الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الزمر
تفسيرُ سورةِ الزمر كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 347 دقيقة قراءةسُورَةُ الزُّمَرِ وتُسَمّى سُورَةَ الغُرَفِ كَما في الإتْقانِ والكَشّافِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ ، أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ، ولَمْ يَسْتَثْنِ، وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ بِمَكَّةَ سِوى ثَلاثِ آياتٍ، نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيِّ قاتِلِ حَمْزَةَ، ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ، إلى ثَلاثِ آياتٍ، وزادَ بَعْضُهُمْ: ﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَهُ السَّخاوِيُّ في جَمالِ القُرّاءِ، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنْ مُقاتِلٍ، وزادَ بَعْضٌ ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ ، حَكاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ، والمَذْكُورُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْتِثْناءُ ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلَخْ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ إلى آخِرِ السَّبْعِ، وآيُها خَمْسٌ وسَبْعُونَ في الكُوفِيِّ، وثَلاثٌ في الشّامِيِّ، واثْنَتانِ في الباقِي، وتَفْصِيلُ الِاخْتِلافِ في مَجْمَعِ البَيانِ وغَيْرِهِ، ووَجْهُ اتِّصالِ أوَّلِها بِآخِرِ صادَ، أنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ هُناكَ:”إن هو إلا ذكر للعالمين“، وقالَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا: ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ ﴾ ، وفي ذَلِكَ كَمالُ الِالتِئامِ بِحَيْثُ لَوْ أُسْقِطَتِ البَسْمَلَةُ لَمْ يَتَنافَرِ الكَلامُ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ آخِرَ ص قِصَّةَ خَلْقِ آدَمَ وذَكَرَ في صَدْرِ هَذِهِ قِصَّةَ خَلْقِ زَوْجِهِ مِنهُ، وخَلْقِ النّاسِ كُلِّهِمْ مِنهُ، وذَكَرَ خَلْقَهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم مَيِّتُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ القِيامَةَ والحِسابَ، والجَنَّةَ، والنّارَ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، فَذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ أحْوالَ الخَلْقِ مِنَ المَبْدَإ إلى آخِرِ المَعادِ مُتَّصِلًا بِخَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَذْكُورِ في السُّورَةِ قَبْلَها، وبَيْنَ السُّورَتَيْنِ أوْجُهٌ أُخَرُ مِنَ الرَّبْطِ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، فَتَأمَّلْ.
﷽ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ خَبَرُهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا المَذْكُورُ تَنْزِيلٌ، ومن الله مُتَعَلِّقٌ بِتَنْزِيلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْجَهُ كَما في الكَشْفِ، والكِتابُ القُرْآنُ كُلُّهُ وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ، أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي السُّورَةُ لِكَوْنِها عَلى شَرَفِ الذِّكْرِ، فَهي أقْرَبُ لِاعْتِبارِ الحُضُورِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْمُ الإشارَةِ فِيها، وتنزيل بِمَعْنى مُنَزَّلٍ، أوْ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ، وقَدَّرَ أبُو حَيّانَ المُبْتَدَأ هُوَ، عائِدًا عَلى الذِّكْرِ في ”إن هو إلا ذكر“ وجَعَلَ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الذِّكْرُ ما هُوَ؟
فَقِيلَ: هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، والكِتابُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وفِي: ﴿ تَنْزِيلُ ﴾ الِاحْتِمالانِ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ كَوْنِهِ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ كَوْنُ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ خَبَرًا ثانِيًا، وكَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ: هَذا أوْ هو تَنْزِيلُ الكِتابِ، هَذا أوْ هو مِنَ اللَّهِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الكتاب وجازَ الحالُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، لِأنَّ المُضافَ مِمّا يَعْمَلُ عَمَلَ الفِعْلِ، وكَوْنُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في تنزيل عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بِمَعْنى مُنَزَّلٍ، وكَوْنِهِ حالًا مِن تنزيل نَفْسِهِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَعانِيَ الأفْعالِ لا تَعْمَلُ إذا كانَ ما هي فِيهِ مَحْذُوفًا، ولِذَلِكَ رَدُّوا عَلى المُبَرِّدِ قَوْلَهُ في بَيْتِ الفَرَزْدَقِ: وإذْ ما مِثْلَهم بَشَرٌ، أنَّ مِثْلَهم مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ، وعامِلَهُ الظَّرْفُ المُقَدَّرُ، أيْ ما في الوُجُودِ بَشَرٌ مُماثِلًا لَهُمْ، بِأنَّ الظَّرْفَ عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ لا يَعْمَلُ مَحْذُوفًا، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى ”تَنْزِيلَ“ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ نَحْوَ: اقْرَأْ، والزَمْ.
والتَّعَرُّضُ لِوَصْفَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ أثَرَيْهِما في الكِتابِ بِجَرَيانِ أحْكامِهِ ونَفاذِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ مِن غَيْرِ مُدافِعٍ، ولا مُمانِعٍ، وبِابْتِناءِ جَمِيعِ ما فِيهِ عَلى أساسِ الحِكَمِ الباهِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِ نازِلًا بِالحَقِّ، وتَوْطِئَةً لِما يُذْكَرُ بَعْدُ.
وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ شُرُوعٌ في بَيانِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ، وما يَجِبُ عَلَيْهِ أثَرُ بَيانِ شَأْنِ المُنَزَّلِ، وكَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ لا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما تَقَدَّمَ، نَعَمْ كانَ الظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالكِتابِ هُناكَ القُرْآنَ الإتْيانَ بِضَمِيرِهِ ها هُنا، إلّا أنَّهُ أظْهَرُ قَصْدًا إلى تَعْظِيمِهِ ومَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الكِتابَ الأوَّلَ عامٌّ لِجَمِيعِ ما تَنَزَّلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والكِتابَ الثّانِيَ خاصٌّ بِالقُرْآنِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ إخْبارًا مُجَرَّدًا أنَّ الكُتُبَ الهادِيَةَ الشّارِعَةَ تَنْزِيلُها مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وجَعَلَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ ﴾ اهـ، وهو كَما تَرى، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإنْزالِ، وهي لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ أنْزَلْناهُ بِسَبَبِ الحَقِّ، أيْ إثْباتِهِ وإظْهارِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، وهي لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصَّوابِ، والمُرادُ أنَّ كُلَّ ما فِيهِ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، والقَبُولِ حَتْمًا، وجُوِّزَ كَوْنُ المَحْذُوفِ حالًا مِنَ الفاعِلِ، أيْ أنْزَلْناهُ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ، أيْ مُحِقِّينَ في ذَلِكَ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالحَقِّ، أيْ فاعْبُدْهُ تَعالى مُمَحِّضًا لَهُ الدِّينَ مِن شَوائِبِ الشِّرْكِ والرِّياءِ حَسْبَما بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، والعُدُولُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِمّا يُلائِمُ هَذا الأمْرِ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”الدِّينُ“ بِالرَّفْعِ كَما رَواهُ الثِّقاتُ فَلا عِبْرَةَ بِإنْكارِ الزَّجّاجِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الفَرّاءُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ لِلِاخْتِصاصِ أوْ لِتَأْكِيدِهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِاخْتِصاصِ الدِّينِ بِهِ تَعالى، أيْ ألا هو سُبْحانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُخَصَّ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ تَعالى، لِأنَّ المُتَفَرِّدَ بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاطِّلاعُ عَلى السَّرائِرِ والضَّمائِرِ، وهي عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ بِإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ووُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، وفي الإتْيانِ بِألا، واسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ، وإظْهارِ الجَلالَةِ والدِّينِ، ووَصْفِهِ بِالخالِصِ، والتَّقْدِيمِ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ مَعَ اللّامِ المَوْضُوعَةِ لَهُ عِنْدَ بَعْضٍ ما لا يَخْفى مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الِاعْتِناءِ بِالدِّينِ الَّذِي هو أساسُ كُلِّ خَيْرٍ، قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِجَعْلِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ، وقالَ: بِتَغايُرِ دِلالَتَيِ الجُمْلَتَيْنِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا.
ورَدَّ بِذَلِكَ زَعْمَ إباءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ صِحَّةَ تَخْرِيجِ الفَرّاءِ.
والحُقُّ أنَّهُ تَخْرِيجٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَفي الكَشْفِ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا ﴾ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: فَلِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ، ثُمَّ تُرِكَ إلى: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ مُبالَغَةً لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أقْوى الوَصْلَيْنِ، ثُمَّ صُدِّرَ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ زِيادَةً عَلى زِيادَةٍ وتَحْقِيقًا بِأنَّ غَيْرَ الخالِصِ كالعَدَمِ، فَلَوْ قُدِّرَ الِاسْتِئْنافُ التَّعْلِيلِيُّ أوَّلًا مِن دُونِ الوَصْفِ المَطْلُوبِ الَّذِي هو الأصْلُ في العِلَّةِ، ومِن دُونِ حَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلْفائِدَةِ المَذْكُورَةِ، كانَ كَلامًا مُتَنافِرًا، ويَلْزَمُ زِيادَةُ التَّنافُرِ مِن وصْفِ الدِّينِ بِالخُلُوصِ ثانِيًا لِدِلالَتِهِ عَلى العِيِّ في الأوَّلِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا الوَصْفِ حَتّى يُجْعَلَ مِن بابِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، وأمّا جَعْلُهُ تَأْكِيدًا فَلا وجْهَ لَهُ لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ، ولِأنَّ حَرْفَ التَّنْبِيهِ لا يَحْسُنُ مَوْقِعُها حِينَئِذٍ، فَإنَّها يُؤْتى بِها في ابْتِداءِ الِاسْتِئْنافِ المُضادِّ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ اهـ.
ونَصَّ العَلّامَةُ الثّانِي أيْضًا عَلى أنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا لِلْأُولى فاسِدٌ عِنْدَ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسالِيبِ الكَلامِ وصِياغاتِ المَعانِي، فَفِيها ما يَنْبُو عَنْهُ مَقامُ التَّأْكِيدِ، ولا يَكادُ يَقْتَرِنُ بِهِ المُؤَكَّدُ، لَكِنَّ في قَوْلِ صاحِبِ الكَشْفِ: لَيْسَ في الأوَّلِ ما يُرْشِدُ إلى وصْفِ الخُلُوصِ حَتّى يُجْعَلَ مِن بابِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بَحْثًا إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ ﴿ لَهُ الدِّينَ ﴾ عَلى مَعْنى الدِّينِ الكامِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كَمالَ الدِّينِ بِكَوْنِهِ خالِصًا، فَيَكُونُ في الأوَّلِ ما يُرْشِدُ إلى هَذا الوَصْفِ، نَعَمْ، وُهِّنَ ذَلِكَ التَّخْرِيجُ عَلى حالِهِ قَبْلَ هَذا البَحْثِ أمْ لَمْ يُقْبَلْ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: الدِّينُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ (بِمُخْلِصًا) الواقِعِ حالًا، والرّاجِعُ لِذِي الحالِ مَحْذُوفٌ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، أيِ الدِّينُ مِنكَ أوْ تَكُونُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ أيْ دِينُكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ وصْفُ الدِّينِ بِالإخْلاصِ، وهو وصْفُ صاحِبِهِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ، وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإخْلاصِ بِالعِبادَةِ، وكَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقاشِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُعْطِي أمْوالَنا التِماسَ الأجْرِ والذِّكْرِ، فَهَلْ لَنا مِن أجْرٍ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : لا، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُعْطِي التِماسَ الذِّكْرِ، فَهَلْ لَنا أجْرٌ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ إلّا مَن أخْلَصَ لَهُ“، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ ﴾ » ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ في الآيَةِ الطّاعَةُ لا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مِن أنَّهُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَنِ الحَسَنِ مِن أنَّهُ الإسْلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ إلَخْ، تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ بِبُطْلانِ الشِّرْكِ لِيُعْلَمَ مِنهُ حَقِّيَّةُ الإخْلاصِ وبُطْلانُ تَرْكِهِ، وفِيهِ مِن تَرْغِيبِ المُخْلِصِينَ وتَرْهِيبِ غَيْرِهِمْ ما لا يَخْفى، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ عامِرٍ، وكِنانَةَ، وبَنِي سَلِمَةَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، ويَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فالمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَنْهُمْ، أوْ عِبارَةٌ عَمّا يَعُمُّهُمْ، وأضْرابَهم مِن عَبَدَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الظّاهِرُ، فَيَكُونُ الأوْلِياءُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ باطِلٍ، كالمَلائِكَةِ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والأصْنامِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ المُصَدَّرَةُ بِأنْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ مِن واوِ ﴿ اتَّخَذُوا ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إشْراكِهِمْ وعَدَمِ خُلُوصِ دِينِهِمْ، أيِ اتَّخَذُوا قائِلِينَ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُقَدَّرُ: قالُوا، ويَكُونَ بَدَلًا مِنَ ﴿ اتَّخَذُوا ﴾ وأنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ ذَلِكَ، ويَكُونَ هو الخَبَرَ لِلْمَوْصُولِ، والجُمْلَةُ الآتِيَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ حِكايَةِ ما ذُكِرَ: فَماذا يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ؟
فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم إلَخْ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ، نَعَمْ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ قالُوا: ﴿ ما نَعْبُدُهُمْ ﴾ الآيَةَ لَكِنْ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ البَدَلِيَّةُ أوِ الخَبَرِيَّةُ، وقَدِ اعْتَرَضَ البَدَلِيَّةَ صاحِبُ الكَشْفِ، بِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ الإبْدالِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعادَةُ الحُكْمِ لِكَوْنِ الأوَّلِ غَيْرَ وافٍ بِالغَرَضِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ، لا سِيَّما وحَذْفُ البَدَلِ ضَعِيفٌ، بَلْ يُنافِي في الغَرَضِ مِنَ الإتْيانِ بِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، ”وزلفى“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ، أيْ والَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ تَعالى بَلْ شابُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ تَعالى تَقْرِيبًا.
وقُرِئَ ”نُعْبِدُهُمْ“ بِضَمِّ النُّونِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الباءِ، ﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ وبَيْنَ خُصَمائِهِمُ الَّذِينَ هُمُ المُخْلِصُونَ لِلدِّينِ، وقَدْ حُذِفَ لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ ، عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، أيْ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، وبَيْنَ غَيْرِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النّابِغَةِ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلَ أيْ بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ المُتَّخَذَيْنِ، وكَذا الكَلامُ في ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ أنَّهُ تَعالى يَفْصِلُ الخُصُومَةَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُخْلِصِينَ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإشْراكِ، وادَّعى كُلٌّ صِحَّةَ ما اتَّصَفَ بِهِ، بِإدْخالِ المُخْلِصِينَ المُوَحِّدِينَ الجَنَّةَ وإدْخالِ المُشْرِكِينَ النّارَ أوْ يُمَيِّزُهم سُبْحانَهُ تَمْيِيزًا يُعْلَمُ مِنهُ حالُ ما تَنازَعُوا فِيهِ بِذَلِكَ، والمَعْنى عَلى الثّانِي أنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ بَيْنَ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ فِيما يَخْتَلِفُونَ حَيْثُ يَرْجُو العابِدُونَ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَتَبَرَّؤُونَ مِنهُمْ، ويَلْعَنُونَهُمْ، قالًا أوْ حالًا بِإدْخالِ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ دُخُولِ الجَنَّةِ مِنَ المَعْبُودِينَ الجَنَّةَ، وإدْخالِ العابِدِينَ، ومَن لَيْسَ لَهُ أهْلِيَّةُ دُخُولِ الجَنَّةِ مِمَّنْ عُبِدَ كالأصْنامِ النّارَ، وإدْخالِ الأصْنامِ النّارَ لَيْسَ لِتَعْذِيبِها بَلْ لِتَعْذِيبِ عَبَدَتِها بِها، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُضْعِفُهُ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ المَوْصُولِ السّابِقِ عِبارَةً عَنِ المَعْبُودِينَ عَلى حَذْفِ العائِدِ إلَيْهِ وإضْمارِ المُشْرِكِينَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ تَعْوِيلًا عَلى دِلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِمْ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ قائِلِينَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا عِنْدَ اللَّهِ زُلْفى، إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَبَدَتِهِمْ فِيما الفَرِيقانِ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، حَيْثُ يَرْجُو العَبَدَةُ شَفاعَتَهُمْ، وهم يَلْعَنُوهم بِإدْخالِ ما هو مِنهم أهْلٌ لِلْجَنَّةِ الجَنَّةَ وإدْخالُ العَبَدَةِ مَعَ أصْنامِهِمُ النّارَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفاتِ بِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ، كَيْفَ لا، ولَيْسَ فِيما ذُكِرَ مِن طَلَبِ الشَّفاعَةِ واللَّعْنِ مادَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيها الفَرِيقانِ اخْتِلافًا مُحْوِجًا إلى الحُكْمِ والفَصْلِ، فَإنَّما ذاكَ ما بَيْنَ فَرِيقَيِ المُوَحِّدِينَ والمُشْرِكِينَ في الدُّنْيا مِنَ الاخْتِلافِ في الدِّينِ الباقِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
وقُرِئَ: ”ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا“ حِكايَةً لِما خاطَبُوا بِهِ آلِهَتَهم ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ﴾ أيْ لا يُوَفِّقُ لِلِاهْتِداءِ الَّذِي هو طَرِيقُ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ ﴿ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ في حَدِّ ذاتِهِ ومُوجِبٌ سَيِّئُ اسْتِعْدادِهِ، لِأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لِلِاهْتِداءِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَفِيضُ عَلى القَوابِلِ إلّا حَسَبَ القابِلِيّاتِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ، وهَذا هو الَّذِي حَتَّمَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِسَيِّئِ اسْتِعْدادِهِ بِالمُوافاةِ عَلى الضَّلالِ، قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: لا يَهْدِي إلى الجَنَّةِ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ في الدُّنْيا.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ لا يَهْدِي الكاذِبَ الكافِرَ في حالِ كَذِبِهِ وكُفْرِهِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، والمُرادُ مِمَّنْ هو كاذِبٌ كَفّارٌ قِيلَ: مَن يَعُمُّ أُولَئِكَ المُحَدَّثَ عَنْهم وغَيْرَهُمْ، وقِيلَ: أُولَئِكَ المُحَدَّثُ عَنْهم وكَذِبَهم في دَعْواهُمُ اسْتِحْقاقَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ، أوْ قَوْلُهم في بَعْضِ مَنِ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ أنَّ المُتَّخَذَ ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَمَن هو كاذِبٌ مِنَ الظّاهِرِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ المُضْمَرِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَهْدِيهِمْ أيِ المُتَّخِذِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ والكُفْرِ، وجُعِلَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرَ ”كَذّابٌ كَفّارٌ“، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”كَذُوبٌ كَفُورٌ“، وحَمَلُوا الكاذِبَ هُنا عَلى الرّاسِخِ في الكَذِبِ لِهاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ، وكَذا حَمَلُوا الكُفْرَ عَلى كُفْرِ النِّعَمِ دُونَ الكُفْرِ في الِاعْتِقادِ لِقِراءَةِ زَيْدٍ، وذَكَرَ الإمامُ فِيهِ احْتِمالَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ وإبْطالِ القَوْلِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ وعِيسى ابْنُهُ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ لِيَنْدَرِجَ فِيهِ اسْتِحالَةُ ما قِيلَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اتِّخاذَ الوَلَدِ لامْتَنَعَتْ تِلْكَ الإرادَةُ لِتَعَلُّقِها بِالمُمْتَنِعِ أعْنِي الِاتِّخاذَ، لَكِنْ لا يَجُوزُ لِلْبارِي إرادَةٌ مُمْتَنِعَةٌ، لِأنَّها تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ.
وأصْلُ الكَلامِ: لَوِ اتَّخَذَ الوَلَدَ لامْتَنَعَ لِاسْتِلْزامِهِ ما يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ، فَعَدَلَ إلى لَوْ أرادَ الِاتِّخاذَ لامْتَنَعَ أنْ يُرِيدَهُ لِيَكُونَ أبْلَغَ وأبْلَغَ ثُمَّ حُذِفَ هَذا الجَوابُ وجِيءَ بَدَلَهُ لاصْطَفى، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُمْكِنَ هَذا لا الأوَّلُ، وإنَّهُ لَوْ كانَ هَذا مِنَ اتِّخاذِ الوَلَدِ في شَيْءٍ لَجازَ الوَلَدُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَأْنُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّلازُمُ وحَقَّ نَفْيُ اللّازِمِ وإثْباتُ المَلْزُومِ، دُونَ صُعُوبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ لامْتَنَعَ، ولَمْ يَصِحَّ، لَكِنْ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الصِّحَّةِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِن تَقْدِيرَيِ الإرادَةِ وعَدَمِها مِن بابِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، فَلا يُنْفى الثّانِي إذْ ذاكَ، ولا يَحْتاجُ إلى بَيانِ المُلازَمَةِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ فالمُمْكِنُ الِاصْطِفاءِ، وقَدِ اصْطَفى سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ مَن شاءَ كالمَلائِكَةِ، وعِيسى، وذَهَبَ عَلَيْكم أنَّ الِاصْطِفاءَ لَيْسَ بِاتِّخاذٍ، والجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا مَحْذُوفٌ أُقِيمَ مَقامَهُ ما يُفِيدُ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ (لاصْطَفى) هو الجَوابَ عَلَيْهِ لِصَيْرُورَةِ المَعْنى حِينَئِذٍ: لَوْ أرادَ اتِّخاذَ الوَلَدِ لاصْطَفى، ولَوْ لَمْ يُرِدْ لاصْطَفى، مِن طَرِيقِ الأوْلى، وحِينَئِذٍ يَكُونُ إثْباتُ الِاصْطِفاءِ هو المَطْلُوبُ مِنَ الإيرادِ، كَما أنَّ التَّمَدُّحَ بِنَفْيِ العِصْيانِ في مِثالِ البابِ هو المَطْلُوبُ، ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ هو مِن أُسْلُوبِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: لَوْ أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لَجَعَلَ المَخْلُوقَ ولَدًا، إذْ لا مَوْجُودَ سِواهُ إلّا وهو مَخْلُوقٌ لَهُ تَعالى، والتّالِي مُحالٌ لِلْمُبايَنَةِ التّامَّةِ بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، والوَلَدِيَّةُ تَأْبى تِلْكَ المُبايَنَةَ، فالمُقَدَّمُ مِثْلُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ عَلى مَعْنى: لاتَّخَذَهُ ابْنًا عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ وما تَقَدَّمَ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ الَّتِي نَبَّهْتُ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحالَةِ اتِّخاذِ الوَلَدِ في حَقِّهِ تَعالى، وتَأْكِيدٌ لَهُ بِبَيانِ تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أيْ تَنَزُّهُهُ الخاصُّ بِهِ تَعالى عَلى أنَّ سُبْحانَهُ مَصْدَرٌ مِن سَبَحَ، إذا بَعُدَ أوْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِهِ، لِأنَّهُ عَلَمُ التَّسْبِيحِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ، أوْ سَبِّحُوهُ تَسْبِيحًا لائِقًا بِشَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي تَبَعُّضًا، وانْفِصالَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وكَذا يَقْتَضِي المُماثَلَةَ بَيْنَ الوَلَدِ والوالِدِ، والوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ الَّتِي هي في أعْلى مَراتِبِ الوَحْدَةِ الواجِبَةِ لَهُ تَعالى بِالبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ تَأْبى التَّبَعُّضَ والِانْفِصالَ إباءً ظاهِرًا، لِأنَّهُما مِن خَواصِّ الكَمِّ، وقَدِ اعْتُبِرَ في مَفْهُومِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ سَلْبُهُ، فَتَأْبى الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ، وكَذا تَأْبى المُماثَلَةَ، سَواءٌ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ كالجُبّائِيُّ وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ، وهي المُشارَكَةُ في أخَصِّ صِفاتِ الذّاتِ كَمُشارَكَةِ زَيْدٍ لِعَمْرٍو في النّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الماتُرِيدِيَّةِ، وهي المُشارَكَةُ في جَمِيعِ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ كَمُشارَكَتِهِ لَهُ في الحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ، أمْ فُسِّرَتْ بِما نُسِبَ إلى الأشْعَرِيِّ، وهو التَّساوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَعَلَّ مُرادَهُ نَحْوُ ما مَرَّ عَنِ الماتُرِيدِيِّ، وإلّا فَمَعَ التَّساوِي مِن كُلِّ وجْهٍ يَنْتَفِي التَّعَدُّدُ فَيَنْتَفِي التَّماثُلُ بِناءً عَلى ما قَرَّرُوا مِن أنَّ الوَحْدَةَ الذّاتِيَّةَ كَما تَقْتَضِي نَفْيَ الأبْعاضِ المِقْدارِيَّةِ تَقْتَضِي نَفْيَ الكَثْرَةِ العَقْلِيَّةِ، وأنَّ التَّماثُلَ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ، وهو يَقْتَضِي ثُبُوتَ الأجْزاءِ المَذْكُورَةِ كَذا قِيلَ، وفِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ، وكَلامٌ غَيْرُ قَلِيلٍ، وسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ، فالأوْلى أنْ يَقْتَصِرَ عَلى مُنافاةِ الوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ لِلتَّبَعُّضِ والِانْفِصالِ لِاسْتِلْزامِهِما التَّرَكُّبَ الخارِجِيَّ، والحُكَماءُ والمُتَكَلِّمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ في حَقِّهِ تَعالى، ودَلِيلُها أظَهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ، وكَذا وصْفُ القَهّارِيَّةِ يَأْبى اتِّخاذَ الوَلَدِ، وقُرِّرَ ذَلِكَ عَلى أوْجُهٍ، فَقِيلَ: وجْهُ إبائِها ذَلِكَ أنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي الغِنى الذّاتِيَّ الَّذِي هو أعْلى مَراتِبِ الغِنى، وهو يَقْتَضِي التَّجَرُّدَ عَنِ المادَّةِ، وتَوَلُّدَ الوَلَدِ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِيها، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ تَقْتَضِي كَمالَ الغِنى، وهو يَقْتَضِي كَمالَ التَّجَرُّدِ الَّذِي هو البَساطَةُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَلا يَكُونُ هُناكَ جِنْسٌ وفَصْلٌ ومادَّةٌ وصُورَةٌ وأعْراضٌ وأبْعاضٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِالبَساطَةِ الكامِلَةِ الحَقِيقِيَّةِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ لِما فِيهِ مِنَ الانْفِصالِ والمِثْلِيَّةِ مُخِلٌّ بِتِلْكَ البَساطَةِ، فَيُخِلُّ بِالغِنى، فَيُخِلُّ بِالقَهّارِيَّةِ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ الغِنى يُنافِي أنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ولَدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ ﴾ وقِيلَ: إنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ يَقْتَضِي انْفِصالَ شَيْءٍ عَنْهُ تَعالى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُتَأثِّرًا مَقْهُورًا لا مُؤَثِّرًا قَهّارًا، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَحَيْثُ كانَ - جَلَّ وعَلا - قَهّارًا كَما هو مُقْتَضى الأُلُوهِيَّةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولَدٌ، وقِيلَ: إنَّ القَهّارِيَّةَ مُنافِيَةٌ لِلزَّوالِ لِأنَّ القَهّارَ لَوْ قَبِلَهُ كانَ مَقْهُورًا، إذِ المُزِيلُ قاهِرٌ لَهُ، ولِذا قِيلَ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.
والوَلَدُ مِن أعْظَمِ فَوائِدِهِ عِنْدَهم قِيامُهُ مَقامَ الأبِ بَعْدَ زَوالِهِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الزَّوالُ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى الوَلَدِ، وهَذا مَعَ كَوْنِهِ إلْزامِيًّا لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما لا يَخْفى.
والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَهُ هو اللَّهُ ﴾ إلَخْ، مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ مُقَرِّرُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى ولِيٌّ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ولَعَلَّ بَيانَ ذَلِكَ لا يَخْفى، فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ إثْباتٌ لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الوَحْدَةِ والقَهْرِ، وفِيهِ أيْضًا ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْ خَلَقَ هَذا العالَمَ المُشاهَدَ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصَّوابِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيما ذُكِرَ بَعْدَ بَيانِ الخَلْقِ، فَإنَّ حُدُوثَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَنُوطٌ بِتَحْرِيكِ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ، والتَّكْوِيرُ في الأصْلِ هو اللَّفُّ واللَّيُّ مِن كارَ العِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ وكَوَّرَها، والمُرادُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ: يَغْشى أحَدُهُما الآخَرَ، وهو عَلى ما قِيلَ مَعْنًى يَذْهَبُ أحَدُهُما، ويَغْشى مَكانَهُ الآخَرُ، أيْ يَلْبَسُهُ مَكانَهُ، فَيَصِيرُ أسْوَدَ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ مُنِيرًا، وبِالعَكْسِ فالمَغْشِيُّ حَقِيقَةً المَكانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَغْشِيُّ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلى الِاسْتِعارَةِ، ويَكُونَ المَكانُ ظَرْفًا، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا كانَ أحَدُهُما غاشِيًا لِلْآخَرِ أشْبَهَ اللِّباسَ المَلْفُوفَ عَلى لابِسِهِ في سَتْرِهِ إيّاهُ، واشْتِمالِهِ عَلَيْهِ وتَغَطِّيهِ بِهِ.
وتَحْقِيقُهُ أنَّ أحَدَهُما لَمّا كانَ مُحِيطًا عَلى جَمِيعِ ما أحاطَ بِهِ الآخَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّ شَيْءٌ زائِدٌ غَيْرُ الظُّهُورِ والخَفاءِ جَعَلَ إحاطَتَهُ عَلى مُحاطِ الآخَرِ إحاطَةً عَلَيْهِ مَجازَ مُلابَسَتِهِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالغَشَيانِ والتَّكْوِيرِ لِلشَّبَهِ المَذْكُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ يُغَيِّبُ الآخَرَ إذا طَرَأ عَلَيْهِ، فَشُبِّهَ في تَغْيِيبِهِ إيّاهُ بِشَيْءٍ ظاهِرٍ لَفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ عَنْ مَطامِحِ الأبْصارِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّ فِيهِ مَعَ اعْتِبارِ السَّتْرِ اعْتِبارَ اللَّيِّ، وإحاطَةَ الأطْرافِ، ثُمَّ إنَّ هَذا لِظُهُورِهِ تَشْبِيهٌ مَبْذُولٌ، وأنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا يُكَرُّ عَلى هَذا كُرُورًا مُتَتابِعًا، فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارِ العِمامَةِ بَعْضِها عَلى أثَرِ بَعْضٍ، قِيلَ: وهو الأرْجَحُ، لِأنَّهُ اعْتُبِرَ فِيهِ ما اعْتُبِرَ مَعَ الأوَّلِ مَعَ النَّظَرِ إلى المُطَّرِدِ فِيهِ لَفْظُ الكَوْرِ، فَإنَّهُ لَفٌّ بَعْدَ لَفٍّ، وهو أيْضًا كَذَلِكَ، إلّا أنَّ أكْوارَ العِمامَةِ مُتَظاهِرَةٌ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ مُتَعاوِرَةٌ، وهَذا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَإنَّ كُلَّ لَيَّةٍ تُسَمّى كَوْرًا حَقِيقَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى يُحْمَلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وفُسِّرَ هَذا الحَمْلُ بِالضَّمِّ، والزِّيادَةِ، أيْ يَزِيدُ اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ، ويَضُمُّهُ إلَيْهِ بِأنْ يُجْعَلَ بَعْضُ أجْزاءِ اللَّيْلِ نَهارًا، فَيَطُولُ النَّهارُ، ويَقْصُرُ اللَّيْلُ، ويَزِيدُ النَّهارُ عَلى اللَّيْلِ، ويَضُمُّهُ إلَيْهِ بِأنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ أجْزاءِ النَّهارِ لَيْلًا، فَيَطُولُ اللَّيْلُ ويَقْصُرُ النَّهارُ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الرّاغِبُ، وهو مَعْنًى واضِحٌ، والآيَةُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارِ في اللَّيْلَ ﴾ ، في قَوْلٍ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّها عَلى المَعْنى الأوَّلِ فِيها شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ ، وعَلى المَعْنى الثّانِي فِيها شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ ﴿ والنَّهارِ إذا تَجَلّى ﴾ وعَلى الثّالِثِ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ ، وأنَّها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيها الِاسْتِعارَةُ التَّبَعِيَّةُ، والمَكْنِيَّةُ، والتَّخْيِيلِيَّةُ، والتَّمْثِيلِيَّةُ، والتَّمْثِيلُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ، وأيًّا ما كانَ فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.
﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ جَعَلَهُما مُنْقادَيْنِ لِأمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَسْخِيرِهِما أيْ كُلٌّ مِنهُما يَجْرِي لِمُنْتَهى دَوْرَتِهِ، أوْ مُنْقَطَعِ حَرَكَتِهِ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ عَلَيْهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الشَّمْسَ مُتَحَرِّكَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُ الكَفَرَةِ أنَّها ساكِنَةٌ وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وسَمِعْتُ في هَذِهِ الأيّامِ أنَّهُ ظَهَرَ في الإفْرِنْجِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا مَن يَزْعُمُ أنَّها تَتَحَرَّكُ عَلى مَرْكَزٍ آخَرَ كَما تَتَحَرَّكُ الأرْضُ عَلَيْها نَفْسُها بِزَعْمِهِمْ، وزَعَمَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ، ولَهم في الهَيْئَةِ كَلامٌ غَيْرُ هَذا، وفِيهِ الغَثُّ والسَّمِينُ، إلّا أنَّ نَفْيَهُمُ السَّماواتِ النّاطِقَةَ بِها الشَّرائِعُ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ العَجَبِ العُجابِ، وأنْظارُهُمُ السَّخِيفَةُ تُفْضِي بِهِمْ إلى ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى السَّلامَةَ والتَّوْفِيقَ، ولِي عَزْمٌ عَلى تَأْلِيفِ كِتابٍ أُبَيِّنُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما هو الأقْرَبُ إلى الحَقِّ مِنَ الهَيْئَتَيْنِ القَدِيمَةِ والجَدِيدَةِ مُتَحَرِّكًا عَلى مِحْوَرِ الإنْصافِ ساكِتًا عَنْ سُلُوكِ مَسالِكِ الِاعْتِسافِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِذَلِكَ.
﴿ ألا هو العَزِيزُ ﴾ القادِرُ عَلى عِقابِ المُصِرِّينَ ﴿ الغَفّارُ ﴾ لِذُنُوبِ التّائِبِينَ، أوِ الغالِبُ الَّذِي يَقْدِرُ أنْ يُعاجِلَهم بِالعُقُوبَةِ، وهو سُبْحانَهُ يَحْلُمُ عَلَيْهِمْ، ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَيَكُونُ قَدْ سُمِّيَ الحِلْمُ عَنْهُمْ، وقَدْ تَرَكَ تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ بِالمَغْفِرَةِ الَّتِي هي تَرْكُ العِقابِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما في التَّرْكِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ المُرْسَلِ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأحْسَنُ، وهَذانِ الوَجْهانِ في ﴿ العَزِيزُ الغَفّارُ ﴾ قَدْ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وظَنَّ بَعْضُهم أنَّ الدّاعِيَ لِلْأوَّلِ رِعايَةُ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ حَيْثُ خَصَّ فِيهِ المَغْفِرَةَ بِذُنُوبِ التّائِبِينَ، فَتَرَكَهُ، وقالَ: العَزِيزُ القادِرُ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ، الغالِبُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الغَفّارُ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْ بِالعُقُوبَةِ وسَلْبِ ما في هَذِهِ الصَّنائِعِ مِنَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَنفَعَةِ، وما عَلَيْنا أنْ نُفَسِّرَ كَما فَسَّرَ، ونَقُولَ بِأنَّ مَغْفِرَتَهُ تَعالى لا تَخُصُّ التّائِبِينَ، بَلْ قَدْ يَغْفِرُ جَلَّ شَأْنُهُ لِغَيْرِهِمْ إلّا أنَّ التَّقْيِيدَ لَيُلائِمُ ما تَقَدَّمَ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ، فَفي الكَشْفِ أنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ مِن ذَيْنِكَ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما ما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ الرَّحْمَةِ المُقْتَضِي لِعِقابِ المُصِرِّ، وغُفْرانِ ذُنُوبِ التّائِبِ، وثانِيهِما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ، مَسُوقٌ لِأمْرَيْنِ إثْباتِ الوَحْدَةِ والقَهْرِ المَذْكُورَيْنِ فِيما قَبْلُ نَفْيًا لِلْوَلَدِ، بَلْ حَسْمًا لِلشِّرْكِ مِن أصْلِهِ، والتَّسَلُّقُ إلى ما مَهَّدَ أوَّلًا مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ لِئَلّا يَزُولَ عَنِ الخاطِرِ، فَقِيلَ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ كَما قِيلَ هُنالِكَ: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ وأُدْمِجَ فِيهِ أنَّ إنْزالَ الكِتابِ كَما يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ، فَكَذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ والحِكْمَةِ الَّتِي مِنها الجَزاءُ عَلى ما سَلَفَ، فالتَّذْيِيلُ بالًا هو العَزِيزُ الغَفّارُ لِلتَّرْغِيبِ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ والتَّحْذِيرِ عَنْ خِلافِ ذَلِكَ، سَواءٌ خالَفَ أصْلَ الدِّينِ كالكُفْرِ، أوْ خالَفَ الإخْلاصَ فِيهِ كَسائِرِ المَعاصِي في غايَةِ المُلاءَمَةِ، وإنَّما أفْرَدَ مُخالَفَةَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ”والَّذِينَ اتَّخَذُوا“ إلَخْ، تَحْذِيرًا مِن حالِهِمْ، لِأنَّها هاتِكَةٌ لِعِصْمَةِ النَّجاةِ، فَكانَتْ أحَقَّ بِالتَّحْذِيرِ، ورَمَزَ إلى هَذا الثّانِي بِالتَّذْيِيلِ المَذْكُورِ تَكْمِيلًا لِلْمَعْنى المُرادِ، ومَدارُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الأمْرِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والوَجْهُ الثّانِي مِن ذَيْنِكَ الوَجْهَيْنِ يُناسِبُ حَدِيثَ الشِّرْكِ، والتَّذْيِيلَ بِهِ، لِتَوْكِيدِ تَفْظِيعِ ما نَسَبُوا إلَيْهِ، ولَمّا ذَكَرَ تَنْزِيلَ الكِتابِ وعَقَّبَ بِالأوْصافِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعِبادَةِ والإخْلاصِ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ“ عَلى ما تَحَقَّقَ وجْهُهُ، وقَدْ نَقَلْناهُ نَحْنُ عَنْهُ فِيما مَرَّ، ثُمَّ لَمّا ذُكِرَ بَعْدَهُ عَظِيمُ ما نَسَبُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ: مِنَ الشِّرْكِ، والأوْلادِ، وما دَلَّ عَلى تَنَزُّهِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ ناسَبَ أنْ يُذَيِّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”ألا هو العَزِيزُ الغَفّارُ“ لِلتَّوْكِيدِ المَذْكُورِ، وقَدْ آثَرَ هَذا العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ رُجْحانِ الأوَّلِ اهـ، والوَجْهُ الثّانِي مِن وجْهَيِ المُناسَبَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى الوَجْهَيْنِ، والآيَةُ عَلى ما ذَكَرَهُ البَعْضُ يَجُوزُ ارْتِباطُها بِما عِنْدَها مِنَ الخَلْقِ والتَّكْوِيرِ والتَّسْخِيرِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ إلَخْ، دَلِيلٌ آخَرُ عَلى الوَحْدَةِ والقَهْرِ.
وتُرِكَ عَطْفُهُ عَلى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ في الدِّلالَةِ ولِتَعَلُّقِهِ بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ، والبُداءَةِ بِخَلْقِ الإنْسانِ، لِأنَّهُ أقْرَبُ وأعْجَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ العَقْلِ، وقَبُولِ الأمانَةِ الإلَهِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ: وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ والمُرادُ بِالنَّفْسِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها ﴾ أيْ حَوّاءَ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن قُصَيْرى ضِلَعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اليُسْرى، وهي أسْفَلُ الأضْلاعِ عَلى مَعْنى أنَّها خُلِقَتْ مِن بَعْضِها، أوْ خُلِقَتْ مِنها كُلِّها، وخَلَقَ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ مَكانَها، عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِنَفْسٍ، أيْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ خَلَقَها، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، أوْ عَلى واحدة لِأنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ فَيَجُوزُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا“، ويُعْتَبَرُ ماضِيًا لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ قَدْ يَكُونُ لِلْمُضِيِّ إذا لَمْ يَعْمَلْ، أيْ مِن نَفْسٍ وُحِّدَتْ، ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، ورَجَحَ بِسَلامَتِهِ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هو خِلافُ الأصْلِ، أوْ عَلى خلقكم لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما في الدِّلالَةِ فَإنَّهُما، وإنْ كانَتا آيَتَيْنِ دالَّتَيْنِ عَلى ما مَرَّ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ لَكِنَّ خَلْقَ حَوّاءَ مِنَ الضِّلَعِ أعْظَمُ وأجْلَبُ لِلتَّعَجُّبِ، ولِذا عَبَّرَ بِالجَعْلِ دُونَ الخَلْقِ، فَثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، ويَجُوزُ فِيهِ كَوْنُ الثّانِي أعْلى مَرْتَبَةً مِنَ الأوَّلِ، وعَكْسُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، ثُمَّ خَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ، فالمُرادُ بِخَلْقِهِمْ مِنهُ إخْراجُهم مِن ظَهْرِهِ كالذَّرِّ، فالعَطْفُ عَلى خلقكم وثُمَّ عَلى ظاهِرِها، وهَذا لا يُقْبَلُ إلّا إذا صَحَّ مَرْفُوعًا، أوْ في حُكْمِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَ آياتٍ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلا أبٍ وأُمٍّ، وخَلْقَ حَوّاءَ مِن قُصَيْراهُ، وخَلْقَ ذُرِّيَّتِهِ الَّتِي لا يُحْصِي عَدَدَها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ ﴾ اسْتِدْلالٌ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، والإنْزالُ مَجازٌ عَنِ القَضاءِ والقِسْمَةِ، فَإنَّهُ تَعالى إذا قَضى وقَسَّمَ أثْبَتَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ونَزَلَتْ بِهِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلَةُ بِإظْهارِهِ، ووَصْفُهُ بِالنُّزُولِ مَعَ أنَّهُ مَعْنًى شائِعٌ مُتَعارَفٌ كالحَقِيقَةِ، والعَلاقَةُ بَيْنَ الإنْزالِ والقَضاءِ الظُّهُورُ بَعْدَ الخَفاءِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في نِسْبَةِ الإنْزالِ إلى الأنْعامِ، والمُنَزَّلُ حَقِيقَةُ أسْبابِ حَياتِها كالأمْطارِ، ووَجْهُ ذَلِكَ المُلابَسَةُ بَيْنَهُما، وقِيلَ: يُرادُ بِالأزْواجِ أسْبابُ تَعَيُّشِها، أوْ يُجْعَلُ الإنْزالُ مَجازًا عَنْ إحْداثِ ذَلِكَ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، واللَّهُ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ في الجَنَّةِ، ثُمَّ أنْزَلَها مِنها، ولا أرى لِهَذا الخَبَرِ صِحَّةً، والأنْعامُ الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعْزُ، وكانَتْ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ، لِأنَّ كُلًّا مِنها ذَكَرٌ وأُنْثى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِما قُدِّمَ، والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ مَن ذَكَرَ مِنَ الأناسِيِّ والأنْعامِ إظْهارًا لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَغْلِيبانِ تَغْلِيبُ أُولِي العَقْلِ عَلى غَيْرِهِمْ، وتَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، كَذا قِيلَ، والأظْهَرُ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّدَرُّجِ والتَّجَدُّدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أنَّ تَعَلُّقَ مِن بَعْدُ بِالفِعْلِ، وإلّا فَغَيْرُ مُؤَكِّدٍ أيْ يَخْلُقُكم فِيها خَلْقًا مُدْرَجًا حَيَوانًا سَوِيًّا مِن بَعْدِ عِظامٍ مَكْسُوَّةٍ لَحْمًا مِن بَعْدِ عِظامٍ عارِيَةٍ مِن بَعْدِ مُضَغٍ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مِن بَعْدِ عَلَقَةٍ مِن بَعْدِ نُطْفَةٍ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ”خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ“ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ، كَما يُقالُ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، لا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِخَلْقَيْنِ.
وقَرَأ عِيسى، وطَلْحَةُ ”يَخْلُقْكُّمْ“ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ، ﴿ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ﴾ ظُلْمَةِ البَطْنِ والرَّحِمِ والمَشِيمَةِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ الصُّلْبِ والبَطْنِ والرَّحِمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَخْلُقُكُمْ، وجَوَّزَ الشِّهابُ تَعَلُّقَهُ (بِخَلْقًا) بِناءً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكِّدٍ، وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”في بطون أمهاتكم ذلكم الله ربكم“ إشارَةٌ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ المَذْكُورَةِ عَلى وجْهٍ يَدُلُّ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ تَعالى في العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ، وربكم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوِ الِاسْمُ الجَلِيلُ نَعْتٌ أوْ بَدَلٌ، وهو الخَبَرُ، أيْ ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي عُدِّدَتْ أفْعالُهُ اللَّهُ مُرَبِّيكم فِيما ذُكِرَ مِنَ الأطْوارِ وفِيما بَعْدَها، ومالِكُكُمُ المُسْتَحِقُّ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ سُبْحانَهُ، ﴿ لَهُ المُلْكُ ﴾ عَلى الإطْلاقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لَيْسَ لِغَيْرِهِ تَعالى شَرِكَةٌ ما في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما قَبْلَها، ولَمْ يُصَرِّحْ مَعَها بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ اعْتِمادًا عَلى فَهْمِ السّامِعِ.
وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأنّى تُصْرَفُونَ ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما ذُكِرَ.
مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى مَعَ وُفُورِ مُوجِباتِها ودَواعِيها وانْتِفاءِ الصّارِفِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْها مَعَ كَثْرَةِ الصَّوارِفِ عَنْها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ بِهِ تَعالى مَعَ مُشاهَدَةِ ما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ والشُّكْرِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ أيْ فَأخْبَرَكم أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكُمْ، وشُكْرِكم غَيْرُ مُتَأثِّرٍ مِنَ انْتِفائِهِما ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، ﴿ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ ﴾ أيِ الشُّكْرَ، ﴿ لَكُمْ ﴾ لِما فِيهِ مِن نَفْعِكُمْ، ومَن قالَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ قالَ: عَدَمُ الرِّضا بِالكُفْرِ لِقُبْحِهِ العَقْلِيِّ، والرِّضا بِالشُّكْرِ لِحُسْنِهِ العَقْلِيِّ، والرِّضا إمّا بِمَعْنى المَحَبَّةِ أوْ بِمَعْنى الإرادَةِ مَعَ تَرْكِ الِاعْتِراضِ، ويُقابِلُهُ السُّخْطُ كَما في شَرْحِ المُسايَرَةِ، فَعِبادُهُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ العُمُومِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ قَيْدٍ، ويُقابِلُهُ الكُرْهُ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَهُ قَدْ يَرْضى بِالكُفْرِ أيْ يُرِيدُهُ لِبَعْضِ النّاسِ، كالكَفَرَةِ ونَقَلَهُ السَّخاوِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ في كِتابِهِ الأُصُولِ والضَّوابِطِ.
وابْنُ الهُمامِ عَنِ الأشْعَرِيِّ.
وإمامُ الحَرَمَيْنِ كَذا قالَهُ الخَفاجِيُّ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ.
والَّذِي رَأيْتُهُ في الضَّوابِطِ وهي نُسْخَةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا ما نَصُّهُ: مَسْألَةُ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ الإيمانُ بِالقَدَرِ، وإثْباتُهُ، وأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ خَيْرُها وشَرُّها بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، وهو مُرِيدٌ لَها كُلِّها، ويَكْرَهُ المَعاصِيَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرِيدٌ لَها لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها جَلَّ وعَلا، وهَلْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَرْضى المَعاصِيَ ويُحِبُّها؟
فِيهِ مَذْهَبانِ لِأصْحابِنا المُتَكَلِّمِينَ، حَكاهُما إمامُ الحَرَمَيْنِ، وغَيْرُهُ، قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ: مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الحَقِّ إطْلاقُ المَحَبَّةِ والرِّضاءِ، فَقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لا يُطْلَقُ القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المَعاصِيَ ويَرْضاها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ ومَن حَقَّقَ مِن أئِمَّتِنا لَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَهْوِيلِ المُعْتَزِلَةِ بَلْ قالَ: اللَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ ويُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، والإرادَةُ والمَحَبَّةُ والرِّضا بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ في الآيَةِ المُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ، وأُضِيفُوا إلى اللَّهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم كُلٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ ﴾ أيْ خَواصُّهم لا كُلُّهم اهـ، فَلا تَغْفُلْ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، وحُكِيَ تَخْصِيصُ العِبادِ في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ حَمْلُ العِبادِ عَلى العُمُومِ، ويَكُونُ المَعْنى: ولا يَرْضى لِجَمِيعِ عِبادِهِ الكُفْرَ، بَلْ يَرْضاهُ ويُرِيدُهُ لِبَعْضِهِمْ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ عَلى قَوْلٍ، ولِعَلّامَةِ الأعْصارِ صاحِبِ الكَشْفِ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ في هَذا المَقامِ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ، وهو أنَّ الرِّضا يُقابِلُ السُّخْطَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، فَإذا قُلْتَ: رَضِيتُ عَنْ فُلانٍ، فَإنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا، وفي مُقابِلِهِ: سَخِطْتُ عَلَيْهِ، وبَيْنَهُما فَرْقانِ: أنَّكَ إذا قُلْتَ: رَضِيتُ عَنْ فُلانٍ بِإحْسانِهِ لَمْ يَتَعَيَّنِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بَلْ جازَ أنْ يَكُونَ صِلَةً، مِثْلُهُ فِي: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وإذا قُلْتَ: سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ، تَعَيَّنَ السَّبَبِيَّةُ، فَكانَ الأصْلُ ها هُنا ذِكْرُ الصِّلَةِ، لَكِنَّهُ كَثُرَ الحَذْفُ في الِاسْتِعْمالِ بِخِلافِهِ ثَمَّتَ إذْ لا حَذْفَ، وإذا قِيلَ: رَضِيتُ بِهِ، فَهَذا يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى، لِيَكُونَ أبْلَغَ، تَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَضِيتُ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - رَبًّا وقاضِيًا، وقَرِيبٌ مِنهُ: سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وسَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ زَيْدًا، وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى، كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: حَمِدْتُ زَيْدًا، وحَمِدْتُ عِلْمَهُ، وأمّا إذا اسْتُعْمِلَ بِاللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ هَذا، فَمَعْناهُ ما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وإذا تَمَهَّدَ هَذا لاحَ لَكَ أنَّ الرِّضا في الأصْلِ مُتَعَلِّقُهُ المَعْنى، وقَدْ يَكُونُ الذّاتَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْنى، أوْ بِاعْتِبارِ التَّمْهِيدِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ حُقِّقَتْ بِأمْثِلَتِها، وأنَّهُ في الحَقِيقَةِ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْقُبُ حُصُولَ مُلائِمٍ مَعَ ابْتِهاجٍ بِهِ، واكْتِفاءٍ، فَهو غَيْرُ الإرادَةِ بِالضَّرُورَةِ، لِأنَّها تَسْبِقُ الفِعْلَ، وهَذا يَعْقُبُهُ، وهَذا المَعْنى في غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ بِاللّامِ مِنَ الوُضُوحِ بِمَكانٍ لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنَيْنِ، وأمّا فِيهِ، فَإنَّما اشْتَبَهَ الأمْرُ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، فالرّاضِي بِالتِّجارَةِ هو مُخاطِبُكَ وإنَّما أنْتَ بَيَّنْتَ لَهُ أنَّ التِّجارَةَ مِمّا يَحِقُّ أنْ يُرْضى بِهِ، ولَيْسَ المَعْنى: رَضِيتُ بِتِجارَتِكَ بَلِ المَعْنى اسْتِحْمادُكَ التِّجارَةَ لَهُ، فالمُلاءَمَةُ ها هُنا بَيْنَ الواقِعِ عَلَيْهِ الفِعْلُ والدّاخِلُ عَلَيْهِ اللّامُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَرْضى بِما تَرْضاهُ لَهُ، إذا عَرَفَ وجْهَ المُلاءَمَةِ، وقَدْ لا يَرْضى، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَلى الِاسْتِحْمادِ، لِأنَّ كُلَّ مَرْضِيٍّ مَحْمُودٌ أوْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مَرْضِيًّا لَهُ، بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مَرْضِيًّا لَكَ، فاعْلَمْ أنَّ الرِّضا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو مَجازٌ، كَما أنَّ الغَضَبَ كَذَلِكَ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ، وأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ﴾ إمّا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، وإمّا مِن بابِ المَجازِ المَذْكُورِ، وأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ﴾ ، مُتَعَيِّنٌ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ البابِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالرِّضا حَقِيقَةً أيْضًا، فَإذَنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى نَهْجِهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَسْتَحْمِدُ الكُفْرَ لِعِبادِهِ كَما يَسْتَحْمِدُ الإسْلامَ لَهُمْ، ويَرْتَضِيهِ، وأمّا أنَّهُ لا يُرِيدُ الكُفْرَ أنْ يُوجَدَ، فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ في شَيْءٍ، ولا هو مِن مُقْتَضَياتِ هَذا التَّرْكِيبِ، وأنَّ الخُرُوجَ إلى تَخْصِيصِ العِبادِ مِن ضِيقِ العَطَنِ، وأنَّ قَوْلَ المُحَقِّقِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ الطّاعاتِ بِرِضى اللَّهِ تَعالى والمَعاصِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ لَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ، بَلْ لِأنَّ الرِّضا بِالمَعْنى الأصْلِيِّ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ رَضِيَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طاعَتِهِمْ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ.
والزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ فَسَّرَ الرِّضا في نَحْوِهِ بِالِاخْتِيارِ، وهو لا يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ سُقُوطَهُ مِمّا حَقَّقَ هَذا، ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى الحَقِّ، وهَدَّدَ عَلى الباطِلِ إكْمالًا لِلرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ كُلِّهِمُ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ تَعالى أنْ يَكُونَ أمْرُهُ بِالخَيْرِ لِانْتِفاعِهِ بِهِ، ونَهْيُهُ عَنِ الشَّرِّ لِتَضَرُّرِهِ مِنهُ، ثُمَّ في العُدُولِ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الخِطابِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّ عُبُودِيَّتَهم ورُبُوبِيَّتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَرْضى لَهم ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهم إذا اتَّصَفُوا بِالكُفْرِ فَكَأنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنْ رُتْبَةِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى، وبَقُوا في الذُّلِّ الدّائِمِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاخْتِصاصِ، فَهَذا هو النَّظْمُ السِّرِّيُّ الَّذِي يَحارُ دُونَ إدْراكِ طائِفَةٍ مِن لَطائِفِهِ الفِكْرُ البَشَرِيُّ واللَّهُ أعْلَمُ اهـ.
وهو كَلامٌ رَصِينٌ وبِالقَبُولِ قَمِينٌ، إلّا أنَّهُ رُبَّما يُقالُ إنَّهُ: لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ حَيْثُ إنَّهم لا يُؤَوِّلُونَ الرِّضا في حَقِّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ عِبارَةً عَنْ حالَةٍ نَفْسانِيَّةٍ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِ، إنَّما هو فِينا، وحَيْثُ إنَّ ذاتَهُ تَعالى مُبايِنَةٌ لِسائِرِ الذَّواتِ، فَصِفاتُهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ، فَحَقِيقَةُ الرِّضا في حَقِّهِ تَعالى مُبايِنَةٌ لِحَقِيقَتِهِ فِينا، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ عَلى وجْهٍ يَرْوِي الأُوامَ، ويُبْرِئُ السِّقامَ، فَنَقُولُ: عَدَمُ التَّأْوِيلِ لا يَضُرُّ، فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فالرِّضا إنْ أُوِّلَ أوْ لَمْ يُؤَوَّلْ غَيْرُ الإرادَةِ لِحَدِيثِ السَّبْقِ والتَّأخُّرِ السّابِقِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: تَأمَّلِ الإرادَةَ فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هي فِيما وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِها عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقَدْ ذَهَبَ إلى المُغايَرَةِ بَيْنَهُما بِما ذُكِرَ هُنا ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ أوَّلَ الرِّضا، وذَكَرَ أنَّهُ لا يَتَأتّى حَمْلُهُ في الآيَةِ عَلى الإرادَةِ، وشَنَّعَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ جَزاءَ ما تَكَلَّمَ عَلى بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ المُخالِفِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمُ اتِّحادَ الرِّضا والإرادَةِ، وأنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ ما لا يَفْعَلُهُ العَبْدُ، وقَدْ يَفْعَلُ العَبْدُ ما لا يُرِيدُهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقالَ: هَبْ أنَّ المُصِرَّ عَلى هَذا المُعْتَقَدِ عَلى قَلْبِهِ رَيْنٌ أوْ في مِيزانِ عَقْلِهِ غَيْنٌ، ألَيْسَ يَدَّعِي أوْ يُدَّعى لَهُ أنَّهُ الخِرِّيتُ في مَعابِرِ العِباراتِ، فَكَيْفَ هامَ عَنْ جادَّةِ الإجادَةِ في بَهْماءَ، وأعارَ مُنادِيَ الحَذاقَةِ أُذُنًا صَمّاءَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الهَوى إذا تَمَكَّنَ، أرى الباطِلَ حَقًّا، وغَطّى عَلى مَكْشُوفِ العِبارَةِ فَسُحْقًا سُحْقًا، ألَيْسَ مُقْتَضى العَرَبِيَّةِ فَضْلًا عَنِ القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَشْرُوطَ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ، فَلا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ المَشْرُوطِ قَبْلَ الشَّرْطِ عَقْلًا ولا مُضِيُّهُ واسْتِقْبالُ الشَّرْطِ لُغَةً ونَقْلًا، واسْتَقَرَّ بِاتِّفاقِ الفَرِيقَيْنِ أهْلُ السُّنَّةِ، وأهْلُ البِدْعَةِ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِشُكْرِ العِبادِ مَثَلًا مُقَدَّمَةٌ عَلى وُجُودِ الشُّكْرِ مِنهُمْ، فَحِينَئِذٍ كَيْفَ يَنْساغُ حَمْلُ الرِّضا عَلى الإرادَةِ، وقَدْ جَعَلَ في الآيَةِ مَشْرُوطًا وجَزاءً، وجَعَلَ وُقُوعَ الشُّكْرِ شَرْطًا ومُجْزِيًا، واللّازِمُ مِن ذَلِكَ عَقْلًا تَقَدَّمَ المُرادُ، وهو الشُّكْرُ عَلى الإرادَةِ، وهي الرِّضا، ولُغَةً تَقَدَّمَ المَشْرُوطُ عَلى الشَّرْطِ، فَإذا ثَبَتَ بُطْلانُ حَمْلِ الرِّضا عَلى الإرادَةِ عَقْلًا ونَقْلًا تَعَيَّنَ المَحْمَلُ الصَّحِيحُ لَهُ، وهو المُجازاةُ عَلى الشُّكْرِ بِما عَهِدَ أنْ يُجازِيَ بِهِ المَرْضِيَّ عَنْهُ مِنَ الثَّوابِ والكَرامَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وإنْ تَشْكُرُوا يُجازِكم عَلى شُكْرِكم جَزاءَ المَرْضِيِّ عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ المُجازاةَ مُسْتَقْبَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشُّكْرِ، فَجَرى الشَّرْطُ والجَزاءُ عَلى مُقْتَضاها لُغَةً وانْتَظَمَ ذَلِكَ بِمُقْتَضى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى بُطْلانِ تَقَدُّمِ المُرادِ عَلى الإرادَةِ عَقْلًا، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴾ أيْ لا يُجازِي الكافِرَ مُجازاةَ المَرْضِيِّ عَنْهُ، بَلْ مُجازاةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِنَ النَّكالِ والعُقُوبَةِ، انْتَهى.
لا يُقالُ: حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ جَزاءً بِاعْتِبارِ الإخْبارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ جَزاءً بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ الرِّضا مُؤَخَّرًا، لِأنّا نَقُولُ: مِثْلُ هَذا الِاعْتِبارِ شائِعٌ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُتَحَقِّقِ مَضْمُونُها قَبْلَ الشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وفي الفِعْلِ الماضِي إذا وقَعَ جَزاءً نَحْوَ: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، وأمّا في الفِعْلِ المُضارِعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، والذَّوْقُ السَّلِيمُ يَأْبى هَذا الِاعْتِبارَ فِيهِ، ومَعَ هَذا، أيُّ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ هُنا، ولا أُراها إلّا نُصْرَةَ الباطِلِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ يُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما قَدَّمْنا حَقِّيَّةُ ما قالُوا مِن أنَّهُ لا تَلازُمَ بَيْنَ الإرادَةِ والرِّضا كَما أنَّ الرِّضا لَيْسَ عِبارَةً عَنْ حَقِيقَةِ الإرادَةِ، لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وتِلْمِيذَهُ ابْنَ القَيِّمَ قَسَّما الإرادَةَ إلى قِسْمَيْنِ تَكْوِينِيَّةٍ وشَرْعِيَّةٍ، وذَكَرا أنَّ المَعاصِيَ كالكُفْرِ، وغَيْرِهِ، واقِعَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى التَّكْوِينِيَّةِ دُونَ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ الشَّرْعِيَّةِ، وعَلى هَذا فالرِّضا لا يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكُلُّ مُرادٍ لِلَّهِ تَعالى بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَرْضِيٌّ لَهُ سُبْحانَهُ، وهَذا التَّقْسِيمُ لا أتَعَقَّلُهُ إلّا أنْ تَكُونَ الإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ هي الإرادَةُ الَّتِي يَرْتَضِي المُرادَ بِها فَتَدَبَّرْ هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ ”يَرْضَهُ“ بِإشْباعِ ضَمَّةِ الهاءِ، والقاعِدَةُ في إشْباعِ الهاءِ وعَدَمِهِ أنَّها إنْ سَكَنَ ما قَبْلَها لَمْ تُشْبَعْ نَحْوَ: عَلَيْهِ، وإلَيْهِ، وإنْ تَحَرَّكَ أُشْبِعَتْ نَحْوَ: بِهِ، وغُلامِهِ، وها هُنا قَبْلَها ساكِنٌ تَقْدِيرًا، وهو الألِفُ المَحْذُوفَةُ لِلْجازِمِ، فَإنْ جُعِلَتْ مَوْجُودَةً حُكْمًا لَمْ تُشْبَعْ كَما في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ، وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْها أُشْبِعَتْ كَما في قِراءَةِ مَن سَمِعْتَ، وهَذا هو الفَصِيحُ، وقَدْ تُشْبَعُ، وتُخْتَلَسُ في غَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يَحْسُنُ إشْباعُها مَعَ فَقْدِ الشَّرْطِ لِنُكْتَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ ”يَرْضَهْ“ بِسُكُونِ الهاءِ، ولَمْ يَرْضَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: هو غَلَطٌ لا يَجُوزُ، وفِيهِ أنَّهُ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ سِرايَةِ كُفْرِ الكافِرِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ فَتَذَكَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ ﴾ مِن مَرَضٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَكارِهِ، ﴿ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ﴾ راجِعًا مِمَّنْ كانَ يَدْعُوهُ في حالَةِ الرَّخاءِ مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كَشْفِ ضُرِّهِ، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِحالِ بَعْضِ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: هو مُعَيَّنٌ كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، ﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ ﴾ أيْ أعْطاهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن جَنابِهِ مِنَ الخَوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو تَعَهُّدُ الشَّيْءِ أيِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأُطْلِقَ عَلى العَطاءِ لِما أنَّ المُعْطِيَ الكَرِيمَ يَتَعَهَّدُ مَن هو رَبِيبُ إحْسانِهِ، ونُشُوُّ امْتِنانِهِ بِتَكْرِيرِ العَطاءِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ﴿ خَوَّلَهُ ﴾ في الأصْلِ أعْطاهُ خَوَلًا بِفَتْحَتَيْنِ، أيْ عَبِيدًا وخَدَمًا، أوْ أعْطاهُ ما يَحْتاجُ إلى تَعَهُّدِهِ والقِيامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ عُمِّمَ لِمُطْلَقِ العَطاءِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِن خالَ يَخُولُ خَوْلًا بِسُكُونِ الواوِ، إذا افْتَخَرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صُرِّحَ في الصِّحاحِ أنَّ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ يائِيٌّ، والخُيَلاءُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ دِلالَةً بَيِّنَةً، وأيْضًا خَوَّلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأخْذُهُ مِنهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَتَعَدّى لِلْمَفْعُولِ الثّانِي.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مِن أئِمَّةِ النَّقْلِ، وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الخالِ الَّذِي هو العَلامَةُ، وقَدْ نَقَلَ فِيهِ الواوَ والياءَ، ثُمَّ قِيلَ: لَسِيَّما الجَمالُ والخَيْرُ خالٌ مِن ذَلِكَ، وأُخِذَ مِنهُ الخَيالُ، وأمّا الِاخْتِيالُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَيالِ، لِأنَّهُ خالَ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهِ، أوْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ خالَ الخَيْرِ كَما يُقالُ: أُعْجِبَ الرَّجُلُ، فَقَدْ وضَحَ أنَّ الِاشْتِقاقَ يُناسِبُهُما، ولا يُنْكَرُ ثُبُوتُ الياءِ بِدَلِيلِ الخُيَلاءِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن ثُبُوتِ الياءِ أيْضًا، ولَيْسَ الِاخْتِيالُ مَأْخُوذًا مِنَ الخُيَلاءِ، بَلِ الخُيَلاءُ هو الِاسْمُ مِنهُ، فَلا يَصْلُحُ مانِعًا لَكِنْ يَصْلُحُ مُثْبِتًا لِلْياءِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنْ خَوَّلَ مُضَعَّفُ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ حَتّى يُشْكِلَ تَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي، بَلْ أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِمَعْنى أعْطى، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِمَأْخَذِ اشْتِقاقِهِ، وأصْلُ مَعْناهُ المُلاحَظُ في وضْعِهِ لَهُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، فَأصْلُ خَوَّلَهُ جَعَلَهُ مُفْتَخِرًا بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَطَعَ النَّظَرَ عَنْهُ، وصارَ بِمَعْنى أعْطاهُ مُطْلَقًا، ﴿ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ ﴾ أيْ نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إزالَتَهُ وكَشْفَهُ، ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ التَّخْوِيلِ، فَما واقِعَةٌ عَلى الضُّرِّ، ودَعا مِنَ الدَّعْوَةِ، وهو يَتَعَدّى بِـ ”إلى“ يُقالُ: دَعا المُؤَذِّنُ النّاسَ إلى الصَّلاةِ، ودَعا فُلانٌ النّاسَ إلى مَأْدُبَتِهِ، والدَّعْوَةُ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ، والمَعْنى عَلى اعْتِبارِ المُضافِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (بِما) مَعْنى (مَن) لِلدِّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ والتَّفْخِيمِ واقِعًا عَلَيْهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ، والدُّعاءُ عَلى ظاهِرِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإنابَةِ، أوِ التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ، والمَعْنى: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَدْعُو مُنِيبًا أوْ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ: تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ: دَعا إلَيْهِ بِمَعْنى دَعاهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ (ما) بِمَعْنى (مَن)، مَرْدُودٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ التَّضْمِينِ واسْتِعْمالِ (ما) في مَقامِ التَّفْخِيمِ.
وفي الإرْشادِ أنَّ في ذَلِكَ الجَعْلِ إيذانًا بِأنَّ نِسْيانَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ مَدْعُوَّهُ ما هُوَ؟
فَضْلًا مِن أنْ يَعْرِفَهُ مَن هُوَ؟
وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسِيَ ﴾ أيْ نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءُ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ الضُّرِّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ شُرَكاءَ في العِبادَةِ، والظّاهِرُ مِنَ اسْتِعْمالاتِهِمْ إطْلاقُ الأنْدادِ عَلى الشُّرَكاءِ مُطْلَقًا، وفي البَحْرِ: أنْدادًا أيْ أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ، قالَ قَتادَةُ: أيِ الرِّجالُ يُطِيعُهم في المَعْصِيَةِ، وقالَ غَيْرُهُ أوْثانًا، ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ النّاسَ بِذَلِكَ ﴿ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا، أوْ لِيَثْبُتَ عَلَيْهِ، وإلّا فَأصْلُ الضَّلالِ غَيْرُ مُتَأخِّرٍ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ﴾ ، بَيْدَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ الجاعِلَ ها هُنا قاصِدٌ بِجَعْلِهِ المَذْكُورِ حَقِيقَةَ الإضْلالِ، والضَّلالِ، وإنْ لَمْ يَعْرِفْ بِجَهْلِهِ أنَّهُما إضْلالٌ وضَلالٌ، وأمّا آلُ فِرْعَوْنَ فَهم غَيْرُ قاصِدِينَ بِالتِقاطِهِمُ العَداوَةَ أصْلًا.
﴿ قُلْ ﴾ تَهْدِيدًا لِذَلِكَ الجاعِلِ، وبَيانًا لِحالِهِ ومَآلِهِ، ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا ﴾ أيْ تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، ﴿ إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ ﴾ أيْ مُلازِمِيها والمُعَذَّبِينَ فِيها عَلى الدَّوامِ، وهو تَعْلِيلٌ لِقِلَّةِ التَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ الإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ وذَمِّ الكُفْرِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قَدْ أبَيْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمِن حَقِّكَ أنْ تُؤْمَرَ بِتَرْكِهِ لِتَذُوقَ عُقُوبَتَهُ، <div class="verse-tafsir"
﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ إلَخْ، مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلٍ، (وأمْ) إمّا مُتَّصِلَةٌ قَدْ حُذِفَ مُعادِلُها ثِقَةً بِدِلالَةِ مَساقِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهْدِيدِ وتَهَكُّمًا بِهِ: أأنْتَ أحْسَنُ حالًا ومَآلًا، أمْ مَن هو قائِمٌ بِمَواجِبِ الطّاعاتِ ودائِمٌ عَلى وظائِفِ العِباداتِ في ساعاتِ اللَّيْلِ الَّتِي فِيها العِبادَةُ أقْرَبُ إلى القَبُولِ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ حالَتَيِ السَّرّاءِ، والضَّرّاءِ، لا عِنْدَ مِساسِ الضُّرِّ فَقَطْ، كَدَأْبِكَ حالَ كَوْنِهِ ﴿ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ وإلى كَوْنِ المَحْذُوفِ المُعادِلَ الأوَّلَ ذَهَبَ الأخْفَشُ ووافَقَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ولا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ المَعْنى لَكِنْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، ونَصْبُ ﴿ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ عَلى الحالِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ وصاحِبُ الحالِ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ﴿ قانِتٌ ﴾ .
وجُوِّزَ كَوْنُ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَحْذَرُ ﴾ الآتِي قُدِّمَ عَلَيْهِ، ولا داعِيَ لِذَلِكَ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ ”ساجِدٌ وقائِمٌ“ بِرَفْعِ كُلٍّ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ نَعْتًا لِقانِتٍ، ولَيْسَ بِذاكَ، والواوُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وتُرِكَ العَطْفُ عَلى ﴿ قانِتٌ ﴾ قِيلَ: لِأنَّ القُنُوتَ مُطْلَقُ العِبادَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُغايِرًا لِلسُّجُودِ، والقِيامِ، فَلَمْ يُعْطَفا عَلَيْهِ بِخِلافِ السُّجُودِ والقِيامِ فَإنَّهُما وصْفانِ مُتَغايِرانِ، فَلِذا عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وتَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلى القِيامِ لِكَوْنِهِ أدْخَلُ في مَعْنى العِبادَةِ، وذَهَبَ المُعْظَمُ إلى أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ القِيامِ لِحَدِيثِ: «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ حالٌ أُخْرى عَلى التَّداخُلِ أوِ التَّرادُفِ، أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: يَحْذَرُ الآخِرَةَ أيْ عَذابَ الآخِرَةِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ فَيَنْجُو بِذَلِكَ مِمّا يَحْذَرُهُ، ويَفُوزُ بِما يَرْجُوهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الرّاجِي، لا أنَّهُ يَحْذَرُ ضُرَّ الدُّنْيا، ويَرْجُو خَيْرَها فَقَطْ، وإمّا مُنْقَطِعَةٌ، وما فِيها مِنَ الإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّبْكِيتِ بِتَكْلِيفِ الجَوابِ المُلْجِئِ إلى الِاعْتِرافِ بِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أمَّنْ هو قانِتٌ إلَخْ، وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَغَيْرِهِ: مِثْلُكَ أيُّها الكافِرُ.
وقالَ النَّحّاسُ: بِمَعْنى بَلْ، ومَن بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ إلَخْ، أفْضَلُ مِمّا قَبْلَهُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلَ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ: مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، لِدِلالَةِ مُقابِلِهِ، أعْنِي ﴿ إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ ﴾ عَلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدَّرَ: أفْضَلُ مِنكَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّهَكُّمِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ ”أمَن“ بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وضَعَّفَها الأخْفَشُ، وأبُو حاتِمٍ، ولا التِفاتَ إلى ذَلِكَ، وخُرِّجَتْ عَلى إدْخالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ عَلى مَن، والمُقابِلُ مَحْذُوفٌ، أيِ الَّذِي هو قانِتٌ إلَخْ، خَيْرٌ أمْ أنْتَ أيُّها الكافِرُ، ومِثْلُهُ في حَذْفِ المُعادَلَةِ قَوْلُهُ: دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها فَإنَّهُ أرادَ أمْ غَيٌّ؟
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ﴾ خِطابًا لَهُ، وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وهو كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ﴾ عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُ أيْضًا بَيانًا لِلْحَقِّ، وتَصْرِيحًا بِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى شَرَفِ العِلْمِ والعَمَلِ، ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى عِلْمِهِمْ، ويَقْنُتُونَ اللَّيْلَ سُجَّدًا ورُكَّعًا يَحْذَرُونَ الآخِرَةَ ويَرْجُونَ رَحْمَةَ رَبِّهِمْ، ﴿ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى جَهْلِهِمْ، وضَلالِهِمْ كَدَأْبِكَ أيُّها الكافِرُ الجاعِلُ لِلَّهِ تَعالى أنْدادًا، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كَوْنَ الأوَّلِينَ في أعْلى مَعارِجِ الخَيْرِ، وكَوْنَ الآخِرِينَ في أقْصى مَدارِجِ الشَّرِّ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِن مُنْصِفٍ ومُكابِرٍ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ يَعْلَمُونَ العامِلُونَ مِن عُلَماءِ الدِّيانَةِ، وصَرَّحَ بِإرادَةِ ذَلِكَ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى تَقْدِيرَيِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ، وأنَّ الكَلامَ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُساواةِ بَيْنَ القانِتِ وغَيْرِهِ المُضَمَّنَةِ مِن حَرْفَيِ الِاسْتِفْهامِ أعْنِي الهَمْزَةَ، وأمْ عَلى الِاتِّصالِ، أوْ مِنَ التَّشْبِيهِ عَلى الِانْقِطاعِ، وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ أيْضًا قالَ: وإنَّما عُدِلَ إلى هَذِهِ العِبارَةِ دِلالَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى العِلْمِ وأنَّ العِلْمَ الَّذِي لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العَمَلُ لَيْسَ بِعِلْمٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ جُعِلَ مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ المَذْكُورِ، أوِ اسْتِئْنافُ سُؤالٍ تَبْكِيتِيٍّ تَوْضِيحًا لِلْأوَّلِ مِن حَيْثُ التَّصْرِيحُ، ومِن حَيْثُ إنَّهم وُصِفُوا بِوَصْفٍ آخَرَ يَقْتَضِي اتِّصافَهم بِتِلْكَ الأوْصافِ، ومُبايَنَتَهم لِطَبَقَةِ مَن لا يَتَّصِفُ.
وهَذا أبْلَغُ وأظْهَرُ لَفْظًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيَكُونَ مُقَرِّرًا لِنَفْيِ المُساواةِ لا تَصْرِيحًا بِمُقْتَضى الأوَّلِ، أيْ كَما لا اسْتِواءَ بَيْنَ العالِمِ وغَيْرِهِ عِنْدَكم مِن غَيْرِ رِيبَةٍ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ لَكُمُ ارْتِيابٌ في نَفْيِ المُساواةِ بَيْنَ القانِتِ المَذْكُورِ وغَيْرِهِ، وكَوْنُهُ لِلتَّصْرِيحِ بِنَفْيِ المُساواةِ، وحَمْلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ عَلى العامِلِينَ مِن عُلَماءِ الدِّيانَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتارَ غَيْرُهُ لِتَكْثِيرِ الفائِدَةِ، وأمّا مَنِ ارْتابَ في ذَلِكَ الواضِحِ فَلا يَبْعُدُ مِنهُ الِارْتِيابُ في هَذا الواضِحِ أيْضًا بِجَوابِهِ أنَّ الِاسْتِنْكافَ عَنِ الجَهْلِ مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ بِخِلافِ الأوَّلِ، ويُشْعِرُ كَلامُ كَثِيرٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هُوَ ﴾ إلَخْ، غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ والمَعْنى عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ بِتَغْيِيرٍ يَسِيرٍ لا يَخْفى، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ تَلا: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ عَنْهُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَمّارٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: الِاقْتِصارُ عَلى عَمّارٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ: المُرادُ بِمَن هو قانِتٌ عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ، وفي رِوايَةِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ المُتَّصِفَ بِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ نُزُولُها فِيمَن عَلِمْتَ، وفِيها دِلالَةٌ عَلى فَضْلِ الخَوْفِ والرَّجاءِ.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى رَجُلٍ، وهو في المَوْتِ، فَقالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟
قالَ: أرْجُو وأخافُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا يَجْتَمِعانِ في قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ إلّا أعْطاهُ الَّذِي يَرْجُو، وآمَنَهُ الَّذِي يَخافُ».
وفِيها رَدٌّ عَلى مَن ذَمَّ العِبادَةَ خَوْفًا مِنَ النّارِ، ورَجاءَ الجَنَّةِ، وهو الإمامُ الرّازِيُّ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ، نَعَمِ العِبادَةُ لِذَلِكَ لَيْسَ إلّا مَذْمُومَةً، بَلْ قالَ بَعْضُهم بِكُفْرِ مَن قالَ: لَوْلا الجَنَّةُ والنّارُ ما عَبَدْتُ اللَّهَ تَعالى، عَلى مَعْنى نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ الذّاتِيِّ، وفِيها دِلالَةٌ أيْضًا عَلى فَضْلِ صَلاةِ اللَّيْلِ وأنَّها أفْضَلُ مِن صَلاةِ النَّهارِ، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ﴾ إلَخْ، عَلى فَضْلِ العِلْمِ، ورِفْعَةِ قَدْرِهِ، وكَوْنِ الجَهْلِ بِالعَكْسِ.
واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ الجاهِلَ لا يُكافِئُ العالِمَةَ، كَما أنَّهُ لا يُكافِئُ بِنْتَ العالِمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ غَيْرُ داخِلٍ عِنْدَ الكافَّةِ في الكَلامِ المَأْمُورِ، وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بَعْدَ الأمْرِ بِما تَضَمَّنَ القَوارِعَ الزّاجِرَةَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي لِبَيانِ عَدَمِ تَأْثِيرِها في قُلُوبِ الكَفَرَةِ لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: عُوجُوا فَحَيُّوا لِنُعْمى دِمْنَةَ الدّارِ ∗∗∗ ماذا تُحَيُّونَ مِن نُؤْيٍ وأحْجارِ وهُوَ أيْضًا كالتَّوْطِئَةِ لِأفْرادِ المُؤْمِنِينَ بَعْدُ بِالخِطابِ، والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِمْ، أيْ إنَّما يَتَّعِظُ بِهَذِهِ البَياناتِ الواضِحَةِ أصْحابُ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَبِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ.
وقُرِئَ (يَذَّكَّرُ) بِالإدْغامِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ أنْ يُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ، ويَحْمِلَهم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ إثْرَ تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألْبابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم هُمْ، أيْ: قُلْ لَهم قَوْلِي هَذا بِعَيْنِهِ، وفِيهِ تَشْرِيفٌ لَهم بِإضافَتِهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، ومَزِيدُ اعْتِناءٍ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، فَإنَّ نَقْلَ عَيْنِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أدْخَلُ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ، تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأحْسَنُوا، واسْمُ الإشارَةِ لِلْإحْضارِ، وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ لِلْمُحْسِنِينَ في الدُّنْيا حَسَنَةٌ في الآخِرَةِ أيُّ حَسَنَةٍ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ إزاحَةً لِما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّعَلُّلِ في التَّفْرِيطِ بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ في الوَطَنِ مِن رِعايَةِ الأوامِرِ والنَّواهِي، عَلى ما هي عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ مِن تَتِمَّةِ الِاعْتِراضِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّقُوا رَبَّكم فَإنَّ لِلْمُحْسِنِينَ في هَذِهِ الدُّنْيا الجَنَّةَ في الأُخْرى ولا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ في الإحْسانِ، بِعَدَمِ التَّمَكُّنِ في الأوْطانِ، فَإنَّ أرْضَ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ، وبِلادَهُ كَثِيرَةٌ، فَلْيَتَحَوَّلُوا، إنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا عَنْها، ولْيُهاجِرُوا إلى رَبِّهِمْ لِنَيْلِ الرِّضْوانِ، فَإنَّ لَهم في جَنْبِ ذَلِكَ ما يَتَقاصَرُ عَنْهُ الجَنَّةُ، ويُسْتَلَذُّ لَهُ كُلُّ مِحْنَةٍ، وكَأنَّهُ لَمّا أزاحَ سُبْحانَهُ عِلَّتَهم بِأنَّ في أرْضِ اللَّهِ تَعالى سَعَةً وقَعَ في خَلَدِهِمْ: هَلْ نَكُونُ نَحْنُ، ومَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الإحْسانِ في بَلْدَتِهِ فارِغَ البالِ، رافِعَ الحالِ سَواءٌ بِسَواءٍ؟
فَأجِيبُوا إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الهِجْرَةِ، ومُفارَقَةِ المَحابِّ، والِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، وأصْلُهُ: إنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم بِغَيْرِ حِسابٍ عَلى الخِطابِ، وعُدِلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُقْتَضِيَ لِذَلِكَ صَبْرُهُمْ، فَيُفِيدُ أنَّكم تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم بِصَبْرِكُمْ، كَما وُفِّيَ أجْرُ مَن قَبْلَكم بِصَبْرِهِمْ، وهو مَحْمُولٌ عَلى العُمُومِ، شامِلٌ لِلصَّبْرِ عَلى كُلِّ بَلاءٍ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالصَّبْرِ عَلى المُهاجَرَةِ لَكِنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في الآيَةِ لِذَلِكَ، ولِيَشْمَلَ الصّابِرِينَ عَلى ألَمِ المُهاجَرَةِ شُمُولًا أوَّلِيًّا، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا مِنَ الأجْرِ، أيْ إنَّما يُوَفَّوْنَ أجْرَهم كائِنًا بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ بِأنْ يُغْرَفَ لَهم غَرْفًا، ويُصَبَّ عَلَيْهِمْ صَبًّا، وأمّا مِنَ الصّابِرِينَ أيْ إنَّما يُوَفَّوْنَ ذَلِكَ كائِنِينَ بِغَيْرِ حِسابٍ عَلَيْهِ، والمُرادُ عَلى الوَجْهَيْنِ المُبالَغَةُ في الكَثْرَةِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَهْتَدِي إلَيْهِ حِسابُ الحُسّابُ، ولا يُعْرَفُ، وجُوِّزَ جَعْلُ الحالِ مِنَ الصّابِرِينَ عَلى مَن لا يُحاسَبُونَ أصْلًا، والمُتَبادِرُ ما يُفِيدُ المُبالَغَةَ في كَثْرَةِ الأجْرِ، ومَعْنى القَصْرِ: ما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم إلّا بِغَيْرِ حِسابٍ، جَعَلَ الجارَّ والمَجْرُورَ حالًا مِنَ المَنصُوبِ، أوِ المَرْفُوعِ، لِأنَّ القَصْرَ في الجُزْءِ الأخِيرِ، وفِيهِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الأجْرِ ما فِيهِ، وأمّا اخْتِصاصُهُ بِالصّابِرِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَمِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى المُشْتَقِّ، هَذا ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي هَذِهِ الدُّنْيا ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِحَسَنَةٌ)، مِن حَيْثُ المَعْنى، فَقِيلَ: هو حِينَئِذٍ حالٌ مِن ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ ورُدَّ بِأنَّها مُبْتَدَأٌ، ولا يَجُوزُ الحالُ مِنهُ عَلى الصَّحِيحِ، فَإنْ قِيلَ: يُلْتَزَمُ جَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ قِيلَ: لا يَتَسَنّى إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ.
وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ الرّاجِعِ إلى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو بَيانٌ (لِحَسَنَةٌ)، والتَّقْدِيرُ هي في الدُّنْيا، والمُرادُ بِها الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، أيْ لِلْمُحْسِنِينَ صِحَّةٌ وعافِيَةٌ في الدُّنْيا، قالَ في الكَشْفِ: وإنَّما آثَرَ كَوْنَهُ بَيانًا مَعَ جَوازِ كَوْنِهِ حالًا عَنِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ في الخَبَرِ لِأنَّ المَعْنى عَلى البَيانِ لا عَلى التَّقْيِيدِ بِالحالِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ لِلْمُحْسِنِينَ جَزاءً يَسِيرًا في الدُّنْيا هو الصِّحَّةُ والعافِيَةُ، وإنَّما تَوْفِيَةُ أُجُورِهِمْ فِي الآخِرَةِ، ولَوْ قُيِّدَ بِالحالِ لَمْ يُلائِمْ عَلى ما لا يَخْفى، وحَقُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا إزاحَةً لِما قَدْ يَخْتَلِجُ في بَعْضِ النُّفُوسِ مِن خِلافِ ذَلِكَ الجَزاءِ بِواسِطَةِ اخْتِلافِ الهَواءِ والتُّرْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى آفاتٍ في البَدَنِ، فَقِيلَ: وأرْضُ اللَّهِ تَعالى واسِعَةٌ فَلا يَعْدَمُ أحَدٌ مَحَلًّا يُناسِبُ حالَهُ، فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُلائِمْهُ، ثُمَّ يَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن جَعَلَ الأرْضَ ذاتَ الطُّولِ والعَرْضِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ تَكْمِيلًا لِانْتِعاشِهِمْ، وارْتِياشِهِمْ يَجِبُ أنْ تُقابَلَ نِعَمُهُ بِالشُّكْرِ لِيُعَدُّوا مِنَ المُحْسِنِينَ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ أيْ تَوْفِيَةَ الأجْرِ لِهَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ، إنَّما يَكُونُ في الآخِرَةِ، والَّذِي نالُوهُ في الدُّنْيا عاجِلُ حَظِّهِمْ، وأمّا الأجْرُ المُوَفّى بِغَيْرِ حِسابٍ، فَذَلِكَ لِلصّابِرِينَ، ومَن سَلَبْناهُ تِلْكَ العاجِلَةَ تَمْحِيصًا لَهُ وتَقْرِيبًا، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِأهْلِ البَلاءِ وتَنْشِيطٌ لِلْعِبادِ عَلى مُكابَدَةِ العِباداتِ وتَحْرِيضٌ عَلى مُلازَمَةِ الطّاعاتِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أيْضًا وجْهٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ والرُّجْحانُ لِلْأوَّلِ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ الِاعْتِراضَ لِإزاحَةِ العِلَّةِ في التَّفْرِيطِ أظْهَرُ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ عَلى ما يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ .
الثّانِي أنَّهُ المُطابِقُ لِما ورَدَ في التَّنْزِيلِ مِن نَحْوِ ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ ﴿ إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ ﴾ .
الثّالِثُ أنَّ تَعَلُّقَ الظَّرْفِ بِالمَذْكُورِ المُتَقَدِّمِ هو الوَجْهُ ما لَمْ يَصْرِفْ صارِفٌ.
الرّابِعُ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، ولا أكْثَرِيٍّ، فَإنَّ الحَسَنَةَ بِذَلِكَ المَعْنى في شَأْنِ المُخالِفِينَ أتَمُّ، والقَوْلُ بِأنَّها اسْتِدْراجٌ في شَأْنِهِمْ لا حَسَنَةٌ لَيْسَ بِالظّاهِرِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ ﴾ انْتَهى، ولَعَمْرِي، إنَّ ما رَجَّحَهُ بِالتَّرْجِيحِ حَقِيقٌ، وما اسْتَحْسَنَهُ واسْتَدَقَّهُ لَيْسَ بِالحَسَنِ ولا الدَّقِيقِ، والَّذِي نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ تَفْسِيرُ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا بِالثَّناءِ الحَسَنِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ والصِّحَّةِ والسَّلامَةِ، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِوَلايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُخالِفِينَ مِنها نَصِيبٌ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ أُخَرُ، فَعَنْ عَطاءٍ: أرْضُ اللَّهِ تَعالى المَدِينَةُ، قالَ أبُو حَيّانَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿ أحْسَنُوا ﴾ هاجَرُوا، و ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ، وقالَ قَوْمٌ: أرْضُ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والرُّجْحانُ لِما سَمِعْتَ أوَّلًا، واخْتِيرَ فِيهِ شُمُولُ الحَسَنَةِ لِحَسَناتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُرادُ بِالإحْسانِ الإتْيانُ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
قالَ النَّبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «”أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ، فَإنَّهُ يَراكَ“».
والآيَةُ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وفِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصّابِرِينَ ما فِيها، <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ مِن كُلِّ ما يُخِلُّ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ والرِّياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِبَيانِ ما أُمِرَ بِهِ نَفْسِهِ مِنَ الإخْلاصِ في عِبادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا أُمِرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ التَّقْوى مُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الإتْيانِ بِما كُلِّفُوهُ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِمّا خُوطِبَ بِهِ المُشْرِكُونَ.
وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالآمِرِ لِتَعَيُّنِ أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الأمْرَ مِمّا يَنْبَغِي امْتِثالُهُ سَواءٌ صَدَرَ مِنهُ تَعالى، أمْ صَدَرَ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ وأُمِرْتُ بِذَلِكَ لِأجْلِ أنْ أكُونَ مُقَدَّمَ المُسْلِمِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِأنَّ إحْرازَ قَصَبِ السَّبْقِ في الدِّينِ بِالإخْلاصِ فِيهِ، وإخْلاصُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتَمُّ مِن إخْلاصِ كُلِّ مُخْلِصٍ، فالمُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ الأوَّلِيَّةُ في الشَّرَفِ والرُّتْبَةِ، والعَطْفُ لِمُغايَرَةِ الثّانِي الأوَّلَ بِتَقْيِيدِهِ بِالعِلَّةِ، والإشْعارُ بِأنَّ العِبادَةَ المَذْكُورَةَ كَما تَقْتَضِي الأمْرَ بِها لِذاتِها تَقْتَضِيهِ لِما يَلْزَمُها مِنَ السَّبْقِ في الدِّينِ، وإلى حَذْفِ مُتَعَلِّقِ الأمْرِ، وكَوْنِ اللّامِ تَعْلِيلِيَّةً ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، وذَهَبَ غَيْرُهم إلى أنَّها زائِدَةٌ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِتَرْكِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ ، و ﴿ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ، و ﴿ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِتَقْدِيرِ اللّامِ، فَلا تَغْفُلْ، ولا تُزادُ إلّا مَعَ إنَّ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في المَفْعُولِ بِهِ أنْ يَكُونَ اسْمًا صَرِيحًا، فَكَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ كَما يُعَوِّضُ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعَ، وهَذِهِ الزِّيادَةُ وإنْ كانَتْ شاذَّةً قِياسًا إلّا أنَّها لَمّا كَثُرَتِ اسْتِعْمالًا جازَ اسْتِعْمالُها في القُرْآنِ، والكَلامِ الفَصِيحِ، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في زِيادَتِها مَعَ فِعْلِ الإرادَةِ نَحْوَ: أرَدْتُ لِأنْ أفْعَلَ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجْهَ زِيادَتِها مَعَهُ أنَّها لَمّا كانَ فِيها مَعْنى الإرادَةِ زِيدَتْ تَأْكِيدًا لَها، وجَعَلَ وجْهًا في زِيادَتِها مَعَ فِعْلِ الأمْرِ أيْضًا لا سِيَّما والطَّلَبُ والإرادَةُ عِنْدَهم مِن بابٍ واحِدَةٍ، وفي المَعْنى أوْجُهٌ: أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ في زَمانِي، ومِن قَوْمِي، أيْ إسْلامًا عَلى وفْقِ الأمْرِ، وأنْ أكُونَ أوَّلَ الَّذِينَ دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، وأنْ أكُونَ أوَّلَ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلِي وفِعْلِي جَمِيعًا ولا تَكُونُ صِفَتِي صِفَةَ المُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، وأنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ والشَّرَفَ مِن أعْمالِ السّابِقِينَ دِلالَةً عَلى السَّبَبِ، وهي الأعْمالُ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِها الشَّرَفُ بِالمُسَبَّبِ، وهو الأوَّلِيَّةُ، والشَّرَفُ المَذْكُورُ في النَّظْمِ الجَلِيلِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وفي الكَشْفِ: المُخْتارُ مِنَ الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ الوَجْهُ الثّانِي، فَإنَّهُ المُكَرَّرُ الشّائِعُ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وفِيهِ سائِرُ المَعانِي الأُخَرُ مِن مُوافَقَةِ القَوْلِ الفِعْلَ، ولُزُومِ أوَّلِيَّةِ الشَّرَفِ مِن أوَّلِيَّةِ التَّأْسِيسِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ أشْرَفَ وأسْبَقَ فافْهَمْ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بِتَرْكِ الإخْلاصِ، والمَيْلِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، وجُوِّزَ العُمُومُ أيْ أخافُ إنْ عَصَيْتُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي، ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، ووَصْفُهُ بِالعَظَمَةِ لِعَظَمَةِ ما فِيهِ مِنَ الدَّواهِي والأهْوالِ، وهو مَجازٌ في الظَّرْفِ، أوِ الإسْنادِ، وهو أبْلَغُ، ولِذا عُدِلَ عَنْ تَوْصِيفِ العَذابِ بِذاكَ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِ ذَلِكَ لَهم تَهْدِيدُهُمْ، والتَّعْرِيضُ لَهم بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ عَظَمَتِهِ لَوْ عَصى اللَّهَ تَعالى ما أمِنَ مِنَ العَذابِ، فَكَيْفَ بِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ ﴾ لا غَيْرَهُ سُبْحانَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ﴿ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ ، حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ أعْبُدُ ﴾ ، فَقِيلَ: مُؤَكِّدَةٌ لِما أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ قَدْ أفادَ الحَصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى إخْلاصِهِ عَنِ الشِّرْكِ الظّاهِرِ والخَفِيِّ، وقِيلَ: مُؤَسِّسَةٌ، وفُسِّرَ إخْلاصُ الدِّينِ لَهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ مِن غَيْرِ طَلَبِ شَيْءٍ، كَقَوْلِ رابِعَةَ: سُبْحانَكَ ما عَبَدْتُكَ خَوْفًا مِن عِقابِكَ ولا رَجاءَ ثَوابِكَ، أوْ يُفَسَّرُ بِتَجْرِيدِهِ عَنِ الشِّرْكِ بِقِسْمَيْهِ، وأنْ يَكُونَ مَعَهُ ما يَشِينُهُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ إلَخْ، أنَّ ذاكَ أمْرٌ بِبَيانِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَأْمُورًا بِعِبادَتِهِ تَعالى مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وهَذا أمْرٌ بِالإخْبارِ بِامْتِثالِهِ بِالأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ إظْهارًا لِتَصَلُّبِهِ في الدِّينِ، وحَسْمًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، حَيْثُ إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ، وتَمْهِيدًا لِتَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: <div class="verse-tafsir"
﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ ﴾ أنْ تَعْبُدُوهُ ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى كَأنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ أُمِرُوا بِهِ كَيْ يَحِلَّ بِهِمُ العِقابُ، ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ أيِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ وهو إضاعَةُ ما بِهِمْ، وإتْلافُ ما لا بُدَّ مِنهُ لِجَمْعِهِمْ أعاظِمَ أنْواعِ الخُسْرانِ، ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ ﴾ بِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ لَهُما، فالمُرادُ بِالأهْلِ أتْباعُهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم أيْ أضاعُوا أنْفُسَهُمْ، وأضاعُوا أهْلِيهِمْ، وأتْلَفُوهُما ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ حِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ حَيْثُ عَرَّضُوهُما لِلْعَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وأوْقَعُوهُما في هَلَكَةٍ ما وراءَها هَلَكَةٌ، ولَوْ أُبْقِيَ يَوْمُ القِيامَةِ عَلى ظاهِرِهِ لِأنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ أمْرُهُمْ، ويَتَحَقَّقَ مَبْدَأُ خُسْرانِهِمْ صَحَّ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأهْلِ الأتْباعُ مُطْلَقًا، وخُسْرانُهم إيّاهم لِأنَّهم إنْ كانُوا مِن أهْلِ النّارِ فَقَدْ خَسِرُوا هم كَما خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ، وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ ذَهَبُوا عَنْهم ذَهابًا لا إيابَ بَعْدَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَحْذُورَ ذَهابُ مَن لَوْ آبَ لانْتَفَعَ بِهِ الخاسِرُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في الشِّقِّ الأخِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأهْلِ ما أعَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ الخاصَّةِ، أيْ: وخَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَكُونُونَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ آمَنُوا، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَيْسَ أحَدٌ إلّا قَدْ أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ أهْلًا في الجَنَّةِ، إنْ أطاعَهُ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، وكُلُّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ في الآيَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيها أيْضًا: خَسِرُوا أهْلِيهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، كانُوا أُعِدُّوا لَهم لَوْ عَمِلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَغَبَنُوهُمْ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ الأهْلَ بِالحُورِ العِينِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ تَعْرِيفِ الكامِلِينَ في الخُسْرانِ بِما ذُكِرَ، بَلْ بَيانُ أنَّهُمُ المُخاطَبُونَ بِما تَقَدَّمَ، إمّا بِجَعْلِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْهُمْ، أوْ بِجَعْلِهِ عِبارَةً عَمّا هم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ مِنَ اسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ، وتَصْدِيرِها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، والإشارَةِ بِذَلِكَ إلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ في الشَّرِّ وأنَّهُ لِعِظَمِهِ بِمَنزِلَةِ المَحْسُوسِ، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفُ الخُسْرانِ، والإتْيانُ بِهِ عَلى فُعْلانٍ الأبْلَغِ مِن فُعْلٍ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى كَمالٍ هو لَهُ، وفَظاعَتِهِ، وأنَّهُ لا نَوْعَ مِنَ الخُسْرِ وراءَهُ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ﴾ إلى آخِرِهِ نَوْعُ بَيانٍ لِخُسْرانِهِمْ بَعْدَ تَهْوِيلِهِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ عَلى أنَّ لهم خَبَرٌ (لِظُلَلٌ)، ومن فَوْقِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِن ضَمِيرِها في الظَّرْفِ المُقَدَّمِ، لا مِنها نَفْسِها لِضَعْفِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَإ، وجَعْلُها فاعِلَ الظَّرْفِ حِينَئِذٍ إتْباعٌ لِنَظَرِ الأخْفَشِ، وهو ضَعِيفٌ، و ﴿ مِنَ النّارِ ﴾ صِفَةٌ (لِظُلَلٌ).
والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ بِهِمْ، ولِذا قِيلَ لَهُمْ، وعَبَّرَ عَمّا عَلاهم مِنَ النّارِ بِالظُّلَلِ، أيْ لَهم كائِنَةً مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ كَثِيرَةٌ مُتَراكِمَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كائِنَةً مِنَ النّارِ، ﴿ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ كائِنَةً مِنَ النّارِ أيْضًا، والمُرادُ أطْباقٌ كَثِيرَةٌ مِنها، وتَسْمِيَتُها ظُلَلًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم في طَبَقَةٍ أُخْرى مِن طَبَقاتِ النّارِ، ولا يَطَّرِدُ في أهْلِ الطَّبَقَةِ الأخِيرَةِ مِن هَؤُلاءِ الخاسِرِينَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها لِلشَّياطِينِ، ونَحْوِهِمْ مِمّا لا ذِكْرَ لَهم هُنا، وقِيلَ: إنَّ ما تَحْتَهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا، ولَيْسَ بِذاكَ، والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ العَذابُ الفَظِيعُ ﴿ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ يُذَكِّرُهُ سُبْحانَهُ لَهم بِآياتِ الوَعِيدِ لِيَخافُوا فَيَجْتَنِبُوا ما يُوقِعُهم فِيهِ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ العِبادَ بِالمُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّخْوِيفِ وعَمَّمَ آخَرُونَ.
وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يا عِبادِ فاتَّقُونِ ﴾ ولا تَتَعَرَّضُوا لِما يُوجِبُ سُخْطِي، ويَخْتَلِفُ المُرادُ بِالأمْرِ عَلى الوَجْهَيْنِ، كَما لا يَخْفى، وهَذِهِ عِظَةٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ مُنْطَوِيَةٌ عَلى غايَةِ اللُّطْفِ والرَّحْمَةِ.
وقُرِئَ: ”يا عِبادِي“ بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ ﴾ إلَخْ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، زِيدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أُشِيرَ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسَلَمَ أبُو بَكْرٍ سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاؤُوهُ، وقالُوا: أسْلَمْتَ؟
قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ تَعالى، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والطّاغُوتُ فَعَلُوتٌ مِنَ الطُّغْيانِ، كَما قالُوا: لافاعُولٌ، كَما قِيلَ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ نَحْوَ: صاعِقَةٍ وصاقِعَةٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الِاشْتِقاقُ، وأنَّ طَوَغَ وطَيَغَ مُهْمَلانِ.
وأصْلُهُ طَغَيُوتٌ، أوْ طَغَوُوتٌ مِنَ الياءِ، أوِ الواوِ، لِأنَّ طَغى يَطْغى ويَطْغُو كِلاهُما ثابِتانِ في العَرَبِيَّةِ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، ونَقَلَ أنَّ الطُّغْيانَ والطَّغَوانَ بِمَعْنًى، وكَذا الرّاغِبُ، وجَمْعُهُ عَلى الطَّواغِيتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَمْعَ بُنِيَ عَلى الواوِ، وقَوْلُهُمْ: مِنَ الطُّغْيانِ لا يُرِيدُونَ بِهِ خُصُوصَ الياءِ، بَلْ أرادُوا المَعْنى، وهو عَلى ما في الصِّحاحِ: الكاهِنُ والشَّيْطانُ وكُلُّ رَأْسٍ في الضَّلالِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُتَعَدٍّ، وكُلِّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وسُمِّيَ بِهِ السّاحِرُ والكاهِنُ والمارِدُ مِنَ الجِنِّ والصّارِفُ عَنِ الخَيْرِ، ويُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ والجَمْعِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ: لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الشَّيْطانِ، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ مُبالَغاتٍ مِن حَيْثُ البِناءُ، فَإنَّ صِيغَةَ فَعَلُوتٍ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذا قالُوا: الرَّحَمُوتُ الرَّحْمَةُ الواسِعَةُ، ومِن حَيْثُ التَّسْمِيَةُ بِالمَصْدَرِ، ومِن حَيْثُ القَلْبُ، فَإنَّهُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في الجاهِ، وقَدْ أطْلَقَهُ في النِّساءِ عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وقالَ: سُمِّيَ طاغُوتًا، لِإفْراطِهِ في الطُّغْيانِ، وعَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، أوْ عَلى التَّشْبِيهِ بِالشَّيْطانِ، فَلَعَلَّهُ أرادَ: لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الشَّيْطانِ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَأنَّهُ جَعَلَ كَعْبًا عَلى الأوَّلِ مِنَ الوَجْهَيْنِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، وفي الكَشْفِ: كَأنَّهُ لَمّا رَآهُ مَصْدَرًا في الأصْلِ مَنقُولًا إلى العَيْنِ كَثِيرَ الِاسْتِعْمالِ في الشَّيْطانِ حَكَمَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ بَعْدَ النَّقْلِ مَجازٌ في الباقِي لِظُهُورِ العَلاقَةِ، إمّا اسْتِعارَةٌ، وإمّا نَظَرٌ إلى تَناسُبِ المَعْنى، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الطّاغُوتَ في الأصْلِ مَصْدَرٌ نُقِلَ إلى البالِغِ الغايَةَ في الطُّغْيانِ، وتَجاوُزِ الحَدِّ، واسْتِعْمالُهُ في فَرْدٍ مِن هَذا المَفْهُومِ العامِّ شَيْطانًا كانَ أوْ غَيْرَهُ يَكُونُ حَقِيقَةً، ويَكُونُ مَجازًا عَلى ما قَرَّرُوا في اسْتِعْمالِ العامِّ في فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ كاسْتِعْمالِ الإنْسانِ في زَيْدٍ، وشُيُوعُهُ في الشَّيْطانِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِ رَأْسَ الطّاغِينَ، وفَسَّرَهُ هُنا بِالشَّيْطانِ مُجاهِدٌ، ويَجُوزُ تَفْسِيرُها بِالشَّياطِينِ جَمْعًا عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الرّاغِبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ ”اجْتَنَبُوا الطَّواغِيتَ“، ﴿ أنْ يَعْبُدُوها ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الطّاغُوتِ، وعِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ، إذْ هو الآمِرُ بِها والمُزَيِّنُ لَها، وإذا فُسِّرَ الطّاغُوتُ بِالأصْنامِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، ﴿ وأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ وأقْبَلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ مُعْرِضِينَ عَمّا سِواهُ إقْبالًا كُلِّيًّا، ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ بِالثَّوابِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوِ المَلائِكَةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ وحِينَ يُحْشَرُونَ، وبَعْدَ ذَلِكَ.
﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ مَدْحٌ لَهم بِأنَّهم نُقّادٌ في الدِّينِ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الحَسَنِ، والأحْسَنِ، والفاضِلِ والأفْضَلِ، فَإذا اعْتَرَضَهم أمْرانِ واجِبٌ ونَدْبٌ اخْتارُوا الواجِبَ، وكَذَلِكَ المُباحُ والنَّدْبُ.
وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ أوامِرَ اللَّهِ تَعالى فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَها نَحْوَ القِصاصِ والعَفْوِ والِانْتِصارِ والإغْضاءِ والإبْداءِ والإخْفاءِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ ﴿ وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ أنَّ هَذا أخَصُّ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأوامِرَ فِيها تَخْيِيرٌ بَيْنَ راجِحٍ وأرْجَحَ، كالعَفْوِ والقِصاصِ مَثَلًا، كَأنَّهُ قِيلَ: يَتَّبِعُونَ أحْسَنَ القَوْلَيْنِ الوارِدَيْنِ في مُعَيَّنٍ، وفي الأوَّلِ يَتَّبِعُونَ الأحْسَنَ مِنَ القَوْلَيْنِ، مُطْلَقًا، كالإيجابِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّدْبِ مَثَلًا.
وعَنِ الزَّجّاجِ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ.
وقِيلَ: يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ مِمَّنْ كانَ فَيَتَّبِعُونَ أوْلاهُ بِالقَبُولِ، وأرْشَدَهُ إلى الحَقِّ، ويَلْزَمُ مِن وصْفِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم يُمَيِّزُونَ القَبِيحَ مِنَ الحَسَنِ، ويَجْتَنِبُونَ القَبِيحَ، وأُرِيدَ بِهَؤُلاءِ العِبادُ الَّذِينَ اجْتَنَبُوا وأنابُوا لا غَيْرُهُمْ، لِئَلّا يَنْفَكَّ النَّظْمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْ ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِيُشَرِّفَهم تَعالى بِالإضافَةِ إلَيْهِ، ولِتَكْرِيرِ بَيانِ الِاسْتِحْقاقِ، ولِيَدُلَّ عَلى أنَّهم نَقّادُونَ حِرْصًا عَلى إيثارِ الطّاعَةِ ومَزِيدِ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِلْإنابَةِ، وتَتْمِيمٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى ”عِبادِي“، فَيَكُونُ الَّذِينَ مُبْتَدَأً، خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ لِدِينِهِ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بِإعادَةِ صِفَةِ مَنِ اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ الحَدِيثُ، وما تَقَدَّمَ أرْجَحُ لِما سَلَفَ مِنَ الفَوائِدِ مِن إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والتَّتْمِيمِ، فَإنَّ ذَلِكَ دُونَ الوَصْفِ لا يَتِمُّ، ولِأنَّ مُحَرِّكَ السُّؤالِ المُجابِ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ أقْوى، وذَلِكَ الأصْلُ في حُسْنِ الِاسْتِئْنافِ، ﴿ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ ﴾ أيْ هم أصْحابُ العُقُولِ السَّلِيمَةِ عَنْ مُعارَضَةِ الوَهْمِ ومُنازَعَةِ الهَوى المُسْتَحِقُّونَ لِلْهِدايَةِ لا غَيْرُهُمْ، وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى حَطِّ قَدْرِ التَّقْلِيدِ المَحْضِ، ولِذا قِيلَ: شَمِّرْ وكُنْ في أُمُورِ الدِّينِ مُجْتَهِدًا ولا تَكُنْ مِثْلَ عِيرٍ قُيِّدَ فانْقادا واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ الهِدايَةَ تَحْصُلُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَبُولِ النَّفْسِ لَها، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأشاعِرَةُ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ ﴾ بَيانٌ لِأضْدادِ المَذْكُورِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِحِرْمانِ الهِدايَةِ وهم عَبَدَةُ الطّاغُوتِ، ومُتَّبِعُو خُطُواتِها كَما يُلَوِّحُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَإنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ، والآيَةُ عَلى ما قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ومَن شَرْطِيَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ وجَوابُ الشَّرْطِ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، والهَمْزَةُ قَبْلَهُ لِاسْتِطالَةِ الكَلامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: لَقَدْ عَلِمَ الحِزْبُ اليَمانُونَ أنَّنِي إذا قُلْتُ أمّا بَعْدُ أنِّي خَطِيبُها لِأنَّ دُخُولَ الهَمْزَةِ في الجَوابِ أوِ الشَّرْطِ كافٍ، تَقُولُ: أإنْ أكْرَمَكَ تُكْرِمْهُ، كَما تَقُولُ: إنْ أكْرَمَكَ أتُكْرِمُهُ؟
ولا تُكَرِّرُها فِيهِما، إلّا لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي الشَّرْطَ والجَزاءَ بَعْدَ دُخُولِ الأداةِ مُفْرَدانِ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى مَضامِينِ الجُمَلِ، إذا كانَ المَطْلُوبُ تَصْدِيقًا، والإنْكارُ المُفادُ بِالهَمْزَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ المَقْصُودَ في المَعْطُوفِ إنْكارُ الجَزاءِ، والتَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكٌ أمْرَ النّاسِ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ؟
فَمِن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، فَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟
عَلى مَعْنى لَسْتَ أنْتَ مالِكَ أمْرِ النّاسِ، ولا أنْتَ تَقْدِرُ عَلى الإنْقاذِ، بَلِ المالِكُ والقادِرُ عَلى الإنْقاذِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وعُدِلَ عَنْ: فَأنْتَ تُنْقِذُهُ، إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِمَزِيدِ تَشْدِيدِ الإنْكارِ، والِاسْتِبْعادِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ نَزَلَ اسْتِحْقاقُهم لِلْعَذابِ، وهم في الدُّنْيا المُشْعِرُ بِهِ الشَّرْطُ مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ، وأنَّهُ مَثَّلَ حالَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ، والِاجْتِهادِ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها.
وفي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّعْدِ: أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعارَةً لا يَعْرِفُها إلّا فُرْسانُ البَيانِ، وهي الِاسْتِعارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ المَكْنِيَّةُ، لِأنَّهُ نَزَّلَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن ﴾ إلَخْ، مِنَ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةَ دُخُولِهِمُ النّارَ في الآخِرَةِ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَنْزِيلًا بَذَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جُهْدَهُ في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ إنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ الَّذِي هو مِن مُلائِماتِ دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ عَرَفْتُ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ قَرِينَةَ المَكْنِيَّةِ قَدْ تَكُونُ تَحْقِيقِيَّةً كَما في نَقْضِ العَهْدِ، انْتَهى، فَتَأمَّلْ.
وقِيلَ: إنَّ النّارَ مَجازٌ عَنِ الضَّلالِ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والإنْقاذُ بَدَلُ الهِدايَةِ مِن تَرْشِيحِ المَجازِ، أوْ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ لِلْإيمانِ والطّاعَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مَحْذُوفًا وجُمْلَةُ ”فأنت تنقذ“ إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةً لِلْجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ.
ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في أنَّ الفاءَ في الأُولى لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ، ولا في كَوْنِ المَعْنى عَلى تَنْزِيلِ اسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهم في الدُّنْيا مَنزِلَةُ دُخُولِهِمُ النّارَ وتَمْثِيلُ حالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في المُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ هِدايَتِهِمْ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يُنْقِذَ مَن في النّارِ مِنها، نَعَمِ الكَلامُ عَلى الأوَّلِ جُمْلَةٌ، وعَلى الثّانِي جُمْلَتانِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ ﴿ مِن ﴾ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وحُكِيَ أنَّ مِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ، ومِنهم مَن يُقَدِّرُهُ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، ولا يَخْفى أنَّ التَّقْدِيرَ الأخِيرَ أوْلى، وذُكِرَ أنَّ النُّحاةَ عَلى أنَّ الفاءَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِلْعَطْفِ، ومَوْضِعَها قَبْلَ الهَمْزَةِ، لَكِنْ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ لِأنَّ لَها صَدْرَ الكَلامِ، وقالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما في مَكانِهِ قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيما عَلِمْنا، وفي المُغْنِي: تَرْجِيحُ القَوْلِ بِأنَّ الهَمْزَةَ مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ، وعَلَيْهِ يُقَدَّرُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ: ما أنْتَ مالِكَ أمْرِهِمْ، أوْ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، أوْ كُلُّ كافِرٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يُناسِبُ المَعْنى المُرادِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ ﴾ اسْتِدْراكٌ بَيْنَ ما يُشْبِهُ النَّقِيضَيْنِ والضِّدَّيْنِ، وهُما المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ، وأحْوالُهُما، والمُرادُ بِالَّذِينِ اتَّقَوُا المَوْصُوفُونَ بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ، والغُرَفُ جَمْعُ غُرْفَةٍ، وهي العَلِيَّةُ أيْ لَهم عَلالِي كَثِيرَةٌ جَلِيلَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿ مَبْنِيَّةٌ ﴾ قِيلَ: هو كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”تجري من تحتها“ أيْ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ الفَوْقانِيّاتِ والتَّحْتانِيّاتِ، ﴿ الأنْهارُ ﴾ أيْ مَبْنِيَّةٌ بِناءً يَتَأتّى مَعَهُ جَرْيُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها وذَلِكَ عَلى خِلافِ عَلالِي الدُّنْيا، فَيُفِيدُ الوَصْفُ بِذَلِكَ أنَّها سُوِّيَتْ تَسْوِيَةَ البِناءِ عَلى الأرْضِ، وجُعِلَتْ سَطْحًا واحِدًا يَتَأتّى مَعَهُ جَرْيُ الأنْهارِ عَلَيْهِ عَلى أنَّ مِياهَ الجَنَّةِ لَمّا كانَتْ مُنْحَدِرَةً مِن بُطْنانِ العَرْشِ عَلى ما في الحَدِيثِ، فَهي أعْلى مِنَ الغُرَفِ، فَلا عَجَبَ مِن جَرْيِ الماءِ عَلَيْها فَوْقًا وتَحْتًا، لَكِنْ لا بُدَّ مِن وضْعٍ يَتَأتّى مَعَهُ الجَرْيُ، فالوَصْفُ المَذْكُورُ لِإفادَةِ ذَلِكَ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِيقَةِ، وبَيانٌ أنَّ الغُرَفَ لَيْسَتْ كالظُّلَلِ حَيْثُ أُرِيدَ بِها المَعْنى المَجازِيُّ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ، وقالَ بَعْضُ فُضَلاءِ إخْوانِنا المُعاصِرِينَ: فائِدَةُ التَّوْصِيفِ بِما ذُكِرَ الإشارَةُ إلى رِفْعَةِ شَأْنِ الغُرَفِ حَيْثُ آذَنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بانِيها، وماذا عَسى يُقالُ في بِناءٍ بَناهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا.
وأقُولُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وُصِفَتِ الغُرَفُ بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مُهَيَّأةٌ مُعَدَّةٌ لَهم قَدْ فُرِغَ مِن أمْرِها، كَما هو ظاهِرُ الوَصْفِ، لا أنَّها تُبْنى يَوْمَ القِيامَةِ لَهُمْ، وفي ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ المُتَّقِينَ ما فِيهِ، وفي الآيَةِ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لِذَلِكَ لَمْ يَحُمْ حَوْلَ هَذا الوَجْهِ، واقْتَصَرَ عَلى ما حَكَيْناهُ أوَّلًا مَعَ أنَّ ما قُلْناهُ أقْرَبُ مِنهُ فَلْيُحْفَظْ.
﴿ وعْدَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، فَإنَّهُ وعْدٌ أيُّ وعْدٍ، ﴿ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ ﴾ لِما في خُلْفِهِ مِنَ النَّقْصِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - <div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ إمّا لِتَمْثِيلِ الحَياةِ الدُّنْيا في سُرْعَةِ الزَّوالِ، وقُرْبِ الِاضْمِحْلالِ بِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الزَّرْعِ تَحْذِيرًا مِنَ الاغْتِرارِ بِزَهْرَتِها، أوْ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى تَحَقُّقِ المَوْعُودِ مِنَ الأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِ الغُرَفِ، بِما يُشاهَدُ مِن إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، وأحْكامِ حِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والمُرادُ بِالماءِ المَطَرُ، وبِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وقِيلَ: الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، وكَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ مِنها بِاعْتِبارِ أنَّهُ بِأسْبابٍ ناشِئَةٍ مِنها، فَإنَّ تَصاعُدَ الأبْخِرَةِ، وتَكَوُّنَ الغُيُومِ بِسَبَبِ جَذْبِ الشَّمْسِ، واخْتِلافِ أوْضاعِها، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، وأمّا كَوْنُ إنْزالِ المَطَرِ نَفْسِهِ مِن جِرْمِ السَّماءِ المَعْرُوفَةِ نَفْسِها فَكَثِيرٌ ما يَرْتَفِعُ سَحابٌ ويُمْطِرُ مَطَرًا غَزِيرًا، وهُناكَ مَن هو عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لا سَحابَ عِنْدَهُ، ولا مَطَرَ، والتِزامُ أنَّ المَطَرَ في ذَلِكَ نازِلٌ مِن جِرْمِ السَّماءِ أيْضًا عَلى السَّحابِ لَكِنْ لا يُشاهِدُهُ مَن هو مُشْرِفٌ عَلى السَّحابِ، وواقِفٌ فَوْقَ الجَبَلِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ كُلُّ ماءٍ في الأرْضِ، والمُرادُ بِالإنْزالِ المَذْكُورِ الإنْزالُ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا خَلَقَ الأرْضَ خَلَقَها خالِيَةً مِنَ الماءِ، فَأنْزَلَ مِن بَحْرٍ تَحْتَ العَرْشِ ماءً ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فَأدْخَلَهُ، ﴿ يَنابِيعَ في الأرْضِ ﴾ أيْ في يَنابِيعَ أيْ عُيُونٍ ومَجارِي كائِنَةٍ في الأرْضِ كالعُرُوقِ في الأجْسادِ، فَعَلى الأوَّلِ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ والقَنَواتِ مِن ماءِ المَطَرِ، وعَلى الثّانِي لَيْسَ مِنهُ، وشاعَ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ ماءَ العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأبْخِرَةِ، قالُوا: إنَّ البُخارَ إذا احْتَبَسَ في الأرْضِ يَمِيلُ إلى جِهَةٍ، وتَبْرُدُ بِها، فَتَنْقَلِبُ مِياهًا مُخْتَلِطَةً بِأجْزاءٍ بُخارِيَّةٍ فَإذا كَثُرَ بِحَيْثُ لا تَسَعُهُ الأرْضُ أوْجَبَ انْشِقاقَها، فانْفَجَرَ مِنها العُيُونُ، ورَدَّهُ أبُو البَرَكاتُ البَغْدادِيُّ فَقالَ في المُعْتَبَرِ: السَّبَبُ في العُيُونِ، وما يَجْرِي مَجْراها هو ما يَسِيلُ مِنَ الثُّلُوجِ، ومِياهِ الأمْطارِ، لِأنّا نَجِدُها تَزِيدُ بِزِيادَتِها، وتَنْقُصُ بِنُقْصانِها، وأنَّ اسْتِحالَةَ الأهْوِيَةِ والأبْخِرَةِ المُنْحَصِرَةِ في الأرْضِ لا مَدْخَلَ لَها في ذَلِكَ، فَإنَّ باطِنَ الأرْضِ في الصَّيْفِ أشَدُّ بَرْدًا مِنهُ في الشِّتاءِ، فَلَوْ كانَ سَبَبُ هَذِهِ اسْتِحالَتَها، لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العُيُونُ والقَنَواتُ ومِياهُ الآبارِ في الصَّيْفِ أزْيَدَ، وفي الشِّتاءِ أنْقَصَ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ ذَلِكَ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ، وقالَ المَيْبَدِيُّ: الحَقُّ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ المُعْتَبَرِ مُعْتَبَرٌ لا مَحالَةَ، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مانِعٍ مِنَ اعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ يَعْنِي ما شاعَ، واحْتِجاجُهُ في المَنعِ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ هو السَّبَبَ التّامَّ لا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في الجُمْلَةِ اهـ.
وفِي شَرْحِ المَواقِفِ، اخْتَلَفُوا في أنَّ المِياهَ مُتَوَلِّدَةٌ مِن أجْزاءٍ مائِيَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في عُمْقِ الأرْضِ، إذا اجْتَمَعَتْ، أوْ مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ الَّذِي يَنْقَلِبُ ماءً.
وهَذا الثّانِي وإنْ كانَ مُمْكِنًا إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى، لِأنَّ مِياهَ العُيُونِ والقَنَواتِ والآبارِ تَزِيدُ بِزِيادَةِ الثُّلُوجِ والأمْطارِ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الماءُ في الآيَةِ عَلى المَطَرِ ونَحْوِهِ مِنَ الثَّلْجِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الماءَ يَسْلُكُهُ اللَّهُ تَعالى في يَنابِيعَ في الأرْضِ، ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ ما في اليَنابِيعِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ الماءَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما فِيها هو الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ، والبَعْضُ الآخَرُ حادِثًا مِنَ الهَواءِ البُخارِيِّ بِانْقِلابِهِ ماءً بِأسْبابٍ، يَعْلَمُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وحُمِلَ الإنْزالُ عَلى الإنْزالِ في مَبْدَإ الخَلِيقَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لَمْ أقِفْ عَلى خَبَرٍ صَحِيحٍ يَقْتَضِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ في الآيَةِ جِدًّا لِأنَّ الخِطابَ في ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ عامٌّ، ولا يَتَأتّى العُمُومُ في رُؤْيَةِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جَعْلُ الخِطابِ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، والمُرادُ: ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُ حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وقَرِيبٌ مِمّا قِيلَ ما حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الآيَةِ عَنْ بَعْضٍ مِن أنَّ كُلَّ ماءٍ في الأرْضِ فَهو مِنَ السَّماءِ يَنْزِلُ مِنها إلى الصَّخْرَةِ، ثُمَّ يَقْسِمُهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ البِقاعِ، هَذا لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلى ما اخْتَرْناهُ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لَيْسَ في الأرْضِ ماءٌ إلّا ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ، ولَكِنْ عُرُوقٌ في الأرْضِ تُغَيِّرُهُ، فَمَن سَرَّهُ أنْ يَعُودَ المِلْحُ عَذْبًا فَلْيَصْعَدْ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والشَّعْبِيِّ، فَإنْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ، وقُلْنا إنَّهُ في حُكْمِ المَرْفُوعِ فَما عَلَيْنا إذا قُلْنا بِظاهِرِهِ، فالعَقْلُ لا يَأْباهُ، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هَذا وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اليَنابِيعُ جَمْعَ يُنْبُوعٍ بِمَعْنى النّابِعِ، فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَنبَعِ يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ مَنصُوبَةً عَلى الحالِ، والمَعْنى: فَسَلَكَهُ مِياهًا نابِعَةً في الأرْضِ، ولا يَخْلُو مِنَ الكَدَرِ، لِأنَّهُ لَوْ قُصِدَ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: مِنَ الأرْضِ، وعَلى ما هو المَشْهُورُ يَكُونُ ﴿ يَنابِيعَ ﴾ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
واحْتِمالُ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ في إطْلاقَيْهِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ فَسَلَكَهُ سُلُوكًا في يَنابِيعَ أيْ مَجارِي، فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ ما هو في مَوْضِعِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، أوْ يَكُونَ الأصْلُ: فَسَلَكَهُ سُلُوكَ يَنابِيعَ أيْ مِياهًا نابِعَةً، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، بَعِيدٌ كَما لا يَخْفى.
﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ، لا لِتَوَقُّفِ الإخْراجِ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وقالَتِ الأشاعِرَةُ: أيْ يُخْرِجُ عِنْدَهُ بِلا مَدْخَلِيَّةٍ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سِوى المُقارَنَةِ، ﴿ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ﴾ أيْ أنْواعُهُ وأصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ، وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ المُدْرَكَةُ بِالبَصَرِ مِن خُضْرَةٍ وحُمْرَةٍ وغَيْرِهِما، أوْ كَيْفِيّاتُهُ مُطْلَقًا مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ وغَيْرِهِما عَلى ما قِيلَ، وشَمَلَ الزَّرْعَ المُقْتاتَ وغَيْرَهُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أوِ الزَّمانِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِهِ الصُّورَةَ ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يَيْبَسُ، وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلْهَيَجانِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ يَهِيجَ بِمَعْنى يَثُورُ، واسْتِعْمالَهُ بِمَعْنى يَيْبَسُ مِن مَجازِ المُشارَفَةِ، لِأنَّ الزَّرْعَ إذا يَبِسَ وتَمَّ جَفافُهُ يُشْرِفُ عَلى أنْ يَثُورَ، ويَذْهَبَ مِن مَنابِتِهِ ﴿ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ﴾ مِن بَعْدِ خُضْرَتِهِ ونَضارَتِهِ.
وقُرِئَ ”مُصْفارًّا“، ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا ﴾ فُتاتًا مُتَكَسِّرًا، كَأنْ لَمْ يَغْنَ بِالأمْسِ، ولِكَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الآثارِ القَوِيَّةِ عُلِّقَتْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى كالإخْراجِ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ ”ثُمَّ يَجْعَلَهُ“ بِالنَّصْبِ، قالَ صاحِبُ الكامِلِ: وهو ضَعِيفٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ النَّصْبِ، وكَأنَّهُ إضْمارُ أنْ، كَما في قَوْلِهِ: (إنِّي وقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ)، ولا يَخْفى وجْهُ ضَعْفِهِ هُنا، ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ تَفْصِيلًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الغَرابَةِ، والدِّلالَةِ عَلى ما قُصِدَ بَيانُهُ، ﴿ لَذِكْرى ﴾ لَتَذْكِيرًا عَظِيمًا، ﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الخَلَلِ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا وسُرْعَةَ تَقَضِّيها، فَلا يَغْتَرُّونَ بِبَهْجَتِها، ولا يُفْتَنُونَ بِفِتْنَتِها، أوْ يَجْزِمُونَ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ والتَّصَرُّفِ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قادِرٌ عَلى إجْراءِ الأنْهارِ مِن تَحْتِ تِلْكَ الغُرَفِ، وكَأنَّ الأوَّلَ أوْلى لِيَكُونَ ما تَقَدَّمَ تَرْغِيبًا في الآخِرَةِ، وهَذا تَنْفِيرًا عَنِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لَتَذْكِيرًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِذَلِكَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ، وأنَّهُ كائِنٌ عَلى تَقْدِيرٍ وتَدْبِيرٍ لا عَنْ تَعْطِيلٍ وإهْمالٍ، وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، عَلى أنَّ الأنْسَبَ بِإرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الآثارِ غَيْرُ مُسْنَدَةٍ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَحَيْثُ ذُكِرَتْ مُسْنَدَةً إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ شُؤُونَهُ تَعالى، أوْ شُؤُونَ آثارِهِ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ لا وُجُودَهُ جَلَّ وعَلا.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَخْصِيصِ الذِّكْرى بِأُولِي الألْبابِ، والشَّرْحُ في الأصْلِ البَسْطُ والمَدُّ لِلْحَمِ، ونَحْوِهِ ويُكَنّى بِهِ عَنِ التَّوْسِيعِ، وتُجُوِّزَ بِهِ هُنا عَنْ خَلْقِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مُسْتَعِدَّةً اسْتِعْدادًا تامًّا لِلْقَبُولِ بِجامِعِ عَدَمِ التَّأبِّي عَنِ القَبُولِ، وسُهُولَةِ الحُصُولِ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّجَوُّزِ في الصَّدْرِ، وإرادَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مِنهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحَلٌّ لِلْقَلْبِ، وفي تَجْوِيفِهِ بُخارٌ لَطِيفٌ، يَتَكَوَّنُ مِن صَفْوَةِ الأغْذِيَةِ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ النَّفْسُ أوَّلًا وبِواسِطَتِهِ تَتَعَلَّقُ بِسائِرِ البَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ، وتِلْكَ النَّفْسُ هي الَّتِي تَتَّصِفُ بِالإسْلامِ، والإيمانِ، وجَعَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ (شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ) اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ المارَّيْنِ آنِفًا، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ فَمَن شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ، وخَلَقَهُ مُسْتَعِدًّا لِلْإسْلامِ، فَبَقِيَ عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ، ولَمْ تَتَغَيَّرْ بِالعَوارِضِ المُكْتَسَبَةِ القادِحَةِ فِيها ﴿ فَهُوَ ﴾ بِمُوجَبِ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ، ﴿ عَلى نُورٍ ﴾ عَظِيمٍ، ﴿ مِن رَبِّهِ ﴾ وهو اللُّطْفُ الإلَهِيُّ المُشْرِقُ عَلَيْهِ مِن بُرُوجِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ بِها إلى الحَقِّ كَمَن قَسا قَلْبُهُ، وحَرَجَ صَدْرُهُ بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واسْتَوْلى عَلَيْهِ ظُلُماتُ الغَيِّ والضَّلالِ، فَأعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَتَذَكَّرَ بِها، ولا يَغْتَنِمَها، وعُدِلَ عَنْ فَعِنْدَهُ، أوْ فَلَهُ نُورٌ، إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ، واسْتِقْرارِهِ في النُّورِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلُّطْفِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ، وقَدْ يُقالُ: هو أمْرٌ إلَهِيٌّ غَيْرُ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ.
وجاءَ بِرِوايَةِ الثَّعْلَبِيِّ في تَفْسِيرِهِ، والحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ، والبَيْهَقِيِّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنِ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «(تَلا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ ﴾ إلَخْ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَّدْرِ؟
قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ، وانْفَسَحَ، قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ)».
واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ تَرَتُّبُ دُخُولِ النُّورِ عَلى الِانْشِراحِ، لِأنَّهُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِهِ، وما في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَكْسُهُ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَمّا في الآيَةِ، وأنَّ الجَوابَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الِاهْتِداءَ لَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُقَدَّمٌ وبَعْضُها مُؤَخَّرٌ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ والخُلُقِ، وبِحَسَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ فَيْضِ الألْطافِ عَلَيْهِ، وبَيْنَهُما تَلازُمٌ، والمُرادُ بِانْشِراحِ الصَّدْرِ في الحَدِيثِ ما يَكُونُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِيهِ، وفي الآيَةِ ما تَقَدَّمَ، وقِسْ عَلَيْهِ النُّورَ، والجَوابُ مِن قَبِيلِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، فَتَأمَّلْ.
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أجْلِ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَلِينَ مِنهُ القُلُوبُ، أيْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَهُمْ، أوْ آياتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ، وزادَتْ قُلُوبُهم قَساوَةً.
وقُرِئَ: ”عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ“ والمُتَواتِرَةُ أبْلَغُ، لِأنَّ القاسِيَ مِن أجْلِ الشَّيْءِ أشَدُّ تَأبِّيًا مِن قَبُولِهِ مِنَ القاسِي عَنْهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، ولِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ أُولَئِكَ بِالقَبُولِ، وهَؤُلاءِ بِالِامْتِناعِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ، لِأنَّ تَوْسِعَتَهُ وجَعْلَهُ مَحَلًّا لِلْإسْلامِ دُونَ القَلْبِ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ، وإفْراطِ كَثْرَتِهِ الَّتِي فاضَتْ حَتّى مَلَأتِ الصَّدْرَ فَضْلًا عَنِ القَلْبِ، وإسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى الظّاهِرُ فِي أنَّهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، لِأنَّهُ فِعْلُ قادِرٍ حَكِيمٍ، وقابَلَهُ بِالقَساوَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى المُقابَلَةِ أنْ يُعَبِّرَ بِالضِّيقِ، لِأنَّ القَساوَةَ كَما في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ تَقْتَضِي عَدَمَ قَبُولِ شَيْءٍ بِخِلافِ الضِّيقِ، فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِقَبُولِ شَيْءٍ قَلِيلٍ، وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِما يُفِيدُ مَجْعُولِيَّةَ القَساوَةِ لَهُ تَعالى وخَلْقَهُ إيّاها لِلْإشارَةِ إلى غايَةِ لُزُومِها لَهُمْ، حَتّى كَأنَّها لَوْ لَمْ تُجْعَلْ لَتَحَقَّقَتْ فِيهِمْ بِمُقْتَضى ذَواتِهِمْ، وأمّا إسْنادُها إلى القُلُوبِ دُونَ الصُّدُورِ فَلِلتَّنْصِيصِ عَلى فَسادِ هَذا العُضْوِ الَّذِي إذا فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، واعْتُبِرَ الجَمْعُ في هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، والإفْرادُ في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ ﴾ دُونَ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ وإنْ تَعَدَّدُوا كَرَجُلٍ واحِدٍ، ولا كَذَلِكَ الكُفّارُ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ البُعَداءُ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ ﴿ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرٍ كَوْنُهُ ضَلالًا لِكُلِّ أحَدٍ.
والآيَةُ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي لَهَبٍ، وابْنِهِ، فَعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ، وابْنُهُ مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ، وكَوْنُهُ حَدِيثًا بِمَعْنى كَوْنِهِ كَلامًا مُحَدَّثًا بِهِ، لا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقابِلًا لِلْقَدِيمِ، ومَن قالَ بِالتَّلازُمِ مِنَ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ جَعَلَ الأوْصافَ الدّالَّةَ عَلى الحُدُوثِ لِذَلِكَ الكَلامِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إطْلاقَ الحَدِيثِ هُنا عَلى القُرْآنِ مِن بابِ المُشاكَلَةِ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَتْ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الصَّحابَةَ مَلُّوا مَلَّةً، فَقالُوا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: حَدِّثْنا فَنَزَلَتْ.
أيْ إرْشادًا لَهم إلى ما يُزِيلُ مَلَلَهُمْ، وهو تِلاوَةُ القُرْآنِ واسْتِماعُهُ مِنهُ غَضًّا طَرِيًّا.
وفي إيقاعِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى مُبْتَدَأً وبِناءِ ﴿ نَزَّلَ ﴾ عَلَيْهِ تَفْخِيمٌ لِأحْسَنِ الحَدِيثِ واسْتِشْهادٌ عَلى أحْسَنِيَّتِهِ، وتَأْكِيدٌ لِاسْتِنادِهِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّ مِثْلَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، أمّا التَّفْخِيمُ، فَلِأنَّهُ مِن بابِ الخَلِيفَةِ عِنْدَ فُلانٍ، وأمّا الِاسْتِشْهادُ عَلى أحْسَنِيَّتِهِ فَلِكَوْنِهِ مِمَّنْ لا يُتَصَوَّرُ أكْمَلُ مِنهُ بَلْ لا كَمالَ لِشَيْءٍ ما في جَنْبِهِ بِوَجْهٍ، وأمّا تَوْكِيدُ الِاسْتِنادِ إلَيْهِ تَعالى فَمِنَ التَّقْوى، وأمّا أنَّ مِثْلَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَلِمَكانِ التَّناسُبِ، لِأنَّ أكْمَلَ الحَدِيثِ إنَّما يَكُونُ مِن أكْمَلِ مُتَكَلِّمٍ ضَرُورَةً، ومَذْهَبُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الحَصْرَ، وأنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّقْوى جَمْعًا، فافْهَمْ.
﴿ كِتابًا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ أحْسَنَ الحَدِيثِ ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا كَما ظَنَّ أبُو حَيّانَ، فَإنَّ مُطْلَقَ الإضافَةِ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الحالِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى إلْمامٍ بِالعَرَبِيَّةِ، ووُقُوعُهُ حالًا مَعَ كَوْنِهِ اسْمًا لا صِفَةً إمّا لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُتَشابِهًا ﴾ أوْ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ مَكْتُوبًا.
والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُتَشابِهًا هُنا تَشابُهُ مَعانِيهِ في الصِّحَّةِ، والإحْكامِ، والِابْتِناءِ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ، واسْتِتْباعِ مَنافِعِ الخَلْقِ في المَعادِ والمَعاشِ، وتَناسُبِ ألْفاظِهِ في الفَصاحَةِ وتَجاوُبِ نَظْمِهِ في الإعْجازِ، وما أشْبَهَ هَذا بِقَوْلِ العَرَبِ في الوَجْهِ الكامِلِ حُسْنًا: وجْهٌ مُتَناصِفٌ، كَأنَّ بَعْضَهُ أنْصَفَ بَعْضًا في القِسْطِ مِنَ الجَمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثانِيَ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابًا، أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، وهو جَمْعُ مُثَنًّى، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ النُّونِ المُشَدَّدَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، إذْ قِياسُهُ مُثَنَّياتٌ بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ لِما كُرِّرَ وثُنِّيَ مِن أحْكامِهِ ومَواعِظِهِ وقِصَصِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُثَنّى في التِّلاوَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ مَثْنًى بِالفَتْحِ مُخَفَّفًا مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ، كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ ، بِمَعْنى كَرَّةٍ بَعْدَ كَرَّةٍ، وكَذَلِكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والمُرادُ أنَّهُ جَمْعٌ لِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما ثَنّى ما ذَكَرَ لِذَلِكَ، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ المُثَنّى في هَذا المَعْنى أكْثَرُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّكْرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ مُثَنًّى بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما أنَّ صَرِيحَ المُثَنّى كَذَلِكَ في نَحْوِ: كَرَّتَيْنِ، ثُمَّ جُمِعَ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: جَمْعُ مَثْنِيَةٍ لِاشْتِمالِ آياتِهِ عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّها تُثْنِي بِبَلاغَتِها وإعْجازِها عَلى المُتَكَلِّمِ بِها، ولا يَخْفى أنَّ رِعايَةَ المُناسَبَةِ مَعَ ﴿ مُتَشابِهًا ﴾ تَجْعَلُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا، وأنَّهُ حَسَنٌ إذا حُمِلَ عَلى الثَّناءِ بِاعْتِبارِ الإعْجازِ، وفي الكَشْفِ: الأقْيَسُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ أنَّ ﴿ مَثانِيَ ﴾ اشْتُقَّتْ مِنَ الثَّناءِ، أوِ الثَّنْيِ جَمْعُ مُثَنًّى مُفَعَّلٍ مِنهُما، إمّا بِمَعْنى المَصْدَرِ جَمْعٌ لِما صُيِّرَ صِفَةً أوْ بِمَعْنى المَكانِ في الأصْلِ نُقِلَ إلى الوَصْفِ مُبالَغَةً نَحْوَ: أرْضٌ مَأْسَدَةٌ، لِأنَّ مَحَلَّ الثَّناءِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى الثّانِي والمُثْنى عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَحَلُّ الثَّنْيِ انْتَهى، ووُقُوعُهُ صِفَةً لِكِتابٍ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِهِ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ هي جُمْلَتُهُ لا غَيْرُ، ألا تَراكَ تَقُولُ: القُرْآنُ أسْباعٌ وأخْماسٌ، وسُوَرٌ وآياتٌ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ: هو أحْكامٌ ومَواعِظُ وأقاصِيصُ مَثانِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: الإنْسانُ عُرُوقٌ وعِظامٌ وأعْصابٌ، إلّا أنَّكَ تَرَكْتَ المَوْصُوفَ إلى الصِّفَةِ، والأصْلُ: كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ، فَحُوِّلَ ونُكِّرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ فِيهِ التَّنْكِيرُ وهَذا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وقَرَأ هِشامٌ، وأبُو بِشْرٍ ”مَثانِي“ بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسُكِّنَ الياءُ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في كُلِّ الأحْوالِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ قِيلَ: صِفَةٌ لِكِتابًا، أوْ حالٌ مِنهُ، لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقالَ بَعْضٌ: الأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِهِ الظّاهِرَةِ في سامِعِيهِ بَعْدَ بَيانِ أوْصافِهِ في نَفْسِهِ، ولِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ أحْسَنَ الحَدِيثِ.
والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ الجِلْدُ إذا تَقَبَّضَ تَقَبُّضًا شَدِيدًا، وتَرْكِيبُهُ مِنَ القَشْعِ وهو الأدِيمُ اليابِسُ قَدْ ضُمَّ إلَيْهِ الرّاءُ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وقَفَ شَعْرُهُ إذا عَرَضَ لَهُ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن أمْرٍ هائِلٍ دَهَمَهُ بَغْتَةً، والمُرادُ تَصْوِيرُ خَوْفِهِمْ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ المَحْسُوسَةِ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ، وإنْ كانَ مِن بابِ الكِنايَةِ.
وقِيلَ: هو تَصْوِيرٌ لِلْخَوْفِ بِذِكْرِ آثارِهِ وتَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، فَيَكُونُ تَمْثِيلًا حَقِيقَةً، والأوَّلُ أحْسَنُ، لِأنَّ تَشْبِيهَ القِصَّةِ بِالقِصَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ المُرادِ بَيانَ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ وعُرُوضَها لَهم بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا سَمِعُوا القُرْآنَ وقَوارِعَ آياتِ وعِيدِهِ أصابَتْهم رَهْبَةٌ وخَشْيَةٌ، تَقْشَعِرُّ مِنها جُلُودُهُمْ، وإذا ذَكَرُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ سَماعِ آياتِ وعْدِهِ تَعالى، وألْطافِهِ تَبَدَّلَتْ خَشْيَتُهم رَجاءً ورَهْبَتُهم رَغْبَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً إلى ذِكْرِ رَحْمَتِهِ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِالرَّحْمَةِ إيذانًا بِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ تَعالى لِأصالَتِها، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ خَبَرُ: «(سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)،» وذِكْرُ القُلُوبِ لِتَقَدُّمِ الخَشْيَةِ الَّتِي هي مِن عَوارِضِها، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ هُناكَ عَلى طُرُزِ ذِكْرِها هُنا لِأنَّها لا تُوصَفُ بِالِاقْشِعْرارِ، وتُوصَفُ بِاللِّينِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن نَعْتِ أوْلِيائِهِ بِاقْشِعْرارِ الجُلُودِ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ سُكُونُهم إلى رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ فِيها نَعْتُهم بِالصَّعْقِ، والتَّواجُدِ، والصَّفْقِ، كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ النّاسِ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ: كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ إذا قَرَؤُوا القُرْآنَ؟
قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى تَدْفَعُ أعْيُنُهُمْ، وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا ها هُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم غِشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ، وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في المُوَفَّقِيّاتِ، عَنْ عامِرٍ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: جِئْتُ أُمِّي، فَقُلْتُ: وجَدْتُ قَوْمًا ما رَأيْتُ خَيْرًا مِنهم قَطُّ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيُرْعِدُ أحَدُهم حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتْ: لا تَقْعُدْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قالَتْ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتْلُو القُرْآنَ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ، وعُمَرَ يَتْلُوانِ القُرْآنَ، فَلا يُصِيبُهم هَذا، أفَتُراهم أخْشى مِن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ،» وقالَ ابْنُ عُمَرَ وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ تَعالى، وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَبْكِي أعْيُنُهُمْ، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَنْعَتْهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَهابِ عُقُولِهِمْ، والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ، إنَّما هَذا في أهْلِ البِدَعِ، وإنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: قالَ الصَّعْقَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ، فَهو صادِقٌ، فَهَذِهِ أخْبارٌ ناعِيَةٌ عَلى بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ صَعْقَهُمْ، وتَواجُدَهُمْ، وضَرْبَ رُؤُوسِهِمُ الأرْضَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ويَقُولُ مَشايِخُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ القُلُوبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِدِ، ولَيْسَ فاعِلُو ذَلِكَ في الكَمالِ كالصَّحابَةِ أهْلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ في قُوَّةِ التَّحَمُّلِ، فَما هو إلّا دَلِيلُ النَّقْصِ بِدَلِيلِ أنَّ السّالِكَ إذا كَمُلَ رَسَخَ وقَوِيَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَصْدُرْ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: لَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن إثْباتِ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، ولَيْسَ فِيها نَفْيُ أنْ يَعْتَرِيَهم حالٌ آخَرُ، بَلْ في الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المَذْكُورَ حالُ الرّاسِخِينَ الكامِلِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ فَعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ ومُقْتَضى مَعْلُومِيَّةِ الصِّلَةِ أنَّ لَهم رُسُوخًا في الخَشْيَةِ حَتّى يُعْلَمُوا بِها، فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ حالِهِمْ ما ذُكِرَ لَيْسَ إلّا عَلى فَرْضِ دِلالَتِها عَلى الحَصْرِ كَوْنُ حالِ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ ضَرُورِيًّا كالعُطاسِ لا اعْتِراضَ عَلى مَن يَتَّصِفُ بِهِ، وفي كَلامِ ابْنِ سِيرِينَ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وهَذا غايَةُ ما يُقالُ في هَذا المَجالِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى أصْحابِ نَبِيِّهِ ، ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ ﴾ الإشارَةُ إلى الكِتابِ الَّذِي شَرَحَ أحْوالَهُ، ﴿ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ بِأنْ يُوَفِّقَهُ سُبْحانَهُ لِلتَّأمُّلِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن شَواهِدِ الحَقِّيَّةِ، ودَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ يَشاءُ ﴾ لِمَن، والمَعْنى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ تَعالى مَن يَشاءُ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ سُبْحانَهُ فِيهِ الضَّلالَ لِإعْراضِهِ عَمّا يُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ، ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يُخَلِّصُهُ مِن ورْطَةِ الضَّلالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، والمَعْنى ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ أثَرُ هُداهُ تَعالى، يَهْدِي بِذَلِكَ الأثَرِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَن يُضْلِلْهُ، أيْ ومَن لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لِقَسْوَةِ قَلْبِهِ وإصْرارِهِ عَلى فُجُورِهِ، فَما لَهُ مِن هادٍ، أيْ مِن مُؤَثِّرٍ فِيهِ بِشَيْءٍ قَطُّ، وهو كَما تَرى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَبايُنِ حالِ المُهْتَدِي، والضّالِّ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ، والفاءِ، والخَبَرِ، كالَّذِي مَرَّ في نَظائِرِهِ، ويُقالُ: هُنا عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ: التَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ، فَمَن شَأْنُهُ أنْ يَتَّقِيَ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ لِكَوْنِ يَدِهِ الَّتِي بِها كانَ يَتَّقِي المَكارِهَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ، كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ مَكْرُوهٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالوَجْهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَدِيثِ كَوْنِ اليَدِ مَغْلُولَةً تَصْوِيرًا لِكَمالِ اتِّقائِهِ وجَدَهُ فِيهِ، وهو أبْلَغُ، وفي هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ: يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ بِمَعْنى الجُمْلَةِ، والمُبالَغَةُ عَلَيْهِ دُونَ المُبالَغَةِ فِيما قَبْلَهُ.
وقِيلَ: الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يُتَّقى بِهِ، إذِ الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّهُ مِمّا لا يُتَّقى بِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ خَدْشٍ، وإضافَةُ سُوءٍ إلى العَذابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، ”ويوم القيامة“ مَعْمُولُ يَتَّقِي كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ سُوءِ العَذابِ، والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ كالمُصِرِّ عَلى كُفْرِهِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ والوَجْهُ حِينَئِذٍ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ إمّا الجُمْلَةُ مُبالَغَةً في تَقْواهُ، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ تَصْوِيرًا لِكَمالِ تَقْواهُ، وجَدَهُ فِيها، وهو أبْلَغُ.
والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ المَعْنى السّابِقُ، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، ﴿ وقِيلَ لِلظّالِمِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى يَتَّقِي، أيْ ويُقالُ لَهم مِن جِهَةِ خَزَنَةِ النّارِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والتَّقَرُّرِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَتَّقِي ﴾ بِإضْمارِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أيْ وبالَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في الدُّنْيا عَلى الدَّوامِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أصابَ بَعْضَ الكَفَرَةِ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ إثْرَ بَيانِ ما يُصِيبُ الكُلَّ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، أيْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ﴿ فَأتاهُمُ العَذابُ ﴾ المُقَدَّرُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهُمْ، ﴿ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْتَسِبُونَ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ إتْيانُهُ مِنها لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ ﴾ أيِ الذُّلَّ والصَّغارَ، ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ كالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والإجْلاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ النَّكالِ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ ﴾ ، ﴿ ولَعَذابُ الآخِرَةِ ﴾ المُعَدُّ لَهُمْ، ﴿ أكْبَرُ ﴾ لِشِدَّتِهِ وسَرْمَدِيَّتِهِ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لَوْ كانُوا مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا لَعَلِمُوا ذَلِكَ، واعْتَبَرُوا بِهِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ ﴾ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاظِرُ أُمُورَ دِينِهِ، ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا، أوْ مَرْجُوًّا تَذَكُّرُهم واتِّعاظُهُمْ، والرَّجاءُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ تَعالى والتَّعْلِيلُ أظْهَرُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ حالٌ مِن هَذا، والِاعْتِمادُ فِيها عَلى الصِّفَةِ أعْنِي عَرَبِيًّا، وإلّا فَقُرْآنًا جامِدًا لا يَصْلُحُ لِلْحالِيَّةِ، وهو أيْضًا عَيْنُ ذِي الحالِ، فَلا يَظْهَرُ حالُهُ فالحالُ في الحَقِيقَةِ ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ وقُرْآنًا لِلتَّمْهِيدِ، ونَظِيرُهُ: جاءَ زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، قِيلَ: وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَرَبِيًّا مُحَقَّقًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: أعْنِي، أوْ أخُصُّ، أوْ أمْدَحُ، ونَحْوُهُ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وهو كَما تَرى، ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ لا اخْتِلالَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهو أبْلَغُ مِن مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّ عِوَجًا نَكِرَةٌ، وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ لِما في غَيْرُ مِن مَعْناهُ، والِاسْتِقامَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ونَفْيُ مُصاحَبَةِ العِوَجِ عَنْهُ يَقْتَضِي نَفْيَ اتِّصافِهِ بِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، فَهو أبْلَغُ مِن غَيْرِ مُعْوَجٍّ، والعِوَجُ بِالكَسْرِ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِفِكْرٍ وبَصِيرَةٍ، والعَوَجُ بِالفَتْحِ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وعُبِّرَ بِالأوَّلِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ بَلَغَ إلى حَدٍّ لا يُدْرِكُ العَقْلُ فِيهِ عِوَجًا فَضْلًا عَنِ الحِسِّ، وتَمامُ الكَلامِ مَرَّ في الكَهْفِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ الشَّكُّ واللَّبْسُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ: وقَدْ أتاكَ يَقِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ ولا اسْتِدْلالَ بِهِ، عَلى أنَّ العَوَجَ بِمَعْنى الشَّكِّ، لِأنَّ عِوَجَ اليَقِينِ هو الشَّكُّ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الشّاعِرَ فَهِمَ هَذا المَعْنى مِنَ الآيَةِ، لِأنَّهُ اقْتِباسٌ، وإذا فَهِمَهُ الفَصِيحُ مَعَ صِحَّةِ التَّجَوُّزِ كانَ مُحَمَّلًا تَعَسُّفًا ظاهِرًا، لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ أنَّهُ اقْتَبَسَهُ مِنها، ولَوْ سُلِّمَ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِما يَحْتَمِلُهُ العِوَجُ في النَّظْمِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ: مُرادُ مَن قالَ: أيْ لا لَبْسَ فِيهِ، ولا شَكَّ نَفْيُ بَعْضِ أنْواعِ الِاخْتِلالِ، وعَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِن أنَّهُ قالَ: أيْ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ ولا مُتَناقِضٍ، وما قِيلَ: أيْ غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: غَيْرُ ذِي عِوَجٍ غَيْرُ مَخْلُوقٍ».
ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ الخَبَرُ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ فَتَأمَّلْ.
﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الأُولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ﴾ إيرادٌ لِمَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ القُرْآنِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الحِكْمَةَ في ضَرْبِها هو التَّذَكُّرُ، والِاتِّعاظُ بِها، وتَحْصِيلُ التَّقْوى، والمُرادُ بِضَرْبِ المَثَلِ ها هُنا تَطْبِيقُ حالَةٍ عَجِيبَةٍ بِأُخْرى مِثْلِها، وجَعْلُها مِثْلَها، و ﴿ مَثَلا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِضَرَبَ، و ﴿ رَجُلا ﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ، ولِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو مِن تَتِمَّتِهِ الَّتِي هي العُمْدَةُ في التَّمْثِيلِ، أوْ ﴿ مَثَلا ﴾ مَفْعُولُ ضَرَبَ، و ﴿ رَجُلا ﴾ إلَخْ، بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ.
وقالَ الكِسائِيُّ: انْتَصَبَ ﴿ رَجُلا ﴾ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ أيْ مَثَلًا في رَجُلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ.
و ﴿ فِيهِ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿ شُرَكاءُ ﴾ مُبْتَدَأٌ، و ﴿ مُتَشاكِسُونَ ﴾ صِفَتُهُ، والنَّكِرَةُ وإنْ وُصِفَتْ يَحْسُنُ تَقْدِيمُ خَبَرِها.
والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ رَجُلا ﴾ والرّابِطُ الهاءُ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ، و ﴿ شُرَكاءُ ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ، وقِيلَ: ﴿ فِيهِ ﴾ صِلَةُ شُرَكاءَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُتَشاكِسُونَ، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ لِتَقْدِيمِهِ نُكْتَةٌ ظاهِرَةٌ.
والمَعْنى: ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ حَسْبَما يَقُودُ إلَيْهِ مَذْهَبُهُ مِنَ ادِّعاءِ كُلٍّ مِن مَعْبُودِيَّةِ عُبُودِيَّتِهِ عَبْدًا يَتَشارَكُ فِيهِ جَماعَةٌ مُتَشاجِرُونَ لِشَكاسَةِ أخْلاقِهِمْ، وسُوءِ طَبائِعِهِمْ يَتَجاذَبُونَهُ، ويَتَعاوَرُونَهُ في مُهِمّاتِهِمُ المُتَبايِنَةِ في تَحَيُّرِهِ، وتَوَزُّعِ قَلْبِهِ، ﴿ ورَجُلا ﴾ أيْ وضَرَبَ لِلْمُوَحِّدِ مَثَلًا رَجُلًا، ﴿ سَلَمًا ﴾ أيْ خالِصًا، ﴿ لِرَجُلٍ ﴾ فَرْدٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ سَبِيلٌ إلَيْهِ أصْلًا، فَهو في راحَةٍ عَنِ التَّحَيُّرِ، وتَوَزُّعِ القَلْبِ، وضَرَبَ الرَّجُلَ مَثَلًا، لِأنَّهُ أفْطَنُ لِما شَقِيَ بِهِ، أوْ سَعِدَ، فَإنَّ الصَّبِيَّ، والمَرْأةَ قَدْ يَغْفُلانِ عَنْ ذَلِكَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ”سالِمًا“ اسْمَ فاعِلٍ مِن سَلِمَ، أيْ خالِصًا لَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ.
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ”سِلْمًا“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، وقُرِئَ ”سَلْمًا“ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهُما مَصْدَرانِ، وُصِفَ بِهِما مُبالَغَةً في الخُلُوصِ مِنَ الشَّرِكَةِ.
وقُرِئَ ”ورَجُلٌ سالِمٌ“ بِرَفْعِهِما، أيْ وهُناكَ رَجُلٌ سالِمٌ، وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ شَيْءٌ، ويَكُونَ رَجُلٌ مُبْتَدَأً، وسالِمٌ خَبَرَهُ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِاسْتِوائِهِما، ونَفْيٌ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَفَوَّهَ بِاسْتِوائِهِما، أوْ يَتَلَعْثَمَ في الحُكْمِ بِتَبايُنِهِما ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في لَوْمٍ وعَناءٍ، والآخَرَ في راحَةِ بالٍ ورِضاءٍ، وقِيلَ: ضَرُورَةَ أنَّ أحَدَهُما في أعْلى عِلِّيِّينَ، والآخَرَ في أسْفَلِ سافِلِينَ، وأيًّا ما كانَ، فالسِّرُّ في إبْهامِ الفاضِلِ والمَفْضُولِ الإشارَةُ إلى كَمالِ الظُّهُورِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى شُعُورٍ.
وانْتِصابُ ﴿ مَثَلا ﴾ عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ، إذِ التَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما وحالُهُما، والِاقْتِصارُ في التَّمْيِيزِ عَلى الواحِدِ لِبَيانِ الجِنْسِ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا ﴾ وقُرِئَ ”مَثَلَيْنِ“ أيْ هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما وحالاهُما، وثُنِّيَ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّمْيِيزِ حاصِلٌ بِالإفْرادِ مِن غَيْرِ لَبْسٍ لِقَصْدِ الإشْعارِ بِمَعْنًى زائِدٍ، وهو اخْتِلافُ النَّوْعِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ يَسْتَوِيانِ لِلْمَثَلَيْنِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ فِيما سَبَقَ مَثَلُ رَجُلٍ، ومَثَلُ رَجُلٍ، أيْ هَلْ يَسْتَوِي المَثَلانِ مَثَلَيْنِ، وهو عَلى نَحْوِ: كَفى بِهِما رَجُلَيْنِ، وهو مِن بابِ: لِلَّهِ تَعالى دَرُّهُ فارِسًا، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى هَلْ يَسْتَوِيانِ رَجُلَيْنِ فِيما ضُرِبَ مِنَ المِثالِ، ولَمّا كانَ المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي هي كالمَثَلِ كانَ المَعْنى: هَلْ يَسْتَوِيانِ فِيما يَرْجِعُ إلى الوَصْفِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الِاسْتِواءِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ، وتَنْبِيهٌ لِلْمُوَحِّدِينَ عَلى أنَّ ما لَهم مِنَ المَزِيَّةِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّها نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ تَقْتَضِي الدَّوامَ عَلى حَمْدِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، أوْ عَلى أنَّ بَيانَهُ تَعالى بِضَرْبِ المَثَلِ أنَّ لَهُمُ المَثَلَ الأعْلى ولِلْمُشْرِكِينَ مَثَلَ السَّوْءِ، صُنْعٌ جَمِيلٌ ولُطْفٌ تامٌّ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُسْتَوْجِبٌ لِحَمْدِهِ تَعالى وعِبادَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ إلى بَيانِ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ، أوْ لَيْسُوا مِن ذَوِي العِلْمِ، فَلا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَيَبْقَوْنَ في ورْطَةِ الشِّرْكِ والضَّلالِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ تَعالى، وأنَّ المَحامِدَ إنَّما هي لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَيُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، فالكَلامُ مِن تَتِمَّةِ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ ولا اعْتِراضَ، ولا يَخْفى أنَّ بِناءَ الكَلامِ عَلى الِاعْتِراضِ كَما سَمِعْتَ أوْلى، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ تَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاخْتِصامِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وفي البَحْرِ: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الحَقِّ، ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِضَرْبِ المَثَلِ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ مَصِيرَ الجَمِيعِ بِالمَوْتِ إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهم يَخْتَصِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وهو - عَزَّ وجَلَّ - الحَكَمُ العَدْلُ، فَيَتَمَيَّزُ هُناكَ المُحِقُّ والمُبْطِلُ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّهُ لَمّا ذُكِرَتْ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا البَراهِينُ القاطِعَةُ لِعِرْقِ الشَّرِكَةِ المُسَجَّلَةِ لِفَرْطِ جَهْلِ المُشْرِكِينَ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ مَعَ جَهْدِهِ في رَدِّهِمْ إلى الحَقِّ وحِرْصِهِ عَلى هِدايَتِهِمُ، اتَّجَهَ السُّؤالُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَعْدَ ما قاساهُ مِنهُمْ، بِأنْ يَقُولَ: ما حالِي وحالُهُمْ؟
فَأُجِيبَ بِأنَّكَ مَيِّتٌ، وأنَّهم مَيِّتُونَ، الآيَةَ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وعِيسى، واليَمانِيُّ، وابْنُ أبِي غَوْثٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”إنَّكَ مائِتٌ وإنَّهم مائِتُونَ“، والفَرْقُ بَيْنَ مَيِّتٍ ومائِتٍ، أنَّ الأوَّلَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وهي تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ فَفِيها إشْعارٌ بِأنَّ حَياتَهم عَيْنُ المَوْتِ، وأنَّ المَوْتَ طَوْقٌ في العُنُقِ لازِمٌ، والثّانِي اسْمُ فاعِلٍ وهو يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، فَلا يُفِيدُ هُنا مَعَ القَرِينَةِ أكْثَرَ مِن أنَّهم سَيَحْدُثُ لَهُمُ المَوْتُ، وضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ما سَمِعْتَ لِلرَّسُولِ ، قالَ أبُو حَيّانَ: ويَدْخُلُ مَعَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُؤْمِنُو أُمَّتِهِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ الغائِبِ لِلْكُفّارِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ في ”إنهم ميتون“ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ كَأنَّهم يُنْكِرُونَ المَوْتَ، وتَأْكِيدُ الأُولى دَفْعًا لِاسْتِبْعادِ مَوْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِلْمُشاكَلَةِ، وقِيلَ: إنَّ المَوْتَ مِمّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ وتَكْرَهُ سَماعَ خَبَرِهِ طَبْعًا، فَكانَ مَظِنَّةَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى الإخْبارِ بِهِ، أوْ أنْ يُنْكَرَ وُقُوعُهُ، ولَوْ مُكابَرَةً، فَأُكِّدَ الحُكْمُ بِوُقُوعِهِ لِذَلِكَ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ عَدَمُ الكَراهَةِ في بَعْضٍ لِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ، كَسَيِّدِ العالَمِينَ ، <div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ إنَّكُمْ ﴾ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ عَلى الغَيْبِ.
﴿ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ أيْ مالِكِ أُمُورِكُمْ، ﴿ تَخْتَصِمُونَ ﴾ فَتَحْتَجُّ أنْتَ عَلَيْهِمْ بِأنَّكَ بَلَّغَتَهم ما أُرْسِلْتَ بِهِ، مِنَ الأحْكامِ والمَواعِظِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ، واجْتَهَدْتَ في دَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ حَقَّ الِاجْتِهادِ، وهم قَدْ لَجُّوا في المُكابَرَةِ، والعِنادِ، ويَعْتَذِرُونَ بِالأباطِيلِ مِثْلَ: ﴿ أطَعْنا سادَتَنا ﴾ ، و ﴿ وجَدْنا آباءَنا ﴾ ، و ﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ﴾ ، والجَمْعُ بَيْنَ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِبَيانِ أنَّ اخْتِصامَهم ذَلِكَ في يَوْمٍ عَظِيمٍ عِنْدَ مالِكٍ لِأُمُورِهِمْ، نافِذٍ حُكْمُهُ فِيهِمْ، ولَوِ اكْتَفى بِالأوَّلِ لاحْتُمِلَ وُقُوعُ الِاخْتِصامِ فِيما بَيْنَهم بِدُونِ مُرافَعَةٍ وبِمُرافَعَةٍ، لَكِنْ لَيْسَتْ لَدى مالِكٍ لِأُمُورِهِمْ، والِاكْتِفاءُ بِالثّانِي عَلى تَسْلِيمِ فَهْمِ كَوْنِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَهُ بِدُونِ احْتِمالٍ لا يَقُومُ مَقامَ ذِكْرِهِما لِما في التَّصْرِيحِ بِما هو كالعَلَمِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما فِيهِ، وقالَ جَمْعٌ: المُرادُ بِذَلِكَ الِاخْتِصامِ العامُّ فِيما جَرى في الدُّنْيا بَيْنَ الأنامِ لا خُصُوصُ الِاخْتِصامِ بَيْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وبَيْنَ الكَفَرَةِ الطَّغامِ، وفي الآثارِ ما يَأْبى الخُصُوصَ المَذْكُورَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ ﴾ إلَخْ، فَقالُوا: وما خُصُومَتُنا، ونَحْنُ إخْوانٌ فَلَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، قالُوا: هَذِهِ خُصُومَةُ ما بَيْنَنا، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ كُنّا نَقُولُ: رَبُّنا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ صِفِّينَ، وشَدَّ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ، قُلْنا: نَعَمْ، هو هَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: لَقَدْ لَبِثْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنا، ونَحْنُ نَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِينا، وفي أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلُ، ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ ، قُلْنا: كَيْفَ نَخْتَصِمُ ونَبِيُّنا واحِدٌ، وكِتابُنا واحِدٌ، حَتّى رَأيْتُ بَعْضَنا يَضْرِبُ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، فَعَرَفْتُ أنَّها نَزَلَتْ فِينا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ بِلَفْظِ: نَزَلَتْ عَلَيْنا الآيَةُ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ وما نَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ؟
قُلْنا: لَيْسَ بَيْنَنا خُصُومَةٌ فَما التَّخاصُمُ حَتّى وقَعَتِ الفِتْنَةُ، فَقُلْتُ: هَذا الَّذِي وعَدَنا رَبُّنا أنْ نَخْتَصِمَ فِيهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ، «عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: (لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُنْكَرُ عَلَيْنا ما يَكُونُ بَيْنَنا في الدُّنْيا مَعَ خَواصِّ الذُّنُوبِ؟
قالَ: نَعَمْ، يُنْكَرُ ذَلِكَ عَلَيْكم حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ، قالَ الزُّبَيْرُ: فَواللَّهِ إنَّ الأمْرَ لَشَدِيدٌ)».
وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الوَجْهَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى هو ما ذُكِرَ أوَّلًا، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ إلَخْ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ إلَخْ، لِدِلالَتِهِما عَلى أنَّهُما اللَّذانِ تَكُونُ الخُصُومَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا ﴾ إلَخْ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ، فَقالَ: أقُولُ: قَدْ نُقِلَ عَنْ جِلَّةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم فَهِمُوا الوَجْهَ الثّانِيَ، أيِ العُمُومَ بَلْ ظاهِرُ قَوْلِ النَّخَعِيِّ قالَتِ الصَّحابَةُ: ما خُصُومَتُنا، ونَحْنُ إخْوانٌ؟
يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَوْلُ الكُلِّ، فالوَجْهُ إيثارُ ذَلِكَ.
وتَحْقِيقُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ ﴾ كَلامٌ مَعَ الأُمَّةِ كُلِّهِمْ مُوَحِّدِهِمْ ومُشْرِكِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا، ورَجُلًا بَلْ أكْثَرُهم دُونَ بَلْ، هم كالنَّصِّ عَلى ذَلِكَ، فَإذا قِيلَ: إنَّكَ مَيِّتٌ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى نَحْوِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، أيْ إنَّكم أيُّها النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ، وأُبْهِمَ لِيَعُمَّ القَبِيلَيْنِ، ولا يَتَنافَرُ النَّظْمُ، فَقَدْ رُوعِيَ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ إلى هَذا المَقامِ التَّقابُلُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لا بَيْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحْدَهُ وبَيْنَ الكُفّارِ، ثُمَّ إذا قِيلَ: ﴿ ثُمَّ إنَّكُمْ ﴾ عَلى التَّغْلِيبِ يَكُونُ تَغْلِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، فَهَذا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَساقُ الظّاهِرُ، ثُمَّ إذا كانَ المَوْتُ أمْرًا عَمَّهُ والنّاسَ جَمِيعًا، كانَ المَعْنى عَلَيْهِ أيْضًا، وأمّا حَدِيثُ الِاخْتِصامِ، والطِّباقِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ لِعُمُومِهِ يَشْمَلُهُ شُمُولًا أوَّلِيًّا، كَما حُقِّقَ هَذا المَعْنى مِرارًا.
والتَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَصَبُّ الغَرَضِ، وأنَّ المَقْصُودَ التَّسَلُّقُ إلى تِلْكَ الخُصُومَةِ، ولا أُنْكِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَكِنْ أُنْكِرُ أنْ يَخْتَصَّ بِاخْتِصامِ النَّبِيِّ وحْدَهُ والمُشْرِكِينَ، بَلْ يَتَناوَلُهُ أوَّلًا، وكَذَلِكَ اخْتِصامُ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ، واخْتِصامُ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ كاخْتِصامِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ وقاتِلِيهِ، وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، وهم هم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ، انْتَهى، وكَأنَّهُ عَنى بِقَوْلِهِ، ولا أُنْكِرُ إلَخْ، رَدَّ ما يُقالُ: إنَّ ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاخْتِصامَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ صَرَّحَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا مُشْعِرًا بِالِاهْتِمامِ بِأمْرِ ذَلِكَ الِاخْتِصامِ، فَلَيْسَ هو إلّا اخْتِصامَ حَبِيبِهِ مَعَ أعْدائِهِ الطَّغامِ، ووَجْهُ الرَّدِّ أنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ فائِدَةَ الجَمْعِ ما ذُكِرَ فَلا نُسَلِّمُ اسْتِدْعاءَ ذَلِكَ لِاعْتِبارِ الخُصُوصِ، بَلْ يَكْفِي لِلِاهْتِمامِ دُخُولُ اخْتِصامِ الحَبِيبِ مَعَ أعْدائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَتَأمَّلْهُ، ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ في هَذا المَقامِ سِوى الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَرْفُوعِ لَكَفى في كَوْنِ المُرادِ عُمُومَ الِاخْتِصامِ، فالحَقُّ القَوْلُ بِعُمُومِهِ، وهو أنْواعٌ شَتّى، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يُخاصِمُ الصّادِقُ الكاذِبَ، والمَظْلُومُ الظّالِمَ، والمُهْتَدِي الضّالَّ، والضَّعِيفُ المُسْتَكْبِرَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «أوَّلُ مَن يَخْتَصِمُ يَوْمَ القِيامَةِ الرَّجُلُ وامْرَأتُهُ، واللَّهِ ما يَتَكَلَّمُ لِسانُها، ولَكِنْ يَداها ورِجْلاها يَشْهَدانِ عَلَيْها بِما كانَ لِزَوْجِها، وتَشْهَدُ يَداهُ ورِجْلاهُ بِما كانَ لَها، ثُمَّ يَدَّعِي الرَّجُلُ وخادِمُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَدَّعِي أهْلُ الأسْواقِ، وما يُوجَدُ ثَمَّ دانَقٌ، ولا قَرارِيطَ، ولَكِنْ حَسَناتُ هَذا تُدْفَعُ إلى هَذا الَّذِي ظَلَمَهُ، وسَيِّئاتُ هَذا الَّذِي ظَلَمَهُ تُوضَعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالجَبّارِينَ في مَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، فَيُقالُ: أوْرِدُوهم إلى النّارِ، فَواللَّهِ ما أدْرِي يَدْخُلُونَها، أوْ كَما قالَ اللَّهُ: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ » وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ يُجاءُ بِالأمِيرِ الجائِرِ فَتُخاصِمُهُ الرَّعِيَّةُ“».
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ : أوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ القِيامَةِ جارانِ“».
ولَعَلَّ الأوَّلِيَّةَ إضافِيَّةٌ لِحَدِيثِ أبِي أيُّوبَ السّابِقِ.
وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اخْتِصامُ الرُّوحِ مَعَ الجَسَدِ أيْضًا، بَلْ أخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَيَخْتَصِمَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الشّاتانِ فِيما انْتَطَحا» .
“تَمَّ الجُزْءُ الثّالِثُ والعِشْرُونَ، ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الرّابِعُ والعِشْرُونَ، وأوَّلُهُ: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ ﴾ بِأنْ أضافَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الشَّرِيكَ أوِ الوَلَدَ ﴿ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ ﴾ أيْ بِالأمْرِ الَّذِي هو عَيْنُ الحَقِّ ونَفْسُ الصِّدْقِ وهو ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ إذْ جاءَهُ ﴾ أيْ في أوَّلِ مَجِيئِهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ فِيهِ ولا تَأمُّلٍ - فَإذا - فُجائِيَّةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لَكِنِ اشْتَرَطَ فِيها في المُغْنِي أنْ تَقَعَ بَعْدَ بَيْنا أوْ بَيْنَما ونَقَلَهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَلَعَلَّهُ أغْلَبِيٌّ، وقَدْ يُقالُ: هَذا المَعْنى يَقْتَضِيهِ السِّياقُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى كَوْنِ إذْ فُجائِيَّةً، ثُمَّ المُرادُ أنَّ هَذا الكاذِبَ المُكَذِّبَ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وسارَعُوا إلى التَّكْذِيبِ بِالصِّدْقِ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن ) كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها أوْ لِجِنْسِ الكَفَرَةِ فَيَشْمَلُ أهْلَ الكِتابِ ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى كِفايَةِ جَهَنَّمَ مُجازاةً لَهم كَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَتْ جَهَنَّمُ كافِيَةً لِلْكافِرِينَ مَثْوى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها ﴾ أيْ هي تَكْفِي عُقُوبَةً لِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والكِفايَةُ مَفْهُومَةٌ مِنَ السِّياقِ كَما تَقُولُ لِمَن سَألَكَ شَيْئًا: ألَمْ أُنْعِمْ عَلَيْكَ تُرِيدُ كَفاكَ سابِقُ إنْعامِي عَلَيْكَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى تَكْفِيرِ أهْلِ البِدَعِ لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِما عُلِمَ صِدْقُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ «مَن كَذَّبَ» مَخْصُوصٌ بِمَن كَذَّبَ الأنْبِياءَ شِفاهًا في وقْتِ تَبْلِيغِهِمْ لا مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ جاءَهُ ﴾ ولَوْ سُلِّمَ إطْلاقُهُ فَهم لِكَوْنِهِمْ يَتَأوَّلُونَ لَيْسُوا مُكَذِّبِينَ وما نَفَوْهُ وكَذَّبُوهُ لَيْسَ مَعْلُومًا صِدْقُهُ بِالضَّرُورَةِ إذْ لَوْ عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً كانَ جاحِدُهُ كافِرًا كَمُنْكِرِ فَرْضِيَّةِ الصَّلاةِ ونَحْوِها.
وقالَ الخَفاجِيُّ: الأظْهَرُ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ في أنَّ ما جاءُوا بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مُطْلَقَ التَّكْذِيبِ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ أنَّ المُتَأوِّلَ غَيْرُ مُكَذِّبٍ لَكِنْ لا عُذْرَ في تَأْوِيلٍ يَنْفِي ما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً <div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَ الصِّدْقَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ بِدَلالَةِ السِّياقِ وحُكْمُ التَّبَعِيَّةِ دُخُولُ الجُنْدِ في قَوْلِكَ: نَزَلَ الأمِيرُ مَوْضِعَ كَذا، ولَيْسَ هَذا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في شَيْءٍ لِأنَّ الثّانِيَ لَمْ يُقْصَدْ مِن حاقَ اللَّفْظِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ أنَّ المَجِيءَ بِالصِّدْقِ لَيْسَ وصْفًا لِلْمُؤْمِنِينَ الأتْباعِ كَما لا يَخْفى، والمَوْصُولُ عَلى هَذا مُفْرَدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، والجُمَعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ بِاعْتِبارِ دُخُولِ الأتْباعِ تَبَعًا، ومَراتِبُ التَّقْوى مُتَفاوِتَةٌ ولِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْلاها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ أيِ الفَوْجُ الَّذِي أوِ الفَرِيقُ الَّذِي..
إلَخْ.
فَيَكُونُ مُفْرَدَ اللَّفْظِ مَجْمُوعَ المَعْنى فَقِيلَ: الكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى التَّوْزِيعِ لِأنَّ المَجِيءَ بِالصِّدْقِ عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّصْدِيقُ بِما جاءَ بِهِ وإنْ عَمَّهُ وأتْباعَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكِنَّهُ فِيهِمْ أظْهَرُ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ لِلتَّقابُلِ، وفي الكَشْفِ الأوْجَهُ أنْ لا يُحْمَلَ عَلى التَّوْزِيعِ غايَةُ ما في البابِ أنَّ أحَدَ الوَصْفَيْنِ في أحَدِ المَوْصُوفِينَ أظْهَرُ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ المُوهِمُ لِلتَّوْزِيعِ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ المَوْصُولَ عَلى الجِنْسِ فَإنَّ تَعْرِيفَهُ كَتَعْرِيفِ ذِي اللّامِ يَكُونُ لِلْجِنْسِ والعَهْدِ، والمُرادُ حِينَئِذٍ بِهِ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ.
وأيَّدَ إرادَةَ ما ذَكَرَ بِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( والَّذِينَ جاءُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ ) وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أُرِيدَ والَّذِينَ فَخُذِفَتِ النُّونُ كَما في قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ مالِكٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِوُجُوبِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في الصِّلَةِ حِينَئِذٍ كَما في البَيْتِ ألا تَرى أنَّهُ إذا حُذِفَتِ النُّونُ مِنَ ( اللَّذانِ ) كانَ الضَّمِيرُ مُثَنّى كَقَوْلِهِ: ابْنَيْ كُلَيْبٍ إنَّ عَمِّي اللَّذا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا وقالَ عَلِيَّةُ وأبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ.
وجَماعَةٌ ( اَلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ) هو الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ والباوَرْدِيُّ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوانَ ولَهُ صُحْبَةٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ البَيْتِ وغَيْرُهُمُ: الَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ( اَلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ ) جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وصَدَّقَ بِهِ ﴾ هو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قِيلَ: وعَلى الأقْوالِ الثَّلاثَةِ يَقْتَضِي إضْمارُ الَّذِي وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأصَحِّ عِنْدَ النُّحاةِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُولِ وإبْقاءُ صِلَتِهِ مُطْلَقًا أيْ سَواءٌ عُطِفَ عَلى مَوْصُولٍ آخَرَ أمْ لا.
ويُضَعِّفُهُ أيْضًا الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَمْعِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى الإضْمارِ ويُرادُ بِالَّذِي الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصِّدِّيقُ أوْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُما مَعًا عَلى أنَّ الصِّلَةَ لِلتَّوْزِيعِ، أوْ يُرادُ بِالَّذِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ والرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعًا كَذَلِكَ، وضَمِيرُ الجَمْعِ قَدْ يَرْجِعُ إلى الِاثْنَيْنِ وقَدْ أُرِيدا بِالَّذِي، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِ الأخْبارِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ أبِي بَكْرٍ مَثَلًا عَلى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِنُكْتَةٍ وهي في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَوْنُهُ أوَّلَ مَن آمَنَ وصَدَّقَ مِنَ الرِّجالِ، وفي عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كَوْنُهُ أوَّلَ مَن آمَنَ وصَدَّقَ مِنَ الصِّبْيانِ، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ خَبَرِ السُّدِّيِّ ولا يَكادُ يَصِحُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: فِيما بَعْدُ ﴿ لِيُكَفِّرَ ﴾ ..
إلَخْ، وبِما ذُكِرَ يُجْمَعُ بَيْنَ الأخْبارِ إنْ صَحَّتْ ولا يُعْتَبَرُ في شَيْءٍ مِنها الحَصْرُ فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ «وصَدَقَ بِهِ» مُخَفَّفًا أيْ وصَدَقَ بِهِ النّاسَ ولَمْ يَكْذِبْهم بِهِ يَعْنِي أدّاهُ إلَيْهِمْ كَما نَزَلَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ الكَلامَ في القائِمِ بِهِ الصّادِقُ وفي الحَدِيثِ الصِّدْقُ، والكَلامُ عَلى العُمُومِ دُونَ خُصُوصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ جُمْلَةَ القُرْآنِ حَفِظَهُ الصَّحابَةُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأدَّوْهُ كَما أُنْزِلَ، وقِيلَ: المَعْنى وصارَ صادِقًا بِهِ أيْ بِسَبَبِهِ لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى هَذا فالوَصْفُ خاصٌّ، وقَدْ تُجُوِّزَ في ذَلِكَ بِاسْتِعْمالِ ( صَدَقَ ) بِمَعْنى صارَ صادِقًا بِهِ ولا كِنايَةَ فِيهِ كَما قِيلَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: أيْ وعَمِلَ بِهِ وهو كَما تَرى.
وقُرِئَ «( وصَدَّقَ ) بِهِ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا <div class="verse-tafsir"
﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ بَيانٌ لِما لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِالمَجِيءِ بِالصِّدْقِ.
والتَّصْدِيقُ بِهِ في الآخِرَةِ مِن حُسْنِ المَآبِ بَعْدَ بَيانِ ما لَهم في الدُّنْيا مِن حُسْنِ الأعْمالِ أيْ لَهم كُلُّ ما يَشاءُونَهُ مِن جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ في الآخِرَةِ لا في الجَنَّةِ فَقَطْ لِما أنَّ بَعْضَ ما يَشاءُونَهُ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ والأمْنِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ وسائِرِ أهْوالِ القِيامَةِ إنَّما يَقَعُ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن حُصُولِ كُلِّ ما يَشاءُونَهُ ﴿ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم، والمُرادُ بِهِمْ أُولَئِكَ المُحَدَّثُ عَنْهم لَكِنْ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ الضَّمِيرِ تَنْبِيهًا عَلى العِلَّةِ لِحُصُولِ الجَزاءِ، وقِيلَ: المُرادُ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم ويَدْخُلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ ..
إلَخْ.
مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم ويَجْزِيَهم خَصَّهم سُبْحانَهُ بِما خَصَّ أوْ بِما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ فَحَواهُ عَلى ما قِيلَ أيْ وعَدَهُمُ اللَّهُ جَمِيعَ ما يَشاءُونَهُ مِن زَوالِ المَضارِّ وحُصُولِ المَسارِّ لِيُكَفِّرَ عَنْهم بِمُوجِبِ ذَلِكَ الوَعْدِ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا..
إلَخْ، ولَيْسَ بِبَعِيدِ مَعْنى عَنِ الأوَّلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الثُّبُوتِ أوْ بِالمُحْسِنِينَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وذَلِكَ جَزاءُ الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِيُكَفِّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوهُ ﴿ ويَجْزِيَهم أجْرَهُمْ ﴾ ويُعْطِيَهم ثَوابَهم ﴿ بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وتَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ عَلى إعْطاءِ الثَّوابِ لِأنَّ دَرْءَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَسارِّ.
وأُقِيمَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ( رَبِّهِمْ ) لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، وإضافَةُ ( أسْوَأ ) و( أحْسَنَ ) إلى ما بَعْدَهُما مِن إضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلى غَيْرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْبَيانِ والتَّوْضِيحِ كَما في: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ ويُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ، والتَّفْضِيلُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الزَّلَّةَ المُكَفَّرَةَ عِنْدَهم هي الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، والحُسْنُ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ.
وذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ لِأنَّ التَّفْضِيلَ هُنا مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى وُصُولِهِ إلى أقْصى الغايَةِ الكَمالِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا كانُوا مُتَّقِينَ كامِلِي التُّقى لَمْ يَكُنْ في عَمَلِهِمْ أسْوَأُ إلّا فَرْضًا وتَقْدِيرًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ دُونَ أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأحْسَنِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ جَمِيعَ أجْرِهِمْ يَجْرِي عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ فَلَوْ لَمْ يَعْمَلُوا إلّا الأحْسَنَ كانَ التَّفْضِيلُ بِحَسَبِ الأمْرِ نَفْسِهِ ولَوْ كانَ في العَمَلِ الأحْسَنُ والحَسَنُ وكانَ الجَزاءُ بِالأحْسَنِ بِأنْ يُنْظَرَ إلى أحْسَنِ الأعْمالِ فَيَجْرِي الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ دَلَّ أنَّ الحَسَنَ عِنْدَ المُجازِي كالأحْسَنِ، فَصَحَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ حُسْنَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الأحْسَنُ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنْ لا اعْتِزالَ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، وأمّا قَوْلُهُ في الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ: إنَّهُ قَدِ اسْتَعْمَلَ ( أسْوَأ ) في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ و( أحْسَنَ ) في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
فَقَدْ يُسَلَّمُ إذا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُؤْذِنُ بِالمُغايِرَةِ فَحَيْثُ كانَ فِيهِ ها هُنا ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَ لا يُسَلَّمُ أنَّ التَّوْزِيعَ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ ( أسْوَأ ) عَلى ما هو الشّائِعُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم عَمَلًا سَيِّئًا وعَمَلًا أسْوَأ والمُكَفَّرُ هو الأسْوَأُ فَإنَّهُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ وإنْ كانَتْ لَهم سَيِّئاتٌ لا تَكُونُ سَيِّئاتُهم مِنَ الكَبائِرِ العَظِيمَةِ، ولا يُناسِبُ التَّعَرُّضُ لَها في مَقامِ مَدْحِهِمْ بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ تَكْفِيرِ جَمِيعِ سَيِّئاتِهِمْ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَإنَّ الأسْوَأ إذا كُفِّرَ كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِالتَّكْفِيرِ لا أنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنهم، ولا نُسَلِّمُ وُجُوبَ تَحَقُّقِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في الكِنايَةِ وهو كَما تَرى، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أفْعَلُ عَلى ما هو الشّائِعُ والأسْوَأُ الكُفْرُ السّابِقُ عَلى التَّقْوى والإحْسانِ، والمُرادُ تَكْفِيرُ جَمِيعِ ما سَلَفَ مِنهم قَبْلَ الإيمانِ مِنَ المَعاصِي بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.
وعَلى هَذا لا يَتَسَنّى تَفْسِيرُ ﴿ وصَدَّقَ بِهِ ﴾ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إذْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ كُفْرٌ أصْلِيٌّ ولا يَكادُ يُعَبَّرُ عَنِ الكَفْرِ التَّبَعِيِّ بِأسْوَأِ العَمَلِ، وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ أصْلًا فَأسْوَأُ بِمَعْنى ( السيّء ) صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا كَما هو وجْهٌ أيْضًا في: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مُقْسِمٍ وحامِدِ بْنِ يَحْيى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ رِوايَةً عَنِ البَزِّيِّ عَنْهُ «أسْواءَ» بِوَزْنِ أفْعالٍ جَمْعَ سُوءٍ وأحْسَنُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلٍ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى بابِهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِمْ فَيَجْزِي سُبْحانَهُ الباقِيَ في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ لُطْفًا وكَرَمًا، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الأحْسَنَ الواجِبُ والمَندُوبُ والحَسَنَ المُباحُ والجَزاءُ إنَّما هو عَلى الأوَّلَيْنِ دُونَ المُباحِ، وقِيلَ: المُرادُ يَجْزِيهِمْ بِأحْسَنَ مِن عَمَلِهِمْ وهو الجَنَّةُ، وفِيهِ ما فِيهِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِخِلافِ السَّيِّئَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّ الكِفايَةَ مِنَ التَّحَقُّقِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَتَفَوَّهَ بِعَدَمِها أوْ يَتَلَعْثَمَ في الجَوابِ بِوُجُودِها، والمُرادُ - بِعَبْدِهِ - إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ أيِ الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً فَإنَّ الخِطابَ سَواءٌ كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا أوْ حالًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وقَدْ رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا وتُصِيبَكَ مَعَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ «قالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا أوْ لَيُصِيبَنَّكَ مِنها خَبَلٌ فَنَزَلَتْ»، أوِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ وثّابٍ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ «عِبادَهُ» بِالجَمْعِ وفُسِّرَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ يُرادُ أيْضًا الأتْباعُ كَما سَمِعْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ ﴾ ، ﴿ ويُخَوِّفُونَكَ ﴾ شامِلٌ لَهم أيْضًا عَلى ما سَلَفَ والتِئامُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ ﴾ إلى هَذا المَقامِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَكْفِي نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَهَمَّ دِينِهِ ودُنْياهُ ويَكْفِي أتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ أيْضًا المَهَمَّيْنِ وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَكْفِيهِمْ شَرَّ الكافِرِينَ مِن وجْهَيْنِ مِن طَرِيقِ المُقابَلَةِ ومِن أنَّهُ داخِلٌ في كِفايَةِ مَهْمِيِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِهِ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ القُرْآنِيَّةُ ويُلائِمُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وأحْوالِهِما تَوْكِيدًا لِما أمَرَ بِهِ أوَّلًا مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ وقُرِئَ «بِكافِي عِبادِهِ» بِالإضافَةِ و«يُكافِي عِبادَهُ» مُضارِعَ كافى ونَصْبَ «عِبادَهُ» فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ كَقَوْلِكَ: يُجارِي في يَجْرِي وهو أبْلَغُ مِن كَفى لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ نَحْوَ ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ وهي المُجازاةُ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ وجَزاءَهُ وحالَ مُقابِلِهِ أعْنِي الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ وجَزاءَهُ وعَرَضَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ بِأنَّ ما سَلَفَ جَزاءُ الكافِرِينَ المُسِيئِينَ لِما هو مَعْرُوفٌ مِن فائِدَةِ البِناءِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ ثُمَّ عَقَّبَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُكَفِّرَ ﴾ ..
إلَخْ.
عَلى مَعْنى لِيُكَفِّرَ عَنْهم ويَجْزِيَهم خَصَّهم بِما خَصَّ فَنَبَّهَ عَلى المُقابِلِ أيْضًا مِن ضَرُورَةِ الِاخْتِصاصِ والتَّعْلِيلِ، وفِيهِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى حُكْمِ المُقابِلِ عَلى اعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ غَيْرَ ما ذَكَرَ كَما يَظْهَرُ بِأدْنى التِفاتٍ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ﴾ وحَيْثُ إنَّ مَطْمَحَ النَّظَرِ مِنَ العِبادِ السَّيِّدُ الحَبِيبُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ المَعْنى اللَّهُ تَعالى يُجازِي عَبْدَهُ ونَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذا الجَزاءَ المَذْكُورَ وفِيهِ أنَّهُ الَّذِي يَجْزِيهِ البَتَّةَ ويُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويُخَوِّفُونَكَ ﴾ فَإنَّهُ لَمّا كانَ في مُقابَلَةِ ذَمِّ آلِهَتِهِمْ كَما سَمِعْتَ في سَبَبِ النُّزُولِ كانَ تَحْذِيرًا مِن جَزاءِ الآلِهَةِ فَلا مَغْمَزَ بِعَدَمِ المُلاءَمَةِ.
نَعَمْ لا نُنْكِرُ أنَّ مَعْنى الكِفايَةِ أبْلَغُ كَما هو مُقْتَضى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فاعْلَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى عَبْدُهُ وخَوَّفَ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ أصْلًا ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ يَهْدِيهِ إلى خَيْرٍ ما <div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ فَيَجْعَلُ كَوْنَهُ تَعالى كافِيًا نُصْبَ عَيْنِهِ عامِلًا بِمُقْتَضاهُ ﴿ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ﴾ يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ ولا مُعارِضَ لِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ﴾ غالِبٌ لا يُغالَبُ مَنِيعٌ لا يُمانَعُ ولا يُنازَعُ ﴿ ذِي انْتِقامٍ ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ لِظُهُورِ الدَّلِيلِ ووُضُوحِ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ وُجُوبُ انْتِهاءِ المُمْكِناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ ﴿ قُلْ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهِ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ ﴾ أيْ إذا كانَ خالِقُ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما أقْرَرْتُمْ فَأخْبِرُونِي أنَّ آلِهَتَكم إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ يَكْشِفْنَ عَنِّي ذَلِكَ الضُّرَّ، فالفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ إذا لَمْ يَكُنْ خالِقٌ سِواهُ تَعالى فَهَلْ يُمْكِنُ غَيْرُهُ كَشْفَ ما أرادَ مِنَ الضُّرِّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ أيْ أتَفَكَّرْتُمْ بَعْدَ ما أقْرَرْتُمْ فَرَأيْتُمْ ما تَدَّعُونَ..
إلَخْ.
﴿ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ ﴾ أيْ أوْ إنْ أرادَنِي بِنَفْعٍ ﴿ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ فَيَمْنَعُها سُبْحانَهُ عَنِّي.
وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ.
وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ «كاشِفاتٌ» و«مُمْسِكاتٌ» بِالتَّنْوِينِ فِيهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما وتَعْلِيقِ إرادَةِ الضُّرِّ والرَّحْمَةِ بِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلرَّدِّ في نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانُوا خَوَّفُوهُ مَعَرَّةَ الأوْثانِ ولِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِإمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وقَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّ دَفْعَهُ أهَمُّ، وقِيلَ: «كاشِفاتٌ» و«مُمْسِكاتٌ» عَلى ما يَصِفُونَها بِهِ مِنَ الأُنُوثَةِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ضَعْفِها ﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ كافِي جَلَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أُمُورِي مِن إصابَةِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ.
رَوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا سَألَهم سَكَتُوا فَنَزَلَ ذَلِكَ.
﴿ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ في كُلِّ شَيْءٍ ﴿ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ لِعِلْمِهِمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ﴾ عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ العَداوَةِ الَّتِي تَمَكَّنَتْهم فِيها فَإنَّ المَكانَةَ نُقِلَتْ مِنَ المَكانِ المَحْسُوسِ إلى الحالَةِ الَّتِي عَلَيْها الشَّخْصُ واسْتُعِيرَتْ لَها اسْتِعارَةَ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ، وهَذا كَما تُسْتَعارُ حَيْثُ وهُنا لِلزَّمانِ بِجامِعِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اعْمَلُوا عَلى حَسَبِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم.
ورَوِيَ عَنْ عاصِمٍ «مَكاناتِكم» بِالجَمْعِ والأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي عامِلٌ ﴾ وعِيدٌ لَهم وإطْلاقُهُ لِزِيادَةِ الوَعِيدِ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: عَلى مَكانَتِي لَتَراءى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ لا تَتَغَيَّرُ ولا تَزْدادُ فَلَمّا أطْلَقَ أشْعَرَ بِأنَّ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّ زَمانٍ مَكانَةً أُخْرى وأنَّهُ لا يَزالُ يَزْدادُ قُوَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فَإنَّهُ دالٌّ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِدَلِيلِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ﴾ فَإنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ وقَدْ نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ والثّانِيَ إشارَةٌ إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّ العَذابَ المُقِيمَ عَذابُ النّارِ فَلَوْ قِيلَ إنِّي عامِلٌ عَلى مَكانَتِي وكانَ إذْ ذاكَ غَيْرَ غالِبٍ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ لَمْ يُلائِمِ المَقْصُودَ، ( ومَن ) تَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ وجُمْلَةُ ( يُخْزِيهِ ) صِفَةٌ ( عَذابٌ ) والمُرادُ بِمُقِيمٍ دائِمٌ وفي الكَلامِ مَجازٌ في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ وأصْلُهُ مُقِيمٌ فِيهِ صاحِبِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ ﴾ لِأجْلِهِمْ فَإنَّهُ مَناطُ مَصالِحِهِمْ في المَعاشِ والمَعادِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( أنْزَلْنا ) أوْ مِن فاعِلِهِ أيْ أنْزَلْنا الكِتابَ مُلْتَبِسًا أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ بِأنْ عَمِلَ بِما فِيهِ ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ إذْ نَفَعَ بِهِ نَفْسَهُ ﴿ ومَن ضَلَّ ﴾ بِأنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُوجِبِهِ ﴿ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ لِما أنَّ وبالَ ضَلالِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْها ﴿ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ لِتَجَبُّرِهِمْ عَلى الهُدى وما وظِيفَتُكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ بَلَّغْتَ أيَّ بَلاغٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ ﴾ أيْ يَقْبِضُها عَنِ الأبْدانِ بِأنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَها تَعُلَّقَ التَّصَرُّفِ فِيها عَنْها ﴿ حِينَ مَوْتِها ﴾ أيْ في وقْتِ مَوْتِها ﴿ والَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴾ أيْ ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴿ فِي مَنامِها ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِيَتَوَفّى - أيْ يَتَوَفّاها في وقْتِ نَوْمِها عَلى أنَّ مَنامًا اسْمُ زَمانٍ، وجُوِّزَ فِيهِ كَوْنُهُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِأنْ يَقْطَعَ سُبْحانَهُ تَعَلُّقَها بِالأبْدانِ تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ فِيها عَنْها أيْضًا فَتَوَفِّي الأنْفُسِ حِينَ المَوْتِ وتَوَفِّيها في وقْتِ النَّوْمِ بِمَعْنى قَبْضِها عَنِ الأبْدانِ وقَطْعِ تَعَلُّقِها بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ إلّا أنْ تَوَفِّيها حِينَ المَوْتِ قَطْعٌ لِتَعَلُّقِها بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ ظاهِرًا أوْ باطِنًا وتَوَفِّيها في وقْتِ النَّوْمِ قَطْعٌ لِذَلِكَ ظاهِرًا فَقَطْ، وكَأنَّ التَّوَفِّيَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ لِكَوْنِهِ شَيْئًا واحِدًا في أوَّلِ زَمانِ المَوْتِ وبَعْدَ مُضِيِّ أيّامٍ مِنهُ قِيلَ: ﴿ حِينَ مَوْتِها ﴾ والتَّوَفِّي الَّذِي يَكُونُ في وقْتِ النَّوْمِ لِكَوْنِهِ يَتَفاوَتُ في أوَّلِ وقْتِ النَّوْمِ وبَعْدَ مُضِيِّ زَمانٍ مِنهُ قُوَّةً وضَعْفًا قِيلَ: ﴿ فِي مَنامِها ﴾ أيْ في وقْتِ نَوْمِها كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْهُ ولِمَسْلَكِ الذِّهْنِ السَّلِيمِ اتِّساعٌ، وإسْنادُ المَوْتِ والنَّوْمِ إلى الأنْفُسِ قِيلَ: مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُما حالا أبْدانِها لا حالاها، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أعْنِي الأبْدانَ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأنْفُسَ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ دُونَ ما يُقابِلُ الأبْدانَ، وحَمَلَ تَوَفِّيَها عَلى إماتَتِها وسَلْبِ صِحَّةِ أجْزائِها بِالكُلِّيَّةِ فَلا تَبْقى حَيَّةً حَسّاسَةً دَرّاكَةً حَتّى كَأنَّ ذاتَها قَدْ سُلِبَتْ، وحَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذا المَعْنى في التَّوَفِّي حِينَ النَّوْمِ لِأنَّهُ لَيْسَ إلّا سَلْبَ كَمالِ الصِّحَّةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ وغَيْرِها قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ أيْ يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ تَشْبِيهًا لِلنّائِمِينَ بِالمَوْتى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ حَيْثُ لا تُمَيِّزُونَ ولا تَتَصَرَّفُونَ كَما أنَّ المَوْتى كَذَلِكَ، وما يَتَخايَلُ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وتَقْدِيمُ الِاسْمِ الجَلِيلِ وبِناءُ ( يَتَوَفّى ) عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ أوْ لِلتَّقْوى أوْ لَهُما، واعْتِبارُ الحَصْرِ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِنَ اعْتِبارِ التَّقْوى وحْدَهُ أيِ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حَقِيقَةً لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي ﴾ أيِ الأنْفُسَ الَّتِي ﴿ قَضى ﴾ في الأزَلِ ﴿ عَلَيْها المَوْتَ ﴾ ولا يَرُدُّها إلى أبْدانِها بَلْ يُبْقِيها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ قَطْعُ تَعَلُّقِ التَّصَرُّفِ باطِنًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإمْساكِ لِيُناسِبَ التَّوَفِّيَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعِيسى وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ «قُضِيَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «المَوْتِ» ﴿ ويُرْسِلُ الأُخْرى ﴾ أيِ الأنْفُسُ الأُخْرى وهي النّائِمَةُ إلى أبْدانِها فَتَكُونُ كَما كانَتْ حالَ اليَقَظَةِ مُتَعَلِّقَةً بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ ظاهِرًا وباطِنًا، وعَبَّرَ بِالإرْسالِ رِعايَةً لِلتَّقابُلِ ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِلْمَوْتِ حَقِيقَةً وهو غايَةٌ لِجِنْسِ الإرْسالِ الواقِعِ بَعْدَ الإمْساكِ لا لِفَرْدٍ مِنهُ فَإنَّهُ آنِيٌّ لا امْتِدادَ لَهُ فَلا يَغْيا، واعْتَبَرَ بَعْضُهم كَوْنَ الغايَةِ لِلْجِنْسِ لِئَلّا يَرِدَ لُزُومُ أنْ لا يَقَعَ نَوْمٌ بَعْدَ اليَقَظَةِ الأُولى أصْلًا وهو حَسَنٌ، وقِيلَ: ( يُرْسِلُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الحِفْظِ والمُرادُ يُرْسِلُ الأُخْرى حافِظًا إيّاها عَنِ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في ابْنِ آدَمَ نَفْسًا ورُوحًا بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ فالنَّفْسُ هي الَّتِي بِها العَقْلُ والتَّمْيِيزُ والرُّوحُ هي الَّتِي بِها النَّفْسُ والتَّحَرُّكُ فَيُتَوَفَّيانِ عِنْدَ المَوْتِ وتُتَوَفّى النَّفْسُ وحْدَها عِنْدَ النَّوْمِ، وهو قَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، ونَسَبَهُ بَعْضُهم إلى الأكْثَرِينَ ويُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ وبِالرُّوحِ الأمْرِيَّةِ وبِالرُّوحِ الإلَهِيَّةِ، وعَنِ الرُّوحِ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ وكَذا بِالنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ، والثّانِيَةُ كالعَرْشِ لِلْأُولى، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ المُتَألِّهِينَ إنَّ القَلْبَ الصَّنَوْبَرِيَّ فِيهِ بُخارٌ لِطَيْفٌ هو عَرْشٌ لِلرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ وحافِظٌ لَها وآلَةٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها آثارُها، والرُّوحُ الحَيَوانِيَّةُ عَرْشٌ ومِرْآةٌ لِلرُّوحِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي النَّفْسُ النّاطِقَةُ وواسِطَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ البَدَنِ بِها يَصِلُ حُكْمُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ إلَيْهِ، وإلى عَدَمِ التَّغايُرِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيْنِ لِابْنِ عَبّاسٍ، وما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا في الآيَةِ يُوافِقُ ما ذَكَرْناهُ مِن حَيْثُ ( إنَّ ) النَّفْسُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ بِمَعْنى الجُمْلَةِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وادَّعى أنَّ الصَّحِيحَ ما ذَكَرَهُ دُونَ هَذا المَرْوِيِّ بِدَلِيلِ مَوْتِها ومَنامِها، والضَّمِيرُ لِلْأنْفُسِ وما أُرِيدَ مِنها غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِالمَوْتِ والنَّوْمِ وإنَّما الجُمْلَةُ هي الَّتِي تَتَّصِفُ بِهِما.
وقالَ في الكَشْفِ ولِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّفْسَيْنِ رَأْيٌ يَدْفَعُهُ البُرْهانُ، وإيقاعُ الِاسْتِيفاءِ أيْضًا لا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ أيْضًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنِ المَشْهُورِ المُلائِمِ يَعْنِي حَمْلَ التَّوَفِّي عَلى الأمانَةِ فَإنَّ أصْلَهُ أخْذُ الشَّيْءِ مِنَ المُسْتَوْفى مِنهُ وافِيًا كَمِلًا وسَلْبُهُ مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإماتَةِ لِما أنَّهُ مَوْجُودٌ فِيها حَتّى صارَتِ المُتَبادِرَةَ إلى الفَهْمِ مِنهُ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ المُتَوَفّى في الأنْفُسِ الَّتِي تُقابِلُ الأبْدانَ دُونَ الجُمْلَةِ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَّفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ الصّالِحِينَ مِن عِبادِكَ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي قَتادَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم لَيْلَةَ الوادِي: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَبَضَ أرْواحَكم حِينَ شاءَ ورَدَّها عَلَيْكم حِينَ شاءَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سِفْرٍ فَقالَ: مَن يَكْلَؤُنا اللَّيْلَةَ ؟
فَقُلْتُ: أنا فَنامَ ونامَ النّاسُ ونِمْتُ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ إلّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيُّها النّاسُ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ عارِيَةٌ في أجْسادِ العِبادِ فَيَقْبِضُها اللَّهُ إذا شاءَ ويُرْسِلُها إذا شاءَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: العَجَبُ مِن رُؤْيا الرَّجُلِ أنَّهُ يَبِيتُ فَيَرى الشَّيْءَ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ عَلى بالٍ فَتَكُونُ رُؤْياهُ كَأخْذٍ بِاليَدِ ويَرى الرَّجُلُ الرُّؤْيا فَلا تَكُونُ رُؤْياهُ شَيْئًا فَقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ تَعالى وجْهَهُ: أفَلا أُخْبِرُكَ بِذَلِكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟
يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فاللَّهُ تَعالى يَتَوَفّى الأنْفُسَ كُلَّها فَما رَأتْ وهي عِنْدَهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَهي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ وما رَأتْ إذا أُرْسِلَتْ إلى أجْسادِها فَهي الكاذِبَةُ لِأنَّها إذا أُرْسِلَتْ إلى أجْسادِها تَلَقَّتْها الشَّياطِينُ في الهَواءِ فَكَذَبَتْها وأخْبَرَتْها بِالأباطِيلِ فَكَذَبَتْ فِيها فَعَجِبَ عُمَرُ مِن قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وظاهِرُ هَذا الأثَرِ أنَّ النَّفْسَ النّائِمَةَ المَقْبُوضَةَ تَكُونُ في السَّماءِ حَتّى تُرْسَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ النَّفْسِ ولا يَجِبُ عَلى القَوْلِ الآخَرِ.
نَعَمْ لَعَلَّكَ تَخْتارُهُ وكَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ النَّفْسَ شَرِيفَةٌ عُلْوِيَّةٌ هَبَطَتْ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ وأُرْسِلَتْ مِن حِمى مُمَنَعٍ وشُغِلَتْ بِتَدْبِيرِ مَنزِلِها في نَهارِها ولَيْلِها ولَمْ تَزَلْ تَنْتَظِرُ فُرْصَةَ العَوْدِ إلى ذِياكَ الحِمى والمَحَلِّ الرَّفِيعِ الأسْمى وعِنْدَ النَّوْمِ تَنْتَهِزُ تِلْكَ الفُرْصَةَ وتَهُونُ عَلَيْها في الجُمْلَةِ هاتِيكَ الغُصَّةُ فَيَحْصُلُ لَها نَوْعُ تَوَجُّهٍ إلى عالَمِ النُّورِ ومَعْلَمِ السُّرُورِ الخالِي مِنَ الشُّرُورِ بِحَيْثُ تَسْتَعِدُّ اسْتِعْدادًا ما لِقَبُولِ بَعْضِ آثارِهِ والِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ مِن أنْوارِهِ وجَعْلُها كَذَلِكَ هو قَبْضُها وبِهِ لَعَمْرِي بَسْطُها وقَبْضُها، فَمَتى رَأتْ وهي راجِعَةٌ في تِلْكَ الحالِ مُسْتَفِيضَةٌ مِن ذَلِكَ العالَمِ المَوْصُوفِ بِالكَمالِ رُؤْيا كانَتْ صادِقَةً ومَتى رَأتْ وهي القَهْقَرى إلى ما ابْتُلِيَتْ بِهِ مِن تَدْبِيرِ مَنزِلٍ تَحُومُ فِيهِ شَياطِينُ الأوْهامِ وتَزْدَحِمُ فِيهِ أيَّ ازْدِحامٍ كانَتْ رُؤْياها كاذِبَةً ثُمَّ إنَّها في كِلا الحالَيْنِ مُتَفاوِتَةُ الإفْرادُ فِيما يَكُونُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ، والوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ لا يَتِمُّ إلّا بِالكَشْفِ دُونَ القِيلِ والقالِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ، والإفْرادُ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ أوْ نَحْوِهِ، وصِيغَةُ البَعِيدِ بِاعْتِبارِ مَبْدَئِهِ أوْ تَقَضِّي ذِكْرِهِ أوْ بُعْدِ مَنزِلَتِهِ، والتَّنْوِينُ في ( آياتٍ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّعْظِيمِ أيْ أنَّ فِيما ذَكَرَ الآياتِ كَثِيرَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الأنْفُسِ بِالأبْدانِ وتَوَفِّيها عَنْها تارَةً بِالكُلِّيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ وإمْساكُها باقِيَةً لا تَفْنى بِفَنائِها إلى أنْ يُعِيدَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ وما يَعْتَرِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وأُخْرى عَنْ ظَواهِرِها فَقَطْ كَما عِنْدَ النَّوْمِ وإرْسالُها حِينًا بَعْدَ حِينٍ إلى انْقِضاءِ آجالِها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمِ اتَّخَذُوا ﴾ أيْ بَلِ اتَّخَذَ قُرَيْشٌ - فَأمْ - مُنْقَطِعَةٌ والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ لِإنْكارِ اتِّخاذِهِمْ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ ﴾ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في رَفْعِ العَذابِ، وقِيلَ: في أُمُورِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وجُوِّزَ كَوْنُها مُتَّصِلَةً بِتَقْدِيرٍ مُعادِلٍ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الشَّيْخِ في حَواشِي البَيْضاوِيِّ وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، ومَعْنى ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ مِن دُونِ رِضاهُ أوْ إذْنِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ مِمَّنْ أرْضاهُ ومِثْلُ هَذِهِ الجَماداتِ الخَسِيسَةِ لَيْسَتْ مَرْضِيَّةً ولا مَأْذُونَةً ولَوْ لَمْ يُلاحَظْ هَذا اقْتَضى أنَّ اللَّهَ تَعالى شَفِيعٌ ولا يُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أوِ التَّقْدِيرُ أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً سِواهُ تَعالى لِتَشْفَعَ لَهم وهو يُؤَوَّلُ لِما ذُكِرَ ﴿ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ ﴾ أيْ أيَشْفَعُونَ حالَ تَقْدِيرِ عَدَمِ مِلْكِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ وعَدَمَ عَقْلِهِمْ إيّاهُ، وحاصِلُهُ أيَشْفَعُونَ وهم جَماداتٌ لا تَقْدِرُ ولا تَعْلَمُ فالهَمْزَةُ داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ والواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى شَرْطِيَّةٍ قَدْ حُذِفَتْ لِدَلالَةِ ( لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ ) ..
إلَخْ.
عَلَيْها أيْ أيَشْفَعُونَ لَوْ كانُوا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ويَعْقِلُونَ ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ، والمَعْنى عَلى الحالِيَّةِ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيَشْفَعُونَ عَلى كُلِّ حالٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحاةِ: إنَّها اعْتِراضِيَّةٌ ويَعْنِي بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ مُتَعَلِّقًا بِهِ مَعْنًى مُسْتَأْنَفًا لَفْظًا عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ كَقَوْلِهِ: فَأنْتَ طَلاقُ والطَّلاقُ ألْيَةُ وقَوْلِهِ: تَرى كُلَّ مَن فِيها وحاشاكَ فانِيًا ∗∗∗ وقَدْ تَجِيءُ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرٌ»» وفي احْتِياجِ أداةِ الشَّرْطِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إلى الجَوابِ خِلافٌ وعَلى القَوْلِ بِالِاحْتِياجِ هو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ وتَحْقِيقُ الأقْوالِ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُ الهَمْزَةِ المَحْذُوفُ هُنا الِاتِّخاذَ أيْ قُلْ لَهم أتَتَّخِذُونَهم شُفَعاءَ ولَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكُوا الشَّفاعَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ولا يَعْقِلُونَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا ﴾ لَعَلَّهُ كَما قالَ الإمامُ رَدٌّ لِما يُجِيبُونَ بِهِ وهو أنَّ الشُّفَعاءَ لَيْسَتِ الأصْنامَ أنْفُسَها بَلْ أشْخاصٌ مُقَرَّبُونَ هي تَماثِيلُهم، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مالِكُ الشَّفاعَةِ كُلِّها لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ شَفاعَةً ما إلّا أنْ يَكُونَ المَشْفُوعُ مُرْتَضى والشَّفِيعُ مَأْذُونًا لَهُ وكِلاهُما مَفْقُودانِ ها هُنا، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُودِ الشَّفاعَةِ في الجُمْلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ المِلْكَ أنَّ الِاخْتِصاصَ الَّذِي هو مَفادُ اللّامِ هُنا يَقْتَضِي الوُجُودَ فالِاسْتِدْلالُ بِها عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ مُطْلَقًا في غايَةِ الضَّعْفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِكَوْنِ الشَّفاعَةِ جَمِيعًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ كَأنَّهُ قِيلَ: لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ فَلا يَتَصَرَّفُ أحَدٌ بِشَيْءٍ مِنهُ بِدُونِ إذْنِهِ ورِضاهُ فالسَّماواتُ والأرْضُ كِنايَةٌ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُ مُلْكُ ﴾ ..
إلَخْ.
وكَأنَّهُ تَنْصِيصٌ عَلى مالِكِيَّةِ الآخِرَةِ الَّتِي فِيها مُعْظَمُ نَفْعِ الشَّفاعَةِ وإيماءٌ إلى انْقِطاعِ المِلْكِ الصُّورِيِّ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ ﴾ وجَعَلَهُ في البَحْرِ تَهْدِيدًا لَهم كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَتَعْلَمُونَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ لَكم ويَخِيبُ سَعْيُكم في عِبادَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ ( إلَيْهِ ) لِلْفاصِلَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ إذِ المَعْنى إلَيْهِ تَعالى لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا تُرْجَعُونَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ ﴾ أيْ مُفْرَدًا بِالذِّكْرِ ولَمْ تُذْكَرْ مَعَهُ آلِهَتُهم، وقِيلَ: أيْ إذا قِيلَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ أيِ انْقَبَضَتْ ونَفَرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ ﴿ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ فُرادى أوْ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ لِفَرْطِ افْتِتانِهِمْ بِهِمْ ونِسْيانِهِمْ حَقَّ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ بُولِغَ في بَيانِ حالِهِمُ القَبِيحَةِ حَيْثُ بَيَّنَ الغايَةَ فِيهِما فَإنَّ الِاسْتِبْشارَ أنْ يَمْتَلِئَ القَلْبُ سُرُورًا حَتّى يَنْبَسِطَ لَهُ بَشَرَةُ الوَجْهِ، والِاشْمِئْزازُ أنْ يَمْتَلِئَ غَيْظًا وغَمًّا يَنْقَبِضُ عَنْهُ أدِيمُ الوَجْهِ كَما يُشاهَدُ في وجْهِ العابِسِ المَحْزُونِ، ( وإذا ) الأُولى شَرْطِيَّةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وعامِلُها الجَوابُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ وهو ﴿ اشْمَأزَّتْ ﴾ أوِ الفِعْلُ الَّذِي يَلِيها وهو ( ذُكِرَ ) عِنْدَ أبِي حَيّانَ وجَماعَةٍ، ولَيْسَتْ مُضافَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيها عِنْدَهم، وكَذا ( إذا ) الثّانِيَةُ فالعامِلُ فِيها إمّا ( ذُكِرَ ) بَعْدَها وإمّا ( يَسْتَبْشِرُونَ وإذا ) الثّالِثَةُ فُجائِيَّةٌ رابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الجَزاءِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ كالفاءِ، فَعَلى القَوْلِ بِحَرْفِيَّتِها لا يَعْمَلُ فِيها شَيْءٌ وعَلى القَوْلِ بِاسْمِيَّتِها وأنَّها ظَرْفُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ عامِلُها هُنا خَبَرُ المُبْتَدَأِ بَعْدَها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عامِلُها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مُشْتَقٌّ مِن لَفْظِ المُفاجَأةِ تَقْدِيرُهُ فاجاءُوا وقْتَ الِاسْتِبْشارِ فَهي مَفْعُولٌ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ فاعِلًا عَلى مَعْنى فاجَأهم وقْتَ الِاسْتِبْشارِ، وهَذا الفِعْلُ المُقَدَّرُ هو جَوابُ إذا الثّانِيَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ بِناءً عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ مِن أنَّ العامِلَ في إذا جَوابُها، ولا يَلْزَمُ تَعَلُّقُ ظَرْفَيْنِ بِعامِلٍ واحِدٍ لِأنَّ الثّانِيَ مِنهُما لَيْسَ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ.
نَعَمْ قِيلَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ لا سَلَفَ لَهُ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّجُلَ في العَرَبِيَّةِ لا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ الحَوْفِيِّ إنَّ ( إذا ) الثّالِثَةَ ظَرْفِيَّةٌ جِيءَ بِها تَكْرارًا لِإذا قَبْلَها وتَوْكِيدًا وقَدْ حُذِفَ شَرْطُها والتَّقْدِيرُ إذا كانَ ذَلِكَ هم يَسْتَبْشِرُونَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، والآيَةُ في شَأْنِ المُشْرِكِينَ مُطْلَقًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ والوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وصَفْوانَ ( وأبِيّ ) بْنِ خَلَفٍ، وفَسَّرَ ﴿ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾ بِاللّاتِ والعُزّى وكَأنَّ ذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الآيَةَ حَكَتْ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ قَرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ والنَّجْمِ ﴾ عِنْدَ بابِ الكَعْبَةِ: وهَذا أيْضًا لا يُنافِي العُمُومَ كَما لا يَخْفى، وقَدْ رَأيْنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَلى نَحْوِ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ تَعالى بِها المُشْرِكِينَ يَهُشُّونَ لِذِكْرِ أمْواتٍ يَسْتَغِيثُونَ بِهِمْ ويَطْلُبُونَ مِنهم ويَطْرَبُونَ مِن سَماعِ حِكاياتٍ كاذِبَةٍ عَنْهم تُوافِقُ هَواهم واعْتِقادَهم فِيهِمْ ويُعَظِّمُونَ مَن يَحْكِي لَهم ذَلِكَ ويَنْقَبِضُونَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ونِسْبَةِ الِاسْتِقْلالِ بِالتَّصَرُّفِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وسَرْدِ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ ويَنْفِرُونَ مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ النَّفْرَةِ ويَنْسُبُونَهُ إلى ما يَكْرَهُ، وقَدْ قُلْتُ يَوْمًا لِرَجُلٍ يَسْتَغِيثُ في شِدَّةٍ بِبَعْضِ الأمْواتِ ويُنادِي يا فُلانُ أغِثْنِي فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ يا اللَّهُ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ ﴾ فَغَضِبَ وبَلَغَنِي أنَّهُ قالَ: فُلانٌ مُنْكِرٌ عَلى الأوْلِياءِ، وسَمِعْتُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الوَلِيُّ أسْرَعُ إجابَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهَذا مِنَ الكُفْرِ بِمَكانٍ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا مِنَ الزَّيْغِ والطُّغْيانِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أمْرٌ بِالدُّعاءِ والِالتِجاءِ إلى اللَّهِ تَعالى لِما قاساهُ في أمْرِ دَعْوَتِهِمْ ونالَهُ مِن شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ فَإنَّهُ تَعالى القادِرُ عَلى الأشْياءِ بِجُمْلَتِها والعالَمُ بِالأحْوالِ بِرُمَّتِها، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ بَيانُ حالِهِمْ ووَعِيدِهِمْ وتَسْلِيَةُ حَبِيبِهِ الأكْرَمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّ جِدَّهُ وسَعْيَهُ مَعْلُومٌ مَشْكُورٌ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ وتَعْلِيمُ العِبادِ الِالتِجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى والدُّعاءَ بِأسْمائِهِ العُظْمى، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ فَإنَّهُ لِما سُئِلَ عَنْ قَتْلِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَأوَّهَ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَإذا ذُكِرَ لَكَ شَيْءٌ مِمّا جَرى بَيْنَ الصَّحابَةِ قُلْ: ﴿ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ ﴾ ..
إلَخْ.
فَإنَّهُ مِنَ الآدابِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُحْفَظَ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿ أنْتَ تَحْكُمُ ﴾ لِلْحَصْرِ أيْ أنْتَ تَحْكُمُ وحْدَكَ بَيْنَ العِبادِ فِيما اسْتَمَرَّ اخْتِلافُهم فِيهِ حُكْمًا يُسَلِّمُهُ كُلُّ مُكابِرٍ مُعانِدٍ ويَخْضَعُ لَهُ كُلُّ عاتٍ مارِدٍ وهو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ أوِ الأُخْرَوِيُّ، والمَقْصُودُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ الحُكْمُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ ..
إلَخْ.
قِيلَ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِ الحُكْمِ الَّذِي اسْتَدْعاهُ النَّبِيُّ وغايَةُ شِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ أيْ لَوْ أنَّ لَهم جَمِيعَ ما في الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ لَجَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ السَّيِّئِ الشَّدِيدِ وقِيلَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ والتَّقْدِيرُ فَأنا أحْكُمُ بَيْنِهِمْ وأُعَذِّبُهم ولَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ ما فَعَلُوا ما فَعَلُوا، والأوَّلُ أظْهَرُ، ولَيْسَ المُرادُ إثْباتَ الشَّرْطِيَّةِ بَلِ التَّمْثِيلُ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُحاوِلُ التَّخَلُّصَ والفِداءَ مِمّا هو فِيهِ بِما ذُكِرَ فَلا يُتَقَبَّلُ مِنهُ، وحاصِلُهُ أنَّ العَذابَ لازِمٌ لا يَخْلُصُونَ مِنهُ ولَوْ فُرِضَ هَذا المُحالُ فَفِيهِ مِنَ الوَعِيدِ والإقْناطِ ما لا يَخْفى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ أيْ ظَهَرَ لَهم مِن فُنُونِ العُقُوباتِ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الوَعْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ والجُمْلَةُ قِيلَ: الظّاهِرُ أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ ( افْتَدَوْا ) .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وبَدا لَهُمْ ﴾ حِينَ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ صَحائِفُهم ﴿ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ﴾ أيِ الَّذِي كَسَبُوهُ وعَمِلُوهُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ أوْ كَسْبُهم وعَمَلُهم عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وإضافَةُ ( سَيِّئاتُ ) عَلى مَعْنى مِن أوِ اللّامِ ﴿ وحاقَ ﴾ أيْ أحاطَ ﴿ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أيْ جَزاءَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أوْ عَلى أنَّ هُناكَ مَجازًا بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ مُسَبِّبِهِ، وما مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَوْصُولِيَّةِ والمَصْدَرِيَّةِ أيْضًا <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ﴾ إخْبارٌ عَنِ الجِنْسِ بِما يَغْلِبُ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ حُذَيْفَةُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: الكَفَرَةُ ﴿ ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها تَفَضُّلًا فَإنَّ التَّخْوِيلَ عَلى ما قِيلَ مُخْتَصٌّ بِهِ لا يُطْلَقُ عَلى ما أُعْطِيَ جَزاءً ﴿ قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ أيْ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ كَسْبِهِ أوْ بِأنِّي سَأُعْطاهُ لِما لِي مِنَ الِاسْتِحْقاقِ أوْ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِي وبِاسْتِيجابِي، وإنَّما لِلْحَصْرِ أيْ ما أُوتِيتُهُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأجْلِ عِلْمٍ، والهاءُ لِلنِّعْمَةِ، والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِشَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ التَّنْكِيرُ، وقِيلَ: لِأنَّها بِمَعْنى الإنْعامِ، وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ بِها المالُ، وقِيلَ: لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ فَغَلَبَ المُذَكَّرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِما في ( إنَّما ) عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ أيْ إنَّ الَّذِي أُوتِيتُهُ كائِنٌ عَلى عِلْمٍ ويُبْعِدُ مَوْصُولِيَّتَها كِتابَتُها مُتَّصِلَةً في المَصاحِفِ ﴿ بَلْ هي فِتْنَةٌ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلنِّعْمَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها كَما أنَّ الأوَّلَ لَها بِاعْتِبارِ مَعْناها، واعْتِبارُ اللَّفْظِ بَعْدَ اعْتِبارِ المَعْنى جائِزٌ وإنْ كانَ الأكْثَرُ العَكْسَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الإتْيانَةِ وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ فَهو لِلنِّعْمَةِ أيْضًا كالَّذِي مَرَّ أوْ لِلْإتْيانِ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ بَلْ ما أُوتِيَهُ امْتِحانٌ لَهُ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ، وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالفِتْنَةِ مَعَ أنَّهُ آلَةٌ لَها لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، ونَحْوَ هَذا يُقالُ عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ لِلْإتْيانَةِ أوِ الإتْيانِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ إذْ لَوْ أُرِيدَ العَهْدُ لَقِيلَ لَكِنَّهُ لا يُعْلَمُ أوْ لَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ وإرادَةُ العَهْدِ هُناكَ وإرْجاعُ الضَّمِيرِ لِلْمُطْلَقِ هُنا عَلى أنَّهُ اسْتِخْدامُ نَظِيرِ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ تَكَلُّفٌ.
والفاءُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عاطِفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ ﴾ ..
إلَخْ.
وهي لِتَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ والغَرَضُ مِنهُ التَّهَكُّمُ والتَّحْمِيقُ، وفِيهِ ذَمُّهم بِالمُناقَضَةِ والتَّعْكِيسِ حَيْثُ إنَّهم يَشْمَئِزُّونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِ الآلِهَةِ فَإذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعَوْا مَنِ اشْمَأزُّوا مِن ذِكْرِهِ دُونَ مَنِ اسْتَبْشَرُوا بِذِكْرِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ يُسِيءُ إلى فُلانٍ فَإذا احْتاجَ سَألَهُ فَأحْسَنَ إلَيْهِ، فَفي الفاءِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ داخِلَةً عَلى السَّبَبِ لِأنَّ ذِكْرَ المُسَبَّبِ يَقْتَضِي ذِكْرَ سَبَبِهِ لِأنَّ ظُهُورَ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ..
إلَخْ.
مُسَبَّبٌ عَمّا بَعْدَ الفاءِ إلّا أنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ والَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ مِنهم إلى آخِرِهِ إنْ لَمْ يَتَغايَرا بِكَوْنِ أحَدِهِما في الدُّنْيا والآخِرَةِ في الأُخْرى، وإلى ما قَدَّمْنا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجُمَلُ الواقِعَةُ في البَيْنِ عَلَيْهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ ﴾ - إلى - ﴿ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ في ذَلِكَ تَكَلُّفًا واعْتِراضًا بِأكْثَرَ مِن جُمْلَتَيْنِ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يُجِيزُ الِاعْتِراضَ بِجُمْلَتَيْنِ فَكَيْفَ يُجِيزُهُ بِالأكْثَرِ، وأنا أقُولُ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ تَضَمَّنَ مَعْنًى دَقِيقًا لَطِيفًا، والفارِسِيُّ مَحْجُوجٌ بِما ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ مِن ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ضَمِيرُ ﴿ قالَها ﴾ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ﴾ لِأنَّها كَلِمَةٌ أوْ جُمْلَةٌ.
وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ أيِ القَوْلُ أوِ الكَلامُ المَذْكُورُ، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قارُونُ وقَوْمُهُ فَإنَّهُ قالَ ورَضُوا بِهِ فالإسْنادُ مِن بابِ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الظَّرْفِ فَقالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِمَعْنى شاعَتْ فِيهِمْ، والشّائِعُ الأوَّلُ، والمُرادُ قالُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ أوْ قالُوها بِعَيْنِها ولِاتِّحادِ صُورَةِ اللَّفْظِ تُعَدُّ شَيْئًا واحِدًا في العُرْفِ ﴿ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ مِن مَتاعِ الدُّنْيا ويَجْمَعُونَهُ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ﴾ أيْ أصابَهم جَزاءُ سَيِّئاتِ كَسْبِهِمْ أوِ الَّذِي كَسَبُوهُ عَلى أنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ أنَّهُ تَجَوَّزَ بِالسَّيِّئاتِ عَمّا تَسَبَّبَ عَنْها وقَدْ يُقالُ لِجَزاءِ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مُشاكَلَةً نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ فَيَكُونُ ما هُنا مِنَ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ، وإذا كانَ المَعْنى عَلى جَعْلِ جَزاءِ جَمِيعِ ما كَسَبُوا سَيِّئًا دَلَّ الكَلامُ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما كَسَبُوا سَيِّئٌ إذْ لَوْ كانَ فِيهِ حَسَنٌ جُوزِيَ عَلَيْهِ جَزاءً حَسَنًا، وفِيهِ مِن ذَمِّهِمْ ما فِيهِ.
﴿ والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ ﴾ اَلْمُشْرِكِينَ، و( مِن ) لِلْبَيانِ فَإنَّهم كُلَّهم كانُوا ظالِمِينَ إذِ الشِّرْكُ ظُلْمٌ عَظِيمٌ أوْ لِلتَّبْعِيضِ فالمُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا مَن أصَرَّ عَلى الظُّلْمِ حَتّى تُصِيبَهم قارِعَةٌ وهم بَعْضٌ مِنهم ﴿ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ﴾ كَما أصابَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والمُرادُ بِهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ وقَدْ قَحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، وقُتِلَ بِبَدْرٍ صَنادِيدُهم وقِيلَ العَذابُ الأُخْرَوِيُّ، وقِيلَ: الأعَمُّ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّهُ الأوْفَقُ لِلسِّياقِ، وأُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ أيْ بِفائِتِينَ عَلى ما قِيلَ إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ ﴿ ويَقْدِرُ ﴾ لِمَن يَشاءُ أنْ يَقْدِرَ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ ما مَدْخَلٌ في ذَلِكَ حَيْثُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّزْقَ سَبْعًا ثُمَّ بَسَطَهُ لَهم سَبْعًا ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ ﴿ لآياتٍ ﴾ دالَّةً عَلى أنَّ الحَوادِثَ كافَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ والأسْبابُ في الحَقِيقَةِ مُلْغاةٌ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ إذْ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ بِها عَلى مَدْلُولاتِها <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ أفْرَطُوا في المَعاصِي جائِينَ عَلَيْها، وأصْلُ الإسْرافِ الإفْراطُ في صَرْفِ المالِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ذُكِرَ مَجازًا بِمَرْتَبَتَيْنِ عَلى ما قِيلَ، وقالَ الرّاغِبُ: هو تُجاوُزُ الحَدِّ في كُلِّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ وإنْ كانَ ذَلِكَ في الإنْفاقِ أشْهَرَ وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيما ذَكَرْنا وهو حَسَنٌ.
وضُمِّنَ مَعْنى الجِنايَةِ لِيَصِحَّ تَعَدِّيهِ بِعَلى والمُضَمَّنُ لا يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ حَقِيقِيًّا، وقِيلَ: هو مُضَمَّنٌ مَعْنى الحَمْلِ، وحَمْلُ غَيْرِ واحِدٍ الإضافَةُ في ( عِبادِيَ ) عَلى العَهْدِ أوْ عَلى التَّشْرِيفِ، وذَهَبُوا إلى أنَّ المُرادَ بِالعِبادِ المُؤْمِنُونَ وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِمْ مُضافًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في القُرْآنِ العَظِيمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّها المُؤْمِنُونَ المُذْنِبُونَ ﴿ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَيْأسُوا مِن مَغْفِرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَفَضُّلِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنَّ المَغْفِرَةَ مُدْرَجَةٌ في الرَّحْمَةِ أوْ أنَّ الرَّحْمَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَها لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الرَّحْمَةُ لِمَن لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وتَعْلِيلُ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ يَقْتَضِي دُخُولَها في المُعَلَّلِ، والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ كالصَّرِيحِ في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ويَرْحَمُ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقالُوا: المُرادُ بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ التَّجافِي عَنْها وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِها في الظّاهِرِ والباطِنِ وهو المُرادُ بِسَتْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها مَحْوُها مِنَ الصَّحائِفِ بِالكُلِّيَّةِ مَعَ التَّجافِي عَنْها وأنَّ الظّاهِرَ إطْلاقُ الحُكْمِ وتَقْيِيدُهُ بِالتَّوْبَةِ خِلافَ الظّاهِرِ كَيْفَ لا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ظاهِرٌ في الإطْلاقِ فِيما عَدا الشِّرْكَ، ويَشْهَدُ لِلْإطْلاقِ أيْضًا أُمُورٌ، الأوَّلُ نِداؤُهم بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ فَإنَّها تَقْتَضِي المَذَلَّةَ وهي أنْسَبُ بِحالِ العاصِي إذا لَمْ يَتُبْ واقْتِضاؤُها لِلتَّرَحُّمِ ظاهِرٌ.
الثّانِي الِاخْتِصارُ الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى فَإنَّ السَّيِّدَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْحَمَ عَبْدَهُ ويُشْفِقَ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ تَخْصِيصُ ضَرَرِ الإسْرافِ المُشْعِرَةُ بِهِ «عَلى» بِأنْفُسِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ضَرَرُ الذُّنُوبِ عائِدٌ عَلَيْهِمْ لا عَلَيَّ فَيَكْفِي ذَلِكَ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ آخَرَ كَما في المَثَلِ أحْسِنْ إلى مَن أساءَ كَفى المُسِيءَ إساءَتُهُ، فالعَبْدُ إذا أساءَ ووَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ ذَلِيلًا خائِفًا عالِمًا بِسُخْطِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ ناظِرًا لِإكْرامِ غَيْرِهِ مِمَّنْ أطاعَ لِحَقَهُ ضَرَرٌ إذِ اسْتِحْقاقُ العِقابِ عِقابٌ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ.
الرّابِعُ النَّهْيُ عَنِ القُنُوطِ مُطْلَقًا عَنِ الرَّحْمَةِ فَضْلًا عَنِ المَغْفِرَةِ وإطْلاقِها.
الخامِسُ إضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ المُحْتَوِي عَلى جَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ فَإنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ في سِعَتِها وهو ظاهِرٌ في شُمُولِها التّائِبَ وغَيْرَهُ.
السّادِسُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ( إنَّ اَللَّهَ ) ..
إلَخْ.
فَإنَّ التَّعْلِيلَ يَحْسُنُ مَعَ الِاسْتِبْعادِ وتَرْكُ القُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ أكْثَرُ اسْتِبْعادًا مِن تَرْكِهِ مَعَ التَّوْبَةِ.
السّابِعُ وضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِإشْعارِهِ بِأنَّ المَغْفِرَةَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِن تَوْبَةٍ أوْ غَيْرِها.
الثّامِنُ تَعْرِيفُ الذُّنُوبِ فَإنَّهُ في مَقامِ التَّمَدُّحِ ظاهِرٌ في الِاسْتِغْراقِ فَتَشْمَلُ الذَّنْبَ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّوْبَةُ والَّذِي لا تَعْقُبُهُ.
التّاسِعُ التَّأْكِيدُ بِالجَمِيعِ.
العاشِرُ التَّعْلِيلُ - بِأنَّهُ هو -..
إلَخْ.
.
الحادِي عَشَرَ التَّعْبِيرُ بِالغَفُورِ فَإنَّهُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ وهي إنْ كانَتْ بِاعْتِبارِ الكَمِّ شَمِلَتِ المَغْفِرَةُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ أوْ بِاعْتِبارِ الكَيْفِ شَمِلَتِ الكَبائِرَ بِدُونِ تَوْبَةٍ.
الثّانِي عَشَرَ حَذْفُ مَعْمُولِ ( اَلْغَفُورُ ) فَإنَّ حَذْفَ المَعْمُولِ يُفِيدُ العُمُومَ.
الثّالِثَ عَشَرَ إفادَةُ الجُمْلَةِ الحَصْرَ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الغُفْرانَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ تَعالى فالمَحْصُورُ فِيهِ سُبْحانَهُ إنَّما هو الكامِلُ العَظِيمُ وهو ما يَكُونُ بِلا تَوْبَةٍ الرّابِعَ عَشَرَ المُبالَغَةُ في ذَلِكَ الحَصْرِ.
الخامِسَ عَشَرَ الوَعْدُ بِالرَّحْمَةِ بَعْدَ المَغْفِرَةِ فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْمَغْفِرَةِ لَوْلا رَحْمَتُهُ وهو ظاهِرٌ فِيما إذا لَمْ يَتُبْ.
السّادِسَ عَشَرَ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيها.
السّابِعَ عَشَرَ إطْلاقُها، ومَنَعَ المُعْتَزِلَةُ مَغْفِرَةَ الكَبائِرِ والعَفْوَ عَنْها مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ وقالُوا: إنَّها ورَدَتْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ مُقَيَّدَةً بِالتَّوْبَةِ فَإطْلاقُها هُنا يُحْمَلُ عَلى التَّقْيِيدِ لِاتِّحادِ الواقِعَةِ وعَدَمِ احْتِمالِ النَّسْخِ، <div class="verse-tafsir"
وكَوْنُ القُرْآنِ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ، وأيَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ﴾ فَإنَّهُ عَطْفٌ عَلى ألا تَقْنَطُوا والتَّعْلِيلُ مُعْتَرِضٌ، وبَعْدَ تَسْلِيمِ حَدِيثِ حَمْلِ الإطْلاقِ عَلى التَّقْيِيدِ يَكُونُ عَطْفًا لِتَتْمِيمِ الإيضاحِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَظُنُّوا أنَّهُ لا يَقْبَلُ تَوْبَتَكم وأنِيبُوا إلَيْهِ تَعالى وأخْلِصُوا لَهُ عَزَّ وجَلَّ.
وأجابَ بَعْضُ الجَماعَةِ بِمَنعِ وُجُوبِ حَمْلِ الإطْلاقِ عَلى التَّقْيِيدِ في كَلامٍ واحِدٍ نَحْوَ أكْرِمِ الفُضَلاءَ أكْرِمِ الكامِلِينَ فَضْلًا عَنْ كَلامٍ لا يُسَلَّمُ كَوْنُهُ في حُكْمِ كَلامٍ واحِدٍ وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ المَعْطُوفُ شَرْطًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ مِن تَتَمَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ الأمْرَ بِالتَّوْبَةِ والإخْلاصِ لا يَحِلُّ بِالإطْلاقِ إذْ لَيْسَ المُدَّعِي أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَغْفِرَةِ لِكُلِّ أحَدٍ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ وسَبْقِ تَعْذِيبٍ لِتُغْنِيَ عَنِ الأمْرِ بِهِما وتُنافِيَ الوَعِيدَ بِالعَذابِ.
وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُدَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا ﴾ خِطابٌ لِلْكافِرِينَ والعاصِينَ وإنْ كانَ المَقْصُودُ الأوْلى الكُفّارَ لِمَكانِ القُرْبِ وسَبَبِ النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ مَن عَبَدَ الأوْثانَ ودَعا مَعَ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ وقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَكَيْفَ نُهاجِرُ ونُسْلِمُ وقَدْ عَبَدْنا الآلِهَةَ وقَتَلْنا النَّفْسَ ونَحْنُ أهْلُ شِرْكٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ ..
إلَخْ.
.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ ونَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا أسْلَمُوا ثُمَّ فُتِنُوا وعُذِّبُوا فافْتَتَنُوا فَكُنّا نَقُولُ: لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعالى مِن هَؤُلاءِ صَرْفًا ولا عَدْلًا أبَدًا أقْوامٌ أسْلَمُوا ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهم بِعَذابٍ عُذِّبُوهُ فَنَزَلَتْ هَؤُلاءِ الآياتُ وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كاتِبًا فَكَتَبَها بِيَدِهِ ثُمَّ كَتَبَ بِها إلى عِياشٍ وإلى الوَلِيدِ وإلى أُولَئِكَ النَّفَرِ فَأسْلَمُوا وهاجَرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ ﴾ - إلى - ﴿ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ بِالمَدِينَةِ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ وتَخَلَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَعْلِيلًا لِلْجُزْءِ الأوَّلِ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الثّانِي لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى وأنَّ مِثْلَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُرْجى وإنْ عَظُمَ الذَّنَبُ لا سِيَّما وقَدْ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هُوَ ﴾ الآيَةَ الدّالِّ عَلى انْحِصارِ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ فالوَجْهُ أنْ يَجْرِيَ عَلى عُمُومِهِ لِيُناسِبَ عُمُومَ الصَّدْرِ ولا يُقَيَّدُ بِالتَّوْبَةِ لِئَلّا يُنافِيَ غَرَضَ التَّخَلُّلِ مَعَ أنَّهُ جَمْعٌ مُحَلّى بِاللّامِ، وقَدْ أُكِّدَ بِما صارَ نَصًّا في الِاسْتِغْراقِ، ولا يُغْنِي المُعْتَزِلِيَّ أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ كالكَلامِ الواحِدِ وأنَّهُ سَلِيمٌ مِنَ التَّناقُضِ بَلْ يَضُرُّهُ، وكَذَلِكَ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ.
انْتَهى.
وقَدْ تُضَمَّنُ الإشارَةُ إلى بَعْضِ مُؤَكِّداتِ الإطْلاقِ الَّتِي حَكَيْناها آنِفًا والَّذِي يَتَرَجَّحُ في نَظَرِي ما اخْتارَهُ مِن عُمُومِ الخِطابِ في ( يا عِبادِيَ ) لِلْعاصِينَ والكافِرِينَ، وأمْرُ الإضافَةِ سَهْلٌ، وإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ مُقَيَّدٌ بِلِمْنَ يَشاءُ بِقَرِينَةِ التَّصْرِيحِ بِهِ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ هُنا، وكَوْنُ الأُمُورِ كُلِّها مُعَلَّقَةً بِالمَشِيئَةِ ولا نُسَلِّمُ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَشِيئَةِ التّائِبُ وحْدَهُ، وكَوْنُها تابِعَةً لِلْحِكْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لا يَنْفَعُ إذْ دُونَ إثْباتِ كَوْنِ المَغْفِرَةِ لِغَيْرِ التّائِبِ مُنافِيَةً لِلْحِكْمَةِ خَرْطَ القَتادِ.
نَعَمْ لا تَتَعَلَّقُ بِالمُشْرِكِ ما لَمْ يُؤْمِن لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فَمَغْفِرَةُ الشِّرْكِ مَشْرُوطَةٌ بِالإيمانِ داخِلٌ فِيمَن يَشاءُ لَكِنْ بِالشَّرْطِ المَعْرُوفِ، واعْتِبارُ الشَّرْطِ فِيهِ لا يَضُرُّ في عَدَمِ اعْتِبارِ شَرْطِ التَّوْبَةِ في العاصِي بِما دُونَهُ.
ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ.
وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.
والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««ما أُحِبُّ أنَّ لِيَ الدُّنْيا وما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ إلى آخِرِ الآيَةِ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن أشْرَكَ ؟
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ساعَةً ثُمَّ قالَ: إلّا ومَن أشْرَكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ»» لا يُقالُ المَغْفِرَةُ لِمَن أشْرَكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ أمْرٌ واضِحٌ فَلا يَجُوزُ أنْ تَخْفى عَلى السّائِلِ وعَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى يَسْكُتَ لِانْتِظارِ الوَحْيِ أوِ الِاجْتِهادِ لِأنّا نَقُولُ: السُّؤالُ لِلِاسْتِبْعادِ مِن حَيْثُ العادَةِ والسُّكُوتُ لِتَعْلِيمِ سُلُوكِ طَرِيقِ التَّأنِّي والتَّدَبُّرِ وإنْ كانَ الأمْرُ واضِحًا.
وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّهُ لِانْتِظارِ الإذْنِ أوِ الِاجْتِهادِ في التَّصْرِيحِ بِعُمُومِ المَغْفِرَةِ فَإنَّهم رُبَّما اتَّكَلُوا عَلى ذَلِكَ فَيُخْشى التَّفْرِيطُ في العَمَلِ وهو لا يُنافِي التَّعْلِيمَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يُعَلِّمُهُمُ التَّدَبُّرَ بَعْدَ أنْ يَتَدَبَّرَ هو في نَفْسِهِ .
وزَعْمُ أنَّ الحَدِيثَ دالٌّ عَلى اشْتِراطِ التَّوْبَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، ويُؤَيِّدُ إطْلاقُ المَغْفِرَةِ عَنْ قَيْدِ التَّوْبَةِ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَأُ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنِ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ»» فَإنَّهُ لَيْسَ لِلا يُبالِي كَثِيرُ حُسْنٍ إنْ كانَتِ المَغْفِرَةُ مَشْرُوطَةً بِالتَّوْبَةِ كَما لا يَخْفى، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيُّ آيَةٍ أوْسَعُ ؟
فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ الآيَةَ ونَحْوَها فَقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما في القُرْآنِ أوْسَعُ آيَةً مِن ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ.
والمُؤَكِّداتُ السّابِقَةُ أعْنِي السَّبْعَةَ عَشَرَ لا يَخْلُو بَعْضُها عَنْ بَحْثٍ، والظّاهِرُ أنَّ مَغْفِرَةَ ذَنْبٍ لا تُجامِعُ العَذابَ عَلَيْهِ أصْلًا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها تُجامِعُهُ إذا كانَ أنْقَصَ مِنَ الذَّنْبِ لا إذا كانَ بِمِقْدارِهِ فَمَن عُذِّبَ بِمِقْدارِ ذَنْبِهِ في النّارِ، وأخْرَجَ مِنها لا يُقالُ إنَّهُ غُفِرَ لَهُ إذِ السَّيِّئاتُ إنَّما تُجْزى بِأمْثالِها، وقِيلَ: تُجامِعُهُ مُطْلَقًا وكَوْنُ السَّيِّئاتِ لا تُجْزى إلّا بِأمْثالِها بِلُطْفِهِ تَعالى أيْضًا فَهو نَوْعٌ مِن عَفْوِهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ ما فِيهِ فَتَأمَّلْ، وأصْلُ الإنابَةِ الرُّجُوعُ.
ومَعْنى ﴿ وأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ ﴾ ..
إلَخْ.
أيِ ارْجِعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْ مَعاصِيهِ والنَّدَمِ عَلَيْها، وقِيلَ: بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وذَكَرَ الرَّبَّ كالتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ، وقالَ القُشَيْرِيُّ: الإنابَةُ الرُّجُوعُ بِالكُلِّيَّةِ، والفَرْقُ بَيْنَ الإنابَةِ والتَّوْبَةِ أنَّ التّائِبَ يَرْجِعُ مِن خَوْفِ العُقُوبَةِ والمُنِيبَ يَرْجِعُ اسْتِحْياءً لِكَرَمِهِ تَعالى، والإسْلامُ لَهُ سُبْحانَهُ الإخْلاصُ في طاعاتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ أنَّ الإخْلاصَ بَعْدَ الإنابَةِ أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ نَجاتَهُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لا بِإنابَتِهِ فَبِفَضْلِهِ سُبْحانَهُ وصَلَ إلى إنابَتِهِ لا بِإنابَتِهِ وصَلَ إلى فَضْلِهِ جَلَّ فَضْلُهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ «مَن آيَسَ العِبادَ مِنَ التَّوْبَةِ فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ» <div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْعِبادِ المُخاطَبِينَ فِيما تَقَدَّمَ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ أوْ ما يَعُمُّهم والكافِرِينَ، والمُرادُ بِما أُنْزِلَ القُرْآنُ وهو كَما أُنْزِلَ إلى المُؤْمِنِينَ أُنْزِلَ إلى الكافِرِينَ ضَرُورَةَ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ لِدَعْوَةِ النّاسِ كافَّةً، والمُرادُ بِأحْسَنِهِ ما تَضَمَّنَ الإرْشادَ إلى خَيْرِ الدّارَيْنِ دُونَ القِصَصِ ونَحْوِها أوِ المَأْمُورِ بِهِ أوِ العَزائِمِ أوِ النّاسِخِ، وأفْعَلُ عَلى الأوَّلِ والثّالِثِ عَلى ظاهِرِهِ وعَلى الثّانِي والرّابِعِ فِيهِ احْتِمالانِ وقِيلَ: لَعَلَّ الأحْسَنَ ما هو أنْجى وأسْلَمَ كالإنابَةِ والمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ وأفْعَلُ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ بِما أُنْزِلَ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ وبِأحْسَنِهِ القُرْآنُ، وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَرْغِيبٌ في الِاتِّباعِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً ﴿ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ لا تَعْلَمُونَ أصْلًا بِمَجِيئِهِ فَتَتَدارَكُونَ ما يَدْفَعُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَراهَةً وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أيْ أُنْذِرُكم وآمُرُكم بِأحْسَنِ ما أُنْزِلَ إلَيْكم كَراهَةَ أنْ تَقُولَ، ومَن لا يَشْتَرِطُ لِلنَّصْبِ اتِّحادَ الفاعِلِ يُجَوِّزُ كَوْنَ النّاصِبِ ( أنِيبُوا ) أوْ ( اِتَّبِعُوا ) وأيًّا ما كانَ فَهَذِهِ الكَراهَةُ مُقابِلُ الرِّضا دُونَ الإرادَةِ فَلا اعْتِزالَ في تَقْدِيرِها، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ مَخافَةَ كَما فَعَلَ الحَوْفِيُّ حَيْثُ قالَ: أيْ أنْذَرْناكم مَخافَةَ أنْ تَقُولَ، وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَ العامِلَ ( أنِيبُوا ) ولَمْ يُقَدِّرْ شَيْئًا مِنَ الكَراهَةِ والمَخافَةِ حَيْثُ قالَ: أيْ أنِيبُوا مِن أجْلِ أنْ تَقُولَ، وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ لِئَلّا تَقُولَ وتَنْكِيرُ ( نَفْسٌ ) لِلتَّكْثِيرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَما في قَوْلِ الأعْشى: ورُبَّ بَقِيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ أتانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضَبا فَإنَّهُ أرادَ أفْواجًا مِنَ الكِرامِ يَنْصُرُونَهُ لا كِرِيمًا واحِدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ القائِلَ بَعْضُ الأنْفُسِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، قِيلَ: ويَكْفِي ذَلِكَ في الوَعِيدِ لِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِلتَّعْظِيمِ أيْ نَفْسٌ مُتَمَيِّزَةٌ مِنَ الأنْفُسِ إمّا بِلَجاجٍ في الكُفْرِ شَدِيدٍ أوْ بِعَذابٍ عَظِيمٍ، ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ يا حَسْرَتا ﴾ بِالألِفِ بَدَلَ ياءِ الإضافَةِ، والمَعْنى كَما قالَ سِيبَوَيْهِ يا حَسْرَتِي احْضَرِي فَهَذا وقْتُكِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَقْفِ «يا حَسْرَتاهُ» بِهاءِ السَّكْتِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «يا حَسْرَتِي» بِياءِ الإضافَةِ، وعَنْهُ «يا حَسْرَتايَ» بِالألِفِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةً أوْ ساكِنَةً جَمْعًا بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا غَيْرُ جائِزٍ اللَّهُمَّ إلّا شاذًّا اسْتِعْمالًا وقِياسًا، فالأوْجَهُ أنْ يَكُونَ ثَنّى الحَسْرَةَ مُبالَغَةً عَلى نَحْوِ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ وأقامَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِمْ وظَهْرانِيهِمْ عَلى لُغَةِ بِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِن إبْقاءِ المُثَنّى عَلى الألِفِ في الأحْوالِ كُلِّها، واخْتارَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ، وجَوَّزَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ أيْضًا في كِتابِهِ اللَّوامِحِ أنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ عَلى ظاهِرِها عَلى تِلْكَ اللُّغَةِ والمُرادُ حَسْرَةُ فَوْتِ الجَنَّةِ وحَسْرَةُ دُخُولِ النّارِ، واعْتِبارُ التَّكْثِيرِ أوْلى لِكَثْرَةِ حَسَراتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ عَلى ما فَرَّطْتُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَفْرِيطِي - فَعَلى - تَعْلِيلِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ والتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ ﴿ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾ أيْ جانِبِهِ، قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الجَنْبِ الجارِحَةُ ثُمَّ يُسْتَعارُ لِلنّاحِيَةِ والجِهَةِ الَّتِي تَلِيها كَعادَتِهِمْ في اسْتِعارَةِ سائِرِ الجَوارِحِ لِذَلِكَ نَحْوَ اليَمِينِ والشِّمالِ، والمُرادُ هُنا الجِهَةُ مَجازًا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ في جَنْبِ طاعَةِ اللَّهِ أوْ في حَقِّهِ تَعالى أيْ ما يَحِقُّ لَهُ سُبْحانَهُ ويَلْزَمُ وهو طاعَتُهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلى ذَلِكَ قَوْلٌ سابِقٌ البَرْبَرِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: أما تَتَّقِينَ اللَّهَ في جَنْبِ عاشِقٍ ∗∗∗ لَهُ كَبِدٌ حَرّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ والتَّفْرِيطُ في جِهَةِ الطّاعَةِ كِنايَةً عَنِ التَّفْرِيطِ في الطّاعَةِ نَفْسِها لِأنَّ مَن ضَيَّعَ جِهَةً ضَيَّعَ ما فِيها بِطَرِيقِ الأوْلى الأبْلَغِ لِكَوْنِهِ بِطْرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ زِيادٍ الأعْجَمِ: إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدى ∗∗∗ في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لِلطّاعَةِ وكَذا حَقُّ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ جِهَةً بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُطِيعِ كَمَكانِ السَّماحَةِ وما مَعَها في البَيْتِ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ الكِنايَةِ كَما تَوَهَّمَ، وقالَ الإمامُ: سُمِّيَ الجَنْبُ جَنْبًا لِأنَّهُ جانِبٌ مِن جَوانِبِ الشَّيْءِ، والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مِن لَوازِمِ الشَّيْءِ وتَوابِعِهِ يَكُونُ كَأنَّهُ جُنْدٌ مِن جُنُودِهِ وجانِبٌ مِن جَوانِبِهِ فَلَمّا حَصَلَتِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الجَنْبِ الَّذِي هو العُضْوُ وبَيْنَ ما يَكُونُ لازِمًا لِلشَّيْءِ وتابِعًا لَهُ لا جَرَمَ حُسْنُ إطْلاقِ لَفْظِ الجَنْبِ عَلى الحَقِّ والأمْرِ والطّاعَةِ.
انْتَهى.
.
وجَعَلُوا في الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةً تَصْرِيحِيَّةً ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، ولَيْسَ بِذاكَ.
وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عَلى ما ضَيَّعْتَ مِن ثَوابِ اللَّهِ، ومُقاتِلٍ: عَلى ما ضَيَّعْتَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: عَلى ما فَرَّطْتَ في أمْرِ اللَّهِ، والحَسَنِ: في طاعَةِ اللَّهِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: في حَقِّ اللَّهِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وقِيلَ: الجَنْبُ مَجازٌ عَنِ الذّاتِ كالجانِبِ أوِ المَجْلِسِ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا لِرَبِّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى ما فَرَّطْتَ في ذاتِ اللَّهِ.
وضَعُفَ بِأنَّ الجَنْبَ لا يَلِيقُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى ولَوْ مَجازًا، ورَكاكَتُهُ ظاهِرَةٌ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنِ القُرْبِ أيْ عَلى ما فَرَّطْتَ في قُرْبِ اللَّهِ.
وضَعُفَ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى تَجَوُّزٍ آخَرَ، ويَرْجِعُ الأمْرُ في الآخِرَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ونَحْوِها.
وبِالجُمْلَةِ لا يُمْكِنُ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِتَنَزُّهِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الجَنْبِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ.
ولَمْ أقِفْ عَلى عَدِّ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ إيّاهُ مِنَ الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ، ولا أُعَوِّلُ عَلى ما في المَواقِفِ، وعَلى فَرْضِ العَدِّ كَلامُهم فِيها شَهِيرٌ وكُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى التَّنْزِيهِ وسُبْحانَ مَن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وحَفْصَةَ «فِي ذِكْرِ اللَّهِ» ﴿ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ ﴾ أيِ المُسْتَهْزِئِينَ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى وأهْلِهِ، ( وأنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أيْ فَرَّطْتَ في حالِ سُخْرِيَتِي.
وقالَ في البَحْرِ: ويَظْهَرُ أنَّها اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ نَفْسِهِ بِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا لا حالَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإخْبارِ التَّحَسُّرُ والتَّحَزُّنُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ ﴾ أيْ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي.
وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الهِدايَةَ هُنا بِالإرْشادِ والدَّلالَةِ المَوْصُولَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ الأنْسَبُ بِالشَّرْطِيَّةِ والمُطابِقُ لِلرَّدِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلى ﴾ ..
إلَخْ، وفَسَّرَها أبُو حَيّانَ بِخَلْقِ الِاهْتِداءِ.
وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً ﴾ أيْ رُجُوعًا إلى الحَياةِ الدُّنْيا ﴿ فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ في العَقِيدَةِ والعَمَلِ، ( ولَوْ ) لِلتَّمَنِّي ﴿ فَأكُونَ ﴾ مَنصُوبٌ في جَوابِها، وجَوَّزَ في البَحْرِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا بِالعَطْفِ عَلى ( كَرَّةً ) إذْ هو مَصْدَرٌ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ: فَما لَكَ عَنْها غَيْرُ ذِكْرى وحَسْرَةٍ وتَسْألُ عَنْ رُكْبانِها أيْنَ يَمَّمُوا وقَوْلِ الآخَرِ: ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أحَبُّ لِي مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الفاءَ إذا كانَتْ في جَوابِ التَّمَنِّي كانَتْ أنَّ واجِبَةَ الإضْمارِ وكانَ الكَوْنُ مُتَرَتِّبًا عَلى حُصُولِ المُتَمَنِّي لا مُتَمَنّى، وإذا كانَتْ لِلْعَطْفِ عَلى ( كَرَّةً ) جازَ إظْهارُ أنَّ وإضْمارُها وكانَ الكَوْنُ مُتَمَنّى.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ القائِلِ ﴿ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي ﴾ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هَداهُ ورَدَّ عَلَيْهِ، ولا يُشْتَرَطُ في الجَوابِ بِبِلى تَقَدُّمُ النَّفْيِ صَرِيحًا وقَدْ وقَعَ في مَوْقِعِهِ اللّائِقِ بِهِ لِأنَّهُ لَوْ قُدِّمَ عَلى القَرِينَةِ الأخِيرَةِ أعْنِي ﴿ أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ ﴾ ..
إلَخْ.
وأوْقَعَ بَعْدَهُ غَيْرَ مَفْصُولٍ بَيْنَهُما بِها لَمْ يَحْسُنْ لِتَبْتِيرِ النَّظْمِ الجَلِيلِ.
فَإنَّ القَرائِنَ الثَّلاثَةَ مُتَناسِبَةٌ مُتَناسِقَةٌ مُتَلاصِقَةٌ، والتَّناسُبُ بَيْنَهُنَّ أتَمُّ مِنَ التَّناسُبِ بَيْنَ القَرِينَةِ الثّانِيَةِ وجَوابِها، ولَوْ أُخِّرَتِ القَرِينَةُ الثّانِيَةُ وجُعِلَتِ الثّالِثَةُ ثانِيَةً لَمْ يَحْسُنْ أيْضًا لِأنَّ رِعايَةَ التَّرْتِيبِ المَعْنَوِيِّ وهي أهَمُّ تَفُوتُ إذْ ذاكَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّحَسُّرَ عَلى التَّفْرِيطِ عِنْدَ تَطايُرِ الصُّحُفِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَواضِعُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، والتَّعَلُّلُ بِعَدَمِ الهِدايَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ مُشاهَدَةِ حالِ المُتَّقِينَ واغْتِباطِهِمْ، ولِأنَّهُ لِلتَّسَلِّي عَنْ بَعْضِ التَّحَسُّرِ أوْ مِن بابِ تَمَسُّكِ الغَرِيقِ فَهو لاحِقٌ وتَمَنّى الرُّجُوعَ بَعْدَ ذَوْقِ النّارِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ ﴾ وكَذَلِكَ لَوْ حُمِلَ الوُقُوفُ عَلى الحَبْسِ عَلى شَفِيرِها أوْ مُشاهَدَتِها، وكُلٌّ بَعْدَ مُشاهَدَةِ حالِ المُتَّقِينَ وما لَقُوا مِن خِفَّةِ الحِسابِ والتَّكْرِيمِ في المَوْقِفِ، ولِأنَّ اللَّجَأ إلى التَّمَنِّي بَعْدَ تَحَقُّقِ أنْ لا جَدْوى لِلتَّعْلِيلِ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ النَّفْسَ عِنْدَ رُؤْيَةِ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ يَرى النّاسَ مَجْزِيِّينَ بِأعْمالِهِمْ فَيَتَحَسَّرُ عَلى تَفْوِيتِ الأعْمالِ عَلَيْها ثُمَّ قَدْ يَتَعَلَّلُ بِأنَّ التَّقْصِيرَ لَمْ يَكُنْ مِنِّي فَإذا نَظَرَ وعَلِمَ أنَّ التَّقْصِيرَ كانَ مِنهُ تَمَنّى الرُّجُوعَ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ النُّفُوسَ جَمَعَتْ بَيْنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ - فَأوْ - لِمَنعِ الخُلُوِّ، وجِيءَ بِها تَنْبِيهًا عَلى أنْ كُلَّ واحِدٍ يَكْفِي صارِفًا عَنْ إيثارِ الكُفْرِ وداعِيًا إلى الإنابَةِ واتِّباعِ أحْسَنِ ما أُنْزِلَ وتَذْكِيرُ الخِطابِ في ﴿ جاءَتْكَ ﴾ ..
إلَخْ.
عَلى المَعْنى لِأنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الشَّخْصُ وإنْ كانَ لَفْظُها مُؤَنَّثًا سَماعِيًّا.
وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ والشّافِعِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عِيسى في اخْتِيارِهِ.
والعَبْسِيُّ «جاءَتِكِ»..
إلَخْ.
بِكَسْرِ الكافِ والتّاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنَتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورَوَتْها أُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ والأعْرَجُ «جَأتْكَ» بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ مَدٍّ بِوَزْنِ فَعَتْكَ، وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: مَقْلُوبٌ مِن جاءَتْكَ قُدِّمَتْ لامُ الكَلِمَةِ وأُخِّرَتِ العَيْنُ فَسَقَطَتِ الألِفُ واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ لِأفْعالِهِ.
وأجابَ الأشاعِرَةُ بِأنَّ إسْنادَ الأفْعالِ إلى العَبْدِ بِاعْتِبارِ قُدْرَتِهِ الكاسِبَةِ.
وحَقَّقَ الكُورانِيُّ أنَّهُ بِاعْتِبارِ قُدْرَتِهِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ بِاعْتِبارِ قُدْرَتِهِ المُؤَثِّرَةِ أذِنَ اللَّهُ تَعالى أمْ لَمْ يَأْذَنْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ بِما يَنالُهم مِنَ الشَّدَّةِ الَّتِي تُغَيِّرُ ألْوانَهم حَقِيقَةً، ولا مانِعَ مِن أنْ يُجْعَلَ سَوادُ الوُجُوهِ حَقِيقَةً عَلامَةً لَهم غَيْرَ مُتَرَتِّبٍ عَلى ما يَنالُهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ لا أنَّها تَكُونُ مُسَوَّدَةً حَقِيقَةً بِأنْ يُقالَ: إنَّهم لِما يَلْحَقُهم مِنَ الكَآبَةِ ويَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ الجَهْلِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ ذَلِكَ.
والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ والخِطابُ إمّا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإمّا لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وجُمْلَةُ ﴿ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وكَوْنُ المَقْصُودِ رُؤْيَةَ سَوادِ وُجُوهِهِمْ لا يُنافِي الحالِيَّةَ كَما تَوَهَّمَ لِأنَّ القَيْدَ مَصَبُّ الفائِدَةِ، ولا بَأْسَ بِتَرْكِ الواوِ والِاكْتِفاءِ بِالضَّمِيرِ فِيها لا سِيَّما وفي ذِكْرِها ها هُنا اجْتِماعُ واوَيْنِ وهو مُسْتَثْقَلٌ.
وزَعَمَ الفَرّاءُ شُذُوذَ ذَلِكَ، ومَن سَلَّمَهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ هُنا بَدَلًا مِن ( اَلَّذِينَ ) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، وهم جَوَّزُوا إبْدالَ الجُمْلَةِ مِنَ المُفْرَدِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةً كالبَيانِ لِما أشْعَرَتْ بِهِ الجُمْلَةُ قَبْلَها وأدْرَكَهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ مِنها مِن سُوءِ حالِهِمْ، أوْ جَعَلَ الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الثّانِي، وأُيِّدَ بِأنَّهُ قُرِئَ «وُجُوهَهم مُسْوَدَّةً» بِنَصْبِهِما عَلى أنَّ ( وُجُوهُهم ) مَفْعُولٌ ثانٍ ( ومُسْوَدَّةٌ ) حالٌ مِنهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اعْتِبارَ الرُّؤْيَةِ بَصْرِيَّةً أبْلَغُ في تَفْضِيحِهِمْ وتَشْعِيرُ فَظاعَةِ حالِهِمْ لا سِيَّما مَعَ عُمُومِ الخِطابِ، والنَّصْبُ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الإبْدالِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا أُولَئِكَ القائِلُونَ المُتَحَسِّرُونَ فَهو مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، ويَنْطَبِقُ عَلى ذَلِكَ أشَدَّ الِانْطِباقِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى ﴾ أيْ مَقامَ ﴿ لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ الَّذِينَ جاءَتْهم آياتُ اللَّهِ فَكَذَّبُوا بِها واسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها والِانْقِيادِ لَها، وهو تَقْرِيرٌ لِرُؤْيَتِهِمْ كَذَلِكَ، ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ الآتِي: ﴿ ويُنَجِّي ﴾ ..
إلَخْ.
.
وكَذِبُهم عَلى اللَّهِ تَعالى لِوَصْفِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا ونَحْوَ ذَلِكَ تَعالى عَمّا يَصِفُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقِيلَ: لِوَصْفِهِمْ لَهُ تَعالى بِما لا يَلِيقُ في الدُّنْيا وقَوْلِهِمْ في الأُخْرى: ﴿ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي ﴾ المُتَضَمِّنِ دَعْوى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَهْدِهِمْ ولَمْ يُرْشِدْهم، وقِيلَ: هم أهْلُ الكِتابَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ القائِلُونَ إنْ شِئْنا فَعَلْنا وإنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ تَعالى وإنْ شِئْنا لَمْ نَفْعَلْ وإنْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ نَفْيًا وإثْباتًا فَأضافَ إلَيْهِ ما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ تَعالى عَنْهُ أوْ نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَجِبُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ القاضِي وظاهِرُهُ يَقْتَضِي تَكْفِيرَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، وفِيهِ ما فِيهِ، والأوْفَقُ لِنَظْمِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما قَدَّمْنا، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ كُلِّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ كَذَبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أوْ غَيْرَ عالِمٍ لَكِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى شُبْهَةٍ واهِيَةٍ كَذَلِكَ وكَلامُ الحَسَنِ إنْ صَحَّ لا أظُنُّهُ إلّا مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وتَعْرِيضُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِأهْلِ الحَقِّ بِما عَرَّضَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ العَدْلِ فَما ذَهَبُوا إلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، والكَذِبُ فِيهِ وفي أصْحابِهِ ظاهِرٌ جِدًّا.
وقَرَأ أُبَيٌّ «أُجُوهَهم» بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً <div class="verse-tafsir"
﴿ ويُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ما اتَّصَفَ بِهِ أُولَئِكَ المُتَكَبِّرُونَ مِن جَهَنَّمَ.
وقُرِئَ «يُنْجِي» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ ﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ كالفَلاحِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ عَلى ما في غَيْرِهِ مِن فازَ بِكَذا إذا أفْلَحَ بِهِ وظَفَرَ بِمُرادِهِ مِنهُ، وقالَ الرّاغِبُ: هي مَصْدَرُ فازَ أوِ اسْمُ الفَوْزِ ويُرادُ بِها الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كالفَلاحِ وبِهِ فَسَّرَها السُّدِّيُّ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ مُفِيدَةٌ لِمُقارَنَةِ تَنْجِيَتِهِمْ مِنَ العَذابِ لِنَيْلِ الثَّوابِ أيْ يُنْجِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مِن جَهَنَّمَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ لِتَقْواهم مِمّا اتَّصَفَ المُتَكَبِّرُونَ بِهِ مُلْتَبِسِينَ بِفَلاحِهِمْ وظَفَرِهِمْ بِالبُغْيَةِ وهي الجَنَّةُ، ومَآلُهُ يُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، وكَوْنُ الجَنَّةِ بُغْيَةَ المُتَّقِي كائِنًا مَن كانَ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ.
نَعَمْ هي بُغْيَةٌ لِبَعْضِ المُتَّقِينَ مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلُّ رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِمُ الَّتِي هي غايَةُ مَطْلُوبِهِمْ ولَكَ أنْ تُعَمِّمَ البُغْيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا إمّا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِ ﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ مُفِيدَةً لِكَوْنِهِمْ مَعَ التَّنْجِيَةِ أوِ الفَوْزِ مَنفِيًّا عَنْهم عَلى الدَّوامِ مِساسَ جِنْسِ السُّوءِ والحُزْنِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الحالَ مُقَدَّرَةٌ، وقِيلَ: إنَّها مُقارَنَةٌ مُفِيدَةٌ لِكَوْنِ تَنْجِيَتِهِمْ أوْ مَفازَتِهِمْ بِالجَنَّةِ غَيْرَ مَسْبُوقَةٍ بِمِساسِ العَذابِ والحُزْنِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَسَنّى بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ المُتَّقِينَ إذْ مِنهم مَن يَمَسُّهُ العَذابُ ويَحْزَنُ لا مَحالَةَ، وعَدَّ وُجُودَ ذَلِكَ لِقِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ كَلا وُجُودَ تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَفازَةِ الفَلاحُ ويُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( لا يَمَسُّهُمُ ) ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافًا لِبَيانِها كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَفازَتُهم ؟
فَقِيلَ: لا يَمَسُّهم..
إلَخْ.
.
والباءُ حِينَئِذٍ عَلى ما في الكَشْفِ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُنَجِّي أيْ يُنْجِيهِمْ بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ في جَعْلِ عَدَمِ الحُزْنِ وعَدَمِ السُّوءِ سَبَبَ النَّجاةِ تَكَلُّفًا فَهُما مِنَ النَّجاةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَتِ الباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا لِلْمُلابَسَةِ لا يَرُدُّ ذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ المَفازَةِ اسْمَ مَكانٍ أيْ مَحَلُّ الفَوْزِ، وفَسُّرَتْ بِالمَنجاةِ مَكانَ النَّجاةِ، وصَحَّ ذَلِكَ لِأنَّ النَّجاةَ فَوْزٌ وفَلاحٌ، وجُعِلَتِ الباءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ وهُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ باءِ السَّبَبِيَّةِ وإنَّ المَنجاةَ لا تَصْلُحُ سَبَبًا أيْ يُنْجِيهِمْ بِسَبَبِ مَنجاتِهِمْ وهو الإيمانُ، وهو كالتَّصْرِيحِ بِما اقْتَضاهُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِالمَوْصُولِ السّابِقِ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَوّاهُ بِما حَكاهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِيُتِمَّ مَذْهَبَهُ أوْ لا مُضافَ بَلْ هُناكَ مَجازٌ بِتِلْكَ القَرِينَةِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في هَذا الوَجْهِ حالٌ ولا يَخْفى أنَّ المَفازَةَ بِمَعْنى المَنجاةِ مَكانَ النَّجاةِ هي الجَنَّةُ والإيمانُ أوِ العَمَلُ الصّالِحُ لَيْسَ سَبَبًا لَها نَفْسَها وإنَّما هو سَبَبُ دُخُولِها فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِهِ فَلا تَغْفُلْ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ المَفازَةُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا مِن فازَ مِنهُ أيْ نَجا مِنهُ يُقالُ: طُوبى لِمَن فازَ بِالثَّوابِ وفازَ مِنَ العِقابِ أيْ ظَفَرَ بِهِ ونَجا، والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلْمَفازَةِ أيْ يُنْجِيهِمُ اللَّهُ تَعالى مُلْتَبِسِينَ بِنَجاتِهِمُ الخاصَّةِ لَهم أيْ بِنَفْيِ السُّوءِ والحُزْنِ عَنْهم، ولا يَخْفى رَكاكَةُ هَذا المَعْنى، وإمّا لِلسَّبَبِيَّةِ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوِ التَّجَوُّزِ نَظِيرَ ما مَرَّ آنِفًا، ولا يَحْتاجُ هُنا إلى اعْتِبارِ الدُّخُولِ كَما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا.
وجُوِّزَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ تَعَلُّقُ ﴿ بِمَفازَتِهِمْ ﴾ بِما بَعْدَهُ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وبِالجُمْلَةِ الِاحْتِمالاتُ العَقْلِيَّةُ في الآيَةِ كَثِيرَةٌ لِأنَّ المَفازَةَ إمّا اسْمُ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ مِن فازَ بِهِ ظَفَرَ أوْ مِن فازَ مِنهُ نَجا والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلِاسْتِعانَةِ، وهي إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها أوْ بِما بَعْدَها وهَذِهِ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ احْتِمالًا وإذا ضَمَمْتَ إلَيْها احْتِمالَ حَذْفِ المُضافِ في بِمَفازَتِهِمْ بِمَعْنى مَنجاتِهِمْ أوْ نَجاتِهِمْ واحْتِمالَ التَّجَوُّزِ فِيهِ كَذَلِكَ وكَذا احْتِمالَ كَوْنِ جُمْلَةِ لا ( يَمَسُّهُمُ ) ..
إلَخْ.
حالًا مِنَ المَوْصُولِ واحْتِمالَ كَوْنِها حالًا مِن ضَمِيرِ - مَفازَتِهِمْ - واحْتِمالَ كَوْنِ الحالِ مُقَدَّرَةً وكَوْنَها مُقارَنَةً زادَتْ كَثِيرًا، ولا يَخْفى أنَّ فِيها المَقْبُولَ ودُونَهُ بَلْ فِيها ما لا يَتَسَنّى أصْلًا فَأمْعِنِ النَّظَرَ ولا تَجْمُدْ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْرَجُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ «بِمَفازاتِهِمْ» جَمْعًا لِتَكُونَ عَلى طِبْقِ المُضافِ إلَيْهِ في الدَّلالَةِ عَلى التَّعَدُّدِ صَرِيحًا <div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإيمانٍ وكُفْرٍ لَكِنْ لا بِالجَبْرِ بَلْ بِمُباشَرَةِ المُتَّصِفِ بِهِما لِأسْبابِهِما فالآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ رَدًّا ظاهِرًا ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وكَأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ وأنَّ المَنافِعَ والمَضارَّ راجِعَةٌ إلى العِبادِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَعْنى أنَّهُ تَعالى حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ كَما قِيلَ نَحْوَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) [الأنْعامَ: 107، الزُّمَرَ: 41، الشُّورى: 6] وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى يَتَوَلّى حِفْظَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ خَلْقِهِ فَيَكُونُ إشارَةً إلى احْتِياجِ الأشْياءِ إلَيْهِ تَعالى في بَقائِها كَما أنَّها مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ في وُجُودِها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مَفاتِيحُها كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم فَقِيلَ هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقِيلَ: جَمْعُ مِقْلِيدٍ وقِيلَ: جَمْعُ مِقْلادٍ مِنَ التَّقْلِيدِ بِمَعْنى الإلْزامِ ومِنهُ تَقْلِيدُ القَضاءِ وهو إلْزامُهُ النَّظَرَ في أُمُورِهِ، وكَذا القِلادَةُ لِلُزُومِها لِلْعُنُقِ، وجُعِلَ اسْمًا لِلْآلَةِ المَعْرُوفَةِ لِلْإلْزامِ بِمَعْنى الحِفْظِ وهو عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ عَرَبِيٌّ والأشْهَرُ الأظْهَرُ كَوْنُهُ مُعَرَّبًا فَهو جَمْعُ إقْلِيدٍ مُعَرَّبُ إكْلِيدٍ وهو جَمْعٌ شاذٌّ لِأنَّ جَمْعَ إفْعِيلٍ عَلى مَفاعِيلَ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وجاءَ أقالِيدُ عَلى القِياسِ ويُقالُ: في إكْلِيدٍ كِلِيدٍ بِلا هَمْزَةٍ، وذَكَرَ الشِّهابُ أنَّهُ بِلُغَةِ الرُّومِ أقْلِيدِسُ وكَلِيدُ وأكْلِيدُ مِنهُ، والمَشْهُورُ أنَّ كَلِيدُ فارِسِيٌّ ولَمْ يَشْتَهِرْ في الفارِسِيَّةِ إكْلِيدُ بِالهَمْزِ، ولَهُ مَقالِيدُ كَذا قِيلَ: مَجازٌ عَنْ كَوْنِهِ مالِكَ أمْرِهِ ومُتَصَرِّفًا فِيهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، ويُكَنّى بِهِ عَنْ مَعْنى القُدْرَةِ والحِفْظِ، وجُوِّزَ كَوْنُ المَعْنى الأوَّلِ كِنائِيًّا لَكِنْ قَدِ اشْتُهِرَ فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ المَدْلُولِ الحَقِيقِيِّ فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ المَعْنى الآخَرِ فَيَكُونُ هُناكَ كِنايَةٌ عَلى كِنايَةٍ وقَدْ يُقْتَصَرُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ في الإرادَةِ وعَلَيْهِ قِيلَ هُنا المَعْنى لا يَمْلِكُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.
والبَيْضاوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ قالَ: هو كِنايَةٌ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعالى وحِفْظِهِ لَها وفِيهِ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى الِاسْتِقْلالِ والِاسْتِبْدادِ لِمَكانِ اللّامِ والتَّقْدِيمِ، وقالَ الرّاغِبُ: مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ما يُحِيطُ بِها، وقِيلَ: خَزائِنُها، وقِيلَ: مَفاتِيحُها، والإشارَةُ بِكُلِّها إلى المَعْنى واحِدٌ وهو قُدْرَتُهُ تَعالى عَلَيْها وحِفْظُهُ لَها.
انْتَهى.
.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في خَزائِنِ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ ما أوْدَعَ فِيها واسْتَعَدَّتْ لَهُ مِنَ المَنافِعِ غَيْرُهُ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إنْ كانَتْ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ ﴾ عَلى المَعْنى الأوَّلِ فالأظْهَرُ الِاقْتِصارُ في مَعْناها عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ أيِ العالَمَ بِأسْرِهِ غَيْرُهُ تَعالى فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو تَعالى يَتَوَلّى التَّصَرُّفَ في كُلِّ شَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَمْلِكُ أمْرَهُ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانَتْ تَعْلِيلًا لَهُ عَلى المَعْنى الثّانِي فالأظْهَرُ الِاقْتِصارُ في مَعْناها عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلَيْها لِأحَدٍ غَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هو تَعالى يَتَوَلّى حِفْظَ كُلِّ شَيْءٍ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ غَيْرُهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها وأنْ تَكُونَ صِفَةً ( وكِيلٌ ) وأنْ تَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ فَأمْعِنِ النَّظَرَ في ذَلِكَ وتَدَبَّرْ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى ويُوسُفُ القاضِي في سُنَنِهِ، وأبُو الحَسَنِ القَطّانُ في المُطَوَّلاتِ، وابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»» الحَدِيثَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُثْمانَ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ مَقالِيدِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ بِيَدِهِ الخَيْرُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يا عُثْمانُ مَن قالَها إذا أصْبَحَ عَشْرَ مَرّاتٍ وإذا أمْسى أعْطاهُ اللَّهُ سِتَّ خِصالٍ.
أمّا أُولَهُنَّ فَيُحْرَسُ مِن إبْلِيسَ وجُنُودِهِ.
وأمّا الثّانِيَةُ فَيُعْطى قِنْطارًا مِنَ الأجْرِ وأمّا الثّالِثَةُ فَيَتَزَوَّجُ مِنَ الحُورِ العِينِ.
وأمّا الرّابِعَةُ فَيُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ.
وأمّا الخامِسَةُ فَيَكُونُ مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأمّا السّادِسَةُ فَيَحْضُرُهُ اثْنا عَشَرَ مَلَكًا عِنْدَ مَوْتِهِ يُبَشِّرُونَهُ بِالجَنَّةِ ويَزُفُّونَهُ مِن قَبْرِهِ إلى المَوْقِفِ فَإنْ أصابَهُ شَيْءٌ مِن أهاوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ قالُوا لَهُ لا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ثُمَّ يُحاسِبُهُ اللَّهُ حِسابًا يَسِيرًا ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إلى الجَنَّةِ فَيَزُفُّونَهُ إلى الجَنَّةِ مِن مَوْقِفِهِ كَما تُزَفُّ العَرُوسُ حَتّى يُدْخِلُوهُ الجَنَّةَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى والنّاسُ في شِدَّةِ الحِسابِ».
وفِي رِوايَةِ العُقَيْلِيِّ والبَيْهَقِيِّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ عُثْمانَ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِ ( ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ تَفْسِيرَها لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ وسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ بِيَدِهِ الخَيْرُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
وفِي رِوايَةِ الحَرْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ.
وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««هِيَ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»» وبِالجُمْلَةِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في الجَوابِ، وقِيلَ في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّهُ ضَعِيفٌ في سَنَدِهِ مَن لا تَصْلُحُ رِوايَتُهُ، وابْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ ولَمْ يُسَلِّمْ لَهُ وحالُ الأخْبارِ الأُخَرِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ والظَّنُّ الضَّعْفُ.
والمَعْنى عَلَيْها أنَّ لِلَّهِ تَعالى هَذِهِ الكَلِماتِ يُوَحَّدُ بِها سُبْحانَهُ ويُمَجَّدُ وهي مَفاتِيحُ خَيْرِ السَّماواتِ والأرْضِ مَن تَكَلَّمَ بِها مِنَ المُؤْمِنِينَ أصابَهُ، فَوَجْهُ إطْلاقِ المَقالِيدِ عَلَيْها أنَّها مُوَصِّلَةٌ إلى الخَيْرِ كَما تُوَصِّلُ المَفاتِيحُ إلى ما في الخَزائِنِ، وقَدْ ذَكَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَدَّ في الحَدِيثِ قَبْلَهُ عَشْرَ خِصالٍ لِمَن قالَها كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وهو بِتَمامِهِ في الدُّرِّ المَنثُورِ.
﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ..
إلَخْ.
أيْ إنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ والَّذِينَ كَفَرُوا وجَحَدُوا ذَلِكَ أُولَئِكَ هُمُ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ فِيهِ.
وقِيلَ: عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فالَّذِينَ اتَّقَوْا أوْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِ اللَّهِ هُمُ الفائِزُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا..
إلَخْ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُنَجِّي اللَّهُ ﴾ ..
إلَخْ.
فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ويُنَجِّي اللَّهُ المُتَّقِينَ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُهَيْمِنٌ عَلى العِبادِ ( مُطَّلِع ) عَلى أفْعالِهِمْ مُجازٍ عَلَيْها، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحِهِمْ وعِقابِ الكَفَرَةِ وخُسْرانِهِمْ ولَمْ يَقُلْ ويُهْلِكُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِخُسْرانِهِمْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُنَجِّي ﴾ ..
إلَخْ.
لِلْإشْعارِ بِأنَّ العُمْدَةَ في فَوْزِ المُؤْمِنِينَ فَضْلُهُ تَعالى فَلِذا جَعَلَ نَجاتَهم مُسْنَدَةً لَهُ تَعالى حادِثَةً لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ غَيْرَ ثابِتَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاسْتِحْقاقِ والأعْمالِ بِخِلافِ هَلاكِ الكَفَرَةِ فَإنَّهم قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ ولَمْ يُسْنَدْ لَهُ تَعالى ولَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بِالمُضارِعِ أيْضًا، وفي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِالوَعْدِ وتَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ حَيْثُ قِيلَ: ( اَلْخاسِرُونَ ) ولَمْ يَقُلِ الهالِكُونَ أوِ المُعَذَّبُونَ أوْ نَحْوَهُ وهو قَضِيَّةُ الكَرَمِ.
وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مِمّا لا شُبْهَةَ في جَوازِهِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ رَدُّ قَوْلِ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ هَذا الوَجْهَ ضَعِيفٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ وُقُوعُ الفَضْلِ الكَثِيرِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
الثّانِي وُقُوعُ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُما في الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ وهو لا يَجُوزُ، والإمامُ أبُو حَيّانَ مَنَعَ كَوْنَ الفاصِلِ كَثِيرًا.
وقالَ في الوَجْهِ الثّانِي: إنَّهُ كَلامُ مَن لَمْ يَتَأمَّلْ كَلامَ العَرَبِ ولا نَظَرَ في أبْوابِ الِاشْتِغالِ.
نَعَمْ قالَ في الكَشْفِ يُؤَيِّدُ الِاتِّصالَ بِما يَلِيهِ دُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُنَجِّي ﴾ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويُنَجِّي اللَّهُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا ﴾ فَلَوْ قِيلَ بَعْدَهُ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ لَمْ يَحْسُنْ لِأنَّ الأحْسَنَ عَلى هَذا المَساقِ أنْ يُقَدَّمَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُنَجِّي اللَّهُ ﴾ عَلى ما لا يَخْفى ولِأنَّهُ كالتَّخَلُّصِ إلى ما بَعْدَهُ مِن حَدِيثِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ والإخْلاصِ إذْ ذاكَ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ثُمَّ الحَصْرُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ وضَمِيرُ الفَصْلِ بِاعْتِبارِ الكَمالِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ لا بِاعْتِبارِ مُطْلَقِ الخُسْرانِ فَإنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِهِمْ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَصْرَ قَلْبٍ فَإنَّهم يَزْعُمُونَ المُؤْمِنِينَ خاسِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ ﴾ أيْ أبَعْدَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ لِعِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ غَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ، فَغَيْرُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِأعْبُدَ ( وتَأْمُرُونِّي ) اعْتِراضٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أمَرُوهُ بِهِ عَقِيبَ ذَلِكَ وقالُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا ونُؤْمِن بِإلَهِكَ لِفَرْطِ غَباوَتِهِمْ ولِذا نُودُوا بِعُنْوانِ الجَهْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( أعْبُدُ ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ - لِتَأْمُرُونِّي - عَلى أنَّ الأصْلَ تَأْمُرُونِّي أنْ أعْبُدَ فَحُذِفَتْ أنْ وارْتَفَعَ الفِعْلُ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغى ويُؤَيِّدُ قِراءَةَ مَن قَرَأ «أعْبُدَ» بِالنَّصْبِ، و«غَيْرَ» مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ﴾ أيْ تُعَبِّدُونَنِي غَيْرَ اللَّهِ أيْ أتُصِيرُونَنِي عابِدًا غَيْرَهُ تَعالى، ولا يَصِحُّ نَصْبُهُ بِأعْبُدَ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها والمُقَدَّرُ كالمَوْجُودِ، وقالَ بَعْضُهم: هو مَنصُوبٌ بِهِ وأنْ بَعْدَ الحَذْفِ يَبْطُلُ حُكْمُها المانِعُ عَنِ العَمَلِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ ( تَأْمُرُونِّي ) بِالإدْغامِ وفَتْحِ الياءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «تَأْمُرُونَنِي» بِإظْهارِ النُّونَيْنِ عَلى الأصْلِ، ونافِعٌ «تَأْمُرُونِيَ» بِنُونٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ وفَتْحِ الياءِ، وفي تَعْيِينِ المَحْذُوفِ مِنَ النُّونَيْنِ خِلافٌ فَقِيلَ: الثّانِيَةُ لِأنَّها الَّتِي حَصَلَ بِها التَّكْرارُ، وقِيلَ: الأُولى لِأنَّها حَرْفُ إعْرابٍ عُرْضَةٌ لِلتَّغْيِيرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ﴾ أيْ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ ﴾ أيْ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا ما ﴿ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ( لَئِنْ ) ..
إلَخْ.
نائِبُ فاعِلٍ ( أُوحِيَ ) لَكِنْ قِيلَ في الكَلامِ حَذْفٌ والأصْلُ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ..
إلَخْ، وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ مِثْلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، وإفْرادُ الخِطابِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرْسَلِينَ المُوحى إلَيْهِمْ فَإنَّهُ أوْحى لِكُلٍّ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ ﴾ ..
إلَخْ.
بِالإفْرادِ، وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ الجُمَلَ لا تَكُونُ فاعِلَةً فَلا تَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ، فَفي البَحْرِ أنَّ ( إلَيْكَ ) حِينَئِذٍ نائِبُ الفاعِلِ، والمَعْنى كَما قالَ مُقاتِلٌ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ بِالتَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ ﴾ ..
إلَخْ.
اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً وهو كَما تَرى، وأيًّا ما كانَ فَهو كَلامٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لِتَهْيِيجِ المُخاطَبِ المَعْصُومِ وإقْناطِ الكَفَرَةِ والإيذانِ بِغايَةِ شَناعَةِ الإشْراكِ وقُبْحِهِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يَكادُ يُباشِرُهُ فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ صُدُورِ الكَبائِرِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في المَواقِفِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فاحْتِمالُ الوُقُوعِ فَرْضًا كافٍ في الشَّرْطِيَّةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ اسْتِحالَةَ الوُقُوعِ شَرْعِيَّةٌ، ولاما ( لَقَدْ ولَئِنْ ) .
مُوَطِّئَتانِ لِلْقَسَمِ واللّامانِ بَعْدُ لِلْجَوابِ، وفي عَدَمِ تَقْيِيدِ الإحْباطِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الإشْراكِ إلى المَوْتِ دَلِيلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ الذّاهِبِينَ إلى أنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الأعْمالَ الَّتِي قَبْلَها مُطْلَقًا.
نَعَمْ قالُوا: لا يَقْضِي مِنها بَعْدَ الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ إلّا الحَجَّ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّ الرِّدَّةَ لا تُحْبِطُ العَمَلَ السّابِقَ عَلَيْها ما لَمْ يَسْتَمِرَّ المُرْتَدُّ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ، وتُرِكَ التَّقْيِيدُ هُنا اعْتِمادًا عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ.
وأجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنَّ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ تَوْزِيعًا ﴿ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ ﴾ ناظِرْ إلى الِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ ﴿ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ ..
إلَخْ.
ناظِرْ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَلا مُقَيَّدَ لِيُحْمَلَ المُطْلَقُ عَلَيْهِ، ومِن هَذا الخِلافِ نَشَأ الخِلافُ في الصَّحابِيِّ إذا ارْتَدَّ ثُمَّ عادَ إلى الإسْلامِ بَعْدَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ قَبْلَها ولَمْ يَرَهُ هَلْ يُقالُ لَهُ: صَحابِيٌّ أمْ لا، فَمَن ذَهَبَ إلى الإطْلاقِ قالَ لا ومَن ذَهَبَ إلى التَّقْيِيدِ قالَ: نَعَمْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإحْباطُ مُطْلَقًا مِن خَصائِصِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ شِرْكُهُ وحاشاهُ أقْبَحُ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِأنَّ الغَرَضَ تَحْذِيرُ أُمَّتِهِ وتَصْوِيرُ فَظاعَةِ الكُفْرِ فَتَقْدِيرُ أمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ لا يَتَعَدّى مِنَ النَّبِيِّ إلى الأُمَّةِ لا اتِّجاهَ لَهُ مَعَ أنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن نَقْلٍ أوْ عَقْلٍ، والمُرادُ بِالخُسْرانِ عَلى مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ ما لَزِمَ مِن حَبَطِ العَمَلِ فَكانَ الظّاهِرُ - فَتَكُونُ - إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الإحْباطِ والخُسْرانِ يَسْتَقِلُّ في الزَّجْرِ عَنِ الإشْراكِ، وقِيلَ: الخُلُودُ في النّارِ فَيَلْزَمُ التَّقْيِيدُ بِالمَوْتِ كَما هو عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
وقُرِئَ «لَيُحْبِطَنَّ» مِن أحْبَطَ «عَمَلَكَ» بِالنَّصْبِ أيْ لَيُحْبِطَنَّ اللَّهُ تَعالى أوِ الإشْراكُ عَمَلَكَ، وقُرِئَ بِالنُّونِ ونَصْبِ «عَمَلَكَ» أيْضًا <div class="verse-tafsir"
﴿ بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ ﴾ رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ مِنَ اسْتِلامِ بَعْضِ آلِهَتِهِمْ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ عابِدًا أوْ عاقِلًا فاعْبُدِ اللَّهَ فَحُذِفَ الشَّرْطُ وجُعِلَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عِوَضًا عَنْهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَلَفُهُ في كَوْنِها جَزائِيَّةَ الزَّجّاجِ، وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيمِ عِوَضًا عَنِ الشَّرْطِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّ الفاءَ زائِدَةٌ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ والِاسْمُ الجَلِيلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ اللَّهَ أعْبُدُ فاعْبُدْهُ وقُدِّرَ مُؤَخَّرًا لِيُفِيدَ الحَصْرَ.
وفِي الِانْتِصافِ مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأصْلَ تَنَبَّهْ فاعْبُدِ اللَّهَ فَخَذَفُوا الفِعْلَ الأوَّلَ اخْتِصارًا واسْتَنْكَرُوا الِابْتِداءَ بِالفاءِ ومِن شَأْنِها التَّوَسُّطُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَقَدَّمُوا المَفْعُولَ فَصارَتِ الفاءُ مُتَوَسِّطَةً لَفْظًا ودالَّةً عَلى المَحْذُوفِ وانْضافَ إلَيْها فائِدَةُ الحُصْرِ لِإشْعارِ التَّقْدِيمِ بِالِاخْتِصاصِ، واعْتِبارُ الِاخْتِصاصِ قِيلَ: مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِيما أمَرُوهُ بِهِ لَوْلاهُ فَإنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَرْكَ عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلِ اسْتِلامَ آلِهَتِهِمْ والشَّرَكَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ الشِّرْكِ كَلا عِبادَةَ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أغْنى الشُّرَكاءِ فَمَن أشْرَكَ في عَمَلِهِ أحَدًا مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ فَعَمَلُهُ لِمَن أشْرَكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ، وقَرَأ عِيسى «بَلِ اللَّهُ» بِالرَّفْعِ ﴿ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكَ الَّذِي يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مُوجَبِ الِاخْتِصاصِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أيْ ما عَظَّمُوهُ جَلَّ جَلالُهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ تَعالى وطَلَبُوا مِن نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِبادَةَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ قالَهُ الحَسَنُ.
والسُّدِّيُّ، وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عَظِيمُ القَدْرِ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ جَلالَتَهُ، وأصْلُ القَدْرِ اخْتِصاصُ الشَّيْءِ بِعِظَمٍ أوْ صِغَرٍ أوْ مُساواةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: أيْ ما عَرَفُوا كُنْهَهُ عَزَّ وجَلَّ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ تَعالى أيْ حَقِيقَتِهِ سُبْحانَهُ لا يَخُصُّ هَؤُلاءِ لِتَعَذُّرِ الوُقُوفِ عَلى الحَقِيقَةِ، ومِن هُنا: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكُ والبَحْثُ عَنْ كُنْهِ ذاتِ اللَّهِ إشْراكُ ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ، وما ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالعِنايَةِ.
نَعَمْ أوْلى مِنهُ ما قِيلَ: أيْ ما عَرَفُوهُ كَما يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ما قَدَّرُوا في أنْفُسِهِمْ وما تَصَوَّرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ حَقَّ التَّصَوُّرِ فَلَمْ يُعَظِّمُوهُ كَما هو حَقُّهُ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِشُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ مِنَ الشَّرِكَةِ ونَحْوِها، وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ ( إنَّ ) فِيهِ تَجْهِيلُهم في الإشْراكِ ودُعائِهِمْ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى ما وصَفُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ صِفَتِهِ إذْ جَحَدُوا البَعْثَ ووَصَفُوهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ خالِقُ الخَلْقِ عَبَثًا وأنَّهُ سُبْحانَهُ عاجِزٌ عَنِ الإعادَةِ والبَعْثِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ لِلتَّمْهِيدِ لِأمْرِ النَّفْخِ في الصُّورِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وجاءُوا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ فَنَزَلَتْ.
وقَرَأ الأعْمَشُ حَقَّ «قَدَرِهِ» بِفَتْحِ الدّالِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وأبُو نَوْفَلٍ وأبُو حَيْوَةَ ( وما قَدَرُوا ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ «( حُقُّ ) قَدَرِهِ» بِفَتْحِ الدّالِ ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ ( وجَمِيعًا ) حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ أوْ مِن مُقَدَّرٍ كَأثْبَتِها جَمِيعًا كَما قِيلَ، وهو جارٍ مَجْرى الحالِ المُؤَكِّدَةِ في أنَّ العامِلَ مُنْتَزَعٌ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وفي التَّقْرِيبِ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى مَقْبُوضَةٍ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ أوَّلَ الأمْرِ أنَّ الخَبَرَ الَّذِي يَرِدُ لا يَقَعُ عَنْ أرْضٍ واحِدَةٍ أوْ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ولَكِنْ عَنِ الأرَضِينَ كُلِّها أوْ عَنْ جَمِيعِ أبْعاضِها.
وجازَ هَذا التَّقْدِيمُ لِأنَّ المَصْدَرَ لَمْ يَعْمَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَصْدَرًا بَلْ لِكَوْنِهِ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: العامِلُ في الحالِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَبْضَتُهُ لا هي، وهو كَما تَرى، ( ويَوْمَ اَلْقِيامَةِ ) مَعْمُولُ ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ وهي في الأصْلِ المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ وتُطْلَقُ عَلى المِقْدارِ المَقْبُوضِ كالقَبْضَةِ بِضَمِّ القافِ وجُعِلَتْ صِفَةً مُشَبَّهَةً حِينَئِذٍ، وجُوِّزَ كُلٌّ مِن إرادَةِ المَقْبُوضَةِ والمَعْنى المَصْدَرِيِّ هُنا، والكَلامُ عَلى الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَواتُ قَبْضَتِهِ أيْ يَقْبِضُهُنَّ سُبْحانَهُ قَبْضَةً واحِدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ «قَبْضَتَهُ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ مُشَبَّهٌ بِالمُبْهَمِ ولِذا لَمْ يُصَرَّحْ بِفي مَعَهُ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ النَّصْبَ في مِثْلِ خَطَأٍ غَيْرِ جائِزٍ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِفي.
وقَرَأ عِيسى والجَحْدَرِيُّ «مَطْوِيّاتٍ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ «السَّماواتِ» عَطْفٌ عَلى «الأرْضِ» مُشارَكَةً لَها في الحُكْمِ أيْ والسَّماواتُ قَبْضَتُهُ، و«مَطْوِيّاتٍ» حالٌ مِنَ «السَّماواتِ» عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ أوْ مِن ضَمِيرِها المُسْتَتِرِ في ( قَبْضَتِهِ ) عَلى أنَّها بِمَعْنى مَقْبُوضَتِهِ أوْ مِن ضَمِيرِها مَحْذُوفًا أيْ أُثْبِتُها مَطْوِيّاتٍ، ( وبِيَمِينِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَطْوِيّاتٍ أوْ عَلى أنَّ ( اَلسَّماواتُ ) مُبْتَدَأٌ ( وبِيَمِينِهِ ) الخَبَرُ و«مَطْوِيّاتٍ» حالٌ أيْضًا إمّا مِنَ المُبْتَدَأِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ مِن جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ في مِثْلِ ذَلِكَ.
والكَلامُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الخَلْفِ تَمْثِيلٌ لِحالِ عَظَمَتِهِ تَعالى ونَفاذِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحَقارَةِ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ بِالإضافَةِ إلَيْها بِحالِ مَن يَكُونُ لَهُ قَبْضَةٌ فِيها الأرْضُ جَمِيعًا ويَمِينٌ بِها يَطْوِي السَّماواتِ أوْ بِحالِ مَن يَكُونُ لَهُ قَبْضَةٌ فِيها الأرْضُ والسَّماواتُ ويَمِينٌ بِها يَطْوِي السَّماواتِ مِن غَيْرِ ذَهابٍ بِالقَبْضَةِ ولا بِاليَمِينِ إلى جِهَةٍ حَقِيقَةٍ أوْ مَجازٍ بِالنِّسْبَةِ إلى المُجْرى عَلَيْهِ وهو اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى مَزِيدِ جَلالَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ بِإفادَةِ أنَّ الأرْضَ جَمِيعًا تَحْتَ مِلْكِهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَلا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ تَعالى شَأْنُهُ بِالكُلِّيَّةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ طَيَّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لا يَتَعاصاها شَيْءٌ.
وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ ما يُشْرِكُونَهُ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ أرْضِيًّا كانَ أمْ سَماوِيًّا مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ فالقَبْضَةُ مَجازٌ عَنِ المِلْكِ أوِ التَّصَرُّفِ كَما يُقالُ: بَلَدُ كَذا في قَبْضَةِ فُلانٍ، واليَمِينُ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ التّامَّةِ، وقِيلَ: القَبْضَةُ مَجازٌ عَمّا ذَكَرَ ونَحْوَهُ والمُرادُ بِاليَمِينِ القَسَمُ أيْ والسَّماواتُ مَفْنِيّاتٌ بِسَبَبِ قَسَمِهِ تَعالى لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أقْسَمَ أنْ يُفْنِيَها، وهو مِمّا يُهْزَأُ مِنهُ لا مِمّا يُهْتَزُّ اسْتِحْسانًا لَهُ، والسَّلَفُ يَقُولُونَ أيْضًا: إنَّ الكَلامَ تَنْبِيهٌ عَلى مَزِيدِ جَلالَتِهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ ورَمْزٌ إلى أنَّ آلِهَتَهم أرْضِيَّةً أمْ سَماوِيَّةً مَقْهُورَةٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا أنَّهم لا يَقُولُونَ: إنَّ القَبْضَةَ مَجازٌ عَنِ المِلْكِ أوِ التَّصَرُّفِ ولا اليَمِينُ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ بَلْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعالى عَنِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ ويُؤْمِنُونَ بِما نَسَبَهُ إلى ذاتِهِ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ وكَذا يَفْعَلُونَ في الأخْبارِ الوارِدَةِ في هَذا المَقامِ.
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ.
والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنّا نَجَدُ اللَّهَ يَحْمِلُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أُصْبُعٍ والأرَضِينَ عَلى أُصْبُعٍ والشَّجَرَ عَلى أُصْبُعٍ والماءَ والثَّرى عَلى أُصْبُعٍ وسائِرَ الخَلْقِ عَلى أُصْبُعٍ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ الآيَةَ،» والمُتَأوِّلُونَ يَتَأوَّلُونَ الأصابِعَ عَلى الِاقْتِدارِ وعَدَمِ الكُلْفَةِ كَما في قَوْلِ القائِلِ: أقْتُلُ زَيْدًا بِأُصْبُعِي، ويُبْعِدُ ذَلِكَ ظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّادٍ قالَ: «مَرَّ يَهُودِيٌّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو جالِسٌ قالَ: كَيْفَ تَقُولُ يا أبا القاسِمِ إذا وضَعَ اللَّهُ السَّماواتِ عَلى ذِهِ وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والأرَضِينَ عَلى ذِهِ والجِبالَ عَلى ذِهِ وسائِرَ الخَلْقِ عَلى ذِهِ ؟
كُلُّ ذَلِكَ يُشِيرُ بِأصابِعِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ » وجَعَلَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ الإشارَةَ إعانَةً عَلى التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ رَدًّا لِلْيَهُودِيِّ حَيْثُ شَبَّهَ وذَهَبَ إلى التَّجْسِيمِ وأنَّ ضَحِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَحْكِيَّ في الخَبَرِ السّابِقِ كانَ لِلرَّدِّ أيْضًا وأنَّ «تَصْدِيقًا لَهُ» في الخَبَرِ مِن كَلامِ الرّاوِي عَلى ما فَهِمَ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وجَعَلُوا أيْضًا مِن بابِ الإعانَةِ عَلى التَّمْثِيلِ وتَخْيِيلِ العَظَمَةِ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ذاتَ يَوْمٍ عَلى المِنبَرِ ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ ورَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ هَكَذا بِيَدِهِ ويُحَرِّكُها يُقَبِّلُ بِها ويُدَبِّرُ يُمَجِّدُ الرَّبَّ نَفْسَهُ أنا الجَبّارُ أنا المُتَكَبِّرُ أنا المَلِكُ أنا العَزِيزُ أنا الكَرِيمُ فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ المِنبَرُ حَتّى قُلْنا لَيَخِرَّنَّ بِهِ»» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُقْسِمٍ أنَّهُ نَظَرَ إلى ابْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ قالَ: يَأْخُذُ اللَّهُ تَعالى سَماواتِهِ وأرَضِيَهُ بِيَدَيْهِ ويَقُولُ: أنا اللَّهُ ويَقْبِضُ أصابِعَهُ ويَبْسُطُها أنا المَلِكُ»».
وفِي شَرْحِ الصَّحِيحِ لِلْإمامِ النَّوَوِيِّ نَقْلًا عَنِ المازِرِيِّ أنَّ قَبْضَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصابِعَهُ وبَسْطَها تَمْثِيلٌ لِقَبْضِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وجَمْعِها بَعْدَ بَسْطِها وحِكايَةٌ لِلْمَبْسُوطِ المَقْبُوضِ وهو السَّماواتُ والأرَضُونَ لا إشارَةٌ إلى القَبْضِ والبَسْطِ الَّذِي هو صِفَةٌ لِلْقابِضِ والباسِطِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا تَمْثِيلٌ لِصِفَةِ اللَّهِ تَعالى السَّمْعِيَّةِ المُسَمّاةِ بِاليَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِجارِحَةٍ.
انْتَهى.
ثُمَّ ( إنَّ ) ظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ قَبْضَ الأرْضِ بَعْدَ طَيِّ السَّماواتِ وأنَّهُ بِيَدٍ أُخْرى.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «يَطْوِي اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ الجَبّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ يَطْوِي الأرَضِينَ بِشِمالِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الجَبّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ ؟»» وفي الشَّرْحِ نَقْلًا عَنِ المازِرِيِّ أيْضًا أنَّ إطْلاقَ اليَدَيْنِ لِلَّهِ تَعالى مُتَأوَّلٌ عَلى القُدْرَةِ، وكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِاليَدَيْنِ لِأنَّ أفْعالَنا تَقَعُ بِاليَدَيْنِ فَخُوطِبْنا بِما نَفْهَمُهُ لِيَكُونَ أوْضَحَ وأوْكَدَ في النُّفُوسِ، وذَكَرَ اليَمِينَ والشِّمالَ حَتّى يَتِمَّ التَّأوُّلُ لِأنّا نَتَناوَلُ بِاليَمِينِ ما نُكَرِّمُهُ وبِالشِّمالِ ما دُونَهُ ولِأنَّ اليَمِينَ في حَقِّنا تَقْوى لِما لا تَقْوى لَهُ الشِّمالُ، ومَعْلُومٌ أنَّ السَّماواتِ أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ فَأضافَها إلى اليَمِينِ وأضافَ الأرَضِينَ إلى الشِّمالِ لِيَظْهَرَ التَّقْرِيبُ في الِاسْتِعارَةِ وإنْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُوصَفُ بِأنَّ شَيْئًا أخَفُّ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ ولا أثْقَلُ مِن شَيْءٍ.
انْتَهى.
.
والصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ مَعَ بَقاءِ الإطْلاقِ والتَّنْزِيهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، والأمْرُ عَلَيْهِ سَهْلٌ جِدًّا.
ثُمَّ ( إنَّ ) التَّصَرُّفُ في الأرْضِ والسَّماواتِ يَكُونُ والنّاسُ عَلى الصِّراطِ كَما جاءَ في خَبَرٍ رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا، ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَكْفَؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَكْفَأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ»» والكَلامُ في هَذا الخَبَرِ كالكَلامِ في نَظائِرِهِ، وإيّاكَ مِنَ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ، وكَذا مِن نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى السَّلَفِ ولا تَكُ كالمُعْتَزِلَةِ في التَّحامُلِ عَلَيْهِمْ والوَقِيعَةِ فِيهِمْ، ويَكْفِي دَلِيلًا عَلى جَهْلِ المُعْتَزِلَةِ بِرَبِّهِمْ زَعْمُهم أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَوَّضَ العِبادَ فَهم يَفْعَلُونَ ما لا يَشاءُ ويَشاءُ ما لا يَفْعَلُونَ ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ أيْ أبْعِدْ مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ عَمّا يُشْرِكُونَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ - فَسُبْحانَ - لِلتَّعَجُّبِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ ( عَنْ ) بِالتَّأْوِيلِ بِما ذُكِرَ و( ما ) تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ ﴾ المَشْهُورُ أنَّ النّافِخَ فِيهِ مَلَكٌ واحِدٌ وأنَّهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلَيْهِ.
وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أنَّ النّافِخَ اثْنانِ»، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا أخْبارٌ أُخَرُ، مِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ.
والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««النّافِخانِ في السَّماءِ الثّانِيَةِ رَأْسُ أحَدِهِما بِالمَشْرِقِ ورِجْلاهُ بِالمَغْرِبِ يَنْتَظِرانِ مَتى يُؤْمَرانِ أنْ يَنْفُخا في الصُّورِ فَيَنْفُخا»» وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ وأنَّهُ شاخِصٌ بِبَصَرِهِ أيْ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما طَرَفَ مُنْذُ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى يَنْتَظِرُ حَتّى يُشِيرَ إلَيْهِ فَيُنْفَخَ في الصُّورِ.
والصُّورُ قَرْنٌ عَظِيمٌ فِيهِ ثُقُبٌ بِعَدَدِ كُلِّ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ ونَفْسٍ مَنفُوسَةٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ بَيْضاءَ في صَفاءِ الزُّجاجَةِ بِهِ ثُقُبٌ دَقِيقَةٌ بِعَدَدِ الأرْواحِ وفي وسَطِهِ كُوَّةٌ كاسْتِدارَةِ السَّماءِ والأرْضِ ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ ونُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ.
وأنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ وقالَ: هو جَمْعُ صُورَةٍ كَما في قِراءَةِ قَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ «فِي الصُّوَرِ» بِفَتْحِ الواوِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالفاعِلِ بَلِ الغَرَضُ إفادَةُ هَذا الفِعْلِ مِن أيِّ فاعِلٍ كانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ووَقَعَ النَّفْخُ في الصُّورِ ﴿ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ ماتُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم يُغْشى عَلَيْهِمْ أوَّلًا ثُمَّ يَمُوتُونَ، فَفي الأساسِ صَعِقَ الرَّجُلُ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ مِن هَدَّةٍ أوْ صَوْتٍ شَدِيدٍ يَسْمَعُهُ وصَعِقَ إذا ماتَ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ ذِكْرُ الدَّجّالِ ««ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ إلّا أصْغى لِيتًا ورَفَعَ لِيتًا فَأوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ فَيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النّاسُ»» وقُرِئَ «فَصُعِقَ» بِضَمِّ الصّادِ ﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: جِبْرِيلُ وإسْرافِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: هم وحَمَلَةُ العَرْشِ فَإنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدُ، وفي تَرْتِيبِ مَوْتِهِمُ اضْطِرابٌ مَذْكُورٌ في الدُّرِّ المَنثُورِ، وقِيلَ: رِضْوانُ والحُورُ ومالِكٌ والزَّبانِيَةُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ أيْ يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن سَبَقَ مَوْتُهُ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ماتُوا قالَ في البَحْرِ: وهَذا نَظِيرُ ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ ومِنَ الغَرِيبِ ما حُكِيَ فِيهِ أنَّ المُسْتَثْنى هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُهُ مُتَّصِلًا كانَ الِاسْتِثْناءُ أمْ مُنْقَطِعًا، وقِيلَ: هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَيَأْتِي الكَلامُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
ويُرادُ بِالسَّماواتِ عَلى أكْثَرِ الأقْوالِ جِهَةُ العُلُوِّ وإلّا لَمْ يَتَّصِلِ الِاسْتِثْناءُ فَإنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ مَثَلًا لَيْسُوا في السَّماواتِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ في التَّعْيِينِ خَبَرٌ صَحِيحٌ ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ ﴾ أيْ في الصُّورِ وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ وإلّا لَقِيلَ فِيها ﴿ أُخْرى ﴾ أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ ونُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ كَما صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَلَوْ أُرِيدَ المُطْلَقُ الشّامِلُ لِلْأُخْرى لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِها ها هُنا وجْهٌ، ( وأُخْرى ) تَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ أيْ نَفْخَةٌ أُخْرى، والرَّفْعَ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِنائِبِ الفاعِلِ، وعَلى الأوَّلِ كانَ النّائِبُ عَنْهُ الظَّرْفَ.
وصَحَّ في صَحِيحَيِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ «أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ ماءً مِنَ السَّماءِ».
جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ كالطَّلِّ بِالمُهْمَلَةِ وفي بَعْضِها كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ مِنهُ أجْسادُ النّاسِ وإنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ وهَذا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ولَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ ما هَذِهِ الأرْبَعُونَ.
وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ أنَّها أرْبَعُونَ عامًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ العاصِ قالَ: يُنْفَخُ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الأُولى مِن بابِ إيلِياءَ الشَّرْقِيِّ أوْ قالَ الغَرْبِيُّ والنَّفْخَةُ الثّانِيَةُ مِن بابٍ آخَرَ ﴿ فَإذا هم قِيامٌ ﴾ قائِمُونَ مِن قُبُورِهِمْ ﴿ يَنْظُرُونَ ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ أوْ يَنْتَظِرُونَ ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ، وقِيلَ: يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجِهاتِ نَظَرَ المَبْهُوتِ إذا فاجَأهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ.
وتُعُقِّبُ بِأنَّ قَوْلَهم عِنْدَ قِيامِهِمْ ﴿ مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا ﴾ يَأْباهُ ظاهِرًا نَوْعُ إباءٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قِيامٌ مِنَ القِيامِ مُقابِلَ الحَرَكَةِ أيْ فَإذا هم مُتَوَقِّفُونَ جامِدُونَ في أمْكِنَتِهِمْ لِتَحَيُّرِهِمْ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ ظاهِرٌ في خِلافِهِ لِأنَّ النَّسْلَ الإسْراعُ فِي المَشْيِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «قِيامًا» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ جُمْلَةَ ( يَنْظُرُونَ ) خَبَرُهم «وقِيامًا» حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَنْظُرُونَ ) قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، أوْ مِنَ المُبْتَدَأِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ.
وفي البَحْرِ النَّصْبُ عَلى الحالِ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ الظَّرْفُ الَّذِي هو ( إذا ) الفُجائِيَّةُ وهي حالٌ لا بُدَّ مِنها إذْ هي مَحَطُّ الفائِدَةِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا أيْ فَإذا هم مَبْعُوثُونَ أوْ مَوْجُودُونَ قِيامًا، وإذا نُصِبَ «قِيامًا» عَلى الحالِ فالعامِلُ فِيها ذَلِكَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ إنْ قُلْنا بِهِ وإلّا فالعامِلُ هو العامِلُ في الظَّرْفِ فَإنْ كانَ ( إذا ) ظَرْفَ مَكانٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ فَتَقْدِيرُهُ فَبِالحَضْرَةِ هم قِيامًا، وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّيّاشِيُّ فَتَقْدِيرُهُ فَفي ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ هم أيْ وُجُودُهم، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِهِ هَذا المُضافُ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ، وإنْ كانَتْ ( إذا ) حَرْفًا كَما زَعَمَ الكُوفِيُّونَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ إلّا إنِ اعْتَقَدْنا أنَّ ( يَنْظُرُونَ ) هو الخَبَرُ ويَكُونُ عامِلًا في الحالِ.
انْتَهى.
.
ولَعَمْرِي ( إنَّ ) مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أقَلُّ تَكَلُّفًا، هَذا وها هُنا إشْكالٌ بِناءً عَلى أنَّهم فَسَّرُوا نَفْخَةَ الصَّعْقِ بِالنَّفْخَةِ الأُولى الَّتِي يَمُوتُ بِها مَن بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
فَإنَّهُ قَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِسُوقِ المَدِينَةِ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ قالَ: أتَقُولُ هَذا وفِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٍ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ فَلا أدْرِي أرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى»» وهو يَأْبى تَفْسِيرُ النَّفْخَةِ بِذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ماتَ قَبْلَ تِلْكَ النَّفْخَةِ بِأُلُوفِ سِنِينَ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ كَما قِيلَ في الخَضِرِ وإلْياسَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ حَيٌّ، ويَدُلَّ كَما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: عَلى أنَّها نَفْخَةُ البَعْثِ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صَعْقَةَ فَزَعٍ بَعْدَ النَّشْرِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماواتُ فَتَتَوافَقُ الآياتُ والأحادِيثُ وتَكُونُ النَّفَخاتُ ثَلاثًا وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ.
ورَدَّهُ القُرْطُبِيُّ بِأنَّ أخْذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقائِمَةِ العَرْشِ إنَّما هو عِنْدَ نَفْخَةِ البَعْثِ وادَّعى أنَّ الصَّحِيحَ أنْ لَيْسَ إلّا نَفْخَتانِ لا ثَلاثَ ولا أرْبَعَ كَما قِيلَ.
ثُمَّ قالَ: والَّذِي يُزِيحُ الإشْكالَ ما قالَ بَعْضُ مَشايِخِنا: إنَّ المَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والشُّهَداءِ فَإنَّهم مَوْجُودُونَ أحْياءً وإنْ لَمْ نَرَهم فَإذا نُفِخَتْ نَفْخَةُ الصَّعْقِ صُعِقَ كُلُّ مَن في السَّماءِ والأرْضِ وصَعْقَةُ غَيْرِ الأنْبِياءِ مَوْتٌ وصَعْقَتُهم غَشْيٌ فَإذا كانَتْ نَفْخَةُ البَعْثِ عاشَ مَن ماتَ وأفاقَ مَن غُشِيَ عَلَيْهِ، ولِذا وقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ «فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ» .
انْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّهُ يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِجَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا أوْ إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ أوِ التِزامِ إرادَةِ غَشْيٍ عَلَيْهِمْ وأنَّ مَوْتَ مَن يَمُوتُ بَعْدَ الغَشْيِ مُفادٌ مِن أمْرٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وأشْرَقَتِ الأرْضُ ﴾ أيْ أرْضُ المَحْشَرِ وهي الأرْضُ المُبْدَلَةُ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وفي الصَّحِيحِ «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقْيِ لَيْسَ فِيها عَلَمٌ لِأحَدٍ» وهي أوْسَعُ بِكَثِيرٍ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وفي بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّها يَوْمَئِذٍ مِن فِضَّةٍ» ولا يَصِحُّ، أيْ أضاءَتْ ﴿ بِنُورِ رَبِّها ﴾ هو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نُورٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةِ أجْسامٍ مُضِيئَةٍ كَشَمْسٍ وقَمَرٍ، واخْتارَهُ الإمامُ وجَعَلَ الإضافَةَ مِن بابِ ( ناقَةُ اَللَّهِ ) [الأعْرافَ: 73، هُودَ: 64، الشَّمْسَ: 13] وعَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ تَفْسِيرُهُ بِتَجَلِّي الرَّبِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرُهُ بِالعَدْلِ وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ ولِلْقُرْآنِ والبُرْهانِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ أيْ وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِما يُقِيمُهُ فِيها مِنَ الحَقِّ والعَدْلِ ويَبْسُطُهُ سُبْحانَهُ مِنَ القِسْطِ في الحِسابِ ووَزْنِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، واخْتارَ هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ وصَحَّحَ أوَّلًا تِلْكَ الِاسْتِعارَةَ بِتَكَرُّرِها في القُرْآنِ العَظِيمِ، وحَقَّقَها ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ويُنادِي عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلى اسْمِهِ تَعالى لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ العَدْلُ إشارَةً إلى الصّارِفِ إلى التَّأْوِيلِ، وعَيْنُها ثالِثُها بِإضافَةِ اسْمِهِ تَعالى الرَّبُّ إلى الأرْضِ لِأنَّ العَدْلَ هو الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ الأرْضُ لا البُرْهانُ مَثَلًا، ورابِعًا بِما عَطَفَ عَلى إشْراقِ الأرْضِ مِن وضْعِ الكِتابِ والمَجِيءِ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ والقَضاءِ بِالحَقِّ لِأنَّهُ كُلَّهُ تَفْصِيلُ العَدْلِ بِالحَقِيقَةِ، وأيَّدَها خامِسًا بِالعُرْفِ العامِّ فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لِلْمَلِكِ العادِلِ: أشْرَقَتِ الآفاقُ بَعْدُ لَكَ وأضاءَتِ الدُّنْيا بِقِسْطِكَ، وسادِسًا بِقَوْلِهِ : ««الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»» فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ العَدْلُ نُورًا فِيهِ، وسابِعًا بِأنَّ فَتْحَ الآيَةِ وخَتْمَها بِنَفْيِ الظُّلْمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ عَلى طَرِيقَةِ الطَّرْدِ والعَكْسِ.
ورَجَّحَ ما اخْتارَهُ الإمامُ بِأنَّ الأصْلَ الحَقِيقَةُ ولا صارِفَ لِأنَّ الإضافَةَ تَصِحُّ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وأيَّدَ ما حُكِيَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ بِبَعْضِ الأحادِيثِ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ إضافَةَ المُلابَسَةِ مَجازٌ والتَّرْجِيحُ لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ ولِأنَّهُ الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وأمّا تَجَلِّي الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَسَواءٌ حُمِلَ عَلى تَجَلِّي الجَلالِ أوْ تَجَلِّي الجَمالِ لا يَقْتَضِي إشْراقَ الأرْضِ بِنُورٍ إلّا بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ أعُنِيَ العَدْلَ أوْ عَرَضًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ التَّجَلِّي في الأرْضِ فَلَوْ تُوُهِّمَ مِن تَجَلِّيهِ تَعالى أنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورٌ مِنهُ عَلى الأرْضِ لاسْتَحالَ إلّا بِالتَّفْسِيرِ المَذْكُورِ فَلَيْسَ قَوْلًا ثالِثًا لِيُنْصَرَ ويُؤَيَّدَ بِالحَدِيثِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ الآيَةِ المُشْتَمِلُ عَلى حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ وإلْقاءِ سِتْرِهِ تَعالى عَلى العَبْدِ يُذَكِّرُ ما فَعَلَ بِهِ وما جَنى.
انْتَهى.
ولَعَلَّ الأوْفَقَ بِما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ﴾ إشارَةٌ إلى تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ لِفَصْلِ القَضاءِ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالإتْيانِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ ﴾ ولَمْ يَتَأوَّلْ ذَلِكَ السَّلَفُ بَلْ أثْبَتُوهُ لَهُ سُبْحانَهُ كالنُّزُولِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أثْبَتَهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَفْسِهِ.
ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا النُّورُ هو النُّورُ الوارِدُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ»» ويُقالُ فِيهِ كالحِجابِ نَحْوَ ما قالَ السَّلَفُ في سائِرِ المُتَشابِهاتِ أوْ هو نُورٌ آخَرُ يَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ التَّجَلِّي، ولا أقُولُ: هو نُورٌ مُنْعَكِسٌ مِنَ الذّاتِ المُقَدَّسِ انْعِكاسَ نُورِ الشَّمْسِ مَثَلًا مِنَ الشَّمْسِ بَلِ الأمْرُ فَوْقَ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ العُقُولُ، وأنّى وهَيْهاتَ وكَيْفَ ومَتى يُتَصَوَّرُ إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ الوُصُولِ، ويُومِئُ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّجَلِّيَ مَقْرُونٌ بِالعَدْلِ التَّعْبِيرُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الأرْضِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو الجَوْزاءِ ( أشْرَقَتِ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن شَرِقَتْ بِالضَّوْءِ تَشْرَقُ إذا امْتَلَأتْ بِهِ واغْتَصَّتْ وأشْرَقَها اللَّهُ تَعالى كَما تَقُولُ: مَلَأ الأرْضَ عَدْلًا وطَبَّقَها عَدْلًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إنَّما يَتَرَتَّبُ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى فَهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أشْرَقَ البَيْتُ وأشْرَقَهُ السِّراجُ فَيَكُونُ الفِعْلُ مُجاوِزًا وغَيْرَ مُجاوِزٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الإشْراقُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنقُولًا مِن شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ فَيَصِيرُ مُتَعَدِّيًا والمَعْنى أذْهَبَتْ ظُلْمَةَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ فَإنَّ ذَلِكَ لازِمٌ وهَذا قَدْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ ( ووُضِعَ اَلْكِتابُ ) قالَ السُّدِّيُّ الحِسابُ، فالكِتابُ مَجازٌ عَنِ الحِسابِ ووَضْعُهُ تَرْشِيحٌ لَهُ، والمُرادُ بِهِ الشُّرُوعُ فِيهِ ويَجُوزُ جَعْلُ الكَلامِ تَمْثِيلًا.
وقالَ بَعْضُهم: صَحائِفُ الأعْمالِ وُضِعَتْ بِأيْدِي العُمّالِ فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وُضِعَ لِيُقابَلَ بِهِ الصَّحائِفُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقالَ: لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ﴾ قِيلَ لِيُسْألُوا هَلْ بَلَّغُوا أُمَمَهم ؟
وقِيلَ: لِيَحْضُرُوا حِسابَهم ﴿ والشُّهَداءِ ﴾ قالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الحَفَظَةُ، وكَأنَّهم أرادُوا أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى كُلٍّ مِنَ الأُمَمِ أنَّهم بُلِّغُوا أوْ يَشْهَدُونَ عَلى كُلٍّ بِعَمَلِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ يُؤْتى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ إسْرافِيلَ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ بَلَّغْتُهُ فَيُؤْتى بِإسْرافِيلَ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَكَ اللَّوْحُ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُنُ رَوْعُ اللَّوْحِ ثُمَّ يُقالُ لِإسْرافِيلَ فَأنْتَ هَلْ بَلَّغْتَ جِبْرائِيلَ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيُؤْتى بِجِبْرائِيلَ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَكَ إسْرافِيلُ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُنُ رَوْعُ إسْرافِيلَ ثُمَّ يُقالُ لِجِبْرائِيلَ: فَأنْتَ هَلْ بَلَّغْتَ ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيُؤْتى بِالمُرْسَلِينَ وهم يَرْتَعِدُونَ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم جِبْرائِيلُ ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَسْكُنُ عِنْدَ ذَلِكَ رَوْعُ جِبْرائِيلَ ثُمَّ يُقالُ لَهم: فَأنْتُمْ هَلْ بَلَّغْتُمْ ؟
فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُقالُ لِلْأُمَمِ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ ؟
فَيَقُولُ كَفَرَتُهم: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَيَعْظُمُ عَلى الرُّسُلِ الحالُ ويَشْتَدُّ البِلْبالُ فَيُقالُ لَهم: مَن يَشْهَدُ لَكم ؟
فَيَقُولُونَ: النَّبِيُّ الأُمِّيُّ وأُمَّتُهُ فَيُؤْتى بِالأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَيَشْهَدُونَ لَهم أنَّهم بَلَّغُوا فَيُقالُ لَهم: مِن أيْنَ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ ؟
فَيَقُولُونَ: مِن كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيهِ أنَّ الرُّسُلَ بَلَّغُوا أُمَمَهم ويُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ بِالشُّهَداءِ في الآيَةِ أُمَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ هم عُدُولُ الآخِرَةِ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ وعَلَيْهِمْ، وقِيلَ: جَمِيعُ الشُّهَداءِ مِنَ المَلائِكَةِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والجَوارِحُ والمَكانُ، وأيًّا ما كانَ فالشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِهِمُ المُسْتَشْهَدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو جَمْعُ شَهِيدٍ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ بَيْنَ العِبادِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ بِالعَدْلِ ﴿ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ عَلى ما جَرى بِهِ الوَعْدُ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ حَقِيقَةٌ لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ تَعالى فَإنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ أيْ أُعْطِيَتْ جَزاءَ ذَلِكَ كامِلًا ﴿ وهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ فَلا يَفُوتُهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾ ..
إلَخْ.
تَفْصِيلٌ لِلتَّوْفِيَةِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها، والفاءُ لَيْسَ بِلازِمٍ، والسَّوْقُ يَقْتَضِي الحَثَّ عَلى المَسِيرِ بِعُنْفٍ وإزْعاجٍ وهو الغالِبُ ويُشْعِرُ بِالإهانَةِ وهو المُرادُ هُنا أيْ سِيقُوا إلَيْها بِالعُنْفِ والإهانَةِ أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ مُتَرَتِّبَةً حَسَبَ تَرَتُّبِ طَبَقاتِهِمْ فِي الضَّلالَةِ والشَّرارَةِ، والزُّمَرُ جَمْعُ زُمْرَةٍ قالَ الرّاغِبُ: هي الجَماعَةُ القَلِيلَةُ: ومِنهُ قِيلَ شاةٌ زُمْرَةٌ قَلِيلَةُ الشَّعَرِ ورَجُلٌ زُمْرٌ قَلِيلُ المُرُوءَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الزَّمْرُ، والزَّمّارَةُ كِنايَةً عَنِ الفاجِرَةِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: اشْتِقاقُ الزُّمْرَةِ مِنَ الزَّمْرِ وهو الصَّوْتُ إذِ الجَماعَةُ لا تَخْلُو عَنْهُ ﴿ حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ لِيَدْخُلُوها وكانَتْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ غَيْرَ مَفْتُوحَةٍ فَهي كَسائِرِ أبْوابِ السُّجُونِ لا تَزالُ مُغْلَقَةً حَتّى يَأْتِيَ أصْحابُ الجَرائِمِ الَّذِينَ يُسْجَنُونَ فِيها فَتُفْتَحُ لِيَدْخُلُوها فَإذا دَخَلُوها أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ، ( وحَتّى ) هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمْلَةُ، والكَلامُ عَلى إذا الواقِعَةِ بَعْدَها قَدْ مَرَّ في الأنْعامِ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ «فُتِّحَتْ» بِالتَّشْدِيدِ ﴿ وقالَ لَهم خَزَنَتُها ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ﴿ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم تَفْهَمُونَ ما يُنْبِؤُونَكم بِهِ ويَسْهُلُ عَلَيْكم مُراجَعَتُهم.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «تَأْتِكم» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وقُرِئَ «نُذُرٌ مِنكم» ﴿ يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكُمْ ﴾ المُنَزَّلَةَ لِمَصْلَحَتِكم ﴿ ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ ﴾ هَذا أيْ وقْتَكم هَذا وهو وقْتُ دُخُولِكُمُ النّارَ لِأنَّ المُنْذَرَ بِهِ في الحَقِيقَةِ العَذابُ ووَقْتُهُ، وجُوِّزَ أنَّ يُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ والآخِرَةُ لِاشْتِمالِهِ عَلى هَذا الوَقْتِ أوْ عَلى ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ وأهْوالِهِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُهُ في ذاتِهِ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِهِمْ والإضافَةُ لامِيَّةٌ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ لِأنَّهُ يَكْفِي لِلِاخْتِصاصِ ما ذُكِرَ، نَعَمِ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ الشَّرْعِ لِأنَّهم وبَّخُوهم بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ لِلشَّرائِعِ وإنْذارِهِمْ ولَوْ كانَ قُبْحُ الكُفْرِ مَعْلُومًا بِالعَقْلِ دُونَ الشَّرْعِ لَقِيلَ.
ألَمْ تَعْلَمُوا بِما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيكم مِنَ العَقْلِ قُبْحَ كُفْرِكم، ولا وجْهَ لِتَفْسِيرِ الرُّسُلِ بِالعُقُولِ لِإباءِ الأفْعالِ المُسْتَنِدَةِ إلَيْها عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ هو دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ لِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ وعُمُومِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكِلاهُما مَحَلُّ نِزاعٍ، وقِيلَ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ: إنَّ الخِطابَ لِلدّاخِلِينَ عُمُومًا يَقْتَضِي أنَّهم جَمِيعًا أنْذَرَهُمُ الرُّسُلُ ولَوْ تَحَقَّقَ تَكْلِيفٌ قَبْلَ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ لِلْخَصْمِ أنْ لا يُسَلِّمَ العُمُومَ، ولِمَن قالَ بِوُجُوبِ الإيمانِ عَقْلًا أنْ يَقُولَ: إنَّما وبَّخُوهم بِالكُفْرِ بَعْدَ التَّبْلِيغِ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الِاعْتِذارِ وأحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ والإنْكارِ ﴿ قالُوا بَلى ﴾ قَدْ أتانا رُسُلٌ مِنّا تَلَوْا عَلَيْنا آياتِ رَبِّنا وأنْذَرُونا لِقاءَ يَوْمِنا هَذا ﴿ ولَكِنْ حَقَّتْ ﴾ أيْ وجَبَتْ ﴿ كَلِمَةُ العَذابِ ﴾ أيْ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى المُقْتَضِيَةُ لَهُ ﴿ عَلى الكافِرِينَ ﴾ والمُرادُ بِها الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ وأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ أوْ قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ووَضَعُوا الكافِرِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيماءِ إلى عَلِيَّة الكُفْرِ، والكَلامُ اعْتِرافٌ لا اعْتِذارٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ﴾ أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم فِيها، والقائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَزَنَةَ وتُرِكَ ذِكْرُهم لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهم ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّ المَقْصُودَ ذُكِرُ هَذا المَقُولِ المَهُولِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قائِلِهِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أُبْهِمَ القائِلُ لِتَهْوِيلِ المَقُولِ.
﴿ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ ألْ فِيهِ سَواءٌ كانَتْ حَرْفَ تَعْرِيفٍ أمِ اسْمَ مَوْصُولٍ لِلْجِنْسِ وفاءً بِحَقِّ فاعِلِ بابِ نِعْمَ وبِئْسَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِذِكْرِهِ آنِفًا أيْ فَبِئْسَ مَثْواهم جَهَنَّمُ والتَّعْبِيرُ بِالمَثْوى لِمَكانِ ( خالِدِينَ ) وفي التَّعْبِيرِ بِالمُتَكَبِّرِينَ إيماءٌ إلى أنَّ دُخُولَهُمُ النّارَ لِتَكَبُّرِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لِلرُّسُلِ المُنْذِرِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو في مَعْنى التَّعْلِيلِ بِالكُفْرِ، ولا يُنافِي تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِسَبْقِ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ حُكْمَهُ تَعالى وقَضاءَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ النّارِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ تَكَبُّرِهِمْ وكُفْرِهِمْ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمُ المَعْلُومِ لَهُ سُبْحانَهُ في الأزَلِ، وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ لَأمْلَأنَّ فَهُناكَ سَبَبانِ قَرِيبٌ وبَعِيدٌ والتَّعْلِيلُ بِأحَدِهِما لا يُنافِي التَّعْلِيلَ بِآخَرَ فَتَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا ﴾ جَماعاتٍ مُرَتَّبَةً حَسَبَ تَرَتُّبِ طَبَقاتِهِمْ في الفَضْلِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ «أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم عَلى أشَدِّ نَجْمٍ في السَّماءِ إضاءَةً ثُمَّ هم بَعْدَ ذَلِكَ مَنازِلُ»» والمُرادُ بِالسَّوْقِ هُنا الحَثُّ عَلى المَسِيرِ لِلْإسْراعِ إلى الإكْرامِ بِخِلافِهِ فِيما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ لِإهانَةِ الكَفَرَةِ وتَعْجِيلِهِمْ إلى العِقابِ والآلامِ واخْتِيرَ لِلْمُشاكَلَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلى الجَنَّةِ ﴾ يَدْفَعُ إيهامَ الإهانَةِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّهم لَمّا أحَبُّوا لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهم فَلِذا حُثُّوا عَلى دُخُولِ دارِ كَرامَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ هُنا بِسَوْقِهِمْ سَوْقُ مَراكِبِهِمْ لِأنَّهُ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ، وهَذا السَّوْقُ والحَثُّ أيْضًا لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ وكَوْنُ جَمِيعِ المُتَّقِينَ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ﴾ لا يَتِمُّ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الوَفْدَ لا يَكُونُونَ إلّا رُكْبانًا وأنَّ الرُّكُوبَ يَسْتَمِرُّ لَهم إلى أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ ظاهِرٌ يُؤَيِّدُهُ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ ويُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ السَّوْقَيْنِ بَعْدَ فَصْلِ القَضاءِ واللُّطْفُ الخالِصُ في شَأْنِ البَعْضِ والقَهْرُ الخالِصُ في شَأْنِ البَعْضِ ولا يُنافِي مَقامَ عَظَمَةِ مالِكِ المُلُوكِ عَلى ما تُوُهِّمَ.
انْتَهى.
وأقُولُ: إنَّ حَمْلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَلى المُخْلَصِينَ فالقَوْلُ بِرُكُوبِهِمْ قَوْلٌ قَوِيٌّ وإنْ حُمِلَ عَلى المُحْتَرَزِ عَنِ الشِّرْكِ خاصَّةً لِيَشْمَلَ المُخْلَصِينَ فالقَوْلُ بِذَلِكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ إذْ مِنهم مَن لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ النّارَ ويُعَذَّبَ فِيها، وظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الأخْبارِ أنَّ مِن هَذا الصِّنْفِ مَن يَذْهَبُ إلى الجَنَّةِ مَشْيًا.
فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ فَهو يَمْشِي مَرَّةً ويَكْبُو أُخْرى وتَسْفَعُهُ النّارُ مَرَّةً فَإذا ما جاوَزَها التَفَتَ إلَيْها فَقالَ تَبارَكَ الَّذِي نَجّانِي مِنكِ لَقَدْ أعْطانِي اللَّهُ تَعالى شَيْئًا ما أعْطاهُ أحَدًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ أدْنِنِي مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأسْتَظِلَّ بِظِلِّها فَأشْرَبَ مِن مائِها فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إنْ أعْطَيْتُكَها سَألْتَنِي غَيْرَها فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ ويُعاهِدُهُ أنْ لا يَسْألَهُ غَيْرَها ورَبُّهُ يَعْذُرُهُ لِأنَّهُ يَرى ما لا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ»» الحَدِيثَ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ المُتَّقِينَ يُساقُونَ إلى الجَنَّةِ لِأنَّهم قَدْ رَأوُا اللَّهَ تَعالى في المَحْشَرِ فَلِرَغْبَتِهِمْ في رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ثانِيًا لا يُحِبُّونَ فِراقَ ذَلِكَ المَوْطِنِ الَّذِي رَأوْهُ فِيهِ ولِشِدَّةِ حُبِّهِمْ وشَغَفِهِمْ لا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم أنَّهم سَيَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ، والمَحَبَّةُ إذا عَظُمَتْ فَعَلَتْ بِصاحِبِها أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأعْظَمَ فَكَأنَّها غَلَبَتْهم حَتّى خُيِّلَتْ إلَيْهِمْ أنَّ ذَلِكَ المَوْطِنَ هو المَوْطِنُ الَّذِي يَرى فِيهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مَحَلُّ تَجَلِّيهِ عَلى مُحِبِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ فَأحْجَمُوا عَنِ المَسِيرِ ووَقَفُوا مُنْتَظَرِينَ رُؤْيَةَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ وغَدا لِسانُ حالِ كُلٍّ مِنهم يَقُولُ: وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ ويَدُلُّ عَلى رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ هُناكَ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««إنَّ أُناسًا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ تُضارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ؟
قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: هَلْ تُضارُونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟
قالُوا: لا قالَ: فَإنَّكم تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ فَيَتْبَعُ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ ويَتْبَعُ مَن يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ ويَتْبَعُ مَن يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ الطَّواغِيتَ وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في صُورَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ هَذا مَكانُنا حَتّى يَأْتِيَنا رَبُّنا فَإذا جاءَ رَبُّنا عَرَفْناهُ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيَقُولُونَ: أنْتَ رَبُّنا فَيَتْبَعُونَهُ ويُضْرَبُ الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ فَأكُونُ أنا وأُمَّتِي أوَّلَ مَن يُجِيزُ ولا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلّا الرُّسُلُ ودَعْوى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»» الحَدِيثَ، ومَعَ هَذا فَسَوْقُهم لَيْسَ كَسَوْقِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ: السّائِقُ لِلْكَفَرَةِ مَلائِكَةُ الغَضَبِ والسّائِقُ لِلْمُتَّقِينَ شَوْقُهم إلى مَوْلاهم فَهو سُبْحانَهُ لَهم غايَةَ الإرْبِ، ولَيْسَتِ الجَنَّةُ عِنْدَهم هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ولا مُجَرَّدَ الحُلُولِ بِها أقْصى اللَّذّاتِ وإنَّما هي وسِيلَةٌ لِلِقاءِ مَحْبُوبِهِمُ الَّذِي هو نِهايَةُ مَطْلُوبِهِمْ ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، والواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ أيْ جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ لَهم أبْوابُها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ويُشْعِرُ ذَلِكَ بِتَقَدُّمِ الفَتْحِ كَأنَّ خَزَنَةَ الجَنّاتِ فَتَحُوا أبْوابَها ووَقَفُوا مُنْتَظِرِينَ لَهم، وهَذا كَما تَفْتَحُ الخَدَمُ بابَ المَنزِلِ لِلْمَدْعُوِّ لِلضِّيافَةِ قَبْلَ قُدُومِهِ وتَقِفُ مُنْتَظِرَةً لَهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِرامِ والإكْرامِ ما فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وقالَ لَهم خَزَنَتُها ﴾ ..
إلَخْ.
عَطْفٌ عَلى ( فُتِحَتْ أبْوابُها ) وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ( خالِدِينَ ) لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ الكَراماتِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ العِباراتِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءُوها مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ والآلامِ وهو يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والإنْشاءَ.
﴿ طِبْتُمْ ﴾ أيْ مِن دَنَسِ المَعاصِي، وقِيلَ: طِبْتُمْ نَفْسًا بِما أُتِيحَ لَكم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وهو الأظْهَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ﴿ فادْخُلُوها خالِدِينَ ﴾ أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ كانَ ما كانَ مِمّا يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ أوْ فازُوا بِما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى مِنَ التَّكْرِيمِ والتَّعْظِيمِ، وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ سَعِدُوا بَعْدَ ( خالِدِينَ ) أيْضًا، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ قَبْلَ ( وفُتِحَتْ ) أيْ حَتّى إذا جاءُوها جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ نَحْوَ ما قُلْنا قَبْلَ ( وقالَ ) وجَعَلَ جُمْلَةَ «قالَ»..
إلَخْ.
مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ، وما تَقَدَّمَ أقْوى مَعْنًى وأظْهَرُ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: واوُ ( وفُتِحَتْ ) زائِدَةٌ والجَوابُ جُمْلَةُ ( فُتِحَتْ ) وقِيلَ: الجَوابُ ( قالَ لَهم خَزَنَتُها ) والواوُ زائِدَةٌ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أوَّلًا وبِهِ يُعْلَمُ وجْهُ اخْتِلافِ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى في أهْلِ النّارِ: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ في أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ حَيْثُ جِيءَ بِواوٍ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وحُذِفَ الجَوابُ ولَمْ يُفْعَلْ كَذَلِكَ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَما قِيلَ: إنَّ الواوَ في الثّانِيَةِ واوُ الثَّمانِيَةِ لِأنَّ المُفَتَّحَ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ ولَمّا كانَتْ أبْوابُ النّارِ سَبْعَةً لا ثَمانِيَةً لَمْ يُؤْتَ بِها وجْهٌ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ طِبْتُمْ فادْخُلُوها ﴾ حَيْثُ رَتَّبَ فِيهِ الأمْرَ بِالدُّخُولِ عَلى الطِّيبِ والطَّهارَةِ مِن دَنَسِ المَعاصِي عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا وهو طَيِّبٌ طاهِرٌ مِنَ المَعاصِي إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنها أوْ لِأنَّهُ تابَ عَمّا فَعَلَ تَوْبَةً مَقْبُولَةً في الدُّنْيا.
ورُدَّ بِأنَّهُ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُها إلّا وهو طَيِّبٌ لَكِنْ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ وقَدْ يَكُونُ بِالعَفْوِ عَنْهُ أوِ الشَّفاعَةِ لَهُ أوْ بَعْدَ تَمْحِيصِهِ بِالعَذابِ فَلا مُتَمَسَّكَ فِيها لِلْمُعْتَزِلَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ اتَّقَوُا المُحْتَرِزُونَ عَنِ الشِّرْكِ خاصَّةً فَطِبْتُمْ عَلى مَعْنى طِبْتُمْ عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ ولا خِلافَ في أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الطِّيبِ والطَّهارَةِ عَنْهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذاكَ خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ التَّقْوى في العُرْفِ الغالِبِ تَقَعُ عَلى أخَصِّ مِن ذَلِكَ لا سِيَّما في مَعْرِضِ الإطْلاقِ والمَدْحِ بِما عَقَبَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قالَ ) أوْ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ بَعْدَ ( خالِدِينَ ) أوْ عَلى مُقَدَّرٍ غَيْرِهِ أيْ فَدَخَلُوها وقالُوا: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ ﴾ بِالبَعْثِ والثَّوابِ ﴿ وأوْرَثَنا الأرْضَ ﴾ يُرِيدُونَ المَكانَ الَّذِي اسْتَقَرُّوا فِيهِ فَإنْ كانَتْ أرْضَ الآخِرَةِ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْها تُسَمّى أرْضًا حَقِيقَةً فَذاكَ وإلّا فَإطْلاقُهُمُ الأرْضَ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِأرْضِ الدُّنْيا، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وحُكِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ أرْضُ الدُّنْيا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإيراثُها تَمْلِيكُها مُخَلَّفَةً عَلَيْهِمْ مِن أعْمالِهِمْ أوْ تَمْكِينُهم مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها تَمْكِينَ الوارِثِ فِيما يَرِثُهُ بِناءً عَلى أنَّهُ لا مِلْكَ في الآخِرَةِ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما هو إباحَةُ التَّصَرُّفِ والتَّمْكِينِ مِمّا هو مِلْكُهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: ورِثُوها مِن أهْلِ النّارِ فَإنَّ لِكُلٍّ مِنهم مَكانًا في الجَنَّةِ كُتِبَ لَهُ بِشَرْطِ الإيمانِ.
﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ أيْ يَتَبَوَّأُ كُلٌّ مِنّا في أيِّ مَكانٍ أرادَهُ مِن جَنَّتِهِ الواسِعَةِ لا أنَّ كُلًّا مِنهم يَتَبَوَّأُ في أيِّ مَكانٍ مِن مُطْلَقِ الجَنَّةِ أوْ مِن جَنّاتِ غَيْرِهِ المُعَيَّنَةِ لِذَلِكَ الغَيْرِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُ تَبَوُّءِ الجَمِيعِ في مَكانٍ واحِدٍ وحْدَةً حَقِيقَةً وهو مُحالٌ أوْ أنْ يَأْخُذَ أحَدُهم جَنَّةَ غَيْرِهِ وهو غَيْرُ مُرادٍ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ ولِكُلٍّ مِنهم أنْ يَتَبَوَّأ في أيِّ مَكانٍ شاءَ مِن مُطْلَقِ الجَنَّةِ ومِن جَنّاتِ غَيْرِهِ إلّا أنَّهُ لا يَشاءُ غَيْرَ مَكانِهِ لِسَلامَةِ نَفْسِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَنْ تِلْكَ المَشِيئَةِ، وقالَ الإمامُ: قالَتْ حُكَماءُ الإسْلامِ: إنَّ ( لِكُلّ ) جَنَّتَيْنِ جُسْمانِيَّةٌ ورُوحانِيَّةٌ ومَقاماتُ الثّانِيَةِ لا تَمانُعَ فِيها فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَقامٍ واحِدٍ مِنها ما لا يَتَناهى مِن أرْبابِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ فالمَعْنى أوْرَثَنا مَقاماتِ الجَنَّةِ حالَةَ كَوْنِنا نَسْرَحُ في مَنازِلِ الأرْواحِ كَما نَشاءُ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ مُتَألِّهِي الحُكَماءِ: الدّارُ الضَّيِّقَةُ تَسَعُ ألْفَ ألْفٍ مِنَ الأرْواحِ والصُّوَرِ المِثالِيَّةِ الَّتِي هي أبْدانُ المُتَجَرِّدِينَ عَنِ الأبْدانِ العُنْصُرِيَّةِ لِعَدَمِ تَمانُعِها كَما قِيلَ: سَمُّ الخِياطِ مَعَ الأحْبابِ مَيْدانُ وفُسِّرَ المَقامُ الرُّوحانِيُّ بِما تُدْرِكُهُ الرُّوحُ مِنَ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وتُشاهِدُهُ مِن رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ القُدُسِيَّةِ مِمّا لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنْ عُدَّ مِن بُطُونِ القُرْآنِ العَظِيمِ فَلا كَلامَ وإلّا فَحَمْلُ الجَنَّةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ ولا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ، عَلى أنَّهُ رُبَّما يُقالُ: يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَصِلَ إلى مَقامٍ رُوحانِيٍّ مِن مَقاماتِها مَعَ أنَّ مِنها ما يَخُصُّ الأنْبِياءَ المُكَرَّمِينَ والمَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِلُ إلى مَقاماتِهِمْ كُلُّ أحَدٍ مِنَ العارِفِينَ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ ﴿ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ مِن كَلامِ الدّاخِلِينَ عِنْدَ الأكْثَرِ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ هَذا الأجْرُ أوِ الجَنَّةُ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ - بِأجْرِ العامِلِينَ - دُونَ أجْرِنا لِلتَّعْرِيضِ بِأهْلِ النّارِ أنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى <div class="verse-tafsir"
﴿ وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ ﴾ أيْ مُحْدِقِينَ مِنَ الحِفافِ بِمَعْنى الجانِبِ جَمْعُ حافٍّ كَما قالَ الأخْفَشُ، وقالَ الفَرّاءُ: لا يُفْرَدُ فَقِيلَ: أرادَ أنَّ المُفْرَدَ لا يَكُونُ حافًّا إذِ الإحْداقُ والإحاطَةُ لا يُتَصَوَّرُ بِفَرْدٍ وإنَّما يَتَحَقَّقُ بِالجَمْعِ، وقِيلَ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يَرِدِ اسْتِعْمالُ مُفْرَدِهِ.
وأوْرَدَ عَلى الأوَّلِ أنَّ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ بِمَعْنى مُحاذاةِ جَمِيعِ جَوانِبِهِ فَتُصَوَّرُ في الواحِدِ بِدَوَرانِهِ حَوْلَ الشَّيْءِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يُحاذِي جَمِيعَ جَوانِبِهِ تَدْرِيجًا فَيَكُونُ الحُفُوفُ بِمَعْنى الدَّوَرانِ حَوْلَهُ أوْ يُرادُ بِكَوْنِهِ حافًّا أنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الحافِّ ولَهُ مَدْخَلٌ في الحُفُوفِ، ولَوْ صَحَّ ما ذَكَرَ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: طائِفٌ أوْ مُحْدِقٌ أوْ مُحِيطٌ أوْ نَحْوُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى الإحاطَةِ.
وأوْرَدَ عَلى الثّانِي أنّا لَمْ نَجِدْ وُرُودَ جَمْعٍ سالِمٍ لَمْ يَرِدِ اسْتِعْمالُ مُفْرَدِهِ فَبَعْدَ وُرُودِ حافِّينَ الظّاهِرُ وُرُودُ حافٍّ كَما لا يَخْفى، والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: وتَرى أيُّها الرّائِي المَلائِكَةَ حافِّينَ ﴿ مِن حَوْلِ العَرْشِ ﴾ أيْ حَوْلَ العَرْشِ عَلى أنَّ ( مِنَ ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: هي لِلِابْتِداءِ - فَحَوْلَ العَرْشِ - مُبْتَدَأُ الحُفُوفِ وكَأنَّ الحُفُوفَ حِينَئِذٍ لِلْخَلْقِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما هو ناطِقٌ بِذَلِكَ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ يَوْمَ فَصْلِ القَضاءِ يَكُونُ في الأرْضِ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى والأرْضُ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ هَذِهِ الأرْضِ، عَلى أنَّ أحْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ وشُؤُونَ اللَّهِ تَعالى وراءَ عُقُولِنا وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ - فَحافِّينَ - حالٌ أُولى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ حافِّينَ ﴾ المُسْتَتِرِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيَّةً - فَحافِّينَ - مَفْعُولٌ ثانٍ وجُمْلَةُ ( يُسَبِّحُونَ ) حالٌ مِن ( اَلْمَلائِكَةَ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في ﴿ حافِّينَ ﴾ والباءُ في ( بِحَمْدِ ) لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ، وحاصِلُهُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى بِوَصْفَيِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا الذِّكْرُ إمّا مِن بابِ التَّلَذُّذِ فَإنَّ ذِكْرَ المَحْبُوبِ مِن أعْظَمِ لَذائِذِ المُحِبِّ كَما قِيلَ: أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اَللُّوَّمُ أوْ مِن بابِ الِامْتِثالِ ويَدَّعِي أنَّهم مُكَلَّفُونَ، ولا يُسَلَّمُ أنَّهم خارِجُونَ عَنْ خُطَّةِ التَّكْلِيفِ أوْ يَخْرُجُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ، نَعَمْ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ كُلْفَةً وإنْ أُمِرُوا بِهِ.
وفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ جِدًّا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ في كِتابِ الطّاعَةِ والعِصْيانِ.
وأبُو يَعْلى وأبُو الحَسَنِ القَطّانُ في المُطَوَّلاتِ.
وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ.
والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ««فَبَيْنَما نَحْنُ وُقُوفٌ - أيْ في المَحْشَرِ - إذْ سَمِعْنا حِسًّا مِنَ السَّماءِ شَدِيدًا فَيَنْزِلُ أهْلُ سَماءِ الدُّنْيا بِمِثْلَيْ مَن في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ حَتّى إذا دَنَوْا مِنَ الأرْضِ أشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِمْ وأخَذُوا مَصافَّهم ثُمَّ تَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الثّالِثَةِ بِمِثْلَيْ مَن نَزَلَ مِنَ المَلائِكَةِ ومِثْلَيْ مَن فِيها مِنَ الجِنِّ والإنْسِ حَتّى إذا دَنَوْا مِنَ الأرْضِ أشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِمْ وأخَذُوا مَصافَّهم ثُمَّ يَنْزِلُونَ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّضْعِيفِ إلى السَّماواتِ السَّبْعِ ثُمَّ يَنْزِلُ الجَبّارُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ تَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ وهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ أقْدامُهم عَلى تُخُومِ الأرْضِ السُّفْلى والأرَضُونَ والسَّماواتُ إلى حُجُزِهِمْ والعَرْشُ عَلى مَناكِبِهِمْ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ فَيَقُولُونَ: سُبْحانَ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ سُبْحانَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ سُبْحانَ الَّذِي يُمِيتُ الخَلائِقَ ولا يَمُوتُ سَبُوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ سُبْحانَ رَبِّنا الأعْلى الَّذِي يُمِيتُ الخَلائِقَ ولا يَمُوتُ فَيَضَعُ عَرْشَهُ حَيْثُ يَشاءُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ يَهْتِفُ سُبْحانَهُ بِصَوْتِهِ فَيَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: «يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِّي قَدْ أنْصَتُّ لَكم مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتُكم إلى يَوْمِكم هَذا أسْمَعُ قَوْلَكم وأُبْصِرُ أعْمالَكم فانْصِتُوا إلَيَّ فَإنَّما هي أعْمالُكم وصُحُفُكم تُقْرَأُ عَلَيْكم فَمَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى ومَن وجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إلّا نَفْسَهُ»» الحَدِيثَ.
﴿ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ ﴾ أيْ بَيْنَ العِبادِ كُلِّهِمْ بِإدْخالِ بَعْضِهِمُ الجَنَّةَ وبَعْضِهِمُ النّارَ فَإنَّ القَضاءَ المَعْرُوفَ يَكُونُ بَيْنَهم، ولِوُضُوحِ ذَلِكَ لا يَضُرُّ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِغَيْرِ المَلائِكَةِ مَعَ أنَّ ضَمِيرَ ( يُسَبِّحُونَ ) لَهم إذِ التَّفْكِيكُ لا يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا كَما تُوُهِّمَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( بَيْنَهم ) لِلْمَلائِكَةِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وثَوابُهم وإنْ كانُوا كُلُّهم مَعْصُومِينَ يَكُونُ عَلى حَسَبِ تَفاضِلِ أعْمالِهِمْ فَيَخْتَلِفُ تَفاضُلُ مَراتِبِهِمْ فَإقامَةُ كُلٍّ في مَنزِلَتِهِ حَسَبَ عَمَلِهِ هو القَضاءُ بَيْنَهم بِالحَقِّ.
﴿ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ أيْ عَلى ما قَضى بَيْنَنا بِالحَقِّ، والقائِلُ قِيلَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ المَقْضِيُّ لَهم لا ما يَعُمُّهم والمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ، وحَمْدُهُمُ الأوَّلُ عَلى إنْجازِ وعْدِهِ سُبْحانَهُ وإيراثِهِمُ الأرْضَ يَتَبَوَّؤُونَ مِنَ الجَنَّةِ ما شاءُوا، وحَمْدُهم هَذا عَلى القَضاءِ بِالحَقِّ بَيْنَهم فَلا تَكْرارَ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ الأوَّلَ لِلتَّفْصِلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِحَسَبِ الوَعْدِ والوَعِيدِ والسُّخْطِ والرِّضْوانِ، والثّانِي لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما بِحَسَبِ الأبْدانِ فَفَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ والأوَّلُ أحْسَنُ، وقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ يَحْمَدُونَهُ تَعالى عَلى قَضائِهِ سُبْحانَهُ بَيْنَهم بِالحَقِّ وإنْزالِ كُلٍّ مِنهم مَنزِلَتَهُ، وعَلَيْهِ لَيْسَ في الحَمْدَيْنِ شائِبَةُ تَكْرارٍ لِتَغايُرِ الحامِدِينَ.
وقِيلَ: ( قِيلَ ) دُونَ قالُوا لِتَعَيُّنِهِمْ وتَعْظِيمِهِمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ القائِلِ جَمِيعَ العِبادِ مُنَعَّمِهِمْ ومُعَذَّبِهِمْ وكَأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ الحَمْدَ مِن عُمُومِ الخَلْقِ المَقْضِيِّ بَيْنَهم هُنا إشارَةً إلى التَّمامِ وفَصْلِ الخِصامِ كَما يَقُولُهُ المُنْصَرِفُونَ مِن مَجْلِسِ حُكُومَةٍ ونَحْوِها، فَيَحْمَدُهُ المُؤْمِنُونَ لِظُهُورِ حَقِّهِمْ وغَيْرُهم لِعَدْلِهِ واسْتِراحَتِهِمْ مِنَ انْتِظارِ الفَصْلِ، فَفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ يَطُولُ الوُقُوفُ في المَحْشَرِ عَلى العِبادِ حَتّى إنَّ أحَدَهم لَيَقُولُ: رَبِّ أرِحْنِي ولَوْ إلى النّارِ، وقِيلَ: إنَّهم يَحْمَدُونَهُ إظْهارًا لِلرِّضا والتَّسْلِيمِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الحَمْدُ خَتْمٌ لِلْأمْرِ يُقالُ عِنْدَ انْتِهاءِ فَصْلِ القَضاءِ أيْ إنَّ هَذا الحاكِمَ العَدْلَ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَدَ عِنْدَ نُفُوذِ حُكْمِهِ وإكْمالِ قَضائِهِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ جُعِلَتْ ( اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ اَلْعالَمِينَ ) خاتِمَةَ المَجالِسِ في العِلْمِ، هَذا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
* * * «ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ الآياتِ» ﴿ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أيِ اعْبُدْهُ تَعالى بِنَفْسِكَ وقَلْبِكَ ورُوحِكَ مُخْلِصًا، وإخْلاصُ العِبادَةِ بِالنَّفْسِ التَّباعُدُ عَنِ الِانْتِقاصِ، وإخْلاصُ العِبادَةِ بِالقَلْبِ العَمى عَنْ رُؤْيَةِ الأشْخاصِ، وإخْلاصُ العِبادَةِ بِالرُّوحِ نَفْيُ طَلَبِ الِاخْتِصاصِ.
وذُكِرَ أنَّ المُخْلِصَ مَن خَلُصَ بِالجُودِ عَنْ حَبْسِ الوُجُودِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى تَهْدِيدِ مَن يَدَّعِي رُتْبَةً مِنَ الوِلايَةِ لَيْسَ بِصادِقٍ فِيها وعُقُوبَتُهُ حِرْمانُ تِلْكَ الرُّتْبَةِ ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارِ عَلى اللَّيْلَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أحْوالِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ والصَّحْوِ والسُّكْرِ والجَمْعِ والفَرْقِ والسِّتْرِ والتَّجَلِّي وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ﴾ قِيلَ: يُشِيرُ إلى ظُلْمَةِ الإمْكانِ وظُلْمَةِ الهَيُولى وظُلْمَةِ الصُّورَةِ ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ يُشِيرُ إلى القِيامِ بِآدابِ العُبُودِيَّةِ ظاهِرًا وباطِنًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَقْصِيرٍ ﴿ يَحْذَرُ الآخِرَةَ ﴾ ونَعِيمُها كَما يَحْذَرُ الدُّنْيا وزِينَتَها ﴿ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ رِضاهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ وقُرْبَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ﴾ قَدْرَ مَعْبُودِهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ فَيَطْلُبُونَهُ ﴿ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ فَيَطْلُبُونَ ما سِواهُ ﴿ إنَّما يَتَذَكَّرُ ﴾ حَقِيقَةَ الأمْرِ ﴿ أُولُو الألْبابِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ انْسَلَخُوا مِن جِلْدِ وُجُودِهِمْ وصَفَوْا عَنْ شَوائِبِ أنانِيَّتِهِمْ ﴿ قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِي شَوْقًا إلَيَّ ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ فَلا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ سُبْحانَهُ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ في طَلَبِي في هَذِهِ الدُّنْيا بِأنْ لَمْ يَطْلُبُوا مِنِّي غَيْرِي ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ وهي حَسَنَةُ وِجْدانِي ﴿ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ ﴾ وهي حَضْرَةُ جَلالِهِ وجَمالِهِ فَإنَّها لا نِهايَةَ لَها فَلْيَسِرْ فِيها لِيَرى ما يَرى ولا يَظُنُّ بِما فُتِحَ عَلَيْهِ انْتِهاءَ السَّيْرِ وانْقِطاعَ الفَيْضِ ﴿ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ ﴾ عَلى صِدْقِ الطَّلَبِ ﴿ أجْرَهُمْ ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ بِغَيْرِ حِسابٍ إذْ لا نِهايَةَ لِتَجَلِّياتِهِ تَعالى ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بِطَلَبِ ما سِواهُ ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو عَذابُ القَطِيعَةِ والحِرْمانِ ﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ فَلا أطْلُبُ دُنْيا ولا أُخْرى كَما قِيلَ: وكُلٌّ لَهُ سُؤْلٌ ودِينٌ ومَذْهَبُ ولِي أنْتُمْ سُؤْلٌ ودِينِي هَواكُمْ ﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ تَبَيَّنَ خُسْرانُ أنْفُسِهِمْ بِإفْسادِ اسْتِعْدادِها لِلْوُصُولِ والوِصالِ ﴿ وأهْلِيهِمْ ﴾ مِنَ القُلُوبِ والأسْرارِ والأرْواحِ بِالإعْراضِ عَنْ طَلَبِ المَوْلى ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الَّذِي تَتَبَيَّنُ فِيهِ الحَقائِقُ ﴿ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ الَّذِي لا خَفاءَ فِيهِ لِفَواتِ رَأْسِ المالِ وعَدَمِ إمْكانِ التَّلافِي، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ لِلْإنْسانِ قُوَّتَيْنِ يَسْتَكْمِلُ بِإحْداهُما عِلْمًا وبِالأُخْرى عَمَلًا، والآلَةُ الواسِطَةُ في القِسْمِ الأوَّلِ هي العُلُومُ المُسَمّاةُ بِالمُقَدِّماتِ وتَرْتِيبُها عَلى الوَجْهِ المُؤَدِّي إلى النَّتائِجِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الرِّبْحِ يُشْبِهُ تَصَرُّفَ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ، والآلَةُ في القِسْمِ العَمَلِيِّ هو القُوى البَدَنِيَّةُ وغَيْرُها مِنَ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ المُعِينَةِ عَلَيْها، واسْتِعْمالُ تِلْكَ القُوى في وُجُوهِ أعْمالِ البِرِّ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الرِّبْحِ يُشْبِهُ التِّجارَةَ، فَكُلُّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى العَقْلَ والصِّحَّةَ والتَّمْكِينَ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ مِنها مَعْرِفَةَ الحَقِّ ولا عَمَلَ الخَيْرِ فَإذا ماتَ رِبْحُهُ وضاعَ رَأْسُ مالِهِ ووَقَعَ في عَذابِ الجَهْلِ وألَمِ البُعْدِ عَنْ عالَمِهِ والقُرْبِ مِمّا يُضادُّهُ أبَدَ الآبادِ، فَلا خُسْرانَ فَوْقَ هَذا ولا حِرْمانَ أبْيَنَ مِنهُ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ وهَذا عَلى الأوَّلِ إشارَةٌ إلى إحاطَةِ نارِ الحَسْرَةِ بِهِمْ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ قِيلَ الغُرَفُ المَبْنِيَّةُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إشارَةٌ إلى العُلُومِ المُكْتَسَبَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى النَّظَرِيّاتِ وأنَّها تَكُونُ في المَتانَةِ واليَقِينِ كالعُلُومِ الغَرِيزِيَّةِ البَدِيهِيَّةِ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِن سَماءِ حَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ أوْ مِن سَماءِ القَلْبِ ماءً ماءَ المَعارِفِ والعُلُومِ ﴿ فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ ﴾ مَدارِكَ وقُوى ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أرْضِ البَشَرِيَّةِ ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا ﴾ مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ والأقْوالِ اللِّسانِيَّةِ ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا ﴾ إشارَةً إلى أفْعالِ المُرائِينَ وأقْوالِهِمْ تُرى مُخْضَرَّةً وفْقَ الشَّرْعِ ثُمَّ تَصْفَرُّ مِن آفَةِ الرِّياءِ ثُمَّ تَكُونُ حُطامًا لا حاصِلَ لَها إلّا الحَسْرَةُ ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ﴾ لِلِانْقِيادِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ يَسْتَضِيءُ بِهِ في طَلَبِهِ سُبْحانَهُ، ومِن عَلاماتِ هَذا النُّورِ مَحْوُ ظُلُماتِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ النَّفْسانِيَّةِ والتَّحْلِيَةُ بِالأخْلاقِ الكَرِيمَةِ القُدُسِيَّةِ.
﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إذا قَرَعَتْ صِفاتُ الجَلالِ أبْوابَ قُلُوبِهِمْ ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ بِالشَّوْقِ والطَّلَبِ ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ﴾ يَتَجاذَبُونَهُ وهم شُغُلُ الدُّنْيا وشُغُلُ العِيالِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأشْغالِ ﴿ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ﴾ إشارَةً إلى المُؤْمِنِ الخالِصِ الَّذِي لَمْ يَشْغَلْهُ شَيْءٌ عَنْ مَوْلاهُ ( عَزَّ ) شَأْنُهُ ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ ﴾ يُشِيرُ إلى حالِ الكاذِبِينَ في دَعْوى الوِلايَةِ ﴿ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ ﴾ يُشِيرُ إلى حالِ أقْوامٍ نَبَذُوا الشَّرِيعَةَ وراءَ ظُهُورِهِمْ وقالُوا: هي قِشْرٌ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ ﴾ قِيلَ: هو سَوادُ قُلُوبِهِمْ يَنْعَكِسُ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴿ وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا ﴾ قِيلَ المُتَّقُونَ قَدْ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى لِلَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا لِلْجَنَّةِ فَتَصِيرُ شِدَّةُ اسْتِغْراقِهِمْ في مُشاهَدَةِ مَطالِعِ الجَمالِ والجَلالِ مانِعَةً لَهم عَنِ الرَّغْبَةِ في الجَنَّةِ فَلا جَرَمَ يَفْتَقِرُونَ إلى السَّوْقِ، وقِيلَ: كُلُّ خَصْلَةٍ ذَمِيمَةٍ أوْ شَرِيفَةٍ في الإنْسانِ فَإنَّها تَجُرُّهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ شاءَ أمْ أبى إلى ما يُضاهِي حالَهُ فَذاكَ مَعْنى السَّوْقِ في الفَرِيقَيْنِ، وقِيلَ: القَوْمُ أهْلُ وفاءٍ فَهم يَقُولُونَ: لا نَدْخُلُ الجَنَّةَ حَتّى يَدْخُلَها أحْبابُنا فَلِذا يُساقُونَ إلَيْها ولَكِنْ لا كَسَوْقِ الكَفَرَةِ ﴿ وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ بِناءً عَلى أنَّ العَرْشَ لا يَتَحَوَّلُ ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ إشارَةً إلى نَعِيمِهِمْ ﴿ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ ﴾ أعْطى كُلَّ ما يَسْتَحِقُّهُ ﴿ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ عَلى انْقِضاءِ الأمْرِ وفَصْلِ القَضاءِ بِالعَدْلِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا امْتِراءَ، هَذا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى أفْضالِهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ.
.