تفسير الألوسي سورة غافر

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة غافر

تفسيرُ سورةِ غافر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 267 دقيقة قراءة

تفسير سورة غافر كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

حمٓ ١

سُورَةُ المُؤْمِنِ وتُسَمّى سُورَةَ غافِرٍ وسُورَةَ الطَّوْلِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ ومَسْرُوقٍ وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَكِّيَّةٌ، وحَكى أبُو حَيّانَ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ  ﴾ لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وكانَتِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ مِن غَيْرِ تَوْقِيتٍ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ قَوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ الخَمْسَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ إرادَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ في الآيَةِ، وقِيلَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ  ﴾ الآيَةَ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا ذَكَرُوا الدَّجّالَ، وهَذا لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَوْلُهم نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا يُرادُ بِهِ تارَةً سَبَبُ النُّزُولِ ويُرادُ بِهِ تارَةً أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الآيَةِ وإنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبُ كَما تَقُولُ: عُنِي بِهَذِهِ الآيَةِ كَذا، وقالَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ: قَدْ عُرِفَ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ أحَدَهم إذا قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا فَإنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَتَضَمَّنُ هَذا الحُكْمَ لا أنَّ هَذا كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الحُكْمِ بِالآيَةِ لا مِن جِنْسِ النَّقْلِ لِما وقَعَ.

نَعَمْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبِي العالِيَةِ ما هو كالنَّصِّ عَلى ذَلِكَ.

وآيُها خَمْسٌ وثَمانُونَ في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وأرْبَعٌ في الحِجازِيِّ، واثْنَتانِ في البَصْرِيِّ، وقِيلَ: سِتٌّ وثَمانُونَ، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَمانُونَ، ووَجْهُ مُناسِبَةِ أوَّلِها لِآخِرِ الزُّمُرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِ وحالُ المُؤْمِنِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا هُنا أنَّهُ تَعالى غافِرُ الذَّنْبِ وقابِلُ التَّوْبِ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ والإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وبَيْنَ السُّورَتَيْنِ أنْفُسِهِما أوْجُهٌ مِنَ المُناسَبَةِ، ويَكْفِي فِيها أنَّهُ ذُكِرَ في كُلٍّ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وأحْوالِ الكَفَرَةِ فِيهِ وهم في المَحْشَرِ وفي النّارِ ما ذُكِرَ، وقَدْ فُصِّلَ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يُفَصَّلْ مِنهُ في تِلْكَ.

وفِي تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ إيلاءِ الحَوامِيمِ السَّبْعِ لِسُورَةِ الزُّمُرِ تَواخِي المَطالِعِ في الِافْتِتاحِ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوَّلُ الزُّمُرِ حم وتِلْكَ مُناسَبَةٌ جَلِيلَةٌ، ثُمَّ إنَّ الحَوامِيمَ تَرَتَّبَتْ لِاشْتِراكِها في الِافْتِتاحِ - بِحم - وبِذِكْرِ الكِتابِ وأنَّها مَكِّيَّةٌ بَلْ ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ الزُّمُرِ مُتَتالِياتٍ كَتَرْتِيبِها في المُصْحَفِ، ووَرَدَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لَبابًا وإنَّ لَبابَ القُرْآنِ الحَوامِيمُ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ.

وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا ««الحَوامِيمُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ»» .

وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والدّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْراهِيمَ قالَ: كُنَّ الحَوامِيمُ يُسَمَّيْنَ العَرائِسَ.

وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ وأعْطانِي الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي»» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةً أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ««الحَوامِيمُ سَبْعٌ وأبْوابُ جَهَنَّمَ سَبْعٌ تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها فَتَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَؤُنِي»» وجاءَ في خُصُوصِ بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ.

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «مَن قَرَأ حم إلى ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ وآيَةَ الكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ ومَن قَرَأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ»».

( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿ حم ﴾ بِتَفْخِيمِ الألِفِ وتَسْكِينِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ذَكْوانَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالإمالَةِ الصَّرِيحَةِ، ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ.

وأبُو عَمْرٍو بِالإمالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِفَتْحِ المِيمِ عَلى التَّحْرِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِلْخِفَّةِ كَما في أيْنَ وكَيْفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارِ اقْرَأْ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ لِأنَّهُ بِمَعْنى السُّورَةِ أوْ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في لُغَةِ العَجَمِ كَقابِيلَ وهابِيلَ، ونُقِلَ هَذا عَنْ سِيبَوَيْهِ.

وفي الكَشْفِ أنَّ الأوْلى أنْ يُعَلَّلَ بِالتَّعْرِيفِ والتَّرْكِيبِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما في جَيْرِ: والزُّهْرِيُّ بِرَفْعِها والظّاهِرُ أنَّهُ إعْرابٌ فَهو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ في المُرادِ بِهِ كالكَلامِ في نَظائِرِهِ، ويُجْمَعُ عَلى حَوامِيمَ وحامِيماتٍ أمّا الثّانِي فَقَدْ أنْشَدَ فِيهِ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ في الخَيْراتِ جاءَ بِياسِينَ وحامِيماتِ وأمّا الأوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِدَّةُ أخْبارٍ فِيهِ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يُنْكِرُ صِحَّةَ جَمِيعِها أوْ يَزْعُمُ أنَّ لَفْظَ حَوامِيمَ فِيها مِن تَحْرِيفِ الرُّواةِ الأعاجِمِ وأيْضًا أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ الأُلى تَطَوَّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ وبِثَمانٍ ثُنِّيَتْ وكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينِ اللَّواتِي تُلِيَتْ وبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ وبِالمُفَصَّلِ الَّتِي قَدْ فُصِّلَتْ وذَهَبَ الجَوالِيقِيُّ والحَرِيرِيُّ وابْنُ الجَوْزِيِّ إلى أنَّهُ لا يُقالُ حَوامِيمُ، وفي الصِّحاحِ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ قَوْلَ العامَّةِ الحَوامِيمُ لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّ مِنَ الخَطَأِ أنْ تَقُولَ: قَرَأْتُ الحَوامِيمَ والصَّوابُ أنْ تَقُولَ قَرَأْتُ آلَ حم، وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إذا وقَعْتُ في آلِ حم فَقَدْ وقَعْتُ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ، وعَلى هَذا قَوْلُ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ في الهاشِمِيّاتِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حم آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ والطَّواسِينُ والطَّواسِيمُ بِالمِيمِ بَدَلَ النُّونِ كَذَلِكَ عِنْدَهم، وما سَمِعْتَ يَكْفِي في رَدِّهِمْ.

نَعَمْ ما قالُوهُ مَسْمُوعٌ مَقْبُولٌ كالَّذِي قُلْناهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ آلَ في قَوْلِهِمْ آلَ حم كَما قالَ الخَفاجِيُّ لَيْسَ بِمَعْنى الآلِ المَشْهُورِ وهو الأهْلُ بَلْ هو لَفْظٌ يُذْكَرُ قَبْلَ ما لا يَصِحُّ تَثْنِيَتُهُ وجَمْعُهُ مِنَ الأسْماءِ المُرَكَّبَةِ ونَحْوِها كَتَأبَّطَ شَرًّا فَإذا أرادُوا تَثْنِيَتَهُ أوْ جَمْعَهُ وهو جُمْلَةٌ لا يَتَأتّى فِيها ذَلِكَ إذْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ زادُوا قَبْلَهُ لَفْظَةَ آلٍ أوْ ذَوا فَيُقالُ: جاءَنِي آلُ تَأبَّطَ شَرًّا أوْ ذَوا تَأبَّطَ شَرًّا أيِ الرَّجُلانِ أوِ الرِّجالُ المُسَمَّوْنَ بِهَذا الِاسْمِ، فَآلُ حم بِمَعْنى الحَوامِيمِ وآلٌ بِمَعْنى ذُو، والمُرادُ بِهِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ ويُسْتَعْمَلُ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ وهو مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ المَعْنَوِيَّةِ، وفي كَلامِ الرَّضِيِّ وغَيْرِهِ إشارَةٌ إلى هَذا إلّا أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَفْسِيرِهِ فَعَلَيْكَ بِحِفْظِهِ، وحُكِيَ في الكَشْفِ أنَّ الأوْلى أنْ يُجْمَعَ بِذَواتِ حم أيْ دُونَ حَوامِيمَ أوْ حامِيماتٍ ومَعْناهُ السُّوَرُ المَصْحُوباتُ بِهَذا اللَّفْظِ أعْنِي حم.

<div class="verse-tafsir"

تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٢

﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ الكَلامُ فِيهِ إعْرابًا كالكَلامِ في مَطْلَعِ سُورَةِ الزُّمُرِ بَيْدَ أنَّهُ يَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرًا عَنْ حم ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الوَصْفَيْنِ لِما في القُرْآنِ الجَلِيلِ مِنَ الإعْجازِ وأنْواعِ العُلُومِ الَّتِي يَضِيقُ عَنِ الإحاطَةِ بِها نِطاقُ الأفْهامِ أوْ هو عَلى نَحْوِ تَخْصِيصِ الوَصْفَيْنِ فِيما سَبَقَ فَإنْ شَأْنَ البَلِيغِ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا إلّا أنَّهُ قِيلَ ( اَلْعَلِيمِ ) دُونَ الحَكِيمِ تَفَنُّنًا، <div class="verse-tafsir"

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ٣

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ ﴾ صِفاتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ كالعَزِيزِ العَلِيمِ، وذُكِرَ ( غافِرِ اَلذَّنْبِ وقابِلِ اَلتَّوْبِ وذِي اَلطَّوْلِ ) لِلتَّرْغِيبِ وذُكِرَ ﴿ شَدِيدِ العِقابِ ﴾ لِلتَّرْهِيبِ والمَجْمُوعُ لِلْحَثِّ عَلى المَقْصُودِ مِن ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ وهو المَذْكُورُ بَعْدَ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْإيمانِ بِما سِواهُما والإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والأوَّلانِ مِنها وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ إلّا أنَّهُما لَمْ يُرَدْ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ بَلْ أُرِيدَ بِهِما الثُّبُوتُ والِاسْتِمْرارُ فَإضافَتُهُما لِلْمَعْرِفَةِ بِعْدَهُما مَحْضَةٌ أكْسَبَتْهُما تَعْرِيفًا فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما أعْرَفُ المَعارِفِ، والأمْرُ في ﴿ ذِي الطَّوْلِ ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا.

نَعَمِ الأمْرُ في ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) مُشْكِلٌ فَإنَّ شَدِيدًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ فَيَتَعَرَّفُ ويُنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ ومِن هُنا ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) بَدَلٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ في تَوْسِيطِ البَدَلِ بَيْنَ الصِّفاتِ تَنافُرًا بَيِّنًا لِأنَّ الوَصْفَ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَوْصُوفَ مَقْصُودٌ والبَدَلُ بِخِلافِهِ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اسْتِئْنافِ القَصْدِ بَعْدَ ما جُعِلَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، والجَوابُ أنَّهُ إنَّما يُشْكِلُ ظاهِرًا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ لا تَتَعَرَّفُ أصْلًا بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّها كَغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ قَدْ تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ ويَجُوزُ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِها نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ حَسَنِ الوَجْهِ فَلا، ويُقالُ فِيما ذُكِرَ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ: إنَّ «شَدِيدًا» مُؤَوَّلٌ بِمُشَدِّدٍ اسْمِ فاعِلٍ مِن أشَدَّهُ جَعَلَهُ شَدِيدًا كَأذِينٍ بِمَعْنى مُؤَذِّنٌ فَيُعْطى حُكْمَهُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُعَرَّفٌ بِألْ والأصْلُ الشَّدِيدُ عِقابُهُ لَكِنْ حُذِفَتْ لِأمْنِ اللَّبْسِ بِغَيْرِ الصِّفَةِ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ الصِّفاتِ واحْتِمالُ كَوْنِهِ بَدَلًا وحْدَهُ لا يُلْتَفَتُ عَلى ما سَمِعْتَ إلَيْهِ ورِعايَةً لِمُشاكَلَةِ ما مَعَهُ مِنَ الأوْصافِ المُجَرَّدَةِ مِنها والمُقَدَّرُ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ المُشاكَلَةِ حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سَحادَلِيهِ مِن عَنادَلِيهِ أرادُوا ما يَعْرِفُ ذَكَرَهُ مِن أُنْثَيَيْهِ فَثَنُّوا ما هو وتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ جَمِيعِ التَّوابِعِ المَذْكُوراتِ أبْدالًا وتَعَمَّدَ تَنْكِيرَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ وأمَرَّ لِزِيادَةِ الإنْذارِ.

وفي الكَشْفِ جَعْلُ كُلِّها أبْدالًا فِيهِ تَنافُرٌ عَظِيمٌ لا سِيَّما في إبْدالِ ( اَلْعَزِيزِ ) مِنَ ( اَللَّهِ ) الِاسْمِ الجامِعِ لِسائِرِ الصِّفاتِ العَلَمِ النَّصِّ وأيْنَ هَذا مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ؟

وذَهَبَ مَكِّيٌّ إلى جَوازِ كَوْنِ ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ ﴾ دُونَ ما قَبْلَهُما بَدَلَيْنِ وأنَّهُما حِينَئِذٍ نَكِرَتانِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ بَدَلَ البَداءِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ قَدْ يَتَكَرَّرُ وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلُ اشْتِمالٍ فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها أوْ مَنعِهِ إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ دُونَ تَعَدُّدِ البَدَلِ واتِّحادِ المُبْدَلِ مِنهُ، وظاهِرُ كَلامِ الخَفاجِيِّ أنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِجَوازِ تَعَدُّدِهِ حَيْثُ قالَ: لا يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالإبْدالِ قِلَّةُ البَدَلِ في المُشْتَقّاتِ، ولا أنَّ النَّكِرَةَ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ ما لَمْ تُوصَفْ، ولا أنَّ تَعَدَّدَ البَدَلِ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ كَما قِيلَ لِأنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِخِلافِهِ في الجَمِيعِ، ولِلدَّمامِينِيِّ فِيهِ كَلامٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ في أوَّلِ شَرْحِ الخَزْرَجِيَّةِ لا يَسَعُهُ هَذا المَقامُ فَإنْ أرَدْتَهُ فانْظُرْ فِيهِ.

انْتَهى.

.

وعِنْدِي أنَّ الإبْدالَ هُنا لَيْسَ بِشَيْءٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا، ( والتَّوْبِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالأوْبِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ لِتَوْبَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، ( والطَّوْلِ ) الفَضْلُ بِالثَّوابِ والإنْعامِ أوْ بِذَلِكَ وبِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ كَما قِيلَ وهو أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِتَرْكِ العِقابِ وإنْ وقَعَ بَعْدَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وكَوْنُ الثَّوابِ مَوْعُودًا فَصارَ كالواجِبِ فَلا يَكُونُ فَضْلًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ الوَعْدَ بِهِ لَيْسَ بِواجِبٍ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِالسِّعَةِ والغِنى، وقَتادَةُ بِالنِّعَمِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالقُدْرَةِ، وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ ﴿ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ ﴾ لِإفادَةِ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذَّنْبِ كَأنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ كَأنَّهُ قِيلَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ووَجْهُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّها صِفاتٌ مُتَعاقِبَةٌ بِدُونِ الواوِ دالَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ المُطْلَقِ مِن مُجَرَّدِ الإجْراءِ فَإذا خُصَّتْ بِالواوِ إحْدى القَرائِنِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ المُعْتَبَرَ فِيها وفِيما تَقَدَّمَها خاصَّةً صَوْنًا لِكَلامِ البَلِيغِ عَنِ الإلْغاءِ، فَفي الواوِ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جامِعٌ بَيْنَ الغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ لِلتّائِبِ خاصَّةً، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ، وما قِيلَ: إنَّ التَّوْسِيطَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ غافِرُ الذَّنْبِ لِمَن لَمْ يَتُبْ وقابَلُ التَّوْبِ لِمَن تابَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، والتَّغايُرُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ بَيْنَ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ وهُما غُفْرانُ الذَّنْبِ وقَبُولُ التَّوْبَةِ عَنْهُ المُقْتَضِي لِكَوْنِ الغُفْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ والقَبُولِ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ إذْ جَعَلُوا مُوقِعَ الأوَّلِ الذَّنْبَ الباقِيَ في الصَّحائِفِ مِن غَيْرِ مُؤاخَذَةٍ ومُوقِعَ الثّانِي الذَّنْبَ الزّائِلَ المَمْحُوَّ عَنْها حاصِلٌ مَعَ الإجْراءِ فَلا مَدْخَلَ لِلْواوِ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ جارٍ عَلى أصْلَيْ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ فَلا وجْهَ لِرَدِّهِ بِما لَيْسَ بِقادِحٍ وإيثارُ ما هو مَرْجُوحٌ، وتَقْدِيمُ الغافِرِ عَلى القابِلِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ فافْهَمْ.

وفي القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلانِ لِأهْلِ السُّنَّةِ.

وفي البَحْرِ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ كَتَوْبَةِ العاصِي بِهِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الرَّحْمَةِ وسَبْقِها فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أرْحَمَهُ وأكْرَمَهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى طاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ فَحَسْبُ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُطِيعِ والعاصِي، وجُمْلَةُ ( لا إلَهَ إلّا هو ) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِشَدِيدِ العِقابِ، وفي الآياتِ مِمّا يَقْتَضِي الِاتِّعاظَ ما فِيها.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّ رَجُلًا كانَ ذا بَأْسٍ وكانَ مِن أهْلِ الشّامِ وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدَهُ فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: تَتابَعَ في الشَّرابِ فَدَعا عُمَرُ كاتِبَهُ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ سَلامٌ عَلَيْكم فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿ حم ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى - ﴿ إلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ وخُتِمَ الكِتابُ، وقالَ لِرَسُولِهِ: لا تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتّى تَجِدَهُ صاحِيًا ثُمَّ أمَرَ مَن عِنْدَهُ بِالدُّعاءِ لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَلَمّا أتَتْهُ الصَّحِيفَةُ جَعَلَ يَقْرَؤُها ويَقُولُ: قَدْ وعَدَنِي رَبِّي أنْ يَغْفِرَ لِي وحَذَّرَنِي عِقابَهُ فَلَمْ يَبْرَحْ يُرَدِّدُها عَلى نَفْسِهِ حَتّى بَكى ثُمَّ نَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ تَوْبَتُهُ قالَ: هَكَذا فافْعَلُوا إذا رَأيْتُمْ أخاكم قَدْ زَلَّ زَلَّةً فَسَدِّدُوهُ ووَقِّفُوهُ وادْعُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ ولا تَكُونُوا أعْوانًا لِلشَّياطِينِ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

مَا يُجَـٰدِلُ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ٤

﴿ ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما قالَ أبُو العالِيَةِ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السُّلَمِيِّ أحَدِ المُسْتَهْزِئِينَ، والمُرادُ بِالجِدالِ الجِدالُ بِالباطِلِ مِنَ الطَّعْنِ في الآياتِ والقَصْدِ إلى إدْحاضِ الحَقِّ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ، ﴿ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴾ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ تَشْبِيهًا لِحالِ كُفّارِ مَكَّةَ بِكُفّارِ الأحْزابِ مِن قَبْلُ وإلّا فالجِدالُ فِيها لِإيضاحِ مُلْتَبَسِها وحَلِّ مُشْكِلِها ومُقادَحَةِ أهْلِ العِلْمِ في اسْتِنْباطِ مَعانِيها ورَدُّ أهْلِ الزَّيْغِ عَنْها أعْظَمُ جِهادٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وفي قَوْلِهِ  وقَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ»» إيماءً إلى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ جِدالًا مُنْكَرًا لِلتَّنْوِيعِ فَأشْعَرَ أنَّ نَوْعًا مِنهُ كُفْرٌ وضَلالٌ ونَوْعًا آخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

والتَّحْقِيقُ كَما في الكَشْفِ أنَّ المُجادَلَةَ في الشَّيْءِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ إمّا مَشْكُوكًا عِنْدَ المُجادِلِينَ أوْ أحَدِهِما أوْ مُنْكَرًا كَذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَذْمُومٌ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ مِن مُوَحِّدٍ لِخارِجٍ عَنِ المِلَّةِ أوْ مِن مُحَقِّقٍ لِزائِغٍ إلى البِدْعَةِ فَهو مَحْمُودٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ البَحْثَ فِيها لِإيضاحِ المُلْتَبَسِ ونَحْوِهِ جِدالٌ عَنْها لا فِيها فَإنَّ الجِدالَ يَتَعَدّى بِعْنَ إذا كانَ لِلْمَنعِ والذَّبِّ عَنِ الشَّيْءِ وبِفِي لِخِلافِهِ كَما ذَكَرَهُ الإمامُ وبِالباءِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ  ﴾ فَفِيهِ بَحْثٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي آياتِ اللَّهِ ﴾ دُونَ - فِيهِ - بِالضَّمِيرِ العائِدِ إلى الكِتابِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنهُ يَكْفِي كُفْرُ المُجادَلَةِ فَكَيْفَ بِمَن يُنْكِرُهُ كُلَّهُ ويَقُولُ فِيهِ ما يَقُولُ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنهُ آيَةٌ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فَيَدُلُّ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَةِ المُجادِلِ في الكُفْرِ وأنَّهُ جادَلَ في الواضِحِ الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ، ومِمّا ذُكِرَ يَظْهَرُ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وارْتِباطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ ﴾ بِها أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّ هَؤُلاءِ شَدِيدُو الشَّكائِمِ في الكُفْرِ قَدْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ حَيْثُ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَلا تَلْتَفِتْ لِاسْتِدْراجِهِمْ بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ وإمْهالِهِمْ فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ كَما فُعِلَ بِمَن قَبْلَهم مِن أمْثالِهِمْ <div class="verse-tafsir"

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۖ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍۭ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ۖ وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٥

مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ ..

إلَخْ، والتَّقَلُّبُ الخُرُوجُ مِن أرْضٍ إلى أُخْرى.

والمُرادُ بِالبِلادِ بِلادُ الشّامِ واليَمَنِ فَإنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وهم كانُوا يَتَقَلَّبُونَ بِالتِّجارَةِ في هاتِيكَ البِلادِ ولَهم رِحْلَةُ الشِّتاءِ لِلْيَمَنِ ورِحْلَةُ الصَّيْفِ لِلشّامِ، ولا بَأْسَ في إرادَةِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَلا يَغُرَّكَ» بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ والفَكُّ لُغَةُ الحِجازِيِّينَ، وبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في البَحْرِ أوَّلُ رَسُولٍ في الأرْضِ أوْ لِأنَّهم أوَّلُ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَهم وعَتَوْا عُتُوًّا شَدِيدًا ﴿ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ والَّذِينَ تَحَزَّبُوا واجْتَمَعُوا عَلى مُعاداةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ ﴿ بِرَسُولِهِمْ ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِرَسُولِها» رِعايَةَ اللَّفْظِ الأُمَّةِ ﴿ لِيَأْخُذُوهُ ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِن إيقاعِ ما يُرِيدُونَ بِهِ مِن حَبْسٍ وتَعْذِيبٍ وقَتْلٍ وغَيْرِهِ، فالأخْذُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ المَذْكُورِ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالأسْرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ لِيَقْتُلُوهُ ﴿ وجادَلُوا بِالباطِلِ ﴾ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ قِيلَ هو قَوْلُهم: ﴿ ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا  ﴾ والأوْلى أنْ يُقالَ هو كُلُّ ما يَذْكُرُونَهُ لِنَفْيِ الرِّسالَةِ وتَحْسِينِ ما هم عَلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ لِيُدْحِضُوا ﴾ لِيُزِيلُوا ﴿ بِهِ ﴾ أيْ بِالباطِلِ، وقِيلَ: أيْ بِجِدالِهِمْ بِالباطِلِ ﴿ الحَقَّ ﴾ الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿ فَأخَذْتُهُمْ ﴾ بِالإهْلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَهم ﴿ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ فَإنَّكم تَمُرُّونَ عَلى دِيارِهِمْ وتَرَوْنَ أثَرَهُ، وهَذا تَقْرِيرٌ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِلسّامِعِينَ مِمّا وقَعَ بِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ هَؤُلاءِ، واكْتَفى بِالكَسْرَةِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ في عِقابٍ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، واخْتُلِفَ في المُسَبَّبِ عَنْهُ الأخْذُ المَذْكُورُ فَقِيلَ: مَجْمُوعُ التَّكْذِيبِ والهَمِّ بِالأخْذِ والجِدالِ بِالباطِلِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ الهَمَّ بِالأخْذِ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا ﴾ هو التَّكْذِيبُ بِعَيْنِهِ والأخْذُ يُشاكِلُ الأخْذَ وإنَّما التَّكْذِيبُ مُوجِبٌ اسْتِحْقاقَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بَعْدُ، ولا يُنْكَرُ أنَّ كِلَيْهِما يَقْتَضِي كِلَيْهِما لَكِنْ لَمّا كانَ مُلاءَمَةُ الأخْذِ لِلْأخْذِ أتَمَّ والتَّكْذِيبُ لِلْعَذابِ الأُخْرَوِيِّ أظْهَرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ المُلاءَمَةِ، ثُمَّ المُجادَلَةُ العِنادِيَّةُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنها إلّا الإيذاءَ فَهي تُؤَكِّدُ الهَمَّ مِن هَذا الوَجْهِ بَلِ التَّكْذِيبُ أيْضًا يُؤَكِّدُهُ، والغَرَضُ مِن تَمْهِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُجادِلُ ﴾ وذِكْرُ الأحْزابِ الإلْمامُ بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ -: ﴿ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى ما اخْتارَهُ دَلالَةً بَيِّنَةً فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَعْتَذِرَ بِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ هَذا لا ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ المُجادَلَةِ الباطِلَةِ لِلتَّسَلِّي.

انْتَهى.

والإنْصافُ أنَّ فِيما صَنَعَهُ جارُ اللَّهِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْنى ومُناسَبَةً لَفْظِيَّةً إلّا أنَّ الظّاهِرَ هو التَّفْرِيعُ عَلى المَجْمُوعِ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ٦

﴿ وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ كَما وجَبَ حُكْمُهُ تَعالى بِالإهْلاكِ عَلى هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الأنْبِياءِ وجَبَ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ بِالإهْلاكِ عَلى هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلَيْكَ أيْضًا وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿ أنَّهم أصْحابُ النّارِ ﴾ أيْ لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ أيْ لِأنَّ العِلَّةَ مُتَّحِدَةٌ وهي أنَّهم كُفّارٌ مُعانِدُونَ مُهْتَمُّونَ بِقَتْلِ النَّبِيِّ مِثْلُهم، فَوَضَعَ ( أصْحابُ اَلنّارِ ) مَوْضِعَ ما ذُكِرَ لِأنَّهُ آخِرُ أوْصافِهِمْ وشَرُّها والدّالُّ عَلى الباقِي، ( وأنَّهم ) ..

إلَخْ.

في حَيِّزِ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى أوْ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم مِن أصْحابِ النّارِ، وبَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ أُرِيدَ بِها الأعَمُّ، ويُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا أُولَئِكَ المُتَحَزِّبُونَ، والمَعْنى كَما وجَبَ إهْلاكُهم بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ في الدُّنْيا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ أيْضًا لِكُفْرِهِمْ، والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ بِالمَساقِ.

والتَّعْبِيرُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفُسِّرَتْ ﴿ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ونَحْوِهِ.

وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ «وكَذَلِكَ سَبَقَتْ» وهو عَلى ما قِيلَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةً.

وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وشَيْبَةُ وابْنُ القَعْقاعِ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «كَلِماتٌ» عَلى الجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا۟ وَٱتَّبَعُوا۟ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٧

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ﴾ وهو جِسْمٌ عَظِيمٌ لَهُ قَوائِمُ الكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ.

وذَكَرَ بَعْضُهم في سِعَتِهِ أنَّهُ لَوْ مُسِحَ مُقَعَّرُهُ بِجَمِيعِ مِياهِ الدُّنْيا مَسْحًا خَفِيفًا لَقَصُرَتْ عَنِ اسْتِيعابِهِ ويَزْعُمُ أهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم أنَّهُ كُرَيٌّ وأنَّهُ المُحَدَّدُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وأنَّهُ كَسائِرِ الأفْلاكِ لا يُوصَفُ بِثِقَلٍ ولا خِفَّةٍ ولَيْسَ لَهم في ذَلِكَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ بَلِ الأخْبارُ ظاهِرَةٌ في خِلافِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ وحَمَلَتُهُ مَلائِكَةٌ عِظامٌ.

أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأرْضَ السّابِعَةَ السُّفْلى والعَرْشُ عَلى مَنكِبَيْهِ وهو يَقُولُ: سُبْحانَكَ أيْنَ كُنْتُ وأيْنَ تَكُونُ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حَمَلَةِ العَرْشِ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عامٍ»» وهم عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَمانِيَةٌ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ هارُونَ بْنِ رَبابٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ يَتَجاوَبُونَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَقُولُ أرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عَفْوِكَ وأرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي قُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ ما بَيْنَ مَوْقِ أحَدِهِمْ إلى مُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ ويَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ.

أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُيِّدُوا بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ، مَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ إنْسانٍ يَشْفَعُ لِبَنِيآدَمَ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ نَسْرٍ يَشْفَعُ لِلطَّيْرِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ ثَوْرٍ يَشْفَعُ لِلْبَهائِمِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ أسَدٍ يَشْفَعُ لِلسِّباعِ في أرْزاقِهِمْ فَلَمّا حَمَلُوا العَرْشَ وقَعُوا عَلى رُكَبِهِمْ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلُقِّنُوا لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فاسْتَوَوْا قِيامًا عَلى أرْجُلِهِمْ.

وجاءَ رِوايَةً عَنْ وهْبٍ أيْضًا أنَّهم يَحْمِلُونَ العَرْشَ عَلى أكْتافِهِمْ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ السّابِقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ حِبّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ أقْدامُهم مُثَبَّتَةٌ في الأرْضِ السّابِعَةِ ورُؤُوسُهم قَدْ جاوَزَتِ السَّماءَ السّابِعَةَ وقُرُونُهم مِثْلُ طُولِهِمْ عَلَيْها العَرْشُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وفي بَعْضِها لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْفَعُوا أبْصارَهم مِن شُعاعِ النُّورِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أُمامَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِالفارِسِيَّةِ أيْ إذا تَكَلَّمُوا بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهم يُسَبِّحُونَ بِالعَرَبِيَّةِ، عَلى أنَّ الخَبَرَ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.

وفي بَعْضِ الآثارِ عَنْ وهْبٍ أنَّهم لَيْسَ لَهم كَلامٌ إلّا أنْ يَقُولُوا قُدُّوسٌ اللَّهُ القَوِيُّ مَلَأتْ عَظَمَتُهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ هَذا في الآيَةِ يَأْبى ظاهِرُهُ الحَصْرَ ﴿ ومَن حَوْلَهُ ﴾ أيْ والَّذِينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ وهم مَلائِكَةٌ في غايَةِ الكَثْرَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ قَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ.

وذُكِرَ في كَثْرَتِهِمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ مَجْمُوعِ المَذْكُورِ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ  ﴾ ويُقالُ لِحَمَلَةِ العَرْشِ والحافِّينَ بِهِ الكَرُوبِيُّونَ جَمْعَ كَرُوبِيٍّ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّ الرّاءِ المُهْمَلَةِ المُخَفَّفَةِ وتَشْدِيدُها خَطَأٌ ثُمَّ واوٌ بَعْدَها ياءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ مِن كَرُبَ بِمَعْنى قَرُبَ، وقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُهم في سَماعِهِ مِنَ العَرَبِ وأثْبَتَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: كَرُوبِيَّةٌ مِنهم رُكُوعٌ وسُجَّدُ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى المُبالَغَةِ في القُرْبِ لِصِيغَةِ فَعُولٍ والياءِ الَّتِي تُزادُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ وكَأنَّ وصْفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ المَلائِكَةِ خَوْفًا.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَرُوبِيِّينَ حَمَلَةُ العَرْشِ وأنَّهم أوَّلُ المَلائِكَةِ وُجُودًا ومِثْلُهُ لا يُعْرَفُ إلّا بِسَماعٍ.

وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهم مَلائِكَةُ العَذابِ وكَأنَّ ذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ سِينا في رِسالَةِ المَلائِكَةِ: الكَرُوبِيُّونَ هُمُ العامِرُونَ لِعَرَصاتِ التِّيهِ الأعْلى الواقِفُونَ في المَوْقِفِ الأكْرَمِ زُمُرًا النّاظِرُونَ إلى المَنظَرِ الأبْهى نَظَرًا وهُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ والأرْواحُ المُبَرَّءُونَ، وأمّا المَلائِكَةُ العامِلُونَ فَهم حَمَلَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وعُمّارُ السَّماواتِ.

انْتَهى.

.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَمْلَ العَرْشِ مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِهِ وحِفْظِهِ مِن أنْ يَعْرِضَ لَهُ ما يُخِلُّ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَقْلِيَّةً لِأنَّ العَرْشَ ( كَرَيّ ) في حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلٍ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحُكَماءِ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، وكَذا ذَهَبُوا إلى أنَّ الحَفِيفَ والطَّوافَ بِالعَرْشِ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ القُرْبِ مِن ذِي العَرْشِ سُبْحانَهُ ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى وتَوَسُّطِهِمْ في نَفاذِ أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَقُّ الحَقِيقَةُ في المَوْضِعَيْنِ وما ذُكِرَ مِنَ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ في حَيِّزِ المَنعِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ «العُرُشَ» بِضَمِّ العَيْنِ فَقِيلَ: هو جَمْعُ عَرْشٍ كَسُقُفٍ وسَقْفٍ أوْ لُغَةٌ في العَرْشِ، والمَوْصُولُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ والثّانِي عَطْفٌ عَلَيْهِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في المَحَلِّ الأعْلى مُثابِرُونَ عَلى وِلايَةِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ واسْتِدْعاءِ ما يُسْعِدُهم في الدّارَيْنِ أيْ يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ كالجِسْمِيَّةِ وكَوْنِ العَرْشِ حامِلًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي لا تَتَناهى.

﴿ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا كامِلًا، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ الغِنى عَنْ ذِكْرِهِ رَأْسًا لِإظْهارِ فَضِيلَةِ الإيمانِ وإبْرازِ شَرَفِ أهْلِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وإنْ تَخالَفَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إشْعارٌ بِأنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وسُكّانَ الفَرْشِ سَواءٌ في الإيمانِ بِالغَيْبِ إذْ لَوْ كانَ هُناكَ مُشاهَدَةٌ لِلُزُومِها مِنَ الحَمْلِ بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ أوْ عَلى أنَّ العَرْشَ جِسْمٌ شَفّافٌ لا يَمْنَعُ الأبْصارَ البَتَّةَ لَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ أعْنِي العِلْمَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مَعَ اعْتِرافٍ وإنَّما يَكُونُ في الخَبَرِ ومَضْمُونِهِ مِن مُعْتَقَدٍ عِلْمِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ ناشِئٍ مِنَ البُرْهانِ أوْ قَوْلِ الصّادِقِ كَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِصِدْقِ المُخْبِرِ أوِ البُرْهانِ وأمّا العِيانُ فَيُغْنِي عَنِ البَيانِ، فَفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى الرَّدِّ عَلى المُجَسِّمَةِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى»» كَذا قِيلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كَوْنَ حَمَلَةِ العَرْشِ لا يَرَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحاسَّةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهُ تَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿ رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا..

إلَخْ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّها تَفْسِيرٌ - لِيَسْتَغْفِرُونَ - أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ بِناءً عَلى جَوازِهِ في الجُمَلِ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَسْتَغْفِرُونَ ) .

وفُسِّرَ اسْتِغْفارُهم عَلى هَذا الوَجْهِ بِشَفاعَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَمْلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ بِما يُفِيضُونَ عَلى سَرائِرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ المُفَسَّرُ بِتَرْكِ مُعاجَلَةِ العِقابِ وإدْرارِ الرِّزْقِ والِارْتِفاقِ بِما خَلَقَ مِنَ المَنافِعِ الجَمَّةِ ونَحْوَ ذَلِكَ وهو وإنْ لَمْ يَخُصَّ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهم أصْلٌ فِيهِ فَتَخْصِيصُهم هُنا بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، والأظْهَرُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَفْسِيرًا، ونُصِبَ ( رُحْمًا وعِلْمًا ) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ وحُوِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ حَيْثُ جُعِلَتْ ذاتُهُ سُبْحانَهُ كَأنَّها عَيْنُ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ مَعَ التَّلْوِيحِ إلى عُمُومِها لِأنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الأشْياءِ إلَيْهِ تَعالى مُسْتَوِيَةٌ فَتَقْتَضِي اسْتِواءَها في شُمُولِهِما، ووَصْفُهُ تَعالى بِكَمالِ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ﴾ ..

إلَخْ، وتَسَبُّبُ المَغْفِرَةِ عَنِ الرَّحْمَةِ ظاهِرٌ، وأمّا تَسَبُّبُها عَنِ العِلْمِ فَلِأنَّ المَعْنى فاغْفِرْ لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ أيْ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى أنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ الإطْلاقِ واتِّباعِ سَبِيلِكَ وهو سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ ودَعا إلَيْها الإسْلامُ أيْ عِلْمُكَ الشّامِلُ المُحِيطُ بِما خَفِيَ وما عَلَنَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى طِهارَتِهِمْ مِن كُدُوراتِ الرِّياءِ والهَوى فَإنَّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.

ويَتَضَمَّنُ التَّمْهِيدُ المَذْكُورُ الإشارَةَ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ والعِلْمَ الشّامِلَ يَقْتَضِيانِ أنْ يَنالَ هَؤُلاءِ الفَوْزَ العَظِيمَ والقِسْطَ الأعْلى مِنَ الرِّضْوانِ وفِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى: إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا فَإنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ حَقَّ المُبالَغَةِ في أداءِ حُقُوقِهِ تَعالى فَهو مُقَصِّرٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ»» وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ها هُنا، وفي تَصْدِيرِ الدُّعاءِ بِرَبِّنا مِنَ الِاسْتِعْطافِ ما لا يَخْفى ولِذا كَثُرَ تَصْدِيرُ الدُّعاءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ أيْ واحْفَظْهم عَنْهُ تَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ العَذابِ.

<div class="verse-tafsir"

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٨

﴿ رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ أيْ وعَدْتَهم إيّاها فالمَفْعُولُ الآخَرُ مُقَدَّرٌ والمُرادُ وعَدْتَهم دُخُولَها، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ الِاسْتِعْطافِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ «( جَنَّة ) عَدْنٍ» بِالإفْرادِ وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿ ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ( أدْخِلْهم ) أيْ وأدْخِلْ مَعَهم هَؤُلاءِ لِيَتِمَّ سُرُورُهم ويَتَضاعَفَ ابْتِهاجُهم، وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿ وعَدْتَهُمْ ﴾ أيْ وعَدْتَهم ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ..

إلَخْ.

فَقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدُ العامُّ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَبْقى عَلى هَذا لِلْعَطْفِ وجْهٌ فالمُرادُ الوَعْدُ الخاصُّ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ ، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى الأوَّلِ والدُّعاءُ بِالإدْخالِ فِيهِ صَرِيحٌ، وفي الثّانِي ضِمْنِيٌّ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاحِ الصَّلاحُ المُصَحِّحُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ دُونَ صَلاحِ المَتْبُوعِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ «صَلُحَ» بِضَمِّ اللّامِ يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ، وقَرَأ عِيسى «ذُرِّيَتَهم» بِالإفْرادِ ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إدْخالُ مَن طُلِبَ إدْخالُهُمُ الجَنّاتِ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٩

﴿ وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ العُقُوباتِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وإطْلاقُ السَّيِّئَةِ عَلى العُقُوبَةِ لِأنَّها سَيِّئَةٌ في نَفْسِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى المَشْهُورُ وهو المَعاصِي والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقَهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ أوْ تَجُوزُ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ ﴿ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ بَلْ هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِشُمُولِهِ العُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ مُطْلَقًا أوِ الدُّعاءُ الأوَّلُ لِلْمَتْبُوعِينَ وهَذا لِلتّابِعِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسَّيِّئاتِ المَعْنى المَشْهُورُ بِدُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ ولا تَجُوزُ أيِ المَعاصِي أيْ وقِهِمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا ووِقايَتُهم مِنها حِفْظُهم عَنِ ارْتِكابِها وهو دُعاءٌ بِالحِفْظِ عَنْ سَبَبِ العَذابِ بَعْدَ الدُّعاءِ بِالحِفْظِ عَنِ المُسَبَّبِ وهو العَذابُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأنْسَبَ عَلى هَذا تَقْدِيمُ هَذا الدُّعاءِ عَلى ذاكَ ﴿ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ يَوْمَ المُؤاخَذَةِ ﴿ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ ويُقالُ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَ العَمَلِ أيْ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في الآخِرَةِ وأيَّدَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِن يَوْمَئِذٍ الدُّنْيا لِأنَّ ( إذْ ) تَدُلُّ عَلى المُضِيِّ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ ﴿ وذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن رَحْمَتِهِ أوْ إلى الوِقايَةِ المَفْهُومَةِ مِن فِعْلِها أوْ إلى مَجْمُوعِهِما، وأمْرُ التَّذْكِيرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وكَذا أمْرُ الإفْرادِ عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ ظاهِرٌ ﴿ هُوَ الفَوْزُ ﴾ أيِ الظَّفَرُ ﴿ العَظِيمُ ﴾ الَّذِي لا مَطْمَعَ وراءَهُ لِطامِعٍ، هَذا وإلى كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينِ تابُوا الَّذِينَ تابُوا مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ في السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ هي الصَّغائِرُ أوِ الكَبائِرُ المَتُوبُ عَنْها، وذَكَرَ أنَّ الوِقايَةَ مِنها التَّكْفِيرُ أوْ قَبُولُ التَّوْبَةِ وأنَّ هَؤُلاءِ المُسْتَغْفَرَ لَهم تائِبُونَ صالِحُونَ مِثْلُ المَلائِكَةِ في الطَّهارَةِ وأنَّ الِاسْتِغْفارَ لَهم بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ وفائِدَتُهُ زِيادَةُ الكَرامَةِ والثَّوابِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهم مَوْعُودِينَ المَغْفِرَةَ واللَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمُبالَغَةِ فِيها إذا كانَ المَغْفُورُ لَهُ مِثْلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الطَّهارَةِ وأيُّ حاجَةٍ إلى الِاسْتِغْفارِ فَضْلًا عَنِ المُبالَغَةِ، وأنَّ ما قالَهُ في السَّيِّئاتِ لا يَجُوزُ فَإنَّ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبٌ في مَذْهَبِهِ وما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا كانَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ عَبَثًا قَبِيحًا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وكَذا إسْقاطُ عُقُوبَةِ الصَّغِيرَةِ فَلا يَحْسُنُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ مَنفَعَةٍ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، حَكى هَذا الطَّيِّبِيُّ عَنِ الإمامِ ثُمَّ قالَ: فَحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ كَما قالَ الواحِدِيُّ فاغْفِرْ لِلَّذِينِ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أيْ دِينَكَ الإسْلامَ، فَإنْ قُلْتَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّوْبَةُ مِنَ المَعاصِي مُرادًا لَكانَ يَكْفِي أنْ يَقُولُوا: فاغْفِرْ لِلَّذِينِ آمَنُوا لِيُطابِقَ السّابِقَ، قُلْتُ: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ هو قَرِيبٌ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ اللَّفْظِ السّابِقِ وبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا ﴾ الآيَةَ جاءَ مَفْصُولًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فالآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِغْفارِ لا لِحالِ المُسْتَغْفَرِ لَهم، ووَصْفُهُمُ المُمَيَّزُ يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ، وأمّا فائِدَةُ العُدُولِ عَنِ المُضْمَرِ وأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فاغْفِرْ لَهم بَلْ قِيلَ: لِلَّذِينِ تابُوا فَهي أنَّ المَلائِكَةَ كَما عَلَّلُوا الغُفْرانَ في حَقِّ مُفِيضِ الخَيْراتِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالعِلْمِ الشّامِلِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ عَلَّلُوا قابِلَ الفَيْضِ أيْضًا بِالتَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ واتِّباعِ سَبِيلِ الإسْلامِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ التَّوْبَةُ إنَّما تَصِحُّ في حَقِّ مَن سَبَقَ شِرْكُهُ عَلى إسْلامِهِ دُونَ مَن وُلِدَ مُسْلِمًا ودامَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: الآيَةُ نازِلَةٌ في زَمَنِ الصَّحابَةِ وجُلُّهُمُ انْتَقَلُوا مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ ولَوْ قِيلَ: فاغْفِرْ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ لَخَرَجُوا فَغُلِّبَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سُنَنِ جَمِيعِ الأحْكامِ.

انْتَهى.

ولَعَمْرِي إنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالًا أيَّ مَجالٍ.

وفِي الكَشْفِ إنَّما اخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما اخْتارَهُ عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ مِن أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الإطْلاقِ تَنْصَرِفُ إلى التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا عَلى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا إذْ ذاكَ لِأنَّ التّائِبَ عَنِ الشِّرْكِ هو المُسْلِمُ، وقَدْ فَسَّرَ مُتَّبِعِ السَّبِيلِ في هَذا القَوْلِ بِهِ وإذا شَرَطَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَلاحَ التّابِعِ وهو الذُّرِّيَّةُ مَعَ ما ورَدَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ﴾ فَما بالُ المَتْبُوعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاحَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُؤْمِنِ وكَفاكَ دُعاءُ إبْراهِيمَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ في الإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ شاهِدًا، وأمّا أنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الدُّعاءِ فَجَوابُهُ أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْحاجَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِنا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الفَضائِلِ والمَعْلُومُ حُصُولُهُ مِنهُ تَعالى يَحْسُنُ طَلَبُهُ فَإنَّ الدُّعاءَ في نَفْسِهِ عِبادَةٌ ويُوجِبُ لِلدّاعِي والمَدْعُوِّ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَتَقاعَدُ عَنْ حُصُولِ أصْلِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّ الوِقايَةَ عَنِ السَّيِّئاتِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى التَّكْفِيرِ وقَعَ الكَلامُ في أنَّ السَّيِّئاتِ المُكَفَّرَةَ ما هي ولا خَفاءَ أنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ عَلى تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ لِلسَّيِّئاتِ كُلِّها وأنَّ الصَّغائِرَ مُكَفَّراتٌ ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِها بِهِ كَما ذُكِرَ وإنْ كانَ مَعْناها أنْ يُعْفى عَنْها ولا يُؤاخَذَ بِها كَما هو قَوْلُ الواحِدِيِّ ومُخْتارُ الإمامِ ومَنِ ائْتَمَّ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنْظُرَ أنَّ الوِقايَةَ في أيِّ المَعْنَيَيْنِ أظْهَرُ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ وما يُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ عَلى نَحْوِ مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ.

وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ في شَأْنِ المُقَصِّرِينَ أظْهَرُ أوْ شَأْنِ المُكَفَّرِينَ، ومِن هَذا التَّقْرِيرِ قَدْ لاحَ أنَّ هَذا الوَجْهَ ظاهِرٌ هَذا السِّياقُ وأنَّهُ يُوافِقُ أصْلَ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ بِلا تَوْبَةٍ أوْ لا يَعْفُو فَلا يُنافِي جَوازُهُ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى إلى آخِرِ ما قالَ وهو كَلامٌ حَسَنٌ وإنْ كانَ في بَعْضِهِ كَحَدِيثِ التَّكْرارِ وكَوْنُ الصَّلاحِ في الآيَةِ ما هو مِن أخَصِّ أوْصافِ المُؤْمِنِ نَوْعَ مُناقَشَةٍ، وقَدْ يُرَجَّحُ كَوْنُ المُرادِ بِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا دُونَ التَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ فَقَطْ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِن ﴿ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ وقِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن نُفُوذِ الوَعِيدِ في طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ العاصِينَ وتَعْذِيبِهِمْ في النّارِ فَيَكُونُ الدُّعاءُ بِحِفْظِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ مُحَرَّمًا.

وقَدْ نَصُّوا عَلى حُرْمَةِ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ لِذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ لِلتّائِبِينَ الصّالِحِينَ، وحَمْلُ الإضافَةِ عَلى العَهْدِ بِأنْ يُرادَ بِعَذابِ الجَحِيمِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ لا يَخْفى حالُهُ والِاعْتِراضُ بِلُزُومِ الدُّعاءِ بِمَعْلُومِ الحُصُولِ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالتَّوْبَةِ ذَلِكَ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ بِها التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذِ المَعْنى عَلَيْهِ فاغْفِرْ لِلَّذِينِ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ ذُنُوبَهُمُ الَّتِي لَمْ يَتُوبُوا عَنْها وغُفْرانُ تِلْكَ الذُّنُوبِ غَيْرُ مَعْلُومِ الحُصُولِ قَدْ عُلِمَ جَوابُهُ مِمّا في الكَشْفِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ الغُفْرانِ لِلتّائِبِ مَعْلُومَ الحُصُولِ خِلافًا أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ.

نَعَمْ هَذا اللُّزُومُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ ما ورَدَ في الدُّعاءِ إثْرَ الأذانِ وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِي وعَدْتَهُ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ وهو أنَّ سَبْقَ الوَعْدِ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَ المَوْعُودِ بِلا تَوَسُّطِ دُعاءٍ.

وبِالجُمْلَةِ لا بَأْسَ بِحَمْلِ التَّوْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا ولا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ بِهِ القَوْلُ بِشَيْءٍ مِن أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ، <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى ٱلْإِيمَـٰنِ فَتَكْفُرُونَ ١٠

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ ﴿ يُنادَوْنَ ﴾ وهم في النّارِ وقَدْ مَقَتُوا أنْفُسَهم ( اَلْأمّارَة ) بِالسُّوءِ الَّتِي وقَعُوا فِيما وقَعُوا بِاتِّباعِ هَواها حَتّى أكَلُوا أنامِلَهم مِنَ المَقْتِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ يَقُولُ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ وقِيلَ: يَمْقُتُونَها حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم مِن أصْحابِ النّارِ، والمُنادى الخَزَنَةُ أوِ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ لَهم إعْظامًا لِحَسْرَتِهِمْ: ﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ وهَذا مَعْمُولٌ لِلنِّداءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ يُنادَوْنَ مَقُولًا لَهم لَمَقْتُ..

إلَخْ.

أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بِفاءِ التَّفْسِيرِ أيْ يُنادَوْنَ فَيُقالُ لَهم: لَمَقْتُ..

إلَخْ، وجَعْلُهُ مَعْمُولًا لِلنِّداءِ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، و( مَقْتُ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إضافَةَ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ، وكَذا إضافَةُ المَقْتِ الثّانِي إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.

وفِي الكَلامِ تَنازُعٌ أوْ حَذْفُ مَعْمُولِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ تَنازُعٍ أيْ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم أوْ أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم، واللّامُ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلْقَسَمِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ والخَلَفُ يُؤَوِّلُونَهُ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى بِأشَدِّ الإنْكارِ.

﴿ إذْ تُدْعَوْنَ ﴾ أيْ إذْ يَدْعُوكُمُ الأنْبِياءُ ونُوّابُهم ﴿ إلى الإيمانِ ﴾ فَتَأْبَوْنَ قَبُولَهُ ﴿ فَتَكْفُرُونَ ﴾ وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ أوْ لِلْمَحْكُومِ بِهِ - فَإذْ - مُتَعَلِّقَةٌ - بِأكْبَرَ - وكانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمَقْتُ اللَّهِ تَعالى أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم إيّاها لِأنَّكم دُعِيتُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلى الإيمانِ فَتَكَرَّرَ مِنكُمُ الكُفْرُ، وزَمانُ المَقْتَيْنِ واحِدٌ عَلى ما هو المُتَبادَرُ وهو زَمانُ مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمُ الَّذِي حَكَيْناهُ آنِفًا» .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَقْتِهِمْ أنْفُسَهم وإذْ مُتَعَلِّقَةٌ - بِمَقْتٍ - الثّانِي فَهم مَقَتُوا أنْفُسَهم لِأنَّهم دُعُوا مِرارًا إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، وزَمانُ المَقْتَيْنِ كَذَلِكَ، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ مَعَ تَكَرُّرِ دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَقْتِ اللَّهِ ( وإذْ ) مُتَعَلِّقَةً بِهِ، ويُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما عَلَيْهِ وما لَهُ، وظاهِرُ صَنِيعِ جَماعَةٍ مِنَ الأجِلَّةِ اخْتِيارُ كَوْنِ ( إذْ ) ظَرْفِيَّةً لا تَعْلِيلِيَّةً فَقِيلَ: هي ظَرْفٌ - لِمَقْتٍ - الأوَّلِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ تَعالى أنْفُسَكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ أشَدُّ مِن مَقْتِكم إيّاها اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ أوْ وأنْتُمْ مُتَحَقِّقُونَ أنَّكم مِن أصْحابِها فَزَمانُ المَقْتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وكَوْنُ زَمانِ الأوَّلِ الدُّنْيا وزَمانِ الثّانِي الآخِرَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ بِلُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما في صِلَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ، وفي أمالِي ابْنِ الحاجِبِ لا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأنَّ الظُّرُوفَ مُتَّسَعٌ فِيها، وقِيلَ: هي ظَرْفٌ لِمَصْدَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الأوَّلُ أوْ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما في البَحْرِ.

وفِي الكَشْفِ فِيهِ أنَّ المُقَدَّرَ لا بُدَّ لَهُ مِن جَزاءاتٍ إنِ اسْتَقَلَّ ويَتَّسِعُ الخَرْقُ وإنْ جُعِلَ بَدَلًا فَحَذْفُهُ وإعْمالُ المَصْدَرِ المَحْذُوفِ لا يَتَقاعَدُ عَنِ الفَصْلِ بِالخَبَرِ ولَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، وتَقْدِيرُ الفِعْلِ أيْ مَقْتُكُمُ اللَّهَ إذْ تُدْعَوْنَ أبْعَدُ وأبْعَدُ، وقِيلَ: هي ظَرْفٌ لِمَقْتٍ الثّانِي.

واعْتُرِضَ بِأنَّهم لَمْ يَمْقُتُوا أنْفُسَهم وقْتَ الدَّعْوَةِ بَلْ في القِيامَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ قَوْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأحْمَرُ وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ عَدْسٍ التَّمِيمِيِّ لِمُطَلَّقَتِهِ دَخَتْنُوسَ بِنْتِ لَقِيطٍ وقَدْ سَألَتْهُ لَبَنًا وكانَتْ مُقْفِرَةً مِنَ الزّادِ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَجازًا بِتَنْزِيلِ وُقُوعِ السَّبَبِ وهو كُفْرُهم وقْتَ الدَّعْوَةِ مَنزِلَةَ وُقُوعِ المُسَبَّبِ وهو مَقْتُهم لِأنْفُسِهِمْ حِينَ مُعايَنَتِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ عَلَيْهِ إذْ تَبَيَّنَ أنَّكم دُعِيتُمْ إلى الإيمانِ المُنَجِّي والحَقِّ الحَقِيقِ بِالقَبُولِ فَأبَيْتُمْ أوْ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِهِمْ جِنْسُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم كانُوا يَمْقُتُونَ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا إذْ يُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ وهو أبْعَدُ التَّأْوِيلاتِ وقالَ مَكِّيٌّ: ( إذْ ) مَعْمُولَةٌ لِاذْكُرُوا مُضْمَرًا والمُرادُ التَّحَيُّرُ والتَّنْدِيمُ واسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهم وأراهُ خِلافَ المُتَبادَرِ.

وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ فِيهِ تَنافُرًا بَيِّنًا وعَلَّلَهُ بِما لَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ فَتَأمَّلْ.

وتَفْسِيرُ ﴿ مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ بِمَقْتِ كُلِّ واحِدٍ نَفْسَهُ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ مَقْتُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَقِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكَفْرِ والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ لِما أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم فَحَمَلُوا أوْزارًا مِثْلَ أوْزارِهِمْ فَلا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍۢ مِّن سَبِيلٍۢ ١١

﴿ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ صِفَتانِ لِمَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ المَصْدَرَيْنِ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ وهُما إمّا مَصْدَرانِ لِلْفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْضًا بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أوْ مَصْدَرانِ لِفِعْلَيْنِ آخَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما المَذْكُورانِ فَإنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ يُنْبِئانِ عَنِ المَوْتِ والحَياةِ حَتْمًا فَكَأنَّهُ أمَتَّنا فَمُتْنا مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا فَحَيِينا حَياتَيْنِ اثْنَتَيْنِ عَلى طُرُزِ قَوْلِهِ: وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ أيْ لَمْ يَدْعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ..

إلَخْ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى خَلْقَهم أمْواتًا وبِالثّانِيَةِ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ وهم في الأرْحامِ وبِالثّانِيَةِ إحْياؤُهم بِإعادَةِ أرْواحِهِمْ إلى أبْدانِهِمْ لِلْبَعْثِ.

وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ آيَةِ [البَقَرَةَ: 28] ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ والإماتَةُ إنْ كانَتْ حَقِيقَةً في جَعْلِ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ سُبِقَ بِحَياةٍ أمْ لا فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في تَصْيِيرِ الحَياةِ مَعْدُومَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِهِمْ حَيْثُ قالُوا: إنَّ صِيغَةَ الأفْعالِ وصِيغَةَ التَّفْعِيلِ مَوْضُوعَتانِ لِلتَّصْيِيرِ أيِ النَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ فَفي إطْلاقِها عَلى ما عُدَّ إماتَةً أُولى خَفاءٌ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ سَبْقَ الحَياةِ ولا سَبْقَ فِيما ذُكِرَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ كَما قَرَّرُوهُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ ووُسْعِ أسْفَلِها قالُوا: إنَّ الصّانِعَ إذا اخْتارَ أحَدَ الجائِزَيْنِ وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ الجائِزَ عَنِ الآخَرِ فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ يَعْنِي أنَّهُ تَجُوزُ بِالأفْعالِ أوِ التَّفْعِيلِ الدّالِّ عَلى التَّصْيِيرِ وهو النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى عَنْ لازِمِهِ وهو الصَّرْفُ عَمّا في حَيِّزِ الإمْكانِ، ويَتْبَعُهُ جَعْلُ المُمْكِنِ الَّذِي تَجُوزُ إرادَتُهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، وكَذا جُعِلَ الأمْرُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ مَثَلًا بِإنْشائِهِ عَلى الحالِ الثّانِيَةِ بِمَنزِلَةِ أمْرِهِ بِنَقْلِهِ عَنْ غَيْرِها، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا مُسْتَتْبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، فالمُرادُ بِالإماتَةِ هُناكَ الصَّرْفُ لا النَّقْلُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الآيَةِ أوِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ بِناءً عَلى زَعْمِ أنَّ الصِّيغَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الصَّرْفِ والنَّقْلِ، ومَن أجازَ ما ذُكِرَ لَمْ يَحْتَجْ لِلْقَوْلِ بِذَلِكَ.

وفي الكَشْفِ آثَرَ جارُ اللَّهِ أنَّ إحْدى الإماتَتَيْنِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ وإطْلاقُها عَلَيْهِ مِن بابِ المَجازِ وهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ، وقَدْ ذُكِرَ وجْهُ التَّجَوُّزِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُبَتْنى عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ الإحْياءَ مَعْناهُ جَعْلُ الشَّيْءِ حَيًّا فالمادَّةُ التُّرابِيَّةُ أوِ النُّطْفِيَّةُ إذا أُفِيضَتْ عَلَيْها الحَياةُ صَدَقَ أنَّها صارَتْ ذاتَ حَياةٍ عَلى الحَقِيقَةِ إذْ لا يُحْتاجُ إلى سَبْقِ مَوْتٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ إلى سَبْقِ عَدَمِ الحَياةِ فَهُناكَ إحْياءٌ حَقِيقَةً، وأمّا الإماتَةُ فَإنْ جُعِلَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ التَّقابُلُ المَشْهُورِيُّ اسْتَدْعى المَسْبُوقِيَّةَ بِالحَياةِ فَلا تَصِحُّ الإماتَةُ قَبْلَها حَقِيقَةً، وإنْ جُعِلَ التَّقابُلُ الحَقِيقِيُّ صَحَّتْ، لَكِنَّ الظّاهِرَ في الِاسْتِعْمالِ بِحَسَبِ عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ أنَّهُ مَشْهُورِيٌّ.

انْتَهى.

وأرادَ بِالمَشْهُورِيِّ والحَقِيقِيِّ ما ذَكَرُوهُ في التَّقابُلِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ فَإنَّهم قالُوا: المُتَقابِلانِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ وهُما أمْرانِ يَكُونُ أحَدُهُما وُجُودِيًّا والآخَرُ عَدَمَ ذَلِكَ الوُجُودِيِّ في مَوْضُوعٍ قابِلٍ لَهُ إنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ بِحَسَبِ شَخْصِهِ في وقْتِ اتِّصافِهِ بِالأمْرِ العَدَمِيِّ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ كالكَوْسَجِيَّةِ فَإنَّها عَدَمُ اللِّحْيَةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَكُونَ مُلْتَحِيًا فَإنَّ الصَّبِيَّ لا يُقالُ لَهُ كَوْسَجٌ، وإنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ أعَمَّ مِن ذَلِكَ بِأنْ لا يُقَيَّدَ بِذَلِكَ الوَقْتِ كَعَدَمِ اللِّحْيَةِ عَنِ الطِّفْلِ أوْ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ بِحَسَبِ نَوْعِهِ كالعَمى لِلْأكْمَهِ أوْ جِنْسِهِ القَرِيبِ كالعَمى لِلْعَقْرَبِ أوِ البَعِيدِ كَعَدَمِ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ عَنِ الجَبَلِ فَإنَّ جِنْسَهُ البَعِيدَ أعْنِي الجِسْمَ الَّذِي هو فَوْقَ الجَمادِ قابِلٌ لِلْحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ لَكِنَّ في بِناءِ اقْتِضاءِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالحَياةِ وعَدَمِهِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً، وإنَّ ضُمَّ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ.

ثُمَّ وُجِّهَ تَسَبُّبُ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ والإحْياءِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ﴾ أنَّهم قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ فَكَفَرُوا وتَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُحْصى لِأنَّ مَن لَمْ يَخْشَ العاقِبَةَ تَخَرَّقَ في المَعاصِي فَلَمّا رَأوُا الإماتَةَ والإحْياءَ قَدْ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ قُدْرَتُهُ عَلى الإنْشاءِ فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها مِن إنْكارِ البَعْثِ وما تَبِعَهُ مِن مَعاصِيهِمْ.

وقالَ السُّدِّيُّ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى إماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم في القَبْرِ لِلسُّؤالِ وبِالإماتَةِ الثّانِيَةِ إماتَتُهم بَعْدَ هَذِهِ الإحْياءَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ وبِالإحْياءَةِ الثّانِيَةِ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ هَذا القائِلَ ثَلاثُ إحْياءاتٍ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ أحْيَيْتَنا ثَلاثًا فَإنِ ادَّعى عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِالإحْياءَةِ المَعْرُوفَةِ وهي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا لِسُرْعَةِ انْصِرامِها وانْقِطاعِ آثارِها وأحْكامِها لَزِمَهُ أنْ لا يُعْتَدَّ بِالإماتَةِ بَعْدَها.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الِانْتِصارِ لَهُ: إنَّ مُرادَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ اعْتِرافُهم بِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا ويُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ حِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كالجَوابِ عَنِ النِّداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ ﴾ كَأنَّهم أجابُوا أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعَوْنا وكُنّا نَعْتَقِدُ أنْ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ فالآنَ نَعْتَرِفُ بِالمَوْتَيْنِ والحَياتَيْنِ لِما قاسَيْنا مِن شَدائِدِهِما وأحْوالِهِما فالذَّنْبُ المُعْتَرَفُ بِهِ تَكْذِيبُ البَعْثِ، ولِهَذا جُعِلَ مُرَتَّبًا عَلى القَوْلِ وإنَّما ذَكَرُوا الإماتَتَيْنِ لِيَذْكُرُوا الإحْياءَيْنِ إذْ كِلْتا الحَياتَيْنِ كانَتا مُنْكَرَتَيْنِ عِنْدَهم دُونَ الحَياةِ المَعْرُوفَةِ ومَقامُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَقامِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ فَإنَّ هَذِهِ كَما سَمِعْتَ لِبَيانِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ مِنهم في الآخِرَةِ بِما أنْكَرُوهُ في الدُّنْيا وتِلْكَ لِبَيانِ الِامْتِنانِ الَّذِي يَسْتَدْعِي شُكْرَ المُنْعِمِ أوْ لِبَيانِ الدَّلائِلِ لِتَصْرِفَهم عَنِ الكُفْرِ.

ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّ أمْرَ إطْلاقِ الإماتَةِ عَلى كِلْتا الإماتَتَيْنِ ظاهِرٌ.

وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ في اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى خُرُوجِ الإحْياءِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ الإطْلاقَ عَلَيْهِ أظْهَرُ والمُقابَلَةُ تُنادِي عَلى دُخُولِهِ.

ويَكْفِي في الِاعْتِرافِ إثْباتُ إحْياءٍ واحِدٍ مِنهُما غَيْرَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّما قالُوا: ( أحْيَيْتِنا اِثْنَتَيْنِ ) لِأنَّهُما نَوْعانِ إحْياءُ البَعْثِ وإحْياءٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ إحْياءُ البَعْثِ قِسْمانِ إحْياءٌ في القَبْرِ وإحْياءٌ عِنْدَ القِيامِ ولَمْ يَذْكُرْ تَقْسِيمَهُ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِقِسْمَيْهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذِكْرَ الإماتَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي في القَبْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّقْسِيمَ مَلْحُوظٌ، والمُرادُ التَّعَدُّدُ الشَّخْصِيُّ لا النَّوْعِيُّ نَعَمْ هَذا يَصْلُحُ تَأْيِيدًا لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ مِن أنَّ الإحْياءاتِ وإنْ كانَتْ ثَلاثًا إنَّما سَكَتَ عَنِ الثّانِيَةِ لِأنَّها داخِلَةٌ في إحْياءَةِ البَعْثِ قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وعَلى هَذا فالإماتَةُ عَلى مُخْتارِ جارِ اللَّهِ إماتَةٌ قَبْلَ الحَياةِ وإماتَةٌ بَعْدَها وطُوِيَتْ إماتَةُ القَبْرِ كَما طُوِيَتْ إحْياءَتُهُ ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ الإماتَةَ نَوْعٌ واحِدٌ بِخِلافِ الإحْياءِ فَرُوعِيَ التَّعَدُّدُ فِيها شَخْصًا بِخِلافِهِ، وذَكَرَ الإماتَةَ الثّانِيَةَ لِأنَّها مُنْكَرَةٌ عِنْدَهم كالحَياتَيْنِ، ويَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّعَدُّدَ في الإحْياءِ شَخْصِيٌّ والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ وجْهٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( اِثْنَتَيْنِ ) ظاهِرٌ في المَرَّةِ فَلِذا آثَرَ مَن آثَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ وإنْ كانَتِ الإماتَةُ فِيهِ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ فَتَأمَّلْ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ وذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ فَإحْدى المَوْتَتَيْنِ مَشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، وأطالَ الكَلامَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ والِانْتِصارِ لَهُ، والمُنْصِفُ يَرى أنَّ عَذابَ القَبْرِ ثابِتٌ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ هَذِهِ الآيَةِ لِقِيامِ الوَجْهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ سَمِعْتَ أوَّلًا فِيها، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ الوَجْهُ لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اخْتِيارَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ لِدَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في الآيَةِ أُرِيدَ إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم ثُمَّ إحْياؤُهم وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإحْياءاتِ ثَلاثٌ، وقَدْ أطْلَقَ فِيهِ الإحْياءَ الثّالِثَ والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ عَنى بِهِ إحْياءَ البَعْثِ، وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ في كَلامِهِمْ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ  ﴾ مُرادٌ بِها التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ فَكَأنَّهم قالُوا: أمَتَّنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأحْيَيْتَنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلِمْنا عَظِيمَ قُدْرَتِكَ وأنَّهُ لا يَتَعاصاها الإعادَةُ كَما لا يَتَعاصاها غَيْرُها فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الَّتِي اقْتَرَفْناها مِن إنْكارِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ فَلا عَلَيْكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَوْتَ في صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ الإحْياءَ لِأخْذِ العَهْدِ ثُمَّ الإماتَةَ ثُمَّ الإحْياءَ بِنَفْخِ الرُّوحِ في الأرْحامِ ثُمَّ الإماتَةَ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ في الدُّنْيا ثُمَّ الإحْياءَ في القَبْرِ لِلسُّؤالِ أوْ لِغَيْرِهِ ثُمَّ الإماتَةَ فِيهِ ثُمَّ الإحْياءَ لِلْبَعْثِ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المَقُولُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ مَثَلًا دُونَ ما في المُنَزَّلِ، فَإنَّ ( اِثْنَتَيْنِ ) فِيهِ وصْفٌ لِإماتَتَيْنِ ولِإحْياءَتَيْنِ وهو دافِعٌ لِاحْتِمالِ إرادَةِ التَّكْثِيرِ كَما قِيلَ في ﴿ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ  ﴾ وبِناءُ الأمْرِ عَلى أنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِن غَرائِبِ ما قِيلَ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الكافِرَ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ فَهُناكَ إماتَةٌ وإحْياءٌ لِلْقَلْبِ والجَسَدِ في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ الآجالِ ثُمَّ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، ومِثْلُ هَذا يُحْكى لِيُطَّلَعَ عَلى حالِهِ ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ ﴾ أيْ إلى نَوْعِ خُرُوجٍ مِنَ النّارِ أيْ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ أوْ مِن مَكانٍ مِنها إلى آخَرَ أوْ إلى الدُّنْيا أوْ غَيْرِها ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَنَسْلُكُهُ ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ اليَأْسِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ الِاسْتِفْهامَ وإنَّما قالُوهُ مِن فَرْطِ قُنُوطِهِمْ تَعَلُّلًا أوْ تَحَيُّرًا ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِذِكْرِ ما أوْقَعَهم في الهَلاكِ وهو <div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِىَ ٱللَّهُ وَحْدَهُۥ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِۦ تُؤْمِنُوا۟ ۚ فَٱلْحُكْمُ لِلَّهِ ٱلْعَلِىِّ ٱلْكَبِيرِ ١٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ ..

إلَخْ.

مِن غَيْرِ جَوابٍ عَنِ الخُرُوجِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا وإنْ كانَ الِاسْتِفْهامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ طَلَبُ الخُرُوجِ نَظِيرَ ﴿ فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا  ﴾ ونَحْوَهُ لَقِيلَ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها  ﴾ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذا قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا طَلَبُوا الرَّجْعَةَ لِيَعْمَلُوا بِمُوجَبِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ لَكِنْ مَعَ اسْتِبْعادٍ لَها واسْتِشْعارِ يَأْسٍ مِنها والجَوابُ إقْناطٌ لَهم بِبَيانِ أنَّهم كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ فَجُوزُوا بِاسْتِمْرارِ العِقابِ والخُلُودِ في النّارِ كَما يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ تَعالى وذَلِكَ جَوابٌ بِنَفْيِ السَّبِيلِ إلى الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، ولا أرى في هَذا الوَجْهِ بَأْسًا ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ المُتَبادَرُ، والمَعْنى ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ ﴿ بِأنَّهُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ ﴿ إذا دُعِيَ اللَّهُ ﴾ أيْ عُبِدَ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا ﴿ وحْدَهُ ﴾ أيْ مُتَّحِدًا مُنْفَرِدًا فَهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ مُنَكَّرٌ أوْ يُوَحَّدُ وحْدَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى حَدِّ ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ والجُمْلَةُ بِتَمامِها حالٌ أيْضًا حُذِفَتْ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَها، وفِيهِ كَلامٌ آخَرُ مُفَصَّلٌ في الوَفْدَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ.

﴿ كَفَرْتُمْ ﴾ بِتَوْحِيدِهِ تَعالى أيْ جَحَدْتُمْ وأنْكَرْتُمْ ذَلِكَ ﴿ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾ بِالإشْراكِ أيْ تُذْعِنُوا وتُقِرُّوا بِهِ، وفي إيرادِ ( إذا ) وصِيغَةُ الماضِي في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى ( وإنْ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ في الثّانِيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ ﴿ فالحُكْمُ لِلَّهِ ﴾ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ العَلِيِّ الكَبِيرِ ﴾ المُتَّصِفُ بِغايَةِ العُلُومِ نِهايَةَ الكِبْرِياءِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولِذا اشْتَدَّتْ سَطْوَتُهُ بِمَن أشْرَكَ بِهِ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خُلُودَهُ في النّارِ فَلا سَبِيلَ لِخُرُوجِكم مِنها أبَدًا إذْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ.

واسْتِدْلالُ الحَرُورِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ في غايَةِ السُّقُوطِ، ويَكْفِي في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها  ﴾ الآيَةَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ﴾ الدّالَّةُ عَلى شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَإذا دُعِيَ سُبْحانَهُ وحْدَهُ تُؤْمِنُوا وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تَكْفُرُوا، وهَذِهِ الآياتُ ما يُشاهَدُ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ ﴿ ويُنَزِّلُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا ﴾ أيْ سَبَبَ رِزْقٍ وهو المَطَرُ، وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الآياتِ لِتَفَرُّدِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وجَلائِلِ نِعْمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإراءَةِ والتَّنْزِيلِ واسْتِمْرارِهِما، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ وما يَتَذَكَّرُ ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي كالمَرْكُوزَةِ في العُقُولِ لِظُهُورِها المَغْفُولِ عَنْها لِلِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى ﴿ إلا مَن يُنِيبُ ﴾ يَرْجِعُ عَنِ الإنْكارِ بِالإقْبالِ عَلَيْها والتَّفَكُّرِ فِيها، فَإنَّ الجازِمَ بِشَيْءٍ لا يَنْظُرُ فِيما يُنافِيهِ فَمَن لا يُنِيبُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّذَكُّرِ <div class="verse-tafsir"

فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ١٤

﴿ فادْعُوا اللَّهَ ﴾ اعْبُدُوهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ إخْلاصَكم وشَقَّ عَلَيْهِمْ.

وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ ( ادْعُوا ) ..

إلَخْ.

مُسَبَّبٌ عَنِ الإنابَةِ وأنَّ فِيهِ التِفاتًا حَيْثُ قالَ: ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ والأصْلُ فَلْيَدْعُ ذَلِكَ المُنِيبُ، عَلى مَعْنى إنْ صَحَّتِ الإنابَةُ عَلى نَحْوِ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، وقَدْ وافَقَ عَلى كَوْنِهِ خِطابًا لِمَن ذُكِرَ غَيْرُ واحِدٍ.

وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما يَتَذَكَّرُ ﴾ ..

إلَخْ.

اعْتِراضٌ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فادْعُوا اللَّهَ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ ﴾ عَلى أنَّهُ خِطابٌ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لَسَبْقِ ذِكْرِهِما لا لِلْكُفّارِ وحْدَهم عَلى نَحْوِ ﴿ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ إذْ لَيْسَ مِمّا نُودُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى فادْعُوهُ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَتَمَكَّنَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ ولِيُشْعِرَ بِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى هو المَعْبُودَ بِحَقٍّ هو الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.

وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ ودَلالَتَها عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُنِيبُ لا المُعانِدِ.

وقَوْلُهُ في الكَشّافِ: ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ إشارَةَ أنَّ فائِدَةَ تَقْدِيمِ الِاعْتِراضِ أنَّ الِانْتِفاعَ بِالآياتِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ الإنابَةِ مَعْنى لِما كانَ تَسَبُّبُ السّابِقِ لِلّاحِقِ الإنابَةَ، فَهَذا هو الوَجْهُ ولا يَأْباهُ تَفْسِيرُ ﴿ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ﴾ بِقَوْلِهِ: وإنْ غاظَ ذَلِكَ أعْداءَكم فَإنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ امْتِثالَ ذَلِكَ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ إنابَتِهِمْ وكَأنَّ قَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وحَصَلَ التَّضادُّ بَيْنَهم وبَيْنَ الكافِرِينَ، وهو تَحْقِيقٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لَكِنْ في تَوْجِيهِ كَلامِ الكَشّافِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ <div class="verse-tafsir"

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَـٰتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥

﴿ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ﴾ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أُضِيفَتْ إلى فاعِلِها مِن رَفُعَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ إذا عَلا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ مِن بابِ أسْماءِ الفاعِلِينَ وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ وفِيهِ بُعْدٌ، ( والدَّرَجاتُ ) مَصاعِدُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى أنْ يَبْلُغُوا العَرْشَ أيْ رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ ومَعارِجِهِمْ إلى عَرْشِهِ.

وفَسَّرَها ابْنُ جُبَيْرٍ بِالسَّماواتِ ولا بَأْسَ بِذَلِكَ فَإنَّ المَلائِكَةَ يَعْرُجُونَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَبْلُغُوا العَرْشَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ «رَفِيعًا» اسْمَ فاعِلٍ مُضافًا إلى المَفْعُولِ فَقالَ: أيْ رَفْعُ سَماءٍ فَوْقَ سَماءِ والعَرْشُ فَوْقَهُنَّ، وقَدْ سَمِعْتَ آنِفًا أنَّ فِيهِ بُعْدًا، ووَصْفُهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ عَلى عِزَّتِهِ سُبْحانَهُ ومَلَكُوتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ رِفْعَةِ شَأْنِهِ وسُلْطانِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وسُلْطانُهُ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذُو العَرْشِ ﴾ كِنايَةً عَنْ مُلْكِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ إلى أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ عَرْشًا أوْ لا، فالكِنايَةُ وإنْ لَمْ تُنافِ إرادَةَ الحَقِيقَةِ لَكِنْ لا تَقْتَضِي وُجُوبَ إرادَتِها فَقَدْ وقَدْ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أيْ عَظِيمُ الصِّفاتِ وكَأنَّهُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى الكِنائِيِّ، وقِيلَ: هي دَرَجاتُ ثَوابِهِ الَّتِي يُنْزِلُها أوْلِياءَهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ سَلامٍ، وهَذا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾ والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ ﴾ لِتَضَمُّنِهِ ذِكْرَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهُمُ المُنَزَّلُونَ بِالرُّوحِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ  ﴾ وأيًّا ما كانَ - فَرَفِيعُ الدَّرَجاتِ - ( وذُو اَلْعَرْشِ ) وجُمْلَةُ ( يُلْقِي ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ قِيلَ: - لِهو - السّابِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ ﴾ ..

إلَخْ.

واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ بِطُولِ الفَصْلِ، وقِيلَ: لِهو مَحْذُوفًا، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ تَعالى، وهي مُتَضَمِّنَةٌ بَيانَ إنْزالِ الرِّزْقِ الرُّوحانِيِّ بَعْدَ بَيانِ إنْزالِ الرِّزْقِ الجُسْمانِيِّ في ( يُنَزِّلُ لَكم مِنَ اَلسَّماءِ رِزْقًا ) فَإنَّ المُرادَ بِالرُّوحِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ الوَحْيُ وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القُرْآنُ وذَلِكَ جارٍ مِنَ القُلُوبِ مَجْرى الرُّوحِ مِنَ الأجْسادِ، وفَسَّرَهُ الضَّحّاكُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ حَياةُ القُلُوبِ بِاعْتِبارِ ما يَنْزِلُ بِهِ مِنَ العِلْمِ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ ما يُنْعِمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِ الإيمانِ والمَعْقُولاتِ الشَّرِيفَةِ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أمْرِهِ ﴾ قِيلَ: بَيانٌ لِلرُّوحِ، وفُسِّرَ بِما يَتَناوَلُ الأمْرَ والنَّهْيَ، وأُوثِرَ عَلى لَفْظِ الوَحْيِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اخْتِصاصَ حَياةِ القُلُوبِ بِالوَحْيِ مِن جِهَتَيِ التَّخَلِّي والتَّحَلِّي الحاصِلَيْنِ بِالِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الأمْرِ بِالقَضاءِ فَجُعِلَتْ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( اَلرُّوحَ ) أيْ ناشِئًا مِن أمْرِهِ أوْ صِفَةً لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ أيِ الكائِنُ مِن أمْرِهِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمَلَكِ وجَعَلَ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أوْ صِفَةً عَلى ما ذُكِرَ آنِفًا، وكَوْنُ المَلَكِ مَبْدَأً لِلْوَحْيِ لِتَلَقِّيهِ عَنْهُ، ومَن فَسَّرَ الرُّوحَ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ( مِن ) سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ - بِيُلْقِي - والمَعْنى يُنَزِّلُ الرُّوحَ مِن أجْلِ تَبْلِيغِ أمْرِهِ ﴿ عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ وهو الَّذِي اصْطَفاهُ سُبْحانَهُ لِرِسالَتِهِ وتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْهِمْ، والِاسْتِمْرارُ التَّجَدُّدِيُّ المَفْهُومُ مِن ( يُلْقِي ) ظاهِرٌ فَإنَّ الإلْقاءَ لَمْ يَزَلْ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى انْتِهاءِ زَمانِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو في حُكْمِ المُتَّصِلِ إلى قِيامِ السّاعَةِ بِإقامَةِ مَن يَقُومُ بِالدَّعْوَةِ عَلى ما رَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِن يُجَدِّدُ لَها دِينَها»» أيْ بِإحْياءِ ما انْدَرَسَ مِنَ العَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والأمْرِ بِمُقْتَضاهُما، وأمْرُ ذَلِكَ التَّجَدُّدِ عَلى ما جَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ.

وقُرِئَ «رَفِيعَ» بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ ( لِيُنْذِرَ ) عِلَّةً لِلْإلْقاءِ، وضَمِيرُهُ المُسْتَتِرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِمَن وهو المُلْقى إلَيْهِ أوْ لِلرُّوحِ أوْ لِلْأمْرِ، وعَوْدُهُ عَلى المُلْقى إلَيْهِ وهو الرَّسُولُ أقْرَبُ لَفْظًا ومَعْنًى لِقُرْبِ المَرْجِعِ وقُوَّةِ الإسْنادِ فَإنَّهُ الَّذِي يُنْذِرُ النّاسَ حَقِيقَةً بِلا واسِطَةٍ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ رُجُوعَهُ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ مَفْعُولٌ - لِيُنْذِرَ - أوْ ظَرْفٌ والمُنْذَرُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيْ لِيُنْذِرَ العَذابَ أوْ نَحْوَهُ يَوْمَ التَّلاقِ، <div class="verse-tafsir"

يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ١٦

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ و( هم ) مُبْتَدَأٌ و ﴿ بارِزُونَ ﴾ خَبَرٌ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِإضافَةِ ( يَوْمَ ) إلَيْها، قِيلَ: وهَذا تَخْرِيجٌ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ مِن جَوازِ إضافَةِ الظَّرْفِ المُسْتَقْبَلِ كَإذا إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَحْوَ أجِيئُكَ إذا زِيدٌ ذاهِبٌ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ ذَلِكَ ويُوجِبُ تَقْدِيرَ فِعْلٍ بَعْدَ الظَّرْفِ يَكُونُ الِاسْمُ مُرْتَفِعًا بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ﴾ والظّاهِرُ البَدَلِيَّةُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بُرُوزِهِمْ وتَقْرِيرٌ لَهُ وإزاحَةٌ لِما كانَ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ المُتَوَهِّمِينَ في الدُّنْيا مِنَ الِاسْتِتارِ تَوَهُّمًا باطِلًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا - لَهم.

.

وقِيلَ: هي حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ بارِزُونَ ﴾ و ﴿ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِالتِقاءِ الخَلائِقِ فِيهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: لِالتِقاءِ الخالِقِ والمَخْلُوقِ فِيهِ.

وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: لِالتِقاءِ أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ: لِالتِقاءِ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ ذَلِكَ لِالتِقاءِ كُلِّ امْرِئٍ وعَمَلَهُ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ ما قالَ مُقاتِلٌ وقالَ: هو أوْلى الوُجُوهِ لِما فِيهِ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى ما ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ نَحْوَ ﴿ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ ﴾ .

﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ ﴿ وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ .

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: القَوْلُ الأوَّلُ وهو ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوَّلًا أشْبَهُ لِجَرَيانِ الكَلامِ فِيهِ عَلى الحَقِيقَةِ ونَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ المُساواةِ بَيْنَ الخالِقِ والمَخْلُوقِ واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ البَدَلَيْنِ بِفائِدَةٍ في التَّهْوِيلِ لِما في الأوَّلِ مِن تَصْوِيرِ تَلاقِي الخَلائِقِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها، وفي الثّانِي مِنَ البُرُوزِ لِمالِكِ أمْرِها بُرُوزًا لا يَبْقى لِأحَدٍ فِيهِ شُبْهَةٌ.

وأمّا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِقاءَ رَبِّهِ  ﴾ فَمَسُوقٌ بِمَعْنًى آخَرَ، ( وبارِزُونَ ) مِن بَرَزَ وأصْلُهُ حَصَلَ في بِرازٍ أيْ فَضاءٍ، والمُرادُ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ لِأنَّ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ قاعٌ صَفْصَفٌ ولَيْسَ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ كَما جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «إنَّكم مُلاقُو اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا»» وقِيلَ: المُرادُ خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ أوْ ظاهِرَةٌ أعْمالُهم وسَرائِرُهم، وقِيلَ: ظاهِرَةٌ نُفُوسُهم لا تُحْجَبُ بِغَواشِي الأبْدانِ مَعَ تَعَلُّقِها بِها، ولا يُقْبَلُ هَذا بِدُونِ ثَبْتٍ مِنَ المَعْصُومِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( مِنهم ) عَلى ما قِيلَ: مِن أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ.

وقِيلَ: مِن أعْيانِهِمْ، واخْتِيرَ التَّعْمِيمُ أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ شَيْءٌ ما مِن أعْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ «لِيُنْذِرَ يَوْمُ» بِبِناءِ يُنْذِرَ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ يَوْمٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَجازًا.

وقَرَأ اليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ «لِيُنْذَرَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «يَوْمُ» بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ.

وقَرَأ الحَسَنُ واليَمانِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ خالَوَيْهِ «لِتُنْذِرَ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ فَقِيلَ: الفاعِلُ فِيهِ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ الرُّوحِ لِأنَّها تُؤَنَّثُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ حِكايَةً لِما يُسْألُ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولِما يُجابُ بِهِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ المُسْتَأْنَفَةِ أوْ مُسْتَأْنَفٌ يَقَعُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ بُرُوزِهِمْ وظُهُورِ أحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَكُونُ حِينَئِذٍ ؟

فَقِيلَ: يُقالُ: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ ﴾ ..

إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ أيْ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ أيْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا ﴿ ظُلْمَ اليَوْمَ ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ أيْ سَرِيعٌ حِسابُهُ إذْ لا يَشْغَلُهُ سُبْحانَهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيَصِلُ إلى المُحاسَبِ مِنَ النُّفُوسِ ما يَسْتَحِقُّهُ سَرِيعًا.

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَعالى إذا أخَذَ في حِسابِهِمْ لَمْ يُقِلْ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا فِيها ولا أهْلُ النّارِ إلّا فِيها مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ إجْمالِ فِيهِ، والتَّذْيِيلُ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ.

والمُنادِي بِذَلِكَ سُؤالًا وجَوابًا واحِدٌ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَعِيدٍ واحِدٍ بِأرْضٍ بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى فِيها قَطُّ ولَمْ يُخْطَأْ فِيها فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَأوَّلُ ما يُبْدَؤُونَ بِهِ مِنَ الخُصُوماتِ الدِّماءُ»» الحَدِيثَ، وهو عِنْدَ الحَسَنِ اللَّهُ نَفْسُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: مَلَكٌ، وقِيلَ: السّائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ مَلَكٌ والمُجِيبُ النّاسُ.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ تَقْرِيرًا لِعِبارَةِ الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ تُجْزى ﴾ ..

إلَخْ.

تَعْلِيلٌ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ السّائِلُ والمُجِيبُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا سَألَ ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ﴾ وأجابَ هو سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ كانَ المَقامُ مَوْقِعَ السُّؤالِ وطَلَبَ التَّعْلِيلِ <div class="verse-tafsir"

ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ١٧

﴿ اليَوْمَ تُجْزى ﴾ جَوابًا عَنْهُ يَعْنِي إنَّما اخْتَصَّ المُلْكُ بِهِ تَعالى لِأنَّهُ وحْدَهُ يَقْدِرُ عَلى مُجازاةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ولَهُ العَدْلُ التّامُّ فَلا يَظْلِمُ أحَدًا ولَهُ التَّصَرُّفُ فَلا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُسْرِعُ الحِسابَ، ولَوْ أوْقَعَ ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ جَوابًا عَنْ أهْلِ المَحْشَرِ لَمْ يَحْسُنْ هَذا الِاسْتِئْنافُ.

انْتَهى.

وفِيهِ ما فِيهِ.

والحَقُّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ..

إلَخْ.

إنْ كانَ مِن كَلامِ المُجِيبِ كَما هو ظاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعُدَ أنْ يَكُونَ مِنَ النّاسِ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ لا يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ بَلْ هو حِكايَةٌ لِما سَيَقُولُهُ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ عَقِيبَ السُّؤالِ والجَوابِ.

وأيًّا ما كانَ فَتَخْصِيصُ المُلْكِ بِهِ تَعالى في ذَلِكَ اليَوْمِ إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى ظاهِرِ الحالِ مِن زَوالِ الأسْبابِ وارْتِفاعِ الوَسائِطِ وظُهُورِ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ.

وأمّا حَقِيقَةُ الحالِ فَناطِقَةٌ بِذَلِكَ دائِمًا.

وذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ إلى أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ مِنهُ تَعالى ويَكُونانِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ حِينَ يُفْنِي عَزَّ وجَلَّ الخَلائِقَ.

ورُوِيَ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «يُنادِي مُنادٍ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ يا أيُّها النّاسُ أتَتْكُمُ السّاعَةُ فَيَسْمَعُها الأحْياءُ والأمْواتُ ويَنْزِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ» والسِّياقُ ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَعَلَّهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الحَدِيثِ يَكُونُ مَرَّتَيْنِ.

ومَعْنى جَزاءِ النُّفُوسِ بِما كَسَبَتْ أنَّها تُجْزى خَيْرًا إنْ كَسَبَتْ خَيْرًا وشَرًّا إنْ كَسَبَتْ شَرًّا.

وقِيلَ: إنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ بِالعَقائِدِ والأعْمالِ هَيْئاتٍ تُوجِبُ لَذَّتَها وألَمَها لَكِنَّها لا تَشْعُرُ بِها في الدُّنْيا فَإذا قامَتْ قِيامَتُها وزالَتِ العَوائِقُ أدْرَكَتْ ألَمَها ولَذَّتَها.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِاللَّذَّةِ والألَمِ الرُّوحانِيَّيْنِ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ حُصُولَهُما يَوْمَئِذٍ لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ الجَزاءَ لا يَنْحَصِرُ بِهِما بَلْ يَكُونُ أيْضًا بِلَذَّةٍ وألَمٍ جُسْمانِيَّيْنِ.

فالِاقْتِصارُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ قُصُورٌ.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ ١٨

﴿ وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، ومَعْنى ( اَلْآزِفَةِ ) القَرِيبَةِ يُقالُ: أزِفَ الشُّخُوصُ إذا قَرُبَ وضاقَ وقْتُهُ، فَهي في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ ثُمَّ نُقِلَتْ مِنهُ وجُعِلَتِ اسْمًا لِلْقِيامَةِ لِقُرْبِها بِالإضافَةِ لِما مَضى مِن مُدَّةِ الدُّنْيا أوْ لِما بَقِيَ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى الأصْلِ فَتَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ أيِ السّاعَةُ الآزِفَةُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَوْصُوفَةَ الخُطَّةَ بِضَمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ المُهْمَلَةِ وهي القِصَّةُ والأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُخَطَّ ويُكْتُبَ لِغَرابَتِهِ، ويُرادُ بِذَلِكَ ما يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأُمُورِ الصَّعْبَةِ وقُرْبُها لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿ يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ.

ورَجَّحَ بِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ التَّكْرارِ وأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ ووَصْفُ القُرْبِ مِنهُ أظْهَرُ ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ اَلْآزِفَةِ والحَناجِرِ ) جَمْعُ حَنْجَرَةٍ أوْ حُنْجُورٍ كَحُلْقُومٍ لَفْظًا ومَعْنى وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: رَأسُ الغَلْصَمَةِ مِن خارِجٍ وهي لُحْمَةٌ بَيْنَ الرَّأْسِ والعُنُقِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ فَرْطِ التَّألُّمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ وتَبْلُغُ قُلُوبُ الكُفّارِ حَناجِرَهم يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَمُوتُونَ كَما لَوْ كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا.

﴿ كاظِمِينَ ﴾ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى فَإنَّ ذِكْرَ القُلُوبِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ أصْحابِها فَهو مِن بابِ ﴿ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا  ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ عَلَيْها، وهو مِن كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها وسَدَّ فاها، فالمَعْنى مُمْسِكِينَ أنْفُسَهم عَلى قُلُوبِهِمْ لِئَلّا تَخْرُجَ مَعَ النَّفْسِ فَإنَّ كاظِمَ القِرْبَةِ كاظِمٌ عَلى الماءِ مُمْسَكُها عَلَيْهِ لِئَلّا يَخْرُجَ امْتِلاءً.

وفِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ( اَلْقُلُوبُ ) المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ أعْنِي ﴿ لَدى الحَناجِرِ ﴾ وعَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ كَوْنُهُ حالًا مِن ( اَلْقُلُوبُ ) نَفْسِها.

وجَمَعَ جَمْعَ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم لِوَصْفِها بِصِفَتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ  ﴾ والمَعْنى حالَ كَوْنِ القُلُوبِ كاظِمَةً عَلى الغَمِّ والكَرْبِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ لَدى الحَناجِرِ ﴾ ظَرْفَ ﴿ كاظِمِينَ ﴾ لِفَسادِ المَعْنى والحاجَةِ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مَعَ الغِنى عَنْهُ، وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ كاظِمُونَ لِلْأوَّلِ فَقَطْ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿ لَدى الحَناجِرِ ﴾ خَبَرًا وكاظِمُونَ خَبَرًا آخَرَ وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُ الحالِ مِنَ القُلُوبِ، وقَدَّرَ الكَواشِيُّ هم كاظِمُونَ لِيُوافِقَ وجْهَ الحالِيَّةِ مِنَ الأصْحابِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن مَفْعُولِ ( أنْذِرْهم ) أيْ أنْذِرْهم مُقَدِّرًا كَظْمَهم أوْ مُشارِفِينَ الكَظْمَ.

﴿ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ﴾ أيْ قَرِيبٍ مُشْفِقٍ مَنِ احْتَمَّ فُلانٌ لِفُلانٍ احْتَدَّ فَكَأنَّهُ الَّذِي يَحْتَدُّ حِمايَةً لِذَوِيهِ ويُقالُ لِخاصَّةِ الرَّجُلِ حامَّتُهُ ومِن هُنا فُسِّرَ الحَمِيمُ بِالصَّدِيقِ ﴿ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ أيْ ولا شَفِيعٌ يَشْفَعُ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ رَفْعٍ صِفَةٌ ( شَفِيعٍ ) والمُرادُ نَفْيُ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لا الصِّفَةُ فَقَطْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ثَمَّ شَفِيعًا لَكِنْ لا يُطاعُ فالكَلامُ مِن بابِ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى نَفْعِ الشَّفِيعِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ ما ضَمَّ لِيُقامَ انْتِفاءُ المَوْصُوفِ مَقامَ الشّاهِدِ عَلى انْتِفاءِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّمُّ إزالَةً لِتَوَهُّمِ وُجُودِ المَوْصُوفِ حَيْثُ جَعَلَ انْتِفاؤُهُ أمْرًا مُسَلَّمًا مَشْهُورًا لا نِزاعَ فِيهِ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوْضَحَ مِنَ المَدْلُولِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عاتَبَكَ عَلى القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ ما لِي فَرَسٌ أرْكَبُهُ وما مَعِي سِلاحٌ أُحارِبُ بِهِ فَلْيُفَهْمْ، والضَّمائِرُ المَذْكُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْذِرْهُمْ ﴾ إلى هُنا إنْ كانَتْ لِلْكُفّارِ كَما هو الظّاهِرُ فَوَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وإنْ كانَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ فَلَيْسَ هَذا مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وإنَّما هو بَيانُ حُكْمٍ لِلظّالِمِينَ بِخُصُوصِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ وهُمُ الكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ ١٩

﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ أيِ النَّظْرَةَ الخائِنَةَ كالنَّظْرَةِ إلى غَيْرِ المَحْرَمِ واسْتِراقِ النَّظَرِ إلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ - فَخائِنَةُ - صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وجَعْلُ النَّظْرَةِ خائِنَةً إسْنادٌ مَجازِيٌّ أوِ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِجَعْلِ النَّظَرِ بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ يُسْرَقُ مِنَ المَنظُورِ إلَيْهِ ولِذا عَبَّرَ فِيهِ بِالِاسْتِراقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خائِنَةٌ مَصْدَرًا كالكاذِبَةِ والعاقِبَةِ والعافِيَةِ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ خِيانَةَ الأعْيُنِ، وقِيلَ: هو وصْفٌ مُضافٌ إلى مَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ: وإنْ سَقَيْتِ كِرامَ النّاسِ فاسِقِينا أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ الأعْيُنَ الخائِنَةَ ولا يَحْسُنُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ أيْ والَّذِي تُخْفِيهِ الصُّدُورُ مِنَ الضَّمائِرِ أوْ إخْفاءُ الصُّدُورِ لِما تُخْفِيهِ مِن ذَلِكَ لِأنَّ المُلاءَمَةَ واجِبَةُ الرِّعايَةِ في عِلْمِ البَيانِ ومُلائِمُ الأعْيُنِ الخائِنَةِ الصُّدُورُ المُخْفِيَةُ، وما قِيلَ في عَدَمِ حُسْنِ ذَلِكَ مِن أنَّ مَقامَ المُبالَغَةِ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ اسْتِراقُ العَيْنِ ضُمَّ إلَيْهِ هَذِهِ القَرِينَةُ أوَّلًا فَغَيْرُ قادِحٍ في التَّعْلِيلِ المَذْكُورِ إذْ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ عَلى مَطْلُوبٍ دَلائِلُ ثُمَّ لَوْلا القَرِينَةُ لَجازَ أنْ تَجْعَلَ الأعْيُنَ تَمْهِيدًا لِلْوَصْفِ فالقَرِينَةُ هي المانِعَةُ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما في الكَشّافِ مُتَّصِلَةٌ بِأوَّلِ الكَلامِ خَبَرٌ مِن أخْبارِ هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ ﴾ عَلى مَعْنى هو الَّذِي يُرِيكم..

إلَخْ.

وهو يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ تَعْلِيلًا لِنَفْيِ الشَّفاعَةِ عَلى مَعْنى ما لَهم مِن شَفِيعٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ مِنهُمُ الخِيانَةَ سِرًّا وعَلانِيَةً قِيلَ: لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِنَفْيِها بَلْ لِنَفْيِ قَبُولِها فَإنَّ اللَّهَ تَعالى هو العالِمُ لا الشَّفِيعُ والمَقْصُودُ نَفْيُ الشَّفاعَةِ، ووَجْهُ تَقْرِيرِ هَذا الخَبَرِ في هَذا المَوْضِعِ ما فِيهِ مِنَ التَّخَلُّصِ إلى ذَمِّ آلِهَتِهِمْ مَعَ أنَّ تَقْدِيمَهُ عَلى ﴿ الَّذِي يُرِيكُمْ ﴾ لا وجْهَ لَهُ لِتَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ أشَدَّ التَّعَلُّقِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وكَذَلِكَ عَلى ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ﴾ لِاتِّصالِهِ بِالسّابِقِ وأمْرِ المُنِيبِينَ بِالإخْلاصِ ولِما فِيهِ مِنَ النَّبْوِ مِن تَوْسِيطِ المُنْكَرِ الفِعْلِيِّ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ المُعَرَّفِ الِاسْمِيِّ، وأمّا تَوْسِيطُهُ بَيْنَ القَرائِنِ الثَّلاثِ فَبَيْنَ العَصا ولِحائِها فَلا مَوْضِعَ لَهُ أحَقُّ مِن هَذا ولا يَضُرُّ البُعْدُ اللَّفْظِيُّ في مِثْلِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وظَنَّ بَعْضُهم ضَرَرَهُ فَمِنهم مَن قالَ: الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ ( عَزَّ ) عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ إلى آخِرِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِإنْذارِ ذَلِكَ اليَوْمِ وما يَعْرِضُ فِيهِ مِن شِدَّةِ الكَرْبِ والغَمِّ وذَكَرَ تَعالى أنَّ الظّالِمَ لا يَجِدُ مَن يَحْمِيَهُ مِن ذَلِكَ ولا مَن يَشْفَعُ لَهُ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا اطِّلاعَهُ عَلى جَمِيعِ ما يَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ وأنَّهُ مُجازى بِما عَمِلَ لِيَكُونَ عَلى حَذَرٍ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إذا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَيّانَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ تَعالى لِلْخَلْقِ إنَّما هي لِعِلْمِهِ تَعالى الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرٍ ولا لِشَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُهُ المُحاسِبُونَ، وحَكى رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ ويُضْعِفُهُ البُعْدُ وكَثْرَةُ الحائِلِ، وجَعَلَها بَعْضٌ مُتَّصِلَةً بِنَفْيِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ فَإنَّ ﴿ يُطاعُ ﴾ المَنفِيَّ بِمَعْنى تَقَبُّلِ شَفاعَتِهِ عَلى أنَّها تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ أيْ لا تُقْبَلُ شَفاعَةُ شَفِيعٍ لَهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ مِنهُ الخِيانَةَ سِرًّا وعَلانِيَةً ولَيْسَتْ تَعْلِيلًا لِنَفْيِ الشَّفاعَةِ لِيَرُدَّ ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولَعَمْرِي إنَّ جارَ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا يُجارى.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقْضُونَ بِشَىْءٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ٢٠

﴿ واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ ﴾ أيْ والَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ يَقْضِي قَضاءً مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ لِاسْتِغْنائِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الظُّلْمِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّقْوى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْحَصْرِ وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ والإتْيانِ بِالِاسْمِ الجامِعِ عَقِيبَ ذِكْرِ الأوْصافِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إرادَةِ المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ.

﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾ تَهَكُّمٌ بِآلِهَتِهِمْ لِأنَّ الجَمادَ لا يُقالُ فِيهِ يَقْضِي أوْ لا يَقْضِي، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ المُشاكَلَةِ وأصْلُهُ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ، واخْتِيرَ الأوَّلُ قِيلَ لِأنَّ التَّهَكُّمَ أبْلَغُ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ الِاسْتِدْلالَ عَلى عَدَمِ صَلاحِيَّتِهِمْ لِلْإلَهِيَّةِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ.

وهِشامٌ «تَدْعُونَ» بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ قُلْ فَلا يَكُونُ التِفاتًا وإنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالغَيْبَةِ قَبْلَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ هو ابْتِداءُ كَلامٍ مَبْنِيٍّ عَلى خِطابِهِمْ ﴿ إنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِخائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ بِالحَقِّ ووَعِيدٌ لَهم عَلى ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ وتَعْرِيضٌ بِحالِ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القاضِيَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا <div class="verse-tafsir"

۞ أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا۟ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ٢١

﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ ما حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهم كَعادٍ.

وثَمُودَ، و( يَنْظُرُوا ) مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَسِيرُوا )، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا في جَوابِ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ: ألَمْ تَسْألْ فَتُخْبِرْكَ الرُّسُومُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِأنْ لَمْ يَسِيرُوا يَنْظُرُوا.

وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيٌّ وهو في مَعْنى النَّفْيِ فَيَكُونُ جَوابَ نَفْيِ النَّفْيِ ﴿ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً ﴾ قُدْرَةً وتَمَكُّنًا مِنَ التَّصَرُّفاتِ، والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُهُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ فَقَدْ أجازَ الجُرْجانِيُّ وُقُوعَ المُضارِعِ بَعْدَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ  ﴾ نَعَمِ الأصْلُ الأكْثَرُ فِيهِ ذَلِكَ، عَلى أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ الواقِعِ بَعْدَهُ مِنَ الدّاخِلَةِ عَلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ مُضارِعٌ لِلْمَعْرِفَةِ لَفْظًا في عَدَمِ دُخُولِ ألْ عَلَيْهِ ومَعْنى لِأنَّ المُرادَ بِهِ الأفْضَلُ بِاعْتِبارِ أفْضَلِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.

وجُمْلَةُ ( كانُوا ) ..

إلَخْ.

مُسْتَأْنَفَةٌ في جَوابِ كَيْفَ صارَتْ أُمُورُهم.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «مِنكم» بِضَمِيرِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.

﴿ وآثارًا في الأرْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى قُوَّةٍ أيْ وأشَدَّ آثارًا في الأرْضِ مِثْلَ القِلاعِ المُحْكَمَةِ والمَدائِنِ الحَصِينَةِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمٍ مِنهم أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَطْفًا عَلى ( أشَدَّ ) بِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ أيْ وأكْثَرَ آثارًا فَتَشْمَلُ الآثارَ القَوِيَّةَ وغَيْرَها، وهو ارْتِكابُ خِلافِ المُتَبادَرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ يُعْتَدُّ بِها، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآثارِ آثارُ أقْدامِهِمْ في الأرْضِ لِعِظَمِ أجْرامِهِمْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهُ مِنَ واقٍ ﴾ أيْ ولَيْسَ لَهم واقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقِيهِمْ ويَمْنَعُ عَنْهم عَذابَهُ تَعالى أبَدًا، فَكانَ لِلِاسْتِمْرارِ والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ، ومِنَ الثّانِيَةِ زائِدَةٌ ومِنَ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بَواقٍ، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ والفاصِلَةِ لِأنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى قِيلَ: لَمْ يَقَعْ مُقَطِّعًا لِلْفَواصِلِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِنَ الأُولى لِلْبَدَلِيَّةِ أيْ ما كانَ لَهم بَدَلًا مِنَ المُتَّصِفِ بِصِفاتِ الكَمالِ واقٍ وأُرِيدَ بِذَلِكَ شُرَكاؤُهم، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأخْذَ في غايَةِ العُنْفِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَبْتَدِئْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ واقِيَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهم باقِيَةٌ <div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَكَفَرُوا۟ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢٢

﴿ ذَلِكَ ﴾ الأخْذُ ﴿ بِأنَّهُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الواضِحَةِ ﴿ فَكَفَرُوا ﴾ رَيْثَما أتَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ ﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ ﴾ مُتَمَكِّنٌ مِمّا يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ غايَةَ التَّمَكُّنِ ﴿ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ لا يُعْتَدُّ بِعِقابٍ عِنْدَ عِقابِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا بَيانٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ إنْ كانَتِ الباءُ هُناكَ سَبَبِيَّةً وبَيانٌ لِسَبَبِ الأخْذِ إنْ كانَتْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ أخْذُهم مُلابِسِينَ لِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٢٣

﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ حُجَّةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ قِيلَ ما أُرِيدَ بِالآياتِ ونُزِّلَ تَغايُرُ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ فَعُطِفَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ بَعْضٌ مِن آياتِهِ لَهُ شَأْنٌ كالعَصا، وعُطِفَ عَلَيْها تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ كَما عُطِفَ جِبْرِيلُ ومِيكالُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ مِثْلَهُ إنَّما يَكُونُ إذا غُيِّرَ الثّانِي بِعَلَمٍ أوْ نَحْوِهِ أمّا مَعَ إبْهامِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ حُجَجُ التَّوْحِيدِ وبِالسُّلْطانِ المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ الآياتُ المُعْجِزاتُ والسُّلْطانُ ما أُوتِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القُوَّةِ القُدُسِيَّةِ وظُهُورُها بِاعْتِبارِ ظُهُورِ آثارِها مِنَ الإقْدامِ عَلى الدَّعْوَةِ مِن غَيْرِ اكْتِراثٍ.

وقَرَأ عِيسى «سُلُطانٍ» بِضَمِّ اللّامِ <div class="verse-tafsir"

إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَقَـٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَـٰحِرٌۭ كَذَّابٌۭ ٢٤

﴿ إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ ﴾ وزِيرِ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ اليَهُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وزِيرٌ يُدْعى هامانَ وإنَّما هامانُ ظالِمٌ جاءَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ نَفْيٌ جاءَهم مِنَ اخْتِلالِ أمْرِ كُتُبِهِمْ وتَوارِيخِ فِرْعَوْنَ لِطُولِ العَهْدِ وكَثْرَةِ المِحَنِ الَّتِي ابْتُلُوا بِها فاضْمَحَلَّتْ مِنها أنْفُسُهم وكُتُبُهم.

﴿ وقارُونَ ﴾ قِيلَ هو الَّذِي كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو غَيْرُهُ وكانَ مُقَدَّمُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، وذِكْرُهُما مِن بَيْنَ أتْباعِ فِرْعَوْنَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ وكَوْنِهِما أشْهَرَ الأتْباعِ.

وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ الإرْسالِ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ وتَفْصِيلِ ما جَرى تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيانٌ لِعاقِبَةِ مَن هو أشَدُّ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلُ وأقْرَبُهم زَمانًا ولِذا خُصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ أشَدَّ مِن عادٍ ﴿ فَقالُوا ساحِرٌ ﴾ أيْ هو يَعْنُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ساحِرٌ فِيما أظْهَرَ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿ كَذّابٌ ﴾ في دَعْواهُ أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ <div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا۟ ٱقْتُلُوٓا۟ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ وَٱسْتَحْيُوا۟ نِسَآءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ٢٥

﴿ فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا ﴾ وبَلَغَهم أمْرُ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِقَوْلِهِمْ ساحِرٌ كَذّابٌ ﴿ قالُوا ﴾ غَيْظًا وحَنَقًا وعَجْزًا عَنِ المُعارَضَةِ ﴿ اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ ﴾ أيْ أعِيدُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ بِهِمْ أوَّلًا كَيْ تَصُدُّوهم عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فالأمْرُ بِالقَتْلِ والِاسْتِحْياءِ وقَعَ مَرَّتَيْنِ.

المَرَّةُ الأُولى حِينَ أخْبَرَتِ الكَهَنَةُ والمُنَجِّمُونَ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ بِمَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَسْلُبُهُ مُلْكَهُ، والمَرَّةُ الثّانِيَةُ هَذِهِ، وضَمِيرُ ( قالُوا ) لِفِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ.

وقِيلَ: إنَّ قارُونَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ هَذِهِ المَقالَةَ لَكِنَّهم غَلَبُوا عَلَيْهِ ﴿ وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ في ضَياعٍ مِن ضَلَّتِ الدّابَّةُ إذا ضاعَتْ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم شَيْئًا فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أوْ لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأباطِيلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ بُطْلانِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإبْراقِ والإرْعادِ واضْمِحْلالِهِ بِالمَرَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِىٓ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُۥٓ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْفَسَادَ ٢٦

﴿ وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ﴾ كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ وهو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ وما هو إلّا ساحِرٌ يُقاوِمُهُ ساحِرٌ مِثْلُهُ وأنَّكَ إذا قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَيْقَنَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ ولَكِنْ كانَ فِيهِ خَبٌّ وجَرْبَزَةٌ وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحْسَنَ مِنهُ بِأنَّهُ الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ فَقَوْلُهُ: ﴿ ذَرُونِي ﴾ ..

إلَخْ.

كانَ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ولْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ لِأنَّ ظاهِرَهُ الِاسْتِهانَةُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُعائِهِ رَبَّهُ سُبْحانَهُ كَما يُقالُ: ادْعُ ناصِرَكَ فَإنِّي مُنْتَقِمٌ مِنكَ، وباطِنُهُ أنَّهُ كانَ يَرْعُدُ فَرائِصُهُ مِن دُعاءِ رَبِّهِ فَلِهَذا تَكَلَّمَ بِهِ أوَّلَ ما تَكَلَّمَ وأظْهَرَ أنَّهُ لا يُبالِي بِدُعاءِ رَبِّهِ وما هو إلّا كَمَن قالَ: ذَرُونِي أفْعَلْ كَذا وما كانَ فَلْيَكُنْ وإلّا فَما لِمَن يَدَّعِي أنَّهُ رَبُّهم إلّا عَلى أنْ يَجْعَلَ لِما يَدَّعِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وزْنًا فَيَتَفَوَّهُ بِهِ تَهَكُّمًا أوْ حَقِيقَةً ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إنْ لَمْ أقْتُلْهُ ﴿ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ﴾ أنْ يُغَيِّرَ حالَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِي وعِبادَةِ الأصْنامِ وكانَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ قَدْ أمَرَهم بِنَحْتِها وأنْ تُجْعَلَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ كَما كانَ كُفّارُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ ولِهَذا المَعْنى أضافُوا الآلِهَةَ إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ  ﴾ فَهي إضافَةُ تَشْرِيفٍ واخْتِصاصٍ وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الدِّينُ السُّلْطانُ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَئِنْ حَلَلْتَ بِحَيٍّ مِن بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ أيْ إنِّي أخافُ أنْ يُغَيِّرَ سُلْطانَكم ويَسْتَذِلَّكم ﴿ أوْ أنْ يُظْهِرَ ﴾ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَغْيِيرِ دِينِكم بِالكُلِّيَّةِ ﴿ فِي الأرْضِ الفَسادَ ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا فالفَسادُ الَّذِي عَناهُ فَسادُ دُنْياهم، فَيَكُونُ حاصِلُ المَعْنى عَلى ما قَرَّرَ أوَّلًا إنِّي أخافُ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْكم أمْرَ دِينِكم بِالتَّبْدِيلِ أوْ يُفْسِدَ عَلَيْكم أمْرَ دُنْياكم بِالتَّعْطِيلِ وهُما أمْرانِ كُلٌّ مِنهُما مُرٌّ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ عَلى المَعْنى الثّانِي لِلدِّينِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّعِينَ عَنى بِالفَسادِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى: وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو «وأنْ» الواوُ الواصِلَةُ.

وقَرَأ الأعْرَجُ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ ( يُظْهِرَ ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ «( يَظَّهَّرُ )» بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يُظْهَرُ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍۢ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ٢٧

﴿ وقالَ مُوسى ﴾ لَمّا سَمِعَ بِما أجْراهُ اللَّعِينُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ ﴿ إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا بِهِ قَوْمَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ السّابِقُ مِن فِرْعَوْنَ خِطابًا لِقَوْمِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِشارَةِ وإجالَةِ الرَّأْيِ لا بِمَحْضَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا خاطَبَ قَوْمَهُ لا فِرْعَوْنَ وحاضِرِيهِ بِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: في [الأعْرافِ: 128] ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا ﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ( ورَبِّكم ) فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ لا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى وارِدَةً أنَّهُ تَعالى كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَضُرُّ في كَوْنِهِ مُؤَيَّدًا لِأنَّ التَّأْيِيدَ مَدارُهُ الظّاهِرُ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِإنَّ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّبَبَ المُؤَكَّدَ في دَفْعِ الشَّرِّ هو العِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وخُصَّ اسْمُ الرَّبِّ لِأنَّ المَطْلُوبَ هو الحِفْظُ، والتَّرْبِيَةُ وأضافَهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ في العِياذِ بِهِ سُبْحانَهُ والتَّوَجُّهِ التّامِّ بِالرُّوحِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِما في تَظاهُرِ الأرْواحِ مِنَ اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، وهَذا هو الحِكْمَةُ في مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ في العِباداتِ، ( ومِن كُلِّ ) عَلى مَعْنى مِن شَرِّ كُلٍّ وأرادَ بِالتَّكَبُّرِ الِاسْتِكْبارَ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ وهو أقْبَحُ اسْتِكْبارٍ وأدَلُّهُ عَلى دَناءَةِ ومَهانَةِ نَفْسِهِ وعَلى فَرْطِ ظُلْمِهِ وعَسْفِهِ، وضُمَّ إلَيْهِ عَدَمُ الإيمانِ بِيَوْمِ الجَزاءِ لِيَكُونَ أدَلَّ وأدَلَّ، فَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ التَّكَبُّرُ والتَّكْذِيبُ بِالجَزاءِ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِالعاقِبَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ أسْبابَ القَسْوَةِ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعِبادِهِ ولَمْ يَتْرُكْ عَظِيمَةً إلّا ارْتَكَبَها، واخْتِيرَ المُنَزَّلُ دُونَ مِنهُ سُلُوكًا لِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لِأنَّهُ كَلامٌ وارِدٌ في عَرْضِهِمْ فَلا يَلْبَسُونَ جِلْدَ النَّمِرِ إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ الِاسْتِعاذَةِ ورِعايَةِ حَقِّ تَرْبِيَةِ اللَّعِينِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «عُتُّ» بِإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها تاءً <div class="verse-tafsir"

وَقَالَ رَجُلٌۭ مُّؤْمِنٌۭ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـٰنَهُۥٓ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَـٰذِبًۭا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُۥ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًۭا يُصِبْكُم بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ كَذَّابٌۭ ٢٨

﴿ وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ قِيلَ كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وقِيلَ: كانَ غَرِيبًا لَيْسَ مِنَ الفِئَتَيْنِ، ووَصْفُهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِكَوْنِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ دُخُولِهِ في زُمْرَتِهِمْ وإظْهارِ أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومِلَّتِهِمْ تَقِيَّةً وخَوْفًا، ويُقالُ نَحْوُ هَذا في الإضافَةِ في مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الواقِعِ في عِدَّةِ أخْبارٍ، وقِيلَ: ﴿ مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَكْتُمُ إيمانَهُ ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ أيْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، ولا بَأْسَ عَلى هَذا في الوَقْتِ عَلى مُؤْمِنٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ كَتْمَ يَتَعَدّى بِنَفَسِهِ دُونَ مِن فَيُقالُ: كَتَمْتُ فُلانا كَذا دُونَ كَتَمْتُ مِن فُلانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا  ﴾ وقالَ الشّاعِرُ: كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرا وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووَرْدُ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا وأرادَ عَلى ما في البَحْرِ كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ، وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِتَعَدِّيهِ بِمِن أيْضًا قالَ فِي المِصْباحِ كَتَمَ مِن بابِ قَتَلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ويَجُوزُ زِيادَةُ مِن في المَفْعُولِ الأوَّلِ فَيُقالُ: كَتَمْتُ مِن زَيْدٍ الحَدِيثَ كَما يُقالُ: بِعْتُهُ الدّارَ وبِعْتُها مِنهُ.

نَعَمْ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِرَجُلٍ، والظّاهِرُ عَلى هَذا كَوْنُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَقِيقَةً وفي كَلامِهِ المَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: خِرْبِيلُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ، وقِيلَ: حِزْبِيلُ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وزايٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: حَبِيبٌ.

وقَرَأ عِيسى وعَبْدُ الوارِثِ وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «رَجْلٌ» بِسُكُونِ الجِيمِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا ﴾ أيْ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ، وكَوْنُ الإنْكارِ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ لا يُصَحِّحُهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ ﴿ أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ أيْ لِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ ﴿ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴾ الشّاهِدَةَ عَلى صِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، والِاسْتِدْلالاتِ الكَثِيرَةِ وجَمْعُ المُؤَنَّثِ السّالِمِ وإنْ شاعَ أنَّهُ لِلْقِلَّةِ لَكِنَّهُ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ يُفِيدُ الكَثْرَةَ بِمَعُونَةِ المَقامِ.

والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وهَذا إنْكارٌ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم شَدِيدٌ كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها وهي قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ مَعَ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ مِن عِنْدِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ، وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ وفي ﴿ أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ - إلى - ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ وهي أنَّ مَن يَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ أوْ فُلانٌ لا يَقْتَضِي أنْ يُقابَلَ بِالقَتْلِ كَما لا تُقابَلُونَ بِالقَتْلِ إذا قُلْتُمْ: رَبُّنا فِرْعَوْنُ كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ رَبَّهُ مَن هو رَبُّكم فَكانَ عَلَيْكم بِأنْ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ لا أنْ تَخْذُلُوهُ وتَقْتُلُوهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( أنْ يَقُولَ ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقْتَ أنْ يَقُولَ فَحُذِفَ الظَّرْفُ فانْتَصَبَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ، والمَعْنى أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الظَّرْفِ لا يَكُونُ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ كَجِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ أوْ ما كانَ بِما الدَّوامِيَّةِ دُونَ الغَيْرِ الصَّرِيحِ كِجِئْتُ أنْ صاحَ أوْ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وفِيهِ إنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ كالزَّمَخْشَرِيِّ صَرَّحَ بِالجَوازِ وكُلٌّ إمامٌ.

ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ احْتاطَ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْرِفَ اللَّعِينُ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَبْطِشَ بِهِ فَتَلَطَّفَ في الِاحْتِجاجِ فَقالَ: ﴿ وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ ﴿ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم بِهِ أوْ يَعِدِكُمُوهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ فَإنَّهُ إذا حَذَّرَهم مِن إصابَةِ البَعْضِ أفادَ أنَّهُ مَهْلَكٌ مَخُوفٌ فَما بالُ الكُلِّ وإظْهارٌ لِلْإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ ولِذا قَدَّمَ احْتِمالَ كَوْنِهِ كاذِبًا، وقِيلَ: المُرادُ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو بَعْضُ مَواعِيدِهِ كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما هو أظْهَرُ احْتِمالًا عِنْدَهم، وقِيلَ: بَعْضٌ بِمَعْنى كُلٍّ وأنْشَدُوا لِذَلِكَ قَوْلَ عَمْرٍو القَطامِيِّ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( بَعْضُ ) فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ إلْزامُ الحُجَّةِ وإبانَةُ فَضْلِ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ فالبَيْتُ كالآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنْشَدُوا لِمَجِيءِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ: إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا ولا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَ البَعْضَ بِالكُلِّ أيْضًا وأنْشَدَ قَوْلَ لَبِيدٍ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها حُمِلَ البَيْتُ عَلى مَعْنى لا أزالُ أنْتَقِلُ في البِلادِ إلى أنْ لا يَبْقى أحَدٌ أقْصِدُهُ مِنَ العِبادِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ البَعْضَ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى لا أزالُ أتْرُكُ ما لَمْ أرْضَهُ مِنَ الأمْكِنَةِ إلّا أنْ أمُوتَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ حَقَّ فِيهِ قَوْلُ المازِنِي في مَسْألَةِ العِلْقى كانَ أجْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما عَضَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ.

وثانِيهِما إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ المَعْنى الأوَّلَ وأوْهَمَهم أنَّهُ أرادَ الثّانِيَ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرَّضَ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مُسْرِفٌ أيْ في القَتْلِ والفَسادِ كَذّابٌ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ تَعالى سَبِيلَ الصَّوابِ ومِنهاجَ النَّجاةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ مَعْنى بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى أوْ بِالثّانِيَةِ أوْ بِهِما <div class="verse-tafsir"

يَـٰقَوْمِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَـٰهِرِينَ فِى ٱلْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

﴿ يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ ﴾ غالِبِينَ عالِينَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أيْ في أرْضِ مِصْرَ لا يُقاوِمُكم أحَدٌ في هَذا الوَقْتِ ﴿ فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ ﴾ مِن أخْذِهِ وعَذابِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنْ جاءَنا ﴾ أيْ فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِهِ فَإنَّهُ إنْ جاءَنا لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ أحَدٌ، فالفاءُ في - فَمَن -..

إلَخْ فَصَيْحَةٌ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وإنَّما نَسَبَ ما يَسُرُّهم مِنَ المُلْكِ والظُّهُورِ في الأرْضِ إلَيْهِمْ خاصَّةً ونَظَمَ نَفْسَهُ في سِلْكِهِمْ فِيما يَسُؤْهم مِن مَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وإيذانًا بِأنَّهُ مُناصِحٌ لَهم ساعٍ في تَحْصِيلِ ما يُجْدِيهِمْ ودَفْعِ ما يُرْدِيهِمْ سَعْيُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ لِيَتَأثَّرُوا بِنُصْحِهِ.

﴿ قالَ فِرْعَوْنُ ﴾ بَعْدَ ما سَمِعَ ذَلِكَ ﴿ ما أُرِيكُمْ ﴾ أيْ ما أُشِيرُ عَلَيْكم ﴿ إلا ما أرى ﴾ إلّا الَّذِي أراهُ وأسْتَصْوِبُهُ مِن قَتْلِهِ يَعْنِي لا أسْتَصْوِبُ إلّا قَتْلَهُ وهو الَّذِي تَقُولُونَهُ غَيْرُ صَوابٍ ﴿ وما أهْدِيكُمْ ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿ إلا سَبِيلَ الرَّشادِ ﴾ طَرِيقَ الصَّوابِ والصَّلاحِ أوْ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ مِنَ الصَّوابِ ولا أدَّخِرُ مِنهُ شَيْئًا ولا أُسِرُّ عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُ يَعْنِي أنَّ لِسانَهُ وقَلْبَهُ مُتَواطِئانِ عَلى ما يَقُولُ، وقَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ فَقَدْ كانَ مُسْتَشْعِرًا لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ ولَوْلا اسْتِشْعارُهُ لَمْ يَسْتَشِرْ أحَدًا، وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ والحَسَنِ أنَّهُما قَرَآ «( الرَّشّادِ )» بِشَدِّ الشِّينِ عَلى أنَّهُ فَعّالٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن رَشِدَ بِالكَسْرِ كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ أوْ مِن رَشَدَ بِالفَتْحِ كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.

وقِيلَ: هو مِن أرْشَدَ المَزِيدِ كَجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعّالًا لَمْ يَجِئْ مِنَ المَزِيدِ إلّا في عِدَّةِ أحْرُفٍ نَحْوَ جَبّارٍ ودَرّاكٍ وقَصّارٍ وسَآَّرٍ ولا يَحْسُنُ القِياسُ عَلى القَلِيلِ مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ في بَعْضِهِ كَجَبّارٍ سَماعَ الثُّلاثِيِّ فَلا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِنَ المَزِيدِ فَقَدْ جاءَ جَبَرَهُ عَلى كَذا كَأجْبَرَهُ وقَصّارٌ كَجَبّارٍ عِنْدَ بَعْضٍ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِن أقْصَرَ لِمَجِيءِ قَصَرَ عَنِ الشَّيْءِ كَأقْصَرَ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الجَوْهَرِيِّ أنَّ الإقْصارَ كَفٌّ مَعَ قُدْرَةٍ والقَصْرُ كَفٌّ مَعَ عَجْزٍ فَلا يَتِمُّ هَذا عَلَيْهِ، وأمّا دَرّاكٌ وسَآَّرٌ فَقَدْ خُرِّجا عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ تَقْدِيرًا لا اسْتِعْمالًا كَما قالُوا: أبَقَلَ المَكانُ فَهو باقِلٌ وأوْرَسَ الرَّمْثُ فَهو وارِسٌ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وعَلى هَذا خُرِّجَ الرَّشادُ فَيَكُونُ مِن رَشَدَ بِمَعْنى أرْشَدَ تَقْدِيرًا لا اسْتِعْمالًا فَإنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ إذا كانَ المَعْنى عَلى أرْشَدَ فَكَيْفَ أجَزْتَ أنْ يَكُونَ مِن رَشِدَ المَكْسُورِ أوْ مِن رَشَدَ المَفْتُوحِ ؟

قِيلَ: المَعْنى راجِعٌ إلى أنَّهُ مُرْشِدٌ لِأنَّهُ إذا رَشَدَ أرْشَدَ لِأنَّ الإرْشادَ مِنَ الرَّشَدِ فَهو مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ.

انْتَهى.

وقِيلَ: أُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الرُّشْدِ تَكُونُ بِالإرْشادِ كَما قَرَّرُوا في قَيُّومٍ وطَهُورٍ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ رَشَدَ بِمَعْنى اهْتَدى فالمَعْنى ما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ مَنِ اهْتَدى وعَظُمَ رُشْدُهُ فَلا حاجَةَ إلى ما سَمِعْتَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَوْ وجَبَ كَوْنُ المَعْنى ما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ مَن كَثُرَ إرْشادُهُ ومِن أيْنَ وجَبَ ذَلِكَ ؟

وجُوِّزَ كَوْنُ فَعّالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّسْبَةِ كَما قالُوا: عَوّاجٌ لِبَيّاعِ العاجِ وبَتّاتٌ لِبَيّاعِ البَتِّ وهو كِساءٌ غَلِيظٌ، وقِيلَ: طَيْلَسانٌ مِن خَزٍّ أوْ صُوفٍ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ القِراءَةِ عَلى صِيغَةِ فَعّالٍ في كَلامِ فِرْعَوْنَ وإنَّما هي في قَوْلِ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشّادِ، فَإنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ كانَ كَما قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وأبُو حاتِمٍ يُفَسِّرُ ﴿ سَبِيلَ الرَّشادِ ﴾ عَلى قِراءَتِهِ بِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَتَسَنّى في كَلامِ فِرْعَوْنَ كَما لا يَخْفى، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعاذًا قَرَأ كَذَلِكَ في قَوْلِ المُؤْمِنِ فَلَعَلَّ التَّفْسِيرَ بِسَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كانَ فِيهِ دُونَ كَلامِ فِرْعَوْنَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ ٱلْأَحْزَابِ ٣٠

﴿ وقالَ الَّذِي آمَنَ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ الكاتِمُ إيمانَهُ القائِلُ: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ قَوّى اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ وثَبَّتَ قَلْبَهُ فَلَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ فَأتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ فَقالَ: ﴿ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ ﴾ إلى آخِرِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، والمُرادُ بِالَّذِي آمَنَ هُنا هو مُوسى نَفْسُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّتْ بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ أيْ قالَ ناصِحًا لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم في تَكْذِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّعَرُّضِ لَهُ بِالسُّوءِ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِالَّذِينِ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، واليَوْمَ واحِدُ الأيّامِ بِمَعْنى الوَقائِعِ وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُها بِذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ بِمَعْناها المَعْرُوفِ لُغَةً، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِثْلُ حادِثِ يَوْمِ الأحْزابِ.

وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ جَمْعُ اليَوْمِ لَكِنَّ جَمْعَ الأحْزابِ المُضافَ هو إلَيْهِ مَعَ التَّفْسِيرِ بِما بَعْدُ أغْنى عَنْ جَمْعِهِ، والمَعْنى عَلَيْهِ ورُجِّحَ الإفْرادُ بِالخِفَّةِ والِاخْتِصارِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ يَوْمَ حُزِّبَ حِزْبٌ بِمَعْنى أنَّ جَمْعَ حِزْبٍ مُرادٌ بِهِ شُمُولُ أفْرادِهِ عَلى طَرِيقِ البَدَلِ وهو تَأْوِيلٌ في الثّانِي وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.

<div class="verse-tafsir"

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعِبَادِ ٣١

﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴾ أيْ مِثْلُ جَزاءِ دَأْبِهِمْ أيْ عادَتُهُمُ الدّائِمَةُ مِنَ الكُفْرِ وإيذاءِ الرُّسُلِ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المُخَوَّفَ في الحَقِيقَةِ جَزاءُ العَمَلِ لا هو، وجاءَ هَذا مِن نَصْبِ ( مِثْلَ ) الثّانِي عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِمِثْلِ الأوَّلِ لِأنَّ آخِرَ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ قَوْمُ نُوحٍ، ولَوْ قُلْتَ: أهْلَكَ اللَّهُ الأحْزابَ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَطْفَ بَيانٍ لِإضافَةِ قَوْمٍ إلى أعْلامٍ فَسَرى ذَلِكَ الحُكْمُ إلى أوَّلِ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَدَلٌ مِن ( مِثْلَ ) الأوَّلِ، والِاحْتِياجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ عَلى حالِهِ ﴿ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ ﴿ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ﴾ أيْ فَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِهَؤُلاءِ الأحْزابِ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا بَلْ كانَ عَدْلًا وقِسْطًا لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهم بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهم وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ فاقْتَضى ذَلِكَ إهْلاكَهم، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ مِن حَيْثُ جَعْلِ المَنفِيِّ فِيهِ إرادَةَ الظُّلْمِ لِأنَّ مَن كانَ عَنْ إرادَةِ الظُّلْمِ بَعِيدًا كانَ عَنِ الظُّلْمِ نَفْسِهِ أبْعَدَ، وحَيْثُ نُكِّرَ الظُّلْمُ كَأنَّهُ نَفى أنْ يُرِيدَ ظُلْمًا ما لِعِبادِهِ، ويُجَوِّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ  ﴾ أيْ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا يَعْنِي أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَمَّرَهم لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَعْنى مَرْجُوحٌ لَفْظًا ومَعْنى، ثُمَّ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ لِثُبُوتِ الفَرْقِ بَيْنَ أرادَهُ مِنهُ وأرادَهُ لَهُ فَلَوْ سُلِّمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُرِيدَهُ مِنهم والمُمْتَنِعُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ هو هَذا فَلا احْتِياجَ إلى صَرْفِ الآيَةِ عَنِ الظّاهِرِ عِنْدَهم أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

وَيَـٰقَوْمِ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٱلتَّنَادِ ٣٢

﴿ ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ ﴾ خَوَّفَهم بِالعَذابِ الأُخْرَوِيِّ بَعْدَ تَخْوِيفِهِمْ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، والتَّنادِ مَصْدَرُ تَنادى القَوْمُ أيْ نادى بَعْضُهم بَعْضًا، ويَوْمَ التَّنادِ يَوْمُ القِيامَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُنادِي فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا لِلِاسْتِغاثَةِ أوْ يَتَصايَحُونَ فِيهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ أوْ لِتَنادِيَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ كَما حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ أوْ لِأنَّ الخَلْقَ يُنادَوْنَ إلى المَحْشَرِ أوْ لِنِداءِ المُؤْمِنِ ﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ  ﴾ والكافِرِ ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ  ﴾ .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا التَّنادِيَ هو التَّنادِي الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ ونَفْخَةِ الفَزَعِ في الدُّنْيا وأنَّهم يَفِرُّونَ عَلى وُجُوهِهِمْ لِلْفَزَعِ الَّذِي نالَهم ويُنادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ورُوِيَ هَذا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ التَّذْكِيرُ بِكُلِّ نِداءٍ في القِيامَةِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى الكُفّارِ والعُصاةِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «التَّنادْ» بِسُكُونِ الدّالِ في الوَصْلِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الوَقْفِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ والكَلْبِيُّ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ «( التَّنادِّ )» بِتَشْدِيدِ الدّالِ مِن نَدَّ البَعِيرُ إذا هَرَبَ أيْ يَوْمَ الهَرَبِ والفِرارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ  ﴾ الآيَةَ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ النّاسَ جَوَلَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَجِدُونَ مَهْرَبًا» .

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ يَوْمَ الِاجْتِماعِ مِن نَدا إذا اجْتَمَعَ ومِنهُ النّادِي <div class="verse-tafsir"

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣

﴿ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمَ التَّنادِ أيْ يَوْمَ تُوَلُّونَ عَنِ المَوْقِفِ مُنْصَرِفِينَ عَنْهُ إلى النّارِ، وقِيلَ: فارِّينَ مِنَ النّارِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم إذا سَمِعُوا زَفِيرَ النّارِ هَرَبُوا فَلا يَأْتُونَ قُطْرًا مِنَ الأقْطارِ إلّا وجَدُوا مَلائِكَةً صُفُوفًا فَلا يَنْفَعُهُمُ الهَرَبُ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ أتَمُّ فائِدَةً وأظْهَرُ ارْتِباطًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ ﴾ أيْ يَعْصِمُكم في فِرارِكم حَتّى لا تُعَذَّبُوا في النّارِ قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ ما لَكم في الِانْطِلاقِ إلى النّارِ مِن مانِعٍ يَمْنَعُكم مِنها أوْ ناصِرٍ، وهَذا ما يُقالُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ - لِيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ - وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ حالٌ أُخْرى مِن ضَمِيرِ ﴿ تُوَلُّونَ ﴾ .

﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يَهْدِيهِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ أصْلًا، وكَأنَّ الرَّجُلَ يَئِسَ مِن قَبُولِهِمْ نُصْحَهُ فَقالَ ذَلِكَ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ السّالِفِينَ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعْدِهِۦ رَسُولًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌۭ مُّرْتَابٌ ٣٤

﴿ ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ ﴾ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ مُوسى ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ ﴿ فَما زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمّا جاءَكم بِهِ ﴾ مِنَ الدِّينِ ﴿ حَتّى إذا هَلَكَ ﴾ بِالمَوْتِ ﴿ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ غايَةً لِقَوْلِهِ.

﴿ فَما زِلْتُمْ ﴾ وأرادُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا ﴾ تَكْذِيبَ رِسالَتِهِ ورِسالَةِ غَيْرِهِ أيْ لا رَسُولَ فَيَبْعَثُ فَهم بَعْدَ الشَّكِّ بُتُّوا بِهَذا التَّكْذِيبِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرَقِّيًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّكُّ في رِسالَتِهِ عَلى حالِهِ وبَتُّهم إنَّما هو بِتَكْذِيبِ رِسالَةِ غَيْرِهِ مِن بَعْدِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا أظْهِرُوا الشَّكَّ في حَياتِهِ حَسَدًا وعِنادًا فَلَمّا ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَرُّوا بِها وأنْكَرُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مِن بَعْدِهِ رَسُولًا وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَجِيءُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ المُخاطَبِينَ بِالبَيِّناتِ قِيلَ: مِن بابِ نِسْبَةِ أحْوالِ الآباءِ إلى الأوْلادِ وكَذَلِكَ نِسْبَةُ الأفْعالِ الباقِيَةِ إلَيْهِمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ بَعْضِ الَّذِينَ جاءَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً حَيًّا فَفي بَعْضِ التَّوارِيخِ أنَّ وفاةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً فَيَكُونُ مِن نِسْبَةِ حالِ البَعْضِ إلى الكُلِّ، واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذُكِرَ عَنْ أشْهَبَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّهُ عُمِّرَ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَنَةً، والَّذِي ذَكَرَهُ أغْلَبُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى اسْمُهُ الرَّيّانُ وفِرْعَوْنَ يُوسُفَ اسْمُهُ الوَلِيدُ.

وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ فِرْعَوْنَ الأوَّلِ مِنَ العَمالِقَةِ وهَذا قِبْطِيٌّ، وفِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ في زَمَنِهِ، واخْتارَ القَوْلَ بِتَغايُرِهِما، وأمْرُ المَجِيءِ وما مَعَهُ مِنَ الأفْعالِ عَلى ما سَمِعْتَ، وقِيلَ: المُرادُ بِيُوسُفَ المَذْكُورِ هو يُوسُفُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا فَأقامَ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً وكانَ مِن أمْرِهِمْ ما قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

ومِنَ الغَرِيبِ جِدًّا ما حَكاهُ النَّقّاشُ والماوَرْدِيُّ أنَّ يُوسُفَ المَذْكُورَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الجِنِّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا إلَيْهِمْ، نَقَلَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ولا يَقْبَلُهُ مَن لَهُ أدْنى إتْقانٍ.

نَعَمِ القَوْلُ بِأنَّ لِلْجِنِّ نَبِيًّا مِنهُمُ اسْمُهُ يُوسُفُ أيْضًا مِمّا عَسى أنْ يُقْبَلَ كَما لا يَخْفى.

وقُرِئَ «ألَنْ يَبْعَثَ» بِإدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ كَأنَّ بَعْضَهم يُقَرِّرُ بَعْضًا عَلى نَفْيِ البِعْثَةِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ الفَظِيعِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ ﴾ في العِصْيانِ ﴿ مُرْتابٌ ﴾ في دِينِهِ شاكٌّ فِيما تَشْهَدُ بِهِ البَيِّناتُ لِغَلَبَةِ الوَهْمِ والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۖ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍۢ جَبَّارٍۢ ٣٥

﴿ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ - أعْنِي مَن - أوْ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لَهُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّ مُسْرِفٍ مُرْتابٍ أوِ المُسْرِفِينَ المُرْتابِينَ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأعْنِي مُقَدَّرًا، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ عَلى الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أتاهُمْ ﴾ صِفَةُ ( سُلْطانٍ ) والمُرادُ بِإتْيانِهِ إتْيانُهُ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إمّا عَلى أيْدِي الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ ذاكَ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ، وإمّا بِطَرِيقِ الإفاضَةِ عَلى عُقُولِهِمْ فَيَكُونُ ذاكَ إشارَةً إلى الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، وقَدْ يُعَمَّمُ فَيَكُونُ المَعْنى يُجادِلُونَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ صالِحَةٍ لِلتَّمَسُّكِ بِها أصْلًا لا عَقْلِيَّةً ولا نَقْلِيَّةً.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ تَقْرِيرٌ لِما أشْعَرَ بِهِ الكَلامُ مِن ذَمِّهِمْ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ، وفاعِلُ ( كَبُرَ ) ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الجِدالِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( يُجادِلُونَ ) عَلى نَحْوِ مَن كَذَّبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيْ كَبُرَ الجِدالُ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ..

إلَخْ، أوْ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ وأُفْرِدَ رِعايَةً لِلَفْظِهِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ مِن بَعْدِ الحَمْلِ عَلى المَعْنى، وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَجْتَنِبُونَهُ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: هَذا شَيْءٌ نَقَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ ولَمْ يُساعِدْهُ غَيْرُهُ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْ كَبُرَ المُسْرِفُ المُرْتابُ المُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَقْتًا أيْ كَبُرَ مَقْتُهُ وعَظُمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الفَظِيعِ ﴿ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ ﴾ فَيَصْدُرُ عَنْهُ أمْثالُ ما ذُكِرَ مِنَ الإسْرافِ والِارْتِيابِ والمُجادَلَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ كَبُرَ ) خَبَرُهُ لَكِنْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُخْبَرُ عَنْهُ حَقِيقَةً أيْ جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ مَقْتًا، وأنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً عَلى حَذْفِ المُضافِ ( وبِغَيْرِ سُلْطانٍ ) خَبَرُ المُضافِ المُقَدَّرِ أيْ جِدالُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى كائِنٌ بِغَيْرِ سُلْطانٍ، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأٌ مِن غَيْرِ حَذْفِ مُضافٍ ( وبِغَيْرِ سُلْطانٍ ) خَبَرُهُ، وفِيهِ الإخْبارُ عَنِ الذّاتِ والجُثَّةِ بِالظَّرْفِ وفاعِلُ ( كَبُرَ ) كَذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى اسْمِيَّةَ الكافِ كالأخْفَشِ أيْ كَبُرَ مَقْتًا مِثْلُ ذَلِكَ الجِدالِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( يَطْبَعُ ) ..

إلَخْ.

اسْتِئْنافًا لِلدَّلالَةِ عَلى المُوجِبِ لِجِدالِهِمْ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ، وفي البَحْرِ الأوْلى في إعْرابِ هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ ( اَلَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ( كَبُرَ ) والفاعِلُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ( يُجادِلُونَ ) أيِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهُ «قَلْبٍ» بِالتَّنْوِينِ فَما بَعْدَهُ صِفَتُهُ، ووَصْفُهُ بِالكِبْرِ والتَّجَبُّرِ لِأنَّهُ مَنبَعُهُما كَقَوْلِهِمْ: رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذاكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ كُلَّ ذِي قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ، وجَعْلُ الصِّفَتَيْنِ لِصاحِبِ القَلْبِ لِتَتَوافَقَ القِراءَتانِ هَذِهِ وقِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ بِلا تَنْوِينٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ المُتَكَبِّرُ المُعانِدُ في تَعْظِيمِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، والجَبّارُ المُتَسَلِّطُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ عُمُومَ كُلٍّ مُنْسَحِبٌ عَلى المُتَكَبِّرِ والجَبّارِ أيْضًا فَكَأنَّهُ اعْتُبِرَ أوَّلًا إضافَةُ «قَلْبٍ» إلى ما بَعْدَهُ ثُمَّ اعْتُبِرَتْ إضافَتُهُ إلى المَجْمُوعِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَـٰهَـٰمَـٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَـٰبَ ٣٦

﴿ وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ بِناءً مَكْشُوفًا عالِيًا مِن صَرَحَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ أيِ الطُّرُقَ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقالَ قَتادَةُ: الأبْوابَ وهي جَمْعُ سَبَبٍ ويُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ ﴿ أسْبابَ السَّماواتِ ﴾ بَيانٌ لَها، وفي إبْهامِها ثُمَّ إيضاحِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها وتَشْوِيقٌ لِلسّامِعِ إلى مَعْرِفَتِها.

<div class="verse-tafsir"

أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ كَـٰذِبًۭا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍۢ ٣٧

﴿ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّرَجِّي عِنْدَ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يُجَوِّزُونَ النَّصْبَ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّرَجِّي كالتَّمَنِّي، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ وخَرَّجُوا النَّصْبَ هُنا عَلى أنَّهُ في جَوابِ الأمْرِ وهو ( اِبْنِ ) كَما في قَوْلِهِ: يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِالعَطْفِ عَلى خَبَرِ لَعَلِّي بِتَوَهُّمِ أنَّ فِيهِ لِأنَّهُ كَثِيرًا ما جاءَنا مَقْرُونًا بِها أوْ عَلى ( اَلْأسْبابَ ) عَلى حَدِّ: ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي وقالَ بَعْضٌ: إنَّ هَذا التَّرَجِّيَ تَمَنٍّ في الحَقِيقَةِ لَكِنْ أخْرَجَهُ اللَّعِينُ هَذا المَخْرَجَ تَمْوِيهًا عَلى سامِعِيهِ فَكانَ النَّصْبُ في جَوابِ التَّمَنِّي، والظّاهِرُ أنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَرَجٍّ وتَرَجٍّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ( أبْلُغُ ) قِيلَ: ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصَدًا في مَوْضِعٍ عالٍ يَرْصُدُ مِنهُ أحْوالَ الكَواكِبِ الَّتِي هي أسْبابٌ سَماوِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى إرْسالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُقِرٌّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما طَلَبَ ما يُزِيلُ شَكَّهُ في الرِّسالَةِ، وكانَ لِلَّعِينِ وأهْلِ عَصْرِهِ اعْتِناءٌ بِالنُّجُومِ وأحْكامِها عَلى ما قِيلَ.

وهَذا الِاحْتِمالُ في غايَةِ البُعْدِ عِنْدِي، وقِيلَ: أرادَ أنْ يُعْلِمَ النّاسَ بِفَسادِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ السَّماواتِ بِأنَّهُ إنْ كانَ رَسُولًا مِنهُ فَهو مِمَّنْ يَصِلُ إلَيْهِ وذَلِكَ بِالصُّعُودِ لِلسَّماءِ وهو مُحالٌ فَما بُنِيَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ جَهْلُهُ بِاللَّهِ تَعالى وظَنُّهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُسْتَقِرٌّ في السَّماءِ وأنَّ رُسُلَهُ كَرُسُلِ المُلُوكِ يُلاقُونَهُ ويَصِلُونَ إلى مَقَرِّهِ، وهو عَزَّ وجَلَّ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفاتِ المُحْدَثاتِ والأجْسامِ ولا تَحْتاجُ إلى ما تَحْتاجُ إلَيْهِ رُسُلُ المُلُوكِ رُسُلُهُ الكِرامُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا نَفْيٌ لِرِسالَتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولا تَعَرُّضَ فِيهِ لِنَفْيِ الصّانِعِ المُرْسَلِ لَهُ، وقالَ الإمامُ: الَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وغَرَضُهُ مِن هَذا الكَلامِ إيرادُ شُبْهَةٍ في نَفْيِ الصّانِعِ وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ قالَ: ( إنّا ) لا نَرى شَيْئًا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ إلَهُ العالَمِ فَلَمْ يَجُزْ إثْباتُ هَذا الإلَهِ، أما إنّا لا نَراهُ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ في السَّماءِ ونَحْنُ لا سَبِيلَ لَنا إلى صُعُودِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أنْ نَراهُ، ولِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ عَدَمِ الإمْكانِ قالَ: ﴿ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ فَما هو إلّا لِإظْهارِ عَدَمِ إمْكانِ ما ذُكِرَ لِكُلِّ أحَدٍ، ولَعَلَّ لا تَأْبى ذَلِكَ لِأنَّها لِلتَّهَكُّمِ عَلى هَذا وهي شُبْهَةٌ في غايَةِ الفَسادِ إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ أحَدِ طُرُقِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ انْتِفاءُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ورَأيْتُ لِبَعْضِ السَّلَفِيِّينَ أنَّ اللَّعِينَ ما قالَ ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ سَمِعَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن أحَدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِالعُلُوِّ أوْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى مُسْتَحِيلٍ في حَقِّهِ تَعالى لَمْ يَرُدَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ ما قالَ تَهَكُّمًا وتَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ، ولِلْإمامِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ رَدَّ بِهِ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ ورَدَّ احْتِجاجَهم بِما أشْعَرَتْ بِهِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ وسَمّاهُمُ المُشَبِّهَةَ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلُ المَجالِ والحَقُّ مَعَ السَّلَفِ عَلَيْهِمْ رَحْمَةُ المَلِكِ المُتَعالِ وحاشاهم ثُمَّ حاشاهم مِنَ التَّشْبِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ وأنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهِ كاذِبًا في دَعْوى أنَّ لَهُ إلَهًا غَيْرِي لِقَوْلِهِ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي  ﴾ .

﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المُفْرِطِ ﴿ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ ﴾ فانْهَمَكَ فِيهِ انْهِماكًا لا يَرْعَوِي عَنْهُ بِحالٍ ﴿ وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ﴾ أيْ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ والفِعْلانِ مَبْنِيّانِ لِلْمَفْعُولِ والفاعِلُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ كُلًّا مِنَ التَّزْيِينِ والصَّدْرِ إلّا لِأنَّ فِرْعَوْنَ طَلَبَهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ واقْتَضى ذَلِكَ سُوءَ اخْتِيارِهِ ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ قُرِئَ «( زَيَّنَ )» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولَمْ يَسْبِقْ سِوى ذِكْرِهِ تَعالى دُونَ الشَّيْطانِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الشَّيْطانَ ونِسْبَةُ الفِعْلِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ الوَسْوَسَةِ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ والشّامِيُّ وأبُو عَمْرٍو «( وصَدّ )» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّ المَعْنى وصَدَّ فِرْعَوْنُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ بِأمْثالِ هَذِهِ التَّمْوِيهاتِ والشُّبُهاتِ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ ﴾ أيْ في خَسارٍ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِتَقَدُّمِ ذِكْرٍ لِلْكَيْدِ وهو في هَذِهِ القِراءَةِ أظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «( وصَدَّ )» بِكَسْرِ الصّادِ أصْلُهُ صَدِدَ نُقِلَتِ الحَرَكَةُ إلى الصّادِ بَعْدَ تَوَهُّمِ حَذْفِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ «( وصَدّ )» بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّ الدّالِ مُنَوَّنَةً عَطْفًا عَلى ( سُوءُ عَمَلِهِ )، وقُرِئَ «وصُدُّوا» بِواوِ الجَمْعِ أيْ هو وقَوْمُهُ <div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِىٓ ءَامَنَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨

﴿ وقالَ الَّذِي آمَنَ ﴾ هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: فِيهِ نَظِيرُ ما قِيلَ في سابِقِهِ أنَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ضَعِيفٌ كَما لا يَخْفى ﴿ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ ﴾ فِيما دَلَلْتُكم عَلَيْهِ ﴿ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ ﴾ سَبِيلًا يَصِلُ بِهِ سالِكُهُ إلى المَقْصُودِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ سَبِيلُ الغَيِّ.

وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ كَما في البَحْرِ ( اَلرَّشادِ ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ <div class="verse-tafsir"

يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَـٰعٌۭ وَإِنَّ ٱلْـَٔاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ٣٩

﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ﴾ أيْ تَمَتُّعٌ أوْ مُتَمَتَّعٌ بِهِ يَسِيرُ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ ﴿ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ ﴾ لِخُلُودِها ودَوامِ ما فِيها <div class="verse-tafsir"

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٤٠

﴿ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً ﴾ في الدُّنْيا ﴿ فَلا يُجْزى ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ إلا مِثْلَها ﴾ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الجِناياتِ تُغَرَّمُ بِمِثْلِها أيْ بِوِزانِها مِن غَيْرِ مُضاعَفَةٍ ﴿ ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ ﴾ الَّذِينَ عَمِلُوا ذَلِكَ ﴿ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ومُوازَنَةٍ بِالعَمَلِ بَلْ أضْعافًا مُضاعَفَةً فَضْلًا مِنهُ تَعالى ورَحْمَةً، وقَسَّمَ العُمّالَ إلى ذَكَرٍ وأُنْثى لِلِاهْتِمامِ والِاحْتِياطِ في الشُّمُولِ لِاحْتِمالِ نَقْصِ الإناثِ، وجَعَلَ الجَزاءَ في جَزاءِ أعْمالِهِمْ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُصَدَّرَةً بِاسْمِ الإشارَةِ مَعَ تَفْضِيلِ الثَّوابِ وتَفْصِيلِهِ تَغْلِيبًا لِلرَّحْمَةِ وتَرْغِيبًا فِيما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلَ العَمَلَ عُمْدَةً ورُكْنًا مِنَ القَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ والإيمانَ حالًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ شَرْطٌ في اعْتِبارِ العَمَلِ والِاعْتِدادِ بِهِ والثَّوابِ عَلَيْهِ لِأنَّ الأحْوالَ قُيُودٌ وشُرُوطٌ لِلْحِكَمِ الَّتِي وقَعَتْ فِيهِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى عَظِيمِ شَرَفِهِ ومَزِيدِ ثَوابِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ.

والحَسَنُ.

وأبُو جَعْفَرٍ.

وعِيسى.

وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ «يُدْخَلُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ <div class="verse-tafsir"

۞ وَيَـٰقَوْمِ مَا لِىٓ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِىٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١

﴿ ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ ﴾ كَرَّرَ نِداءَهم إيقاظًا لَهم عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ واهْتِمامًا بِالمُنادى لَهُ ومُبالَغَةً في تَوْبِيخِهِمْ عَلى ما يُقابِلُونَ بِهِ دَعْوَتَهُ، وتَرَكَ العَطْفَ في النِّداءِ الثّانِي وهو ﴿ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ ..

إلَخْ.

لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما أُجْمِلَ في النِّداءِ قَبْلَهُ مِنَ الهِدايَةِ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ فَإنَّها التَّحْذِيرُ مِنَ الإخْلادِ إلى الدُّنْيا والتَّرْغِيبُ في إيثارِ الآخِرَةِ عَلى الأُولى وقَدْ أدّى ذَلِكَ فِيهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأحْسَنِهِ ولَمْ يَتْرُكْ في هَذا النِّداءِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِلْمُوازَنَةِ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ دَعْوَتِهِ إلى دِينِ اللَّهِ الَّذِي ثَمَرَتُهُ النَّجاةُ ودَعْوَتِهِمْ إلى اتِّخاذِ الأنْدادِ الَّذِي عاقَبْتُهُ النّارُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن تَفْسِيرِ الهِدايَةِ في شَيْءٍ بَلْ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ هادٍ وأنَّهم مُضِلُّونَ وأنَّ ما عَلَيْهِ هو الهُدى وما هم عَلَيْهِ هو الضَّلالُ فَهو عَطْفٌ عَلى النِّداءِ الأوَّلِ أوِ المَجْمُوعِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى النِّداءِ الثّانِي داخِلٌ مَعَهُ في التَّفْسِيرِ لِما أُجْمِلَ في النِّداءِ الأوَّلِ تَصْرِيحًا وتَعْرِيضًا، ولِكُلٍّ وجْهٌ وفي التَّرْجِيحِ كَلامٌ.

<div class="verse-tafsir"

تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِۦ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ وَأَنَا۠ أَدْعُوكُمْ إِلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلْغَفَّـٰرِ ٤٢

﴿ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ ﴾ بَدَلٌ مِن تَدْعُونَنِي إلى النّارِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجْرِي في الجُمَلِ كالمُفْرَداتِ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ، والدُّعاءُ كالهِدايَةِ في التَّعْدِيَةِ بِإلى واللّامُ ﴿ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ ﴾ أيْ بِكَوْنِهِ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في المَعْبُودِ أوْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ ﴿ عِلْمٌ ﴾ ونَفْيُ العِلْمِ هُنا كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المَعْلُومِ، وفي إنْكارِهِ لِلدَّعْوَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إشْعارٌ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ بِها.

﴿ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ ﴾ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ مِن كَمالِ القُدْرَةِ والغَلَبَةِ وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المُجازاةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ والغُفْرانِ وخُصَّ هَذانِ الوَصْفانِ بِالذِّكْرِ وإنْ كانا كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ لِاسْتِلْزامِهِما ذَلِكَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما فِيهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الخَوْفِ والرَّجاءِ المُناسِبِ لِحالِهِ وحالِهِمْ <div class="verse-tafsir"

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُۥ دَعْوَةٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣

﴿ لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴾ سِياقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ لا رَدَّ لِكَلامٍ سابِقٍ وهو ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ ها هُنا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وشِرْكِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ عَزَّ وجَلَّ بِهِ و( جَرَمَ ) فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى ثَبَتَ وحَقَّ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُبَيْدَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها فاعِلَةٌ أيْ ثَبَتَ وحَقَّ عَدَمُ دَعْوَةٍ لِلَّذِي تَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ الأصْنامِ إلى نَفْسِهِ أصْلًا يَعْنِي أنَّ مِن حَقِّ المَعْبُودِ بِالحَقِّ أنْ يَدْعُوَ العِبادَ المُكْرَمِينَ كالأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إلى نَفْسِهِ ويَأْمُرَهم بِعِبادَتِهِ ثُمَّ يَدْعُو العِبادُ بَعْضُهم بَعْضًا إلَيْهِ تَعالى وإلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ إظْهارًا لِدَعْوَةِ رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وما تَدْعُونَ إلَيْهِ وإلى عِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ لا يَدْعُو هو إلى ذَلِكَ ولا يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ أصْلًا لا في الدُّنْيا لِأنَّهُ جَمادٌ فِيها لا يَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِن دُعاءٍ وغَيْرِهِ ولا في الآخِرَةِ لِأنَّهُ إذا أنْشَأهُ اللَّهُ تَعالى فِيها حَيَوانًا تَبَرَّأ مِنَ الدُّعاةِ إلَيْهِ ومِن عَبَدَتِهِ وحاصِلُهُ حَقٌّ أنْ لَيْسَ لِآلِهَتِكم دَعْوَةٌ أصْلًا فَلَيْسَتْ بِآلِهَةٍ حَقَّةٍ أوْ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ الدُّعاءِ السّابِقِ الَّذِي دَعاهُ قَوْمُهُ وإنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها مَفْعُولُهُ أيْ كَسَبَ دُعاؤُكم إيّايَ إلى آلِهَتِكم أنْ لا دَعْوَةَ لَها أيْ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِها وذَهابُها ضَياعًا، وقِيلَ: ( جَرَمَ ) اسْمُ لا وهو مَصْدَرٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِمَعْنى القَطْعِ والخَبَرُ أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها عَلى مَعْنى لا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ أيْ لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ البُطْلانُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَيَنْقَلِبُ حَقًّا، وهَذا البُطْلانُ هو مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ ﴾ ..

إلَخْ، ولا ( جَرَمَ ) عَلى هَذا مِثْلَ لا بُدَّ فَإنَّهُ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ وانْقِطاعُ بَعْضِ الشَّيْءِ مِن بَعْضٍ، ومِن ثَمَّ قِيلَ: المَعْنى لا بُدَّ مِن بُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ أيْ بُطْلانُها أمْرٌ ظاهِرٌ مُقَرَّرٌ، ونُقِلَ هَذا القَوْلُ عَنِ الفَرّاءِ، وعَنْهُ أنَّ ذَلِكَ هو أصْلُ لا ( جَرَمَ ) لَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ بِمَعْنى حَقًّا فَلِهَذا يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ في مِثْلِ لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ.

وفي الكَشّافِ ورُوِيَ عَنِ العَرَبِ لا جَرَمَ أنَّهُ يَفْعُلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ أيْ لا بُدَّ وفَعَلَ وفُعْلَ أخَوانِ كَرَشَدَ ورُشْدٍ وعَدَمَ وعُدْمٍ، وهَذِهِ اللُّغَةُ تُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالِاسْمِيَّةِ في اللُّغَةِ الأُخْرى ولا تُعَيِّنُها كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في لا جَرَمَ أيْضًا فَلْيُتَذَكَّرْ.

ولامَ لَهُ في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْجُهِ لِنِسْبَةِ الدَّعْوَةِ إلى الفاعِلِ عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِنِسْبَتِها إلى المَفْعُولِ فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا يَدْعُونَ آلِهَتَهم في الآيَةِ دُعاءَهم إيّاها في مَعْنى نَفْيِ الِاسْتِجابَةِ مِنها لِدُعائِهِمْ إيّاها، فالمَعْنى أنَّ ما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ الأصْنامِ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ لِمَن يَدْعُوهُ أصْلًا أوْ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ أيْ لا يَدَّعِي دُعاءً يَسْتَجِيبُهُ لِداعِيهِ.

فالكَلامُ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وجُوِّزَ التَّجَوُّزُ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ فَعَنِ اسْتِجابَتِها الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْها، وهَذا كَما سُمِّيَ الفِعْلُ المُجازِيُّ عَلَيْهِ بِاسْمِ الجَزاءِ في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ وهو مِن بابِ المُشاكَلَةِ عِنْدَ بَعْضٍ ﴿ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ مَرْجِعَنا إلَيْهِ تَعالى بِالمَوْتِ، وهَذا عَطْفٌ عَلى أنَّ ما تَدْعُونَنِي داخِلٌ في حُكْمِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ ﴾ وفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ ( اَلْمُسْرِفِينَ ) هُنا بِالسَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ بِغَيْرِ حَلِّها فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ خَتَمَ تَعْرِيضًا بِما افْتَتَحَ بِهِ تَصْرِيحًا في قَوْلِهِ: ﴿ أتَقْتُلُونَ رَجُلا ﴾ .

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّ الإشْراكَ إسْرافٌ في الضَّلالَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُمُ الجَبّارُونَ المُتَكَبِّرُونَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن غَلَبَ شَرُّهُ خَيْرَهُ فَهو مُسْرِفٌ والمُرادُ بِأصْحابِ النّارِ مُلازِمُوها، فَإنْ أُرِيدَ بِالمُسْرِفِينَ ما يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُ العاصِي أُرِيدَ بِالمُلازَمَةِ العُرْفِيَّةِ الشّامِلَةِ لِلْمُكْثِ الطَّوِيلِ، وإنْ أُرِيدَ بِهِمْ ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ فَهي بِمَعْنى الخُلُودِ.

<div class="verse-tafsir"

فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٤٤

﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ﴾ وقُرِئَ ( فَسَتَذْكُرُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ أيْ فَسَيُذَكِّرُ بَعْضُكم بَعْضًا عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ ﴿ ما أقُولُ لَكُمْ ﴾ مِنَ النَّصائِحِ ﴿ وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ ﴾ لِيَعْصِمَنِي مِن كُلِّ سُوءٍ ﴿ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فَيَحْرُسُ مَن يَلُوذُ بِهِ سُبْحانَهُ مِنهم مِنَ المَكارِهِ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابَ تَوَعُّدِهِمُ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ  ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟ ۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرْعَوْنَ سُوٓءُ ٱلْعَذَابِ ٤٥

﴿ فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً والتَّفْرِيعُ في ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ ﴾ عَلى قَوْلِهِ الأخِيرِ: ﴿ ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ ﴾ ..

إلَخْ، وجَعَلَهُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ يا قَوْمِ ﴾ الثّانِي تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ، وما في ﴿ ما مَكَرُوا ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ و( السَّيِّئاتُ ) الشَّدائِدُ أيْ فَوَقاهُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ مَكْرِهِمْ ﴿ وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ أوْلى مِنهم بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آلُ فِرْعَوْنَ شامِلًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِأنْ يُرادَ بِهِمْ مُطْلَقُ كَفَرَةِ القِبْطِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا  ﴾ أنَّهُ شامِلٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما حَكى الأوْزاعِيُّ ولا أعْتَقِدُ صِحَّتَهُ ألْفَيْ ألْفٍ وسِتَّمِائَةِ ألْفٍ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ قَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَهَرَبَ إلى جَبَلٍ فَبَعَثَ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ يُصَلِّي والسِّباعُ حَوْلَهُ فَلَمّا هَمُّوا لِيَأْخُذُوهُ ذَبَّتْ عَنْهُ فَأكَلَتْهم، ومِنهم مَن ماتَ في الجَبَلِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، فالمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هَؤُلاءِ الألْفُ الَّذِينَ بَعَثَهم إلى قَتْلِهِ أيْ فَنَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم ﴿ سُوءُ العَذابِ ﴾ الغَرَقُ عَلى الأوَّلِ وأكْلُ السِّباعِ والمَوْتُ عَطَشًا والقَتْلُ والصَّلْبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والنّارُ عَلَيْهِما ولَعَلَّهُ الأوْلى، وإضافَةُ ( سُوءُ ) إلى ( اَلْعَذابِ ) لامِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، <div class="verse-tafsir"

ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّۭا وَعَشِيًّۭا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ٤٦

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ النّارُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحاقَ ﴾ ..

إلَخْ.

.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( اَلنّارُ ) بَدَلًا مِن ( سُوءُ اَلْعَذابِ ويُعْرَضُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنها أوْ مِنَ الآلِ، وأنْ تَكُونَ النّارُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ ؟

فَقِيلَ: هو النّارُ، وجُمْلَةُ ( يُعْرَضُونَ ) تَفْسِيرٌ عَلى ما مَرَّ، وفي الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ النّارِ وتَهْوِيلِ عَذابِها ما لَيْسَ في هَذا الوَجْهِ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَنشَأُ التَّعْظِيمِ عَلى ما في الكَشْفِ الإجْمالُ والتَّفْسِيرُ في كَيْفِيَّةِ تَعْذِيبِهِمْ وإفادَةُ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ نَوْعًا مِنَ التَّهْوِيلِ.

الأُولى الإحاطَةُ بِعَذابٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى سُوءَ العَذابِ.

والثّانِيَةُ النّارُ المَعْرُوضُ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا.

والسِّرُّ في إفادَةِ تَعْظِيمِ النّارِ في هَذا الوَجْهِ دُونَ ما تَضَمَّنَ تَفْسِيرَ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) وبَيانُ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ أنَّكَ إذا فَسَّرْتَ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) بِالنّارِ فَقَدْ بالَغْتَ في تَعْظِيمِ سُوءِ العَذابِ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفْتَ بِيُعْرَضُونَ عَلَيْها تَتْمِيمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ ﴾ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلنّارِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، وإذا جِئْتَ بِالجُمْلَتَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى المُفْرِدِينَ وإنَّ أحَدَهُما تَفْسِيرٌ لِلْآخَرِ فَقَدْ قَصَدْتَ بِالنّارِ قَصْدَ الِاسْتِقْلالِ حَيْثُ جَعَلْتَها مُعْتَمَدَ الكَلامِ وجِئْتَ بِالجُمْلَةِ بَيانًا وإيضاحًا لِلْأُولى كَأنَّكَ قَدْ آذَنْتَ بِأنَّها أوْضَحُ لِاشْتِمالِها عَلى ما لا أسْوَأ مِنهُ أعْنِي النّارَ عَلى أنَّ مِن مُوجِباتِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ إنْباؤُهُ عَنِ التَّعْظِيمِ مَعَ اقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ وها هُنا كَذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى، والتَّرْكِيبُ أيْضًا يُفِيدُ التَّقْوى عَلى نَحْوِ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ.

ومِن هُنا قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: هَذا هو الوَجْهُ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ مَن نَصَبَ ( اَلنّارُ ) بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ مَنصُوبَةً بِأخُصُّ أوْ أعْنِي بَلْ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يُعْرَضُونَ ) مِثْلَ يُصْلَوْنَ فَإنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ إحْراقُهم بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأسارى عَلى السَّيْفِ قُتِلُوا بِهِ، وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِحالِ مَتاعٍ يُبْرَزُ لِمَن يُرِيدُ أخْذَهُ، وفي ذَلِكَ جَعَلَ النّارَ كالطّالِبِ الرّاغِبِ فِيهِمْ لِشِدَّةِ اسْتِحْقاقِهِمُ الهَلاكَ، وهَذا العَرْضُ لِأرْواحِهِمْ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو وتَرُوحُ عَلى النّارِ فَذَلِكَ عَرْضُها.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الطَّيْرُ صُوَرٌ تُخْلَقُ لَهم مِن صُوَرِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: ذاكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وذِكْرُ الوَقْتَيْنِ ظاهِرٌ في التَّخْصِيصِ بِمَعْنى أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ صَباحًا مَرَّةً ومَساءً مَرَّةً أيْ فِيما هو صَباحٌ ومَساءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ لَهُ صَرْخَتانِ في كُلِّ يَوْمٍ غَدْوَةً وعَشِيَّةً كانَ يَقُولُ أوَّلَ النَّهارِ: ذَهَبَ اللَّيْلُ وجاءَ النَّهارُ وعَرْضُ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى النّارِ، ويَقُولُ أوَّلَ اللَّيْلِ: ذَهَبَ النَّهارُ وجاءَ اللَّيْلُ وعَرْضُ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى النّارِ فَلا يَسْمَعُ أحَدٌ صَوْتَهُ إلّا اسْتَعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ النّارِ، والفَصْلُ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ إمّا بِتَرْكِ العَذابِ أوْ بِتَعْذِيبِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ غَيْرِ النّارِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّأْبِيدَ اكْتِفاءً بِالطَّرَفَيْنِ المُحِيطَيْنِ عَنِ الجَمِيعِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى بَقاءِ النَّفْسِ وعَذابِ البَرْزَخِ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ العَرْضَ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ ﴾ وهو ظاهِرٌ في المُغايَرَةِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ذَلِكَ في البَرْزَخِ، ولا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ عَلى العُمُومِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ تَعالى»» ( ويَوْمَ ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ أيْ عَذابَ جَهَنَّمَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِمّا كانُوا فِيهِ أوْ أشَدَّ عَذابِ جَهَنَّمَ فَإنَّ عَذابَها ألْوانٌ بَعْضُها ( أشَدّ ) مِن بَعْضٍ، وعَنْ بَعْضِ أشَدِّ العَذابِ هو عَذابُ الهاوِيَةِ، وقِيلَ: هو مَعْمُولُ ﴿ أدْخِلُوا ﴾ .

وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ( عَشِيًّا ) فالعامِلُ فِيهِ ( يُعْرَضُونَ وأدْخِلُوا ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ وهو كَما تَرى، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ وأبُو بَكْرٍ «ادْخُلُوا» عَلى أنَّهُ أمَرٌ لِآلِ فِرْعَوْنَ بِالدُّخُولِ أيِ ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ، <div class="verse-tafsir"

وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِى ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُا۟ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًۭا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ ﴾ مَعْمُولٌ لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا أيْ واذْكُرْ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ في النّارِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لا عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ ما تُلِيَ عَلَيْكَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ ومُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ  ﴾ أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ  ﴾ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّقْدِيرِ في الأوَّلِ وبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الأخِيرَيْنِ.

وزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ( إذْ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ  ﴾ وهو مَعَ بُعْدِهِ فِيهِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ غُدُوًّا ﴾ وجُمْلَةُ ( يَوْمَ تَقُومُ ) اعْتِراضٌ بَيْنِهِما وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ قَلِيلُ الفائِدَةِ، وضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ عَلى ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ لِجَمِيعِ كُفّارِ الأُمَمِ، ويَتَراءى مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: هو لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمُحاجَّةِ والتَّخاصُمِ في النّارِ أيْ يَقُولُ المَرْءُوسُونَ لِرُؤَسائِهِمْ: ﴿ إنّا كُنّا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ لَكم تَبَعًا ﴾ تَباعًا فَهو كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ.

وذَهَبَ جَمْعٌ لِقِلَّةِ هَذا الجَمْعِ إلى أنَّ ( تَبَعًا ) مَصْدَرٌ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنّا كُنّا لَكم ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعًا أوْ عَلى التَّجَوُّزِ في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِمْ لِشِدَّةِ تَبَعِيَّتِهِمْ كَأنَّهم عَيْنُ التَّبَعِيَّةِ ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ ﴾ بِدَفْعِ بَعْضِ عَذابِها أوْ بِتَحَمُّلِهِ عَنّا، ( ومُغْنُونَ ) مِنَ الغَناءِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الفائِدَةِ، ( ونَصِيبًا ) بِمَعْنى حِصَّةٍ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّفْعِ أوِ الحَمْلِ أوَّلَهُ بِتَضْمِينِ أحَدِهِما أيْ دافِعِينَ أوْ حامِلِينَ عَنّا نَصِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصِيبًا قائِمًا مَقامَ المَصْدَرِ كَشَيْئًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ﴾ .

( ومِنَ اَلنّارِ ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ - بِمُغْنُونَ - وعَلى ما قَبْلَهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ بَيانٌ - لَنَصِيبًا.

.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّۭ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ ٤٨

﴿ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ لِلضُّعَفاءِ ﴿ إنّا كُلٌّ فِيها ﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَدَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا شَيْئًا مِنَ العَذابِ ورَفْعُ ( كُلٌّ ) عَلى الِابْتِداءِ وهو مُضافٌ تَقْدِيرًا لِأنَّ المُرادَ كُلُّنا ( وفِيها ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ «كُلًّا» بِالنَّصْبِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، وكَوْنُ كُلٍّ المَقْطُوعِ عَنِ الإضافَةِ يَقَعُ تَأْكِيدًا اكْتِفاءً بِأنَّ المَعْنى عَلَيْها مَذْهَبُ الفَرّاءِ ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِهِ لِلتَّسْهِيلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في مَعْنى المُضافِ ولِذا جازَ الِابْتِداءُ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالًا، وإذا سُلِّمَ كِفايَةُ هَذا المِقْدارِ مِنَ التَّنْكِيرِ في الحالِيَّةِ فالظَّرْفُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ نَحْوَ كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ.

وأُجِيبَ عَنْ أمْرِ العَمَلِ بِأنَّ الأخْفَشَ أجازَ عَمَلَ الظَّرْفِ في الحالِ إذا تَوَسَّطَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْتَدَأِ نَحْوَ زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ عِنْدَكَ وما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ بَعْضَهم أجازَ ذَلِكَ ولَوْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلى المُبْتَدَأِ والظَّرْفِ نَعَمْ مَنَعَهُ بَعْضُهم مُطْلَقًا لَكِنَّ المُخْرِجَ لَمْ يُقَلِّدْهُ، وابْنُ الحاجِبِ جَوَّزَهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ ومَنَعَهُ في بَعْضٍ، قِيلَ: وقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المَنعَ عَلى تَقْدِيرِ عَمَلِ الظَّرْفِ لِنِيابَتِهِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ، والجَوازُ عَلى جَعْلِ العامِلِ مُتَعَلِّقُهُ المُقَدَّرِ فَيَكُونُ لَفْظِيًّا لا مَعْنَوِيًّا، وإلى هَذا التَّخْرِيجِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ بَعْضِ الطّائِيِّينَ: دَعا فَأجَبْنا وهو بادِي ذِلَّةٍ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ  ﴾ في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنَ اسْمِ إنَّ لَأنَّ كُلًّا يَتَصَرَّفُ فِيها بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ كُلًّا فِيها.

وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعا ويَوْمًا أجْمَعا عَلى البَدَلِ مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ فَأنْ يُدَّعى في كُلٍّ البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ ( كُلٌّ ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا أيْ جَمِيعًا.

ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ تَجْعَلُهُ بَدَلًا وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ؟

قُلْتُ: مَذْهَبُ الأخْفَشِ.

والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا  ﴾ وكَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم مَعْناهُ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ وهو ( كُلٌّ ) أوْلى ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَناطَ الخِلافِ.

انْتَهى.

ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّوْكِيدِ أحْسَنُ مِن هَذا وأقْرَبُ، ورَدُّ ابْنِ مالِكٍ لَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ ﴾ فَأدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلَ النّارِ النّارَ، وقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنّا ومِنكم عَذابًا لا يُدْفَعُ عَنْهُ ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ <div class="verse-tafsir"

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِى ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًۭا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٤٩

﴿ وقالَ الَّذِينَ في النّارِ ﴾ مِنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ جَمِيعًا لِما ضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وعَيَتَ بِهِمُ العِلَلُ ﴿ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ أيْ لِلْقُوّامِ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وكانَ الظّاهِرُ - لِخَزَنَتِها - بِضَمِيرِ النّارِ لَكِنْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ لِلتَّهْوِيلِ، فَإنَّ جَهَنَّمَ أخَصُّ مِنَ النّارِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِإطْلاقِها عَلى ما في الدُّنْيا أوْ لِأنَّها مَحَلٌّ لِأشَدِّ العَذابِ الشّامِلِ لِلنّارِ وغَيْرِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَيانِ مَحَلِّ الكَفَرَةِ في النّارِ بِأنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ أبْعَدَ دَرَكاتِها مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهْنامٌ بَعِيدَةُ القَعْرِ وفِيها أعْتى الكَفَرَةِ وأطْغاهم، فَلَعَلَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ أُولَئِكَ أجُوبُ دَعْوَةً لِزِيادَةِ قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلِهَذا تَعَمَّدَهم أهْلُ النّارِ بِطَلَبِ الدَّعْوَةِ مِنهم وقالُوا لَهم: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا ﴾ أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ﴿ مِنَ العَذابِ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العَذابِ، فَمَفْعُولُ ( يُخَفِّفْ ) مَحْذُوفٌ، ( ومِنَ ) تَحْتَمِلُ البَيانَ والتَّبْعِيضَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ ( يَوْمًا ) بِحَذْفِ المُضافِ نَحْوَ ألَمِ يَوْمٍ ( ومِنَ اَلْعَذابِ ) بَيانُهُ، والمُرادُ يَدْفَعُ عَنّا يَوْمًا مِن أيّامِ العَذابِ: <div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَـٰٓؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍ ٥٠

﴿ قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ لَمْ تُنَبَّهُوا عَلى هَذا ولَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ ﴾ هَذا وأرادُوا بِذَلِكَ إلْزامَهم وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَةِ أوْقاتِ الدُّعاءِ وتَعْطِيلِ أسْبابِ الإجابَةِ ﴿ قالُوا بَلى ﴾ أيْ أتَوْنا بِها فَكَذَّبْناهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ  ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا فادْعُوا ﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فادْعُوا أنْتُمْ فَإنَّ الدُّعاءَ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلَكم ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ صُدُورُهُ عَنّا، وقِيلَ: في تَعْلِيلِ امْتِناعِ الخَزَنَةِ عَنِ الدُّعاءِ: لِأنّا لَمْ نُؤْذَنْ في الدُّعاءِ لِأمْثالِكم، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنْ بَيانٍ أنَّ سَبَبَهُ مِن قِبَلِ الكَفَرَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ الإذْنَ في حَيِّزِ الإمْكانِ وأنَّهم لَوْ أُذِنَ لَهم لَفَعَلُوا فالتَّعْلِيلُ الأوَّلُ أوْلى، ولَمْ يُرِيدُوا بِأمْرِهِمْ بِالدُّعاءِ إطْماعَهم في الإجابَةِ بَلْ إقْناطَهم مِنها وإظْهارَ خَيْبَتِهِمْ حَيْثُما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ في ضَياعٍ وبُطْلانٍ أيْ لا يُجابُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ  .

واسْتَدَلَّ بِها مُطْلَقًا مَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ لا يُسْتَجابُ وإنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِنَ الخُرُوجِ في الِاسْتِسْقاءِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ في دُعاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ الكافِرَ قَدْ يَقَعُ في الدُّنْيا ما يَدْعُو بِهِ ويَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إثْرَ دُعائِهِ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وأمّا أنَّهُ هَلْ يُقالُ لِذَلِكَ إجابَةٌ أمْ لا فَبَحْثٌ لا جَدْوى لَهُ، <div class="verse-tafsir"

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَـٰدُ ٥١

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ..

إلَخْ.

كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ ما أصابَ الكَفَرَةَ مِنَ العَذابِ المَحْكِيِّ مِن فُرُوعِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ هو أنَّ شَأْنَنا المُسْتَمِرَّ أنَّنا نَنْصُرُ رُسُلَنا وأتْباعَهم ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالِاسْتِئْصالِ والقَتْلِ والسَّبْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قَدْ يَتَّفِقُ لِلْكَفَرَةِ مِن صُورَةِ الغَلَبَةِ امْتِحانًا إذِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ ﴾ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمْعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وشَهادَةِ الإشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ، فالأشْهادُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ كَأشْرافٍ جَمْعِ شَرِيفٍ، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ بِناءً عَلى أنَّ فاعِلًا قَدْ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وبَعْضُ مَن لَمْ يُجَوِّزْ يَقُولُ: هو جَمْعُ شَهْدٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِشاهِدٍ كَما قالُوا في صَحْبٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِصاحِبٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( اَلْأشْهادُ ) بِالجَوارِحِ ولَيْسَ بِذاكَ، وهو عَلَيْهِما مِنَ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: هو مِنَ المُشاهَدَةِ بِمَعْنى الحُضُورِ.

وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ النُّصْرَةَ في الآخِرَةِ لا تَتَخَلَّفُ أصْلًا بِخِلافِها في الدُّنْيا فَإنَّ الحَرْبَ فِيها سِجالٌ وإنْ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ولِذا دَخَلَتْ ( في ) عَلى ( اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ) دُونَ قَرِينِهِ لِأنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ بِفي لا يَسْتَوْعِبُ كالمَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ.

انْتَهى.

وفِيهِ بَحْثٌ.

وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وإسْماعِيلُ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَقُومُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى مَعْنى جَماعَةِ الأشْهادِ.

<div class="verse-tafsir"

يَوْمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يَقُومُ ) ولا قِيلَ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنَفْيِ النَّفْعِ فَقَطْ عَلى مَعْنى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا يَنْفَعُهم مَعْذِرَتُهم لِبُطْلانِها وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنَفْيِ النَّفْعِ والمَعْذِرَةِ عَلى مَعْنى لا تَقَعُ مَعْذِرَةٌ لِتَنْفَعَ، وفي الكَشّافِ يُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ بِمَعْذِرَةٍ ولَكِنَّها لا تَنْفَعُ لِأنَّها باطِلَةٌ وأنَّهم لَوْ جاءُوا بِمَعْذِرَةٍ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ  ﴾ وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ عَدَمَ النَّفْعِ إمّا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى المَعْذِرَةِ الكائِنَةِ وهو بُطْلانُها، وإمّا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى مَن يَقْبَلُ العُذْرَ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى وُقُوعِ العُذْرِ والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ الصِّفَةُ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى المَوْصُوفِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا، ولَيْسَ في كَلامِهِ إشارَةٌ إلى إرادَةِ نَفْيِهِما جَمِيعًا فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ ونافِعٌ «لا تَنْفَعُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُها ظاهِرٌ، وأمّا قِراءَةُ الياءِ فَلِأنَّ المَعْذِرَةَ مَصْدَرٌ وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ أنَّهُ فُصِلَ عَنِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ ﴿ ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أيِ البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

﴿ ولَهم سُوءُ الدّارِ ﴾ هي جَهَنَّمُ وسُوءُها ما يَسُوءُ فِيها مِنَ العَذابِ فَإضافَتُهُ لامِيَّةٌ أوْ هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أيِ الدّارُ السُّوأى، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَتَيْنِ مِن إهانَتِهِمْ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٥٣

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى ﴾ ما يُهْتَدى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ والصُّحُفِ والشَّرائِعِ فَهو مَصْدَرٌ تُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذَكَرَ أوْ جُعِلَ عَيْنَ الهُدى مُبالَغَةً فِيهِ.

﴿ وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ تَرَكْنا عَلَيْهِمْ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ التَّوْراةَ فالإيراثُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ التَّرْكِ أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَعَلْنا بَنِي إسْرائِيلَ آخِذِينَ الكِتابَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا كَسْبٍ فَيَشْمَلُ مَن في حَياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يُقالُ: العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وهو وجْهٌ إلّا أنَّ اعْتِبارَ بَعْدَ المَوْتِ أوْفَقُ في الإيراثِ والعَلاقَةَ عَلَيْهِ أتَمُّ، وإرادَةُ التَّوْراةِ مِنَ الكِتابِ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جِنْسَ ما أُنْزِلَ عَلى أنْبِيائِهِمْ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والزَّبُورَ والإنْجِيلَ <div class="verse-tafsir"

هُدًۭى وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ٥٤

﴿ هُدًى وذِكْرى ﴾ هِدايَةً وتَذْكِرَةً أيْ لِأجْلِهِما أوْ هادِيًا ومُذَكِّرًا فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الوَهْمِ، وخُصُّوا لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ <div class="verse-tafsir"

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ٥٥

﴿ فاصْبِرْ ﴾ أيْ إذا عَرَفْتَ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ لِلتَّأسِّي فاصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ إيّاكَ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أوْ جَمِيعَ مَواعِيدِهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ وعْدُهُ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ حَقٌّ ﴾ لا يَخْلُفُهُ سُبْحانَهُ أصْلًا فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِ نَصْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ، واسْتَشْهَدَ بِحالِ مُوسى ومَن مَعَهُ وفِرْعَوْنَ ومَن تَبِعَهُ ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ أقْبِلْ عَلى أمْرِ الدِّينِ وتَلافَ ما رُبَّما يَفْرُطُ مِمّا يُعَدُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ ذَنْبًا وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الِاهْتِمامُ بِأمْرِ العِدا بِالِاسْتِغْفارِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى كافِيكَ في النَّصْرِ وإظْهارِ الأمْرِ، وقِيلَ: ﴿ لِذَنْبِكَ ﴾ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ في حَقِّكَ، قِيلَ: فَإضافَةُ المَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ ﴿ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ أيْ ودُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ لِرَبِّكَ عَلى أنَّهُ عُبِّرَ بِالطَّرَفَيْنِ وأُرِيدَ جَمِيعُ الأوْقاتِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ خُصُوصُ الوَقْتَيْنِ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أوِ الصَّلاةِ، قالَ قَتادَةُ: أُرِيدَ صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، وعَنِ الحَسَنِ أُرِيدَ رَكْعَتانِ بُكْرَةً ورَكْعَتانِ عَشِيًّا، قِيلَ: لِأنَّ الواجِبَ بِمَكَّةَ كانَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الحِسَّ لا يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: كانَ يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً ورَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا.

وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ كانَ الواجِبُ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَ، والكُلُّ مُخالِفٌ لِلصَّرِيحِ المَشْهُورِ، وجُوِّزَ عَلى إرادَةِ الدَّوامِ أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ ويُرادَ بِذَلِكَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وحُكِيَ ذَلِكَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَـٰنٍ أَتَىٰهُمْ ۙ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌۭ مَّا هُم بِبَـٰلِغِيهِ ۚ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ٥٦

﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ دَلائِلِهِ سُبْحانَهُ الَّتِي نَصَبَها عَلى تَوْحِيدِهِ وكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وما أظْهَرَ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ ﴾ أيْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ في ذَلِكَ أتَتْهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِيُجادِلُونَ - وتَقْيِيدُ المُجادَلَةِ بِذَلِكَ مَعَ اسْتِحالَةِ إتْيانِ الحُجَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ في أمْرِ الدِّينِ لا بُدَّ مِنَ اسْتِنادِهِ إلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ وبُرْهانٍ مُبِينٍ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ مُجادِلٍ مُبْطِلٍ وإنْ نَزَلَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وهم عَلى الأصَحِّ مُشْرِكُو مَكَّةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ﴾ خَبَرٌ لِأنْ ( وإنَّ ) نافِيَةٌ، والمُرادُ بِالصُّدُورِ القُلُوبُ أُطْلِقَتْ عَلَيْها لِلْمُجاوَرَةِ والمُلابَسَةِ، والكِبْرُ التَّكَبُّرُ والتَّعاظُمُ أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا تَكَبُّرٌ عَنِ الحَقِّ وتَعاظُمٌ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ أوْ هو مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمُ عَلى الإطْلاقِ أوْ إرادَةِ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم أيْ ما في قُلُوبِهِمْ إلّا إرادَةُ الرِّياسَةِ أوْ أنْ تَكُونَ النُّبُوَّةُ لَهم دُونَكَ حَسَدًا وبَغْيًا حَسْبَما قالُوا: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ وقالُوا: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ  ﴾ ولِذَلِكَ يُجادِلُونَ في آياتِهِ تَعالى لا أنَّ فِيها مَوْقِعَ جِدالٍ ما أوْ أنَّ لَهم شَيْئًا يُتَوَهَّمُ صَلاحِيَتُهُ لِأنْ يَكُونَ مَدارًا لِمُجادَلَتِهِمْ في الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما هم بِبالِغِيهِ ﴾ صِفَةٌ - لِكِبْرٍ - أيْ ما هم بِبالِغِي مُوجِبِ الكِبْرِ ومُقْتَضِيهِ وهو مُتَعَلِّقُ إرادَتِهِمْ مِن دَفْعِ الآياتِ أوْ مِنَ الرِّياسَةِ أوِ النُّبُوَّةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ الكِبْرِ عَلَيْكَ وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبْرِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أذَلَّهم، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وضَمِيرُ ﴿ بِبالِغِيهِ ﴾ لِدَفْعِ الآياتِ المَفْهُومِ مِنَ المُجادَلَةِ، وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُجادِلُونَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ اليَهُودُ عَظَّمُوا أمْرَ الدَّجّالِ فَنَزَلَتْ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: إنَّ الدَّجّالَ يَكُونُ مِنّا في آخِرِ الزَّمانِ ويَكُونُ مِن أمْرِهِ ما يَكُونُ فَعَظَّمُوا أمْرَهُ وقالُوا: يَصْنَعُ كَذا وكَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ » ..

إلَخْ، وهَذا كالنَّصِّ في أنَّ أمْرَ اليَهُودِ كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها، وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ.

وفي رِوايَةٍ أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: يَخْرُجُ صاحِبُنا المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يُرِيدُونَ الدَّجّالَ ويَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ وتَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ وهو آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ فَيَرْجِعُ إلَيْنا المُلْكُ، حَكاها في الكَشّافِ ثُمَّ قالَ: فَسَمّى اللَّهُ تَعالى تَمَنِّيَهم ذَلِكَ كِبْرًا ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَبْلُغُوا مُتَمَنّاهم، ويَخْطُرُ لِي عَلى هَذا القَوْلِ إنَّ اليَهُودَ لَمْ يُرِيدُوا مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الدَّجّالِ سِوى نَفْيِ أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ في آخِرِ الزَّمانِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم وزَعَمَ أنَّ المُبَشَّرَ بِهِ هو ذَلِكَ اللَّعِينُ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا - يَعْنُونَ النَّبِيَّ المُبَشِّرَ بِهِ أنْبِياؤُهم، فالإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَبْلُغُ سُلْطانُهُ البَرَّ والبَحْرَ ويَسِيرُ مَعَهُ الأنْهارُ، وفي ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ دَفْعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الكِبْرُ والحَسَدُ وحُبُّ أنْ لا تُخْرِجَ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ نَحْوَ مَعْناها عَلى القَوْلِ بِكَوْنِ المُجادِلِينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ.

ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ كَذَبُوا أوَّلًا بِقَوْلِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ صاحِبَنا، وثانِيًا بِقَوْلِهِمْ: بَلْ هو المَسِيحُ بْنُ داوُدَ يَعْنُونَ الدَّجّالَ، أمّا الكَذِبُ الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجّالَ وأنْذَرَهم إيّاهُ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ، وهم قالُوا: هو صاحِبُنا يَعْنُونَ المُبَشَّرَ بِبَعْثَتِهِ آخِرَ الزَّمانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الجِدالِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ أيْ فالتَجِئْ إلَيْهِ تَعالى مِن كَيْدِ مَن يَحْسُدُكَ ويَبْغِي عَلَيْكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: هَذا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ أيْ لِأقْوالِكم وأفْعالِكم، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٥٧

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَبْيِينٌ لِأشْهَرِ ما يُجادِلُونَ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي هو كالتَّوْحِيدِ في وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ  ﴾ وإضافَةُ ( خَلْقُ ) إلى ما بَعْدَهُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ أيْ لَخَلْقُ اللَّهِ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ أعْظَمُ مِن خَلْقِهِ سُبْحانَهُ النّاسَ لِأنَّ النّاسَ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ كَلا شَيْءَ، والمُرادُ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ذَلِكَ فَهو سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ ما لا يُعَدُّ شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بَدْأً وإعادَةً أقْدَرُ وأقْدَرُ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: النّاسُ الدَّجّالُ وهو بِناءٌ عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ في المُجادِلِينَ، ولَعَمْرِي إنَّ تَطْبِيقَ هَذا ونَحْوِهِ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ وأنا لا أقُولُ بِهِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وهُمُ الكَفَرَةُ، ولَمّا كانَ ما قَبْلُ لِإثْباتِ البَعْثِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ وتَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ اقْتِضاءً ظاهِرًا ناسَبَ نَفْيَ العِلْمِ عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مِنَ العُقَلاءِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ التَّدَبُّرُ والتَّفَكُّرُ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم إنْكارُهُ، ولَمْ يَذْكُرْ لِلْعِلْمِ مَفْعُولًا لِأنَّ المُناسِبَ لِلْمَقامِ تَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وقِيلَ: المُرادُ لا يَعْلَمُونَ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ أيْ لا يَجْرُونَ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ بِذَلِكَ مِنَ الإقْرارِ بِالبَعْثِ ومَن لا يَجْرِي عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ هو والجاهِلُ سَواءٌ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجادَلَ في آياتِ اللَّهِ ولا يَتَكَبَّرَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَخَلْقُ ﴾ ..

إلَخْ.

أيْ إنَّ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى أكْبَرُ وأجَلُّ مِن خَلْقِ البَشَرِ فَما لِأحَدِهِمْ يُجادِلُ ويَتَكَبَّرُ عَلى خالِقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ لا يَتَأمَّلُونَ لِغَلَبَةِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ جادَلُوا وتَكَبَّرُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْسِيرٌ قَلِيلُ الجَدْوى.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَلَا ٱلْمُسِىٓءُ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨

﴿ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ أيِ الغافِلُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ في مَبْدَئِهِ ومَعادِهِ ومَن كانَتْ لَهُ بَصِيرَةٌ في مَعْرِفَتِهِما، وتَفْسِيرُ ( اَلْبَصِيرُ ) بِاللَّهِ تَعالى ( والأعْمى ) بِالصَّنَمِ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيِ المُحْسِنُ ولِذا قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا المُسِيءُ ﴾ وعَدَلَ عَنِ التَّقابُلِ الظّاهِرِ كَما في الأعْمى والبَصِيرِ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةً إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَمٌ في الإحْسانِ، وقُدِّمَ ( اَلْأعْمى ) لِمُناسَبَةِ العَمى ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ العِلْمِ، وقُدِّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدُ لِمُجاوِرَةِ البَصِيرِ ولِشَرَفِهِمْ، وفي مِثْلِهِ طُرُقٌ أنْ يُجاوِرَ كُلٌّ ما يُناسِبُهُ كَما هُنا، وأنْ يُقَدَّمَ ما يُقابِلُ الأوَّلَ ويُؤَخَّرُ ما يُقابِلُ الآخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ﴿ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ﴾ ﴿ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ  ﴾ وأنْ يُؤَخَّرَ المُتَقابِلانِ كالأعْمى والأصَمِّ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفَنُّنِ فِي البَلاغَةِ وأسالِيبِ الكَلامِ، والمَقْصُودُ مَن نَفْيِ اسْتِواءِ مَن ذُكِرَ بَيانُ أنَّ هَذا التَّفاوُتَ مِمّا يُرْشِدُ إلى البَعْثِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَسْتَوِي الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ والمُحْسِنُ والمُسِيءُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهم حالٌ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ.

وأُعِيدَتْ لا في المُسِيءِ تَذْكِيرًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ بِطُولِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ أنَّ الكافِرَ المُسِيءَ لا يُساوِي المُؤْمِنَ المُحْسِنَ، وذِكْرُ عَدَمِ مُساواةِ الأعْمى لِلْبَصِيرِ تَوْطِئَةً لَهُ، ولَوْ لَمْ يَعُدِ النَّفْيُ فِيهِ فَرُبَّما ذَهَلَ عَنْهُ وظَنَّ أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ، ولَوْ قِيلَ: ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِيهِ أيْضًا لِاحْتِمالٍ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و ﴿ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ خَبَرُهُ وجُمِعَ عَلى المَعْنى قالَهُ الخَفاجِيُّ، وهو أنَّ تَمَّ فِعْلَيِ القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواةِ المُسِيءِ لِلْمُحْسِنِ لا نَفْيُ مُساواةِ المُحْسِنِ لَهُ إذِ المُرادُ بَيانُ خَسارَتِهِ ولا يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ فَتَدَبَّرْ، والمَوْصُولُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلى ( اَلْأعْمى ) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ  ﴾ ولَمْ يُتْرَكِ العَطْفُ بَيْنَهُما بِناءً عَلى أنَّ الأوَّلَ مُشَبَّهٌ بِهِ والثّانِيَ مُشَبَّهٌ وهُما مُتَّحِدانِ مَآلًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُغايِرٌ لِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ وتَغايُرُ الصِّفاتِ كَتَغايُرِ الذَّواتِ في صِحَّةِ التَّعاطُفِ، ووَجْهُ التَّغايُرِ أنَّ الغافِلَ والمُسْتَبْصِرَ والمُحْسِنَ والمُسِيءَ صِفاتٌ مُتَغايِرَةُ المَفْهُومِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اتِّحادِ ما صَدَقَهُما وعَدَمِهِ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ والوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِن جِهَةِ أنَّ القَصْدَ في الأوَّلَيْنِ إلى العِلْمِ، وفي الأخِيرَيْنِ إلى العَمَلِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وقِيلَ: هُما وإنِ اتَّحَدا ذاتًا مُتَغايِرانِ اعْتِبارًا مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِيَ صَرِيحٌ والأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ هَذِهِ المُغايَرَةِ لَزِمَ جَوازُ عَطْفِ المُشَبَّهِ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ وعَكْسِهِ.

﴿ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ والأعْرَجُ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتّاءُ أعَمُّ، وعَلَّلَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، وقالَ القاضِي: إنَّ التّاءَ لِلتَّغَيُّبِ أوِ الِالتِفاتِ أوْ أمْرِ الرَّسُولِ  بِالمُخاطَبَةِ أيْ بِتَقْدِيرِ قُلْ قَبْلَهُ، وآثَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ الِالتِفاتَ لِأنَّ العُدُولَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ يَدُلُّ عَلى العُنْفِ الشَّدِيدِ والإنْكارِ البَلِيغِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ وهو كَلامٌ مَعَ المُجادِلِينَ.

وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ما ذَكَرَ نُكْتَةَ التَّغْلِيبِ فَيَكُونُ أوْلى لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّغْلِيبَ جارٍ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنّاسِ واحْتِمالِ كَوْنِهِ لِلْكُفّارِ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ أوِ الكُفّارِ مُخاطَبٌ هُنا والتَّقْلِيلُ أيْضًا يَصِحُّ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ مِنهم مَن يَتَذَكَّرُ ويَهْتَدِي، وقالَ الجَلَبِيُّ: الضَّمِيرُ إذا كانَ لِلنّاسِ فالتَّقْلِيلُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ والمُسْتَثْنى هُمُ المُؤْمِنُونَ وإذا كانَ لِلْكَفّارِ فَهو بِمَعْنى النَّفْيِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ مَن خاطَبَهُ  مِن قُرَيْشٍ فَمَن قالَ: المُخاطَبُ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ ولا يُناسِبُ إدْخالُهُ فِيمَن لَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ سَها ولَمْ يَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌۭ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ٥٩

﴿ إنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ﴾ أيْ في مَجِيئِها أيْ لا بُدَّ مِن مَجِيئِها ولا مَحالَةَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى جَوازِها وإجْماعِ الأنْبِياءِ عَلى الوَعْدِ الصّادِقِ بِوُقُوعِها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّها آتِيَةٌ وأنَّها لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ أيْ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ إلى آخِرِ ما مَرَّ، والفَرْقُ أنَّ مُتَعَلِّقَ الرَّيْبِ عَلى الأوَّلِ المَجِيءُ وعَلى هَذا السّاعَةُ والحَمْلُ عَلَيْهِ أوْلى.

﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بِها لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَلى ما يُدْرِكُونَهُ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ واسْتِيلاءِ الأوْهامِ عَلى عُقُولِهِمْ <div class="verse-tafsir"

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

﴿ وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ أيِ اعْبُدُونِي أُثِبْكم عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ.

وعَنِ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ هو الدُّعاءُ يَعْنِي أنَّ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ تَرْجَمَةٌ عَنْ طَلَبِ الباطِنِ وأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لِصِحَّةِ التَّوَجُّهِ وتَرْكِ المُخالَفَةِ فَمِن تَرْكِ الذُّنُوبِ فَقَدْ سَألَ الحَقَّ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وهو الدُّعاءُ الَّذِي يَلْزَمُهُ الإجابَةُ ومَن لا يَتْرُكُها فَلَيْسَ بِسائِلٍ وإنْ دَعاهُ سُبْحانَهُ ألْفَ مَرَّةٍ وما ذَكَرَ مُؤَيِّدٌ لِتَفْسِيرِ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ ومُحَقِّقٌ لَهُ فَإنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ مِن أجَلِّ العِباداتِ ويَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ كَمالُ الِانْطِباقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اسْألُونِي أُعْطِكم وهو المَرْوِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعائِي لِأنَّ الدُّعاءَ نَوْعٌ مِنَ العِبادَةِ ومِن أفْضَلِ أنْواعِها، بَلْ رَوى ابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أفْضَلُ العِبادَةِ الدُّعاءُ وقَرَأ الآيَةَ، والتَّوَعُّدُ عَلى الِاسْتِكْبارِ عَنْهُ لِأنَّ ذَلِكَ عادَةُ المُتْرَفِينَ المُسْرِفِينَ وإنَّما المُؤْمِنُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في كُلِّ تَقَلُّباتِهِ، وفي إيقاعِ العِبادَةِ صِلَةَ الِاسْتِكْبارِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّ الدُّعاءَ بابٌ مِن أبْوابِ الخُضُوعِ لِأنَّ العِبادَةَ خُضُوعٌ ولِأنَّ المُرادَ بِالعِبادَةِ الدُّعاءُ والِاسْتِكْبارُ إنَّما يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ إذا أتى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَكْبِرًا.

قالَ في الكَشْفِ: وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وأنْسَبُ إلى السِّياقِ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ المُجادَلَةَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكِبْرِ جَعَلَ الدُّعاءَ وتَسْلِيمَ آياتِهِ مِنَ الخُضُوعِ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ تَعالى المُلْتَجِئَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لا يُجادِلُ في آياتِهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ مِنهُ البَتَّةَ، والعَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وقالَ ) مِن عَطْفِ مَجْمُوعِ قِصَّةٍ عَلى مَجْمُوعِ أُخْرى لِاسْتِوائِهِما في الغَرَضِ، ولِهَذا لَمّا تَمَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالَ رَبُّكُمُ ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ صَرَّحَ بِالغَرَضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ كَما بَنى القِصَّةَ أوَّلًا عَلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ  ﴾ ولَوْ تُؤَمِّلَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ حَقَّ التَّأمُّلِ وُجِدَ جُلَّ الكَلامِ فِيها مَبْنِيًّا عَلى رَدِّ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَبْيِينِ وجْهِ الرَّدِّ في ذَلِكَ بِفُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ انْظُرْ إلى ما خُتِمَ بِهِ السُّورَةُ كَيْفَ يُطابِقُ ما بُدِئَتْ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ  ﴾ وكَيْفَ صَرَّحَ آخِرًا بِما رَمَزَ إلَيْهِ أوَّلًا لِتَقْضِيَ مِنهُ العَجَبَ فَهَذا وجْهُ العَطْفِ.

انْتَهى.

.

وما ذَكَرَهُ مِن أظَهْرِيَّةِ هَذا الوَجْهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ ظاهِرٌ جِدًّا لِما في الأُولى مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ في مَوْضِعَيْنِ في الدُّعاءِ حَيْثُ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العِبادَةِ لِتَضَمُّنِها لَهُ أوْ لِأنَّهُ عِبادَةٌ خاصَّةٌ أُرِيدَ بِهِ المُطْلَقُ، وفي الِاسْتِجابَةِ حَيْثُ جُعِلَتِ الإثابَةُ عَلى العِبادَةِ لِتَرَتُّبِها عَلَيْها اسْتِجابَةً مَجازًا أوْ مُشاكَلَةً بِخِلافِ الثّانِي فَإنَّ فِيهِ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ وهو التَّجَوُّزُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وهو ﴿ عَنْ عِبادَتِي ﴾ ومَعَ هَذا هو بَعْدَ الحاجَةِ فَلَمْ يَكُنْ كَنَزْعِ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ بَلْ قِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ فِيهِ لِأنَّ الإضافَةَ مُرادٌ بِها العَهْدُ هُنا فَتُفِيدُ ما تَقَدَّمَ، لَكِنَّ كَوْنَهُ أنْسَبَ بِالسِّياقِ أيْضًا مِمّا لا يَتِمُّ في نَظَرِي، وأيًّا ما كانَ فَـ ﴿ أسْتَجِبْ ﴾ جُزِمَ في جَوابِ الأمْرِ أيْ إنْ تَدْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم والِاسْتِجابَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَشْرُوطَةٌ بِالمَشِيئَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أُصُولُنا، وقَدْ صَرَّحَ فِي اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ  ﴾ والِاسْتِكْبارُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى دُعاءً كانَتْ أوْ غَيْرَهُ كُفْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

وأمّا تَرْكُ ذَلِكَ لا عَنِ اسْتِكْبارٍ فَتَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِ لا يَخْفى، والمَقاماتُ في تَرْكِ الدُّعاءِ فَقِيلَ: مُتَفاوِتَةٌ فَقَدْ لا يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن لَمْ يَدْعُ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبْ عَلَيْهِ»» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وقَدْ يَحْسُنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ مِن تَرْكِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ الدُّعاءَ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ وقَوْلِهِ عِلْمُهُ بِحالِي يُغْنِي عَنْ سُؤالِي، ورُبَّما يُقالُ: تَرْكُ الدُّعاءِ اكْتِفاءً بِعِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ دُعاءٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ «سَيُدْخَلُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو <div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٦١

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ لِتَسْتَرِيحُوا فِيهِ بِأنْ أغابَ سُبْحانَهُ فِيهِ الشَّمْسَ فَجَعَلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بارِدًا مُظْلِمًا وجَعَلَ عَزَّ وجَلَّ بَرْدَهُ سَبَبًا لِضَعْفِ القُوى المُحَرِّكَةِ وظُلْمَتَهُ سَبَبًا لِهُدُوِّ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ إلى أشْياءَ أُخْرى جَعَلَها أسْبابًا لِلسُّكُونِ والرّاحَةِ ﴿ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ يُبْصِرُ فِيهِ أوْ بِهِ فالنَّهارُ إمّا ظَرْفُ زَمانٍ لِلْإبْصارِ أوْ سَبَبٌ لَهُ.

وأيًّا ما كانَ فَإسْنادُ الإبْصارِ لَهُ بِجَعْلِهِ مُبْصِرًا إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ وأنَّهُ بَلَغَ الإبْصارُ إلى حَدٍّ سَرى في نَهارِ المُبْصِرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: لِتُبْصِرُوا فِيهِ عَلى طُرُزِ ما وقَعَ في قَرِينِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا لِيَكُونَ فِيهِ المُبالَغَةُ المَذْكُورَةُ وتَخْرُجَ القَرِينَتانِ مَخْرَجًا واحِدًا في المُبالَغَةِ، قُلْتُ: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ نِعْمَةَ النَّهارِ أتَمُّ وأعْظَمُ مِن نِعْمَةِ اللَّيْلِ فَسَلَكَ مَسْلَكَ المُبالَغَةِ فِيها، وتُرِكَتِ الأُخْرى عَلى الظّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ النِّعْمَتَيْنِ فَرَسا رِهانٍ فَدَلَّ عَلى فَضْلِ الأُولى بِالتَّقْدِيمِ وعَلى فَضْلِ الأُخْرى بِالمُبالَغَةِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ يُوصَفُ عَلى الحَقِيقَةِ بِالسُّكُونِ فَيُقالُ: لَيْلٌ ساكِنٌ أيْ لا رِيحَ فِيهِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً.

فَلَوْ قِيلَ: ساكِنًا لَمْ يَتَمَيَّزِ المُرادُ نَظَرًا إلى الإطْلاقِ وإنْ تَمَيَّزَ نَظَرًا إلى قَرِينَةِ التَّقابُلِ.

وكانَ رُجْحانُ هَذا الأُسْلُوبِ لِأنَّ الكَلامَ المُحْكَمَ الواضِحَ بِنَفْسِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو الأصْلُ لا سِيَّما في خِطابٍ ورَدَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ لِلْخاصَّةِ والعامَّةِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في الفَهْمِ والدِّرايَةِ النّاقِصَةِ والتّامَّةِ، وفي الكَشْفِ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإبْصارُ عِلَّةً غائِيَّةً في نَفْسِهِ بَلِ العِلَّةُ ابْتِغاءُ الفَضْلِ كَما ورَدَ مُصَرَّحًا بِهِ في سُورَةِ القَصَصِ بِخِلافِ السُّكُونِ والدَّعَةِ في اللَّيْلِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الأوَّلِ ورَمَزَ في الثّانِي مَعَ إفادَةِ نُكْتَةٍ سَرِيَّةٍ في الإسْنادِ المَجازِيِّ.

وقالَ الجَلَبِيُّ: إذا حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وقِيلَ: المُرادُ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَنْتَشِرُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِيَةِ ومِنَ الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ لَمْ يَحْتَجَّ إلى ما ذُكِرَ في تَعْلِيلِ تَرْكِ المُبالَغَةِ في القَرِينَةِ الأُولى، وهَذا هو المَشْهُورُ في الآيَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ ﴾ لا يُوازِيهِ فَضْلٌ ولِقَصْدِ الإشْعارِ بِهِ لَمْ يَقُلِ المُفَضَّلُ ﴿ عَلى النّاسِ ﴾ بَرُّهم وفاجِرُهم ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ لِجَهْلِهِمْ بِالمُنْعِمِ وإغْفالِهِمْ مَواقِعَ النِّعَمِ، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِتَخْصِيصِ الكُفْرانِ بِهِمْ، وذَلِكَ مِن إيقاعِهِ عَلى صَرِيحِ اسْمِهِمُ الظّاهِرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن شَأْنِهِمْ وخاصَّتِهِمْ في الغالِبِ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٦٢

﴿ ذَلِكُمُ ﴾ المُتَّصِفُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ﴿ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ تُخَصِّصُ اللّاحِقَةُ السّابِقَةَ وتُقَلِّلُ اشْتِراكَها في المَفْهُومِ نَظَرًا إلى أصْلِ الوَضْعِ وتُقَرِّرُها، وجُوِّزَ في بَعْضِها الوَصْفِيَّةُ والبَدَلِيَّةُ، وأخَّرَ ( خالِقُ كُلِ شَيْءٍ ) عَنْ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ في آيَةِ [106 مِن سُورَةِ الأنْعامِ]، وقَدَّمَ هُنا لِما أنَّ المَقْصُودَ ها هُنا عَلى ما قِيلَ الرَّدُّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ فَناسَبَ تَقْدِيمُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَبْدَأُ كُلِّ شَيْءٍ فَكَذا إعادَتُهُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «خالِقَ» بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ أيْ أعْنِي أوْ أخَصُّ خالِقَ كُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اسْتِئْنافًا مِمّا هو كالنَّتِيجَةِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ تَعالى مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ ولا إلَهَ إلّا مَنِ اتَّصَفَ بِها فَلا إلَهَ إلّا هو ﴿ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ فَكَيْفَ ومِن أيِّ جِهَةٍ تُصْرَفُونَ مِن عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ طَلْحَةُ في رِوايَةٍ «يُؤْفَكُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ٦٣

﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإفْكِ العَجِيبِ الَّذِي لا وجْهَ لَهُ ولا مُصَحِّحَ أصْلًا يُؤْفَكُ كُلُّ مَن جَحَدَ بِآياتِهِ تَعالى أيَّ آيَةٍ كانَتْ لا إفْكًا آخَرَ لَهُ وجْهٌ ومُصَحِّحٌ في الجُمْلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٤

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا ﴾ أيْ مُسْتَقَرًّا ﴿ والسَّماءَ بِناءً ﴾ أيْ قُبَّةً ومِنهُ أبْنِيَةُ العَرَبِ لِقِبابِهِمُ الَّتِي تُضْرَبُ وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى السَّماءِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وفِيهِ إشارَةٌ لِكُرَيَتِها.

وهَذا بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِالمَكانِ بَعْدَ بَيانِ فَضْلِهِ المُتَعَلِّقِ بِالزَّمانِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ بَيانٌ لِفَضْلِهِ تَعالى المُتَعَلِّقِ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ في ( فَأحْسَنَ ) تَفْسِيرِيَّةٌ فالمُرادُ صَوَّرَكم أحْسَنَ تَصْوِيرٍ حَيْثُ خَلَقَ كُلًّا مِنكم مُنْتَصِبَ القامَةِ بادِيَ البَشَرَةِ مُتَناسِبَ الأعْضاءِ والتَّخْطِيطاتِ مُتَهَيِّأً لِمُزاوَلَةِ الصَّنائِعِ واكْتِسابِ الكِمالاتِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو رُزَيْنٍ «صِوَرَكم» بِكَسْرِ الصّادِ فِرارًا مِنَ الضَّمَّةِ قَبْلَ الواوِ، وجَمْعُ فُعْلَةٍ بِضَمِّ الفاءِ عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِها شاذٌّ ومِنهُ قُوَّةٌ وقِوى بِكَسْرِ القافِ في الجَمْعِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «صُورَكم» بِضَمِّ الصّادِ وإسْكانِ الواوِ عَلى نَحْوِ بُسْرَةٍ وبُسْرٍ ﴿ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ طَعْمًا ولِباسًا وغَيْرَهُما وقِيلَ الحَلالُ ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ الَّذِي نُعِتَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ ﴿ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ خَبَرانِ لِذَلِكم ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ ﴾ تَعالى بِذاتِهِ ﴿ رَبُّ العالَمِينَ ﴾ أيْ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ والكُلُّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ تَعالى في ذاتِهِ ووُجُودِهِ وسائِرِ أحْوالِهِ جَمِيعِها بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ فَيْضُهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَنْهُ آنًا لِعُدِمَ بِالكُلِّيَّةِ <div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلْحَىُّ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۗ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٥

﴿ هُوَ الحَيُّ ﴾ المُنْفَرِدُ بِالحَياةِ الذّاتِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا مَوْجُودَ يُدانِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فادْعُوهُ ﴾ فاعْبُدُوهُ خاصَّةً لِاخْتِصاصِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ بِهِ تَعالى.

وتَفْسِيرُ الدُّعاءِ بِالعِبادَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ أيِ الطّاعَةَ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ والجَلِيِّ وأنَّهُ الألْيَقُ بِالتَّرَتُّبِ عَلى ما ذُكِرَ مِن أوْصافِ الرُّبُوبِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِعُنْوانِ الدُّعاءِ لِأنَّ اللّائِقَ هو العِبادَةُ عَلى وجْهِ التَّضَرُّعِ والِانْكِسارِ والخُضُوعِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلْيَقُلْ عَلى أثَرِها الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ ﴾ ..

إلَخْ.

.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَـ ( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ ) ..

إلَخْ.

مِن كَلامِ المَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ إنْشاءُ حَمْدِ ذاتِهِ سُبْحانَهُ بِذاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

۞ قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِىَ ٱلْبَيِّنَـٰتُ مِن رَّبِّى وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٦

﴿ قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي ﴾ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ أوْ مِنَ الآياتِ لِكَوْنِها مُؤَيِّدَةً لِأدِلَّةِ العَقْلِ مُنَبِّهَةً عَلَيْها فَإنَّ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ مُفَسِّراتٌ لِلْآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ﴿ وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ بِأنْ أنْقادَ لَهُ تَعالى وأُخْلِصَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ دِينِيَ.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًۭا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٦٧

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ حَسْبَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ﴿ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ﴾ أيْ ثُمَّ خَلَقَكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ ﴿ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ﴾ قِطْعَةِ دَمٍ جامِدٍ ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ أيْ أطْفالًا وهو اسْمُ جِنْسٍ صادِقٌ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ.

وفِي المِصْباحِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَكُونُ الطِّفْلُ بِلَفْظٍ واحِدٍ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ والجَمْعِ ويَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّهُ إفْرادٌ بِتَأْوِيلِ خَلَقَ كُلَّ فَرْدٍ مِن هَذا النَّوْعِ ثُمَّ يُخْرِجُ كُلَّ فَرْدٍ مِنهُ طِفْلًا ﴿ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ ﴾ اللّامُ فِيهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا وذَلِكَ المَحْذُوفُ عَطْفٌ عَلى ( يُخْرِجُكم ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لِتَبْلُغُوا ) عَطْفًا عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ لِيُخْرِجَكم كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم وكَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ﴾ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ( لِتَبْلُغُوا ) .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «شُيُوخًا» بِكَسْرِ الشِّينِ.

وقُرِئَ «شَيْخًا» كَقَوْلِهِ تَعالى: ( طِفْلًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ) أيْ مِن قَبْلِ الشَّيْخُوخَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ أيْضًا ﴿ ولِتَبْلُغُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ أيْ ولِتَبْلُغُوا ﴿ أجَلا مُسَمًّى ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ بِفِعْلِ ذَلِكَ الخَلْقِ مِن تُرابٍ وما بَعْدَهُ مِنَ الأطْوارِ، وهو عَطْفٌ عَلى ( خَلَقَكم ) والمُرادُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ ما فِيهِ مِنَ الجَزاءِ فَإنَّ الخَلْقَ ما خُلِقُوا إلّا لِيَعْبُدُوا ثُمَّ يَبْلُغُوا الجَزاءَ، وتَفْسِيرُ الأجَلِ المُسَمّى بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقالَ بَعْضٌ: هو يَوْمُ المَوْتِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ وقْتَ المَوْتِ فُهِمَ مِن ذِكْرِ التَّوَفِّي قَبْلَهُ فالأوْلى تَفْسِيرُهُ بِما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ صَنِيعِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَرْجِيحُ هَذا عَلى ما بُيِّنَ في الكَشْفِ ﴿ ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ولِكَيْ تَعْقِلُوا ما في ذَلِكَ التَّنَقُّلِ في الأطْوارِ مِن فُنُونِ الحِكَمِ والعِبَرِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: أيْ ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ عَنْ رَبِّكم أنَّهُ يُحْيِيكم كَما أماتَكُمْ <div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨

﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي ﴾ الأمْواتَ ﴿ ويُمِيتُ ﴾ الأحْياءَ أوِ الَّذِي يَفْعَلُ الإحْياءَ والإماتَةَ ﴿ فَإذا قَضى أمْرًا ﴾ أرادَ بُرُوزَ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ ﴿ فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا.

وهَذا عِنْدَ الخَلْفِ تَمْثِيلٌ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ تَعالى في المَقْدُوراتِ عِنْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِها وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ المُكَوِّناتِ عَلى تَكْوِينِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ آمِرٌ ومَأْمُورٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، والفاءُ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مِن نَتائِجِ ما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي قُدْرَةً ذاتِيَّةً غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى العَدَدِ والمَوادِّ، وجُوِّزَ فِيها كَوْنُها تَفْصِيلِيَّةً وتَعْلِيلِيَّةً أيْضًا فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ٦٩

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ وآرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ تَكْذِيبِهِمْ بِكُلِّ القُرْآنِ وبِسائِرِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ وتَرْتِيبُ الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ، كَما أنَّ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ﴾ ..

إلَخْ.

بَيانٌ لِابْتِناءِ جِدالِهِمْ عَلى مَبْنًى فاسِدٍ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ فَلا تَكْرِيرَ فِيهِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.

وقالَ القاضِي: تَكْرِيرُ ذِكْرِ المُجادَلَةِ لِتَعَدُّدِ المُجادِلِ بِأنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْمًا وهُنا قَوْمًا آخَرِينَ أوِ المُجادَلَةُ فِيهِ بِأنْ يُحْمَلَ في كُلٍّ عَلى مَعْنًى مُناسِبٍ فَفِيما مَرَّ في البَعْثِ وهُنا في التَّوْحِيدِ أوْ هو لِلتَّأْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ ذَلِكَ.

واخْتارَ ما في الإرْشادِ، أيِ انْظُرْ إلى هَؤُلاءِ المُكابِرِينَ المُجادِلِينَ في آياتِهِ تَعالى الواضِحَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِها الزّاجِرَةِ عَنِ الجِدالِ فِيها كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْها مَعَ تَعاضُدِ الدَّواعِي إلى الإقْبالِ عَلَيْها وانْتِفاءِ الصَّوارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٧٠

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ ﴾ أيْ بِكُلِّ القُرْآنِ أوْ بِجِنْسِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ فَإنَّ تَكْذِيبَهُ تَكْذِيبٌ لَها في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ أوْ بَيانٌ أوْ صِفَةٌ لَهُ أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وإنَّما وُصِلَ المَوْصُولُ الثّانِي بِالتَّكْذِيبِ دُونَ المُجادَلَةِ لِأنَّ المُعْتادَ وُقُوعُ المُجادَلَةِ في بَعْضِ المَوادِّ لا في الكُلِّ.

وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ كَما أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ المُجادَلَةِ وتَكَرُّرِها ﴿ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ الكِتابِ أوْ مُطْلَقِ الوَحْيِ والشَّرائِعِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي فِيهِ.

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ كُنْهَ ما فَعَلُوا مِنَ الجِدالِ والتَّكْذِيبِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعُقُوباتِهِ <div class="verse-tafsir"

إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ ٧١

﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِيَعْلَمُونِ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ حَتّى كَأنَّهُ ماضٍ حَقِيقَةً فَلا تَنافُرَ بَيْنَ سَوْفَ وإذْ ﴿ والسَّلاسِلُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( اَلْأغْلالُ ) والجارُّ والمَجْرُورُ في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذِ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ في أعْناقِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسْحَبُونَ ﴾ أيْ يَجُرُّونَ <div class="verse-tafsir"

فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ ٧٢

﴿ فِي الحَمِيمِ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَعْلَمُونَ ) أوْ ضَمِيرِ ( في أعْناقِهِمْ ) أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( اَلسَّلاسِلُ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( يُسْحَبُونَ ) خَبَرُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُسْحَبُونَ بِها.

وجُوِّزَ كَوْنُ ( اَلْأغْلالُ ) مُبْتَدَأً ﴿ والسَّلاسِلُ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ( وفي أعْناقِهِمْ ) في مَوْضِعِ الحالِ، ولا يَخْفى حالُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ «والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ» بِنَصْبِ السَّلاسِلِ وبِناءِ يَسْحَبُونَ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ السَّلاسِلُ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِيَسْحَبُونِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولا بَأْسَ بِالتَّفاوُتِ اسْمِيَّةً وفِعْلِيَّةً.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ «والسَّلاسِلِ» بِالجَرِّ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ عَلى الجَرِّ بِخافِضٍ مَحْذُوفٍ كَما في قَوْلِهِ: أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ الأصابِعِ أيْ وبِالسَّلاسِلِ كَما قُرِئَ بِهِ أوْ في السَّلاسِلِ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، والفَرّاءُ عَلى العَطْفِ بِحَسَبِ المَعْنى إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ بِمَعْنى أعْناقِهِمْ في الأغْلالِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبَ إلّا بِبَيْنِ غُرابِها ويُسَمّى في غَيْرِ القُرْآنِ عَطَفَ التَّوَهُّمِ، وذَهَبَ إلى هَذا التَّخْرِيجِ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ تَخْرِيجَ الزَّجّاجِ خَرَّجَ القِراءَةَ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ قالَ: وهَذا كَما تَقُولُ: خاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدٌ العاقِلَيْنِ بِنَصْبِ العاقِلَيْنِ ورَفْعِهِ لِأنَّ أحَدَهُما إذا خاصَمَ صاحِبَهُ فَقَدْ خاصَمَ الآخَرُ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ونَقَلَ جَوازَها عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدانَ الكُوفِيِّ قالَ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلٌ مَفْعُولٌ ﴿ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ ﴾ يُحْرَقُونَ ظاهِرًا وباطِنًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ إيقادًا ويَكُونُ بِمَعْنى مَلْأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، ومِنهُ السَّجِيرُ لِلصَّدِيقِ الخَلِيلِ كَأنَّهُ سُجِرَ بِالحُبِّ أيْ مُلِئَ، ويُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ أنَّ السَّجْرَ مِنَ الأضْدادِ، وكِلا الِاشْتِقاقَيْنِ مُناسِبٌ في السَّجِيرِ أيْ مُلِئَ مِن حُبِّكَ أوْ فَرَغَ مِن غَيْرِكَ إلَيْكَ والأوَّلُ أظْهَرُ.

والمُرادُ بِهَذا وما قَبْلَهُ أنَّهم مُعَذَّبُوهم بِأنْواعِ العَذابِ سَحْبِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ في النّارِ المُوقَدَةِ ثُمَّ تَسْلِيطِ النّارِ عَلى باطِنِهِمْ وأنَّهم يُعَذَّبُونَ ظاهِرًا وباطِنًا فَلا اسْتِدْراكَ في ذِكْرٍ هَذا بَعْدَ ما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًۭٔا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٧٤

﴿ ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ويَقُولُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، والسُّؤالُ لِلتَّوْبِيخِ، وضَلالُهم عَنْهم بِمَعْنى غَيْبَتِهِمْ مِن ضَلَّتْ دابَّتُهُ إذا لَمْ يَعْرِفْ مَكانَها، وهَذا لا يُنافِي ما يُشْعِرُ بِأنَّ آلِهَتَهم مَقْرُونُونَ بِهِمْ في النّارِ لِأنَّ لِلنّارِ طَبَقاتٍ ولَهم فِيها مَواقِفُ فَيَجُوزُ غَيْبَتُهم عَنْهم في بَعْضِها واقْتِرانُهم بِهِمْ في بَعْضٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَلالُهُمُ اسْتِعارَةً لِعَدَمِ النَّفْعِ فَحُضُورُهم كالعَدَمِ فَذُكِرَ عَلى حَقِيقَتِهِ في مَوْضِعٍ وعَلى مَجازِهِ في آخَرَ ﴿ بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ﴾ أيْ بَلْ تَبَيَّنَ لَنا اليَوْمَ ( أنّا ) لَمْ نَكُنْ نَعْبُدُ في الدُّنْيا شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو إضْرابٌ عَنْ كَوْنِ الآلِهَةِ الباطِلَةِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ عِنْدَهم أوْ لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ إلى أنَّها لَيْسَتْ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ.

وفِي ذَلِكَ اعْتِرافٌ بِخَطَئِهِمْ ونَدَمٌ عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ، وجَعَلَ الجَلَبِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ ﴾ أنَّهُ تَعالى يُحَيِّرُهم في أمْرِهِمْ حَتّى يَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ.

ومَعْنى هَذا مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ يَضِلُّ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا الكافِرِينَ حَتّى أنَّهم يَدَّعُونَ فِيها ما يَتَبَيَّنُ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أوْ مِثْلُ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم في الآخِرَةِ نُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ فِيها حَتّى لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ وطَلَبَتْهم لَمْ يَلْقَ بَعْضُهم بَعْضًا أوْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ وعَدَمُ النَّفْعِ يُضِلُّ اللَّهُ تَعالى الكافِرِينَ حَتّى لا يَهْتَدُوا في الدُّنْيا إلى ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، وفي المَجْمَعِ كَما أضَلَّ اللَّهُ تَعالى أعْمالَ هَؤُلاءِ وأبْطَلَ ما كانُوا يُؤَمِّلُونَهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِأعْمالِ جَمِيعِ مَن يَتَدَيَّنُ بِالكُفْرِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِنها، فَإضْلالُ الكافِرِينَ عَلى مَعْنى إضْلالِ أعْمالِهِمْ أيْ إبْطالِها، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ في مَعْناهُ غَيْرُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ٧٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِن سَحْبِهِمْ في السَّلاسِلِ والأغْلالِ وتَسْجِيرِهِمْ في النّارِ وتَوْبِيخِهِمْ بِالسُّؤالِ، وجُوِّزَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إضْلالِ اللَّهِ تَعالى الكافِرِينَ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ ذَلِكُمُ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ ﴿ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ ﴾ تَبْطُرُونَ وتَأْشَرُونَ كَما قالَ مُجاهِدٌ ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ وهو الشِّرْكُ والمَعاصِي أوْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِذَلِكَ، وفي ذَلِكَ ( اَلْأرْضِ ) زِيادَةُ تَفْظِيعٍ لِلْبَطَرِ ﴿ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ تَتَوَسَّعُونَ في الفَرَحِ، وقِيلَ: المَعْنى بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُصِيبُ أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى وأوْلِياءَهُ مِنَ المَكارِهِ وبِما كُنْتُمْ تَتَوَسَّعُونَ في الفَرَحِ بِما أُوتِيتُمْ حَتّى نَسِيتُمْ لِذَلِكَ الآخِرَةَ واشْتَغَلْتُمْ بِالنِّعْمَةِ عَنِ المُنْعِمِ، وفي الحَدِيثِ ««اللَّهُ تَعالى يَبْغَضُ البَذِخِينَ الفَرَحِينَ ويُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ»» وبَيْنَ الفَرَحِ والمَرَحِ تَجْنِيسٌ حَسَنٌ، والعُدُولُ إلى الخِطابِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ لِأنَّ ذَمَّ المَرْءِ في وجْهِهِ تَشْهِيرٌ لَهُ، ولِذا قِيلَ: النُّصْحُ بَيْنَ المَلَأِ تَقْرِيعٌ <div class="verse-tafsir"

ٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ٧٦

﴿ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ ﴾ أيِ الأبْوابَ المَقْسُومَةَ لَكم ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ ﴿ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ عَنِ الحَقِّ جَهَنَّمُ، وكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ الجَلِيلِ حَيْثُ صُدِّرَ بِادْخُلُوا أنْ يُقالَ: فَبِئْسَ مَدْخَلُ المُتَكَبِّرِينَ لِيَتَجاوَبَ الصَّدْرُ والعَجُزُ لَكِنْ لَمّا كانَ الدُّخُولُ المُقَيَّدُ بِالخُلُودِ سَبَبَ الثَّواءِ عَبَّرَ بِالمَثْوى وصَحَّ التَّجاوُبُ مَعْنًى، وهَذا الأمْرُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ مَقُولٌ لَهم بَعْدَ المُحاوَرَةِ السّابِقَةِ وهم في النّارِ، ومَطْمَحُ النَّظَرِ فِيهِ الخُلُودُ فَهو أمْرٌ بِقَيْدِ الخُلُودِ لا بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: هم بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها أُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا الأبْوابَ المَقْسُومَةَ لَهم فَكانَ أمْرًا بِالدُّخُولِ بِقَيْدِ التَّجْزِئَةِ لِكُلِّ بابٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقالُ لَهم قَبْلَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ في أوَّلِ الأمْرِ ادْخُلُوا.

<div class="verse-tafsir"

فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ٧٧

﴿ فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِتَعْذِيبِ أعْدائِكَ الكَفَرَةِ ﴿ حَقٌّ ﴾ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ فَإمّا نُرِيَنَّكَ ﴾ أصْلُهُ فَإنْ نَرَكَ فَزِيدَتْ ( ما ) لِتَوْكِيدِ ( إنِ ) الشَّرْطِيَّةِ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَلْحَقَ الفِعْلَ نُونُ التَّوْكِيدِ عَلى ما قِيلَ: وإلى التَّلازُمِ بَيْنَ ما ونُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ.

والزَّجّاجُ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما زِيادَةُ ما بِدُونِ إلْحاقِ نُونٍ ولا إلْحاقُ نُونٍ بِدُونِ زِيادَةِ ما ورَدَ بِقَوْلِهِ: فَإمّا تَرَيَنِّي ولِي لُمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدى بِها ونَسَبَ أبُو حَيّانَ عَلى كَلامٍ فِيهِ جَوازَ الأمْرَيْنِ إلى سِيبَوَيْهِ والغالِبُ أنَّ إنْ إذا أُكِّدَتْ - بِما - يَلْحَقُ الفِعْلَ بَعْدَها نُونُ التَّوْكِيدِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ﴿ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ وهو القَتْلُ والأسْرُ ﴿ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، وهو جَوابُ ( نَتَوَفَّيَنَّكَ ) وجَوابُ ( نُرِيَنَّكَ ) مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لَهُما عَلى مَعْنى أنْ نُعَذِّبَهم في حَياتِكَ أوْ لَمْ نُعَذِّبْهم فَإنّا نُعَذِّبُهم في الآخِرَةِ أشَدَّ العَذابِ ويَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ الِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الرُّجُوعِ في هَذا المَعْرِضِ.

والزَّمَخْشَرِيُّ آثَرَ في الآيَةِ هُنا ما ذُكِرَ أوَّلًا وذُكِرَ في [الرَّعْدَ: 40] في نَظِيرِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَقْرُونَةَ بِالفاءِ جَوابٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، قالَ في الكَشْفِ: والفَرْقُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ ) [الرُّومَ: 60، غافِرَ: 55، 77] عِدَةٌ لِلْإنْجازِ والنَّصْرِ وهو الَّذِي هَمُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهَمُّ المُؤْمِنِينَ مَعْقُودٌ بِهِ لِمُقْتَضى هَذا السِّياقِ فَيَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ فَذاكَ هُناكَ ثُمَّ جِيءَ بِالتَّقْدِيرِ الثّانِي رَدًّا لِشَماتَتِهِمْ وأنَّهُ مَنصُورٌ عَلى كُلِّ حالٍ وإتْمامًا لِلتَّسَلِّي، وأمّا مَساقُ الَّتِي في الرَّعْدِ فَلا يُجابُ التَّبْلِيغُ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ كَيْفَما دارَتِ القَضِيَّةُ، فَمَن ذَهَبَ إلى إلْحاقِ ما هُنا بِما في الرَّعْدِ ذَهَبَ عَنْهُ مَغْزى الزَّمَخْشَرِيِّ.

انْتَهى.

فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ويَعْقُوبُ «يَرْجِعُونَ» بِفَتْحِ الياءِ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ٧٨

﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا ﴾ ذَوِي خَطَرٍ وكَثْرَةٍ ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ مِن قَبْلِ إرْسالِكَ.

﴿ مِنهم مَن قَصَصْنا ﴾ أوْرَدْنا أخْبارَهم وآثارَهم ﴿ عَلَيْكَ ﴾ كَنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

﴿ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ وهم أكْثَرُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««قُلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ عِدَّةُ الأنْبِياءِ ؟

قالَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا الرُّسُلُ مِن ذَلِكَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا»» والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ في الآيَةِ ما هو أخَصُّ مِنَ النَّبِيِّ، ورُبَّما يُوهِمُ صَنِيعُ القاضِي أنَّ المُرادَ بِهِ ما هو مُساوٍ لِلنَّبِيِّ.

وأيًّا ما كانَ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى عَدَمِ عِلْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعَدَدِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تَوَهَّمَ بَعْضُ النّاسِ، ورُدَّ لِذَلِكَ خَبَرُ الإمامِ أحْمَدَ وجَرى بَيْنَنا وبَيْنَهُ مِنَ النِّزاعِ ما جَرى، وذَلِكَ لِأنَّ المَنفِيَّ القَصُّ وقَدْ عَلِمْتَ مَعْناهُ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ ذَلِكَ نَفْيُ ذِكْرِ أسْمائِهِمْ، ولَوْ سُلِّمَ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ ذِكْرِ الأسْماءِ نَفْيُ ذِكْرِ أنَّ عِدَّتَهم كَذا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ أسْمائِهِمْ، عَلى أنَّ النَّفْيَ بِلَمْ وهي عَلى الصَّحِيحِ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا فالمَنفِيُّ القَصُّ في الماضِي ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ قُصُّوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمِيعًا بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَنْزِلْ ذَلِكَ قُرْآنًا، وأظْهَرُ مِن ذَلِكَ في الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ اسْتِمْرارِ النَّفْيِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ  ﴾ لِتَبادُرِ الذِّهْنِ فِيهِ إلى أنَّ المُرادَ لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ لِمَكانٍ ﴿ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ﴾ وبِالجُمْلَةِ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ عِدَّةَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا عَلِمَها بَعْدَ جَهْلٍ عَظِيمٍ بَلْ خِذْلانٍ جَسِيمٍ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَبْدًا حَبَشِيًّا نَبِيًّا فَهو مِمَّنْ لَمْ يُقْصَصْ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِلَفْظِ «إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ نَبِيًّا أسْوَدَ في الحَبَشِ فَهو مِمَّنْ لَمْ يُقْصَصْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ» والمُرادُ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ أنَّهُ لَمْ تُذْكَرْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِصَصُهُ وآثارُهُ ولا أُورِدَتْ عَلَيْهِ أحْوالُهُ وأخْبارُهُ كَما كانَ في شَأْنِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما مِنَ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعْثَةُ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِذَلِكَ إذْ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وأيْضًا لَوْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ فَمِن أيْنَ عَلِمَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أوِ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ وهَلْ يَقُولُ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ عَلى عِلْمٍ لَمْ يُفْضَ عَلَيْكَ مِن تِلْكَ المَدِينَةِ حاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ وكَذا ابْنُ عَمِّهِ العَبّاسِ عَبْدُ اللَّهِ.

واسْتُشْكِلَ هَذا الخَبَرُ بِأنَّ فِيهِ رِسالَةَ العَبْدِ وقَدْ قالُوا العَبْدُ لا يَكُونُ رَسُولًا، وأُجِيبَ بِأنَّ العَبْدَ فِيهِ لَيْسَ بِمَعْنى المَمْلُوكِ وهو الَّذِي لا يَكُونُ رَسُولًا لِنُقْصانِ تَصَرُّفِهِ ونَفْرَةِ النُّفُوسِ عَنِ اتِّباعِهِ بَلْ هو أحَدُ العَبِيدِ بِمَعْنى السُّودانِ عُرْفًا ولَوْ قِيلَ: إنَّ العَبْدَ بِهَذا المَعْنى لا يَكُونُ رَسُولًا أيْضًا لِنَفْرَةِ النُّفُوسِ عَنِ اتِّباعِهِ كَنَفْرَتِها عَنِ اتِّباعِ المَمْلُوكِ قُلْنا: عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ النَّفْرَةِ إنَّما هي فِيما إذا كانَ الإرْسالُ لِغَيْرِ السُّودانِ وأمّا إذا كانَ الإرْسالُ لِلسُّودانِ فَلَيْسَتْ هُناكَ نَفْرَةٌ أصْلًا، وظاهِرُ لَفْظِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ إنَّما بُعِثَ في الحَبَشِ والتِزامُ أنَّهُ لا يَكُونُ رَسُولٌ مِنَ السُّودانِ أوْلادِ حامٍ مِمّا لا يُساعِدُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ لِأنَّهُ إنْ كانَتِ النَّفْرَةُ مانِعَةً مِنَ الإرْسالِ فَهي لا تَتَحَقَّقُ فِيما إذا كانَ الإرْسالُ إلى بَنِي صِنْفِهِ وإنْ كانَ المانِعُ أنَّهُ لا يُوجَدُ مُتَأهِّلٌ لِلْإرْسالِ في بَنِي حامٍ لِنُقْصانِ عُقُولِهِمْ وقِلَّةِ كَمالِهِمْ فَدَعْوى ذَلِكَ جَهْلٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ وكَمْ رَأيْنا في أبْناءِ حامٍ مَن هو أعْقَلُ وأكْمَلُ مِن كَثِيرٍ مِن أبْناءِ سامٍ ويافِثَ، وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ قاطِعٌ مِن نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ لا يَكُونُ مِن أُولَئِكَ رَسُولٌ فَلْيُذْكَرْ وأنّى بِهِ ثُمَّ إنَّ أمْرَ النُّبُوَّةِ فِيمَن ذُكِرَ أهْوَنُ مِن أمْرِ الرِّسالَةِ كَما لا يَخْفى، وكَأنَّهُ لِمَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا قالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: في صِحَّةِ الخَبَرِ نَظَرٌ ﴿ وما كانَ لِرَسُولٍ ﴾ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِرَسُولٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ ﴿ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ ﴾ بِمُعْجِزَةٍ ﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فالمُعْجِزاتُ عَلى تَشَعُّبِ فُنُونِها عَطايا مِنَ اللَّهِ تَعالى قَسَّمَها بَيْنَهم حَسْبَما اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ كَسائِرِ القَسْمِ لَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ في إيثارِ بَعْضِها والِاسْتِبْدادِ بِإتْيانِ المُقْتَرَحِ بِها ﴿ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ قُضِيَ بِالحَقِّ ﴾ بِإنْجاءِ المُحِقِّ وإثابَتِهِ وإهْلاكِ المُبْطِلِ وتَعْذِيبِهِ ﴿ وخَسِرَ هُنالِكَ ﴾ أيْ وقْتُ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى اسْمُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ ﴿ المُبْطِلُونَ ﴾ المُتَمَسِّكُونَ بِالباطِلِ عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المُعانِدُونَ المُقْتَرِحُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ المُبْطِلِينَ بِهِمْ وفَسَّرَ أمْرَ اللَّهِ بِالقِيامَةِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ وما ذَكَرْنا أوْلى.

وأبْعَدُ ما رَأيْنا في الآيَةِ أنَّ المَعْنى فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعالى إرْسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نَبِيٍّ قَضى ذَلِكَ وأنْفَذَهُ بِالحَقِّ وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ وحَصَلَ عَلى فَسادِ آخِرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَنْعَـٰمَ لِتَرْكَبُوا۟ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ٧٩

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ ﴾ المُرادُ بِها الإبِلُ خاصَّةً كَما حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلِاخْتِصاصِ فَإنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ في نَظِيرِ الآيَةِ أيْ خَلَقَها لِأجْلِكم ولِمَصْلَحَتِكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوا مِنها ﴾ ..

إلَخْ.

تَفْصِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ إجْمالًا، ومِن هُنا جَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم بَدَلًا مِمّا قَبْلَهُ بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيِ ابْتِداءَ تَعَلُّقِ الرُّكُوبِ بِها أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ وكَذا ( مِن ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ولَيْسَ المُرادُ عَلى إرادَةِ التَّبْعِيضِ أنَّ كُلًّا مِنَ الرُّكُوبِ والأكْلِ مُخْتَصٌّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنها بِحَيْثُ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرُ بَلْ عَلى أنَّ كُلَّ بَعْضٍ مِنها صالِحٌ لِكُلٍّ مِنهُما.

نَعَمْ كَثِيرًا ما يَعُدُّونَ النَّجائِبَ مِنَ الإبِلِ لِلرُّكُوبِ، والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجَلَبِيُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوا مِنها ﴾ في مَعْنى مِنها تَرْكَبُونَ أوْ إنَّ مِنها تَأْكُلُونَ في مَعْنى لِتَأْكُلُوا مِنها لَكِنْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ كَذَلِكَ لِنُكْتَةٍ.

وقالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالِيَّةٌ لَكِنْ يَرِدُ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ فِيهِ عَطْفَ الحالِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ ولا مَحِيصَ عَنْهُ سِوى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ أيْ خَلَقَ لَكُمُ الأنْعامَ مِنها تَأْكُلُونَ لِيَكُونَ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ.

وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَلُحْ لِي وجْهُ جَعْلِ هَذِهِ الواوِ عاطِفَةً مُحْتاجَةً إلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّها واوٌ حالِيَّةٌ سَواءٌ قُلْنا إنَّها حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ والمُنْساقُ إلى ذِهْنِي العَطْفُ بِحَسَبِ المَعْنى، ولَعَلَّ اعْتِبارَهُ في جانِبِ المَعْطُوفِ أيْسَرَ فَيُعْتَبَرُ أيْضًا في <div class="verse-tafsir"

وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةًۭ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٨٠

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ أيْ غَيْرُ الرُّكُوبِ والأكْلِ كالألْبانِ والأوْبارِ والجُلُودِ ويُقالُ: إنَّهُ في مَعْنى ولِتَنْتَفِعُوا بِمَنافِعَ فِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ أمْرًا ذا بالٍ تَهْتَمُّونَ بِهِ وذَلِكَ كَحَمْلِ الأثْقالِ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وهَذا عَطْفٌ عَلى لِتَرْكَبُوا مِنها جاءَ عَلى نَمَطِهِ، وكانَ الظّاهِرُ المُزاوَجَةَ بَيْنَ الفَوائِدِ المُحَصَّلَةِ مِنَ الأنْعامِ بِأنْ يُؤْتى بِاللّامِ في الجَمِيعِ أوْ تُتْرَكَ فِيهِ لَكِنْ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِنُكْتَةٍ.

قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الأنْعامَ ها هُنا لَمّا أُرِيدَ بِها الإبِلُ خاصَّةً جَعَلَ الرُّكُوبَ وبُلُوغَ الحاجَةِ مِن أتَمِّ الغَرَضِ مِنها لِأنَّ مِن مَنافِعِها الرُّكُوبَ والحَمْلَ عَلَيْها، وأمّا الأكْلُ مِنها والِانْتِفاعُ بِأوْبارِها وألْبانِها بِالنِّسْبَةِ إلى ذَيْنَكِ الأمْرَيْنِ فَنَزْرٌ قَلِيلٌ، فَأدْخَلَ اللّامَ عَلَيْهِما وجُعِلا مُكْتَنِفَيْنِ لِما بَيْنَهُما تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أيْضًا مِمّا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ ولَكِنْ قاصِرًا عَنْهُما، وأمّا الِاخْتِصاصُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ فَلِأنَّها مِن بَيْنِ ما يُقْصَدُ لِلرُّكُوبِ ويُعَدُّ لِلْأكْلِ فَلا يَنْتَقِضُ بِالخَيْلِ عَلى مَذْهَبِ مَن أباحَ لَحْمَها ولا بِالبَقَرِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: إنَّما قِيلَ ﴿ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ ولَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لِتَأْكُلُوا مِنها ولِتَصِلُوا إلى المَنافِعِ لِأنَّهم في الحالِ آكِلُونَ وآخِذُونَ المَنافِعَ وأمّا الرُّكُوبُ وبُلُوغُ الحاجَةِ فَأمْرانِ مُنْتَظَرانِ فَجِيءَ فِيهِما بِما يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكُلَّ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ الخَلْقِ.

وقالَ القاضِي: تَغْيِيرُ النَّظْمِ في الأكْلِ لِأنَّهُ في حَيِّزِ الضَّرُورَةِ، وقِيلَ في تَوْجِيهِهِ: يَعْنِي أنَّ مَدْخُولَ الغَرَضِ لا يَلْزَمُ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى الفِعْلِ، فالتَّغْيِيرُ إلى صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مَعَ الإتْيانِ بِصِيغَةِ الِاسْتِمْرارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى امْتِيازِهِ عَنِ الرُّكُوبِ في كَوْنِهِ مِن ضَرُورِيّاتِ الإنْسانِ.

ويَطَّرِدُ هَذا الوَجْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ لِأنَّ المُرادَ مَنفَعَةُ الشُّرْبِ واللُّبْسِ وهَذا مِمّا يَلْحَقُ بِالضَّرُورِيّاتِ وهو لا يَضُرُّ نَعَمْ فِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ الرُّكُوبَ وبُلُوغَ الحاجَةِ يَصِحُّ أنْ يَكُونا غَرَضَ الحَكِيمِ جَلَّ شَأْنُهُ لِما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ كَإقامَةِ دِينٍ وطَلَبِ عِلْمٍ واجِبٍ أوْ مَندُوبٍ فَلِذا جِيءَ فِيهِما بِاللّامِ بِخِلافِ الأكْلِ وإصابَةِ المَنافِعِ فَإنَّهُما مِن جِنْسِ المُباحاتِ الَّتِي لا تَكُونُ غَرَضَ الحَكِيمِ.

وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِهِ مِنَ الرَّبْطِ بَيْنَ الأمْرِ والإرادَةِ ولا يَصِحُّ أيْضًا لِأنَّ المُباحاتِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ تَصِحُّ أنْ تَكُونَ غَرَضَ الحَكِيمِ جَلَّ جَلالُهُ عِنْدَهم، ويا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ  ﴾ نَعَمْ لَوْ ذُكِرَ أنَّهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى الغَرَضِ الدِّينِيِّ كانَ أنْسَبَ بِدُخُولِ اللّامِ لَكانَ وجْهًا إنْ تَمَّ.

وقِيلَ: تَغْيِيرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ في الأكْلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ كَما أنَّ تَقْدِيمَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ فَكالتّابِعِ لِلْأكْلِ فَأُجْرِيَ مَجْراهُ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعَلَيْها ﴾ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ لِيَجْمَعَ بَيْنَ سَفائِنِ البَرِّ وسَفائِنِ البَحْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وعَلَيْها في البَرِّ وعَلى الفُلْكِ في البَحْرِ تُحْمَلُونَ فَلا تَكْرارَ.

وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لَعَلَّ المُرادَ بِهَذا الحَمْلِ حَمْلُ النِّساءِ والوَلَدانِ عَلَيْها بِالهَوْدَجِ وهو السِّرُّ في فَصْلِهِ عَنِ الرُّكُوبِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ قِيلَ: لِمُراعاةِ الفَواصِلِ كَتَقْدِيمِهِ قَبْلُ.

وقِيلَ التَّقْدِيمُ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ لِلِاهْتِمامِ وقِيلَ: ( عَلى اَلْفُلْكِ ) دُونَ في الفُلْكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ  ﴾ لِأنَّ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ والِاسْتِعْلاءِ مَوْجُودٌ فِيها فَيَصِحُّ كُلٌّ مِنَ العِبارَتَيْنِ، والمُرَجَّحُ لِعَلى هُنا المُشاكَلَةُ.

وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ المُرادَ بِالأنْعامِ الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ فَمَعْنى الرُّكُوبِ والأكْلِ مِنها تَعَلُّقُهُما بِالكُلِّ لَكِنْ لا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُخْتَصٌّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنها بِحَيْثُ لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرُ بَلْ عَلى أنَّ بَعْضَها يَتَعَلَّقُ بِهِ الأكْلُ فَقَطْ كالغَنَمِ وبَعْضُها يَتَعَلَّقُ بِهِ كِلاهُما كالإبِلِ ومِنهم مَن عَدَّ البَقَرَ أيْضًا ورُكُوبَهُ مُعْتادٌ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ الأخْبِيَةِ، وأدْرَجَ بَعْضُهُمُ الخَيْلَ والبِغالَ وسائِرَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ البَهائِمِ في الأنْعامِ وهو ضَعِيفٌ.

ورُجِّحَ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ عَلى القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنِ الزَّجّاجِ مِن أنَّ المُرادَ الإبِلُ خاصَّةً بِأنَّ المَقامَ مَقامُ امْتِنانٍ وهو مُقْتَضٍ لِلتَّعْمِيمِ، والظّاهِرُ ذاكَ، وكَوْنُ المَقامِ مَقامَ امْتِنانٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ هو مَقامُ اسْتِدْلالٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ﴾ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ، ولا يَأْباهُ ذِكْرُ المَنافِعِ فَإنَّهُ اسْتِطْرادِيٌّ <div class="verse-tafsir"

وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ فَأَىَّ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١

﴿ ويُرِيكم آياتِهِ ﴾ أيْ دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ شُؤُونِهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ فَأيَّ آيَةٍ مِن تِلْكَ الآياتِ ﴿ تُنْكِرُونَ ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِنها مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْتَرِئُ عَلى إنْكارِها مَن لَهُ عَقْلٌ في الجُمْلَةِ.

فَأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ وهي مَنصُوبَةٌ بِتُنْكِرُونَ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ إنْكارِها وتَنْكِيرُ أيْ في مِثْلِ ما ذُكِرَ هو الشّائِعُ المُسْتَفِيضُ والتَّأْنِيثُ قَلِيلٌ ومِنهُ قَوْلُهُ: بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ نَحْوَ حِمارٍ وحَمّارَةٍ غَرِيبٌ وهي في أيْ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ لِأنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَمّا هو مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ السّائِلِ والتَّفْرِقَةُ مُخالَفَةٌ لِما ذُكِرَ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّمْيِيزَ بَيْنَ ما هو مُؤَنَّثٌ ومُذَكَّرٌ فَيَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ <div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةًۭ وَءَاثَارًۭا فِى ٱلْأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٨٢

﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ أيْ أقَعَدُوا فَلَمْ يَسِيرُوا عَلى أحَدِ الرَّأْيَيْنِ: ﴿ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ ﴾ ..

إلَخْ.

اسْتِئْنافٌ نَظِيرَ ما مَرَّ في نَظِيرِهِ أوَّلَ السُّورَةِ بَلْ أكْثَرُ الكَلامِ هُناكَ جارٍ ها هُنا ﴿ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ما الأُولى نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى النَّفْيِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِأغْنى، والثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِهِ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ الحاصِلُ بِالتَّأْوِيلِ مَرْفُوعٌ بِهِ أيْضًا أيْ لَمْ يُغْنِ عَنْهم أوْ أيُّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهُمُ الَّذِي كَسَبُوهُ أوْ كَسْبُهُمْ <div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرِحُوا۟ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٨٣

﴿ فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ المُعْجِزاتِ أوِ الآياتِ الواضِحاتِ الشّامِلَةِ لِذَلِكَ ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ ذُكِرَ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ.

الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عَقائِدُهُمُ الزّائِغَةُ وشُبَهُهُمُ الدّاحِضَةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ وغَيْرِهِما أوْ عَقائِدُهُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِأحْوالِ الآخِرَةِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالعِلْمِ عَلى زَعْمِهِمْ لِلتَّهَكُّمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ  ﴾ .

والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَسْتَحْقِرُونَ لَهُ عِلْمَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويَدْفَعُونَ بِهِ البَيِّناتِ.

الثّانِي أنَّ المُرادَ بِهِ عِلْمُ الفَلاسِفَةِ والدَّهْرِيِّينَ مِن بَنِي يُونانَ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ فَكانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما عِنْدَهم مِن ذَلِكَ.

وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتُ إلَيْهِ فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ فَلا حاجَةَ لَنا إلى مَن يُهَذِّبُنا.

والزَّمانُ مُتَشابِهٌ فَقَدْ رَأيْنا مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ خاتَمِ المُرْسَلِينَ  واسْتَنْكَفَ عَنِ الِانْتِسابِ إلى شَرِيعَةِ أحَدٍ مِنهم فَرَحًا بِما لَحِسَ مِن فَضَلاتِ الفَلاسِفَةِ وقالَ: إنَّ العِلْمَ هو ذاكَ دُونَ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

الثّالِثُ أنَّ أصْلَ المَعْنى فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ فَوُضِعُوا مَوْضِعَهُ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ الجَهْلِ ثُمَّ سُمِّيَ ذَلِكَ الجَهْلُ عِلْمًا لِاغْتِباطِهِمْ بِهِ ووَضْعِهِمْ إيّاهُ مَكانَ ما يَنْبَغِي لَهم مِنَ الِاغْتِباطِ بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ التَّهَكُّمُ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهم مِنَ العِلْمِ، وضَمِيرُ ( فَرِحُوا وعِنْدَهم ) عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ لِلْكَفَرَةِ المُحَدَّثِ عَنْهم.

الرّابِعُ أنْ يُجْعَلَ ضَمِيرُ ( فَرِحُوا ) لِلْكَفَرَةِ وضَمِيرُ ( عِنْدَهم ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ الحَقُّ الَّذِي جاءَ المُرْسَلُونَ بِهِ أيْ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، وخُلاصَتُهُ أنَّهُمُ اسْتَهْزَؤُوا بِالبَيِّناتِ وبِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِلْمِ الوَحْيِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

الخامِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا جَهْلَ الكَفَرَةِ المُتَمادِي واسْتِهْزاءَهم بِالحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ تَعالى وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءَ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، وحُكِيَ هَذا عَنِ الجُبّائِيِّ.

السّادِسُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ عِلْمُهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتُهم بِتَدْبِيرِها كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ  ﴾ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ  ﴾ فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعِلْمِ الدِّياناتِ وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِمْ لِبَعْثِها عَلى رَفْضِ الدُّنْيا والظِّلْفِ عَنِ المَلاذِّ والشَّهَواتِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وصَغَّرُوها واسْتَهْزَؤُوا بِها واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعَ وأجْلَبَ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ فَفَرِحُوا بِهِ، قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: والأرْجَحُ مِن بَيْنِ هَذِهِ الأوْجُهِ السِّتَّةِ الثّالِثُ فَفِيهِ التَّهَكُّمُ والمُبالَغَةُ في خُلُوِّهِمْ مِنَ العِلْمِ ومُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وزِيادَةً سالِمٌ عَنْ عَدَمِ الطِّباقِ لِلْواقِعِ كَما في الثّانِي وعَنْ قُصُورِ العِبارَةِ عَنِ الأداءِ كالرّابِعِ وعَنْ فَكِّ الضَّمائِرِ كَما في الخامِسِ، والسّادِسُ قَرِيبٌ لَكِنَّهُ قاصِرٌ عَنْ فَوائِدِ الثّالِثِ.

انْتَهى.

فَتَأمَّلْهُ جِدًّا.

وأبُو حَيّانَ اسْتَحْسَنَ الوَجْهَ السّادِسَ وتَعَقَّبَ الوَجْهَ الثّالِثَ بِأنَّهُ لا يُعَبِّرُ بِالجُمْلَةِ الظّاهِرِ كَوْنُها مُثْبَتَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ نَحْوَ شَرٌّ أهَرُّ ذا نابٍ عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولَما آلَ أمْرُهُ إلى الإثْباتِ المَحْصُورِ جازَ، وأمّا الآيَةُ فَيَنْبَغِي أنْ لا تُحْمَلَ عَلى القَلِيلِ لِأنَّ في ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعانِي الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ فَلا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَبايُنَ مَعْنى بَيْنَ لَمْ يَفْرَحُوا بِما جاءَهم مِنَ العِلْمِ و ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ عَلى ما قُرِّرَ.

نَعَمْ هَذا الوَجْهُ عِنْدِي مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنٍ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وكَلامُ صاحِبِ الكَشْفِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ <div class="verse-tafsir"

فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ ٨٤

﴿ فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ شِدَّةَ عَذابِنا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ  ﴾ ﴿ قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ أوْ سائِرَ آلِهَتِهِمُ الباطِلَةِ: <div class="verse-tafsir"

فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨٥

﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ أيْ عِنْدَ رُؤْيَةِ عَذابِنا لِأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ قَضَتْ أنْ لا يُقْبَلَ مِثْلُ ذَلِكَ الإيمانِ، ( وإيمانُهم ) رُفِعَ بِيَكُ اسْمًا لَها أوْ فاعِلَ ( يَنْفَعُهم ) وفي ( يَكُ ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في كانَ يَقُومُ زَيْدٌ، ودَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الكَوْنِ لا عَلى النَّفْعِ لِإفادَةِ مَعْنى نَفْيِ الصِّحَّةِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ حِكْمَةُ نَفْعِ إيمانِهِمْ إيّاهم عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وها هُنا أرْبَعَةُ فاءاتٍ فاءُ ﴿ فَما أغْنى ﴾ وفاءُ ﴿ فَلَمّا جاءَتْهُمْ ﴾ وفاءُ ﴿ فَلَمّا رَأوْا ﴾ وفاءُ ﴿ فَلَمْ يَكُ ﴾ فالفاءُ الأُولى مِثْلُها في نَحْوِ قَوْلِكَ: رُزِقَ المالُ فَمَنَعَ المَعْرُوفَ فَما بَعْدَها نَتِيجَةٌ مالِيَّةٌ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ التَّكاثُرِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والتَّمَتُّعِ بِالحُصُونِ ونَحْوِها، والثّانِيَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: فَلَمْ يَحْسُنْ إلى الفُقَراءِ بَعْدُ فَمَنعُ المَعْرُوفِ في المِثالِ فَما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحاقَ بِهِمْ ﴾ إيضاحٌ لِذَلِكَ المُجْمَلِ وأنَّهُ كَيْفَ انْتَهى بِهِمُ الأمْرُ إلى عَكْسِ ما أمَّلُوهُ وأنَّهم كَيْفَ جَمَعُوا واحْتَشَدُوا وأوْسَعُوا في إطْفاءِ نُورِ اللَّهِ وكَيْفَ حاقَ المَكْرُ السَّيِّئُ بِأهْلِهِ إذْ كانَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فَما أغْنى عَنْهم ) إيماءٌ بِأنَّهم زاوَلُوا أنْ يَجْعَلُوها مُغْنِيَةً، والثّالِثُ لِلتَّعْقِيبِ، وجَعْلَ ما بَعْدَها تابِعًا لِما قَبْلَها واقِعًا عَقِيبَهُ ﴿ فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( فَلَمّا جاءَتْهم ) ..

إلَخْ.

تابِعٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ فَكَفَرُوا إلّا أنَّ ( فَلَمّا جاءَتْهم ) الآيَةَ بَيانُ كُفْرٍ مُفَصَّلٌ مُشْتَمِلٍ عَلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ وكُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى مِنَ الكِتابِ والرَّسُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكَفَرُوا فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا، ومِثْلُها الفاءُ الرّابِعَةُ فَما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى آمَنُوا دَلالَةً عَلى أنَّ عَدَمَ نَفْعِ إيمانِهِمْ ورَدِّهِ عَلَيْهِمْ تابِعٌ لِلْإيمانِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم إذِ النّافِعُ إيمانُ الِاخْتِيارِ ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ ﴾ أيْ سَنَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أعْنِي عَدَمَ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَأْسِ سَنَةً ماضِيَةً في البِعادِ، وهي مِنَ المَصادِرِ المُؤَكِّدَةِ كَوَعْدِ اللَّهِ وصِبْغَةِ اللَّهِ، وجُوِّزَ انْتِصابُها عَلى التَّحْذِيرِ أيِ احْذَرُوا يا أهْلَ مَكَّةَ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى في أعْداءِ الرُّسُلِ.

﴿ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ ﴾ أيْ وقْتَ رُؤْيَتِهِمُ البَأْسَ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ قَدِ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ كَما سَلَفَ آنِفًا، وهَذا الحُكْمُ خاصٌّ بِإيمانِ البَأْسِ وأمّا تَوْبَةُ البَأْسِ فَهي مَقْبُولَةٌ نافِعَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ، والفَرْقُ ظاهِرٌ.

وعَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ إيمانَ البَأْسِ مَقْبُولٌ أيْضًا ومَعْنى ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا ﴾ أنَّ نَفْسَ إيمانِهِمْ لَمْ يَنْفَعْهم وإنَّما نَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَقِيقَةً بِهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُ هَذا التَّأْوِيلِ وما كانَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * «ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ» عَلى ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ السّاداتِ ﴿ حم ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُفِيضَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الرَّحْمَنِ فَإنَّ الحاءَ والمِيمَ مِن وسَطِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا سِرٌّ لا يَجُوزُ كَشْفُهُ ولَمّا صُدِّرَتِ السُّورَةُ بِما أشارَ إلى الرَّحْمَةِ وأنَّها وصْفُ المَدْعُوِّ إلَيْهِ والدّاعِي ذُكِرَ بَعْدُ مِن صِفاتِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ما يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ الرَّحْمَةِ وسَبْقِها، وفي ذَلِكَ مِن بِشارَةِ المَدْعُوِّ ما فِيهِ.

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ..

إلَخْ.

فِيهِ إشارَةٌ إلى شَرَفِ الإيمانِ وجَلالَةِ قَدْرِ المُؤْمِنِينَ وإلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِن بَنِي آدَمَ أنْ يَسْتَغْفِرَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وفي ذَلِكَ أيْضًا مِن تَأْكِيدِ الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى ﴿ فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ مِن مَقاصِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ قِيلَ: في إطْلاقِ الرُّوحِ إشارَةٌ إلى رُوحِ النُّبُوَّةِ وهو يُلْقى عَلى الأنْبِياءِ، ورُوحِ الوِلايَةِ ويُلْقى عَلى العارِفِينَ، ورُوحِ الدِّرايَةِ ويُلْقى عَلى المُؤْمِنِينَ النّاسِكِينَ ﴿ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ﴾ قِيلَ التَّلاقِي مَعَ اللَّهِ تَعالى ولا وُجُودَ لِغَيْرِهِ تَعالى وهو مَقامُ الفَناءِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ هم بارِزُونَ ﴾ مِن قَبُولِ وجُودِهِمْ لا ﴿ يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ إذْ لَيْسَ في الدّارِ غَيْرُهُ دِيارٌ ﴿ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مِنَ التَّجَلِّي ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ في بَذْلِ الوُجُودِ لِلْمَعْبُودِ لا ﴿ ظُلْمَ اليَوْمَ ﴾ فَتَنالُ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ التَّجَلِّي بِقَدْرِ بَذْلِها مِنَ الوُجُودِ لا أقَلَّ مِن ذَلِكَ.

﴿ وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ﴾ هَذِهِ قِيامَةُ العَوامِّ المُؤَجَّلَةُ ويُشِيرُ إلى قِيامَةِ الخَواصِّ المُعَجَّلَةِ لَهم، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ لَهم في كُلِّ نَفْسٍ قِيامَةً مِنَ العِتابِ والعِقابِ والثَّوابِ والبِعادِ والِاقْتِرابِ وما لَمْ يَكُنْ لَهم في حِسابٍ، وخَفَقانُ القَلْبِ يَنْطِقُ والنُّحُولُ يُخْبِرُ واللَّوْنُ يُفْصِحُ والمَشُوقُ يَسْتُرُ ولَكِنَّ البَلاءَ يَظْهَرُ، وإذا أزِفَ فَناءُ الصِّفاتِ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وشَهِدَتِ العُيُونُ بِما تُخْفِي الضَّمائِرُ ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ خائِنَةَ أعْيُنِ المُحِبِّينَ اسْتِحْسانَهم تَعَمُّدَ النَّظَرِ إلى غَيْرِ المَحْبُوبِ بِاسْتِحْسانٍ واسْتِلْذاذٍ وما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ مِن مُتَمَنَّياتِ النُّفُوسِ ومُسْتَحْسَناتِ القُلُوبِ ومَرْغُوباتِ الأرْواحِ ﴿ وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قِيلَ أيِ اطْلُبُونِي مِنِّي أُجِبْكم فَتَجِدُونِي ومَن وجَدَنِي وجَدَ كُلَّ شَيْءٍ فالدُّعاءُ الَّذِي لا يُرَدُّ هو هَذا الدُّعاءُ، فَفي بَعْضِ الأخْبارِ مَن طَلَبَنِي وجَدَنِي ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ دُعائِي وطَلَبِي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ ﴾ الحِرْمانَ والبُعْدَ مِنِّي ﴿ داخِرِينَ ﴾ ذَلِيلَيْنِ مُهِينَيْنِ ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى لَيْلِ البَشَرِيَّةِ ونَهارِ الرُّوحانِيَّةِ، وذُكِرَ أنَّ سُكُونَ النّاسِ في اللَّيْلِ المَعْرُوفِ عَلى أقْسامٍ فَأهْلُ الغَفْلَةِ يَسْكُنُونَ إلى اسْتِراحَةِ النُّفُوسِ والأبْدانِ، وأهْلُ الشَّهْوَةِ يَسْكُنُونَ إلى أمْثالِهِمْ وأشْكالِهِمْ مِنَ الرِّجالِ والنِّسْوانِ، وأهْلُ الطّاعَةِ يَسْكُنُونَ إلى حَلاوَةِ أعْمالِهِمْ وقُوَّةِ آمالِهِمْ.

وأهْلُ المَحَبَّةِ يَسْكُنُونَ إلى أنِينِ النُّفُوسِ وحَنِينِ القُلُوبِ وضَراعَةِ الأسْرارِ واشْتِعالِ الأرْواحِ بِالأشْواقِ الَّتِي هي أحَرُّ مِنَ النّارِ ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أرْضَ البَشَرِيَّةِ مَقَرًّا لِلرُّوحِ ( والسَّماءَ ) بِناءً أيْ سَماءُ الرُّوحانِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْها ﴿ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ بِأنْ جَعْلَكم مَرايا جَمالِهِ وجَلالِهِ، وفي الخَبَرِ ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلى صُورَتِهِ»» وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رَدِّ ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ  ﴾ ولِلَّهِ تَعالى مَن قالَ: ما حَطَّكَ الواشُونَ عَنْ رُتْبَةٍ عِنْدِي ولا ضَرَّكَ مُغْتابُ كَأنَّهم أثْنَوْا ولَمْ يَعْلَمُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ عِنْدِي بِالَّذِي عابُوا والكافِرُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِ التَحَقَ بِالشَّياطِينِ وصارَ مُظْهِرًا لِصِفاتِ القَهْرِ مِن رَبِّ العالَمِينَ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ، تَمَّ الكَلامُ عَلى سُورَةِ المُؤْمِنِ والحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا وباطِنًا وظاهِرًا.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل