينَ حَكى عَنْهم ما حَكى مِنَ الشَّنائِعِ ﴿ اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ ﴾ الجَلِيلَ الشَّأْنِ المُشْتَمِلَ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ ﴿ مَهْجُورًا ﴾ أيْ مَتْرُوكًا بِالكُلِّيَّةِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا، ولَمْ يَتَأثَّرُوا بِوَعِيدِهِ ووَعْدِهِ، فَمَهْجُورًا مِنَ الهَجْرِ بِفَتْحِ الهاءِ بِمَعْنى التَّرْكِ وهو الظّاهِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وغَيْرِهِما، واسْتَدَلَّ ابْنُ الفَرَسِ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ هَجْرِ المُصْحَفِ وعَدَمِ تَعاهُدِهِ بِالقِراءَةِ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ لِئَلّا يَنْدَرِجَ مَن لَمْ يَتَعاهَدِ القِراءَةَ فِيهِ تَحْتَ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ ظاهِرَهُ ذَمُّ الهَجْرِ مُطْلَقًا، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ عَدَمَ القَبُولِ لا عَدَمَ الِاشْتِغالِ مَعَ القَبُولِ ولا ما يَعُمُّهُما، فَإنْ كانَ مِثْلَ هَذا يَكْفِي في الِاسْتِدْلالِ فَذاكَ وإلّا فَلْيُطْلَبْ دَلِيلٌ آخَرُ لِلْكَراهَةِ.

وأوْرَدَ بَعْضُهم في ذَلِكَ خَبَرًا وهُوَ: ««مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّقَ مُصْحَفَهُ لَمْ يَتَعاهَدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبِّ عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ»» وقَدْ تَعَقَّبَ هَذا الخَبَرَ العِراقِيُّ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي هُدْبَةَ، وهو كَذّابٌ، والحَقُّ أنَّهُ مَتى كانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِاحْتِرامِ القُرْآنِ والِاعْتِناءِ بِهِ كُرِهَ بَلْ حَرُمَ وإلّا فَلا.

وقِيلَ: مَهْجُورًا مِنَ الهُجْرِ - بِالضَّمِّ عَلى المَشْهُورِ - أيِ الهَذَيانُ وفُحْشُ القَوْلِ، والكَلامُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ جَعَلُوهُ مَهْجُورًا فِيهِ إمّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ نَحْوُ ما قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها، وإمّا بِأنْ هَجَرُوا فِيهِ ورَفَعُوا أصْواتَهم بِالهَذَيانِ لِما قُرِئَ لِئَلّا يُسْمَعَ كَما قالُوا: ﴿ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنَ الهُجْرِ بِالضَّمِّ كالمَعْقُولِ بِمَعْنى العَقْلِ والمَجْلُودِ بِمَعْنى الجَلادَةِ أيِ: اتَّخَذُوهُ نَفْسَ الهُجْرِ والهَذَيانِ، ومَجِيءُ مَفْعُولٍ مَصْدَرًا مِمّا أثْبَتَهُ الكُوفِيُّونَ لَكِنْ عَلى قِلَّةٍ، وفي هَذِهِ الشَّكْوى مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذا شَكَوْا إلى اللَّهِ تَعالى قَوْمَهم عُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ ولَمْ يَنْظُرُوا.

وقِيلَ: إنَّ ( قالَ ) إلَخْ، عَطْفٌ عَلى ﴿ يَعَضُّ الظّالِمُ ﴾ ، والمُرادُ: ويَقُولُ الرَّسُولُ، إلّا أنَّهُ عُدِلَ إلى الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي المُرادِ بِمَعُونَةِ المُقامِ في بَعْضٍ وإنْ كانَ إخْبارًا عَمّا في الآخِرَةِ.

وحالُ عَطْفِهِ عَلى ﴿ وكانَ الشَّيْطانُ ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ مِن كَلامِهِ تَعالى لا يَخْفى حالُهُ، وقَوْلُ الرَّسُولِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو كالشَّهادَةِ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ ولَيْسَ بِتَخْوِيفٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًۭا وَنَصِيرًۭا ٣١

﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ ﴾ فَإنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  وحَمْلٌ لَهُ عَلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ هانَتْ، والعَدُوُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الأباطِيلِ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الشَّرِيعَةِ والدَّعْوَةِ إلَيْها عَدُوًّا مِن مُرْتَكِبِي الجَرائِمِ والآثامِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - لِدُخُولِ الشَّياطِينِ وقابِيلَ في المُجْرِمِينَ، ويُكْتَفى بِدُخُولِ قابِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالمُجْرِمِينَ مُجْرِمُو الإنْسِ أوْ مُجْرِمُو أُمَّةِ النَّبِيِّ، وقِيلَ: الكُلِّيَّةُ بِمَعْنى الكَثْرَةِ، والمُرادُ بِجَعْلِ الأعْداءِ جَعْلُ عَداوَتِهِمْ وخَلْقُها وما يَنْشَأُ مِنها فِيهِمْ لا جَعْلُ ذَواتِهِمْ، فَفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ خالِقَ الشَّرِّ غَيْرُهُ تَعالى شَأْنُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالهِدايَةِ إلى كافَّةِ مَطالِبِهِ والنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِ، أيْ كَفاكَ مالِكُ أمْرِكَ ومُبَلِّغُكَ إلى الكَمالِ هادِيًا لَكَ إلى ما يُوصِلُكَ إلى غايَةِ الغاياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وإجْراءُ أحْكامِهِ في أكْنافِ الدُّنْيا إلى أنْ يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ، وناصِرًا لَكَ عَلَيْهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.

وقَدَّرَ بَعْضُهم مُتَعَلِّقَ ﴿ هادِيًا ﴾ إلى طَرِيقِ قَهْرِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى هادِيًا لِمَن آمَنَ مِنهم ونَصِيرًا لَكَ عَلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: هادِيًا لِلْأنْبِياءِ إلى التَّحَرُّزِ عَنْ عَداوَةِ المُجْرِمِينَ بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ، ونَصِيرًا لَهم عَلَيْهِمْ وهو كَما تَرى، ونَصْبُ الوَصْفَيْنِ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًۭا ٣٢

﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ كَما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهُمُ القائِلُونَ أوَّلًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعُنْوانِ الكُفْرِ لِذَمِّهِمْ بِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ ﴾ أيْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ فَلا قَصْدَ فِيهِ إلى التَّدْرِيجِ لِمَكانِ ﴿ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ فَإنَّهُ لَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَتَدافَعا، إذْ يَكُونُ المَعْنى لَوْلا فُرِّقَ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً والتَّفْرِيقُ يُنافِي الجُمَلِيَّةَ، وقِيلَ: عُبِّرَ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المُنَزَّلِ في نَفْسِهِ، ونَصْبُ ﴿ جُمْلَةً ﴾ عَلى الحالِ وواحِدَةً عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، أيْ هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُفْعَةً غَيْرَ مُفَرَّقٍ، كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ والآثارُ، حَتّى كادَ يَكُونُ إجْماعًا كَما قالَ السُّيُوطِيُّ، ورَدَّ عَلى مَن أنْكَرَ ذَلِكَ مِن فُضَلاءِ عَصْرِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ الكَمالِ: إنَّ التَّوْراةَ أُنْزِلَتْ مُنَجَّمَةً في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً - ويَدُلُّ عَلَيْهِ نُصُوصُ التَّوْراةِ ولا قاطِعَ بِخِلافِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ - ناشِئٌ مِن نُقْصانِ الِاطِّلاعِ.

وهَذا الِاعْتِراضُ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ الإعْجازَ مِمّا لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً أوْ مُفَرَّقًا مَعَ أنَّ لِلتَّفْرِيقِ فَوائِدَ، مِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ، وقِيلَ: إنَّ شاهِدَ صِحَّةِ القُرْآنِ إعْجازُهُ وذَلِكَ بِبَلاغَتِهِ وهي بِمُطابَقَتِهِ لِمُقْتَضى الحالِ في كُلِّ جُمْلَةٍ مِنهُ، ولا يَتَيَسَّرُ ذَلِكَ في نُزُولِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، فَلا يُقاسُ بِسائِرِ الكُتُبِ فَإنَّ شاهِدَ صِحَّتِها لَيْسَ الإعْجازَ، وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: ولا يَتَيَسَّرُ إلَخْ، مَمْنُوعٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ دُفْعَةً واحِدَةً مَعَ رِعايَةِ المُطابَقَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ جُمْلَةٍ لِما يَتَجَدَّدُ مِنَ الحَوادِثِ المُوافِقَةِ لَها الدّالَّةِ عَلى أحْكامِها.

وقَدْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ كَذَلِكَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا لَزِمَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُعْجِزٍ فِيها ولا قائِلَ بِهِ، بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا أقْوى في إعْجازِهِ، والبَلِيغُ يَفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، فافْهَمْ.

﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وبَيانِ بَعْضِ الحِكَمِ في تَنْزِيلِهِ تَدْرِيجًا، ومَحَلُّ الكافِ نَصْبٌ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ، وجُوِّزَ نَصْبُها عَلى الحالِيَّةِ، «وذَلِكَ» إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ تَنْزِيلًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لا تَنْزِيلًا مُغايِرًا لَهُ، أوْ نَزَّلْناهُ مُماثِلًا لِذَلِكَ التَّنْزِيلِ لِنُقَوِّيَ بِهِ فُؤادَكَ؛ فَإنَّ في تَنْزِيلِهِ مُفَرَّقًا تَيْسِيرًا لِحِفْظِ النَّظْمِ، وفَهْمِ المَعانِي، وضَبْطِ الكَلامِ، والوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِ ما رُوعِيَ فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وتَعَدُّدِ نُزُولِ جِبْرِيلَ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - وتَجَدُّدِ إعْجازِ الطّاعِنِينَ فِيهِ في كُلِّ جُمْلَةٍ مِقْدارَ أقْصَرِ سُورَةٍ تَنْزِلُ مِنهُ، ولِذَلِكَ فَوائِدُ غَيْرُ ما ذُكِرَ أيْضًا، مِنها مَعْرِفَةُ النّاسِخِ المُتَأخِّرِ نُزُولُهُ مِنَ المَنسُوخِ المُتَقَدِّمِ نُزُولُهُ المُخالِفِ لِحُكْمِهِ، ومِنها انْضِمامُ القَرائِنِ الحالِيَّةِ إلى الدَّلالاتِ اللَّفْظِيَّةِ، فَإنَّهُ يُعِينُ عَلى مَعْرِفَةِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى الحالِ يَتَنَبَّهُ السّامِعُ لِما يُطابِقُها ويُوافِقُها إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكَفَرَةِ، والكافُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ القُرْآنِ أوِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرِ (نُزِّلَ) المَذْكُورِ أوْ لِـ(جُمْلَةً)، والإشارَةُ إلى تَنْزِيلِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ولامُ ﴿ لِنُثَبِّتَ ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والمُعَلَّلُ مَحْذُوفٌ، نَحْوُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا، أيْ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا لِنُثَبِّتَ إلَخْ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَنُثَبِتَنَّ، فَحَذَفَ النُّونَ، وكُسِرَتِ اللّامُ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ، والظّاهِرُ أنَّها عِنْدَهُ كَذَلِكَ عَلى القَوْلَيْنِ في ( كَذَلِكَ ) وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكَأنَّهُ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ إنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجَعَلَ مِنهُ «ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ» إلَخْ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «لِيُثَبِّتَ» بِالياءِ أيْ لِيُثَبِّتَ اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ المُعَلَّلِ بِما ذُكِرَ، وتَنْكِيرُ «تَرْتِيلًا» لِلتَّفْخِيمِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا بَدِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَرْتِيلُهُ تَفْرِيقُهُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنّاهُ بَيانًا فِيهِ تَرَسُّلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: جَعَلْنا بَعْضَهُ إثْرَ بَعْضٍ، وقِيلَ: هو الأمْرُ بِتَرْتِيلِ قِراءَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ وقِيلَ: قَرَأْناهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَيْئًا فَشَيْئًا في عِشْرِينَ أوْ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ أيْ مُفَلَّجُ الأسْنانِ غَيْرُ مُتَلاصِقِها.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ٣٣

﴿ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ القَبِيحَةُ الخارِجَةُ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ الجارِيَةِ لِذَلِكَ مَجْرى الأمْثالِ، أيْ لا يَأْتُونَكَ بِكَلامٍ عَجِيبٍ هو مَثَلٌ في البُطْلانِ يُرِيدُونَ بِهِ القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ ويُظْهِرُونَهُ لَكَ ﴿ إلا جِئْناكَ ﴾ في مُقابَلَتِهِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَنْحى عَلَيْهِ بِالإبْطالِ، ويَحْسِمُ مادَّةَ القِيلِ والقالِ كَما مَرَّ مِنَ الأجْوِبَةِ الحَقَّةِ القالِعَةِ لِعُرُوقِ أسْئِلَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ الدّامِغَةِ لَها بِالكُلِّيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ عَطْفٌ عَلى «الحَقِّ» أيْ جِئْناكَ بِأحْسَنَ تَفْسِيرًا أيْ بِما هو أحْسَنُ أوْ عَلى مَحَلِّ ( بِالحَقِّ ) أيِ: اسْتَحْضَرْنا لَكَ وأنْزَلْنا عَلَيْكَ الحَقَّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا، أيْ كَشْفًا وبَيانًا عَلى مَعْنى أنَّهُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الحُسْنِ في حَدِّ ذاتِهِ لا أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ لَهُ حَسَنٌ في الجُمْلَةِ وهَذا أحْسَنُ مِنهُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمُ: اللَّهُ تَعالى أكْبَرُ، أيْ لَهُ غايَةُ الكِبْرِياءِ في حَدِّ ذاتِهِ، وبَعْضُهم قَدَّرَ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ فَقالَ: أيْ: وأحْسَنَ تَفْسِيرًا مِن مَثَلِهِمْ وحُسْنِهِ - عَلى زَعْمِهِمْ - أوْ هو تَهَكُّمٌ، وتُعُقِّبَ الأوَّلُ بِأنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَعْنى التَّسْلِيَةِ لِأنَّ المُرادَ: لا يُهِلْكَ ما اقْتَرَحُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً ﴾ فَإنَّ تَنْزِيلَهُ مُفَرَّقًا أحْسَنُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ لِفَوائِدَ شَتّى وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّفْسِيرِ المَعْنى، والمُرادُ: وأحْسَنَ مَعْنًى لِأنَّهُ يُقالُ: تَفْسِيرُ كَذا كَذا، أيْ: مَعْناهُ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَعْنى مُفَسَّرٌ، كَدِرْهَمٍ ضَرْبِ الأمِيرِ، ورُدَّ بِأنَّ المُفَسَّرَ اسْمُ مَفْعُولٍ هو الكَلامُ لا المَعْنى، لِأنَّهُ يُقالُ: فَسَّرْتُ الكَلامَ لا مَعْناهُ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: وُضِعَ التَّفْسِيرُ مَوْضِعَ المَعْنى مِن وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّفْسِيرَ سَبَبٌ لِظُهُورِ المَعْنى وكَشْفِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ المَعْنى وظُهُورِهِ فَلا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وقَدْ يُكْتَفى بِسَبَبِيَّتِهِ لَهُ في الجُمْلَةِ.

وأيًّا ما كانَ فَهو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أيْ إلّا حالُ إنْزالِنا عَلَيْكَ واسْتِحْضارِنا لَكَ الحَقُّ وأحْسَنُ تَفْسِيرًا، وجُعِلَ ذَلِكَ مُقارِنًا لِإتْيانِهِمْ - وإنْ كانَ بَعْدَهُ - لِلدَّلالَةِ عَلى المُسارَعَةِ إلى إبْطالِ ما أتَوْا بِهِ؛ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ  وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَثَلُ عِبارَةً عَنِ الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها مِنَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ، وحِيازَةِ الكَنْزِ، والجَنَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً، عَلى مَعْنى: لا يَأْتُوكَ بِحالَةٍ عَجِيبَةٍ يَقْتَرِحُونَ اتِّصافَكَ بِها قائِلِينَ: هَلّا كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلّا أعْطَيْناكَ نَحْنُ مِنَ الأحْوالِ المُمْكِنَةِ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ وما هو أحْسَنُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ؛ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ أنْ يَكُونَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَقِّ مُتَرَتِّبًا عَلى ما أتَوْا بِهِ مِنَ الأباطِيلِ دامِغًا لَها، ولا رَيْبَ في أنَّ ما أتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلِكاتِ السَّنِيَّةِ الطّائِفَةِ بِالرِّسالَةِ قَدْ أتاهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا بِمُقابَلَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الِاقْتِراحاتِ لِأجَلِ دَمْغِها وإبْطالِها.

وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى ﴿ إلا جِئْناكَ ﴾ إلَخْ، عَلى ذَلِكَ إلّا أظْهَرْنا فِيكَ ما يَكْشِفُ عَنْ بُطْلانِ ما أتَوْا بِهِ، وهو كَما تَرى، فالحَقُّ التَّعْوِيلُ عَلى الأوَّلِ.

والمَشْهُورُ أنَّ الإتْيانَ والمَجِيءَ بِمَعْنًى، لَكِنْ عُبِّرَ أوَّلًا بِالإتْيانِ وثانِيًا بِالمَجِيءِ لِلتَّفَنُّنِ، وكَراهَةِ أنْ يَتَّحِدَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وما يُنْسَبُ إلَيْهِمْ لَفْظًا مَعَ كَوْنِ ما أتَوْا بِهِ في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ وما جاءَ بِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الحَقِيَّةِ والحُسْنِ.

وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما، فَقالَ: المَجِيءُ كالإتْيانِ لَكِنَّ المَجِيءَ أعَمُّ؛ لِأنَّ الإتْيانَ مَجِيءٌ بِسُهُولَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلسَّيْلِ المارِّ عَلى وجْهِهِ: أُتًى وأتاوى، والإتْيانُ قَدْ يُقالُ بِاعْتِبارِ القَصْدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُ الحُصُولُ والمَجِيءُ يُقالُ اعْتِبارًا بِالحُصُولِ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ بِالإتْيانِ أوَّلًا والمَجِيءِ ثانِيًا عَلى هَذا إشارَةً إلى أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ مِنَ الأمْثالِ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُتَخَيَّلُ بِسُهُولَةٍ ولا تَحْتاجُ إلى إعْمالِ فِكْرٍ بِخِلافِ ما يَكُونُ في مُقابَلَتِهِ فَإنَّهُ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي صَقَلَها الفِكْرُ، فَلا يَجِدُ أحَدٌ سَبِيلًا إلى رَدِّها والطَّعْنِ فِيها، أوْ إلى أنَّ فِعْلَهم - لِخُرُوجِهِ عَنْ حَيِّزِ القَبُولِ - مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ العَدَمِ حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُمُ القَصْدُ دُونَ الحُصُولِ بِخِلافِ ما كانَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا ٣٤

﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ ﴾ أيْ: يُحْشَرُونَ ماشِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ.

فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، صِنْفًا مُشاةً وصِنْفًا رُكْبانًا وصِنْفًا عَلى وُجُوهِهِمْ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟

قالَ إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ أما أنَّهم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ»».

وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَسِّ وُجُوهِهِمْ وسائِرِ ما في جِهَتِها مِن صُدُورِهِمْ وبُطُونِهِمْ ونَحْوِها الأرْضَ، وأنْ يَكُونَ بِنَكْسِهِمْ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وجَعْلِ وُجُوهِهِمْ إلى ما يَلِي الأرْضَ وارْتِفاعِ أقْدامِهِمْ وسائِرِ أبْدانِهِمْ، ولَعَلَّ الحَدِيثَ أظْهَرُ في الأوَّلِ.

وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَسْحَبُهم وتَجُرُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، والأمْرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لا غَرابَةَ فِيهِ، وقِيلَ: الحَشْرُ عَلى الوَجْهِ مَجازٌ عَنِ الذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والخِزْيِ والهَوانِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يُدْرَ أيْنَ ذَهَبَ، وقِيلَ: الكَلامُ كِنايَةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والمُرادُ أنَّهم يُحْشَرُونَ مُتَعَلِّقَةً قُلُوبُهم بِالسُّفْلِيّاتِ مِنَ الدُّنْيا وزَخارِفِها مُتَوَجِّهَةً وُجُوهُهم إلَيْها، ولَعَلَّ كَوْنَ هَذِهِ الحالِ في الحَشْرِ بِاعْتِبارِ بَقاءِ آثارِها وإلّا فَهم هُناكَ في شُغُلٍ شاغِلٍ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى الدُّنْيا وزَخارِفِها وتَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِها، ومَحَلُّ المَوْصُولِ قِيلَ إمّا النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أذُمُّ أوْ أعْنِي أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ خَبَرٌ لَهُ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وشَرٌّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْتُونَكَ، و ﴿ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ولَعَلَّ الأقْرَبَ كَوْنُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، قالَ الطِّيبِيُّ: وذَلِكَ مِن بابِ كَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، وفُصِلَ ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ ﴾ عَمّا قَبْلَهُ اسْتِئْنافًا؛ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ السّابِقَةَ حَرَّكَتْ مِنهُ  بِأنْ يَسْألَ: فَإذًا بِماذا أُجِيبُهم وما يَكُونُ قَوْلِي لَهُمْ؟

فَقِيلَ: قُلْ لَهُمُ: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ إلَخْ، يَعْنِي مَقْصُودُكم مِن هَذا التَّعَنُّتِ تَحْقِيرٌ مَكانِيٌّ وتَضْلِيلٌ سَبِيلِيٌّ، وما أقُولُ لَكم أنْتُمْ كَذَلِكَ، بَلْ أقُولُ: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا، فانْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وتَفَكَّرُوا مِنَ الَّذِي هو أوْلى بِهَذا الوَصْفِ مِنّا ومِنكم لِتَعْلَمُوا أنَّ مَكانَكم شَرٌّ مِن مَكانِنا وسَبِيلَكم أضَلُّ مِن سَبِيلِنا، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فالمَكانُ الشَّرَفُ والمَنزِلَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الدّارُ والمَسْكَنُ و( شَرٌّ )، و( أضَلُّ ) مَحْمُولانِ عَلى التَّفْضِيلِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن لَعَنَهُ اللَّهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ .

وجَعَلَ صاحِبُ الفَرائِدِ ذَلِكَ لِإثْباتِ كُلِّ الشَّرِّ لِمَكانِهِمْ وكُلِّ الضَّلالِ لِسَبِيلِهِمْ، ووَصْفُ السَّبِيلِ بِالضَّلالِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، والآيَةُ - عَلى ما سَمِعْتَ - مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَأْتُونَكَ ﴾ إلَخْ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى (أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ) الآيَةَ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ ﴾ انْتَهى، وما ذُكِرَ أوَّلًا أبْعَدُ مَغْزًى.

وقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَـٰرُونَ وَزِيرًۭا ٣٥

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَأْكِيدِ ما مَرَّ مِنَ التَّسْلِيَةِ والوَعْدِ بِالهِدايَةِ والنَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا ﴾ عَلى ما قَدَّمْناهُ بِحِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وبَيْنَ قَوْمِهِمْ حِكايَةً إجْمالِيَّةً كافِيَةً فِيما هو المَقْصُودُ.

واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ تَعالى لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، أيْ أنْزَلْناها عَلَيْهِ بِالآخِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ الحُكْمُ والنُّبُوَّةُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ وجَعَلْنا مَعَهُ ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(جَعَلْنا)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أخاهُ ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هارُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن ( أخاهُ ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وزِيرًا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، وتَقَدَّمَ مَعْنى الوَزِيرِ ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ﴾ لِأنَّهُ - وإنْ كانَ نَبِيًّا - فالشَّرِيعَةُ لِمُوسى - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - وهو تابِعٌ لَهُ فِيها كَما أنَّ الوَزِيرَ مُتَّبِعٌ لِسُلْطانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَدَمَّرْنَـٰهُمْ تَدْمِيرًۭا ٣٦

﴿ فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِآياتِنا) بِـ ( كَذَّبُوا )، والمُرادُ بِها دَلائِلُ التَّوْحِيدِ المُودَعَةُ في الأنْفُسِ والآفاقِ، أوِ الآياتُ الَّتِي جاءَتْ بِها الرُّسُلُ الماضِيَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوِ التِّسْعُ المَعْلُومَةُ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّكْذِيبِ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ ظاهِرٌ، وعَلى الأخِيرِ قِيلَ: لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِهِ مَنزِلَةَ الماضِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ.

وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: لَمْ يُوصَفِ القَوْمُ لَهُما عِنْدَ إرْسالِهِما إلَيْهِمْ بِهَذا الوَصْفِ؛ ضَرُورَةَ تَأخُّرِ تَكْذِيبِ الآياتِ التِّسْعِ عَنْ إظْهارِها، المُتَأخِّرِ عَنْ ذَهابِهِما، المُتَأخِّرِ عَنِ الأمْرِ بِهِ، بَلْ إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ  بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما يُحْكى بَعْدَهُ مِنَ التَّدْمِيرِ، وبَحَثَ فِيهِ بِما فِيهِ تَأْمُّلٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِـ(اذْهَبا) فَمَعْنى ( كَذَّبُوا ) فَعَلُوا التَّكْذِيبَ ﴿ فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا ﴾ عَجِيبًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، والمُرادُ بِهِ أشَدُّ الهَلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، والأصْلُ: فَقُلْنا: اذْهَبا إلى القَوْمِ فَذَهَبا إلَيْهِمْ ودَعْواهم إلى الإيمانِ، فَكَذَّبُوهُما، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَدَمَّرْناهُمْ، فاقْتُصِرَ عَلى حاشِيَتَيِ القِصَّةِ اكْتِفاءً بِما هو المَقْصُودُ، وقِيلَ: مَعْنى فَدَمَّرْناهم فَحَكَمْنا بِتَدْمِيرِهِمْ، فالتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ ولَيْسَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ، وقِيلَ: الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ وهو كَما تَرى.

وعُطِفَ (قُلْنا) عَلى جَعَلْنا المَعْطُوفِ عَلى آتَيْنا بِالواوِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا عَلى الصَّحِيحِ، فَيَجُوزُ تَقَدُّمُهُ مَعَ ما يَعْقُبُهُ عَلى إيتاءِ الكِتابِ، فَلا يَرِدُ أنَّ إيتاءَ الكِتابِ - وهو التَّوْراةُ - بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلا يَصِحُّ التَّرْتِيبُ والتَّعَرُّضُ لِذَلِكَ في مَطْلَعِ القِصَّةِ مَعَ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ في إهْلاكِ القَوْمِ لِما أنَّهُ بَعْدُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبُلُوغِهِ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - غايَةَ الكَمالِ الَّتِي هي إنْجاءُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، وإرْشادُهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ بِما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ الوَعْدِ بِالهِدايَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ سابِقًا.

وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والحَسَنُ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهُمْ) عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ، وعَنْهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - «فَدَمِّرا» أمْرًا لَهُما بِهِمْ بِباءِ الجَرِّ، وكَأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ: تَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي وحُكِيَ في الكَشّافِ عَنْهُ أيْضًا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - «فَدَمَّرْتُهُمْ» بِتاءِ الضَّمِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَوْمَ نُوحٍۢ لَّمَّا كَذَّبُوا۟ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَـٰهُمْ وَجَعَلْنَـٰهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةًۭ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًۭا ٣٧

﴿ وقَوْمَ نُوحٍ ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدَمَّرْناهُمْ ﴾ أيْ ودَمَّرْنا قَوْمَ نُوحٍ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولِ (فَدَمَّرْناهُمْ) ورُدَّ بِأنَّ تَدْمِيرَ قَوْمِ نُوحٍ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى تَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ضَرُورَةِ تَرَتُّبِ تَدْمِيرِهِمْ عَلى ما قَبْلَهُ تَرَتُّبُ تَدْمِيرِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ بُيِّنَ سَبَبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴾ أيْ نُوحًا ومَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ نُوحًا وحْدَهُ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ أنْكَرُوا جَوازَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ مُطْلَقًا، وتَعْرِيفُ الرُّسُلِ - عَلى الأوَّلِ - عَهْدِيٌّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لَمْ يُوجَدْ وقْتَ تَكْذِيبِهِمْ غَيْرُهُمْ، وعَلى الثّانِي اسْتِغْراقِيٌّ لَكِنْ عَلى طَرِيقِ المُشابَهَةِ والِادِّعاءِ، وعَلى الثّالِثِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ، وكَأنَّ المُجِيبَ أرادَ أنَّ اعْتِبارَ العَطْفِ قَبْلَ التَّرْتِيبِ فَيَكُونُ المُرَتَّبُ مَجْمُوعَ المُتَعاطِفَيْنِ، ويَكْفِي فِيهِ تَرَتُّبُ البَعْضِ.

وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ التَّسْوِيَةُ والتَّنْظِيرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرْناهم كَقَوْمِ نُوحٍ، فَتَكُونُ الضَّمائِرُ لَهُمْ، والرُّسُلُ نُوحٌ ومُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ولا يَخْفى ما فِيهِ.

واخْتارَ جَمْعٌ كَوْنَهُ مَنصُوبًا بِـ(اذْكُرْ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغْرَقْناهُمْ ﴾ ويُرَجِّحُهُ عَلى الرَّفْعِ تَقَدُّمُ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إنَّما يَتَسَنّى ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ مِن كَوْنِ (لَمّا) ظَرْفَ زَمانٍ، وأمّا إذا كانَتْ حَرْفَ وُجُودٍ لِوُجُودٍ فَلا؛ لِأنَّ ﴿ أغْرَقْناهُمْ ﴾ حِينَئِذٍ يَكُونُ جَوابًا لَها فَلا يُفَسِّرُ ناصِبًا، ولَعَلَّ أوْلى الأوْجُهِ الأوَّلُ وأغْرَقْناهم اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَدْمِيرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ تَدْمِيرُهُمْ؟

فَقِيلَ: أغْرَقْناهم بِالطُّوفانِ ﴿ وجَعَلْناهُمْ ﴾ أيْ جَعَلْنا إغْراقَهم أوْ قِصَّتَهم ﴿ لِلنّاسِ آيَةً ﴾ أيْ آيَةً عَظِيمَةً يَعْتَبِرُ بِها مَن شاهَدَها أوْ سَمِعَها، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(جَعَلْنا) ولِلنّاسِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( آيَةً ) إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها لَكانَ صِفَةً لَها ﴿ وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا ﴾ أيْ جَعَلْناهُ مُعَدًّا لَهم في الآخِرَةِ أوْ في البَرْزَخِ أوْ فِيهِما، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ القَوْمُ المَذْكُورُونَ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِتَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، أوْ جَمِيعُ الظّالِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمْ قُرَيْشٌ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُحْتَمَلُ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ وغَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَعَادًۭا وَثَمُودَا۟ وَأَصْحَـٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونًۢا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًۭا ٣٨

﴿ وعادًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قَوْمَ نُوحٍ ) أيْ: ودَمَّرْنا عادًا، أوْ واذْكُرْ عادًا عَلى ما قِيلَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَطْفًا إذا نُصِبَ عَلى الِاشْتِغالِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَغْرَقُوا.

وقالَ أبُو إسْحاقَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (هُمْ) مِن ( جَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ (الظّالِمِينَ) فَإنَّ الكَلامَ بِتَأْوِيلِ (وعَدْنا الظّالِمِينَ) اهـ، ولا يَخْفى بُعْدُ الوَجْهَيْنِ ( وثَمُودَ ) الكَلامُ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ كَما فِيما قَبْلَهُ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والحَسَنُ، وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ وعاصِمٍ، والجُمْهُورُ بِالصَّرْفِ، ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ عَلى اعْتِبارِ الحَيِّ، أوْ أنَّهم سُمُّوا بِالأبِ الأكْبَرِ ﴿ وأصْحابَ الرَّسِّ ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبْعِدُهُ العَطْفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها الرَّسُّ والفَلَجُ، قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا، وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ، وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسَّدِّيُّ: أهْلُ بِئْرٍ يُقالُ لَهُ الرَّسُّ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قَتَلُوا فِيها صاحِبَ يس وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ.

وقِيلَ: هم قَوْمٌ قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ - أيْ دَسُّوهُ فِيهِ - وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما شُعَيْبٌ، وكانَ أصْحابُ الرَّسِّ قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ فَدَعاهم إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ - وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ - انْهارَتْ بِهِمْ وبِدارِهِمْ.

وقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: هم قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةً يُقالُ لَها: شاهْ دَرَخْتَ رُسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، كانُوا مُبْتَلِينَ بِالعَنْقاءِ - وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ - وكانَ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، وسُمِّيَتْ عَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها، وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَتْحٌ، وتَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ، ولِإتْيانِها بِهَذا الأمْرِ الغَرِيبِ سُمِّيَتْ مَغْرِبًا، وقِيلَ: لِأنَّها اخْتَطَفَتْ عَرُوسًا، وقِيلَ: لِغُرُوبِها أيْ غَيْبَتِها، وقِيلَ: لِأنَّ وكْرَها كانَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ويُقالُ فِيها: عَنْقاءُ مَغْرِبٍ بِالتَّوْصِيفِ والإضافَةِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ فَهَلَكَتْ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا.

وقِيلَ: هم قَوْمٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ، وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ أنْبِياءُ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ.

وقِيلَ: هو ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ.

وقِيلَ: نَهَرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلى أصْحابِهِ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ تَعالى مِنهم فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيهِ وقالُوا: نَرْجُو أنْ تَرْضى عَنّا آلِهَتُنا، فَكانُوا عَلَيْهِ يَوْمَهم يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ، وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.

ورَوى عِكْرِمَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّ أصْحابَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ، وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَرْفَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ عَلى فَمِ البِئْرِ إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ فَنامَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ،» في حَدِيثٍ طَوِيلٍ، ذُكِرَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ.

وهَذا إذا صَحَّ كانَ القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ إيرادُهم هُنا، وأجابَ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَأُهْلِكُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعَ مَن ذَكَرَ مِنَ المُهْلَكِينَ، ومُلَخَّصُ الأقْوالِ أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَكْذِيبِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.

﴿ وقُرُونًا ﴾ أيْ: أهْلَ قُرُونٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القَرْنِ ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِنَ الأُمَمِ، ولِلتَّعَدُّدِ حُسْنٌ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ عَطْفٍ ﴿ كَثِيرًا ﴾ يَطُولُ الكَلامُ جِدًّا بِذِكْرِها، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ  مِقْدارَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ العِلْمِ بِالمِقْدارِ كَما لا يَخْفى.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: لَعَلَّ الِاكْتِفاءَ في شُؤُونِ تِلْكَ القُرُونِ بِهَذا البَيانِ الإجْمالِيِّ لِما أنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنها لَمْ يَكُنْ في الشُّهْرَةِ وغَرابَةِ القِصَّةِ بِمَثابَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَكُلًّۭا ضَرَبْنَا لَهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ ۖ وَكُلًّۭا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًۭا ٣٩

﴿ وكُلا ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ في مَعْنى التَّذْكِيرِ والتَّحْذِيرِ، والمَحْذُوفُ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ عِبارَةٌ إمّا عَنِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ أسْبابُ إهْلاكِهِمْ وإمّا عَنِ الكُلِّ، فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وعَنْ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكْذِيبُهم لِلْآياتِ والرُّسُلِ لا عَدَمُ التَّأثُّرِ مِنَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ، أيْ: ذَكَّرْنا وأنْذَرْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿ ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ ﴾ أيْ: بَيَّنّا لِكُلٍّ القَصَصَ العَجِيبَةَ الزّاجِرَةَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِواسِطَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وقِيلَ: ضَمِيرُ لَهُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمَعْنى وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْناهُ لِلرَّسُولِ، فَيَكُونُ ( كُلًّا ) مَنصُوبًا بِـ(ضَرَبْنا) والأمْثالَ بَدَلًا مِنهُ عَلى ما في البَحْرِ، وفِيهِ أنَّهُ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكُلا ﴾ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا ﴾ وتَقْدِيمُهُ لِلْفاصِلَةِ، وقِيلَ: لِإفادَةِ القَصْرِ عَلى أنَّ المَعْنى كُلًّا لا بَعْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ لَفْظَ (كُلٍّ) يُفِيدُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ بِالعِنايَةِ، وأصْلُ التَّتْبِيرِ التَّفْتِيتُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِفُتاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمُرادُ بِهِ التَّمْزِيقُ والإهْلاكُ، أيْ: أهْلَكْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهم إهْلاكًا عَجِيبًا هائِلًا لِما أنَّهم لَمْ يَتَأثَّرُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَرْفَعُوا لَهُ رَأْسًا، وتَمادَوْا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعُدْوانِ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَتَوْا۟ عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِىٓ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا۟ يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا۟ لَا يَرْجُونَ نُشُورًۭا ٤٠

﴿ ولَقَدْ أتَوْا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مُشاهَدَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ المُتَبَّرَةِ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِها، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها؛ اعْتِناءً بِهِ، و(أتى) مُضَمَّنٌ مَعْنى مَرَّ لِتَعَدِّيهِ بِـ(عَلى) والمَعْنى: بِاللَّهِ لَقَدْ مَرَّ قُرَيْشٌ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ.

﴿ عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ وهي سَذُومُ، وهي أعْظَمُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ قاضِيها سَذُومَ - بِالذّالِ المُعْجَمَةِ عَلى ما صَحَّحَهُ الأزْهَرِيُّ واعْتَمَدَهُ في الكَشْفِ - وفي المَثَلِ: (أجْوَرُ مِن سَذُومَ) أهْلَكَها اللَّهُ تَعالى بِالحِجارَةِ، وهو المُرادُ بِمَطَرِ السَّوْءِ، وكَذا أهْلَكَ سائِرَ قُراهم - وكانَتْ خَمْسًا - إلّا قَرْيَةً واحِدَةً وهي زَغَرُ لَمْ يُهْلِكْها؛ لِأنَّ أهْلَها لَمْ يَعْمَلُوا العَمَلَ الخَبِيثَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وإفْرادُ القَرْيَةِ بِالذِّكْرِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ، وانْتَصَبَ ( مَطَرَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(أُمْطِرَتْ) عَلى مَعْنى أُعْطِيَتْ أوْ أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ كَما قِيلَ في ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ إمْطارًا مِثْلَ مَطَرِ السَّوْءِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (مُطِرَتْ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومُطِرَ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «مَطَرَ السُّوءِ» بِضَمِّ السِّينِ ﴿ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴾ تَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ التَّذَكُّرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما يُوجِبُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ نَفْيِ اسْتِمْرارِ رُؤْيَتِهِمْ لَها وتَقْرِيرِ اسْتِمْرارِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ ما يُوجِبُها مِن إتْيانِهِمْ عَلَيْها لا لِإنْكارِ اسْتِمْرارِ نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ وتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِمْ لَها، والفاءُ لِعَطْفِ مَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، أوْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مِرارِ مُرُورِهِمْ لِيَتَّعِظُوا بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ العَذابِ.

والمُنْكَرُ في الأوَّلِ النَّظَرُ وعَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّظَرِ المُوجِبِ لَها عادَةً، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.

ولَمْ يَقُلْ: أفَلَمْ يَرَوْنَها - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ قَصْدًا - لِإفادَةِ التَّكْرارِ مَعَ الِاسْتِمْرارِ، ولَمْ يُصَرَّحْ في أوَّلِ الآيَةِ بِنَحْوِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: (ولَقَدْ كانُوا يَأْتُونَ) بَدَلَ (ولَقَدْ أتَوْا) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرُورَ - ولَوْ مَرَّةً - كافٍ في العِبْرَةِ، فَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ إمّا إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِ ما جَرى عَلى أهْلِ القُرى مِنَ العُقُوبَةِ وبَيانٌ لِكَوْنِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِمَعاصِيهِمْ لا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِهِمْ، خَلا أنَّهُ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن إنْكارِ الجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ، وقَدْ كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعَدَمِ رَجاءِ النُّشُورِ، والمُرادُ بِالرَّجاءِ التَّوَقُّعُ مَجازًا، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ كانُوا لا يَتَوَقَّعُونَ النُّشُورَ المُسْتَتْبَعَ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ ويُنْكِرُونَهُ، ولا يَرَوْنَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ نُشُورًا أصْلًا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَتْمًا، وشُمُولِهِ لِلنّاسِ عُمُومًا، واطِّرادِهِ وُقُوعًا، فَكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ الدُّنْيَوِيِّ في حَقِّ طائِفَةٍ خاصَّةٍ مَعَ عَدَمِ الِاطِّرادِ والمُلازَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعاصِي حَتّى يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِما شاهَدُوهُ مِن آثارِ الهَلاكِ وإنَّما يَحْمِلُونَهُ عَلى الِاتِّفاقِ، وإمّا انْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ التَّذَكُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ رَجاءِ النُّشُورِ، وحَمْلُ الرَّجاءِ عَلى التَّوَقُّعِ وعُمُومِ النُّشُورِ أوْفَقُ بِالمَقامِ.

وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، أعْنِي انْتِظارَ الخَيْرِ، والمُرادُ بِالنُّشُورِ نُشُورٌ فِيهِ خَيْرٌ كَنُشُورِ المُسْلِمِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ عَلى لُغَةِ تِهامَةَ، والمُرادُ بِالنُّشُورِ نُشُورُهُمْ، والكُلُّ كَما تَرى <div class="verse-tafsir"

وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١

﴿ وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكَ ﴿ إلا هُزُوًا ﴾ عَلى مَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِهِ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُوًا، أيْ: مَوْضِعَ هُزُوٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، فَـ(هُزُوًا) إمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وجُمْلَةُ ﴿ إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ جَوابُ (إذا) وهي - كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ - تَنْفَرِدُ بِوُقُوعِ جَوابِها المَنفِيِّ بِأنْ ولا وما بِدُونِ فاءٍ بِخِلافِ غَيْرِها مِن أدَواتِ الشَّرْطِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: يَقُولُ أهَذا ...

إلَخْ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَتَّخِذُونَكَ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ في جَوابِ ماذا يَقُولُونَ؟

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجَوابَ، وجُمْلَةُ ﴿ إنْ يَتَّخِذُونَكَ ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وقائِلُ ذَلِكَ أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والإشارَةُ لِلِاسْتِحْقارِ كَما فِي: يا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذا، وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: بَعَثَهُ ورَسُولًا حالٌ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مُرْسَلٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا حُذِفَ مِنهُ المُضافُ، أيْ: ذا رَسُولٍ أيْ: رِسالَةٍ، وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وإخْراجُ (بَعَثَ اللَّهُ) تَعالى إيّاهُ  رَسُولًا بِجَعْلِهِ صِلَةً وهم عَلى غايَةِ الإنْكارِ تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ، وإلّا لَقالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا؟

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في زَعْمِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْفَقُ بِحالِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ مَعَ سَلامَتِهِ مِنَ التَّقْدِيرِ <div class="verse-tafsir"

إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَآ أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢

﴿ إنْ كادَ ﴾ إنْ مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ، واسْمُها عِنْدَ بَعْضٍ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّهُ كادَ ﴿ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا ﴾ أيْ: لَيَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِها صَرْفًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ يُبْعِدُنا عَنْها لا عَنْ عِبادَتِها فَقَطْ، والعُدُولُ إلى الإضْلالِ لِغايَةِ ضَلالِهِمْ بِادِّعاءِ أنَّ عِبادَتَها طَرِيقٌ سَوِيٌّ.

﴿ لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها ﴾ ثَبَتْنا عَلَيْها واسْتَمْكَنّا بِعِبادَتِها، ولَوْلا في أمْثالِ هَذا الكَلامِ يَجْرِي مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ مِن حَيْثُ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّهُ  قَدْ بَلَغَ مِنَ الِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ وإقامَةِ الحُجَجِ والبَيِّناتِ ما شارَفُوا بِهِ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم لَوْلا فَرْطُ لُجاجِهِمْ وغايَةُ عِنادِهِمْ، ولا يُنافِي هَذا اسْتِحْقارَهم واسْتِهْزائَهُمُ السّابِقَ؛ لِأنَّ هَذا مِن وجْهٍ وذاكَ مِن وجْهٍ آخَرَ زَعَمُوهُ سَبَبًا لِذَلِكَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: إنَّ كَلامَهم قَدْ تَناقَضَ لِاضْطِرابِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ، فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ السّابِقَ دالٌّ عَلى الِاسْتِحْقارِ وهَذا دالٌّ عَلى قُوَّةِ حُجَّتِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ  فَفِيما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم تَحْمِيقٌ لَهم وتَجْهِيلٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِما اسْتَعْظَمُوهُ.

وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في اعْتِرافِهِمْ بِما ذُكِرَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ أُخْرِجَ في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ تَهَكُّمًا، كَما في قَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والتَّناقُضُ مُنْدَفِعٌ كَما لا يَخْفى.

﴿ وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ كُفْرُهم وعِنادُهم ﴿ مَن أضَلُّ سَبِيلا ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ جَوابَ هَذا، عَلى أنَّ ( مَن ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ ( وأضَلُّ ) خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ ( يَعْلَمُونَ ) إنْ كانَتْ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ كانَتْ مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ يَعْلَمُونَ الَّذِي هو أضَلُّ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ، مَفْعُولُ ( يَعْلَمُونَ ) و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وحُذِفَ صَدْرُ الصِّلَةِ وهو العائِدُ لِطُولِها بِالتَّمْيِيزِ، وكَأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمّا جَعَلُوا دَعْوَتَهُ  إلى التَّوْحِيدِ إضْلالًا حَيْثُ قالُوا: ﴿ إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا ﴾ إلَخْ - والمُضِلُّ لِغَيْرِهِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ ضالًّا في نَفْسِهِ - جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هادٍ لا مُضِلٌّ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الضَّلالِ عَنْهُ  لِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم في غايَةِ الضَّلالِ لا هُوَ، ونَفْيُ اللّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ مَلْزُومِهِ فَيَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هادِيًا لا مُضِلًّا، وفي تَقْيِيدِ العِلْمِ بِوَقْتِ رُؤْيَةِ العَذابِ وعِيدٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُهْمِلُهم وإنْ أمْهَلَهُمْ <div class="verse-tafsir"

أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ٤٣

﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  مِن شَناعَةِ حالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ قَبائِحِهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يُرى ويُتَعَجَّبَ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ - رَأى- بَصَرِيَّةٌ ومَنِ مَفْعُولُها، وهي اسْمٌ مَوْصُولٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ ( واتَّخَذَ ) مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولَيْنِ أوَّلَهُما ( هَواهُ ) وثانِيهُما ( إلَهَهُ ) وقُدِّمَ عَلى الأوَّلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّعْجِيبِ لا مِن حَيْثُ إنَّ الإلَهَ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ والتَّقْدِيمَ - كَما قِيلَ - أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي جَعَلَ هَواهُ إلَهًا لِنَفْسِهِ بِأنْ أطاعَهُ وبَنى عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِ مُعْرِضًا عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ ومُلاحَظَةِ البُرْهانِ النَّيِّرِ بِالكُلِّيَّةِ، عَلى مَعْنى: انْظُرْ إلَيْهِ وتَعَجَّبْ مِنهُ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي هُنا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ وهي إفادَةُ الحَصْرِ؛ فَإنَّ الكَلامَ قَبْلَ دُخُولِ ( أرَأيْتَ )، ( واتَّخَذَ ) الأصْلُ فِيهِ (هَواهُ إلَهُهُ) عَلى أنَّ (هَواهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (إلَهُهُ) فَإذا قِيلَ: (إلَهُهُ هَواهُ) كانَ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وهو يُفِيدُ الحَصْرَ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ: أرَأيْتَ مَن لَمْ يَتَّخِذْ مَعْبُودَهُ إلّا هَواهُ، وذَلِكَ أبْلَغُ في ذَمِّهِ وتَوْبِيخِهِ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي يُمْكِنُ حَيْثُ يُمْكِنُ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، والمَعْرِفَتانِ إذا وقَعَتا مُبْتَدَأً وخَبَرًا فالمُقَدَّمُ هو المُبْتَدَأُ، فَمَن جَعَلَ ما هَنا نَظِيرَ قَوْلِكَ: (عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا) فَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُتَقَدِّمُ هاهُنا يُشْعِرُ بِالثَّباتِ بِخِلافِ المُتَأخِّرِ فَتَقَدَّمَ ( إلَهَهُ ) يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إلَهٍ، فَهو كَقَوْلِكَ: اتَّخَذَ ابْنَهُ غُلامَهُ، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ ابْنًا ولا يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ غُلامًا، فَهَذا فائِدَةُ تَقْدِيمِ إلَهِهِ عَلى هَواهُ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ فَقالَ: لا يُشَكُّ في أنَّ مَرْتَبَةَ المُبْتَدَأِ التَّقْدِيمُ، وأنَّ المَعْرِفَتَيْنِ أيَّهُما قُدِّمَ كانَ المُبْتَدَأ، لَكِنَّ صاحِبَ المَعانِي لا يَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْ أصْلِ المَعْنى، فَإذا قِيلَ: (زَيْدٌ الأسَدُ) فالأسَدُ هو المُشَبَّهُ بِهِ أصالَةً ومَرْتَبَتُهُ التَّأْخِيرُ عَنِ المُشَبَّهِ بِلا نِزاعٍ، فَإذا جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً في قَوْلِكَ: (الأسَدُ زَيْدٌ) فَقَدْ أزَلْتَهُ عَنْ مَقَرِّهِ الأصْلِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، وما نَعْنِي بِالمُقَدَّمِ إلّا المُزالَ عَنْ مَكانِهِ لا القارَّ فِيهِ، فالمُشَبَّهُ بِهِ هاهُنا (الإلَهُ) والمُشَبَّهُ (الهَوى) لِأنَّهم نَزَّلُوا أهْواءَهم في المُتابَعَةِ مَنزِلَةَ الإلَهِ فَقُدِّمَ المُشَبَّهُ بِهِ الأصْلِيُّ، وأُوقِعَ مُشَبَّهًا لِيُؤْذِنَ بِأنَّ الهَوى في بابِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عِنْدَهم أقْوى مِنَ الإلَهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ ولَمَّحَ صاحِبُ المِفْتاحِ إلى هَذا المَعْنى في كِتابِهِ.

وأمّا المِثالُ الَّذِي أوْرَدَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: (اتَّخَذَ ابْنَهُ غُلامَهُ) جَعَلَ ابْنَهُ كالغُلامِ يَخْدِمُهُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ، وقَوْلِهِ: (اتَّخَذَ غُلامَهُ ابْنَهُ) جَعَلَ غُلامَهُ كابْنِهِ مُكَرَّمًا مُدَلَّلًا اهـ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في قَوْلِهِ: (إنَّ المَعْرِفَتَيْنِ أيَّهُما قُدِّمَ كانَ المُبْتَدَأ) فَإنَّ الحَقَّ أنَّ الأمْرَ دائِرٌ مَعَ القَرِينَةِ، والقَرِينَةُ هُنا قائِمَةٌ عَلى أنَّ ( إلَهَهُ ) الخَبَرُ وهي عَقْلِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مِنَ التَّقْدِيمِ المَعْنَوِيِّ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: مَن تَوَهَّمَ أنَّهُما عَلى التَّرْتِيبِ بِناءً عَلى تَساوِيهِما في التَّعْرِيفِ فَقَدْ زَلَّ عَنْهُ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ في هَذا البابِ هو المُلْتَبِسُ بِالحالَةِ الحادِثَةِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى أبِي حَيّانَ حَيْثُ أوْجَبَ كَوْنَهُما عَلى التَّرْتِيبِ.

ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المَدَنِيِّينَ أنَّهُ قَرَأ «آلِهَةً» مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ ابْنَ هُرْمُزَ قَرَأ «إلِّهَةً» عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وهو أيْضًا مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ جَعَلَ هَواهُ إلِّهَةً بِمَعْنى مَأْلُوهَةٍ، أيْ: مَعْبُودَةً، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ: أُلاهَةُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ التَّعْرِيفِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ كالمُنَكَّرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وهو كَما تَرى.

والآيَةُ نَزَلَتْ - عَلى ما قِيلَ - في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ كُلَّما هَوى حَجَرًا عَبَدَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ أرَأيْتَ ﴾ ...

إلَخْ، وزَعَمَ بَعْضُهم لِهَذا ونَحْوِهِ أنَّ هَواهُ بِمَعْنى مَهْوِيهِ ولَيْسَ بِلازِمٍ كَما لا يَخْفى.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُلَّما هَوى شَيْئًا رَكِبَهُ، وكُلَّما اشْتَهى شَيْئًا أتاهُ، لا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ ورَعٌ ولا تَقْوى، فالآيَةُ شامِلَةٌ لِمَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى حَسَبَ هَواهُ ولِمَن أطاعَ الهَوى في سائِرِ المَعاصِي، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أفِي أهْلِ القِبْلَةِ شِرْكٌ ؟

فَقالَ: نَعَمِ، المُنافِقُ مُشْرِكٌ، إنَّ المُشْرِكَ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ المُنافِقَ عَبَدَ هَواهُ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، والمُنافِقُ عِنْدَ الحَسَنِ مُرْتَكِبُ المَعاصِي كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ.

وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ أبِي أُمامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««ما تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ مِن إلَهٍ يُعْبَدُ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مَن هَوًى يُتَّبَعُ»» ولا يَكادُ يُسَلَّمُ عَلى هَذا مِن عُمُومِ الآيَةِ إلّا مَنِ اتَّبَعَ ما اخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، وشَرَعَهُ سُبْحانَهُ لَهم في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ، وعَلَيْهِ يَدْخُلُ الكافِرُ فِيما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِاسْتِبْعادِ كَوْنِهِ  حَفِيظًا عَلى هَذا المُتَّخِذِ، يَزْجُرُهُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، ويَرْشُدُهُ إلى الحَقِّ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، وإنْكارٌ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحالَةِ المُوجِبَةِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْعَدَما شاهَدْتَ غُلُوَّهُ في طاعَةِ الهَوى تُعَسِّرُهُ عَلى الِانْقِيادِ إلى الهُدى شاءَ أوْ أبى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ رَأى عِلْمِيَّةَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ولَيْسَ بِذاكَ.

<div class="verse-tafsir"

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى إنْكارِ حُسْبانِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إيّاهم مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَدُّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الدَّعْوَةِ، واهْتِمامُهُ بِالإرْشادِ والتَّذْكِيرِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، أيْ: بَلْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّماعِ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، أوْ يَعْقِلُونَ ما أُظْهِرَ لَهم مِنَ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ فَتَعْتَنِي في شَأْنِهِمْ وتَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ أهَمَّ نَظَرًا لِلْمَقامِ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ قِيلَ: يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّماعِ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ أوْ يَعْقِلُونَ ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَواعِظِ الزّاجِرَةِ عَنِ القَبائِحِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ فَتَجْتَهِدُ في دَعْوَتِهِمْ وتَهْتَمُّ بِإرْشادِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ، ولَعَلَّ ما قُلْناهُ أوْلى، فَتَدَبَّرْ.

وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ ( أكْثَرَهم ) لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لَهُ أيْضًا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، واخْتِيرَ الجَمْعُ هُنا لِمُناسَبَةِ إضافَةِ الأكْثَرِ لَهُمْ، وأُفْرِدَ فِيما قَبْلَهُ لِجَعْلِهِمْ في اتِّفاقِهِمْ عَلى الهَوى كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( أكْثَرَهم ) لِلْكُفّارِ لا لِمَن؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى (عَلَيْهِ) يَأْباهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وضَمِيرُ الفِعْلَيْنِ لِلْأكْثَرِ لا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِأنَّ مِنهم مَن سَبَقَتْ لَهُ العِنايَةُ الأزَلِيَّةُ بِالإيمانِ بَعْدَ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، ومِنهم مَن سَمِعَ أوْ عَقَلَ لَكِنَّهُ كابَرَ اسْتِكْبارًا وخَوْفًا عَلى الرِّياسَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هم إلا كالأنْعامِ ﴾ ...

إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَكْرِيرِ النَّكِيرِ وتَأْكِيدِهِ وحَسْمِ مادَّةِ الحُسْبانِ بِالمَرَّةِ، والضَّمِيرُ لِلْأكْثَرِ أوْ لِمَن، واكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِ الأكْثَرِ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ما هم في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما يَقْرَعُ آذانَهم مِن قَوارِعِ الآياتِ وانْتِفاءِ التَّدَبُّرِ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الدَّلائِلِ البَيِّناتِ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ وعَلَمٌ في الضَّلالَةِ ﴿ بَلْ هم أضَلُّ ﴾ مِنها ﴿ سَبِيلا ﴾ لِما أنَّها تَنْقادُ لِصاحِبِها الَّذِي يَتَعَهَّدُها، وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها ومَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها وتَهْتَدِي لِمَراعِيها ومَشارِبِها، وتَأْوِي إلى مَعاطِنِها ومَرابِضِها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وخالِقِهِمْ ورازِقِهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ تَعالى إلَيْهِمْ مِن إساءَةِ الشَّيْطانِ المُزَيِّنِ لَهُمُ اتِّباعَ الشَّهَواتِ، الَّذِي هو عَدُوٌّ مُبِينٌ، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ والمَهالِكِ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو المَشْرَعُ الهَنِيُّ والمَوْرِدُ العَذْبُ الرَّوِيُّ، ولِأنَّها إنْ لَمْ تَعْتَقِدْ حَقًّا مُسْتَتْبِعًا لِاكْتِسابِ الخَيْرِ لَمْ تَعْتَقِدْ باطِلًا مُسْتَوْجِبًا لِاقْتِرافِ الشَّرِّ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، حَيْثُ مَهَّدُوا قَواعِدَ الباطِلِ وفَرَّعُوا عَلَيْها أحْكامَ الشُّرُورِ؛ ولِأنَّ أحْكامَ جَهالَتِها وضَلالَتِها مَقْصُورَةٌ عَلى أنْفُسِها لا تَتَعَدّى إلى أحَدٍ، وجَهالَةَ هَؤُلاءِ مُؤَدِّيَةٌ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ والفَسادِ وصَدِّ النّاسِ عَنْ سُنَنِ السَّدادِ، وهَيَجانِ الهَرْجِ والمَرَجِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، ولِأنَّها غَيْرُ مُعَطِّلَةٍ لِقُوَّةٍ مِنَ القُوى المُودَعَةِ فِيها بَلْ صارِفَةٌ لَها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ فَلا تَقْصِيرَ مِن قِبَلِها في طَلَبِ الكَمالِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعَطِّلُونَ لِقُواهُمُ العَقْلِيَّةِ مُضَيِّعُونَ لِلْفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ البَهائِمَ لا تَعْلَمُ رَبَّها عَزَّ وجَلَّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها تَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتُسَبِّحُهُ كَما هو مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ وجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قالَ: إنَّ هَذا خارِجٌ مَخْرَجَ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ: إنْ هم إلّا كالأنْعامِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ والدَّلائِلِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ؛ فَإنَّ الأنْعامَ كَذَلِكَ، والعِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى الحاصِلُ لَها لَيْسَ اسْتِدْلالِيًّا بَلْ هو فِطْرِيٌّ، وكَوْنُهم أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ إنَّها رُزِقَتْ عِلْمًا بِرَبِّها تَعالى فَهي تُسَبِّحُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُرْزَقُوا ذَلِكَ فَهم في غايَةِ الضَّلالِ.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنًۭا ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًۭا ٤٥

َقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ ...

إلَخْ، بَيانٌ لِبَعْضِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ إثْرَ بَيانِ جَهالَةِ المُعْرِضِينَ عَنْها وضَلالِهِمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ؛ لِأنَّها الَّتِي تَتَعَدّى بِإلى، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ رُؤْيَةَ ذاتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وكَوْنُ (إلى) اسْمًا واحِدَ الآلاءِ - وهي النِّعَمُ - بَعِيدٌ جِدًّا.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، وتَعْدِيَتُها بِإلى لِتَضْمِينِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى أنَّ رَبَّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، والأوَّلُ أوْلى.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقُّ التَّعْبِيرِ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ إشْعارًا بِأنَّ المَعْقُولَ المَفْهُومَ مِن هَذا الكَلامِ لِوُضُوحِ بُرْهانِهِ، وهو دَلالَةُ حُدُوثِهِ وتَصَرُّفِهِ عَلى الوَجْهِ النّافِعِ بِأسْبابٍ مُمْكِنَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِعْلَ الصّانِعِ الحَكِيمِ كالمُشاهَدِ المَرْئِيِّ فَكَيْفَ بِالمَحْسُوسِ مِنهُ.

وقالَ الفاضِلُ الطِّيبِيُّ: لَوْ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ كانَ الِانْتِقالُ مِنَ الأثَرِ إلى المُؤَثِّرِ، والَّذِي عَلَيْهِ التِّلاوَةُ كانَ عَكْسَهُ والمَقامُ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ في تَقْرِيعِ القَوْمِ وتَجْهِيلِهِمْ في اتِّخاذِهِمُ الهَوى إلَهًا مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مُقَدَّمًا عَلى أفْعالِهِ في سائِرِ آياتِهِ ﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ﴾ ﴿ وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ ﴿ ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا ﴾ .

ورَوى السُّلَمِيُّ في الحَقائِقِ عَنْ بَعْضِهِمْ مُخاطَبَةَ العامِّ: ﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ ومُخاطَبَةَ الخاصِّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ ﴾ انْتَهى.

وفِي الإرْشادِ: لَعَلَّ تَوْجِيهَ الرُّؤْيَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ - مَعَ أنَّ المُرادُ تَقْرِيرُ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَيْفِيَّةِ مَدِّ الظِّلِّ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ نَظَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى ما يُطالِعُهُ مِنَ الآثارِ والصَّنائِعِ، بَلْ مَطْمَحُ أنْظارِهِ  مَعْرِفَةُ شُؤُونِ الصّانِعِ المَجِيدِ - جَلَّ جَلالُهُ - ولَعَلَّ هَذا هو سِرُّ ما رُوِيَ عَنِ السُّلَمِيِّ.

وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ المَذْكُورَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَقْصُودَ العِلْمُ بِالرَّبِّ عِلْمًا يُشْبِهُ الرُّؤْيَةَ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ فَسَّرَ الرُّؤْيَةَ بِالعِلْمِ، وذَكَرَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ.

والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِتَشْرِيفِهِ  ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَعْقُبُهُ مِن آثارِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ جَلَّ وعَلا.

و( كَيْفَ ) مَنصُوبٌ بِـ(مَدَّ) عَلى الحالِيَّةِ، وهي مُعَلَّقَةٌ لِـ(تَرَ) إنْ لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وفي البَحْرِ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ عَنْها فِعْلُ القَلْبِ لَيْسَ باقِيَةً عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ وفِيهِ بَحْثٌ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ كَيْفَ لِلِاسْتِفْهامِ، وقَدْ تُجَرَّدُ عَنِ الِاسْتِفْهامِ وتَكُونُ بِمَعْنى الحالِ، نَحْوُ: انْظُرْ إلى كَيْفَ تَصْنَعُ، وقَدْ جَوَّزَهُ الدَّمامِينِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَجْرُورِ، وهو بَعِيدٌ، انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ يُسْتَغْنى عَلى ذَلِكَ عَنِ اعْتِبارِ المُضافِ، لَكِنَّهُ لا يُعادِلُ البُعْدَ.

والمُرادُ بِالظِّلِّ - عَلى ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، وأيُّوبَ بْنِ مُوسى، وإبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -: ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، وذَلِكَ أطْيَبُ الأوْقاتِ؛ فَإنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وتَسُدُّ النَّظَرَ، وشُعاعَ الشَّمْسِ يُسَخِّنُ الجَوَّ ويَبْهَرُ البَصَرَ، ومِن هُنا كانَ ظِلُّ الجَنَّةِ مَمْدُودًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ .

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَكُونُ مِن مُقابَلَةِ كَثِيفٍ كَجَبَلٍ أوْ بِناءٍ أوْ شَجَرٍ لِلشَّمْسِ عِنْدَ ابْتِداءِ طُلُوعِها، ومَدُّ الظِّلِّ مِن بابِ ضِيقِ فَمِ القِرْبَةِ، فالمَعْنى: ألَمْ تَنْظُرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ كَيْفَ أنْشَأ ظِلًّا، أيْ: مِظَلًّا كانَ عِنْدَ ابْتِداءِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُمْتَدًّا إلى ما شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَعَقَّبَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: غَيْرُ سَدِيدٍ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ المُرادَ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبالِغِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ فِيما يُشاهِدُونَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ ما يَتَعارَفُونَهُ مِن حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ يُشاهِدُونَها في مَوْضِعٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ جِسْمٌ مُخالِفَةً لِما في جَوانِبِهِ مِن مَواقِعِ ضَحِ الشَّمْسِ، وما ذُكِرَ - وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ ظِلًّا لِلْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ - لَكِنَّهم لا يَعُدُّونَهُ ظِلًّا ولا يَصِفُونَهُ بِأوْصافِهِ المَعْهُودَةِ اهـ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وهو أظْهَرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في الِاعْتِراضِ عَلى ذَلِكَ مِن أنَّهُ لا يُسَمّى ظِلًّا، فَقَدْ قالَ الرّاغِبُ - وكَفى بِهِ حُجَّةً في اللُّغَةِ -: الظِّلُّ ضِدُّ الضَّحِ وهو أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ، فَإنَّهُ يُقالُ: ظِلُّ اللَّيْلِ وظِلُّ الجَنَّةِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ، ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لَما زالَ عَنْهُ الشَّمْسُ، انْتَهى، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وظِلٍّ مَمْدُودٍ ﴾ في وصْفِ الجَنَّةِ يَقْتَضِي أنَّهم يَعُدُّونَ مِثْلَ ما ذُكِرَ ظِلًّا.

وقِيلَ: هو ما كانَ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والبَلْخِيِّ، وقِيلَ: هو ما كانَ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ وجَعَلَها كالقُبَّةِ، ودَحا الأرْضَ مِن تَحْتِها، فَألْقَتْ ظِلَّها عَلَيْها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ فُسِّرَ ( ألَمْ تَرَ ) بِـ (ألَمْ تَعْلَمْ) لِما في تَطْبِيقِ ما يَأْتِي مِن تَتِمَّةِ الآيَةِ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، ورُبَّما يَفُوتُ عَلَيْهِ المَقْصُودُ الَّذِي سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ورُبَّما يُخْتَلَجُ في بَعْضِ الأذْهانِ جَوازُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ ظِلٌّ فَيَشْمَلُ ظِلَّ اللَّيْلِ وما بَيْنَ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ وظِلَّ الأشْياءِ الكَثِيفَةِ المُقابِلَةِ لِلشَّمْسِ كالجِبالِ وغَيْرِها، فَإذا شُرِعَ في تَطْبِيقِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ عُدِلَ عَنْهُ كَما لا يَخْفى، ولِلصُّوفِيَّةِ في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ سَنَذْكُرُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - شَيْئًا مِنهُ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، والقَوْلُ الثّانِي أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْأسْبابِ العادِيَّةِ مَن قُرْبِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ عَلى الأوَّلِ، أوْ قِيامِ الشّاخِصِ الكَثِيفِ عَلى الثّانِي، وإنَّما المُؤَثِّرُ فِيهِ حَقِيقَةُ المَشِيئَةِ والقُدْرَةِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ - وهو مَضْمُونُ الجَزاءِ - كَما هو القاعِدَةُ المُسْتَمِرَّةُ في أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، أيْ: ولَوْ شاءَ جَعْلَهُ ساكِنًا لَجَعَلَهُ ساكِنًا أيْ ثابِتًا عَلى حالِهِ ظِلًّا أبَدًا، كَما فَعَلَ - عَزَّ وجَلَّ - في ظِلِّ الجَنَّةِ، أوْ لَجَعَلَهُ ثابِتًا عَلى حالِهِ مِنَ الطُّولِ والِامْتِدادِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَجْعَلَ سُبْحانَهُ لِلشَّمْسِ عَلى نَسْخِهِ سَبِيلًا، بِأنْ يُطْلِعَها ولا يَدَعَها تَنْسَخُهُ، أوْ بِأنْ لا يَدَعَها تُغَيِّرُهُ بِاخْتِلافِ أوْضاعِها بَعْدَ طُلُوعِها.

وقِيلَ: بِأنْ يَجْعَلَها بَعْدَ الطُّلُوعِ مُقِيمَةً عَلى وضْعٍ واحِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسُّكُونِ قِيلَ: لِما أنَّ مُقابِلَهُ - الَّذِي هو زَوالُهُ - لَمّا كانَ تَدْرِيجِيًّا كانَ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالحَرَكَةِ، وقِيلَ: لِما أنَّ مُقابِلَهُ - الَّذِي هو تَغَيُّرُ حالِهِ حَسَبَ تَغَيُّرِ الأوْضاعِ بَيْنَ الظِّلِّ وبَيْنَ الشَّمْسِ - يُرى رَأْيَ العَيْنِ حَرَكَةً وانْتِقالًا.

وأفادَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُوبِلَ مَدُّ الظِّلِّ - الَّذِي هو انْبِساطُهُ وامْتِدادُهُ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ساكِنًا ﴾ والسُّكُونُ إنَّما يُقابِلُ الحَرَكَةَ، فَيَكُونُ قَدْ أُطْلِقَ ﴿ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ عَلى الحَرَكَةِ مَجازًا مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُلابِسِهِ أوْ سَبَبِهِ كَما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وذَكَرَ أنَّهُ عُدِلَ عَنْ (حَرَّكَ) إلى (مَدَّ) مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ مِن (مَدَّ) في تَناوُلِهِ الِانْبِساطَ والِامْتِدادَ لِيُدْمَجَ فِيهِ مَعْنى الِانْتِفاعِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ، وهو مَعْرِفَةُ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَإنَّ اعْتِبارَ الظِّلِّ فِيها بِالِامْتِدادِ دُونَ الِانْبِساطِ، وتُمِّمَ مَعْنى الإدْماجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

ثُمَّ قَبَضْنَـٰهُ إِلَيْنَا قَبْضًۭا يَسِيرًۭا ٤٦

﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ أيْ: بِالتَّدَرُّجِ والمَهَلِ لِمَعْرِفَةِ السّاعاتِ والأوْقاتِ، وفِيهِ لَمْحَةٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ ﴾ اهـ.

ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِـ(مَدَّ) لِما أنَّ الظِّلَّ المَذْكُورَ ظِلُّ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وقَدِ اعْتُبِرَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ طَرَفَيْ جِهَتَيِ الأرْضِ طُولًا، والشِّمالُ والجَنُوبُ طَرَفَيْ جِهَتَيْها عَرْضًا، أوْ لِأنَّ ظُهُورَهُ في الأرْضِ وطُولَ المَعْمُورِ مِنها - الَّذِي يَسْكُنُهُ مَن يُشاهِدُ الظِّلَّ - أكْثَرُ مِن عَرْضِ المَعْمُورِ مِنها، إذِ الأوَّلُ - كَما هو المَشْهُورُ - نِصْفُ دَوْرٍ أعْنِي مِائَةً وثَمانِينَ دَرَجَةً، والثّانِي دُونَ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ، فَيَكُونُ الظِّلُّ بِالنَّظَرِ إلى الرّائِينَ في المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ مُمْتَدًّا ما بَيْنَ جِهَتَيْ شَرْقَيْهِ وغَرْبَيْهِ أكْثَرَ مِمّا بَيْنَ جِهَتَيْ شِمالَيْهِ وجَنُوبَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ مَبْدَأ الظِّلِّ الفَجْرُ الأوَّلُ وضَوْؤُهُ يُرى مُسْتَطِيلًا مُمْتَدًّا كَذَنَبِ السَّرْحانِ، ويُلْتَزَمُ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ - وإنْ ضُعِّفَ - بَلْ يَبْقى حَتّى يَمُدَّهُ ضَوْءُ الفَجْرِ الثّانِي، فَيُرى مُنْبَسِطًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَدَّ ) داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: ثُمَّ جَعَلْنا طُلُوعَ الشَّمْسِ دَلِيلًا عَلى ظُهُورِهِ لِلْحِسِّ؛ فَإنَّ النّاظِرَ إلى الجِسْمِ المُلَوَّنِ حالَ قِيامِ الظِّلِّ عَلَيْهِ لا يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ سِوى الجِسْمِ ولَوْنِهِ، ثُمَّ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ووَقَعَ ضَوْؤُها عَلى الجِسْمِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ الظِّلَّ كَيْفِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى الجِسْمِ ولَوْنِهِ.

والضِّدُّ يُظْهِرُ حالَهُ الضِّدُّ قالَهُ الرّازِيُّ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُما.

وقِيلَ: أيْ: ثُمَّ جَعَلْناها دَلِيلًا عَلى وُجُودِهِ، أيْ: عِلَّةً لَهُ لِأنَّ وُجُودَهُ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ وقُرْبِها مِنهُ عادَةً، ولا يَخْفى ما فِيهِ، أوْ ثُمَّ جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِها المُتَغَيِّرَةِ عَلى أحْوالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما سَبَبِيَّةٌ وتَأْثِيرٌ قَطْعًا، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ المُعْتَرِضَةُ، ومِنَ الغَرِيبِ - الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المَجِيدُ - أنَّ عَلى بِمَعْنى مَعَ، أيْ: ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ مَعَ الظِّلِّ دَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِنا، عَلى مَعْنى: جَعَلْنا الظِّلَّ دَلِيلًا وجَعَلْنا الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِنا.

والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإيذانِ بِعِظَمِ قَدْرِ هَذا الجَعْلِ لِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي لا تُحْصى، أوْ لِما في الجَعْلِ المَذْكُورِ العارِي عَنِ التَّأْثِيرِ - مَعَ ما يُشاهَدُ بَيْنَ الظِّلِّ والشَّمْسِ مِنَ الدَّوَرانِ المُطَّرِدِ المُنْبِئِ عَنِ السَّبَبِيَّةِ - مِن مَزِيدِ الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ ودِقَّةِ الحِكْمَةِ، و(ثُمَّ) إمّا لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ ويُعْلَمُ وجْهُهُ مِمّا ذُكِرَ، وإمّا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ كَما هو حَقِيقَةُ مَعْناها بِناءً عَلى طُولِ الزَّمانِ بَيْنَ ابْتِداءِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ عَطْفٌ عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْضًا، أيْ: ثُمَّ أزَلْناهُ بَعْدَما أنْشَأْناهُ مُمْتَدًّا عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ، أوْ بِإيقاعِهِ كَذَلِكَ، ومَحَوْناهُ عَلى مَهَلٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَسَبَ سَيْرِ الشَّمْسِ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالظِّلِّ ظِلُّ الشّاخِصِ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ ما بَيْنَ الطُّلُوعَيْنِ فَلِأنَّهُ إذا عَمَّ لا يَزُولُ دُفْعَةً واحِدَةً بِطُلُوعِ الشَّمْسِ في أُفُقٍ؛ لِكُرَوِيَّةِ الأرْضِ واخْتِلافِ الآفاقِ، فَقَدْ تَطْلُعُ في أُفُقٍ ويَزُولُ ما عِنْدَ أهْلِهِ مِنَ الظِّلِّ وهي غَيْرُ طالِعَةٍ في أُفُقٍ آخَرَ وأهْلُهُ في طَرَفٍ مِن ذَلِكَ الظِّلِّ، ومَتى ارْتَفَعَتْ عَنِ الأُفُقِ الأوَّلِ حَتّى بانَتْ مِن أُفُقِهِمْ زالَ ما عِنْدَهم مِنَ الظِّلِّ، فَزَوالُ الظِّلِّ بَعْدَ عُمُومِهِ تَدْرِيجِيٌّ، كَذا قِيلَ.

وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، فَإنَّ زَوالَهُ تَدْرِيجِيٌّ نَظَرًا إلى أُفُقٍ واحِدٍ أيْضًا، بِناءً عَلى أنَّهُ يَبْقى مِنهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ما لَمْ يَقَعْ عَلى مَوْقِعِهِ شُعاعُها لِمانِعٍ جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ويَزُولُ ذَلِكَ تَدْرِيجًا حَسَبَ حَرَكَةِ الشَّمْسِ ووُقُوعِ شُعاعِها عَلى ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ ابْتِداءَ طُلُوعِها، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ تِلْكَ الإزالَةِ بِالقَبْضِ - وهو كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: جَمْعُ الأجْزاءِ المُنْبَسِطَةِ - لِما أنَّهُ قَدْ عُبِّرَ عَنِ الأحْداثِ بِالمَدِّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلَيْنا ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِ مَرْجِعِ الظِّلِّ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُشارِكُهُ حَقِيقَةً أحَدٌ في إزالَتِهِ، كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ سُبْحانَهُ لا يُشارِكُهُ حَقِيقَةً فِيهِ أحَدٌ، وثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ وأنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ نَحْوُ ما مَرَّ.

ومَن فَسَّرَ الظِّلَّ بِما كانَ يَوْمَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى السَّماءَ كالقُبَّةِ ودَحا الأرْضَ مِن تَحْتِها فَألْقَتْ ظِلَّها عَلَيْها جَعَلَ مَعْنى ﴿ ثُمَّ جَعَلْنا ﴾ إلَخْ: ثُمَّ خَلَقْنا الشَّمْسَ وجَعَلْناها مُسَلَّطَةً عَلى ذَلِكَ الظِّلِّ، وجَعَلْناها دَلِيلًا مَتْبُوعًا لَهُ كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ، فَهو يَزِيدُ ويَنْقُصُ ويَمْتَدُّ ويَقَلِصُ، ثُمَّ قَبَضْناهُ قَبْضًا سَهْلًا لا عُسْرَ فِيهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَرِينَةِ (إلَيْنا) وكَذا ( يَسِيرًا ) وذَلِكَ بِقَبْضِ أسْبابِهِ، وهي الأجْرامُ الَّتِي تُلْقِي الظِّلَّ، فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ إعْدامَهُ بِإعْدامِ أسْبابِهِ كَما ذَكَرَ إنْشاءَهُ بِإنْشاءِ أسْبابِهِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ ولِمُناسَبَةِ ما ذُكِرَ مَعَهُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، وفِيهِ ما فِيهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاسًۭا وَٱلنَّوْمَ سُبَاتًۭا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورًۭا ٤٧

﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَوائِعِ أحْكامِ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ الفائِضَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَلْوِينُ الخِطابِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(جَعَلَ) وتَقْدِيمُها عَلى مَفْعُولَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ كَوْنِ ما بَعْدُ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ بَيانِ أحْوالِ الظِّلِّ بِبَيانِ أحْكامِ اللَّيْلِ الَّذِي هو ظِلُّ الأرْضِ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أيْ: وهو الَّذِي جَعَلَ لِنَفْعِكُمُ اللَّيْلَ كاللِّباسِ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ ( وجَعَلَ النَّوْمَ ) الَّذِي يَقَعُ فِيهِ غالِبًا بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الأبْخِرَةِ عَلى القُوى عادَةً، وقِيلَ: بِشَمِّ نَسِيمٍ يَهَبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ.

﴿ سُباتًا ﴾ راحَةً لِلْأبْدانِ بِقِطَعِ الأفاعِيلِ الَّتِي تَكُونُ حالَ اليَقَظَةِ، وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ، وقِيلَ: يَوْمُ السَّبْتِ لِما جَرَتِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ: مَسْبُوتٌ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: السُّباتُ ضَرْبٌ مِنَ الإغْماءِ يَعْتَرِي اليَقْظانَ مَرَضًا، فَشُبِّهَ النَّوْمُ بِهِ، والسَّبْتُ الإقامَةُ في المَكانِ فَكانَ النَّوْمُ سُكُونًا ما.

﴿ وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ أيْ: ذا نُشُورٍ، يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِطَلَبِ المَعاشِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ وفي جَعْلِهِ نَفْسَ النُّشُورِ مُبالَغَةٌ، وقِيلَ: نُشُورًا بِمَعْنى (ناشِرًا) عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسُّباتِ المَوْتُ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ الإحْساسِ أوِ الحَياةِ، وعُبِّرَ عَنِ النَّوْمِ بِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ وبِالنُّشُورِ البَعْثُ، أيْ: وجَعَلَ النَّهارَ زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، أوْ نَفْسَ البَعْثِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

وأبى الزَّمَخْشَرِيُّ الرّاحَةَ في تَفْسِيرِ السُّباتِ، وقالَ: إنَّهُ يَأْباهُ النُّشُورُ في مُقابَلَتِهِ إباءَ العَيُوفِ الوَرْدَ وهو مُرَنَّقٌ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ النُّشُورَ في القُرْآنِ لا يَكادُ يُوجَدُ بِمَعْنى الِانْتِشارِ والحَرَكَةِ لِطَلَبِ المَعاشِ، وعَلَّلَ في الكَشْفِ إباءَ الزَّمَخْشَرِيِّ بِذَلِكَ، وبِأنَّ الآياتِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ - مَعَ ما فِيها مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ والقُدْرَةِ - أُدْمِجَ فِيها الدَّلالَةُ عَلى الإعادَةِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ أتْرابِها.

وكَأنَّهُ جَعَلَ جَعْلَ اللَّيْلِ لِباسًا والنَّوْمَ فِيهِ سُباتًا بِمَجْمُوعِهِ مُقابِلَ جَعْلِ النَّهارِ نُشُورًا، ولِهَذا كُرِّرَ (جَعَلَ) فِيهِ لِما فى النُّشُورِ مِن مَعْنى الظُّهُورِ والحَرَكَةِ النّاصِبَةِ، أوْ مَعْنى الظُّهُورِ والبَعْثِ، ولَمْ يَسْلُكْ في آيَةِ سُورَةِ النَّبَأِ هَذا المَسْلَكَ لِما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ طَهُورًۭا ٤٨

﴿ وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِألْ أوِ الِاسْتِغْراقِ، فَهو في مَعْنى الجَمْعِ مُوافَقَةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِراءَةُ الجَمْعِ أوْجَهُ؛ لِأنَّ الرِّيحَ مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً فَهي لِلْعَذابِ، ومَتّى كانْتِ لِلْمَطَرِ والرَّحْمَةِ جاءَتْ مَجْمُوعَةً؛ لِأنَّ رِيحَ المَطَرِ تَتَشَعَّبُ وتَتَذَأَّبُ وتَتَفَرَّقُ وتَأْتِي لَيِّنَةً مِن هاهُنا وهاهُنا وشَيْئًا إثْرَ شَيْءٍ، ورِيحَ العَذابِ تَأْتِي جَسَدًا واحِدًا لا تَتَذَأَّبُ، ألا تَرى أنَّها تُحَطِّمُ ما تَجِدُ وتَهْدِمُهُ.

وقالَ الرُّمّانِيُّ: جُمِعَتْ رِياحُ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها ثَلاثَةُ لَواقِحَ: الجَنُوبُ والصَّبا والدَّبُّورُ، وأُفْرِدَتْ رِيحُ العَذابِ؛ لِأنَّها واحِدَةٌ لا تُلَقَّحُ وهي الدَّبُّورُ، وفي «قَوْلِهِ  إذا هَبَّتِ الرِّيحُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ غُفُولًا عَنِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَتَوافَقُ بِهِ القِراءَتانِ، وقَدْ ذَكَرَ في البَحْرِ أنَّهُ لا يَسُوغُ أنْ يُقالَ في تِلْكَ القِراءَةِ أنَّها أوْجَهُ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَواتِرٌ، وألْ في الرِّيحِ لِلْجِنْسِ فَتَعُمُّ، وما ذُكِرَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُفْرَدِ والمَجْمُوعِ أكْثَرِيٌّ أوْ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ أوْ في المُنْكَرِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ الرُّومِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ.

﴿ بُشْرًا ﴾ تَخْفِيفُ (بُشُرًا) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَشُورٍ بِمَعْنى مُبَشِّرٍ أيْ: أرْسَلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ، وقُرِئَ «نُشْرًا» بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، و«نُشُرًا» بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ وهو جَمْعٌ لِذَلِكَ أيْضًا، أيْ أرْسَلَها ناشِراتٍ لِلسَّحابِ، مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنى البَعْثِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُهُ كَأنَّها تُحْيِيهِ لا مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِهِ السَّوْقُ مَجازًا، و«نَشْرًا» بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ(أرْسَلَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى نَشَرَ، والكُلُّ مُتَواتِرٌ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ السَّمَيْقِعِ أنَّهُ قَرَأ «بُشْرى» بِألِفِ التَّأْنِيثِ.

﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أيْ: قُدّامَ المَطَرِ، وقَدِ اسْتُعِيرَتِ الرَّحْمَةُ لَهُ، ورُشِّحَتِ الِاسْتِعارَةُ أحْسَنَ تَرْشِيحٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وبُشْرًا مِن تَتِمَّةِ الِاسْتِعارَةِ داخِلٌ في جُمْلَتِها، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴾ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما ذُكِرَ مِن إرْسالِ الرِّياحِ، أيْ: أنْزَلْناهُ بِعَظَمَتِنا بِما رَتَّبْنا مِن إرْسالِ الرِّياحِ مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّتِي لَيْسَتْ مَظِنَّةَ الماءِ أوْ مِنَ السَّحابِ أوْ مِنَ الجُرْمِ المَعْلُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

﴿ ماءً طَهُورًا ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ نَعْتٌ لِـ(ماءً) وعَلَيْهِ قِيلَ مَعْناهُ: بَلِيغُ الطَّهارَةِ زائِدُها، ووَجَّهَ في البَحْرِ المُبالَغَةَ بِأنَّها راجِعَةٌ إلى الكَيْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمْ يُشْبِهْ شَيْءٌ آخَرَ مِمّا في مَقَرِّهِ أوْ مَمَرِّهِ أوْ ما يُطْرَحُ فِيهِ كَمِياهِ الأرْضِ، وفَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ بِما كانَ طاهِرًا في نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ إنْ كانَ ما قالَهُ شَرْحًا لِبَلاغَتِهِ في الطَّهارَةِ كانَ سَدِيدًا وإلّا فَلَيْسَ فَعَوْلٌ مِنَ التَّفْعِيلِ في شَيْءٍ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ أخْذَ التَّطْهِيرِ فِيهِ يَأْباهُ لُزُومُ الطَّهارَةِ، والمُبالَغَةُ في اللّازِمِ لا تُوجِبُ التَّعَدِّيَ.

وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ: لَمّا لَمْ تَكُنِ الطَّهارَةُ في نَفْسِها قابِلَةً لِلزِّيادَةِ رَجَعَتِ المُبالَغَةُ فِيها إلى انْضِمامِ مَعْنى التَّطْهِيرِ إلَيْها لا أنَّ اللّازِمَ صارَ مُتَعَدِّيًا، وتَعَقَّبَهُ المَوْلى الدَّوانِيُّ بِأنَّ فِيهِ تَأمُّلًا مِن حَيْثُ إنَّ انْضِمامَ مَعْنى التَّطْهِيرِ لَمّا كانَ مُسْتَفادًا مِنَ المُبالَغَةِ بِمَعُونَةِ عَدَمِ قَبُولِ الزِّيادَةِ كانَتِ المُبالَغَةُ في الجُمْلَةِ سَبَبًا لِلتَّعَدِّي، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ التَّفَصِّي بِأنَّ المَعْنى اللّازِمَ باقٍ بِحالِهِ، والمُبالَغَةَ أوْجَبَتِ انْضِمامَ المُتَعَدِّي إلَيْهِ لا تَعْدِيَةَ ذَلِكَ اللّازِمِ وبَيْنَهُما فَرْقانِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ إفادَةَ المُبالَغَةِ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالغَيْرِ مِمّا لا يُساعِدُهُ لُغَةٌ ولا عُرْفٌ، وأيْنَ هَذا التَّعَلُّقُ في قَوْلِ جَرِيرٍ: إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظَّبا عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ومِن هَذا وأمْثالِهِ اخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُبالَغَةِ راجِعَةً إلى الكَيْفِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ البَحْرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ( طَهُورًا ) هُنا اسْمٌ لِما يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما في قَوْلِهِ  : ««التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ»» وفَعُولٌ - كَما قالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ الزّاهِرِ - يَكُونُ اسْمَ آلَةٍ لِما يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ كَغَسُولٍ ووَضُوءٍ وفَطُورٍ وسَحُورٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، كَما يَكُونُ صِفَةً بِمَعْنى فاعِلٍ كَأكُولٍ، أوْ مَفْعُولٍ كَصَبُوبٍ بِمَعْنى مَصْبُوبٍ، واسْمَ جِنْسٍ كَذَنُوبٍ، ومَصْدَرًا - وهو نادِرٌ - كَقَبُولٍ، فَيُفِيدُ التَّطْهِيرَ لِلْغَيْرِ وضْعًا، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَلى هَذا، واعْتِبارُ كَوْنِهِ طاهِرًا في نَفْسِهِ لِأنَّ كَوْنَهُ مُطَهِّرًا لِلْغَيْرِ فَرْعُ ذَلِكَ، وجُعِلَ - عَلى هَذا - بَدَلًا مِن ماءٍ أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ لا نَعْتًا، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ نَحْوُ: أرْسَلْتُ إلَيْكَ ماءً وضُوءًا.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادِرَ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - كَوْنُهُ نَعْتًا، فَإنْ أمْكَنَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ كانَ أبْعَدَ عَنِ القِيلِ والقالِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ طَهُورًا جاءَ مَصْدَرَ التَّطَهُّرِ في قَوْلِهِمْ: تَطَهَّرْتُ طَهُورًا حَسَنًا، وذَكَرَ أنَّ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا صَلاةَ إلّا بِطَهُورٍ»» وحَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي، وأيًّا ما كانَ فَفي تَوْصِيفِ الماءِ بِهِ إعْظامُ المِنَّةِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

لِّنُحْـِۧىَ بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا وَنُسْقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَـٰمًۭا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًۭا ٤٩

﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ ﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا مِنَ الماءِ الطَّهُورِ ﴿ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ لَيْسَ فِيها نَباتٌ، وذَلِكَ بِإنْباتِ النَّباتِ بِهِ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ الأرْضُ كَما في قَوْلِهِ: أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها مَعْناها المَعْرُوفُ، وتَنْكِيرُها لِلتَّنْوِيعِ، وتَذْكِيرُ صِفَتِها لِأنَّها بِمَعْنى البَلَدِ، أوْ لِأنَّ ( مَيْتًا ) مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي لا تُشْبِهُ المُضارِعَ في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ، وهو يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ فَأُجْرِيَ مَجْرى الجَوامِدِ، ولامُ ﴿ لِنُحْيِيَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(أنْزَلْنا) وتَعَلُّقُهُ بِـ(طَهُورًا) لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ (مَيِّتًا) بِالتَّشْدِيدِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ورَجَّحَ الجُمْهُورُ التَّخْفِيفَ؛ لِأنَّهُ يُماثِلُ فَعْلًا مِنَ المَصادِرِ فَكَما وُصِفَ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ بِالمَصْدَرِ فَكَذَلِكَ بِما أشْبَهَهُ بِخِلافِ المُشَدَّدِ فَإنَّهُ يُماثِلُ فاعِلًا مِن حَيْثُ قَبُولِهِ لِلتّاءِ إلّا فِيما خَصَّ المُؤَنَّثَ نَحْوُ طامِثٍ.

﴿ ونُسْقِيَهُ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءَ الطَّهُورَ، وعِنْدَ جَرَيانِهِ في الأوْدِيَةِ أوِ اجْتِماعِهِ في الحِياضِ والمَناقِعِ والآبارِ ﴿ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ أيْ: أهْلَ البَوادِي الَّذِينَ يَعِيشُونَ بِالحَياءِ، ولِذَلِكَ نُكِّرَ الأنْعامُ والأناسِيُّ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّنْوِيعِ.

وتَخْصِيصُ هَذا النَّوْعِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ القُرى والأمْصارِ يُقِيمُونَ بِقُرْبِ الأنْهارِ والمَنابِعِ فَبِهِمْ وبِما لَهم مِنَ الأنْعامِ غُنْيَةٌ عَنْ سَقْيِ السَّماءِ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يَعُوزُها الشُّرْبُ غالِبًا، ومَساقُ الآياتِ الكَرِيمَةِ - كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ - كَذَلِكَ هو لِتَعْدادِ أنْواعِ النِّعْمَةِ، فالأنْعامُ حَيْثُ كانَتْ قِنْيَةً لِلْإنْسانِ، وعامَّةُ مَنافِعِهِمْ ومَعايِشِهِمْ مَنُوطَةٌ بِها، قُدِّمَ سَقْيُها عَلى سَقْيِهِمْ، كَما قُدِّمَ عَلَيْها إحْياءُ الأرْضِ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها، فالتَّقْدِيمُ مِن قَبِيلِ تَقْدِيمِ الأسْبابِ عَلى المُسَبَّباتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ ما ذُكِرَ عَلى سَقْيِ الأناسِيِّ؛ لِأنَّهم إذا ظَفِرُوا بِما يَكُونُ سَقْيَ أرْضِهِمْ ومَواشِيهِمْ لَمْ يَعْدَمُوا سُقْياهُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهُ مِن بابِ تَقْدِيمِ ما هو الأهَمُّ والأصْلُ في بابِ الِامْتِنانِ، وذِكْرُ سَقْيِ الأناسِيِّ عَلى هَذا إرْدافٌ وتَتْمِيمٌ لِلِاسْتِيعابِ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ وكَثِيرًا صِفَةٌ لِلْمُتَعاطِفَيْنِ لا عَلى البَدَلِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَنْهُما «ونَسْقِيَهُ» بِفَتْحِ النُّونِ، ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأسْقى وسَقى لُغَتانِ، وقِيلَ: أسْقاهُ بِمَعْنى جَعَلَ السُّقْيا لَهُ وهَيَّأها، ﴿ وأناسِيَّ ﴾ جَمْعُ إنْسانٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وأصْلُهُ أناسِينَ فَقُلِبَتْ نُونُهُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيما قَبْلَها.

وذَهَبَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، قالَ في البَحْرِ: والقِياسُ أناسِيَةٌ كَما قالُوا في مَهْلَبِيٍّ مَهالِبَةٌ.

وفِي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ فَعالى إنَّما يَكُونُ جَمْعًا لِما فِيهِ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ إذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّسَبِ كَكُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ، وما فِيهِ ياءُ النَّسَبِ يُجْمَعُ عَلى أفاعِلَةٍ كَأزْرَقِيٍّ وأزارِقَةٍ، وكَوْنُ ياءِ إنْسِيٍّ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ بَعِيدٌ، فَحَقُّهُ أنْ يُجْمَعَ عَلى أناسِيَةٍ، وقالَ في التَّسْهِيلِ: إنَّهُ أكْثَرِيٌّ، وعَلَيْهِ لا يُرَدُّ ما ذُكِرَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًۭا ٥٠

﴿ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ كالضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ، وتَصْرِيفُهُ تَحْوِيلُ أحْوالِهِ وأوْقاتِهِ، وإنْزالُهُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ، أيْ: وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ صَرَّفْنا المَطَرَ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ النّاسِ فِي البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ والأوْقاتِ المُتَغايِرَةِ والصِّفاتِ المُتَفاوِتَةِ مِن وابِلٍ وطَلٍّ وغَيْرِهِما ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ أيْ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وإنْكارَها رَأْسًا بِإضافَتِها لِغَيْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يَقُولَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، مُعْتَقِدًا أنَّ النُّجُومَ فاعِلَةٌ لِذَلِكَ ومُؤَثِّرَةٌ بِذَواتِها فِيهِ، وهَذا الِاعْتِقادُ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - كُفْرٌ، وفي الكَشّافِ وغَيْرِهِ أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خالِقُ الأمْطارِ، وقَدْ نَصَبَ الأنْواءَ دَلائِلَ وأماراتٍ عَلَيْها، وأرادَ بِقَوْلِهِ: (مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا) مُطِرْنا في وقْتِ سُقُوطِ النَّجْمِ الفُلانِيِّ في المَغْرِبِ مَعَ الفَجْرِ لا يَكْفُرُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَأْثَمُ أيْضًا، وقالَ الإمامُ: مَن جَعَلَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ مُسْتَقِلَّةً بِاقْتِضاءِ هَذِهِ الأشْياءِ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ، وأمّا مَن قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَبَلَها عَلى خَواصَّ وصَفاتٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الحَوادِثَ فَلَعَلَّهُ لا يَبْلُغُ خَطَؤُهُ إلى حَدِّ الكُفْرِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِنّا في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامٌ أرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ تَسْتَحْسِنَهُ ذَوُو الأفْهامِ، ويَتَقَوّى بِهِ كَلامُ الإمامِ، ورُجُوعُ ضَمِيرِ أنْزَلْناهُ إلى الماءِ المُنَزَّلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الأوَّلِ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ أنَّهُ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ عَنِ الثّانِي مِثْلَهُ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ حَمْلُ التَّصْرِيفِ عَلى التَّقْسِيمِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو راجِعٌ إلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وهو ما ذُكِرَ فِيهِ إنْشاءُ السَّحابِ وإنْزالُ القَطْرِ لِما ذُكِرَ مِنَ الغاياتِ الجَلِيلَةِ، وتَصْرِيفُهُ تَكْرِيرُهُ وذِكْرُهُ عَلى وُجُوهٍ ولُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القَوْلَ وذَكَرْناهُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْرِفُوا بِذَلِكَ كَمالَ قُدْرَتِهِ تَعالى وواسِعَ رَحْمَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ فَأبى أكْثَرُهم مِمَّنْ سَلَفَ وخَلَفَ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِها، أوْ إنْكارَها رَأْسًا بِإضافَتِها لِغَيْرِهِ تَعالى شَأْنُهُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ أبُو السُّعُودِ: هو الأظْهَرُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿ وجاهِدْهم بِهِ ﴾ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والمَشْهُورُ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَتَأمَّلْ، وأمّا ما قِيلَ إنَّهُ عائِدٌ عَلى الرِّيحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍۢ نَّذِيرًۭا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَجَـٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا ٥٢

﴿ ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ نَبِيًّا يُنْذِرُ أهْلَها؛ فَتَخِفَّ عَلَيْكَ أعْباءُ النُّبُوَّةِ لَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ، وقَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ؛ إجْلالًا لَكَ وتَعْظِيمًا ﴿ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ ﴾ فِيما يُرِيدُونَكَ عَلَيْهِ، وهو تَهْيِيجُ لَهُ  ولِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ وجاهِدْهم بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وذَلِكَ بِتِلاوَةِ ما فِيهِ مِنَ البَراهِينِ والقَوارِعِ والزَّواجِرِ والمَواعِظِ وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ﴿ جِهادًا كَبِيرًا ﴾ فَإنَّ دَعْوَةَ كُلِّ العالَمِينَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ جِهادٌ كَبِيرٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كَمًّا وكَيْفًا، وتَرْتِيبُ ما ذُكِرَ عَلى ما قَبْلَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الفاءُ بِاعْتِبارِ أنَّ قَصْرَ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَنْبَغِي شُكْرُها وما ذُكِرَ نَوْعٌ مِنَ الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَعَثْناكَ نَذِيرًا لِجَمِيعِ القُرى، وفَضَّلْناكَ وعَظَّمْناكَ، ولَمْ نَبْعَثْ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، فَقابِلْ ذَلِكَ بِالثَّباتِ والِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الحَقِّ، وفي الكَشْفِ لِبَيانِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ ما يَدُلُّ عَلى حِرْصِهِ  عَلى طَلَبِ هُداهم وتَمارُضِهِمْ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ وذُنِّبَ بِدَلائِلِ القُدْرَةِ والنِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهم لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الِاحْتِشادُ، وأنَّهم يَغْمِطُونَ مِثْلَ هَذِهِ النِّعَمِ، ويَغْفُلُونَ عَنْ عَظَمَةِ مُوجِدِها سُبْحانَهُ، وجُعِلُوا كالأنْعامِ وأضَلَّ، وخُتِمَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهم مُرادٌ إلّا كُفُورُ نِعْمَتِهِ تَعالى.

قِيلَ: ﴿ ولَوْ شِئْنا ﴾ عَلى مَعْنى أنّا عَظَّمْناكَ بِهَذا الأمْرِ لِتَسْتَقِلَّ بِأعْبائِهِ وتَحُوزَ ما ادُّخِرَ لَكَ مِن جِنْسِ جَزائِهِ، فَعَلَيْكَ بِالمُجاهَدَةِ والمُصابَرَةِ، ولا عَلَيْكَ مِن تَلَقِّيهِمُ الدَّعْوَةَ بِالإباءِ والمُشاجَرَةِ، وبُولِغَ فِيهِ فَجُعِلَ حِرْصُهُ  عَلى إيمانِ هَؤُلاءِ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ طاعَةً لَهُمْ، وقِيلَ: فَلا تُطِعْهُمْ، ومَدارُ السُّورَةِ - عَلى ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - عَلى كَوْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَبْعُوثًا عَلى النّاسِ كافَّةً، يُنْذِرُهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ، ولِهَذا جُعِلَ بَراعَةَ اسْتِهْلالِها ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ .

والآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: أرَأيْتَ إلى آخِرِ الآياتِ، وفِيها مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما فِيها، ولَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْدِيبِ كَما وُهِمَ.

وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَ، عَلى مَعْنى: ولَوْ شِئْنا لِقَسَّمْنا النَّذِيرَ بَيْنَهُمْ، كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهُمْ، ولَكِنّا نَفْعَلُ ما هو الأنَفْعُ لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم فَبَعَثْناكَ إلَيْهِمْ كافَّةً فَلا تُطِعْ إلَخْ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُصُورِ النَّظَرِ ما فِيهِ.

هَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( بِهِ ) عائِدًا عَلى تَرْكِ طاعَتِهِمُ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ، ولَعَلَّ الباءَ حِينَئِذٍ لِلْمُلابَسَةِ، والمَعْنى: وجاهِدْهم بِما ذُكِرَ مِن أحْكامِ القُرْآنِ الكَرِيمِ مُلابِسًا تَرْكَ طاعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاهِدْهم بِالشِّدَّةِ والعُنْفِ لا بِالمُلاءَمَةِ والمُداراةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ وإلّا ورَدَ عَلَيْهِ أنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الطّاعَةِ يَتَحَقَّقُ بِلا دَعْوَةٍ أصْلًا، ولَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ الجِهادِ فَضْلًا عَنِ الجِهادِ الكَبِيرِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ مِن كَوْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَذِيرَ كافَّةِ القُرى؛ لِأنَّهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تِلْكَ المُجاهَداتُ كُلُّها، فَكَبُرَ - مِن أجْلِ ذَلِكَ - جِهادُهُ وعَظُمَ، فَقِيلَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: وجاهِدْهم بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى جِهادًا كَبِيرًا جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ بَيانَ سَبَبِ كِبَرِ المُجاهَدَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، وإنَّما اللّائِقُ بِالمَقامِ بَيانُ سَبَبِ كِبَرِها وعِظَمِها في الكَيْفِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلسَّيْفِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ يُشْرَعْ في مَكَّةَ الجِهادُ بِالسَّيْفِ، ومَعَ هَذا لا يَخْفى ما فِيهِ، ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى الوَجْهِ المَأْثُورِ عَلى عِظَمِ جِهادِ العُلَماءِ لِأعْداءِ الدِّينِ بِما يُورِدُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ، وأوْفَرُهم حَظًّا المُجاهِدُونَ بِالقُرْآنِ مِنهم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًۭا وَحِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا ٥٣

﴿ وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ أيْ أرْسَلَهُما في مَجارِيهِما، كَما يُرْسَلُ الخَيْلُ في المَرْجِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ويُقالُ في هَذا: أمَرَجَ أيْضًا عَلى ما قِيلَ، إلّا أنَّ مَرَجَ لُغَةُ الحِجازِ وأمْرَجَ لُغَةُ نَجْدٍ.

وأصْلُ المَرْجِ - كَما قالَ الرّاغِبُ - الخَلْطُ، ويُقالُ: مَرَجَ أمْرُهم أيِ: اخْتَلَطَ، وسُمِّيَ المَرْعى مَرْجًا لِاخْتِلاطِ النَّباتِ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرَيْنِ الماءُ الكَثِيرُ العَذْبُ والماءُ الكَثِيرُ المِلْحُ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِبَحْرَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، وهَذا رُجُوعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأدِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: هَذا ﴿ عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ إلَخْ، أيْ: شَدِيدُ العُذُوبَةِ، ووَزْنُهُ فُعالٌ مِن فَرَتَهُ وهو مَقْلُوبٌ مِن رَفَتَهُ إذا كَسَرَهُ؛ لِأنَّهُ يَكْسِرُ سَوْرَةَ العَطَشِ ويَقْمَعُها، وقِيلَ: هو البارِدُ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ، إمّا اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: يُقالُ فِيهِما: هَذا عَذْبٌ فُراتٌ.

﴿ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ وقِيلَ: هي حالٌ مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ قَوْلٍ، عَلى مَعْنى: مَرَجَ البَحْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عُذُوبَةً شَدِيدَةً ومُلُوحَةً كَذَلِكَ، واسْمُ الإشارَةِ يُغْنِي غَناءَ الضَّمِيرِ، والأُجاجُ شَدِيدُ المُلُوحَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ شُرْبَهُ يَزِيدُ أجِيجَ العَطَشِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو شَدِيدُ المُلُوحَةِ والحَرارَةِ، مِن أجِيجِ النّارِ انْتَهى، وقِيلَ: هو المُرُّ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: الحارُّ، فَهو يُقابِلُ الفُراتَ عِنْدَ مَن فَسَّرَهُ بِالبارِدِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وقُتَيْبَةُ، عَنِ الكِسائِيِّ «مَلِحٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ هُنا وكَذا في (فاطِرٍ)، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا مُنْكَرٌ في القِراءَةِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ مالِحًا فَخُفِّفَ بِحَذْفِ الألْفِ، كَما قِيلَ بَرْدٌ في بارِدٍ في قَوْلِهِ: أصْبَحَ قَلْبِي صَرِدا لا يَشْتَهِي أنْ يَرِدا إلّا عِرادًا عَرِدا وصَلِّيانا بَرِدا وعُكَنًا مُلْتَبِدا وقِيلَ: مُخَفَّفُ مَلِيحٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِمَعْنى مالِحٍ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ: هي لُغَةٌ شاذَّةٌ قَلِيلَةٌ، فَلَيْسَ مُخَفَّفًا مِن شَيْءٍ، نَعَمْ هو كَمِلْحٍ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِمَعْنى مالِحٍ، والأفْصَحُ أنْ يُقالَ في وصْفِ الماءِ: ماءٌ مِلْحٌ دُونَ ماءٍ مالِحٍ - وإنْ كانَ صَحِيحًا - كَما نَقَلَ الأزْهَرِيُّ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، وقَدِ اعْتَرَفَ أيْضًا بِصِحَّتِهِ ثَعْلَبٌ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنَ العَرَبِ، كَما أثْبَتَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وأنْشَدُوا لِإثْباتِهِ شَواهِدَ كَثِيرَةً، وعَلَيْهِ فَمِن خَطَّأ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: (ماءٌ مالِحٌ) فَقَدْ أخْطَأ جاهِلًا بِقَدْرِ هَذا الإمامِ.

﴿ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا ﴾ أيْ حاجِزًا، وهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ، وقِيلَ: أصْلُهُ (بَرْزَهْ) فَعُرِّبَ، والمُرادُ بِهَذا الحاجِزِ - كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ - ما يَحُولُ بَيْنَهُما مِنَ الأرْضِ كالأرْضِ الحائِلَةِ بَيْنَ دِجْلَةَ، ويُقالُ لَها بَحْرٌ لِعِظَمِها ولِشُيُوعِ إطْلاقِ البَحْرِ عَلى النَّهْرِ العَظِيمِ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ أيْضًا، فَلا إشْكالَ في التَّثْنِيَةِ، وإنْ أبَيْتَ صَيْرُورَتَهُ حَقِيقَةً فاعْتِبارُ التَّغْلِيبِ يَرْفَعُ الإشْكالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَحْرِ الكَبِيرِ، والمُرادُ حَيْلُولَتُها في مَجارِيها وإلّا فَهي تَنْتَهِي إلى البَحْرِ وكَذا سائِرُ الأنْهارِ العِظامِ، ودَلالَةُ هَذا الجَعْلِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَوْنُهُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ، فَإنَّ مُقْتَضى طَبِيعَةِ الماءِ أنْ يَكُونَ مُتَضامَّ الأجْزاءِ مُجْتَمِعًا غامِرًا لِلْأرْضِ مُحِيطًا بِها مِن جَمِيعِ جِهاتِها إحاطَةَ الهَواءِ بِهِ، ومُقْتَضى طَبِيعَةِ الأرْضِ أنْ تَكُونَ مُتَضامَّةَ الأجْزاءِ أيْضًا لا غَوْرَ فِيها ولا نَجْدَ، مَغْمُورَةً بِالماءِ، واقِعَةً في جَوْفِهِ كَمَرْكَزِ الدّائِرَةِ، كَما قَرَّرَ ذَلِكَ الفَلاسِفَةُ، وذَكَرُوا في سَبَبِ انْكِشافِ ما انْكَشَفَ مِنَ الأرْضِ ووُقُوعِ الأغْوارِ والأنْجادِ فِيها ما لا يَخْلُو عَنْ قِيلٍ وقالَ.

وبَيْنَهُما ظَرْفٌ لِـ(جَعَلَ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿ بَرْزَخًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّ تَنْوِينَ ﴿ بَرْزَخًا ﴾ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا عَظِيمًا، حَيْثُ إنَّهُ عَلى كَثْرَةِ مُرُورِ الدُّهُورِ لا يَتَخَلَّلُهُ ماءُ أحَدِ البَحْرَيْنِ حَتّى يَصِلَ إلى الآخَرِ فَيُغَيِّرُ طَعْمَهُ ﴿ وحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ أيْ: وتَنافُرًا مُفْرِطًا، كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يَتَعَوَّذُ مِنَ الآخَرِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، والمُرادُ لُزُومُ كُلٍّ مِنهُما لِصِفَتِهِ مِنَ العُذُوبَةِ والمُلُوحَةِ، فَلا يَنْقَلِبُ البَحْرُ العَذْبُ مِلْحًا في مَكانِهِ ولا البَحْرُ المِلْحُ عَذْبًا في مَكانِهِ، وذَلِكَ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وبالِغِ حِكَمْتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإنَّ العُذُوبَةَ والمُلُوحَةَ لَيْسَتا بِسَبَبِ طَبِيعَةِ الأرْضِ ولا بِسَبَبِ طَبِيعَةِ الماءِ، وإلّا لَكانَ الكُلُّ عَذْبًا أوِ الكُلُّ مِلْحًا، وذُكِرَ في حِكْمَةِ جَعْلِ البَحْرِ الكَبِيرِ مِلْحًا أنْ لا يُنْتِنَ بِطُولِ المُكْثِ وتَقادُمِ الدُّهُورِ، قِيلَ: وهو السِّرُّ في جَعْلِ دَمْعِ العَيْنِ مِلْحًا، وفِيهِ حِكَمٌ أُخْرى اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِها.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿ حِجْرًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ بَرْزَخًا ﴾ أيْ وجَعَلَ بَيْنَهُما هَذِهِ الكَلِمَةَ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما سَمِعْتَ آنِفًا، وهو مِن أبْلَغِ الكَلامِ وأعْذَبِهِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: ويَقُولانِ: حِجْرًا مَحْجُورًا، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنَ الحِجْرِ ما حُجِرَ بَيْنَهُما مِنَ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ البَرْزَخَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما حِينَئِذٍ لِزِيادَةِ المُبالَغَةِ في أمْرِ الحاجِزِ، وما قَدَّمْنا أوْلى وأبْعَدُ مَغْزًى، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرْزَخِ حاجِزٌ مِن قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - غَيْرُ مَرْئِيٍّ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ التَّمَيُّزُ التّامُّ وعَدَمُ الِاخْتِلاطِ، وأصْلُهُ كَلامٌ يَقُولُهُ المُسْتَعِيذُ لِما يَخافُهُ كَما تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي جَعَلَ البَحْرَيْنِ مُخْتَلِطَيْنِ في مَرْأى العَيْنِ ومُنْفَصِلَيْنِ في التَّحْقِيقِ بِقُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أكْمَلَ انْفِصالٍ، بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ ولا المِلْحُ بِالعَذْبِ، ولا يَتَغَيَّرُ طَعْمُ كُلٍّ مِنهُما بِالآخَرِ أصْلًا.

وحُكِيَ هَذا عَنِ الأكْثَرِينَ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ المَحْسُوسِ؛ فَإنَّ الأنْهارَ العَظِيمَةَ كَدِجْلَةَ وما يَنْضَمُّ إلَيْها والنِّيلِ وغَيْرِهِما - مِمّا يُشاهِدُهُ النّاسُ - إذا اتَّصَلَتْ في البَحْرِ تَغَيَّرَ طَعْمُ غَيْرِ قَلِيلٍ مِنها في جِهَةِ المُتَّصِلِ، وكَذا يَتَغَيَّرُ طَعْمُ غَيْرِ قَلِيلٍ مِنَ البَحْرِ في جِهَةِ المُتَّصِلِ أيْضًا، ويَخْتَلِفُ التَّغَيُّرُ قِلَّةً وكَثْرَةً بِاخْتِلافِ الوُرُودِ لِاخْتِلافِ أسْبابِهِ مِنَ الهَواءِ وغَيْرِهِ قُوَّةً وضَعْفًا، كَما أُخْبِرَ بِهِ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، ولَمْ يُخْبِرْ أحَدٌ أنَّهُ شاهَدَ في الأرْضِ بَحْرَيْنِ أحَدَهُما عَذْبٌ والآخَرُ مِلْحٌ، وقَدِ اتَّصَلَ أحَدُهُما بِالآخَرِ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ لِطَعْمِ شَيْءٍ مِنهُما أصْلًا، ولا مَساغَ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ لِجَعْلِ الآيَةِ في بَحْرَيْنِ في الأرْضِ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُما لَمْ يُشاهِدْهُما أحَدٌ كَما لا يَخْفى، ولا أرى وجْهًا لِتَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذُكِرَ، والتِزامُ هَذا ونَحْوَهِ مِنَ التَّكَلُّفاتِ البارِدَةِ مَعَ ظُهُورِ الوَجْهِ الَّذِي لا كُدُورَةَ فِيهِ عِنْدَ المُنْصِفِ إلّا تَسَبُّبُ طَعْنِ الكَفَرَةِ في القُرْآنِ العَظِيمِ وسُوءُ الظَّنِّ بِالمُسْلِمِينَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالبَرْزَخِ الواسِطَةُ، أيْ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرِ العَذْبِ الشَّدِيدِ العُذُوبَةِ والبَحْرِ المِلْحِ الشَّدِيدِ المُلُوحَةِ ماءً مُتَوَسِّطًا لَيْسَ بِالشَّدِيدِ العُذُوبَةِ ولا بِالشَّدِيدِ المُلُوحَةِ، وهو قِطْعَةٌ مِنَ العَذْبِ الفُراتِ عِنْدَ مَوْضِعِ التَّلاقِي مازَجَها شَيْءٌ مِنَ المِلْحِ الأُجاجِ فَكَسَرَ سَوْرَةَ عُذُوبَتِها، وقِطْعَةٌ مِنَ المِلْحِ الأُجاجِ عِنْدَ مَوْضِعِ التَّلاقِي أيْضًا مازَجَها شَيْءٌ مِنَ العَذْبِ الفُراتِ فَكَسَرَ سَوْرَةَ مُلُوحَتِها، ويَكُونُ التَّنافُرُ البَلِيغُ بَيْنَهُما المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ فِيما عَدا ذَلِكَ، وهو ما لَمْ يَتَأثَّرْ بِصاحِبِهِ مِنهُما، بَلْ يَبْقى عَلى صِفَتِهِ مِنَ العُذُوبَةِ الشَّدِيدَةِ والمُلُوحَةِ الشَّدِيدَةِ، وهو كَما تَرى، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّ المُرادَ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرانِ مُعَيَّنانِ هُما بَحْرُ الرُّومِ وبَحْرُ فارِسَ.

وذَكَرَهُ في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ الحَسَنِ بِرِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، وهو مِنَ العَجَبِ العُجابِ؛ لِأنَّ كِلا هَذَيْنِ البَحْرَيْنِ مِلْحٌ أُجاجٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ إرادَتُهُما هُنا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ نَعَمْ، قَدْ يَصِحُّ فِيما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِن آيَةِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ لِعَدَمِ ذِكْرِ ما يَمْنَعُهُ هُناكَ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - إنْ صَحَّ - فَلَعَلَّهُ في تِلْكَ الآيَةِ، ووَهِمَ السُّيُوطِيُّ في رِوايَتِهِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ البَحْرِينَ هُما بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ، وذُكِرَ مِثْلُهُ في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَّهُما يَلْتَقِيانِ كُلَّ عامٍ، وهَذا شَيْءٌ أنا لا أقُولُ بِهِ في الآيَةِ، ولا أعْتَقِدُ صِحَّةَ رِوايَتِهِ عَمَّنْ سَمِعْتَ، وإنْ كانَ مُناسَبَةُ الآيَةِ عَلَيْهِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا ﴾ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَطَرَ مِن بَحْرٍ في السَّماءِ أتَمَّ، ودَلالَتُها عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى أظْهَرَ، وأمّا أنْتِ فَبِالخِيارِ، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًۭا ٥٤

﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا ﴾ هو الماءُ الَّذِي خَمَّرَ بِهِ طِينَةَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَعَلَهُ جُزْءًا مِن مادَّةِ البَشَرِ؛ لِتَجْتَمِعَ وتَسْلَسَ وتَسْتَعِدَّ لِقَبُولِ الأشْكالِ والهَيْئاتِ، فالمُرادُ بِالماءِ الماءُ المَعْرُوفُ، وتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِالبَشَرِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ جِنْسُ البَشَرِ الصّادِقِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى ذُرِّيَّتِهِ، و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالماءِ النُّطْفَةُ، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ البَشَرِ عَلى أوْلادِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا ﴾ أيْ: قَسَمَهُ قِسْمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ، أيْ: ذُكُورًا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، وذَواتِ صِهْرٍ أيْ: إناثًا يُصاهَرُ بِهِنَّ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ فالواوُ لِلتَّقْسِيمِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ حُذِفَ لِيَدُلَّ عَلى المُبالَغَةِ ظاهِرًا، وعُدِلَ عَنْ ذِكْرِ وأُنْثى لِيُؤْذِنَ بِالِانْشِعابِ نَصًّا، وهَذا الجَعْلُ والتَّقْسِيمُ مِمّا لا خَفاءَ فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالبَشَرِ الجِنْسُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِهِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقِيلَ: هو بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، وفي الكَلامِ ما هو مِن قَبِيلِ الِاسْتِخْدامِ، نَظِيرُ ما في قَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ ذَلِكَ، والكَلامُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ: جَعَلَ مِنهُ، وقَدْ جِيءَ بِهِ عَلى الأصْلِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو ما سَمِعْتَهُ آنِفًا، وقِيلَ: المَعْنى: جَعَلَ آدَمَ نَسَبًا وصِهْرًا خَلَقَ حَوّاءَ مِنهُ، وإبْقاؤُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّكُورَةِ.

وتَعْقِيبُ جَعْلِ الجِنْسِ قِسْمَيْنِ خَلْقَ آدَمَ أوِ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ خَلْقِهِ، أوْ جَعْلِ قِسْمَيْنِ مِن آدَمَ خَلْقَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما - تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ - ظاهِرٌ، ورُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في (جَعَلَهُ) عائِدٌ عَلى الماءِ والفاءِ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ ﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أنَّ النَّسَبَ ما لا يَحِلُّ نِكاحُهُ، والصِّهْرَ ما يَحِلُّ نِكاحُهُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: النَّسَبُ ما لا يَحِلُّ نِكاحُهُ والصِّهْرُ قَرابَةُ الرَّضاعِ، وتَفْسِيرُ الصِّهْرِ بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا.

﴿ وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ مُبالِغًا في القُدْرَةِ، حَيْثُ قَدَرَ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ بَشَرًا ذا أعْضاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وطِباعٍ مُتَباعِدَةٍ، وجَعَلَهُ قِسْمَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ وكانَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لِلِاسْتِمْرارِ، وإذا قُلْنا بِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ نَفْسَها تُفِيدُ ذَلِكَ أيْضًا أفادَ الكَلامُ اسْتِمْرارًا عَلى اسْتِمْرارٍ، ورُبَّما أشْعَرَ ذَلِكَ بِأنَّ القُدْرَةَ البالِغَةَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ جَلَّ وعَلا، ومِنَ العَجَبِ ما زَعَمَهُ بَعْضُ مَن يَدَّعِي التَّفَرُّدَ بِالتَّحْقِيقِ مِمَّنْ صَحِبْناهُ مِن عُلَماءِ العَصْرِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - أنَّ ( كانَ ) في مِثْلِهِ لِلِاسْتِمْرارِ فِيما لَمْ يَزَلْ، والجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ لِلِاسْتِمْرارِ فِيما لا يَزالُ، فَيُفِيدُ جَمْعُهُما اسْتِمْرارَ ثُبُوتِ الخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ أزَلًا وأبَدًا، ويُعْلَمُ مِنهُ مَبْلَغُ الرَّجُلِ في العِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرًۭا ٥٥

﴿ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ الَّذِي شَأْنُهُ - تَعالى شَأْنُهُ - ما ذُكِرَ ﴿ ما لا يَنْفَعُهُمْ ﴾ إنْ عَبَدُوهُ ﴿ ولا يَضُرُّهُمْ ﴾ إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأصْنامُ، أوْ كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وما مِن مَخْلُوقٍ يَسْتَقِلُّ بِالنَّفْعِ والضُّرِّ ﴿ وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ﴾ الَّذِي ذُكِرَتْ آثارُ رُبُوبِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ ظَهِيرًا ﴾ أيْ: مُظاهِرًا - كَما قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ - وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَثِيرٌ، ومِنهُ نَدِيمٌ وجَلِيسٌ، والمُظاهَرَةُ المُعاوَنَةُ، أيْ: يُعاوِنُ الشَّيْطانَ عَلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ بِالعَداوَةِ والشِّرْكِ، والمُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسُ، فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِنَعْيِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، والآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هو إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، والمُرادُ: يُعاوِنُ المُشْرِكِينَ عَلى رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يُغْرِيَهم عَلى مَعْصِيَتِهِ والشِّرْكِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: المُرادُ: يُعاوِنُ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا مُرادًا عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ في الكافِرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ(ظَهِيرًا) مَهِينًا، مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ بِهِ إذا نَبَذْتَهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ، أيْ: كانَ مَن يَعْبُدُ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى ما لا يَنْفَعُهُ ولا يَضُرُّهُ مَهِينًا عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا خَلاقَ لَهُ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ، فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمَعْرُوفُ أنَّ ( ظَهِيرًا ) بِمَعْنى مُعِينٍ لا بِمَعْنى مَظْهُورٍ بِهِ <div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًۭا وَنَذِيرًۭا ٥٦

﴿ وما أرْسَلْناكَ ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ إلا ﴾ حالَ كَوْنِكَ ﴿ مُبَشِّرًا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ ونَذِيرًا ﴾ أيْ: ومُنْذِرًا مُبالِغًا في الإنْذارِ لِلْكافِرِينَ، ولِتَخْصِيصِ الإنْذارِ بِهِمْ وكَوْنِ الكَلامِ فِيهِمْ والإشْعارِ بِغايَةِ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ اقْتُصِرَ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِ، وقِيلَ: المُبالَغَةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ المُنْذَرِينَ فَإنَّ الكَفَرَةَ في كُلِّ وقْتٍ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ كَثْرَتَهم بِإدْخالِ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيهِمْ، أيْ: ونَذِيرًا لِلْعاصِينَ مُؤْمِنِينَ كانُوا أوْ كافِرِينَ، والمَقامُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ بِالكافِرِينَ كَما لا يَخْفى، والمُرادُ: ما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ ونَذِيرًا لِلْكافِرِينَ، فَلا تَحْزَنْ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ <div class="verse-tafsir"

قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًۭا ٥٧

﴿ قُلْ ﴾ لَهم دافِعًا عَنْ نَفْسِكَ تُهْمَةَ الِانْتِفاعِ بِإيمانِهِمْ ﴿ ما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الإرْسالُ، أوْ عَلى المَذْكُورِ مِنَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ: أجْرٍ ما مِن جِهَتِكم ﴿ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ ﴾ أيْ: إلى رَحْمَتِهِ ورِضْوانِهِ ﴿ سَبِيلا ﴾ أيْ طَرِيقًا، والِاسْتِثْناءُ عِنْدَ الجُمْهُورِ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ ما شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ سَبِيلًا - أيْ بِالإنْفاقِ القائِمِ مَقامَ الأجْرِ كالصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِيُناسِبَ الِاسْتِدْراكَ - فَلْيَفْعَلْ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: إلّا فِعْلَ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا بِالإيمانِ والطّاعَةِ حَسْبَما أدْعُو إلَيْهِما، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الِادِّعاءِ، وتَصْوِيرُ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الإتْيانِ بِهِ، وهَذا كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ نَزِيلَهم يُعابُ بِنِسْيانِ الأحِبَّةِ والوَطَنِ وفِي ذَلِكَ قَلْعٌ كُلِّيٌّ لِشائِبَةِ الطَّمَعِ، وإظْهارٌ لِغايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ جُعِلَ ذَلِكَ - مَعَ كَوْنِ نَفْعِهِ عائِدًا إلَيْهِمْ - عائِدًا إلَيْهِ  ، وقِيلَ: المَعْنى: ما أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أجْرَ مَن آمَنَ، أيْ: إلّا الأجْرَ الحاصِلَ لِي مِن إيمانِهِ، فَإنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى الِادِّعاءِ والتَّصْوِيرِ السّابِقِ، والأوْلى ما فِيهِ قَلْعُ شائِبَةِ الطَّمَعِ بِالكُلِّيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَىِّ ٱلَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِۦ ۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

﴿ وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾ في الإغْناءِ عَنْ أُجُورِهِمْ والِاسْتِكْفاءِ عَنْ شُرُورِهِمْ، وكَأنَّ العُدُولَ عَنْ (وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِيُفِيدَ بِفَحْواهُ أوْ بِتَرَتُّبِ الحُكْمِ فِيهِ عَلى وصْفٍ مُناسِبٍ عَدَمَ صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلى غَيْرِ المُتَّصِفِ بِما ذُكِرَ مِنَ الحَياةِ والبَقاءِ، أمّا عَدَمُ صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلى مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالحَياةِ كالأصْنامِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَدَمُ صِحَّتِهِ عَلى مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالبَقاءِ - بِأنْ كانَ مِمَّنْ يَمُوتُ - فَلِأنَّهُ عاجِزٌ ضَعِيفٌ، فالمُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِضَعِيفٍ عادَ بِقَرْمَلَةٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ إذا ماتَ ضاعَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (التَّوَكُّلِ) والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أبِي ثَبِيتٍ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: لا تَوَكَّلْ عَلى ابْنِ آدَمَ؛ فَإنَّ ابْنَ آدَمَ لَيْسَ لَهُ قِوامٌ، ولَكِنْ تَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: لا يَصِحُّ لِذِي عَقْلٍ أنْ يَثِقَ بَعْدَها بِمَخْلُوقٍ.

﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أيْ ونَزِّهْهُ سُبْحانَهُ مُلْتَبِسًا بِالثَّناءِ عَلَيْهِ تَعالى بِصِفاتِ الكَمالِ، طالِبًا لِمَزِيدِ الإنْعامِ بِالشُّكْرِ عَلى سَوابِقِهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقُدِّمَ التَّنْزِيهُ؛ لِأنَّهُ تَخْلِيَةٌ، وهي أهَمُّ مِنَ التَّحْلِيَةِ، وفي الحَدِيثِ: ««مَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»».

﴿ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ ﴾ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ - كَما يُؤْذِنُ بِهِ الجَمْعُ المُضافُ فَإنَّهُ مِن صِيَغِ العُمُومِ أوْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَبِيرًا ﴾ - لِأنَّ الخِبْرَةَ مَعْرِفَةُ بَواطِنِ الأُمُورِ - كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ - ومَن عَلِمَ البَواطِنَ عَلِمَ الظَّواهِرَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَيَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مُطابَقَةً والتِزامًا.

والظّاهِرُ أنَّ ( بِذُنُوبِ ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(خَبِيرًا) وهو حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ، وباءَ ( بِهِ ) زائِدَةٌ في فاعِلِ ( كَفى )، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( بِذُنُوبِ ) صِلَةَ (كَفى) والجُمْلَةُ مَسُوقَةً لِتَسْلِيَتِهِ  ووَعِيدِ الكُفّارِ، أيْ: إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُطَّلِعٌ عَلى ذُنُوبِ عِبادِهِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِيهِمْ عَلَيْها، ولا عَلَيْكَ إنْ آمَنُوا أوْ كَفَرُوا.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا ٥٩

﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ قَدْ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الجَرُّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ، ووُصِفَ سُبْحانَهُ بِالصِّفَةِ الفِعْلِيَّةِ بَعْدَ وصْفِهِ - جَلَّ وعَلا - بِالأبَدِيَّةِ الَّتِي هي مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ، والإشارَةُ إلى اتِّصافِهِ تَعالى بِالعِلْمِ الشّامِلِ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ - جَلَّ جَلالُهُ - وتَأْكِيدِهِ، فَإنَّ مَن أنْشَأ هَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ عَلى هَذا النَّمَطِ الفائِقِ، والنَّسَقِ الرّائِقِ، بِتَدْبِيرٍ مَتِينٍ، وتَرْتِيبٍ رَصِينٍ، في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ - مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى إبْداعِها دُفْعَةً بِحِكَمِ جَلِيلَةٍ وغاياتٍ جَمِيلَةٍ لا تَقِفُ عَلى تَفاصِيلِها العُقُولُ - أحَقُّ مَن يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وأوْلى مَن يُفَوَّضُ الأمْرُ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ آخَرُ لِلْحَيِّ - كَما في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالجَرِّ - مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ ما ذُكِرَ مِن وُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وإنْ لَمْ يَتْبَعْهُ في الإعْرابِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المَنصُوبَ والمَرْفُوعَ مَدْحًا - وإنْ خَرَجًا عَنِ التَّبَعِيَّةِ لِما قَبْلَهُما صُورَةً حَيْثُ لَمْ يَتْبَعاهُ في الإعْرابِ وبِذَلِكَ سُمِّيا قَطْعًا - لَكِنَّهُما تابِعانِ لَهُ حَقِيقَةً، ألا تَرى كَيْفَ التَزَمُوا حَذْفَ الفِعْلِ والمُبْتَدَأِ؛ رَوْمًا لِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن مُتَعَلِّقاتِ ما قَبْلَهُ، وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما، وإنَّما قَطَعُوا لِلِافْتِتانِ المُوجِبِ لِإيقاظِ السّامِعِ وتَحْرِيكِهِ إلى الجِدِّ في الإصْغاءِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ صِفَةً لَهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ والرَّحْمَنُ خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( الرَّحْمَنُ ) بَدَلًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في «اسْتَوى» ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ أنْ يَكُونَ «الرَّحْمَنُ» مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ خَبَرَهُ عَلى حَدِّ تَخْرِيجِهِ قَوْلَ الشّاعِرِ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمْ وهُوَ بَعِيدٌ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها إعْرابًا، والفاءُ فَصِيحَةٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِلَةُ (اسْألْ) والسُّؤالُ - كَما يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّفْتِيشِ - يُعَدّى بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى عَنْ كَما فَعَلَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ إجْمالًا مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ، والمَعْنى: إنْ شِئْتَ تَحْقِيقَ ما ذُكِرَ أوْ تَفْصِيلَ ما ذُكِرَ فاسْألْ مُعْتَنِيًا بِهِ، خَبِيرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، مُحِيطًا بِظَواهِرِ الأُمُورِ وبَواطِنِها، وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يُطْلِعْكَ عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ.

والمَسْؤُولُ في الحَقِيقَةِ تَفاصِيلُ ما ذُكِرَ لا نَفْسُهُ؛ إذْ بَعْدَ بَيانِهِ لا يَبْقى إلى السُّؤالِ حاجَةٌ، ولا في تَعْدِيَتِهِ بِالباءِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِناءِ المُسْتَدْعِي لِكَوْنِ المَسْؤُولِ أمْرًا خَطِيرًا مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ غَيْرَ حاصِلٍ لِلسّائِلِ - فائِدَةٌ؛ فَإنَّ نَفْسَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ بَعْدَ الذِّكْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى.

وكَوْنُ التَّقْدِيرِ: إنْ شَكَكْتَ فِيهِ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا عَلى أنَّ الخِطابَ لَهُ  والمُرادَ غَيْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّدادِ، وقِيلَ: ( بِهِ ) صِلَةُ ( خَبِيرًا ) قُدِّمَ لِرُؤُوسِ الآيِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ، نَحْوُ: رَأيْتُ بِهِ أسَدًا، أيْ: رَأيْتُ بِرُؤْيَتِهِ أسَدًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: فاسْألْ بِسُؤالِهِ خَبِيرًا، والمَعْنى: إنْ سَألْتَهُ وجَدْتَهُ خَبِيرًا، والباءُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ صِلَةً؛ فَإنَّها باءُ التَّجْرِيدِ، وهي - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ - سَبَبِيَّةٌ، والخَبِيرُ عَلَيْهِ هو اللَّهُ تَعالى أيْضًا، وقَدْ ذَكَرَ هَذا الوَجْهَ السَّجاوَنْدِيُّ، واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، قالَ: وهو أوْجَهُ لِيَكُونَ كالتَّتْمِيمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ لِإثْباتِ القُدْرَةِ مُدْمَجًا فِيهِ العِلْمُ، وكَوْنُ ضَمِيرِ (بِهِ) راجِعًا إلى ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ، و(الخَبِيرُ) في الآيَةِ هو اللَّهُ تَعالى مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ، ورُوِيَ تَفْسِيرُ الخَبِيرِ بِهِ تَعالى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أيْضًا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - الخَبِيرُ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو مَن وجَدَ ذَلِكَ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ تَعالى، أيْ: فاسْألْ بِما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ والِاسْتِواءِ مَن عَلِمَ بِهِ مِن أهْلِ الكُتُبِ لِيُصَدِّقَكَ، وقِيلَ: إذا أُرِيدَ بِالخَبِيرِ مَن ذُكِرَ فَضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلرَّحْمَنِ، والمَعْنى: إنْ أنْكَرُوا إطْلاقَ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ تَعالى فاسْألْ بِهِ مَن يُخْبِرُكَ مِن أهْلِ الكِتابِ لِيَعْرِفُوا مَجِيءَ ما يُرادِفُهُ في كُتُبِهِمْ، وفِيهِ أنَّهُ لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ فِيهِ عَوْدَ الضَّمِيرِ لِلَفْظِ ( الرَّحْمَنُ ) دُونَ مَعْناهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ( ما الرَّحْمَنُ ) .

وقِيلَ: الخَبِيرُ مُحَمَّدٌ  وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلرَّحْمَنِ، والمُرادُ: فاسْألْ بِصِفاتِهِ، والخِطابُ لِغَيْرِهِ  مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلرَّحْمَنِ، والمُرادُ: فاسْألْ بِرَحْمَتِهِ وتَفاصِيلِها عارِفًا يُخْبِرْكَ بِها، أوِ المُرادُ: فاسْألْ بِرَحْمَتِهِ حالَ كَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ، عَلى أنَّ ( خَبِيرًا ) حالٌ مِنَ الهاءِ لا مَفْعُولُ (اسْألْ) كَما في الأوْجُهِ السّابِقَةِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( خَبِيرًا ) حالًا مِنَ ( الرَّحْمَنُ ) إذا رُفِعَ بِـ(اسْتَوى) وقالَ: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ (اسْألْ) لِأنَّ الخَبِيرَ لا يُسْألُ إلّا عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، مِثْلُ: ﴿ وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴾ والوَجْهُ الأقْرَبُ الأوْلى في الآيَةِ مِن بَيْنِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لا يَخْفى، وقُرِئَ «فَسَلْ» .

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُوا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًۭا ۩ ٦٠

﴿ وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ ﴾ القائِلُ رَسُولُ اللَّهِ  أوِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى لِسانِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يَخْفى مَوْقِعُ هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ هُنا، وفِيهِ - كَما قالَ الخَفاجِيُّ -: مَعْنى: (أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ ﴿ قالُوا ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجاهُلِ والوَقاحَةِ وما الرَّحْمَنُ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: (وما رَبُّ العالَمِينَ) حِينَ قالَ لَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ وهو عالِمٌ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ ﴾ والسُّؤالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنِ المُسَمّى، ووَقَعَ بِما دُونِ مَن؛ لِأنَّهُ مَجْهُولٌ بِزَعْمِهِمْ، فَهو كَما يُقالُ لِلشَّبَحِ المَرْئِيِّ: ما هُوَ؟

فَإذا عُرِفَ أنَّهُ مِن ذَوِي العِلْمِ قِيلَ: مَن هُوَ؟

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ مَعْنى الِاسْمِ، ووُقُوعُهُ بِـ(ما) حِينَئِذٍ ظاهِرٌ.

وقِيلَ: سَألُوا عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يُطْلِقُونَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما يُطْلِقُونَ الرَّحِيمَ والرَّحُومَ والرّاحِمَ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ شاعَ فِيما بَيْنَهم تَسْمِيَةُ مُسَيْلِمَةَ بِـ(رَحْمَنِ اليَمامَةِ) فَظَنُّوا أنَّهُ المُرادُ بِحَمْلِ التَّعْرِيفِ عَلى العَهْدِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ عَبْرانِيًّا وأصْلُهُ (رَخْمانُ) بِالخاءِ المُعْجَمَةِ فَعُرِّبَ ولَمْ يَسْمَعُوهُ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ ذَلِكَ عَنْ تَجاهُلٍ، وأنَّ السُّؤالَ عَنِ المُسَمّى ولِذا قالُوا: ﴿ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا ﴾ أيْ: لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ نَعْرِفَهُ، فَما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ.

وأصْلُ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ، ثُمَّ صارَ (تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ) ثُمَّ (تَأْمُرُنا سُجُودَهُ) كَـ(أمَرْتُكَ الخَيْرَ) ثُمَّ (تَأْمُرُناهُ) بِحَذْفِ المُضافِ، ثُمَّ (تَأْمُرُنا) واعْتِبارُ الحَذْفِ تَدْرِيجًا مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حُذْفُ كُلِّ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَدْرِيجٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وأمْرُ العائِدِ عَلى ما سَمِعْتَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةً، والمَسْجُودُ لَهُ مَحْذُوفٌ أوْ مَتْرُوكٌ، أيْ: أنَسْجَدُ لَهُ لِأجْلِ أمْرِكَ إيّانا أوْ أنَسْجَدُ لِأجْلِ أمْرِكَ إيّانا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «يَأْمُرُنا» بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ  وهَذا القَوْلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ﴿ وزادَهُمْ ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالسُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( قالُوا ) أيْ: قالُوا ذَلِكَ وزادَهم ﴿ نُفُورًا ﴾ عَنِ الإيمانِ، وفي اللُّبابِ أنَّ فاعِلَ ( زادَهم ) ضَمِيرُ السُّجُودِ لِما رُوِيَ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - سَجَدُوا فَتَباعَدُوا عَنْهم مُسْتَهْزِئِينَ، وعَلَيْهِ فَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِ (إذا) بَلْ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَوابِ، كَما قِيلَ في (لا يَسْتَقْدِمُونَ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ والأوَّلُ أوْلى وأظْهَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًۭا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًۭا وَقَمَرًۭا مُّنِيرًۭا ٦١

﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ الظّاهِرُ أنَّها البُرُوجُ الاثْنا عَشَرَ المَعْرُوفَةُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وهي في الأصْلِ القُصُورُ العالِيَةُ، وأُطْلِقَتْ عَلَيْها عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لِكَوْنِها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِساكِنِيها، ثُمَّ شاعَ فَصارَ حَقِيقَةً فِيها، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ البُرْجَ كُلُّ مُرْتَفَعٍ فَلا حاجَةَ إلى التَّشْبِيهِ أوِ النَّقْلِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التَّبَرُّجِ بِمَعْنى الظُّهُورِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ مَشْرَبُ أهْلِ الحَدِيثِ أنَّها في السَّماءِ الدُّنْيا ولا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، لا سِيَّما إذا قُلْنا بِعِظَمِ ثَخَنِها بِحَيْثُ يَسَعُ الكَواكِبَ وما تَقْتَضِيهِ - عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ - وهي عِنْدَهم أقْسامُ الفَلَكِ الأعْظَمِ المُسَمّى - عَلى ما قِيلَ - بِالعَرْشِ، ولَمْ يَرِدْ - فِيما أعْلَمُ - إطْلاقُ السَّماءِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صَحِيحًا لُغَةً، سُمِّيَتْ بِأسْماءِ صُوَرٍ مِنَ الثَّوابِتِ في الفَلَكِ الثّامِنِ وقَعَتْ في مُحاذاتِها وقْتَ اعْتِبارِ القِسْمَةِ، وتِلْكَ الصُّوَرُ مُتَحَرِّكَةٌ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ كَسائِرِ الثَّوابِتِ، وقَدْ قارَبَ في هَذِهِ الأزْمانِ أنْ تَخْرُجَ كُلُّ صُورَةٍ عَمّا حاذَتْهُ أوَّلًا، وابْتِداؤُها عِنْدَهم مِن نُقْطَةِ الِاعْتِدالِ الرَّبِيعِيِّ، وهي نُقْطَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن مُعَدَّلِ النَّهارِ لا تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الثّامِنِ، مُلاقِيَةٌ لِنُقْطَةٍ أُخْرى مِن مِنطَقَةِ البُرُوجِ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وإذا لَمْ يَتَحَرَّكْ مَبْدَأُ البُرُوجِ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ لَمْ يَتَحَرَّكْ ما عَداها، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ثَلاثَةً مِنها رَبِيعِيَّةً، وهِيَ: الحَمَلُ والثَّوْرُ والجَوْزاءُ - وتُسَمّى التَّوْأمَيْنِ أيْضًا - وثَلاثَةً صَيْفِيَّةً، وهِيَ: السَّرَطانُ والأسَدُ والسُّنْبُلَةُ - وتُسَمّى العَذْراءَ أيْضًا - وهَذِهِ السِّتَّةُ شَمالِيَّةٌ، وثَلاثَةً خَرِيفِيَّةً، وهِيَ: المِيزانُ والعَقْرَبُ والقَوْسُ - ويُسَمّى الرّامِيَ أيْضًا - وثَلاثَةً شَتْوِيَّةً، وهِيَ: الجَدْيُ والدَّلْوُ - ويُسَمّى الدّالِيَ وساكِبَ الماءِ أيْضًا - والحُوتُ - وتُسَمّى السَّمَكَتَيْنِ - وهَذِهِ السِّتَّةُ جَنُوبِيَّةٌ، ولِحُلُولِ الشَّمْسِ في كُلٍّ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ يَخْتَلِفُ الزَّمانُ حَرارَةً وبُرُودَةً، واللَّيْلُ والنَّهارُ طُولًا وقِصَرًا، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ آثارٌ جَلِيلَةٌ مِن نُضْجِ الثِّمارِ وإدْراكِ الزُّرُوعِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو وجْهُ البَرَكَةِ في جَعْلِها.

وأمّا ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ مِنَ الآثارِ إذا كانَ شَيْءٌ مِنها طالِعًا وقْتَ الوِلادَةِ أوْ شُرُوعِ في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ، أوْ وقْتَ حُلُولِ الشَّمْسِ نُقْطَةَ الحَمْلِ - الَّذِي هو مَبْدَأُ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ في المَشْهُورِ - فَهو مَحْضُ ظَنٍّ ورَجْمٍ بِالغَيْبِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الكَلامُ في ذَلِكَ مُفَصَّلًا، ولَهم في تَقْسِيمِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ ولَيْلِيٍّ ونَهارِيٍّ وحارٍّ وبارِدٍ وسَعْدٍ ونَحْسٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، ولَعَلَّنا نَذْكُرُ شَيْئًا مِنهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَن أرادَهُ مُسْتَوْفًى فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِهِمْ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ البُرُوجَ المَجْعُولَةَ مِمّا لا دَخْلَ لِلِاعْتِبارِ فِيها، والمَذْكُورُ في كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّها حاصِلَةٌ مِنِ اعْتِبارِ فَرْضِ سِتِّ دَوائِرَ مَعْلُومَةٍ قاطِعَةٍ لِلْعالَمِ، فَيَكُونُ لِلِاعْتِبارِ دَخْلٌ فِيها - وإنْ لَمْ تَكُنْ في ذَلِكَ - كَأنْيابِ الأغْوالِ لِوُجُودِ مَبْدَأِ الِانْتِزاعِ فِيها، فَإنْ كانَ الأمْرُ عَلى هَذا الطَّرْزِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ بِأنْ يُعْتَبَرَ تَقْسِيمُ ما هي فِيهِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قِطْعَةً وتُسَمّى كُلُّ قِطْعَةٍ بُرْجًا فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِجَعْلِهِ تَعالى إيّاها جَعْلُ ما يَتِمُّ بِهِ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ، ويَتَحَقَّقُ بِهِ أمْرُ التَّفاوُتِ والِاخْتِلافِ بَيْنَ تِلْكَ البُرُوجِ، وفِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ في الآيَةِ إيماءً إلى أنَّ اعْتِبارَ التَّقْسِيمِ كانَ عَنْ وحْيٍ، والمَشْهُورُ أنَّ مَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ أوَّلًا هُرْمُسَ وهو عَلى ما قِيلَ إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّ البُرُوجَ قُصُورٌ عَلى أبْوابِ السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وقِيلَ: هي القُصُورُ في الجَنَّةِ، قالَ الأعْمَشُ: وكانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: (فِي السَّماءِ قُصُورًا)، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ سِيقَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَسْجُدُونَ لِلرَّحْمَنِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وبَيانِ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلسُّجُودِ بِبَيانِ آثارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أُمُورٍ مُدْرَكَةٍ مَعْلُومَةٍ لَهُمْ، وتِلْكَ القُصُورُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها النُّجُومُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، وعَنْ أبِي صالِحٍ تَقْيِيدُها بِالكِبارِ، وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِعِظَمِها وظُهُورِها لا سِيَّما الَّتِي مِن أوَّلِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ لِلْقَدْرِ الأوَّلِ مِنَ الأقْدارِ السِّتَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إطْلاقُ البُرُوجِ عَلى النُّجُومِ، فالأوْلى أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الأوَّلُ المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي هو أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ ﴿ وجَعَلَ فِيها ﴾ أيْ في السَّماءِ، وقِيلَ: في البُرُوجِ ﴿ سِراجًا ﴾ هي الشَّمْسُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ والأخَوانِ «سُرُجًا» بِالجَمْعِ مَضْمُومَ الرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الرّاءَ وهو - عَلى ما قِيلَ - مِن قَبِيلِ ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ لِأنَّ الشَّمْسَ لِعِظَمِها وكَمالِ إضاءَتِها كَأنَّها سُرُجٌ كَثِيرَةٌ، أوِ الجُمَعُ بِاعْتِبارِ الأيّامِ والمَطالِعِ، وقَدْ جُمِعَتْ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: لَمَعانُ بَرْقٍ أوْ شُعاعُ شُمُوسٍ وعَلى هَذا القَوْلِ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالكَواكِبِ الكِبارِ، واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَخْصِيصُ القَمَرِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ بَعْدَ دُخُولِهِ في السُّرُجِ، والمُناسِبُ تَخْصِيصُ الشَّمْسِ لِكَمالِ مَزِيَّتِها عَلى ما سِواها، ورُدَّ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ دُخُولِهِ في السُّرُجِ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّ سِنِيَّهم قَمَرِيَّةٌ، ولِذا يُقَدَّمُ اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ، وتُعْتَبَرُ اللَّيْلَةُ لِلْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَها، فَهم أكْثَرُ عِنايَةً بِهِ مَعَ أنَّهُ - عَلى ما ذَكَرَهُ - يَلْزَمُهُ تَرْكُ ذِكْرِ الشَّمْسِ وهي أحَقُّ بِالذِّكْرِ مِن غَيْرِها، والِاعْتِذارُ عَنْهُ بِأنَّها لِشُهْرَتِها كَأنَّها مَذْكُورَةٌ ولِذا لَمْ تُنْظَمْ مَعَ غَيْرِها في قَرْنٍ - لا يُجْدِي.

والقَمَرُ مَعْرُوفٌ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ بَعْدَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ، قِيلَ: وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْمُرُ ضَوْءَ الكَواكِبِ، وفي الصِّحاحِ لِبَياضِهِ، وفي وصْفِهِ ما يُشْعِرُ بِالِاعْتِناءِ بِهِ، وعَلى الفَرْقِ المَشْهُورِ بَيْنَ الضَّوْءِ والنُّورِ يَكُونُ في وصْفِهِ بِـ(مُنِيرًا) دُونَ (مُضِيئًا) إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُشاهَدُ فِيهِ مُسْتَفادٌ مِن غَيْرِهِ وهو الشَّمْسُ، بَلْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ نُورَ جَمِيعِ الكَواكِبِ مُسْتَفادٌ مِنها، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ اخْتِلافُ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها كَما في نُورِ القَمَرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ «وقُمْرًا» بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّها لُغَةٌ في القَمَرِ كالرُّشْدِ والرَّشَدِ والعُرْبِ والعَرَبِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ قَمْراءَ، وهي اللَّيْلَةُ المُنِيرَةُ بِالقَمَرِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وذا قَمَرٍ، أيْ: صاحِبَ لَيالٍ قُمْرٍ، والمُرادُ بِهَذا الصّاحِبِ القَمَرُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( مُنِيرًا ) صِفَةً لِذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ قَدْ يُعْتَبَرُ بَعْدَ حَذْفِهِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ فَإنَّهُ يُرِيدُ ماءَ بَرَدى، ولِذا قالَ يُصَفِّقُ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ولَوْ لَمْ يُراعِ المُضافَ لَقالَ تُصَفِّقُ بِالتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةًۭ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًۭا ٦٢

﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً ﴾ أيْ: ذَوِي خِلْفَةٍ، يَخْلُفُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ، بِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يُعْمَلَ فِيهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بِأنْ يَعْقُبَهُ ويَجِيءَ بَعْدَهُ، وهو اسْمٌ لِلْحالَةِ مِن خَلَفَ كالرِّكْبَةِ والجِلْسَةِ مِن رَكِبَ وجَلَسَ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(جَعَلَ) أوْ حالٌ إنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى اخْتِلافًا، والمُرادُ الِاخْتِلافُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ - كَما قِيلَ - أوْ في السَّوادِ والبَياضِ - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - أوْ فِيما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهَ، كَما هو مُحْتَمَلٌ، وفي البَحْرِ يُقالُ: بِفُلانٍ خِلْفَةٌ واخْتِلافٌ إذا اخْتَلَفَ كَثِيرًا إلى مُتَبَرَّزِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمٍ وقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِّتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَّيْفِ دَأبًا: ولَها بِالماطِرُونَ إذا ∗∗∗ أكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعا خِلْفَةٌ حَتّى إذا ارْتَفَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَتْ مِن جَلَقٍ بَيْعا فِي بُيُوتٍ وسَطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَوْلَها الزَّيْتُونُ قَدْ نَبَعا انْتَهى.

وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ: يَذْهَبُ كُلٌّ مِنهُما ويَجِيءُ كَثِيرًا، واعْتِبارُ المُضافِ المُقَدَّرِ عَلى حالِهِ وكَذا فِيما قَبْلَهُ.

وفِي القامُوسِ: الخِلْفُ والخِلْفَةُ بِالكَسْرِ المُخْتَلَفُ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ، والإفْرادُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ.

﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِ، مَن فاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ العِبادَةِ في أحَدِهِما تَدارَكَهُ في الآخَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، ورَوى الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أطالَ صَلاةَ الضُّحى فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟

قالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ: أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكَأنَّ التَّذَكُّرَ مَجازٌ عَنْ أداءِ ما فاتَ، وهو مِمّا يَتَوَقَّفُ الأداءُ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا إعْرابٍ.

﴿ أوْ أرادَ شُكُورًا ﴾ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى بِأداءِ نَوْعٍ مِنَ العِبادَةِ لَمْ يَكُنْ وِرْدًا لَهُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ: المَعْنى: لِمَن أرادَ النّافِلَةَ بَعْدَ أداءِ الفَرِيضَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن أرادَ أنْ يَتَذَكَّرَ ويَتَفَكَّرَ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لِما ذُكِرَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبِ الذّاتِ ذِي رَحْمَةٍ عَلى العِبادِ، أوْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ يَكادُ لا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْثُورًا، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ عَلى هَذا صِلَةَ ( جَعَلَ ) ولَمّا كانَ ظُهُورُ فائِدَةِ ذَلِكَ لِمَن أرادَ التَّذَكُّرَ أوْ أرادَ الشُّكْرَ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى الِاشْتِمالِ عَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أوْ لِلتَّخْيِيرِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْلالِ بِكُلٍّ ولا مَنعَ مِنَ الِاجْتِماعِ.

وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ إفادَةُ الِاسْتِقْلالِ - ولَوْ ذُكِرَ الواوُ بَدَلَها لَتُوُهِّمَ المَعِيَّةُ - ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ أوَّلًا بِأنْ والفِعْلِ دُونَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ كَما في الشِّقِّ الثّانِي - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - إيماءً إلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّذَكُّرِ، فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «أنْ يَتَذَكَّرَ» وهو أصْلٌ لِـ(يَذَّكَّرَ) فَأُبْدِلَ التّاءُ ذالًا وأُدْغِمَ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ «أنْ يَذْكُرَ» مُضارِعَ ذَكَرَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى تَذَكَّرَ.

﴿ وعِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ أوْصافِ خُلَّصِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى وأحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ حالِ النّافِرِينَ عَنْ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ والسُّجُودِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإضافَتُهم إلى الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى وضَمائِرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَخْصِيصِهِمْ بِرَحْمَتِهِ أوْ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى مَن عَداهُمْ؛ لِكَوْنِهِمْ مَرْحُومِينَ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ، كَما يَفْهَمُ مِن فَحْوى الإضافَةِ إلى مُشْتَقٍّ، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِمَن قالُوا: (وما الرَّحْمَنُ).

والأكْثَرُونَ أنَّ عِبادًا هُنا جَمْعُ عَبْدٍ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَمْعُ عابِدٍ كَصاحِبٍ وصِحابٍ وراجِلٍ ورِجالٍ، ويُوافِقُهُ قِراءَةُ اليَمانِيِّ (وعُبّادُ) بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الباءِ فَإنَّهُ جَمْعُ عابِدٍ بِالإجْماعِ، وهو - عَلى هَذا - مِنَ العِبادَةِ، وهي أنْ يَفْعَلَ ما يَرْضاهُ الرَّبُّ، وعَلى الأوَّلِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وهي أنْ يَرْضى ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ، وقالَ الرّاغِبُ: العُبُودِيَّةُ إظْهارُ التَّذَلُّلِ، والعِبادَةُ أبْلَغُ مِنها لِأنَّها غايَةُ التَّذَلُّلِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِأنَّ العِبادَةَ فِعْلُ المَأْمُوراتِ وتَرْكُ المَنهِيّاتِ رَجاءَ الثَّوابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ بِذَلِكَ، والعُبُودِيَّةَ فِعْلُ المَأْمُوراتِ وتَرْكُ المَنهِيّاتِ لا لِما ذُكِرَ بَلْ لِمُجَرَّدِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

قِيلَ: وفَوْقَ ذَلِكَ العُبُودَةُ، وهو فِعْلُ وتَرْكُ ما ذُكِرَ لِمُجَرَّدِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ ونَهْيِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ الذّاتِيِّ لِأنْ يُعَظَّمَ ويُطاعَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ «وعُبُدُ» بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ، وهو - كَما قالَ الأخْفَشُ - جَمْعُ عَبْدٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، وأنْشَدَ: انْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ ∗∗∗ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدْ وهُوَ - عَلى كُلِّ حالٍ - مُبْتَدَأٌ، وفي خَبَرِهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ ما في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، والثّانِي - وهو الأقْرَبُ - أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ٦٣

﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ والهَوْنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اللِّينِ والرِّفْقِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَشْيًا هَوْنًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ والمُرادُ: يَمْشُونَ هَيِّنِينَ في تَؤُدَةٍ وسَكِينَةٍ ووَقارٍ وحُسْنِ سَمْتٍ، لا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا، ورَوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وغَيْرِهِمْ.

وعَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الهَوْنَ مَشْيُ الرَّجُلِ بِسَجِيَّتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها لا يَتَكَلَّفُ ولا يَتَبَخْتَرُ.

وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرَةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ.

وقِيلَ: المَشْيُ الهَوْنُ مُقابِلُ السَّرِيعِ وهو مَذْمُومٌ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««سُرْعَةَ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّ ﴿ هَوْنًا ﴾ بِمَعْنى حُلَماءَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، فَيَكُونُ حالًا لا غَيْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ بِمَعْنى اللِّينِ والرِّفْقِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِتَذَلُّلِ الإنْسانِ في نَفْسِهِ لِما لا يُلْحِقُ بِهِ غَضاضَةً وهو المَمْدُوحُ، ومِنهُ الحَدِيثُ ««المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»».

والظّاهِرُ بَقاءُ المَشْيِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّ المُرادَ مَدْحَهم بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ فِيهِ مِن غَيْرِ تَعْمِيمٍ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِمْ يَمْشُونَ كَذَلِكَ أنَّهم هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ في سائِرِ أُمُورِهِمْ بِحُكْمِ العادَةِ عَلى ما قِيلَ.

واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ المُرادَ مَدْحُهم بِعَدَمِ الخُشُونَةِ والفَظاظَةِ في سائِرِ أُمُورِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، والمُرادُ أنَّهم يَعِيشُونَ بَيْنَ النّاسِ هَيِّنِينَ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، وذِكْرُ المَشْيِ لِما أنَّهُ انْتِقالٌ في الأرْضِ، وهو يَسْتَدْعِي مُعاشَرَةَ النّاسِ ومُخالَطَتَهُمْ، واللِّينُ مَطْلُوبٌ فِيها غايَةَ الطَّلَبِ.

ثُمَّ قالَ: وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مَدْحَهم بِالمَشْيِ وحْدَهُ هَوْنًا فَباطِلٌ، فَكَمْ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ  يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الصَّدْرُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ بَحْثٌ مِن وجْهَيْنِ فَلا تَغْفُلْ، وقَرَأ اليَمانِيُّ والسُّلَمِيُّ: (يُمَشُّونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا.

﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ ﴾ أيِ السُّفَهاءُ، وقَلِيلُو الأدَبِ كَما في قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُعامَلَةِ مَعَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ بَيانٌ لِحُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ، وتَحْقِيقٌ لِلِينِهِمْ عِنْدَ تَحَقُّقِ ما يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ إذا خُلِّيَ الإنْسانُ وطَبْعَهُ، أيْ: إذا خاطَبُوهم بِالسُّوءِ قالُوا تَسَلُّمًا مِنكم ومُتارَكَةً لا خَيْرَ بَيْنَنا وبَيْنَكم ولا شَرَّ.

فَـ(سَلامًا) مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ التَّسْلِيمِ، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ: نَتَسَلَّمُ تَسَلُّمًا مِنكُمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، ومَنَعَ أنْ يُرادَ السَّلامُ المَعْرُوفُ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والسَّلامَ في النِّساءِ وهي مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ.

وقالَ الأصَمُّ: هو سَلامُ تَوْدِيعٍ لا تَحِيَّةٍ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ راجِعٌ إلى المُتارَكَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ قالُوا قَوْلًا سَدِيدًا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ هاهُنا يَقُولُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لا أنَّهم يَقُولُونَ قَوْلًا ذا سَدادٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ لا تُخالِفُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) مِن سَدادِ القَوْلِ أيْضًا، كَيْفَ والظّاهِرُ أنَّ خُصُوصَ اللَّفْظِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ هو أوْ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ أيْضًا مِن كُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلى المُتارَكَةِ مَعَ الخُلُوِّ عَنِ الإثْمِ واللَّغْوِ وهو حَسَنٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ.

وفِي بَعْضِ التَّوارِيخِ - كَما في البَحْرِ - أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ كانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَآهُ في النَّوْمِ قَدْ تَقَدَّمَ إلى عُبُورِ قَنْطَرَةٍ فَقالَ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَلى المَأْمُونِ، ثُمَّ قالَ: ما رَأيْتُ لَهُ بَلاغَةً في الجَوابِ كَما يُذْكَرُ عَنْهُ، فَقالَ لَهُ المَأْمُونُ: فَما أجابَكَ بِهِ؟

قالَ: كانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، فَقالَ المَأْمُونُ: يا عَمِّ قَدْ أجابَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، ونَبَّهَهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ فَخَزِيَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيى، عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مَدْحُهم بِالإغْضاءِ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكِ مُقابَلَتِهِمْ في الكَلامِ، ولا تَعَرُّضَ في الآيَةِ لِمُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكَفَرَةِ فَلا تُنافِي آيَةَ القِتالِ لِيُدَّعى نَسْخُها بِها لِأنَّها مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيَّةٌ، ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ - واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ - أنَّها نُسِخَتْ بِالنَّظَرِ إلى الكَفَرَةِ بِآيَةِ القِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَـٰمًۭا ٦٤

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ، وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ ما تَقَدَّمَ يَقُولُ: هَذا وصْفُ نَهارِهِمْ، وإذا قَرَأ هَذِهِ قالَ: هَذا وصْفُ لَيْلِهِمْ، والبَيْتُوتَةُ أنْ يُدْرِكَكَ اللَّيْلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ و(لِرَبِّهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وقُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ والتَّخْصِيصِ، والقِيامُ جَمْعُ قائِمٍ، أوْ مُصْدَرٌ أُجْرِيَ مَجْراهُ، أيْ: يَبِيتُونَ ساجِدِينَ وقائِمِينَ لِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، أيْ: يُحْيُونَ اللَّيْلَ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِالصَّلاةِ، وقِيلَ: مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ في صَلاةٍ فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ فِعْلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشاءِ، وقِيلَ: مَن شَفَعَ وأوْتَرَ بَعْدَ أنْ صَلّى العِشاءَ فَقَدْ دَخَلَ في عُمُومِ الآيَةِ.

وبِالجُمْلَةِ في الآيَةِ حَضٌّ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ في الصَّلاةِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ ولَمْ يُعْكَسْ - وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الفِعْلِ - لِأجْلِ الفَواصِلِ؛ ولِأنَّهُ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وإباءِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وإذا قِيلَ ) الآيَةَ.

وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ «سُجُودًا» عَلى وزْنِ (قُعُودًا) وهو أوْفَقُ بِـ(قِيامًا) <div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ في أعْقابِ صَلَواتِهِمْ أوْ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ: ﴿ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ أيْ لازِمًا، كَما أخْرَجَهُ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْشَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في ذَلِكَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حاتِمٍ: ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَرامًا ومِثْلُهُ قَوْلُ الأعْشى: إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يَعِ ∗∗∗ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وهَذا اللُّزُومُ إمّا لِلْكُفّارِ أوِ المُرادُ بِهِ الِامْتِدادُ كَما في لُزُومِ الغَرِيمِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالفَظِيعِ الشَّدِيدِ.

وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمُهْلِكِ، وفي حِكايَةِ قَوْلِهِمْ هَذا مَزِيدُ مَدْحٍ لَهم بِبَيانِ أنَّهم مَعَ حُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ واجْتِهادِهِمْ في عِبادَةِ الحَقِّ يَخافُونَ العَذابَ، ويَبْتَهِلُونَ إلى رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - في صَرْفِهِ عَنْهم غَيْرَ مُحْتَفِلِينَ بِأعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ وفي ذَلِكَ تَحْقِيقُ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها ﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ الدّاعِينَ، وهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ المَذْكُورِ بِسُوءِ حالِ عَذابِها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ٦٦

﴿ إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ وهو تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ بِسُوءِ حالِها في نَفْسِها، وتَرْكُ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَقِلٌّ بِالعِلِّيَّةِ، وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِما عُلِّلَ بِهِ أوَّلًا، وضَعَّفَهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّذْكِرَةِ بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ غَرامًا وكَوْنِهِ ساءَ مُسْتَقَرًّا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِمُلاحَظَةِ اللُّزُومِ والمَقامِ؛ فَإنَّ المَقامَ مِن شَأْنِهِ اللُّزُومُ، وقِيلَ: كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن كَلامِهِ تَعالى ابْتِداءً عُلِّلَ بِهِما القَوْلُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، أوْ عُلِّلَ ذَلِكَ بِأُولاهُما وعُلِّلَتِ الأوْلى بِالثّانِيَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُ إحْداهُما مَقُولَةً والأُخْرى ابْتِدائِيَّةً والكُلُّ كَما تَرى.

وساءَتْ في حُكْمِ (بِئْسَتْ) والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرِهِ هِيَ، وهو الرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِما هي خَبَرٌ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرَ القِصَّةِ و(مُسْتَقَرًّا) تَمْيِيزٌ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ عائِدٌ عَلى ( مُسْتَقَرًّا ) مُفَسَّرٌ بِهِ، وأُنِّثَ لِتَأْوِيلِ المُسْتَقَرِّ بِجَهَنَّمَ أوْ مُطابَقَةً لِلْمَخْصُوصِ، ألا تَرى إلى ذِي الرُّمَّةِ كَيْفَ أنَّثَ الزَّوْرَقَ عَلى تَأْوِيلِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ المَخْصُوصُ مُؤَنَّثًا في قَوْلِهِ: أوْ حُرَّةٍ عَيْطَلٍ ثَبْجاءَ مَجْفَرَةِ دَعائِمِ الزُّورِ نِعْمَتْ زَوْرَقِ البَلَدِ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ ساءَتْ ﴾ بِمَعْنى أحْزَنَتْ فَهي فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ مُتَعَدٍّ، وفاعِلُهُ ضَمِيرُ (جَهَنَّمَ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أحْزَنَتْ أهْلَها وأصْحابَها و( مُسْتَقَرًّا ) تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أوِ اسْمُ مَكانٍ، ولَيْسَ بِذاكَ.

والظّاهِرُ أنَّ ( مُسْتَقَرًّا ) ومَقامًا كَقَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا وحَسَّنَهُ كَوْنُ المَقامِ يَسْتَدْعِي التَّطْوِيلَ أوْ كَوْنُهُ فاصِلَةً، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ والمُقامُ لِلْكَفَرَةِ، وإنَّ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «ومَقامًا» بِفَتْحِ المِيمِ أيْ مَكانَ قِيامٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا ٦٧

﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ أيْ: لَمْ يَتَجاوَزُوا حَدَّ الكَرَمِ ﴿ ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ أيْ: ولَمْ يُضَيِّقُوا تَضْيِيقَ الشَّحِيحِ، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجَبَلِيُّ: الإسْرافُ هو الإنْفاقُ في المَعاصِي، والقَتْرُ الإمْساكُ عَنْ طاعَةٍ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: الإسْرافُ أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ «يَقْتُرُوا» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، ومُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ، ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَبّابَةَ واليَزِيدِيُّ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ مُشَدَّدَةً، وكُلُّها لُغاتٌ في التَّضْيِيقِ، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ لُغَةَ (أقْتَرَ) رُباعِيًّا هُنا، وقالَ: إنَّما يُقالُ أقْتَرَ إذا افْتَقَرَ ومِنهُ: ﴿ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وغابَ عَنْهُ ما حَكاهُ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ مِن (أقْتَرَ) بِمَعْنى ضَيَّقَ.

﴿ وكانَ ﴾ إنْفاقُهم ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ المَذْكُورِ مِنَ الإسْرافِ والقَتْرِ ﴿ قَوامًا ﴾ وسَطًا وعَدْلًا، سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ وتَعادُلِهِما، كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يُقاوِمُ الآخَرَ، كَما سُمِّيَ (سَواءٌ) لِاسْتِوائِهِما وقَرَأ حَسّانُ «قِوامًا» بِكَسْرِ القافِ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وقِيلَ: هو بِالكَسْرِ ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، وهو خَبَرٌ ثانٍ لِـ(كانَ) مُؤَكِّدٌ لِلْأوَّلِ وهو ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أوْ هو الخَبَرُ وبَيْنَ ذَلِكَ إمّا مَعْمُولٌ لِـ(كانَ) عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى أنَّ كانَ النّاقِصَةَ تَعْمَلُ في الظَّرْفِ، وإمّا حالٌ مِن ﴿ قَوامًا ﴾ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِهِ أوْ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) هو الخَبَرُ وقَوامًا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) اسْمَ كانَ، وبُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ في قِراءَةِ مَن فَتَحَ المِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالِ وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ لا بَأْسَ بِهِ ولَكِنَّ المَعْنى لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأنَّ ما بَيْنَ الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ قِوامٌ لا مَحالَةَ فَلَيْسَ في الخَبَرِ الَّذِي هو مُعْتَمِدُ الفائِدَةِ فائِدَةٌ.

وحاصِلُهُ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ (كانَ الذّاهِبُ جارِيَتُهُ صاحَبَها) وهو غَيْرُ مُفِيدٍ، ولا يَخْفى أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ عَلى قِراءَةِ قِوامًا بِالكَسْرِ عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مُتَّجَهٌ.

وما قِيلَ مِن أنَّهُ مِن بابِ: (شِعْرِي شِعْرِي) والمَعْنى كانَ قَوامًا مُعْتَبَرًا مَقْبُولًا غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ بُعْدِهِ إنَّما ورَدَ فِيما اتَّحَدَ لَفْظُهُ، وما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكَذا ما قِيلَ: إنَّ ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أعَمُّ مِنَ القَوامِ - بِمَعْنى العَدْلِ - الَّذِي يَكُونُ نِسْبَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيْهِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ؛ فَإنَّ ما بَيْنَ الإقْتارِ والإسْرافِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ قَوامًا بِهَذا المَعْنى، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُونَ الإسْرافِ بِقَلِيلٍ وفَوْقَ الإقْتارِ بِقَلِيلٍ، فَإنَّهُ تَكَلُّفٌ أيْضًا، إذْ ما بَيْنَهُما شامِلٌ لَحاقَ الوَسَطِ وما عَداهُ كالوَسَطِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ، ومِثْلُهُ لا يُسْتَعْمَلُ في المُخاطَباتِ لِإلْغازِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ جَوازِ الإخْبارِ عَنِ الأعَمِّ بِالأخَصِّ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَدْحُهم بِمُراعاةِ لَحاقِ الوَسَطِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الحَرَجِ الَّذِي نُفِيَ عَنِ الإسْلامِ.

وفِيهِ أنَّهُ لا شَكَّ في جَوازِ الإخْبارِ عَنِ الأعَمِّ بِالأخَصِّ، نَحْوُ: الَّذِي جاءَنِي زَيْدٌ، والقائِلُ لَمْ يُرِدْ إلْحاقَ الحَقِيقِيِّ بَلِ التَّقْرِيبِيِّ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: بِقَلِيلٍ، ولا حَرَجَ في مِثْلِهِ، فَتَأمَّلْ.

ولَعَلَّ الإخْبارَ عَنْ إنْفاقِهِمْ بِما ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ المُسْتَلْزِمَ لِكَوْنِ إنْفاقِهِمْ كَذَلِكَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ فِعْلَهم مِن خَيْرِ الأُمُورِ، فَقَدْ شاعَ: (خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها) والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ ما يَعُمُّ إنْفاقَهم عَلى أنْفُسِهِمْ وإنْفاقَهم عَلى غَيْرِها، والقَوامُ في كُلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ.

وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إنَّ مِنَ السَّرَفِ أنْ تَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ»».

وحُكِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟

فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ.

وقَدْ مَدَحَ الشُّعَراءُ التَّوَسُّطَ في الأُمُورِ والِاقْتِصادَ في المَعِيشَةِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ ∗∗∗ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ وقَوْلُ حاتِمٍ: إذا أنْتَ قَدْ أعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ ∗∗∗ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا وقَوْلُ الآخَرِ: إذا المَرْءُ أعْطى نَفْسَهُ كُلَّ ما اشْتَهَتْ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَها تاقَتْ إلى كُلِّ باطِلِ وساقَتْ إلَيْهِ الإثْمَ والعارَ بِالَّذِي ∗∗∗ دَعَتْهُ إلَيْهِ مِن حَلاوَةِ عاجِلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا ٦٨

﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ أيْ لا يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ ﴿ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ: حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، بِمَعْنى: حَرَّمَ قَتْلَها؛ لِأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ دُونَ الذَّواتِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ مُبالَغَةً في التَّحْرِيمِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يَقْتُلُونَ) والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: لا يَقْتُلُونَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ المُزِيلِ لِحُرْمَتِها وعِصْمَتِها، كالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ والكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لا يَقْتُلُونَها نَوْعًا مِنَ القَتْلِ إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وأنْ يَكُونَ حالًا، أيْ: لا يَقْتُلُونَها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالقَتْلِ المَحْذُوفِ، والِاسْتِثْناءُ أيْضًا مِن أعَمِّ الأسْبابِ، أيْ: لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى قَتْلَها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا في الإثْباتِ لِاسْتِقامَةِ المَعْنى بِإرادَةِ العُمُومِ، أوْ لِكَوْنِ (حَرَّمَ) نَفْيًا مَعْنًى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ﴿ ولا يَزْنُونَ ﴾ ولا يَطَؤُونَ فَرْجًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِن نَفْيِ هَذِهِ القَبائِحِ العَظِيمَةِ التَّعْرِيضُ بِما كانَ عَلَيْهِ أعْداؤُهم مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ، وإحْياءِ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ، ومَزِيدِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ اسْتِدْعائِها نَفْيَ ما ذُكِرَ عَنْهُمْ، ومِنهُ يُعْلَمُ حَلُّ ما قِيلَ: الظّاهِرُ عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ، وتَقْدِيمُ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبَرَّأهم سُبْحانَهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ - كالمَوْؤُدَةِ - والزِّنا.

وقِيلَ: إنَّ التَّصْرِيحَ بِنَفْيِ الإشْراكِ - مَعَ ظُهُورِ إيمانِهِمْ - لِهَذا، أوْ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ والإخْلاصِ وتَهْوِيلِ أمْرِ القَتْلِ والزِّنا بِنَظْمِهِما في سِلْكِهِ، وقَدْ صَحَّ مِن رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟

قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟

قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟

قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ».

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ««أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا  فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً، فَنَزَلَتْ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ»».

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ ذِكْرَ هَذا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ قَدْ يَرْتَكِبُ هَذِهِ الأُمُورَ تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ المُكَلَّفَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِلالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ حَتّى يَنْضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ في وجْهِ تَقْدِيمِ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ: كَوْنُ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّحْلِيَةِ أوْفَقَ بِالعُبُودِيَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِظُهُورِ دَلالَتِها عَلى تَرْكِ الأنانِيَّةِ، ومَزِيدِ الِانْقِيادِ، والخَوْفِ والِاقْتِصادِ في التَّصَرُّفِ بِما أذِنَ المَوْلى بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، ولا يَأْبى هَذا قَصْدَ التَّعْرِيضِ بِما ذُكِرَ في التَّخْلِيَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَصْدَ التَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا ﴾ أيْ ومَن يَفْعَلْ ما ذُكِرَ يَلْقَ في الآخِرَةِ عِقابًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَفْسِيرُ الأثامِ بِالعِقابِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، وأنْشَدَ قَوْلَهُ: جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عَقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ جَزاءٌ أخْرُجُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ بِالجَزاءِ، وأنْشَدَ قَوْلَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ورَوَيْنا الأسِنَّةَ مِن صَداهُ ∗∗∗ ولاقَتْ حِمْيَرُ مِنّا أثاما والفَرْقُ يَسِيرٌ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأثامُ الإثْمُ، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: جَزاءَ أثامٍ، أوْ هو مَجازٌ مِن ذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ، وقالَ الحَسَنُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: اسْمُ بِئْرٍ فِيها، وقِيلَ: اسْمُ جَبَلٍ.

ورَوى جَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: فِيهِ قَيْحٌ ودَمٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في (الزُّهْدِ) عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ أنَّ فِيهِ حَيّاتٍ وعَقارِبَ في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِن سُمٍّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوَكَّفَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: اسْمٌ لِأوْدِيَةٍ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ.

وقُرِئَ: «يُلَقَّ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ والقافِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ «يُلْقى» بِألِفٍ كَأنَّهُ نَوى حَذْفَ الضَّمَّةِ المُقَدَّرَةِ عَلى الألِفِ فَأُقِرَّتِ الألِفُ، وقَرَأ أبُو مَسْعُودٍ أيْضًا «أيّامًا» جَمْعَ يَوْمٍ يَعْنِي شَدائِدَ، واسْتِعْمالُ الأيّامِ بِهَذا المَعْنى شائِعٌ، ومِنهُ: يَوْمٌ ذُو أيّامٍ، وأيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِهِمْ ومُقاتَلَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بَدَلٌ مِن «يَلْقَ» بَدْلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجاءَ الإبْدالُ مِنَ المَجْزُومِ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: مَتى تَأْتِنا تَلْمُمْ بِنا في دِيارِنا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا ﴿ ويَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أيْ في ذَلِكَ العَذابِ المُضاعَفِ ﴿ مُهانًا ﴾ ذَلِيلًا مُسْتَحْقَرًا، فَيَجْتَمِعُ لَهُ العَذابُ الجُسْمانِيُّ والرُّوحانِيُّ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ: (يُضَعَّفْ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وطَرْحِ الألِفِ والتَّضْعِيفِ.

وقَرَأ شَيْبَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وأبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: (نُضَعِّفْ) بِالنُّونِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ العَيْنِ مُضَعَّفَةً و«العَذابَ» بِالنَّصْبِ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: «يُضاعِفْ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و«العَذابَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: «وتَخْلُدُ» بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ المُنْبِئِ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ مَرْفُوعًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: «وتُخَلَّدْ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ اللّامِ مَجْزُومًا، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وعَنْهُ كَذَلِكَ مُخَفَّفًا، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: «يُضاعِفُ» «ويَخْلُدُ» بِالرَّفْعِ فِيهِما، وكَذا ابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «يُضاعَفُ» «ويُخْلَدُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَرْفُوعًا مُخَفَّفًا، والأعْمَشُ بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا مَرْفُوعًا، وقَدْ عَرَفْتَ وجْهَ الجَزْمِ، وأمّا الرَّفْعُ فَوَجْهُهُ الِاسْتِئْنافُ، ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يَلْقَ ﴾ والمَعْنى: يَلْقَ أثامًا مُضاعَفًا لَهُ العَذابُ، ومُضاعَفَتُهُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ﴾ قِيلَ لِانْضِمامِ المَعْصِيَةِ إلى الكُفْرِ، ويَدُلُّ <div class="verse-tafsir"

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَـٰلِحًۭا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٧٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا ﴾ فَإنَّ اسْتِثْناءَ المُؤْمِنِ يَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ الكُفْرِ في المُسْتَثْنى مِنهُ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ تَكَرُّرَ لا النّافِيَةِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، بِمَعْنى: لا يُوقِعُونَ شَيْئًا مِنها، فَيَكُونُ ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ بِمَعْنى: ومَن يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ لِيَتَّحِدَ مَوْرِدُ الإثْباتِ والنَّفْيِ، فَلا دَلالَةَ عَلى الِانْضِمامِ، والمُسْتَثْنى مَن جَمَعَ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَيَكُونُ المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرَ جامِعٍ لَها، فَلَعَلَّ الجَوابَ أنَّ المُضاعَفَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابٍ ما دُونُ المَذْكُوراتِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لا بَعْدَ فِيهِ - وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ما دُونَها - إلّا أنَّ الإيرادَ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ تَعْرِيضٌ لِلْكَفَرَةِ، ومَن يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ مِنهم فَقَدْ ضَمَّ مَعْصِيَتَهُ إلى كُفْرِهِ، ولَوْ لَمْ يُلاحِظْ ذَلِكَ - عَلى ما اخْتارَهُ - لَزِمَ أنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً يَكُونُ مُخَلَّدًا، ولا يَخْفى فَسادُهُ عِنْدَنا، وما ذُكِرَ مِنِ اتِّحادِ مَوْرِدِ الإثْباتِ والنَّفْيِ لَيْسَ بِلازِمٍ.

ثُمَّ إنَّ في الكَلامِ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ مَن جَمَعَ بَيْنَ أضْدادِها - كَما عَلِمْتَ - ولِذا جُمِعَ بَيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، مَعَ أنَّ العَمَلَ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، فَذِكْرُهُ لِلْإشارَةِ إلى انْتِفائِهِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ، ولِذا قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ تَقْدِيمَها لِأنَّها تَخْلِيَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ المُرادُ بِالمُضاعَفَةِ المَذْكُورَةِ ضَمَّ قَدْرَيْنِ مُتَساوِيَيْنِ مِنَ العَذابِ كُلٍّ مِنهُما بِقَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ المَعْصِيَةُ، بَلِ المُرادُ لازِمُ ذَلِكَ، وهو الشِّدَّةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يُعَذَّبْ عَذابًا شَدِيدًا، ويَكُونُ ذَلِكَ العَذابُ الشَّدِيدُ جَزاءَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ ومُماثِلًا لَهُ، والقَرِينَةُ عَلى المَجازِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ﴾ ونَحْوُهُ، ويُرادُ مِنَ الخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ الصّادِقُ بِالخُلُودِ الأبَدِيِّ وغَيْرِهِ، ويَكُونُ لِمَن أشْرَكَ بِاعْتِبارِ فَرْدِهِ الأوَّلِ، ولِمَنِ ارْتَكَبَ إحْدى الكَبِيرَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ بِاعْتِبارِ فَرْدِهِ الآخِرِ وهو كَما تَرى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ مِن أنَّ المُضاعَفَةَ لِحِفْظِ ما تَقْتَضِيهِ المَعْصِيَةُ؛ فَإنَّ الأمْرَ الشَّدِيدَ إذا دامَ هانَ.

هَذا، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ - عَلى ما هو الأصْلُ فِيهِ - وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى عِنْدِي أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَن تابَ ...

إلَخْ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَلا يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ، ولا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفاءِ التَّضْعِيفِ بَقاءُ العَذابِ غَيْرِ المُضَعَّفِ، وفِيهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِي ( فَأُوْلئِكَ ) إلَخْ، احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ ثُبُوتِ أصْلِ العَذابِ بِإفادَةِ أنَّهم لا يَلْقَوْنَهُ أصْلًا عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، وقِيلَ - أيْضًا - في تَرْجِيحِ الِانْقِطاعِ: إنَّ الِاتِّصالَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إيهامِهِ ثُبُوتَ أصْلِ العَذابِ، بَلْ وعَنْ إيهامِهِ الخُلُودَ غَيْرَ مُهانٍ - يُوهِمُ أنَّ مُضاعَفَةَ العَمَلِ الصّالِحِ شَرْطٌ لِنَفْيِ الخُلُودِ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

ثُمَّ أيَّةُ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلى أنْ يَرْتَكِبَ ما فِيهِ إيهامٌ، ثُمَّ يَتَشَبَّثُ بِأذْيالِ الِاحْتِراسِ، عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُجْعَلَ (مَن) مُبْتَدَأً والجُمْلَةَ المَقْرُونَةَ بِالفاءِ خَبَرَهُ، وقُرِنَتْ بِذَلِكَ لِوُقُوعِها خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ، كَما في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وأنا أمِيلُ لِما مالَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ لِمَجْمُوعِ ما ذُكِرَ، وذِكْرُ المَوْصُوفِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا ﴾ - مَعَ جَرَيانِ الصّالِحِ والصّالِحاتِ مَجْرى الِاسْمِ - لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّنْصِيصِ عَلى مُغايَرَتِهِ لِلْأعْمالِ السّابِقَةِ.

﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ الإفْرادَ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، أيْ: فَأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالتَّوْبَةِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ بِأنْ يَمْحُوَ سَوابِقَ مَعاصِيهِمْ بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتَ مَكانَها لَواحِقَ طاعاتِهِمْ، كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئاتِ والحَسَناتِ مَلَكَتُهُما لِأنْفُسِهِما، أيْ: يُبَدِّلُ - عَزَّ وجَلَّ - بِمَلَكَةِ السَّيِّئاتِ ودَواعِيها في النَّفْسِ مَلَكَةَ الحَسَناتِ، بِأنْ يُزِيلَ الأوْلى ويَأْتِيَ بِالثّانِيَةِ، وقِيلَ: هَذا التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ والحَسَناتِ العِقابُ والثَّوابُ مَجازًا مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ، والمَعْنى يَعْفُو - جَلَّ وعَلا - عَنْ عِقابِهِمْ ويَتَفَضَّلُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بَدَلَهُ بِالثَّوابِ، وإلى هَذا ذَهَبَ القَفّالُ، والقاضِي.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، ومَكْحُولٍ أنَّ ذَلِكَ بِأنْ تُمْحى السَّيِّئاتُ نَفْسُها يَوْمَ القِيامَةِ مِن صَحِيفَةِ أعْمالِهِمْ ويُكْتَبَ بَدَلَها الحَسَناتُ، واحْتَجُّوا بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، وهو يُقِرُّ لا يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكَبائِرِ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً، فَيَقُولُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا لَمْ أرَها هُنا، قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ»».

ونَحْوُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««لَيَأْتِيَنَّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ ودُّوا أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، قِيلَ: مَن هُمْ؟

قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ»» ويُسَمّى هَذا التَّبْدِيلُ كَرَمَ العَفْوِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ أبُو نُواسٍ: تَعَضُّ نَدامَةً كَفَّيْكَ مِمّا تَرَكْتَ مَخافَةَ الذَّنْبِ السُّرُورا ولَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ تُغْفَرُ سَيِّئاتُهُ، ويُعْطى بَدَلَ كُلِّ سَيِّئَةٍ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ثَوابَ حَسَنَةٍ تَفَضُّلًا مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - وتَكَرُّمًا لا أنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أفْعالُ حَسَناتٍ لَمْ يَفْعَلْها ويُثابُ عَلَيْها.

وفِي كَلامِ أبِي العالِيَةِ ما هو ظاهِرٌ في إنْكارِ تَمَنِّي الِاسْتِكْثارِ مِنَ السَّيِّئاتِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أُناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَسْتَكْثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ فَقالَ: ولِمَ ذَلِكَ؟

فَقِيلَ: يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ وكانَ أبُو العالِيَةِ إذا أُخْبِرَ بِما لا يَعْلَمُ قالَ: آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابِهِ، فَقالَ ذَلِكَ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ﴾ وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّ ما تَلاهُ مُنافٍ لِما زَعَمُوهُ مِنَ التَّمَنِّي، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآيَةُ يَكُونُ قَبْلَ الوُقُوفِ عَلى التَّبْدِيلِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ <div class="verse-tafsir"

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا ٧١

﴿ ومَن تابَ ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي الَّتِي فَعَلَها بِتَرْكِها بِالكُلِّيَّةِ والنَّدَمِ عَلَيْها ﴿ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ يَتَلافى بِهِ ما فَرَطَ مِنهُ، أوْ: ومَن خَرَجَ عَنْ جِنْسِ المَعاصِي - وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ - ودَخَلَ في الطّاعاتِ ﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ ﴿ مَتابًا ﴾ أيْ رُجُوعًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، ماحِيًا لِلْعِقابِ، مُحَصِّلًا لِلثَّوابِ، أوْ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى ذِي اللُّطْفِ الواسِعِ الَّذِي يُحِبُّ التّائِبِينَ، ويَصْطَنِعُ إلَيْهِمْ، أوْ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى ثَوابِهِ سُبْحانَهُ مَرْجِعًا حَسَنًا، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطُ والجَزاءُ مُتَغايِرانِ، وهَذا لِبَيانِ حالِ مَن تابَ مِن جَمِيعِ المَعاصِي، وما تَقَدَّمَ لِبَيانِ مَن تابَ مِن أُمَّهاتِها، فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا ٧٢

﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ أيْ لا يُقِيمُونَ الشَّهادَةَ الكاذِبَةَ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَهو مِنَ الشَّهادَةِ، و(الزُّورَ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: شَهادَةَ الزُّورِ أوْ بِالزُّورِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ قَتادَةَ أنَّ الشَّهادَةَ هُنا بِمَعْنًى يَعُمُّ ما هو المَعْرُوفُ مِنها.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أيْ لا يُساعِدُونَ أهْلَ الباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، ولا يُؤَمِّلُونَهم فِيهِ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِالزُّورِ الغِناءُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وضَمَّ الحَسَنُ إلَيْهِ النِّياحَةَ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ الكَذِبُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ لَعِبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ صَنَمٌ كانُوا يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ سَبْعَةَ أيّامٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ عِيدُ المُشْرِكِينَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنْ هَذا أنَّهُ الشِّرْكُ، فَيَشْهَدُونَ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ الشُّهُودِ بِمَعْنى الحُضُورِ و(الزُّورَ) مَفْعُولٌ بِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مَحالَّ الزُّورِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالزُّورِ ما يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ باطِلٍ مائِلٍ عَنْ جِهَةِ الحَقِّ مِنَ الشِّرْكِ والكَذِبِ والغِناءِ والنِّياحَةِ ونَحْوِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَشْهَدُونَ مَجالِسَ الباطِلِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإشْعارِ بِالرِّضا بِهِ، وأيْضًا: ««مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ»».

﴿ وإذا مَرُّوا ﴾ عَلى طَرِيقِ الِاتِّفاقِ ﴿ بِاللَّغْوِ ﴾ بِما يَنْبَغِي أنْ يُلْغى ويُطْرَحَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ﴿ مَرُّوا كِرامًا ﴾ أيْ: مُكْرِمِينَ أنْفُسَهم عَنِ الوُقُوفِ عَلَيْهِ والخَوْضِ فِيهِ مُعْرِضِينَ عَنْهُ.

وفَسَّرَ الحَسَنُ اللَّغْوَ - كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - بِالمَعاصِي، وأخْرَجَ هو وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا ولَمْ يَقِفْ، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأمْسى كَرِيمًا» ثُمَّ تَلا إبْراهِيمُ: ﴿ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا ﴾ ».

وقِيلَ: المُرادُ بِاللَّغْوِ الكَلامُ الباطِلُ المُؤْذِي لَهم أوْ ما يَعُمُّهُ، والفِعْلُ المُؤْذِي، وبِالكَرَمِ العَفْوُ والصَّفْحُ عَمَّنْ آذاهُمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إذا أُوذُوا صَفَحُوا، وجَعَلَ الكَلامَ - عَلى هَذا - بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: إذا مَرُّوا بِأهْلِ اللَّغْوِ أعْرَضُوا عَنْهم كَما قِيلَ: ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتْ قُلْتُ لا يَعْنِينِي ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِلازِمٍ.

وقِيلَ: اللَّغْوُ القَوْلُ المُسْتَهْجَنُ، والمُرادُ بِمُرُورِهِمْ عَلَيْهِ إتْيانُهم عَلى ذِكْرِهِ، وبِكَرَمِهِمُ الكَفُّ عَنْهُ والعُدُولُ إلى الكِنايَةِ، وإلَيْهِ يُومِئُ ما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ فِيها: كانُوا إذا أتَوْا عَلى ذِكْرِ النِّكاحِ كَنَّوْا عَنْهُ، وعَمَّمَ بَعْضُهم وجَعَلَ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِاللَّغْوِ الزُّورُ بِالمَعْنى العامِّ، أعْنِي الأمْرَ الباطِلَ، عُبِّرَ عَنْهُ تارَةً بِالزُّورِ؛ لِمَيْلِهِ عَنْ جِهَةِ الحَقِّ، وتارَةً بِاللَّغْوِ؛ لِأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يُلْغى ويُطْرَحَ، فَفي الكَلامِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، والمَعْنى: والَّذِينَ لا يَحْضُرُونَ الباطِلَ وإذا مَرُّوا بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاتِّفاقِ أعْرَضُوا عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا۟ عَلَيْهَا صُمًّۭا وَعُمْيَانًۭا ٧٣

﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ القُرْآنِيَّةِ المُنْطَوِيَةِ عَلى المَواعِظِ والأحْكامِ ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ أيْ: أكَبُّوا عَلَيْها سامِعِينَ بِآذانٍ واعِيَةٍ، مُبْصِرِينَ بِعُيُونٍ راعِيَةٍ، فالنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ - عَلى ما هو الأكْثَرُ في لِسانِ العَرَبِ - وفي التَّعْبِيرِ بِما ذُكِرَ دُونَ: (أكَبُّوا عَلَيْها سامِعِينَ مُبْصِرِينَ ونَحْوِهِ) تَعْرِيضٌ لِما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ والمُنافِقُونَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ، والخُرُورُ السُّقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ وتَرْتِيبٍ، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ مُبالَغَةٌ في تَأْثِيرِ التَّذْكِيرِ بِهِمْ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (عَلَيْها) لِلْمَعاصِي المَدْلُولِ عَلَيْها بِاللَّغْوِ، والمَعْنى: إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمُ المُتَضَمِّنَةِ لِلنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والتَّخْوِيفِ لِمُرْتَكِبِها لَمْ يَفْعَلُوها، ولَمْ يَكُونُوا كَمَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، وهو كَما تَرى.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلطّاعَةِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، فَإنَّ المُؤْمِنَ الصّادِقَ إذا رَأى أهْلَهُ قَدْ شارَكُوهُ في الطّاعَةِ قَرَّتْ بِهِمْ عَيْنُهُ، وسُرَّ قَلْبُهُ، وتَوَقَّعَ نَفْعَهم لَهُ في الدُّنْيا حَيًّا ومَيِّتًا، ولُحُوقَهم بِهِ في الأُخْرى، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ يَهْتَدِي الأبُ والِابْنُ كافِرٌ، والزَّوْجُ والزَّوْجَةُ كافِرَةٌ، فَلا يَطِيبُ عَيْشُ ذَلِكَ المُهْتَدِي، فَكانَ يَدْعُو بِما ذُكِرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قُرَّةُ عَيْنِ الوالِدِ بِوَلَدِهِ أنْ يَراهُ يَكْتُبُ الفِقْهَ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(هَبْ) أيْ: هَبْ لَنا مِن جِهَتِهِمْ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، كَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، ثُمَّ بُيِّنَتِ القُرَّةُ وفُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا ﴾ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَجِيءِ مِن لِلْبَيانِ، وجَوازِ تَقَدُّمِ المُبَيَّنِ عَلى المُبَيِّنِ، وقُرَّةُ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ والفَرَحِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ وهو البَرْدُ؛ لِأنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بارِدَةٌ، ولِذا يُقالُ في ضِدِّهِ: أسْخَنَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: فَأمّا عُيُونُ العاشِقِينَ فَأُسْخِنَتْ وأمّا عُيُونُ الشّامِتِينَ فَقَرَّتِ وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرارِ؛ لِأنَّ ما يَسُرُّ يَقَرُّ النَّظَرُ بِهِ ولا يُنْظَرُ إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: في الضِّدِّ: أسْخَنَ اللَّهُ تَعالى عَيْنَهُ، عَلى مَعْنى جَعَلَهُ خائِفًا مُتَرَقِّبًا ما يُحْزِنُهُ، يَنْظُرُ يَمِينًا وشِمالًا وأمامًا ووَراءً، لا يَدْرِي مِن أيْنَ يَأْتِيهِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ تَسْخُنُ عَيْنُهُ لِمَزِيدِ الحَرَكَةِ الَّتِي تُورِثُ السُّخُونَةَ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، وقِيلَ: ( أعْيُنٍ ) بِالتَّنْكِيرِ - مَعَ أنَّ المُرادَ بِها أعْيُنُ القائِلِينَ وهي مُعَيَّنَةٌ لِقَصْدِ تَنْكِيرِ المُضافِ - لِلتَّعْظِيمِ، وهو لا يَكُونُ بِدُونِ تَنْكِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، وجَمْعُ القِلَّةِ - عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - لِأنَّ أعْيُنَ المُتَّقِينَ قَلِيلَةٌ بِالإضافَةِ إلى عُيُونِ غَيْرِهِمْ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ المُنِيرِ بِأنَّ المُتَّقِينَ - وإنْ كانُوا قَلِيلًا بِالإضافَةِ إلى غَيْرِهِمْ - إلّا أنَّهم في أنْفُسِهِمْ عَلى كَثْرَةٍ مِنَ العَدَدِ، والمُعْتَبَرُ في إطْلاقِ جَمْعِ القِلَّةِ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ قَلِيلًا في نَفْسِهِ لا بِالإضافَةِ إلى غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ الجَمْعُ المَذْكُورُ في مَعْنى القِلَّةِ مُجَرَّدًا عَنِ العَدَدِ بِقَرِينَةِ كَثْرَةِ القائِلِينَ وعُيُونِهِمْ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ كُلٍّ واحِدٍ مِنَ المُتَّقِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ: هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، فَتَدَبَّرْ وتَأمَّلْ في وجْهِ اخْتِيارِ هَذا الجَمْعِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِمّا لا يَتَأتّى فِيهِ ما ذَكَرُوهُ هاهُنا.

وأنا أظُنُّ أنَّهُ اخْتِيرَ الأعْيُنُ جَمْعًا لِلْعَيْنِ الباصِرَةِ، والعُيُونُ جَمْعًا لِلْعَيْنِ الجارِيَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ويَخْطُرُ لِي في وجْهِ ذَلِكَ شَيْءٌ لا أظُنُّهُ وجِيهًا، ولَعَلَّكَ تَفُوزُ بِما يُغْنِيكَ عَنْ ذِكْرِهِ، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.

وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «وذُرِّيَتِنا» عَلى الإفْرادِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ «قُرّاتِ» عَلى الجَمْعِ ﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ أيِ: اجْعَلْنا بِحَيْثُ يَقْتَدُونَ بِنا في إقامَةِ مَراسِمِ الدِّينِ بِإفاضَةِ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وإمامٌ يُسْتَعْمَلُ مُفْرَدًا وجَمْعًا كَهِجانٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ؛ لِيُطابِقَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِجَعَلَ، واخْتِيرَ عَلى أئِمَّةٍ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالفَواصِلِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ، وأُفْرِدَ - مَعَ لُزُومِ المُطابَقَةِ - لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى مَعْنى الجَمْعِ مَجازًا بِتَجْرِيدِهِ مِن قَيْدِ الوَحْدَةِ، أوْ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وهو - لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْماهِيَّةِ - شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ وضْعًا، فَإذا نُقِلَ لِغَيْرِهِ قَدْ يُراعى أصْلُهُ، أوْ لِأنَّ المُرادَ: (واجْعَلْ) كُلَّ واحِدٍ مِنّا، أوْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ؛ لِاتِّحادِ طَرِيقَتِهِمْ واتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما ذُكِرَ أنَّ مَدارَ التَّوْجِيهِ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ صَدَرَ عَنِ الكُلِّ عَلى طَرِيقِ المَعِيَّةِ وهو غَيْرُ واقِعٍ، أوْ عَنْ كُلِّ واحِدٍ وهو غَيْرُ ثابِتٍ، فالظّاهِرُ أنَّهُ صَدَرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ قَوْلُ: (واجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إمامًا) فَعُبِّرَ عَنْهم لِلْإيجازِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وأُبْقِيَ ( إمامًا ) عَلى حالِهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ تَكَلُّفًا وتَعَسُّفًا مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْعَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ لَيْسَ مَدارُهُ عَلى ذَلِكَ، بَلْ إنَّهم شَرِكُوا في الحِكايَةِ في لَفْظٍ واحِدٍ لِاتِّحادٍ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ اخْتِيارُ الثّانِي؛ لِأنَّ التَّشْرِيكَ في الدُّعاءِ أدْعى لِلْإجابَةِ، فاعْرِفْ ولا تَغْفُلْ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ (إمامًا) جَمْعُ آمٍّ بِمَعْنى قاصِدٍ، كَصِيامٍ جَمْعِ صائِمٍ، والمَعْنى: اجْعَلْنا قاصِدِينَ لِلْمُتَّقِينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أقْرَبُ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ في ذَلِكَ - كَما قالَ النَّخَعِيُّ - طَلَبٌ لِلرِّياسَةِ، بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِهِمْ قُدْوَةً في الدِّينِ وعُلَماءَ عامِلِينَ، وقِيلَ: في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياسَةَ في الدِّينِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَبَ، وإعادَةُ المَوْصُولِ في المَواقِعِ السَّبْعَةِ - مَعَ كِفايَةِ ذِكْرِ الصِّلاتِ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ صِلَةِ المَوْصُولاتِ المَذْكُورَةِ وصْفٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ، لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ، حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ، ولا يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَتِمَّةً لِغَيْرِهِ، وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ كَما عَرَفْتَهُ فِيما سَبَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَـٰمًا ٧٥

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِينَ بِما فُصِّلَ في حَيِّزِ الصِّلاتِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ والجُمْلَةُ عَلى الأقْرَبِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، مُبَيِّنَةٌ لِما لَهم في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ إثْرَ بَيانِ ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ السَّنِيَّةِ و(الغُرْفَةَ) الدَّرَجَةُ العالِيَةُ مِنَ المَنازِلِ، وكُلُّ بِناءٍ مُرْتَفِعٍ عالٍ، وقَدْ فُسِّرَتْ هُنا - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - بِبُيُوتٍ مِن زَبَرْجَدٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ««فِيها بُيُوتٌ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ أوْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ أوْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَيْسَ فِيها فَصْمٌ ولا وصْمٌ»».

وقِيلَ: أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ، ولا يَأْباهُ الخَبَرُ؛ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الغُرَفَ المَوْصُوفَةَ فِيهِ هُناكَ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها الجَنَّةُ، وقِيلَ: السَّماءُ السّابِعَةُ، وعَلى تَفْسِيرِها بِجَمْعٍ - ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ ﴾ وقُرِئَ فِيهِ: (فِي الغُرْفَةِ) - يَكُونُ المُرادُ بِها الجِنْسَ وهو يُطْلَقُ عَلى الجَمْعِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا، وإيثارُ الجَمْعِ هُنالِكَ - عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ - لِأنَّها رُتِّبَتْ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، ولا خَفاءَ في تَفاوُتِ النّاسِ فِيهِما، وعَلى ذَلِكَ تَتَفاوَتُ الأجْزِيَةُ، وهاهُنا رُتِّبَ عَلى مَجْمُوعِ الأوْصافِ الكامِلَةِ فَلِذا جِيءَ بِالواحِدِ دَلالَةً عَلى أنَّ الغُرَفَ لا تَتَفاوَتُ ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ، عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي لِلْبَدَلِ كَما في قَوْلِهِ: فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا إذا رَكِبُوا شَنُّوا الإغارَةَ فُرْسانًا ورُكْبانا أيْ: بَدَلَ صَبْرِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلَّقُ الصَّبْرِ؛ لِيَعُمَّ ما سَلَفَ مِن عِبادَتِهِمْ فِعْلًا وتَرْكًا وغَيْرَهُ مِن أنْواعِ العِبادَةِ، والكُلُّ مُدْمَجٌ فِيهِ، فَإنَّهُ إمّا عَنِ المَعاصِي، وإمّا عَلى الطّاعاتِ، وإمّا عَلى اللَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - وهو أعْلى مِنهُما، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ إيثارِ ( صَبَرُوا ) عَلى فَعَلُوا.

﴿ ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا ﴾ أيْ: تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويَدْعُونَ لَهم بِطُولِ الحَياةِ والسَّلامَةِ عَنِ الآفاتِ، أوْ يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا ويَدْعُو لَهُ بِذَلِكَ، والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ بِهِ التَّكْرِيمُ وإلْقاءُ السُّرُورِ والمُؤانَسَةُ، وإلّا فَهو مُتَحَقِّقٌ لَهُمْ، ويُعْطَوْنَ التَّبْقِيَةَ والتَّخْلِيدَ مَعَ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ فَلَيْسَ هُناكَ دُعاءٌ أصْلًا.

وقَرَأ طَلْحَةُ، ومُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ، وأهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ حَفْصٍ «يَلْقُونَ» بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ <div class="verse-tafsir"

خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا ٧٦

﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يُجْزَوْنَ ) أوْ مِن ضَمِيرِ ( يُلَقَّوْنَ ) .

﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ مُقابِلُ «ساءَتْ مُسْتَقَرًّا» مَعْنًى، ومِثْلُهُ إعْرابًا، فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

قُلْ مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا ٧٧

﴿ قُلْ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أنَّ الفائِزِينَ بِتِلْكَ النَّعْماءِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ إنَّما نالُوها بِما عُدِّدَ مِن مَحاسِنِهِمْ، ولَوْلاها لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ أصْلًا، أيْ: قُلْ لِلنّاسِ مُشافِهًا لَهم بِما صَدَرَ عَنْ جِنْسِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ: ﴿ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ أيْ: أيَّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكُمْ، وأيَّ اعْتِدادٍ يَعْتَدُّ بِكم ﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ أيْ: عِبادَتُكم لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - حَسْبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، فَإنَّ ما خُلِقَ لَهُ الإنْسانُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ - جَلَّ وعَلا - وإلّا فَهو والبَهائِمُ سَواءٌ، فَما مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، وأصْلُ العِبْءِ الثِّقْلُ، وحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: (ما عَبَأْتُ بِهِ) ما اعْتَدَدْتُ لَهُ مِن فَوادِحِ هَمِّي ومِمّا يَكُونُ عِبْئًا عَلَيَّ، كَما تَقُولُ: ما اكْتَرَثْتُ لَهُ، أيْ: ما أعْدَدْتُ لَهُ مِن كَوارِثِي ومِمّا يُهِمُّنِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ تَعالى لَوْلا عِبادَتُكُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، أيْ لَيْسَ يَعْبَأُ، وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا دُعاؤُكم لَما اعْتَدَّ بِكُمْ، وهَذا بَيانٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُخاطَبِينَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ مِنهُمْ، والمَعْنى: إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ حُكْمِي ولَمْ تَعْمَلُوا عَمَلَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، فالفاءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: فَقَدْ جِئْنا خُراسانا والتَّكْذِيبُ مُسْتَعارٌ لِلْمُخالَفَةِ، وقِيلَ: المُرادُ فَقَدْ قَصَّرْتُمْ في العِبادَةِ، عَلى أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: (كَذَبَ القِتالُ) إذا لَمْ يُبالَغْ فِيهِ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ التَّقْصِيرِ في العِبادَةِ تَرْكُها.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ «فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ» وهو عَلى مَعْنى (كَذَّبَ الكافِرُونَ مِنكُمْ) لِعُمُومِ الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَحْسَنَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ خِطابٌ لِكَفَرَةِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضٍ: ما يَعْبَأُ بِكم لَوْلا عِبادَتُكم لَهُ سُبْحانَهُ، أيْ: لَوْلا إرادَتُهُ تَعالى التَّشْرِيعِيَّةُ لِعِبادَتِكم لَهُ تَعالى لَما عَبَأ بِكم ولا خَلَقَكُمْ، وفِيهِ مَعْنًى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى ما يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُهُ سُبْحانَهُ إيّاكم إلى التَّوْحِيدِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المَعْنى ما يُبالِي سُبْحانَهُ بِمَغْفِرَتِكم لَوْلا دُعاؤُكم مَعَهُ آلِهَةً، أوْ ما يَفْعَلُ بِعَذابِكم لَوْلا شِرْكُكم كَما قالَ تَعالى: ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى ما يَعْبَأُ بِعَذابِكم لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ تَعالى وتَضَرُّعُكم إلَيْهِ في الشَّدائِدِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى ما خَلَقَكم سُبْحانَهُ ولَهُ إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُوهُ فَيَغْفِرَ لَكُمْ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُنافِي كَوْنَ الخِطابِ لِقُرَيْشٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَقَدْ خُصِّصَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ أيْ: جَزاءُ التَّكْذِيبِ أوْ أثَرُهُ لازِمًا يَحِيقُ بِكم حَتّى يُكِبَّكم في النّارِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ الدّالَّةُ عَلى لُزُومِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها، فَضَمِيرُ «يَكُونُ» لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَكْتَنِهُهُ البَيانُ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَذابِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ مَن قَرَأ «يَكُونُ العَذابُ لِزامًا» وصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اللِّزامَ قَتْلُ يَوْمِ بَدْرٍ، ورَوِيَ عَنْ أُبَيٍّ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأبِي مالِكٍ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ لُوزِمَ فِيهِ بَيْنَ القَتْلى لِزامًا.

وقَرَأ ابْنُ جُرَيْجٍ (تَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى مَعْنى تَكُونُ العاقِبَةُ، وقَرَأ المِنهالُ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ وأبُو السَّمّالِ «لَزامًا» بِفَتْحِ اللّامِ مَصْدَرَ لَزَمَ، يُقالُ: لَزَمَ لُزُومًا ولِزامًا كَثَبَتَ ثُبُوتًا وثَباتًا، ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ «لِزامِ» عَلى وزْنِ حِذامِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مَعْدُولًا عَنِ اللِّزْمَةِ كَفِجارِ المَعْدُولِ عَنِ الفِجْرَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ هَذا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ: قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ إشارَةُ قُصُورِ حالِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ شارَكُوهم في لَوازِمِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ ونَحْوِهِما، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ إنَّ وجْهَ فِتْنَتِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ نَفْسِهِ، والغَفْلَةُ فِيهِ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، ويُشْعِرُ هَذا بِأنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فِتْنَةٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ أطْلَعْناهم عَلى أعْمالِهِمْ فَطالَعُوها بِعَيْنِ الرِّضا، فَسَقَطُوا مِن أعْيُنِنا بِذَلِكَ، وجَعَلْنا أعْمالَهم هَباءً مَنثُورًا، وهَذِهِ الآيَةُ - وإنْ كانَتْ في وصْفِ الكُفّارِ - لَكِنْ في الحَدِيثِ أنَّ في المُؤْمِنِينَ مَن يُجْعَلُ عَمَلُهُ هَباءً كَما تَضَمَّنَتْهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) والخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ) عَنْ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««لَيُجاءَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْمٍ مَعَهم حَسَناتٌ مِثْلُ جِبالِ تِهامَةَ حَتّى إذا جِيءَ بِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً ثُمَّ قَذَفَهم في النّارِ، قالَ سالِمٌ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، حُلَّ لَنا هَؤُلاءِ القَوْمَ، قالَ: كانُوا يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَأْخُذُونَ هِنْئَةً مِنَ اللَّيْلِ ولَكِنْ كانُوا إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الحَرامِ وثَبُوا عَلَيْهِ، فَأدْحَضَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم»» وذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ ﴾ الآيَةَ أنَّ حُكْمَهُ عامٌّ في كُلِّ مُتَحابَّيْنِ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: نَقْلُ الأحْجارِ مَعَ الأبْرارِ خَيْرٌ مِن أكْلِ الخَبِيصِ مَعَ الفُجّارِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ ﴾ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن هَذا - مَعَ قَوْلِهِمْ: كُلُّ ولِيٍّ عَلى قَدَمِ نَبِيٍّ - أنْ يَكُونَ لِكُلِّ ولِيٍّ عَدُوٌّ يَتَظاهَرُ بِعَداوَتِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، ولِذا قِيلَ: إنَّ عَداوَتَهم عَلامَةُ سُوءِ الخاتِمَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مُتَوَجِّهِينَ إلى جِهَةِ الطَّبِيعَةِ ولِذا حُشِرُوا مَنكُوسِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن مالَ إلى هَوى نَفْسِهِ واتَّبَعَهُ فِيما تَوَجَّهَ إلَيْهِ، ومِن هُنا دَقَّقَ العارِفُونَ النَّظَرَ في مَقاصِدِ أنْفُسِهِمْ حَتّى إنَّهم إذا أمَرْتَهم بِمَعْرُوفٍ لَمْ يُسارِعُوا إلَيْهِ، وتَأمَّلُوا ماذا أرَدْتَ بِذَلِكَ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَزَلْ تَحُسُّهُ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فاسْتَغْرَبَ ذَلِكَ مِنها لِعِلْمِهِ أنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، فَأمْعَنَ النَّظَرَ فَإذا هي قَدْ ضَجِرَتْ مِنَ العِبادَةِ فَأرادَتِ الجِهادَ رَجاءَ أنْ تُقْتَلَ فَتَسْتَرِيحَ مِمّا هي فِيهِ مِنَ النَّصَبِ، ولَمْ تَقْصِدْ بِذَلِكَ الطّاعَةَ، بَلْ قَصَدَتِ الفِرارَ مِنها.

وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ الآيَةَ، أيْ: ألَمْ تَرَ كَيْفَ مَدَّ ظِلَّ عالَمِ الأجْسامِ ﴿ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ في كَتْمِ العَدَمِ، ثُمَّ جَعَلْنا شَمْسَ عالَمِ الأرْواحِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ الظِّلِّ دَلِيلًا بِأنْ كانَتْ مُحَرِّكَةً لَها إلى غايَتِها المَخْلُوقَةِ هي لِأجْلِها، فَعُرِفَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لَوْلا الأرْواحُ لَمْ تُخْلَقِ الأجْسادُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ سَيَنْحَلُّ إلى بَسائِطِهِ إذا حَصَلَ عَلى كَمالِهِ الأخِيرِ، وبِوَجْهٍ آخَرَ: الظِّلُّ ما سِوى نُورِ الأنْوارِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صانِعِهِ الَّذِي هو شَمْسُ عالَمِ الوُجُودِ، وهَذا شَأْنُ الذّاهِبِينَ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنا ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِن ذَلِكَ، وهي الِاسْتِدْلالُ بِهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ وهَذِهِ مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِينَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ ، وألّا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ وبِوَجْهٍ آخَرَ: الظِّلُّ حِجابُ الذُّهُولِ والغَفْلَةِ، والشَّمْسُ شَمْسُ تَجَلِّي المَعْرِفَةِ مِن أُفُقِ العِنايَةِ عِنْدَ صَباحِ الهِدايَةِ، ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ لَجَعَلَهُ دائِمًا لا يَزُولُ، وإنَّما يُسْتَدَلُّ عَلى الذُّهُولِ بِالعِرْفانِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكَشْفَ التّامَّ يَحْصُلُ بِالتَّدْرِيجِ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ.

﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ تَسْتَتِرُونَ بِهِ عَنْ رُؤْيَةِ الأجانِبِ لَكم واطِّلاعِهِمْ عَلى حالِكم مِنَ التَّواجُدِ وسَكْبِ العَبَراتِ ﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ راحَةً لِأبْدانِكم مِن نَصَبِ المُجاهَداتِ ﴿ وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ تَنْتَشِرُونَ فِيهِ لِطَلَبِ ضَرُورِيّاتِكم ﴿ وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ أيْ: رِياحَ الِاشْتِياقِ عَلى قُلُوبِ الأحْبابِ ﴿ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ والكُشُوفِ ﴿ وأنْزَلْنا ﴾ مِن سَماءِ الكَرَمِ ماءَ حَياةِ العِرْفانِ ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ أيْ: قُلُوبًا مَيْتَةً ﴿ ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ الحَيَوانِيَّةُ، يَسْقِيهِمْ سُبْحانَهُ لِيَرُدَّهم إلى القِيامِ بِالعِباداتِ ﴿ وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا إلى رِياضِ الإنْسِ يَسْقِيهِمْ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ لِيَفْطِمَهم عَنْ مَراضِعِ الإنْسانِيَّةِ إلى المَشارِبِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ ﴾ أيِ: القُرْآنَ الَّذِي هو ماءُ حَياةِ القُلُوبِ بَيْنَهم ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ بِهِ مَوْطِنَهُمُ الأصْلِيَّ ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ بِنِعْمَةِ القُرْآنِ وما عَرَفُوا قَدْرَها ﴿ وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ بَحْرَ الرُّوحِ وبَحْرَ النَّفْسِ (هَذا) وهو بَحْرُ الرُّوحِ ﴿ عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ الرَّبّانِيَّةِ، (وهَذا) وهو بَحْرُ النَّفْسِ ﴿ مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ الحَيَوانِيَّةِ ﴿ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ فَحَرامٌ عَلى الرُّوحِ أنْ يَكُونَ مَنشَأ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وعَلى النَّفْسِ أنْ تَكُونَ مَعْدِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ.

وذُكِرَ أنَّ البَرْزَخَ هو القَلْبُ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: تَلاطَمَتْ صِفَتانِ فَتَلاقَيَتا في قُلُوبِ الخَلْقِ، فَقُلُوبُ أهْلِ المَعْرِفَةِ مُنَوَّرَةٌ بِأنْوارِ الهِدايَةِ، مُضِيئَةٌ بِضِياءِ الإقْبالِ، وقُلُوبُ أهْلِ النَّكِرَةِ مُظْلِمَةٌ بِظُلُماتِ المُخالَفَةِ، مُعْرِضَةٌ عَنْ سُنَنِ التَّوْفِيقِ، وبَيْنَهُما قُلُوبُ العامَّةِ لَيْسَ لَها عِلْمٌ بِما يَرِدُ عَلَيْها وما يَصْدُرُ مِنها، لَيْسَ مَعَها خِطابٌ ولا لَها جَوابٌ، وقِيلَ: البَحْرُ العَذْبُ إشارَةٌ إلى بَحْرِ الشَّرِيعَةِ، وعُذُوبَتُهُ لِما أنَّ الشَّرِيعَةَ سَهْلَةٌ لا حَرَجَ فِيها ولا دِقَّةَ في مَعانِيها، ولِذَلِكَ صارَتْ مَوْرِدَ الخَواصِّ والعَوامِّ، والبَحْرُ المِلْحُ إشارَةٌ إلى بَحْرِ الحَقِيقَةِ، ومُلُوحَتُهُ لِما أنَّ الحَقِيقَةَ صَعْبَةُ المَسالِكِ لا يَكادُ يُدْرِكُ ما فِيها عَقْلُ السّالِكِ، والبَرْزَخُ إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ؛ فَإنَّها لَيْسَتْ بِسَهْلَةٍ كالشَّرِيعَةِ ولا صَعْبَةٍ كالحَقِيقَةِ بَلْ بَيْنَ بَيْنَ.

﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ في سَماءِ القُلُوبِ بُرُوجَ المَنازِلِ والمَقاماتِ، وهي اثْنا عَشَرَ: التَّوْبَةُ والزُّهْدُ والخَوْفُ والرَّجاءُ والتَّوَكُّلُ والصَّبْرُ والشُّكْرُ واليَقِينُ والإخْلاصُ والتَّسْلِيمُ والتَّفْوِيضُ والرِّضا، وهي مَنازِلُ الأحْوالِ السَّيّارَةِ: شَمْسُ التَّجَلِّي، وقَمَرُ المُشاهَدَةِ، وزَهْرَةُ الشَّوْقِ، ومُشْتَرِي المَحَبَّةِ، وعُطارِدُ الكُشُوفِ، ومِرِّيخُ الفَناءِ، وزُحَلُ البَقاءِ، « ﴿ وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ » بِغَيْرِ فَخْرٍ ولا خُيَلاءَ لِما شاهَدُوا مِن كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَؤُلاءِ العِبادَ يُعامِلُونَ الأرْضَ مُعامَلَةَ الحَيَوانِ لا الجَمادِ، ولِذا يَمْشُونَ عَلَيْها هَوْنًا ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ ﴾ وهم أبْناءُ الدُّنْيا ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ: سَلامَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن شَرِّكُمْ، أوْ إذا خاطَبَهم كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما فِيهِما مِنَ اللَّذَّةِ والنَّعِيمِ وتَعَرَّضَ لَهم لِيَشْغَلَهم عَمّا هم فِيهِ ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ سَلامُ مُتارَكَةٍ وتَوْدِيعٍ ﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا ﴾ لِما عَلِمُوا أنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ المُؤْمِنِ، واللَّيْلَ وقْتُ اجْتِماعِ المُحِبِّ بِالحَبِيبِ: نَهارِي نَهارُ النّاسِ حَتّى إذا بَدا لِي اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إلَيْكَ المَضاجِعُ أقْضِي نَهارِي بِالحَدِيثِ وبِالمُنى ∗∗∗ ويَجْمَعُنِي والهَمَّ بِاللَّيْلِ جامِعُ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ خَوْفِهِمْ مِنَ القَطِيعَةِ والبُعْدِ عَنْ مَحْبُوبِهِمْ، وذَلِكَ ما عَنَوْهُ بِعَذابِ جَهَنَّمَ لا العَذابُ المَعْرُوفُ، فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَسْتَعْذِبُهُ مَعَ الوِصالِ، ألا تَسْمَعَ ما قِيلَ: فَلَيْتَ سُلَيْمى في المَنامِ ضَجِيعَتِي ∗∗∗ في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ أوْ في جَهَنَّمَ ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ فُيُوضاتِهِمْ حَسَبَ قابِلِيَّةِ المُفاضِ عَلَيْهِ لا يُسْرِفُونَ فِيها بِأنْ يُفِيضُوا فَوْقَ الحاجَةِ ولا يُقَتِّرُونَ بِأنْ يُفِيضُوا دُونَ الحاجَةِ، أوْ إلى أنَّهم إذا أنْفَقُوا وُجُودَهم في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لَمْ يُبالِغُوا في الرِّياضَةِ إلى حَدِّ تَلَفِ البَدَنِ ولَمْ يُقَتِّرُوا في بَذْلِ الوُجُودِ بِالرُّكُونِ إلى الشَّهَواتِ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ بِرَفْعِ حَوائِجِهِمْ إلى الأغْيارِ ﴿ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ قَتْلَها ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: إلّا بِسَطْوَةِ تَجَلِّياتِهِ تَعالى ﴿ ولا يَزْنُونَ ﴾ بِالتَّصَرُّفِ في عَجُوزِ الدُّنْيا ولا يَنالُونَ مِنها شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ تَعالى ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ لا يَحْضُرُونَ مَجالِسَ الباطِلِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ﴾ وهو ما لا يُقَرِّبُهم إلى مَحْبُوبِهِمْ ﴿ مَرُّوا كِرامًا ﴾ مُعْرِضِينَ عَنْهُ ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ بَلْ أقْبَلُوا عَلَيْها بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ مُشاهِدِينَ بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ أنْوارَ ما ذُكِّرُوا بِهِ مِن كَلامِ رَبِّهِمْ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا ﴾ مَنِ ازْدَوَجَ مَعَنا وصَحِبَنا (وذُرِّيّاتِنا) الَّذِينَ أخَذُوا عَنّا ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ بِأنْ يُوَفَّقُوا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ وهُمُ الفائِزُونَ بِالفَناءِ والبَقاءِ الأتَمَّيْنِ ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ وهو مَقامُ العِنْدِيَّةِ ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ في البِدايَةِ عَلى تَكالِيفِ الشَّرِيعَةِ، وفي الوَسَطِ عَلى التَّأدُّبِ بِآدابِ الطَّرِيقَةِ، وفي النِّهايَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحَقِيقَةُ ﴿ ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً ﴾ هي أُنْسُ الأسْرارِ بِالحَيِّ القَيُّومِ وسَلامًا وهو سَلامَةُ القُلُوبِ مِن خُطُورِ القَطِيعَةِ ﴿ خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ لِأنَّها مَشْهَدُ الحَقِّ، ومَحَلُّ رِضا المَحْبُوبِ المُطْلَقِ.

نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِرِضائِهِ، ويَمْنَحَنا بِسَوابِغِ نَعْمائِهِ وآلائِهِ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ أنْبِيائِهِ، وأحَبِّ أحِبّائِهِ،  ، وشَرَّفَ قَدْرَهُ وعَظَّمَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد