الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة ص
تفسيرُ سورةِ ص كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 350 دقيقة قراءةسُورَةُ ص مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ كَما قالَ الدّانِيُّ، وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ، وسِتٌّ وثَمانُونَ في الحِجازِيِّ، والبَصْرِيِّ، والشّامِيِّ، وخَمْسٌ وثَمانُونَ في عَدِّ أيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ وحْدَهُ، قِيلَ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ (ص) وحْدَها آيَةٌ، كَما قِيلَ في غَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وهي كالمُتَمِّمَةِ لِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ ذُكِرَ فِيها، ما لَمْ يُذْكَرْ في تِلْكَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَداوُدَ وسُلَيْمانَ، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلُ عَنِ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿ لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ ﴾ ﴿ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ ﴾ ، وأنَّهم كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ، بَدَأ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ السُّورَةِ بِالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وفَصَّلَ ما أجْمَلَ هُناكَ مِن كُفْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِنَ المُناسَبَةِ ما فِيهِ، ومَن دَقَّقَ النَّظَرَ لاحَ لَهُ مُناسَباتٌ أُخَرُ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ ص ﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو السِّمالِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ”صادِ“ بِكَسْرِ الدّالِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ نَحْوُ (ق) و(ن).
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أمْرٌ مِن صادى أيْ عارَضَ، ومِنهُ الصَّدى، وهو ما يُعارِضُ الصَّوْتَ الأوَّلَ ويُقابِلُهُ بِمِثْلِهِ في الأماكِنِ الخالِيَةِ والأجْسامِ الصُّلْبَةِ العالِيَةِ، والمَعْنى عارِضِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ أيِ اعْمَلْ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقالَ عَبْدُ الوَهّابِ: أيِ اعْرِضْهُ عَلى عَمَلِكَ، فانْظُرْ أيْنَ عَمَلُكَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ مِن صادى أيْ حادِثْ، والمَعْنى حادِثِ القُرْآنَ، وهو رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، ولَهُ قُرْبٌ مِنَ الأوَّلِ.
وقَرَأ عِيسى ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وفِرْقَةٍ ”صادَ“ بِفَتْحِ الدّالِ، وكَذا قَرَؤُوا قافَ ونُونَ بِالفَتْحِ فِيهِما، فَقِيلَ: هو لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، وقِيلَ: هو حَرَكَةُ إعْرابٍ عَلى أنَّ ”صادَ“ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيِ اذْكُرْ، أوِ اقْرَأْ صادَ، أوْ بِفِعْلِ القَسَمِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ المُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ، نَحْوَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ، أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ، وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَمُ السُّورَةِ، وقَدْ ذَكَرَ الشَّرِيفُ أنَّهُ إذا اشْتُهِرَ مُسَمًّى بِإطْلاقِ لَفْظٍ عَلَيْهِ يُلاحَظُ المُسَمّى في ضِمْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ في الِاسْمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في رِوايَةِ ”صادِ“ بِالجَرِّ والتَّنْوِينِ، وذَلِكَ إمّا لِأنَّ الثُّلاثِيَّ السّاكِنَ الوَسَطِ يَجُوزُ صَرْفُهُ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأرْجَحُ، وإمّا لِاعْتِبارِ ذَلِكَ اسْمًا لِلْقُرْآنِ، كَما هو أحَدُ الِاحْتِمالاتِ فِيهِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ العِلَّتانِ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ، والقَوْلُ بِأنَّ ذاكَ لِكَوْنِهِ عَلَمًا لِمَعْنى السُّورَةِ لا لِلَفْظِها، فَلا تَأْنِيثَ فِيهِ مَعَ العَلَمِيَّةِ، لِيَكُونَ هُناكَ عِلَّتانِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ وهارُونُ، الأعْوَرُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ ”صادُ“ بِضَمِّ الدّالِ، وكَأنَّهُ اعْتُبِرَ اسْمًا لِلسُّورَةِ، وجُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذِهِ صادُ، ولَهم في مَعْناهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدِينَ بِقِراءَةِ الجُمْهُورِ اخْتِلافٌ، كَأضْرابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، فَأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: سُئِلَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ عَنْ ”ص“ فَقالا: ما نَدْرِي ما هُوَ، وهو مَذْهَبُ كَثِيرٍ في نَظائِرِهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ ”ص“ فَقالَ: ص كانَ بَحْرًا بِمَكَّةَ، وكانَ عَلَيْهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، إذْ لا لَيْلَ، ولا نَهارَ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو بَحْرٌ يُحْيِي اللَّهُ تَعالى بِهِ المَوْتى بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ص صَدَقَ اللَّهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ص، يَقُولُ: إنِّي أنا اللَّهُ الصّادِقُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو مِفْتاحُ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، صَمَدٌ وصانِعُ المَصْنُوعاتِ، وصادِقُ الوَعْدِ.
وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى صُدُودِ الكُفّارِ عَنِ القُرْآنِ.
وقِيلَ: حَرْفٌ مَسْرُودٌ عَلى مِنهاجِ التَّحَدِّي، وجَنَحَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن أرْبابِ التَّحْقِيقِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، والأكْثَرُونَ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ بَعْضِ القِراءاتِ كَما سَمِعْتَ عَنْ قَرِيبٍ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ المَعْنى صادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ الخَلْقِ واسْتَمالَها حَتّى آمَنُوا بِهِ، ولَعَلَّ القائِلَ بِهِ اعْتَبَرَهُ فِعْلًا ماضِيًا مَفْتُوحَ الآخِرِ أوْ ساكِنَهُ لِلْوَقْفِ، وأنا لا أقُولُ بِهِ، ولا أرْتَضِيهِ وجْهًا، وهو عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأوْجُهِ لا حَظَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى بَعْضِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا بِهِ، ومَفْعُولًا لِمُضْمَرٍ، وخَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى بَعْضِها يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مُقْسَمًا بِهِ، وعَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ في القِراءاتِ يَتَأتّى ما يَتَأتّى مِمّا لا يَخْفى عَلَيْكَ، وبِالجُمْلَةِ، إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ مُقْسَمًا بِهِ، فالواوُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ لِلْقَسَمِ، وإنِ اعْتُبِرَ 162 مُقْسَمًا بِهِ، فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، لَكِنْ إذا كانَ قَسَمًا مَنصُوبًا عَلى الحَذْفِ، والإيصالِ يَكُونُ العَطْفُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى والأصْلِ، ثُمَّ المُغايَرَةُ بَيْنَهُما قَدْ تَكُونُ حَقِيقِيَّةً، كَما إذا أُرِيدَ بِالقُرْآنِ كُلُّهُ وبِـ (ص) السُّورَةُ، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ أُرِيدَ بِـ(ص) البَحْرُ الَّذِي قِيلَ بِهِ فِيما مَرَّ، وبِالقُرْآنِ كُلُّهُ، أوْ بِالسُّورَةِ، وقَدْ تَكُونُ اعْتِبارِيَّةً كَما إذا أُرِيدَ بِكُلِّ السُّورَةِ أوِ القُرْآنِ عَلى ما قِيلَ، ولا يَخْفى ما تَقْتَضِيهِ الجَزالَةُ الخالِيَةُ عَنِ التَّكَلُّفِ.
وضُعِّفَ جَعْلُ الواوِ لِلْقَسَمِ أيْضًا بِناءً عَلى قَوْلِ جَمْعٍ: أنَّ تَوارُدَ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ عَلَيْهِ واحِدٍ ضَعِيفٌ، والذِّكْرُ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الشَّرَفُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ ، أوِ الذِّكْرى والمَوْعِظَةُ لِلنّاسِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ، أوْ ذِكْرُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وغَيْرِها مِن أقاصِيصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأخْبارِ الأُمَمِ الدّارِجَةِ، والوَعْدِ والوَعِيدِ عَلى ما قِيلَ، وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَذْكُورٌ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ والزَّجّاجُ هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ ﴾ ، وتَعَقَّبَهُ الفَرّاءُ بِقَوْلِهِ: لا نَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا لِتَأخُّرِ ذَلِكَ جِدًّا عَنِ القَسَمِ، وقالَ الأخْفَشُ: هُوَ: ﴿ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ: ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ ، وحُذِفَتِ اللّامُ أيْ لَكم لَمّا طالَ الكَلامُ كَما حُذِفَتْ مِن ﴿ قَدْ أفْلَحَ ﴾ ، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ”والشمس“، حَكاهُ الفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وتَعَقَّبَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّهُ غَلَطٌ، لِأنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ عَلى المَفْعُولِ، ”وكم“ مَفْعُولٌ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَذِهِ الأقْوالَ يَجِبُ اطِّراحُها، ونَقَلَ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلَخْ، فَإنَّ ﴿ بَلِ ﴾ لِنَفْيِ ما قَبْلَهُ، وإثْباتِ ما بَعْدَهُ، فَمَعْناهُ لَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلّا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ.
وجُوِّزَ أنْ يُرِيدَ هَذا القائِلُ أنَّ ﴿ بَلِ ﴾ زائِدَةٌ في الجَوابِ، أوْ رُبِطَ بِها الجَوابُ لِتَجْرِيدِها لِمَعْنى الإثْباتِ، وقِيلَ: هو صادَ إذْ مَعْناهُ صَدَقَ اللَّهُ تَعالى أوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الفَرّاءِ وثَعْلَبٍ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ جَوابِ القَسَمِ واعْتِقادِ أنَّ (ص) تَدُلُّ عَلى ما ذُكِرَ، ومَعَ هَذا في كَوْنِ (ص) نَفْسِهِ هو الجَوابُ خَفاءٌ، وقِيلَ: هو جُمْلَةُ هَذِهِ صادُ، عَلى مَعْنى السُّورَةِ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، فَكَأنَّهُ: قِيلَ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا حاتِمٌ واللَّهِ، تُرِيدُ هَذا هو المَشْهُورُ بِالسَّخاءِ واللَّهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ التَّقَدُّمِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الحُوفِيُّ: لَقَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ، ونَحْوَهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ: ما الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، ونَحْوَهُ، وقَدَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما كَفَرَ مَن كَفَرَ لِخَلَلٍ وجَدَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ، وآخَرُ: إنَّهُ لَمُعْجِزٌ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما في (ص) مِنَ الدِّلالَةِ عَلى التَّحَدِّي بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمُ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّحَدِّي، والتَّنْبِيهِ عَلى الإعْجازِ، أوْ ما فِي: أُقْسِمُ بِـ(ص)، أوْ هَذِهِ (ص)، مِنَ الدِّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، أوْ أنَّهُ لِواجِبِ العَمَلِ بِهِ، دَلَّ عَلَيْهِ (ص) بِناءً عَلى كَوْنِهِ أمْرًا مِنَ المُصاداةِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم غَيْرَ ذَلِكَ، وفي البَحْرِ: يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ هُنا ما أُثْبِتَ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِالقُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يس ﴾ ﴿ والقُرْآنِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ﴾ .
ويُقَوِّي هَذا التَّقْدِيرَ ذِكْرُ النِّذارَةِ هُنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ وهُناكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”لتنذر قوما“، فالرِّسالَةُ تَتَضَمَّنُ النِّذارَةَ والبِشارَةَ.
<div class="verse-tafsir"
وجُعِلَ بَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ لِلِانْتِقالِ مِن هَذا القَسَمِ، والمُقْسَمِ عَلَيْهِ إلى ذِكْرِ حالِ تَعَزُّزِ الكُفّارِ ومُشاقَّتِهِمْ في قَبُولِهِمْ رِسالَتَهُ وامْتِثالِ ما جاءَ بِهِ، وهي كَذَلِكَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، وقَدْ تُجْعَلُ عَلى بَعْضِها لِلْإضْرابِ عَنِ الجَوابِ بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: إنَّهُ لَمُعْجِزٌ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في اسْتِكْبارٍ مِنَ الإذْعانِ لِإعْجازِهِ، أوْ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي أعْجَزَتِ العَرَبَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُذْعِنُونَ، وجَعَلَها بَعْضُهم لِلْإضْرابِ عَمّا يُفْهَمُ مِمّا ذُكِرَ، ونَحْوِهِ مِن أنَّ مَن كَفَرَ لَمْ يَكْفُرْ لِخَلَلٍ فِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن كَفَرَ لَمْ يَكْفُرْ لِخَلَلٍ فِيهِ، بَلْ كَفَرَ تَكَبُّرًا عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وعِنادًا، وهو أظْهَرُ مِن جَعْلِ ذَلِكَ إضْرابًا عَنْ صَرِيحِهِ، وإنْ قُدِّرَ نَحْوُ هَذا المَفْهُومِ جَوابًا، فالإضْرابُ عَنْهُ قَطْعًا، وفي الكَشْفِ: عُدَّ هَذا الإضْرابُ مِن قَبِيلِ الإضْرابِ المَعْنَوِيِّ عَلى نَحْوِ: زَيْدٌ عَفِيفٌ عالِمٌ بَلْ قَوْمُهُ اسْتَخَفُّوا بِهِ، عَلى الإضْرابِ عَمّا يَلْزَمُ الأوْصافَ مِنَ التَّعْظِيمِ، كَما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ الَّذِي عَنْهُ الإضْرابُ: ما أنْتَ بِمُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وإظْهارِ الحَقِّ لَهُمْ، ويُشْعِرُ بِهِ الآياتُ بَعْدُ، وسَبَبُ النُّزُولِ الآتِي ذِكْرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (ص) والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ما أنْتَ بِمُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا وإظْهارِ الحَقِّ لَهُمْ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقَصِّرُونَ في اتِّباعِكَ والِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، ووَجْهُ دِلالَةِ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى قَوْلِنا بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقَصِّرُونَ إلَخْ، ظاهِرٌ، وهَذِهِ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ بَيْنَ يَدَيْكَ، وإلَيْكَ أمْرُ الِاخْتِيارِ، والسَّلامُ عَلَيْكَ.
والمُرادُ بِالعِزَّةِ ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الاسْتِكْبارِ عَنِ الحَقِّ لا العِزَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، فَإنَّها لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وأصْلُ الشِّقاقِ المُخالَفَةُ، وكَوْنُكَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صاحِبِكَ أوْ مِن شَقِّ العَصا بَيْنَكَ وبَيْنَهُ، والمُرادُ مُخالَفَةُ اللَّهِ تَعالى، ورَسُولِهِ ، والتَّنْكِيرُ لِلدِّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِما، والتَّعْبِيرُ بِفي عَلى اسْتِغْراقِهِمْ فِيهِما.
وقَرَأ حَمّادُ بْنُ الزِّبْرِقانِ وسَوْرَةُ عَنِ الكِسائِيِّ، ومَيْمُونَةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ مِن طَرِيقِ العُقَيْلِيِّ في ”غِرَّةٍ“ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ المَكْسُورَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةٍ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ الرَّدِّ عَلى مَن خالَفَ الإمامَ: إنَّهُ قَرَأ بِها رَجُلٌ، وقالَ: إنَّها أنْسَبُ بِالشِّقاقِ وهو القِتالُ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وهَذِهِ القِراءَةُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى اهـ، وفِيهِ ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ، واسْتِكْبارِهِمْ بِبَيانِ ما أصابَ إضْرابَهُمْ، وكم مَفْعُولٌ، ﴿ أهْلَكْنا ﴾ (ومِن قَرْنٍ) تَمْيِيزٌ، والمَعْنى: قَرْنًا كَثِيرًا أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ، ﴿ فَنادَوْا ﴾ عِنْدَ نُزُولِ بَأْسِنا وحُلُولِ نِقْمَتِنا اسْتِغاثَةً لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: رَفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّوْبَةِ، حِينَ عايَنُوا العَذابَ لِيَنْجُوا مِنهُ، ﴿ ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ: (نادَوْا)، والعائِدُ مُقَدَّرٌ، وإنْ لَمْ يَلْزَمْ أيْ مَناصَهُمْ، ولاتَ هي لا المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، زِيدَتْ عَلَيْها تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْكِيدِ مَعْناها، وهو النَّفْيُ، لِأنَّ زِيادَةَ البِناءِ تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أوْ لِأنَّ التّاءَ تَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَما في عَلّامَةٍ، أوْ لِتَأْكِيدِ شَبَهِها بِلَيْسَ بِجَعْلِها عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ ساكِنَةِ الوَسَطِ، وقالَ الرَّضِيُّ: إنَّها لِتَأْنِيثِ الكَلِمَةِ فَتَكُونُ لِتَأْكِيدِ التَّأْنِيثِ، واخْتَصَّتْ بِلُزُومِ الأحْيانِ، ولا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الحِينِ إلّا عِنْدَ بَعْضٍ، وهو مَحْجُوجٌ بِسَماعِ دُخُولِها عَلى مُرادِفِهِ، وقَوْلِ المُتَنَبِّي: لَقَدْ تَصَبَّرْتُ حَتّى لاتَ مُصْطَبَرٍ والآنَ أُقْحِمُ حَتّى لاتَ مُقْتَحَمِ وإنْ لَمْ يُهِمَّنا أمْرُهُ مُخَرَّجٌ عَلى ذَلِكَ بِجَعْلِ المُصْطَبَرِ والمُقْتَحَمِ اسْمَيْ زَمانٍ، أوِ القَوْلُ بِأنَّها داخِلَةٌ فِيهِ عَلى لَفْظِ حِينٍ مُقَدَّرٌ بَعْدَها، والتَزَمُوا حَذْفَ أحَدِ الجُزْأيْنِ، والغالِبُ حَذْفُ المَرْفُوعِ كَما هُنا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أيْ لَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ: أنَّها لا النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ العامِلَةُ عَمَلَ إنَّ زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، (فَحِينَ مَناصٍ) اسْمُها، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّها لا النّافِيَةُ لِلْفِعْلِ، زِيدَتْ عَلَيْها التّاءُ، ولا عَمَلَ لَها أصْلًا، فَإنْ ولِيَها مَرْفُوعٌ فَمُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أوْ مَنصُوبٌ، كَما هُنا، فَبَعْدَها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ عامِلٌ فِيهِ، أيْ ولا تَرى حِينَ مَناصٍ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ ”ولاتُ حِينُ“ بِضَمِّ التّاءِ ورَفْعِ النُّونِ، فَعَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ حِينَ اسْمُ لاتَ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ لَيْسَ حِينُ مَناصٍ حاصِلًا لَهُمْ، وعَلى القَوْلِ الأخِيرِ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وكَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، فَإنَّ مِن مَذْهَبِهِ كَما في البَحْرِ: أنَّهُ إذا ارْتَفَعَ ما بَعْدَها فَعَلى الِابْتِداءِ، أيْ فَلا حِينَ مَناصٍ كائِنٌ لَهم.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ”ولاتِ حِينِ“ بِكَسْرِ التّاءِ مَعَ النُّونِ كَما في قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ حَرْمَلَةَ الطّائِيِّ النَّصْرانِيِّ: طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتِ أوانِ ∗∗∗ فَأجَبْنا أنْ لاتِ حِينِ بَقاءِ وخُرِّجَ ذَلِكَ إمّا عَلى أنَّ لاتَ تَجُرُّ الأحْيانَ كَما أنَّ لَوْلا تَجُرُّ الضَّمائِرَ، كَلَوْلاكَ، ولَوْلاهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وإمّا عَلى إضْمارِ (مِن) كَأنَّهُ قِيلَ: لاتَ مِن حِينِ مَناصٍ، ولاتَ مِن أوانِ صُلْحٍ، كَما جَرُّوا بِها مُضْمَرَةً في قَوْلِهِمْ عَلى كَمْ جِذْعٍ بَيْتُكَ، أيْ مِن جِذْعٍ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وقَوْلِهِمْ: ألا رَجُلٍ جَزاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
يُرِيدُونَ ألا مِن رَجُلٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُ (مِن حِينِ مَناصٍ) رَفْعًا عَلى أنَّهُ اسْمُ لاتَ بِمَعْنى لَيْسَ، كَما تَقُولُ: لَيْسَ مِن رَجُلٍ قائِمًا، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ عَلى قَوْلِ غَيْرِهِ، وخَرَّجَ الأخْفَشُ ولاتَ، أوْ أنَّ عَلى إضْمارِ حِينَ، أيْ ولاتَ حِينَ أوانِ صُلْحٍ، فَحُذِفَتْ حِينَ، وأُبْقِيَ أوانِ عَلى جَرِّهِ، وقِيلَ: إنَّ (أوانِ) في البَيْتِ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، وهو مُشَبَّهٌ بِإذْ في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ: نَهَيْتُكِ عَنْ طُلّابِكِ أُمَّ عَمْرٍو ∗∗∗ بِعاقِبَةٍ وأنْتِ إذْ صَحِيحُ ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّهُ زَمانٌ قُطِعَ عَنْهُ المُضافُ إلَيْهِ، لِأنَّ الوَصْلَ أوانُ صُلْحٍ، وعَوَّضَ التَّنْوِينُ، فَكُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِكَوْنِهِ مَبْنِيًّا مِثْلَهُ، فَهُما شَبَهانِ في أنَّهُما مَبْنِيّانِ مَعَ وُجُودِ تَنْوِينٍ في آخِرِهِما لِلْعِوَضِ يُوجِبُ تَحْرِيكَ الآخَرِ بِالكَسْرِ، وإنْ كانَ سَبَبُ البِناءِ في أوانِ دُونَ إذْ شَبَهَ الغاياتِ، حَيْثُ جُعِلَ زَمانًا قُطِعَ عَنْهُ المُضافُ إلَيْهِ، وهو مُرادٌ، ولَيْسَ تَنْوِينُ العِوَضِ مانِعًا عَنِ الإلْحاقِ بِها، فَإنَّها تُبْنى إذا لَمْ يَكُنْ تَنْوِينٌ، لِأنَّ عِلَّتَهُ الِاحْتِياجُ إلى المَحْذُوفِ، كاحْتِياجِ الحَرْفِ إلى ما يَتِمُّ بِهِ، وهَذا المَعْنى قائِمٌ نُوِّنَ أوْ لَمْ يُنَوَّنْ، فَإنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ لَفْظِيٌّ لا مَعْنَوِيٌّ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ التَّعْوِيضِ والبِناءِ، لَكِنِ اتُّفِقَ أنَّهم لَمْ يُعَوِّضُوا التَّنْوِينَ إلّا في حالِ إعْرابِها، وكَأنَّ ذَلِكَ لِئَلّا يَتَمَحَّضَ لِلتَّعْوِيضِ، بَلْ يَكُونُ فِيها مَعْنى التَّمَكُّنِ أيْضًا، فَلا مُنافاةَ، وثَبَتَ البِناءُ فِيما نَحْنُ فِيهِ بِدَلِيلِ الكَسْرِ، وكانَتِ العِلَّةُ الَّتِي في الغاياتِ قائِمَةً، فَأُحِيلَ البِناءُ عَلَيْها، واتُّفِقَ أنَّهم عَوَّضُوا التَّنْوِينَ ها هُنا تَشْبِيهًا بِإذْ في أنَّها لَمّا قُطِعَتْ عَنِ الإضافَةِ نُوِّنَتْ، أوْ تَوْفِيَةً لِحَقِّ اللَّفْظِ لَمّا فاتَ حَقُّ المَعْنى، وخُرِّجَتِ القِراءَةُ عَلى حَمْلِ ﴿ مَناصٍ ﴾ عَلى أوانٍ في البَيْتِ تَنْزِيلًا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ الظَّرْفُ، وهو ﴿ حِينَ ﴾ مَنزِلَةَ الظَّرْفِ، لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَقُدِّرَتْ ظَرْفِيَّتُهُ، وهو قَدْ كانَ مُضافًا إذا أصْلُهُ مَناصُهُمْ، فَقُطِعَ وصارَ، كَأنَّهُ ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ مُنَوَّنٌ لِقَطْعِهِ، ثُمَّ بُنِيَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، وهو ﴿ حِينَ ﴾ عَلى الكَسْرِ لِإضافَتِهِ إلى ما هو مَبْنِيٌّ فَرْضًا وتَقْدِيرًا، وهو ﴿ مَناصٍ ﴾ المُشابِهُ لِأوانٍ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الحَمْلِ لَمْ يُؤَثِّرْ في المَحْمُولِ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِيما يُضافُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ في تَخْرِيجِ الجَرِّ في البَيْتِ عَلى ذَلِكَ ما فِيهِ، والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ يَرْتَضِيهِ، وضَمُّ التّاءِ عَلى قِراءَةِ أبِي السِّمالِ وكَسْرِها عَلى قِراءَةِ عِيسى لِلْبِناءِ، ورُوِيَ عَنْ عِيسى ”ولاتُ حِينُ“ بِالضَّمِّ، ”مَناصَ“ بِالفَتْحِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ بُنِيَ ”حِينُ“ عَلى الضَّمِّ تَشْبِيهًا بِالغاياتِ، وبُنِيَ ﴿ مَناصٍ ﴾ عَلى الفَتْحِ مَعَ لات وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ ولاتَ مَناصَ حِينَ لَكِنْ لا إنَّما تَعْمَلُ في النَّكِراتِ المُتَّصِلَةِ بِها دُونَ المُنْفَصِلَةِ عَنْها ولَوْ بِظَرْفٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ مَعْنًى لا أعْرِفُهُ انْتَهى، وأهْوَنُ مِن هَذا فِيما أرى كَوْنُ ﴿ حِينَ ﴾ مُعْرَبًا مُضافًا إلى ﴿ مَناصٍ ﴾ والفَتْحُ لِمُجاوَرَةِ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَجِبُوا ﴾ نَظِيرُ فَتْحِ الرّاءِ مِن غَيْرَ في قَوْلِهِ: لَمْ يَمْنَعِ الشِّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ إرْقالِ عَلى قَوْلٍ، والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ عَدَمُ صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ.
وقَرَأ عِيسى أيْضًا كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا أنَّهُ كُسِرَ تاءُ ”لات“ وعُلِمَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ في تائِها ثَلاثَ لُغاتٍ، واخْتَلَفُوا في أمْرِ الوَقْفِ عَلَيْها، فَقالَ سِيبَوَيْهِ، والفَرّاءُ، وابْنُ كَيْسانَ، والزَّجّاجُ: يُوقَفُ عَلَيْها بِالتّاءِ، وقالَ الكِسائِيُّ، والمُبَرِّدُ بِالهاءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ خِلافٌ في أنَّ الوَقْفَ بِالتّاءِ، لِأنَّ قَلْبَ التّاءِ هاءً مَخْصُوصٌ بِالأسْماءِ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ التّاءَ لَيْسَتْ مُلْحَقَةً بِلا، وإنَّما هي مَزِيدَةٌ في أوَّلِ ما بَعْدَها، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وذَكَرَ أنَّهُ رَأى في الإمامِ ”ولاتَحِينَ مَناصٍ“ بِرَسْمِ التّاءِ مَخْلُوطًا بِأوَّلِ حِينَ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ خارِجٌ عَنِ القِياسِ الخَطِّيِّ، إذْ لَمْ يَقَعْ في الإمامِ في مَحَلٍّ آخَرَ مَرْسُومًا عَلى خِلافِ ذَلِكَ حَتّى يُقالَ ما هُنا مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، والأصْلُ اعْتِبارُهُ إلّا فِيما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، ومِن هُنا قالَ السَّخاوِيُّ في شَرْحِ الرّائِيَّةِ: أنا أسْتَحِبُّ الوَقْفَ عَلى لا بَعْدَ ما شاهَدْتُهُ في مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ سَمِعْناهم يَقُولُونَ: اذْهَبْ تَلانَ وتَحِينَ بِدُونِ لا، وهو كَثِيرٌ في النَّثْرِ والنَّظْمِ انْتَهى، ومِنهُ قَوْلُهُ: العاطِفُونَ تَحِينَ لا مِن عاطِفٍ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعَمِ وكَوْنُ أصْلِهِ العاطِفُونَهْ بِهاءِ السَّكْتِ فَلَمّا أُثْبِتَتْ في الدَّرْجِ قُلِبَتْ تاءً مِمّا لا يُصْغى إلَيْهِ، نَعَمِ الأوْلى اعْتِبارُ التّاءِ مَعَ لا لِشُهْرَةِ حِينَ دُونَ تَحِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ لاتَ هي لَيْسَ بِعَيْنِها وأصْلُ لَيْسَ لَيِسَ بِكَسْرِ الياءِ، فَأُبْدِلَتْ ألِفًا لِتَحَرُّكِها بَعْدَ فَتْحَةٍ وأُبْدِلَتِ السِّينُ تاءً كَما في سِتٍّ، فَإنَّ أصْلَهُ سُدْسٌ، وقِيلَ: إنَّها فِعْلٌ ماضٍ ولاتَ بِمَعْنى نَقَصَ، وقَلَّ فاسْتُعْمِلَتْ في النَّفْيِ كَقَلَّ، ولَيْسَ بِالمُعَوَّلِ عَلَيْهِ، والمَناصُ المَنجا والفَوْتُ يُقالُ: ناصَهُ يَنُوصُهُ إذا فاتَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: النَّوْصُ التَّأخُّرُ ناصَ عَنْ قَرْنِهِ يَنُوصُ نَوْصًا ومَناصًا أيْ فَرَّ وزاغَ، ويُقالُ اسْتَناصَ طَلَبَ المَناصَ، قالَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ يَصِفُ فَرَسًا لَهُ: غَمْرُ الجِراءِ إذا قَصَّرْتَ عِنانَهُ ∗∗∗ بِيَدِي اسْتَناصَ ورامَ جَرْيَ المِسْحَلِ وعَلى المَعْنى الأوَّلِ حَمَلَهُ بَعْضُهم هُنا وقالَ: المَعْنى نادَوْا واسْتَغاثُوا طَلَبًا لِلنَّجاةِ، والحالُ أنْ لَيْسَ الحِينُ حِينَ فَواتٍ ونَجاةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: تَفْسِيرُهُ بِالفِرارِ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ فَقالَ: لَيْسَ بِحِينِ فِرارٍ، وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ الأعْشى: تَذَكَّرْتُ لَيْلى لاتَ حِينَ تَذَكُّرٍ ∗∗∗ وقَدْ بِنْتُ عَنْها والمَناصُ بَعِيدُ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ: كانُوا إذا قاتَلُوا فاضْطُرُّوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَناصٌ أيْ عَلَيْكم بِالفِرارِ، فَلَمّا أتاهُمُ العَذابُ قالُوا: مَناصٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولاتَ حِينَ مَناصٍ ﴾ قالَ القُشَيْرِيُّ: فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَنادَوْا مَناصٌ، فَحُذِفَ لِدِلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، أيْ لَيْسَ الوَقْتُ وقْتَ نِدائِكم بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ حالِيَّةٌ، أيْ نادَوْا بِالفِرارِ، ولَيْسَ الوَقْتُ وقْتَ فِرارٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: في تَقْرِيرِ الحالِيَّةِ وهم لاتَ حِينَ مَناصٍ أيْ لَهُمْ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: أيْ فَنادَوْا حِينَ لا مَناصَ، أيْ ساعَةَ لا مَنجا، ولا فَوْتَ، فَلَمّا قَدَّمَ لا، وأخَّرَ حِينَ، اقْتَضى ذَلِكَ الواوَ كَما يَقْتَضِي الحالُ إذا جُعِلَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا مِثْلَ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا، ثُمَّ تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ وهو راكِبٌ، فَحِينَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنادَوْا ﴾ انْتَهى.
وكَوْنُ الأصْلِ ما ذُكِرَ أنَّ ﴿ حِينَ ﴾ ظَرْفٌ لِنادَوْا دَعْوى أعْجَمِيَّةٌ مُخالِفَةٌ لِذَوْقِ الكَلامِ العَرَبِيِّ، لا سِيَّما وهو أفْصَحُ الكَلامِ، ولا أدْرِي ما الَّذِي دَعاهُ لِذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
﴿ وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ ﴾ حِكايَةٌ لِأباطِيلِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ما كانَ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ وشِقاقِهِمْ أيْ عَجِبُوا مِن أنْ جاءَهم رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ، أيْ بَشَرٌ، أوْ مِن نَوْعِهِمْ، وهم مَعْرُوفُونَ بِالأُمِّيَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: رَسُولٌ أُمِّيٌّ، والمُرادُ أنَّهم عَدُّوا ذَلِكَ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ احْتِمالِ الوُقُوعِ، وأنْكَرُوهُ أشَدَّ الإنْكارِ، لا أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا وُقُوعَهُ، وتَعَجَّبُوا مِنهُ، ﴿ وقالَ الكافِرُونَ ﴾ وُضِعَ فِيهِ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، وذَمًّا لَهُمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَتَجاسَرُ عَلى مِثْلِ ما يَقُولُونَ إلّا المُتَوَغِّلُونَ في الكُفْرِ والفُسُوقِ، ﴿ هَذا ساحِرٌ ﴾ فِيما يُظْهِرُهُ مِمّا لا نَسْتَطِيعُ لَهُ مِثْلًا، ﴿ كَذّابٌ ﴾ فِيما يُسْنِدُهُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الإرْسالِ والإنْزالِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴾ بِأنْ نَفى الأُلُوهِيَّةَ عَنْها وقَصَرَها عَلى واحِدٍ، فالجَعْلُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ولَيْسَ تَصْيِيرًا في الخارِجِ بَلْ في القَوْلِ، والتَّسْمِيَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا ﴾ ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ إنْكارِ وحْدَةِ الوُجُودِ في شَيْءٍ لِيُقالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَعى عَلى الكَفَرَةِ ذَلِكَ الإنْكارَ، فَتَثْبُتُ الوَحْدَةُ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما قالَ بِاتِّحادِ آلِهَتِهِمْ مَعَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الوُجُودِ، ﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ﴾ أيْ بَلِيغٌ في العَجَبِ، فَإنَّ فُعالًا بِناءُ مُبالَغَةٍ، كَرَجُلٍ طُوالٍ وسُراعٍ، ووَجْهُ تَعَجُّبِهِمْ أنَّهُ خِلافُ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهُمُ الَّذِينَ أجْمَعُوا عَلى تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، وواظَبُوا عَلى عِبادَتِها، وقَدْ كانَ مَدارُهم في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ التَّقْلِيدَ، فَيَعُدُّونَ خِلافَ ما اعْتادُوهُ عَجِيبًا، بَلْ مُحالًا، وقِيلَ: مَدارُ تَعَجُّبِهِمْ زَعْمُهم عَدَمَ وفاءِ عِلْمِ الواحِدِ، وقَدْرِهِ بِالأشْياءِ الكَثِيرَةِ، وهو لا يَتِمُّ إلّا إنِ ادَّعَوْا لِآلِهَتِهِمْ عِلْمًا وقُدْرَةً، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَدَّعُوهُما لَها، ”ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله“ .
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسُّلَمِيُّ وعِيسى، وابْنُ مِقْسَمٍ ”عُجّابٌ“ بِشَدِّ الجِيمِ وهو أبْلَغُ مِنَ المُخَفَّفِ، وقالَ مُقاتِلٌ ”عُجّابٌ“ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالُوا: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا، ويَفْعَلُ، ويَقُولُ، ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ ، فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ إنْ جَلَسَ إلى أبِي طالِبٍ أنْ يَكُونَ أرَقَّ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ، فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أيِ ابْنَ أخِي، ما بالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: يا عَمِّ، إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها يَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَرِحُوا لِكَلِمَتِهِ، ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: ما هِيَ؟
وأبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَها، وعَشْرًا، قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهُمْ، وهم يَقُولُونَ: أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ.
وفِي رِوايَةٍ: أنَّهم قالُوا: سَلْنا غَيْرَ هَذا، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتّى تَضَعُوها في يَدِي ما سَألْتُكم غَيْرَها“، فَغَضِبُوا، وقامُوا غِضابًا، وقالُوا: واللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وإلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذا».
<div class="verse-tafsir"
﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ أيْ وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ مِن مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ ما بَكَّتَهم رَسُولُ اللَّهِ ، وشاهَدُوا تَصَلُّبَهُ في الدِّينِ، ويَئِسُوا مِمّا كانُوا يَرْجُونَهُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِواسِطَةِ عَمِّهِ، وكانَ مِنهم أبُو جَهْلٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ يَوْمَ بَدْرٍ: ما هم إلّا النِّساءُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَلْ هُمُ المَلَأُ، وتَلا: ﴿ وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ ﴾ ﴿ أنِ امْشُوا ﴾ » الظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِالمَشْيِ بِمَعْنى نَقْلِ الأقْدامِ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ، وأن مُفَسِّرَةٌ فَقِيلَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا مِنَ المَلَإ، أيِ انْطَلَقَ المَلَأُ يَتَحاوَرُونَ، والتَّفْسِيرُ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ وهو مُتَضَمِّنٌ مَعْنى القَوْلِ دُونَ لَفْظِهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ الحَذْفِ، فَإنَّ الِانْطِلاقَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ يَسْتَلْزِمُ عادَةً تَفاوُضَ المُنْطَلِقِينَ، وتَحاوُرَهم بِما جَرى فِيهِ، وتَضَمُّنُ المُفَسَّرِ لِمَعْنى القَوْلِ أعَمُّ مِن كَوْنِهِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ وغَيْرِها كالمُقارَنَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كافٍ فِيهِ، وقِيلَ: الِانْطِلاقُ هُنا الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، فَهو مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ، وإطْلاقُ الِانْطِلاقِ عَلى ذَلِكَ، الظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وأصْلُهُ انْطَلَقَتْ ألْسِنَتُهُمْ، والمَعْنى: شَرَعُوا في التَّكَلُّمِ بِهَذا القَوْلِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ (بِامْشُوا) سِيرُوا عَلى طَرِيقَتِكُمْ، وداوِمُوا عَلى سِيرَتِكُمْ، وقِيلَ: هو مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها، ومِنهُ الماشِيَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مِن شَأْنِها كَثْرَةُ الوِلادَةِ، أوْ تَفاؤُلًا بِذَلِكَ، والمُرادُ لازِمُ مَعْناهُ، أيْ أكْثِرُوا واجْتَمِعُوا، وقِيلَ: هو دُعاءٌ بِكَثْرَةِ الماشِيَةِ افْتَتَحُوا بِهِ كَلامَهم لِلتَّعْظِيمِ، كَما يُقالُ: اسْلَمْ أيُّها الأمِيرُ، واخْتارُوهُ مِن بَيْنِ الأدْعِيَةِ لِعِظَمِ شَأْنِ الماشِيَةِ عِنْدَهم.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّ فِعْلَهُ مَزِيدٌ، يُقالُ: أمْشى إذا كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ، فَكانَ يَلْزَمُ قَطْعُ هَمْزَتِهِ، والقِراءَةُ بِخِلافِهِ مَعَ أنَّ إرادَةَ هَذا المَعْنى هُنا في غايَةِ البُعْدِ، وأيًّا ما كانَ، فالبَعْضُ قالَ لِلْبَعْضِ ذَلِكَ، وقِيلَ: قالَ الأشْرافُ لِأتْباعِهِمْ وعَوامِّهِمْ، وقُرِئَ ”امْشُوا“ بِغَيْرِ (أنْ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ دُونَ إضْمارِها، أيْ قائِلِينَ: امْشُوا، ﴿ واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ﴾ أيِ اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها مُتَحَمِّلِينَ لِما تَسْمَعُونَهُ في حَقِّها مِنَ القَدْحِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا“، فَجُمْلَةُ ”يَمْشُونَ“ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ في ”أنِ اصْبِرُوا“ كَما في ”أنِ امْشُوا“، سَواءٌ تَعَلَّقَ بِانْطَلَقَ، أوْ بِما يَلِيهِ، ﴿ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، والإشارَةُ إلى ما وقَعَ وشاهَدُوهُ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ، وتَصَلُّبِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ، ونَفْيِ أُلُوهِيَّةِ آلِهَتِهِمْ أيْ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَظِيمٌ يُرادُ مِن جِهَتِهِ إمْضاؤُهُ وتَنْفِيذُهُ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ، لا قَوْلٌ يُقالُ مِن طَرْفِ اللِّسانِ، أوْ أمْرٌ يُرْجى فِيهِ المُسامَحَةُ بِشَفاعَةِ إنْسانٍ، فاقْطَعُوا أطْماعَكم عَنِ اسْتِنْزالِهِ إلى إرادَتِكُمْ، واصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَشَيْءٌ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ، يُرادُ بِنا، فَلا حِيلَةَ إلّا تَجَرُّعُ مَرارَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِيهِ مِن أمْرِ التَّوْحِيدِ أوْ يَقْصِدُهُ مِنَ الرِّئاسَةِ والتَّرَفُّعِ عَلى العَرَبِ والعَجَمِ لَشَيْءٌ يُتَمَنّى، أوْ يُرِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ، ولَكِنْ لا يَكُونُ لِكُلِّ ما يَتَمَنّاهُ أوْ يُرِيدُهُ فاصْبِرُوا، وقِيلَ: إنَّ هَذا أيْ دِينُكم يُطْلَبُ لِيُنْتَزَعَ مِنكُمْ، ويُطْرَحَ، أوْ يُرادَ إبْطالُهُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الصَّبْرِ المَفْهُومِ مِنِ ﴿ اصْبِرُوا ﴾ أيْ إنَّ الصَّبْرَ لَشَيْءٌ مَطْلُوبٌ لِأنَّهُ مَحْمُودُ العاقِبَةِ.
وقالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا، فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا، وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ، فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما سَمِعْنا بِهَذا ﴾ الَّذِي يَقُولُهُ، ﴿ فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ: أرادُوا مِلَّةَ النَّصارى، والتَّوْصِيفُ بِالآخِرَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومُرادُهم مِن قَوْلِهِمْ: ما سَمِعْنا إلَخْ، إنّا سَمِعْنا خِلافَهُ، وهو عَدَمُ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ النَّصارى كانُوا يُثَلِّثُونَ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحاشاهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقَتادَةَ: أرادُوا مِلَّةَ العَرَبِ ونِحْلَتَها الَّتِي أدْرَكُوا عَلَيْها آباءَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في المِلَّةِ الآخِرَةِ حالًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ لا مُتَعَلِّقًا (بِسَمِعْنا) أيْ ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ كائِنًا في المِلَّةِ الَّتِي تَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، أرادُوا أنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يُحَدِّثُونَهم قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ بِظُهُورِ نَبِيٍّ أنَّ في دِينِهِ التَّوْحِيدَ، ولَقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ، فَإنَّ حَدِيثَ: (إنَّ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ آخِرَ الزَّمانِ يَكْسِرُ الأصْنامَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِ المَلِكِ العَلّامِ)، كانَ أشْهَرَ الأُمُورِ قَبْلَ الظُّهُورِ، وإنْ أرادُوا عَلى هَذا المَعْنى: إنّا سَمِعْنا خِلافَ ذَلِكَ، فَكَذِبُهم أقْبَحُ ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ ما هَذا.
﴿ إلا اخْتِلاقٌ ﴾ أيِ افْتِعالٌ وافْتِراءٌ مِن غَيْرِ سَبْقِ مِثْلٍ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ أيِ القُرْآنُ، ﴿ مِن بَيْنِنا ﴾ ونَحْنُ رُؤَساءُ النّاسِ وأشْرافُهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ومُرادُهم إنْكارُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ ، وأمْثالُ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَناطَ تَكْذِيبِهِمْ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ وقِصَرُ النَّظَرِ عَلى الحُطامِ الدُّنْيَوِيِّ، ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي ﴾ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى رَسُولِي المَشْحُونِ بِالتَّوْحِيدِ لِمَيْلِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، ولَيْسَ في عَقِيدَتِهِمْ ما يَقْطَعُونَ بِهِ، فَلِذا تَراهم يَنْسُبُونَهُ إلى السِّحْرِ تارَةً، وإلى الِاخْتِلاقِ أُخْرى، قِيلَ: لِلْإضْرابِ عَنْ جَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وبَلْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ ﴾ إضْرابٌ عَنْ مَجْمُوعِ الكَلامَيْنِ السّابِقَيْنِ حَدِيثِ الحَسَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: أأنزل إلَخْ، وحَدِيثِ الشَّكِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ أيْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ، فَإذا ذاقُوهُ زالَ عَنْهم ما بِهِمْ مِنَ الحَسَدِ والشَّكِّ حِينَئِذٍ، يَعْنِي أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ إلّا أنْ يَمَسَّهُمُ العَذابُ فَيَضْطَرُّوا إلى التَّصْدِيقِ، أوْ إضْرابٌ عَنِ الإضْرابِ قَبْلَهُ، أيْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ، فَإذا ذاقُوهُ زالَ شَكُّهم واضْطُرُّوا إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِي، والأوَّلُ عَلى ما في الكَشْفِ هو الوَجْهُ السَّدِيدُ، ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي المَوْعُودَ في القُرْآنِ، ولِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ، وهو كَما تَرى، وفي التَّعْبِيرِ (بِـلَمّا) دِلالَةٌ عَلى أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أأُنْزِلَ ﴾ إلَخْ، ونَظِيرُهُ في رَدِّ نَظِيرِهِ، ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ المِلْكُ والتَّصَرُّفُ لا مُجَرَّدُ الحُضُورِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْكارِ أيْ بَلْ أيَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَتِهِ تَعالى ويَتَصَرَّفُونَ فِيها حَسْبَما يَشاؤُونَ حَتّى أنَّهم يُصِيبُونَ بِها مَن شاؤُوا ويَصْرِفُونَها عَمَّنْ شاؤُوا، ويَتَحَكَّمُونَ فِيها بِمُقْتَضى رَأْيِهِمْ، فَيَتَخَيَّرُوا لِلنُّبُوَّةِ بَعْضَ صَنادِيدِهِمْ.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ لِلتَّشْرِيفِ واللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَزِيزُ القاهِرُ عَلى خَلْقِهِ، والوَهّابُ الكَثِيرُ المَواهِبِ المُصِيبُ بِها مَواقِعَها، وحَدِيثُ العِزَّةِ والقَهْرِ يُناسِبُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَرَفُّعِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ عَنْهُ تَجَبُّرًا.
والمُبالَغَةُ في الوَهّابِ مِن طَرِيقِ الكَمِّيَّةِ تُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ خَزائِنُ ﴾ وتَدُلُّ عَلى حِرْمانٍ لَهم عَظِيمٍ، وفي ذَلِكَ إدْماجُ أنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ عَطاءً واحِدًا بِالحَقِيقَةِ، بَلْ يَتَضَمَّنُ عَطايا جَمَّةً تَفُوتُ الحَصْرَ، وهي مِن طَرِيقِ الكَيْفِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِإصابَةِ المَواقِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مُسْتَحِقَّ العَطاءِ ومَحَلَّهُ مَن وُهِبَ ذَلِكَ، وهو النَّبِيُّ ، وفي الوَصْفِ المَذْكُورِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مَوْهِبَةٌ رَبّانِيَّةٌ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ تَرْشِيحٌ لِما سَبَقَ أيْ بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ حَتّى يَتَكَلَّمُوا في الأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ، ويَتَحَكَّمُوا في التَّدابِيرِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يَسْتَأْثِرُ بِها رَبُّ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْ كانَ لَهم ما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ، فَلْيَصْعَدُوا في المَعارِجِ والمَناهِجِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى السَّماواتِ، فَلْيُدَبِّرُوها، ولْيَتَصَرَّفُوا فِيها، فَإنَّهم لا طَرِيقَ لَهم إلى تَدْبِيرِها والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا ذاكَ، أوْ إنِ ادَّعَوْا ما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ فَلْيَصْعَدُوا ولْيَتَصَرَّفُوا حَتّى يُظَنَّ صِدْقُ دَعْواهُمْ، فَإنَّهُ لا أمارَةَ عِنْدَهم عَلى صِدْقِها، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ أمارَةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ: أيْ فَلْيَصْعَدُوا في المَعارِجِ والطُّرُقِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَسْتَوُوا عَلَيْهِ، ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ، ومَلَكُوتَ اللَّهِ تَعالى، ويُنْزِلُوا الوَحْيَ إلى مَن يَخْتارُونَ ويَسْتَصْوِبُونَ، وهو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ، بَيْدَ أنَّ فِيهِ دَغْدَغَةً، وأيًّا ما كانَ فَفي أمْرِهِمْ بِذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لا يَخْفى، والسَّبَبُ في الأصْلِ الوَصْلَةُ مِنَ الحَبْلِ، ونَحْوِهِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْبابُ هُنا أبْوابُ السَّماواتِ، وقِيلَ: السَّماواتُ أنْفُسُها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها أسْبابًا عادِيَّةً لِلْحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ ﴾ أيْ هم جُنْدٌ إلَخْ، فَجُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ مُقَدَّمًا كَما هو الظّاهِرُ، (وما) مَزِيدَةٌ، قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، نَحْوُ: أكَلْتُ شَيْئًا ما، وقِيلَ: لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ ﴿ مَهْزُومٌ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِالعَظَمَةِ والكَثْرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهي بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَظَمَةً وكَثْرَةً، وفي نَفْسِ الأمْرِ ذِلَّةٌ وقِلَّةٌ، ورُجِّحَ بِأنَّ الأكْثَرَ في كَلامِهِمْ كَوْنُها لِلتَّعْظِيمِ، نَحْوَ: لِأمْرٍ ما جُدِعَ قَصِيرُ أنْفِهِ، لِأمْرٍ ما يَسُودُ مَن يَسُودُ.
وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وحَدِيثَ الرَّكْبِ يَوْمَ هُنًا وحَدِيثَ ما عَلى قِصَرِهِ مَعَ أنَّ الكَلامَ لِتَسْلِيَتِهِ وتَبْشِيرِهِ بِانْهِزامِهِمْ، وذَلِكَ أكْمَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، قِيلَ: إنَّ التَّبْشِيرَ بِخِذْلانِ عَدَدٍ حَقِيرٍ رُبَّما أشْعَرَ بِإهانَةٍ وتَحْقِيرٍ: ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ أمْضى مِنَ العَصا وفِيهِ نَظَرٌ، وهنالك، صِفَةُ ﴿ جُنْدٌ ﴾ ، أوْ ظَرْفٌ، ﴿ مَهْزُومٌ ﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَكانِ البَعِيدِ، وأُرِيدَ بِهِ عَلى قَوْلِ المَكانِ الَّذِي تَفاوَضُوا فِيهِ مَعَ الرَّسُولِ بِتِلْكَ الكَلِماتِ السّابِقَةِ، وهو مَكَّةُ، وجَعَلَ ذَلِكَ إخْبارًا بِالغَيْبِ عَنْ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هُنالِكَ إذا كانَ إشارَةً إلى مَكَّةَ، ومُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ لا يَتَسَنّى هَذا إلّا إذا أُرِيدَ مِن مَكَّةَ ما يَشْمَلُ بَدْرًا، ومهزوم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأصْلُ الهَزْمِ غَمْزُ الشَّيْءِ اليابِسِ حَتّى يَنْحَطِمَ كَهَزْمِ الشِّنِّ، وهَزْمِ القِثّاءِ والبِطِّيخِ، ومِنهُ الهَزِيمَةُ لِأنَّهُ كَما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحَطْمِ والكَسْرِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا لَمْ يَقَعْ بِاسْمِ المَفْعُولِ المُؤْذِنِ بِالوُقُوعِ عَلى ما في بَعْضِ شُرُوحِ الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ قُرْبِهِ حَتّى كَأنَّهُ مُحَقَّقٌ، ومن الأحزاب صِفَةُ جند أيْ هم جُنْدٌ قَلِيلُونَ أذِلّاءُ، أوْ كَثِيرُونَ عُظَماءُ، كائِنُونَ هُنالِكَ مِنَ الكُفّارِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الرُّسُلِ مَكْسُورُونَ عَنْ قَرِيبٍ، أوْ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَكْسُورُونَ عَنْ قَرِيبٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ بِما تَكَلَّمُوا، فَلا تُبالِ بِما يَقُولُونَ، ولا تَكْتَرِثْ بِما يَهْذُونَ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿ جُنْدٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما زائِدَةٌ، وهُنالِكَ نَعْتٌ، وكَذا (مِنَ الأحْزابِ)، (ومَهْزُومٌ) خَبَرٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بَعْدُ التِفاتَةَ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، واعْتَبَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَصْرَ، أيْ ما هم إلّا جُنْدٌ مِنَ المُتَحَزِّبِينَ مَهْزُومٌ عَنْ قَرِيبٍ لا يَتَجاوَزُونَ الجُنْدِيَّةَ المَذْكُورَةَ إلى الأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ في مَنشَإ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ حَقُّ الجُنْدِ أنْ يُعَرَّفَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا فَنُكِّرَ سَوْقًا لِلْمَعْلُومِ مَساقَ المَجْهُولِ، كَأنَّهُ لا يُعَرَّفُ مِنهم إلّا هَذا القَدْرُ، وهو أنَّهم جُنْدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ التَّفْخِيمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّنْكِيرِ، وزِيادَةُ (ما) الدّالَّةِ عَلى الشُّيُوعِ وغايَةِ التَّعْظِيمِ لِدِلالَتِهِما عَلى اخْتِصاصِ الوَصْفِ بِالجُنْدِيَّةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الصِّفاتِ، كَأنَّهُ لا وصْفَ لَهم غَيْرُها، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، ويُفْهَمُ كَلامُ العَلّامَةِ الثّانِي أنَّهُ اعْتِبارُ كَوْنِ ﴿ جُنْدٌ ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿ هُنالِكَ ﴾ المَوْضُوعَ لِلْإشارَةِ إلى المَكانِ البَعِيدِ مُسْتَعارًا لِلْمَرْتَبَةِ مِنَ العُلُوِّ والشَّرَفِ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى حَيْثُ وضَعُوا فِيهِ أنْفُسَهم مِنَ الانْتِدابِ لِمِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ، كَما في قَوْلِهِمْ لِمَنِ انْتُدِبَ لِأمْرٍ لَيْسَ مِن أهْلِهِ: لَسْتَ هُنالِكَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الذَّمِّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، أيْ هم جُنْدٌ لَيْسُوا حَيْثُ وضَعُوا أنْفُسَهم.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، ولا يَلِيقُ بِالمَقامِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿ هُنالِكَ ﴾ إشارَةً إلى الزَّمانِ البَعِيدِ، وهي كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: قَدْ يُشارُ بِها إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ﴾ وتَتَعَلَّقُ (بِمَهْزُومٌ)، والكَلامُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، إمّا عَنْ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، كَما تَقَدَّمَ حِكايَتُهُ، أوْ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى زَمانِ الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ إذا ارْتَقَوْا في الأسْبابِ، ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقِيلَ: (ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وهُنالِكَ في مَوْضِعِ الصِّلَةِ، (وجُنْدٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (ومَهْزُومٌ)، (ومِنَ الأحْزابِ) صِفَتانِ، وهُما المَقْصُودانِ بِالإفادَةِ، (وما هُنالِكَ) إشارَةٌ إلى مَكَّةَ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ فِيها المُشْرِكُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم (بِما) لِأنَّهم كالأنْعامِ، بَلْ هم أضَلُّ، وقِيلَ: الأصْنامُ وعَبَدَتُها، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِما عَلَيْهِ أظْهَرُ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ في كَلامِ أبِي البَقاءِ، وزِيادَةٌ لا تَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ مِمّا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ العِقابِ، وذو الأوتاد صِفَةُ فِرْعَوْنَ لا لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وإلّا لَقِيلَ: ذَوُو الأوْتادِ، والأوتاد جَمْعُ وتَدٍ، وهو مَعْرُوفٌ، وكَسْرُ التّاءِ فِيهِ أشْهَرُ مِن فَتْحِها، ويُقالُ: وتَدَ واتِدٌ كَما يُقالُ: شَغَلَ شاغِلٌ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ وأنْشَدَ: لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفْها المَواعِدا وقالُوا: ودٌّ بِإبْدالِ التّاءِ دالًا، والإدْغامِ، ووَتٌّ بِإبْدالِ الدّالِ تاءً، وفِيهِ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ وهو قَلِيلٌ، وأصْلُ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، وهو لا يَثْبُتُ بِدُونِها كَما قالَ الأعْشى: والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا عَلى عُمُدٍ ∗∗∗ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ فَقِيلَ: إنَّهُ شَبَّهَ هُنا فِرْعَوْنَ في ثَباتِ مُلْكِهِ ورُسُوخِ سَلْطَنَتِهِ بِبَيْتٍ ثابِتٍ أُقِيمَ عِمادُهُ، وثَبَتَتْ أوْتادُهُ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، ووُصِفَ بِذِي الأوْتادِ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، فالمَعْنى: كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ، وفِرْعَوْنُ الثّابِتُ مُلْكُهُ، وسَلْطَنَتُهُ، وقِيلَ: شَبَّهَ المُلْكَ الثّابِتَ مِن حَيْثُ الثَّباتُ والرُّسُوخُ بِذِي الأوْتادِ، وهو البَيْتُ المُطْنَبُ بِأوْتادِهِ، واسْتُعِيرَ ذُو الأوْتادِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ مِمّا مَرَّ، نِهايَتُهُ أنَّهُ وصَفَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنَ مُبالَغَةً لِجَعْلِهِ عَيْنَ مُلْكِهِ، والمَعْنى عَلى وصْفِهِ بِثَباتِ المُلْكِ ورُسُوخِ السَّلْطَنَةِ واسْتِقامَةِ الأمْرِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ: الأوْتادُ الجُنُودُ يُقَوُّونَ مُلْكَهُ كَما يُقَوِّي الوَتَدُ الشَّيْءَ، أيْ وفِرْعَوْنُ ذُو الجُنُودِ، فالِاسْتِعارَةُ عَلَيْهِ تَصْرِيحِيَّةٌ في الأوْتادِ، وقِيلَ: هو مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلُزُومِ الأوْتادِ لِلْجُنْدِ، وقِيلَ: المَبانِي العَظِيمَةُ الثّابِتَةُ، وفِيهِ مَجازٌ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ: كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أوْتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقِيلَ: كانَ يَشْبَحُ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعِ سِوارٍ، كُلُّ طَرَفٍ مِن أطْرافِهِ إلى سارِيَةٍ، ويَضْرِبُ في كُلٍّ وتَدًا مِن حَدِيدٍ، ويَتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: كانَ يَمُدُّهُ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ، ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ، وقِيلَ: يَشُدُّهُ بِأرْبَعَةِ أوْتادٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَخْرَةً فَتُلْقى عَلَيْهِ فَتَشْدَخُهُ.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ، فالأوْتادُ ثابِتَةٌ عَلى حَقِيقَتِها، <div class="verse-tafsir"
﴿ وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ ﴾ أصْحابُ الغَيْضَةِ وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نُسِبُوا إلى غَيْضَةٍ، كانُوا يَسْكُنُونَها، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ بَلَدٍ لَهُمْ، ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ، المُكَذِّبُونَ، ﴿ الأحْزابُ ﴾ أيِ الكُفّارُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المَهْزُومُونَ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الأحْزابَ الَّذِينَ جُعِلَ الجُنْدُ المَهْزُومُ مِنهم هم هُمْ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ، لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ في مِثْلِهِ مُتَعاكِسانِ رَأْسًا بِرَأْسٍ، لا لِأنَّ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْزابِ أوَّلًا، والأحْزابُ ثانِيًا هُمُ المُكَذِّبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِتَكْذِيبِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، فَإنْ نافِيَةٌ، ولا عَمَلَ لَها، لِانْتِقاضِ النَّفْيِ بِإلّا، وكل مُبْتَدَأٌ والِاسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وهو الخَبَرُ، أيْ ما كُلُّ حِزْبٍ مِنَ الأحْزابِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ، إلّا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ كَذَّبَ الرُّسُلَ، أوْ مُخْبَرًا عَنْهُ بِخَبَرٍ إلّا مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ الرُّسُلَ يُصَدِّقُ كُلٌّ مِنهُمُ الكُلَّ، وكُلُّهم مُتَّفِقُونَ عَلى الحَقِّ، فَتَكْذِيبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لَهم جَمِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، أيْ ما كُلُّهم مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ، أوْ مُخْبَرًا عَنْهُ بِشَيْءٍ إلّا مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أوْ إلّا مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ رَسُولَهُ، والحَصْرُ مُبالَغَةٌ كَأنَّ سائِرَ أوْصافِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى ما أُثْبِتَ لَهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهم غالُونَ في التَّكْذِيبِ، ويَدُلُّ عَلى غُلُوِّهِمْ فِيهِ أيْضًا إعادَتُهُ مُتَعَلِّقًا بِالرُّسُلِ، وتَنْوِيعُ الجُمْلَتَيْنِ إلى اسْمِيَّةٍ اسْتِثْنائِيَّةٍ وغَيْرِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ إلَخْ، وجَعَلَ كُلَّ فِرْقَةٍ مُكَذِّبَةٍ لِلْجَمِيعِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ويُسَجِّلُ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ اسْتِحْقاقُهم أشَدَّ العِقابِ، ولِذا رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عِقابِ ﴾ أيْ ثَبَتَ ووَقَعَ عَلى كُلٍّ مِنهم عِقابِي الَّذِي كانَتْ تُوجِبُهُ جِناياتُهم مِن أصْنافِ العُقُوباتِ، فَأغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ بِالغَرَقِ، وقَوْمَ هُودٍ بِالرِّيحِ، وثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمَ لُوطٍ بِالخَسْفِ، وأصْحابَ الأيْكَةِ بِعَذابِ الظُّلَّةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿ أُولَئِكَ الأحْزابُ ﴾ بَدَلًا مِنَ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِما سَمِعْتَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ إنَّ كُلًّا مِنهم أوْ كُلَّهم إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، والمَجْمُوعُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَعَ ما فِيهِ مِن بَيانِ كَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ، وكِلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ خَبَرٌ والمُبْتَدَأ قَوْلُهُ تَعالى: وعاد إلَخْ، أوْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَوْمُ لُوطٍ ﴾ إلَخْ، فَمِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ عِقابِ كُفّارِ مَكَّةَ إثْرَ بَيانِ عِقابِ أضْرابِهِمْ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ مِمّا يُوجِبُ تَرَقُّبَ السّامِعِ بَيانَهُ، والنَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، وعَبَّرَ بِهِ مَجازًا بِجَعْلٍ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ لَهُمْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ بِالصَّيْحَةِ الواحِدَةِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، أيْ ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ الحَقِيرُونَ الَّذِينَ هم أمْثالُ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ المُهْلَكَةِ في الكُفْرِ، والتَّكْذِيبِ شَيْئًا إلّا النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ الَّتِي تَقُومُ بِها السّاعَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها نَفْسَها عِقابٌ لَهم لِعُمُومِها لِلْبَرِّ والفاجِرِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ إلّا هي لِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ إلى الآخِرَةِ لِما أنَّ تَعْذِيبَهم بِالِاسْتِئْصالِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّونَهُ، والنَّبِيُّ مَوْجُودٌ خارِجٌ عَنِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ ، إذِ المُرادُ مِن ﴿ وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ وُجُودُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا مُجاوَرَتُهُ لَهم كَما تُوُهِّمَ حَتّى يُقالَ: لا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ لِمُخالَفَتِهِ لِلتَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ المَذْكُورَةِ النَّفْخَةُ الأُولى.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا لِما أنَّهُ لا يُشاهِدُ هو لَها، ولا يُصْعَقُ بِها إلّا مَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها، ولَيْسَ عِقابُهُمُ المَوْعُودُ واقِعًا عَقِيبَها، ولا العَذابُ المُطْلَقُ مُؤَخَّرًا إلَيْها، بَلْ يَحِلُّ بِهِمْ مِن حِينِ مَوْتِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ صَيْحَةٌ يُهْلَكُونَ بِها في الدُّنْيا كَما هَلَكَتْ ثَمُودُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَعْذِيبٌ بِالِاسْتِئْصالِ، وهو مِمّا لا يَقَعُ كَما سَمِعْتَ، فَلا يَكُونُ مُنْتَظَرًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّيْحَةُ ما نالَهم مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَلَبَةٍ، كَما تَقُولُ: صاحَ بِهِمُ الدَّهْرُ، فَهي مَجازٌ عَنِ الشَّرِّ كَما في قَوْلِهِمْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى، أيْ شَرًّا يُعاجِلُهُمْ، وفِيهِ بُعْدٌ.
وجُوِّزَ جَعْلُ هَؤُلاءِ إشارَةً إلى الأحْزابِ لِما سَبَقَ ذِكْرُهم مُكَرِّرًا مُؤَكِّدًا اسْتِحْضارَهُمُ المُخاطَبَ في ذِهْنِهِ، فَنُزِّلَ الوُجُودُ الذِّهْنِيُّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ المَحْسُوسِ، وأُشِيرَ إلَيْهِمْ بِما يُشارُ بِهِ لِلْحاضِرِ المُشاهَدِ، واحْتِمالُ التَّحْقِيرِ قائِمٌ، ولا يَنْبُو عَنْهُ التَّعْبِيرُ بِأُولَئِكَ، لِأنَّ البُعْدَ في الواقِعِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْقِيرُ أيْضًا، والكَلامُ بَيانٌ لِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ مِنَ العِقابِ بَعْدَ ما نَزَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ، وجَعْلُهم مُنْتَظِرِينَ لَهُ لِأنَّ ما أصابَهم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ لَيْسَ هو نَتِيجَةَ ما جَنَوْهُ مِن قَبِيحِ الأعْمالِ، إذْ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ثَمَّتَ مِنَ الأهْوالِ، فَهو تَحْذِيرٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وتَخْوِيفٌ لِمَن يُساقُ لَهُ الحَدِيثُ فَلا وجْهَ لِما قالَهُ أبُو السُّعُودِ مِن أنَّ هَذا لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ أصْلًا، لِأنَّ الِانْتِظارَ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً، أوِ اسْتِهْزاءً إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى أعْمالِهِ نَتائِجُها بَعْدُ، وبَعْدَ ما بَيَّنَ عِقابَ الأحْزابِ واسْتِئْصالَهم بِالمَرَّةِ لَمْ يَبْقَ مِمّا أُرِيدَ بَيانُهُ مِن عُقُوباتِهِمْ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ بِخِلافِ كُفّارِ قُرَيْشٍ حَيْثُ ارْتَكَبُوا ما ارْتَكَبُوا، ولَمّا يُلاقُوا بَعْدُ شَيْئًا قالَهُ الخَفاجِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ هو الِاحْتِمالُ الأوَّلُ، وهو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ، والفَواقُ الزَّمَنُ الَّذِي بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ، ورَضْعَتَيِ الرّاضِعِ، ويُقالُ لِلَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ في الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ فِيقَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى أفْواقٍ، وأفاوِيقُ جَمْعُ الجَمْعِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافَيْنِ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن تَوَقُّفِ مِقْدارِ فَواقٍ، أوْ عَلى ذِكْرِ المَلْزُومِ الَّذِي هو الفَواقُ، وإرادَةُ اللّازِمِ الَّذِي هو التَّوَقُّفُ مِقْدارَهُ، وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ، والمَعْنى أنَّ الصَّيْحَةَ إذا جاءَ وقْتُها لَمْ تَسْتَأْخِرْ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ تَفْسِيرُهُ بِالرُّجُوعِ والتَّرْدادِ، وهو مَجازٌ أُطْلِقَ فِيهِ المَلْزُومُ، وأُرِيدَ اللّازِمُ، فَإنَّ في الزَّمانِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ يَرْجِعُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، والمَعْنى أنَّها صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَحَسْبُ، لا تُثَنّى، ولا تُرَدَّدُ، فالجُمْلَةُ عَلَيْهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوَحْدَةِ الصَّيْحَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ بِضَمِّ الفاءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ما تَقَدَّمَ كَقَصاصِ الشَّعْرِ وقُصاصِهِ، وقِيلَ: المَفْتُوحُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِن أفاقَ المَرِيضُ إفاقَةً وفاقَةً إذا رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ وإلَيْهِ يَرْجِعُ تَفْسِيرُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ، والفَرّاءِ لَهُ بِالإفاقَةِ والِاسْتِراحَةِ، والمَضْمُومُ اسْمُ ساعَةِ رُجُوعِ اللَّبَنِ لِلضَّرْعِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ ﴾ حِكايَةٌ لِما قالُوهُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِمْ إلى الآخِرَةِ، أيْ قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِسْطَنا، ونَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ، ولا تُؤَخِّرْهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الصَّيْحَةُ المَذْكُورَةُ، وتَصْدِيرُ دُعائِهِمْ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ لِلْإمْعانِ في الِاسْتِهْزاءِ، كَأنَّهم يَدْعُونَ ذَلِكَ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والِابْتِهالِ، والقائِلُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ وأبُو جَهْلٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى القَوْلَيْنِ الباقُونَ راضُونَ، فَلِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِن قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ، ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطٌّ، لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القِرْطاسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويُطْلِقُ قِيلَ: وهو في ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وقَدْ فَسَّرَهُ بِها هَنا أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ، أيْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا، لِنَنْظُرَ فِيها، وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم أرادُوا نَصِيبَهم مِنَ الجَنَّةِ.
ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّهم سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ يَذْكُرُ وعْدَ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنها لِنَتَنَعَّمَ بِهِ في الدُّنْيا.
قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أقْوى التَّفاسِيرِ أنَّهم سَألُوا أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ النَّعِيمُ الَّذِي كانَ يَعِدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَن آمَنَ لِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، ولَوْ كانَ عَلى ما يَحْمِلُهُ أهْلُ التَّأْوِيلِ مِن سُؤالِ العَذابِ أوِ الكِتابِ اسْتِهْزاءً لَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ولَمْ يَسْألُوا رَبَّهُمْ، وفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ عَلى ما يَتَجَدَّدُ مِن أمْثالِ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ المُؤْذِيَةِ، ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ﴾ أيِ اذْكُرْ لَهم قِصَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَعْظِيمًا لِلْمَعْصِيَةِ في أعْيُنِهِمْ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى كَمالِ قُبْحِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ، وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ لَمّا ألَمَّ بِما هو خِلافُ الأوْلى نالَهُ ما ألَمَّهُ، وأدامَ غَمَّهُ ونَدَمَهُ، فَما الظَّنُّ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الأذَلِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَزالُوا عَلى أكْبَرِ الكَبائِرِ مُصِرِّينَ، أوِ اذْكُرْ قِصَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في نَفْسِكَ، وتَحَفَّظْ مِنِ ارْتِكابِ ما يُوجِبُ العِتابَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَذْكُرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ عَرَضَ لَهم ما عَرَضَ، فَصَبَرُوا حَتّى فَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وأحْسَنَ عاقِبَتَهُمْ، تَرْغِيبًا لَهُ في الصَّبْرِ وتَسْهِيلًا لِأمْرِهِ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِبُلُوغِ ما يُرِيدُهُ بِذَلِكَ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: أمَرَهُ بِالصَّبْرِ، وذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ بُرْهانًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ، والذِّكْرُ عَلى هَذا، والأوَّلِ لِسانِيٌّ، وعَلى ما بَيْنَهُما قَلْبِيٌّ، وهو مُرادُ مَن فَسَّرَ ﴿ اذْكُرْ ﴾ عَلى ذَلِكَ بِتَذَكَّرْ، ﴿ ذا الأيْدِ ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ، يُقالُ: فُلانٌ أيْدٍ وذُو أيْدٍ وذُو آدٍ وأيادٍ بِمَعْنى، وأيادِ كُلِّ شَيْءٍ ما يُتَقَوّى بِهِ.
﴿ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ أيْ رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهُما قالا: الأوّابُ المُسَبِّحُ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّهُ المُسَبِّحُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، «عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ فَقالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ عَنْهُ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى».
وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعْدَلُ عَنْهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذا الأيْدِ، وتَدُلُّ بِأيِّ مَعْنًى كانَ الأوّابُ فِيها عَلى أنَّ المُرادَ بِالأيْدِ القُوَّةُ الدِّينِيَّةُ، وهي القُوَّةُ عَلى العِبادَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وغَيْرُهم إذْ لا يَحْسُنُ التَّعْلِيلُ لَوْ حُمِلَتِ القُوَّةُ عَلى القُوَّةِ في الجِسْمِ، نَعَمْ قَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوِيَّ الجِسْمِ أيْضًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ هُنا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعَبْدِنا ووَصْفِهِ بِذِي الأيْدِ، والتَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ دِلالَةٌ عَلى كَثْرَةِ عِبادَتِهِ ووُفُورِ طاعَتِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ إذا ذَكَرَ داوُدَ وحَدَّثَ عَنْهُ قالَ: كانَ أعْبَدَ البَشَرِ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنِّي أعْبَدُ مِن داوُدَ“».
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا وكانَ يَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ.
وفِي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى قُوَّتِهِ في العِبادَةِ لِما في كُلٍّ مِنَ الصِّيامِ والقِيامِ المَذْكُورَيْنِ مِن تَرْكِ راحَةٍ تَذْكُرُها قَرِيبًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قِصَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لِتَعْلِيلِ قُوَّتِهِ في الدِّينِ، وأوّابِيَّتِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَعَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَخَّرَ، وإيثارُها عَلى اللّامِ، لِأنَّ تَسْخِيرَ الجِبالِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيها إلَيْهِ كَتَسْخِيرِ الرِّيحِ وغَيْرِها لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ بِطَرِيقِ الِاقْتِداءِ بِهِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى: وأُخِّرَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ عَنِ ﴿ الجِبالَ ﴾ وقُدِّمَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ]، فَقِيلَ: ﴿ وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ ﴾ قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لِذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ ثَمَّتَ، فَقُدِّمَ مُسارَعَةً لِلتَّعْيِينِ، ولا كَذَلِكَ هُنا، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ وهو أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى آيَةِ الأنْبِياءِ، وتَسْبِيحُهُنَّ تَقْدِيسٌ بِلِسانٍ، قالَ لائِقٌ بِهِنَّ نَظِيرَ تَسْبِيحِ الحَصى المَسْمُوعِ في كَفِّ النَّبِيِّ ، وقِيلَ: تَقْدِيسٌ بِلِسانِ الحالِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَعْدُ يَأْباهُ إذْ لا اخْتِصاصَ لِتَسْبِيحِهِنَّ الحالِيِّ بِهِما، وكَذا لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: المَعْنى يَسِرْنَ مَعَهُ عَلى أنَّ يُسَبِّحْنَ مِنَ السِّباحَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ﴿ الجِبالَ ﴾ والعُدُولُ عَنْ مُسَبِّحاتٍ مَعَ أنَّ الأصْلَ في الحالِ الإفْرادُ لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ حالًا بَعْدَ حالٍ نَظِيرَ ما في قَوْلِ الأعْشى: لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ إلى ضَوْءِ نارٍ في يَفاعٍ تَحَرَّقُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ، ومُقابَلَتُها بِمَحْشُورَةٍ هُنا كالمُعَيِّنَةِ لِلْحالِيَّةِ، ﴿ بِالعَشِيِّ ﴾ هو كَما قالَ الرّاغِبُ: مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، أيْ يُسَبِّحْنَ بِهَذا الوَقْتِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في اسْتِيعابِهِ بِالتَّسْبِيحِ، ﴿ والإشْراقِ ﴾ أيْ وقْتَ الإشْراقِ، قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ وصَفَتْ، فَوَقْتُ الإشْراقِ وقْتُ ارْتِفاعِها عَنِ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وصَفاءِ شُعاعِها، وهو الضَّحْوَةُ الصُّغْرى.
ورُوِيَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى شَيْءٌ حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أيْضًا: ما عَرَفْتُ صَلاةَ الضُّحى إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ فَهْمِ الحَبْرِ إيّاها مِنَ الآيَةِ أيْ كُلُّ تَسْبِيحٍ ورَدَ في القُرْآنِ فَهو عِنْدَهُ، ما لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّعَجُّبُ، والتَّنْزِيهُ بِمَعْنى الصَّلاةِ، فَحَيْثُ كانَتْ صَلاةٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُصَّتْ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ عُلِمَ مِنهُ مَشْرُوعِيَّتُها.
وفِي الكَشْفِ: وجْهُهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ بِالتَّسْبِيحِ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الرِّوايَةِ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي مُسَبِّحًا فِيهِما، فَحُكِيَ في القُرْآنِ ما كانَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّتَهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الضُّحى، وهو المَطْلُوبُ، أوْ نَقُولُ: إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ غَيْرُ تَسْبِيحِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ الأوَّلَ مَجازٌ، فَحُمِلَ تَسْبِيحُ داوُدَ عَلى المَجازِ أيْضًا، لِأنَّ المَجازَ أنْسَبُ اهـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا عُلِمَ مِنَ الرِّوايَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ أخَذَهُ مِنَ الآيَةِ؟
والتَّجَوُّزُ يَنْبَغِي تَقْلِيلُهُ ما أمْكَنَ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ ﴿ مَعَهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِيُسَبِّحْنَ) حَتّى يَكُونَ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسَبِّحًا، أيْ مُصَلِّيًا، وإلّا فَتَسْبِيحُ الجِبالِ لا دِلالَةَ لَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ حِينَئِذٍ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، إلّا أنْ يُقالَ بِهِ، أوْ يُجْعَلَ بِمَعْنى يُعَظِّمْنَ، ويُجْعَلَ تَعْظِيمُ كُلٍّ مَحْمُولًا عَلى ما يُناسِبُهُ، وبَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وارْتَضى الخَفاجِيُّ الأوَّلَ وأُراهُ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ أيْضًا.
وقالَ الجَلَبِيُّ في ذَلِكَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ شَرَفٍ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ الشَّرَفُ سَبَبًا لِتَعْيِينِهِما لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَإنَّ لِفَضِيلَةِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ أثَرًا في فَضِيلَةِ ما يَقَعُ فِيهِما مِنَ العِباداتِ، وهَذا عِنْدِي أصْفى مِمّا تَقَدَّمَ، ويُشْعِرُ بِهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ ﴾ فَما أدْرِي ما هي حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَلاةَ الضُّحى ثَمانِ رَكَعاتٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أنَّ لِهَذِهِ السّاعَةِ صَلاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ ﴾ .
هَذا، ولَهم في صَلاةِ الضُّحى كَلامٌ طَوِيلٌ، والحَقُّ سُنِّيَّتُها، وقَدْ ورَدَ فِيها كَما قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ ابْنُ العِراقِيِّ: أحادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّها بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ.
ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ هانِئٍ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ، وزَعَمَ أنَّ تِلْكَ الصَّلاةَ كانَتْ صَلاةَ شُكْرٍ، لِذَلِكَ الفَتْحِ العَظِيمِ صادَفَتْ ذَلِكَ الوَقْتَ، لا أنَّها عِبادَةٌ مَخْصُوصَةٌ فِيهِ دُونَ سَبَبِ أوانِها كانَتْ قَضاءً عَمّا شَغَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن حِزْبِهِ، فِيها خِلافُ ظاهِرِ الخَبَرِ السّابِقِ عَنْها.
وكَذا ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ كُرَيْبٍ عَنْها أنَّها قالَتْ: «صَلّى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - سُبْحَةَ الضُّحى» .
ومُسْلِمٌ في كِتابِ الطَّهارَةِ مِن طَرِيقِ أبِي مُرَّةَ عَنْها أيْضًا، فَفِيهِ: ثُمَّ صَلّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ سُبْحَةَ الضُّحى.
وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ أنَّها قالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ، فَصَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ، فَقُلْتُ: ما هَذِهِ الصَّلاةُ؟
قالَ: هَذِهِ صَلاةُ الضُّحى».
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّفْيِ بِحَدِيثِ عائِشَةَ، «إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَدَعَ العَمَلَ، وهو يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ النّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وما سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ سُبْحَةَ الضُّحى قَطُّ، وإنِّي لَأُسَبِّحُها،» رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وأبُو مالِكٍ، وحَمَلَهُ القائِلُونَ بِالإثْباتِ عَلى نَفْيِ رُؤْيَتِها ذَلِكَ لِما أنَّهُ رَوى عَنْها مُسْلِمٌ، وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الضُّحى أرْبَعًا، ويَزِيدُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى».
وقَدْ شَهِدَ أيْضًا بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّيها عَلى ما قالَ الحاكِمُ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ، وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وبُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، وعُتْبانُ بْنُ مالِكٍ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، ونُعَيْمُ بْنُ هَمّامٍ الغَطَفانِيُّ، وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ، وأُمُّ هانِئٍ، وأُمُّ سَلَمَةَ، ومِنَ القَواعِدِ المَعْرُوفَةِ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي مَعَ أنَّ رِوايَةَ الإثْباتِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن رِوايَةِ النَّفْيِ، وتَأْوِيلَها أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ تِلْكَ، وذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّها أفْضَلُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الرَّواتِبِ لَكِنَّ النَّوَوِيَّ في شَرْحِ المُهَذِّبِ قَدَّمَ عَلَيْها صَلاةَ التَّراوِيحِ، فَجَعَلَها في الفَضْلِ بَيْنَ الرَّواتِبِ والضُّحى، والمَذْهَبُ عَنْهم وُجُوبُها عَلَيْهِ ، وأنَّ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واحْتُجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلاةِ الضُّحى، ولَمْ تُؤْمَرُوا» بِها“ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا، وقالَ شَيْخُ الحُفّاظِ أبُو الفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في خَبَرٍ صَحِيحٍ، وفي الأخْبارِ ما يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ أقَلَّها رَكْعَتانِ.
لِخَبَرِ البُخارِيِّ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْصاهُ بِهِما، وأنْ لا يَدَعَهُما،» وأدْنى كَمالِها أرْبَعٌ لِما صَحَّ: «كانَ يُصَلِّي الضُّحى أرْبَعًا ويَزِيدُ ما شاءَ،» فَسِتٌّ، فَثَمانٍ، وأكْثَرُها اثْنَتا عَشْرَةَ رَكْعَةً، لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ يُعْمَلُ بِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الأكْثَرَ ثَمانٍ.
وذَكَرُوا أنَّها أفْضَلُ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، والعَمَلُ القَلِيلُ قَدْ يَفْضُلُ الكَثِيرَ فَما يَقْتَضِيهِ أجْرُكَ عَلى قَدْرِ نَصَبِكَ أغْلَبِيٌّ.
وصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ صَلاةِ الضُّحى وصَلاةِ الإشْراقِ قالَ: ومِمّا لا يُسَنُّ جَماعَةً رَكْعَتانِ عَقِبَ الإشْراقِ بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِ الكَراهَةِ، وهي غَيْرُ الضُّحى، وتَقَدَّمَ لَكَ ما يُفِيدُ اتِّحادِهِما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وصَحَّ إطْلاقُ صَلاةِ الأوّابِينَ عَلى صَلاةِ الضُّحى، كَإطْلاقِها عَلى الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ بَعْدَ المَغْرِبِ، هَذا وتَمامُ الكَلامِ فِيها في كُتُبِ الفِقْهِ والحَدِيثِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ والطَّيْرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ الجِبالَ ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ.
﴿ مَحْشُورَةً ﴾ حالٌ مِنَ”الطير“ والعامِلُ سَخَّرْنا، أيْ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ بِالتَّسْبِيحِ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ، فَسَبَّحَتْ، وذَلِكَ حَشْرُها، ولَمْ يُؤْتَ بِالحالِ فِعْلًا مُضارِعًا كالحالِ السّابِقَةِ لِيَدُلَّ عَلى الحَشْرِ الدَّفْعِيِّ الَّذِي هو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وذَلِكَ بِتَوَسُّطِ مُقابَلَتِهِ لِلْفِعْلِ، أوْ لِأنَّ الدَّفْعِيَّةَ هي الأصْلُ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ عَلى خِلافِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدَرِيُّ ”والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ“ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى ذَلِكَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُسَبِّحْنَ، ﴿ كُلٌّ لَهُ أوّابٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُصَرِّحٌ بِما فُهِمَ مِنهُ إجْمالًا مِن تَسْبِيحِ الطَّيْرِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، والضَّمِيرُ لِداوُدَ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ لِأجْلِ تَسْبِيحِهِ رَجّاعٌ إلى التَّسْبِيحِ، ووُضِعَ الأوّابُ مَوْضِعَ المُسَبِّحِ، إمّا لِأنَّها كانَتْ تُرَجِّعُ التَّسْبِيحَ، والمُرَجِّعُ رَجّاعٌ، لِأنَّهُ يُرَجِّعُ إلى فِعْلِهِ رُجُوعًا، بَعْدَ رُجُوعٍ، وإمّا لِأنَّ الأوّابَ هو التَّوّابُ الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى كَما هو المَشْهُورُ، ومِن دَأْبِهِ إكْثارُ الذِّكْرِ، وإدامَةُ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادَ كُلٌّ مِنَ الطَّيْرِ، فالجُمْلَةُ لِلتَّصْرِيحِ بِما فُهِمَ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ كُلٌّ مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ تَعالى أوّابٌ، أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ وشَدَدْنا مُلْكَهُ ﴾ قَوَّيْناهُ بِالهَيْبَةِ والنُّصْرَةِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ، ومَزِيدِ النِّعْمَةِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الهَيْبَةِ، والسُّدِّيُّ عَلى الجُنُودِ، ورَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أرْبَعَةُ آلافٍ.
وحُكِيَ أنَّهُ كانَ حَوْلَ مِحْرابِهِ أرْبَعُونَ ألْفَ مُسْتَلْئِمٍ يَحْرُسُونَهُ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ عادَةً مَعَ عَدَمِ احْتِياجِ مِثْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ، وكَذا القَوْلُ الأوَّلُ كَما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ادَّعى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلًا بِبَقَرَةٍ، فَجَحَدَهُ، فَسَألَ البَيِّنَةَ فَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا، ولَسْتُ أعْجَلُ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ، أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأرْسَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الرَّجُلِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، فَقالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ: نَعَمْ: واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فِيكَ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ، ولَكِنَّنِي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا، فَقَتَلْتُهُ، فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقُتِلَ، فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وشُدَّ بِهِ مُلْكُهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِشَدِّ الدّالِ، ﴿ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ ﴾ النُّبُوَّةَ وكَمالَ العِلْمِ، وإتْقانَ العَمَلِ، وقِيلَ: الزَّبُورَ وعِلْمَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ وافَقَ الحِكْمَةَ فَهو حِكْمَةٌ، ﴿ وفَصْلَ الخِطابِ ﴾ أيْ فَصْلَ الخِصامِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ، فالفَصْلُ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، والخِطابُ الخِصامُ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ أحَدُ أنْواعِهِ خُصَّ بِهِ، لِأنَّهُ المُحْتاجُ لِلْفَصْلِ، أوِ الكَلامِ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ، والحَقِّ والباطِلِ، والصَّوابِ والخَطَإ، وهو كَلامُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في القَضايا والحُكُوماتِ وتَدابِيرِ المُلْكِ والمَشُوراتِ، فالخِطابُ الكَلامُ المُخاطَبُ بِهِ، والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أوِ الكَلامُ الَّذِي يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى المَقْصُودِ مِن غَيْرِ التِباسٍ يُراعى فِيهِ مَظانُّ الفَصْلِ، والوَصْلِ، والعَطْفِ، والِاسْتِئْنافِ، والإضْمارِ، والحَذْفِ، والتَّكْرارِ، ونَحْوُها، فالخِطابُ بِمَعْنى الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ أيْضًا، والفَصْلُ مَصْدَرٌ إمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الفاصِلِ المُمَيَّزِ لِلْمَقْصُودِ عَنْ غَيْرِهِ، أوْ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ المَقْصُودِ، أيِ الَّذِي فُصِلَ مِن بَيْنِ أفْرادِ الكَلامِ بِتَخْلِيصِهِ، ومُراعاةِ ما سَمِعْتَ فِيهِ، أوِ الَّذِي فُصِلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، ولَمْ يُجْعَلْ مُلْبِسًا مُخْتَلِطًا.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِفَصْلِ الخِطابِ الخِطابُ القَصْدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِصارٌ مُخِلٌّ، ولا إشْباعٌ مُمِلٌّ كَما جاءَ في وصْفِ كَلامِ نَبِيِّنا : «”لا نَزْرَ ولا هَذْرَ“».
فالخِطابُ بِمَعْنى الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ، كَما سَلَفَ، والفَصْلُ إمّا بِمَعْنى الفاصِلِ، لِأنَّ القَصْدَ أيِ المُتَوَسِّطَ، فاصِلٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وهُما هُنا المُخْتَصَرُ المُخِلُّ، والمُطْنَبُ المُمِلُّ، أوْ لِأنَّ الفَصْلَ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ المَقْصُودِ وغَيْرِهِ أظْهَرُ تَحَقُّقًا في الكَلامِ القَصْدِ لِما في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ مِنَ الإخْلالِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الإمْلالِ المُفْضِي إلى إهْمالِ بَعْضِ المَقْصُودِ، وإمّا بِمَعْنى المَفْصُولِ لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ مَفْصُولٌ مُمَيَّزٌ عِنْدَ السّامِعِ عَلى المُخِلِّ والمُمِلِّ، بِسَلامَتِهِ عَنِ الإخْلالِ والإمْلالِ، والإضافَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وعَلى ما عَداهُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِها، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والشَّعْبِيِّ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ مِن أنَّ فَصْلَ الخِطابِ هو قَوْلُهُ: البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هو داخِلٌ في فَصْلِ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُدَّعِي والمُدَّعى عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هو إيجابُ البَيِّنَةِ عَلى المُدَّعِي، واليَمِينَ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أعْنِي فَصْلَ الخِصامِ كانَ بِذاكَ، وجَعَلَهُ نَفْسَهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ مِن أنَّهُ القَضاءُ بَيْنَ النّاسِ، والحَقُّ، والإصابَةُ، والفَهْمُ، فَهو لَيْسَ شَيْئًا وراءَ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو أمّا بَعْدُ، وذَكَرَ أبُو مُوسى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن قالَ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو داخِلٌ في فَصْلِ الخِطابِ، ولَيْسَ فَصْلُ الخِطابِ مُنْحَصِرًا فِيهِ، لِأنَّهُ يَفْصِلُ المَقْصُودَ عَمّا سِيقَ مُقَدِّمَةً لَهُ مِنَ الحَمْدِ والصَّلاةِ أوْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُطْلَقًا، وظاهِرُهُ اعْتِبارُ فَصْلِ الخِطابِ بِمَعْنى الكَلامِ الَّذِي يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى المَقْصُودِ إلى آخِرِ ما مَرَّ، ويُوهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ دُخُولَهُ فِيهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى الثّانِي لِفَصْلِ الخِطابِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ، وحَمْلُ الخَبَرِ عَلى الِانْحِصارِ مِمّا لا يَنْبَغِي، إذْ لَيْسَ في إيتاءِ هَذا اللَّفْظِ كَثِيرُ امْتِنانٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أمّا بَعْدُ، ما يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ مِنَ الألْفاظِ، لا نَفْسُ هَذا اللَّفْظِ، لِأنَّهُ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ، وداوُدُ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ، ولا نَبِيُّهم بَلْ ولا بَيْنَهُمْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِفَصْلِ الخِطابِ فَصْلُ الخِصامِ، وهو يَتَوَقَّفُ عَلى مَزِيدِ عِلْمٍ، وفَهْمٍ، وتَفْهِيمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإيتاؤُهُ يَتَضَمَّنُ إيتاءَ جَمِيعِ ما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ، وفِيهِ مِنَ الامْتِنانِ ما فِيهِ، ويُلائِمُهُ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ اسْتِفْهامٌ يُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِ ما في حَيِّزِهِ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ مِنَ الأنْباءِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَشِيعَ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادِي، والجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى: ﴿ إنّا سَخَّرْنا ﴾ مِن قَبِيلِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: عَلى اذْكُرْ.
والخَصْمُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لِخَصِمَهُ بِمَعْنى خاصَمَهُ، أوْ غَلَبَهُ، ويُرادُ مِنهُ المُخاصِمُ، ويُسْتَعْمَلُ لِلْمُفْرَدِ، والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما، وجاءَ لِلْجَمْعِ هُنا عَلى ما قالَ جَمْعٌ لِظاهِرِ ضَمائِرِهِ بَعْدُ، ورُبَّما ثُنِّيَ وجُمِعَ عَلى خُصُومٍ وأخْصامٍ، وأصْلُ المُخاصَمَةِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ بِخَصْمِ الآخَرِ، أيْ بِجانِبِهِ، أوْ أنْ يَجْذِبَ كُلُّ واحِدٍ خَصْمَ الجَوالِقِ مِن جانِبٍ.
﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ أيْ عَلَوْا سُورَهُ، ونَزَلُوا إلَيْهِ، فَتَفَعَّلَ لِلْعُلُوِّ عَلى أصْلِهِ نَحْوَ تَسَنَّمَ الجَمَلَ أيْ عَلا سَنامَهُ، وتَذَرّى الجَبَلَ عَلا ذُرْوَتَهُ، والسُّورُ الجِدارُ المُحِيطُ بِالمُرْتَفِعِ، والمِحْرابُ الغُرْفَةُ، وهي العَلِيَّةُ، ومِحْرابُ المَسْجِدِ مَأْخُوذٌ مِنهُ لِانْفِصالِهِ عَمّا عَداهُ، أوْ لِشُرْفَةِ المَنزِلِ مَنزِلَةِ عُلُوِّهِ، قالَهُ الخَفاجِيُّ، وقالَ الرّاغِبُ: مِحْرابُ المَسْجِدِ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ والهَوى، وقِيلَ: لِكَوْنِ حَقِّ الإنْسانِ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَرِيبًا مِن أشْغالِ الدُّنْيا، ومِن تَوَزُّعِ الخاطِرِ، وقِيلَ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ مِحْرابَ البَيْتِ صَدْرُ المَجْلِسِ، ثُمَّ لَمّا اتُّخِذَتِ المَساجِدُ سُمِّيَ صَدْرُهُ بِهِ، وقِيلَ: بَلِ المِحْرابُ أصْلُهُ في المَسْجِدِ، وهو اسْمٌ خُصَّ بِهِ صَدْرُ المَجْلِسِ، فَسُمِّيَ صَدْرُ البَيْتِ مِحْرابًا تَشْبِيهًا بِمِحْرابِ المَسْجِدِ، وكَأنَّ هَذا أصَحَّ انْتَهى، وصَرَّحَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ المَحارِيبَ الَّتِي في المَساجِدِ بِهَيْئَتِها المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ، ولَهُ رِسالَةٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، (وإذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُضافٍ إلى الخَصْمِ، أيْ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا، أوْ بِنَبَإٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الواقِعُ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قِصَّةُ نَبَإ الخَصْمِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِهِ بِلا حَذْفٍ عَلى جَعْلِ إسْنادِ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازِيًّا أوْ بِالخَصْمِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والظَّرْفُ قَنُوعٌ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقُها بِأتى، ولا يَكادُ يَصِحُّ، لِأنَّ إتْيانَ نَبَإ الخَصْمِ لَمْ يَكُنْ وقْتَ تَسَوُّرِهِمُ المِحْرابَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ﴾ إذْ هَذِهِ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، بِأنْ يُجْعَلَ زَمانُ التَّسَوُّرِ وزَمانُ الدُّخُولِ لِقُرْبِهِما بِمَنزِلَةِ المُتَحِدَيْنِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ بِأنْ يُعْتَبَرَ الِامْتِدادَ، أوْ ظَرْفٌ لِتَسَوَّرُوا، ويُعْتَبَرُ امْتِدادَ وقَتِهِ، وإلّا فالتَّسَوُّرُ لَيْسَ في وقْتِ الدُّخُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّخُولِ إرادَتُهُ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَجازًا لا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مِنهُمْ ﴾ فَيَحْتاجُ إلى تَفْرِيعِهِ عَلى التَّسَوُّرِ، وهو أيْضًا كَما تَرى، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، والفَزَعُ انْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ.
رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ إنْسانَيْنِ قِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَطَلَبا أنْ يَدْخُلا عَلَيْهِ فَوَجَداهُ في يَوْمِ عِبادَتِهِ، فَمَنَعَهُما الحَرَسُ فَتَسَوَّرا عَلَيْهِ المِحْرابَ فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وهُما بَيْنَ يَدَيْهِ جالِسانِ.
وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَزَّأ زَمانَهُ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ، يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، ويَوْمًا لِلْقَضاءِ، ويَوْمًا لِلِاشْتِغالِ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، ويَوْمًا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَعِظُهم ويُبْكِيهِمْ، وسَبَبُ الفَزَعِ قِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا مِن فَوْقِ الحائِطِ، وفي يَوْمِ الِاحْتِجابِ والحَرَسُ حَوْلَهُ، لا يَتْرُكُونَ مَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَخافَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُؤْذُوهُ لا سِيَّما عَلى ما حُكِيَ أنَّهُ كانَ لَيْلًا، وقِيلَ: إنَّ الفَزَعَ مِن أجْلِ أنَّهُ ظَنَّ أنَّ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ قَدِ اسْتَهانُوهُ حَتّى تَرَكَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَكُونُ في الحَقِيقَةِ فَزَعًا مِن فَسادِ السِّيرَةِ لا مِنَ الدّاخِلِينَ، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: فَزِعَ مِنهم لِأنَّهُما دَخَلا عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنهُما آخِذٌ بِرَأْسِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: فَزِعَ مِنهم لَمّا رَأى مِن تَسَوُّرِهِمْ مَوْضِعًا مُرْتَفِعًا جِدًّا، لا يُمْكِنُ أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بَعْدَ أشْهُرٍ مَعَ أعْوانٍ وكَثْرَةِ عَدَدٍ، والظّاهِرُ أنَّ فَزَعَهُ لَيْسَ إلّا لِتَوَقُّعِ الأذى لِمُخالَفَةِ المُعْتادِ، فَلَمّا رَأوْهُ وقَدْ فَزِعَ ﴿ قالُوا لا تَخَفْ ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ فَزَعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ فَزَعَهُ؟
فَقِيلَ: قالُوا لَهُ إزالَةً لِفَزَعِهِ: لا تَخَفْ، ﴿ خَصْمانِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَحْنُ خَصْمانِ، والمُرادُ هُنا فَوْجانِ لا شَخْصانِ مُتَخاصِمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الخَصْمَ يَشْمَلُ الكَثِيرَ فَيُطابِقُ ما مَرَّ مِن جَمِيعِ الضَّمائِرِ، ويُؤَيِّدُهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ﴾ فَإنَّ نَحْوَ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في قَوْلِ الجَماعَةِ، وقِراءَةُ بَعْضِهِمْ (بَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ) أظْهَرُ في التَّأْيِيدِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُ التَّحاكُمِ إنَّما وقَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِجَوازِ أنْ يَصْحَبَ كُلًّا مِنهُما مَن يُعاضِدُهُ، والعُرْفُ يُطْلَقُ الخَصْمُ عَلى المُخاصِمِ ومُعاضِدِهِ، وإنْ لَمْ يُخاصِمْ بِالفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ اثْنَيْنِ، والضَّمائِرُ المَجْمُوعَةُ مُرادٌ بِها التَّثْنِيَةُ، فَيَتَوافَقانِ، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خَصْمانِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ فِينا خَصْمانِ، وهو كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ بَغى ﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَصْمانِ، وأنَّ جُمْلَةَ: نَحْنُ خَصْمانِ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، فَهي مَوْصُولَةٌ بِلا تَخَفٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا: لا تَخَفْ وسَكَتُوا حَتّى سُئِلُوا ما أمْرُكُمْ؟
فَقالُوا: خَصْمانِ بَغى إلَخْ، أيْ جارَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، واسْتَشْكَلَ قَوْلُهم هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كانُوا مَلائِكَةً بِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِما لَمْ يَقَعْ مِنهُمْ، وهو كَذِبٌ، والمَلائِكَةُ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ كَذِبًا لَوْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ الإخْبارَ حَقِيقَةً، أمّا لَوْ كانَ فَرْضًا لِأمْرٍ صَوَّرُوهُ في أنْفُسِهِمْ لَما أتَوْا عَلى صُورَةِ البَشَرِ كَما يَذْكُرُ العالِمُ إذا صَوَّرَ مَسْألَةً لِأحَدٍ، أوْ كانَ كِنايَةً وتَعْرِيضًا بِما وقَعَ مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلا، وقَرَأ أبُو يَزِيدَ الجَرّارُ عَنِ الكِسائِيِّ: ”خِصْمانِ“ بِكَسْرِ الخاءِ.
﴿ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ ﴾ أيْ ولا تَتَجاوَزْهُ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: ”ولا تَشْطِطْ“ مِن شَطَّ ثُلاثِيًّا، أيْ ولا تُبْعِدْ عَنِ الحَقِّ، وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا ”تُشِطَّ“ مُدْغَمًا مِن أشَطَّ رُباعِيًّا، وقَرَأ زِرٌّ ”تُشاطِطْ“ بِضَمِّ التّاءِ وبِألِفٍ عَلى وزْنِ تُفاعِلَ مَفْكُوكًا، وعَنْهُ أيْضًا ”تَشْطُطْ“ مِن شَطَطَ، والمُرادُ في الجَمِيعِ لا تَجُرْ في الحُكُومَةِ، وأرادُوا بِهَذا الأمْرِ والنَّهْيِ إظْهارَ الحِرْصِ عَلى ظُهُورِ الحَقِّ والرِّضا بِهِ مِن غَيْرِ ارْتِيابٍ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَحْكُمُ بِالحَقِّ، ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، وأحَدُ الخَصْمَيْنِ قَدْ يَقُولُ نَحْوَ ذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ المُحِقُّ، وقَدْ يَقُولُهُ اتِّهامًا لِلْحاكِمِ، وفِيهِ حِينَئِذٍ مِنَ الفَظاظَةِ ما فِيهِ، وعَلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا فِيهِ بَعْضُ فَظاظَةٍ، وفي تَحَمُّلِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ مِنهم دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَلِيقُ بِالحاكِمِ تَحَمُّلُ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُتَخاصِمِينَ لا سِيَّما إذا كانَ مِمَّنْ مَعَهُ الحَقُّ، فَحالُ المَرْءِ وقْتَ التَّخاصُمِ لا يَخْفى.
والعَجَبُ مِن حاكِمٍ أوْ مُحَكَّمٍ، أوْ مَن لِلْخُصُومِ نَوْعُ رُجُوعٍ إلَيْهِ كالمُفْتِي، كَيْفَ لا يَقْتَدِي بِهَذا النَّبِيِّ الأوّابِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في ذَلِكَ بَلْ يَغْضَبُ كُلَّ الغَضَبِ لِأدْنى كَلِمَةٍ تَصْدُرُ، ولَوْ فَلْتَةً مِن أحَدِ الخَصْمَيْنِ، يُتَوَهَّمُ مِنها الحَطُّ لِقَدْرِهِ، ولَوْ فَكَّرَ في نَفْسِهِ لَعَلِمَ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا النَّبِيِّ الأوّابِ لا يَعْدِلُ واللَّهِ العَظِيمِ مَتْكَ ذُبابٍ، اللَّهُمَّ وفِّقْنا لِأحْسَنِ الأخْلاقِ واعْصِمْنا مِنَ الأغْلاطِ، ﴿ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ ﴾ أيْ وسَطِ طَرِيقِ الحَقِّ بِزَجْرِ الباغِي عَمّا سَلَكَهُ مِن طَرِيقِ الجَوْرِ وإرْشادِهِ إلى مِنهاجِ العَدْلِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما فِيهِ الخُصُومَةُ، والمُرادُ بِالأُخُوَّةِ أُخُوَّةِ الدِّينِ، أوْ أُخُوَّةِ الصَّداقَةِ والأُلْفَةِ، أوْ أُخُوَّةِ الشَّرِكَةِ والخِلْطَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ ﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُخُوّاتِ يُدْلِي بِحَقٍّ مانِعٍ مِنَ الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ، وقِيلَ: هي أُخُوَّةٌ في النَّسَبِ، وكانَ المُتَحاكِمانِ أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأبٍ وأُمٍّ، ولا يَخْفى أنَّ المَشْهُورَ أنَّهُما كانا مِنَ المَلائِكَةِ بَلْ قِيلَ: لا خِلافَ في ذَلِكَ.
وأخي بَيانٌ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ، وبَدَلٌ أوْ خَبَرٌ لِأنَّ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ عَلى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةً واحِدَةٌ ﴾ وهي الأُنْثى مِن بَقَرِ الوَحْشِ، ومِنَ الضَّأْنِ والشّاءِ الجَبَلِيِّ، وتُسْتَعارُ لِلْمَرْأةِ كالشّاةِ كَثِيرًا نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ: أنا أبُوهُنَّ ثَلاثٌ هَنَّهْ رابِعَةٌ في البَيْتِ صُغْراهُنَّهْ ونَعْجَتِي خَمْسًا تُوَفِّيهِنَّهْ ∗∗∗ ألا فَتًى سَحْجٌ يُغَذِّيهِنَّهْ وقَوْلِ عَنْتَرَةَ: يا شاةً ما قُنِصَ لِمَن حَلَّتْ لَهُ ∗∗∗ حُرِّمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تُحَرَّمِ وقَوْلِ الأعْشى: فَرَمَيْتُ غَفْلَةً عَيْنَهُ عَنْ شاتِهِ ∗∗∗ فَأصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحالَها والظّاهِرُ إبْقاؤُها عَلى حَقِيقَتِها هُنا، ويُرادُ بِها أُنْثى الضَّأْنِ، وجُوِّزَ إرادَةُ الِامْرِأةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (تَسْعٌ وتَسْعُونَ)، بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما، وكَثُرَ مَجِيءُ الفَعْلِ، والفَعْلُ بِمَعْنى واحِدٍ نَحْوَ السِّكْرِ والسَّكْرِ، ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ في التِّسْعِ، لا سِيَّما وقَدْ جاوَرَ العَشْرَ، والحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ ”نِعْجَةٌ“ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”ولِي نَعْجَةٌ أُنْثى“ ووَجَّهَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ يُقالُ: امْرَأةٌ أُنْثى لِلْحَسْناءِ الجَمِيلَةِ، والمَعْنى: وصْفُها بِالعَراقَةِ في لِينِ الأُنُوثَةِ وفُتُورِها، وذَلِكَ أمْلَحُ لَها وأزْيَدُ في تَكَسُّرِها وتَثَنِّيها، ألا تَرى إلى وصْفِهِمْ لَها بِالكَسُولِ والمِكْسالِ.
وقَوْلِهِ: فَتُورُ القِيامِ قَطِيعُ الكَلامِ ∗∗∗ لَغُوبُ العِشاءِ إذا لَمْ تَنَمْ وقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخُطَيْمِ: تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا ∗∗∗ قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْغَرِفُ وفِي الكَلامِ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ حَقِّ القِسْمَيْنِ أعْنِي ما يَرْجِعُ إلى الظّالِمِ، وما يَرْجِعُ إلى المَظْلُومِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَعَ وُفُورِ اسْتِغْنائِهِ وشِدَّةِ حاجَتِي ظَلَمَنِي حَقِّي، وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَتِ النَّعْجَةُ مُسْتَعارَةٌ، وإلّا فالمُناسِبُ تَأْكِيدُ الأُنُوثَةِ بِأنَّها كامِلَةٌ فِيها، فَيَكُونُ أدَرَّ وأحْلَبَ لِما يُطْلَبُ مِنها عَلى أنَّ فِيهِ رَمْزًا إلى ما رُوِيَ عَنْهُ، ﴿ فَقالَ أكْفِلْنِيها ﴾ مَلِّكْنِيها، وحَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدِي، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي أيْ نَصِيبِي، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ تَحَوَّلْ لِي عَنْها، وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ وألْصَقُ بِوَجْهِ الِاسْتِعارَةِ، ﴿ وعَزَّنِي ﴾ أيْ غَلَبَنِي، وفي المَثَلِ: مَن عَزَّ بَزَّ، أيْ مَن غَلَبَ سَلَبَ، وقالَ الشّاعِرُ: قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فَباتَتْ ∗∗∗ تُجاذِبُهُ وقَدْ عَلِقَ الجَناحُ ﴿ فِي الخِطابِ ﴾ أيْ مُخاطَبَتِهِ إيّايَ مُحاجَّةً، بِأنْ جاءَ بِحِجاجٍ لَمْ أُطِقْ رَدَّهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: أيْ إنْ تَكَلَّمَ كانَ أفْصَحَ مِنِّي، وإنْ حارَبَ كانَ أبْطَشَ مِنِّي، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ أوْجَهَ مِنِّي وأقْوى، فَإذا خاطَبْتُهُ كانَ كَلامُهُ أقْوى مِن كَلامِي، وقُوَّتُهُ أعْظَمَ مِن قُوَّتِي، وقِيلَ: أيْ غَلَبَنِي في مُغالَبَتِهِ إيّايَ في الخِطْبَةِ عَلى أنَّ الخِطابَ مِن خَطَبْتُ المَرْأةَ، وخَطَبَها هو فَخاطَبَنِي خِطابًا، أيْ غالَبَنِي في الخِطْبَةِ، فَغَلَبَنِي حَيْثُ زَوَّجَها دُونِي، وهو قَوْلُ مَن يَجْعَلُ النَّعْجَةَ مُسْتَعارَةً، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: حَمْلُ الخِطابِ عَلى المُغالَبَةِ في خِطْبَةِ النِّساءِ لا يُلائِمُ فَصاحَةَ التَّنْزِيلِ، لِأنَّ التَّمْثِيلَ قاصِرٌ عَنْهُ لِنُبُوِّ قَوْلِهِ: ﴿ ولِيَ نَعْجَةٌ ﴾ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ النَّبْوَةِ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ أكْفِلْنِيها ﴾ إذْ يَنْبَغِي عَلى ذَلِكَ أنْ يُخاطِبَ بِهِ ولِيَّ المَخْطُوبَةِ، إلّا أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ مَجازًا عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ الحالُ ظَنًّا، والشَّرْطُ في حُسْنِهِ تَحَقُّقُ الِانْتِهاءِ كَما في ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ والثّانِي مَجازٌ عَنْ تَرْكِهِ الخِطْبَةَ، ولا يَخْفى ما فِيهِما مِنَ التَّعْقِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ لِتَصْرِيحِهِ يُنافِي الغَرَضَ مِنَ التَّمْثِيلِ وهو التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ ما كانَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ أمْرٌ يَسْتَحِي مِن كَشْفِهِ مَعَ السَّتْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِفاظِ بِحُرْمَتِهِ، انْتَهى فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ ”وعَزَنِي“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: حُذِفَتْ إحْدى الزّائَيْنِ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَتْ إحْدى السِّينَيْنِ في قَوْلِ أبِي زُبَيْدٍ: أحْسِنْ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو وائِلٍ، ومَسْرُوقٌ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”وعازَّنِي“ بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الزّايِ أيْ وغالَبَنِي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ في إنْكارِ فِعْلِ ذِي النَّعَجاتِ الكَثِيرَةِ وتَهْجِينُ طَمَعِهِ، ولَيْسَ هَذا ابْتِداءً مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إثْرَ فَراغِ المُدَّعِي مِن كَلامِهِ، ولا فُتْيا بِظاهِرِ كَلامِهِ قَبْلَ ظُهُورِ الحالِ لَدَيْهِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا، وقِيلَ: ثَمَّ كَلامٌ مَحْذُوفٌ، أيْ فَأقَرَّ المُدَّعى عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ إلَخْ، ولَمْ يُحْكَ في القُرْآنِ اعْتِرافُ المُدَّعى عَلَيْهِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ الشَّرائِعِ كُلِّها أنَّهُ لا يَحْكُمُ الحاكِمُ إلّا بَعْدَ إجابَةِ المُدَّعى عَلَيْهِ.
وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا سَمِعَ كَلامَ الشّاكِي قالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ؟
فَأقَرَّ، فَقالَ لَهُ: لَتَرْجِعَنَّ إلى الحَقِّ، أوْ لَأكْسِرَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ، وقالَ لِلثّانِي: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ إلَخْ، فَتَبَسَّما عِنْدَ ذَلِكَ وذَهَبا ولَمْ يَرَهُما لِحِينِهِ.
وقِيلَ: ذَهَبا نَحْوَ السَّماءِ بِمَرْأًى مِنهُ، وقالَ الحَلِيمِيُّ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى في المُدَّعِي مَخايِلَ الضَّعْفِ والهَضِيمَةِ، فَحَمَلَ أمْرَهُ عَلى أنَّهُ مَظْلُومٌ كَما يَقُولُ، فَدَعاهُ ذَلِكَ إلى أنْ لا يَسْألَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فاسْتَعْجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَخايِلَ الصِّدْقِ كَثِيرًا ما تَظْهَرُ عَلى الكاذِبِ، والحِيلَةُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى قَدِيمًا وحَدِيثًا، وفِيما وقَعَ مِن إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ عَلى الأصَحِّ ما يُزِيلُ الِاعْتِمادَ في هَذا البابِ، وبَعْضُ الجَهَلَةِ ذَهَبَ إلى نَحْوِ هَذا، وزَعَمَ أنَّ ذَنْبَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ، إلّا أنَّهُ صَدَّقَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، وظَلَمَهُ قَبْلَ مَسْألَتِهِ، والسُّؤالُ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ بِـ”إلى“ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإضافَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ بِإضافَةِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ عَلى وجْهِ السُّؤالِ والطَّلَبِ، أوْ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ مُضافَةً إلى نِعاجِهِ، ﴿ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ ﴾ أيِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهُمُ، الواحِدُ خَلِيطٌ، وهي الخِلْطَةُ، وقَدْ غَلَبَتْ في الماشِيَةِ، وفي حُكْمِها عِنْدَ الفُقَهاءِ كَلامٌ ذَكَرَ بَعْضًا مِنهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ﴿ لَيَبْغِي ﴾ لِيَتَعَدّى، ﴿ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ غَيْرَ مُراعٍ حَقَّ الشَّرِكَةِ والصُّحْبَةِ.
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ مِنهُمْ، فَإنَّهم يَتَحامَوْنَ عَنِ البَغْيِ والعُدْوانِ، ﴿ وقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ أيْ وهم قَلِيلٌ جِدًّا، فَقَلِيلٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (وهُمْ) مُبْتَدَأٌ، وما زائِدَةٌ، وقَدْ جاءَتِ المُبالَغَةُ في القِلَّةِ مِنَ التَّنْكِيرِ وزِيادَةِ ما الإبْهامِيَّةِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا بُولِغَ فِيهِ كانَ مَظِنَّةً لِلتَّعَجُّبِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما أقَلَّهُمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، وقُرِئَ ”لَيَبْغِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ النُّونِ الخَفِيفَةِ، وأصْلُهُ لَيَبْغِيَنْ، كَما قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ يُرِيدُ اضْرِبَنْ، ويَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ القَسَمُ وجَوابُهُ خَبَرٌ لِأنَّ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اللّامُ هي الواقِعَةُ في خَبَرِ أنَّ، وجُمْلَةُ (يَبْغِي) إلَخْ، هو الخَبَرُ، وقُرِئَ ”لَيَبْغِ“ بِحَذْفِ الياءِ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ وقَوْلِهِ: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ ﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَتِمَّةٌ لِما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وقَدْ نَظَرَ فِيهِ ما كانَ عَلَيْهِ التَّداعِي كَما هو ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالخُلَطاءِ، فَإنَّهُ غالِبٌ في الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهم في الماشِيَةِ، وجُعِلَ عَلى وجْهِ اسْتِعارَةِ النَّعْجَةِ ابْتِداءَ تَمْثِيلٍ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ التَّداعِي كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ البَغْيَ أمْرٌ يُوجَدُ فِيما بَيْنَ المُتَلابِسَيْنِ، وخَصَّ الخُلَطاءَ لِكَثْرَتِهِ فِيما بَيْنَهُمْ، فَلا عَجَبَ مِمّا شَجَرَ بَيْنَكُمْ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَصْدُ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، والتَّرْغِيبُ في إيثارِ عادَةِ الخُلَطاءِ الَّذِينَ حُكِمَ لَهم بِالقِلَّةِ، وأنْ يُكَرِّهَ إلَيْهِمُ الظُّلْمَ والِاعْتِداءَ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُهم مَعَ التَّأسُّفِ عَلى حالِهِمْ، وأنْ يُسَلِّيَ المَظْلُومَ عَمّا جَرى عَلَيْهِ مِن خَلِيطِهِ، وأنَّ لَهُ في أكْثَرِ الخُلَطاءِ أُسْوَةً أوْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي جَرى بَيْنَكُما أيُّها الخَلِيطانِ كَثِيرًا ما يَجْرِي بَيْنَ الخُلَطاءِ، فَيُنْظَرُ فِيهِ إلى خُصُوصِ حالِهِما، قالَ في الكَشْفِ: والمَحْمَلُ الأظْهَرُ هَذا.
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو تَذْيِيلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ.
ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأظْهَرَ حَمْلُ الخُلَطاءِ عَلى المُتَعارِفَيْنِ والمُتَضادَّيْنِ، وأضْرابِهِمْ مِمَّنْ بَيْنَهم مُلابَسَةٌ شَدِيدَةٌ، وامْتِزاجٌ عَلى نَحْوِ: إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا، والغَلَبَةُ في الشُّرَكاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا أمْوالَهم في عُرْفِ الفُقَهاءِ، فَذِكْرُ الخُلَطاءِ لا يُنافِي ذِكْرَ الحَلائِلِ، إذْ لَمْ تُرَدِ الخِلْطَةُ اهـ.
وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُنافِ ذِكْرَ الحَلائِلِ لَكِنَّ أوْلَوِيَّةَ عَدَمِ إرادَةِ الحَلائِلِ، وإبْقاءَ النَّعْجَةِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، ﴿ وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ ﴾ الظَّنُّ مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ الظّاهِرَةِ، وفي البَحْرِ: لَمّا كانَ الظَّنُّ الغالِبُ يُقارِبُ العِلْمَ اسْتُعِيرَ لَهُ، فالمَعْنى: وعَلِمَ داوُدُ وأيْقَنَ بِما جَرى في مَجْلِسِ الحُكُومَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ، وقِيلَ: لَمّا قَضى بَيْنَهُما نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدا إلى السَّماءِ حِيالَ وجْهِهِ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ابْتَلاهُ، وجُوِّزَ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنْكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مَجِيءَ الظَّنِّ بَعْدَ العِلْمِ اليَقِينِيِّ، وقالَ: لَسْنا نَجِدُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما هو تَوْقِيفٌ بَيْنَ مُعْتَقَدَيْنِ غَلَبَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وتُوقِعُهُ العَرَبُ عَلى العِلْمِ الَّذِي لَيْسَ بِواسِطَةِ الحَواسِّ، فَإنَّهُ اليَقِينُ التّامُّ، ولَكِنْ يَخْلِطُ النّاسُ في هَذا ويَقُولُونَ: ظَنَّ بِمَعْنى أيْقَنَ إلى آخِرِ ما أطالَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ إطْلاقَ الظَّنِّ عَلى العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ حَقِيقَةٌ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مَجازٌ، وظاهِرُ ما بَعْدُ أنَّهُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وأنما المَفْتُوحَةُ عَلى ما حَقَّقَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لا تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ كالمَكْسُورَةِ، ومَن قالَ بِإفادَتِها إيّاهُ حَمْلًا عَلى المَكْسُورَةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ لَمْ يَدَّعِ الِاطِّرادَ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ ها هُنا قَصْرَ الفِتْنَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ يَقْتَضِي انْفِصالَ الضَّمِيرِ، ولا قَصْرَ ما فُعِلَ بِهِ عَلى الفِعْلِ، لِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَنْحَلُّ إلى عامٍّ وخاصٍّ، فَمَعْنى ضَرَبْتُهُ فَعَلْتُ ضَرْبَهُ، عَلى أنَّ المَعْنى ما فَعَلْنا بِهِ إلّا الفِتْنَةَ، كَما قالَ أبُو السُّعُودِ، لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ: تَعَسُّفٌ وإلْغازٌ، ومَن يَدَّعِي الِاطِّرادَ يَلْتَزِمُ الثّانِيَ مِنَ القَصْرَيْنِ المَنفِيَّيْنِ، ويَمْنَعُ كَوْنَ ما ذُكِرَ تَعَسُّفًا وإلْغازًا.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ”فَتَّنّاهُ“ بِتَشْدِيدِ التّاءِ والنُّونِ مُبالَغَةً، والضَّحّاكُ ”افْتَنّاهُ“ كَقَوْلِهِ عَلى ما نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: لَئِنْ فَتَنْتَنِي لَهي بِالأمْسِ افْتَنَّتْ ∗∗∗ سَعِيدًا فَأمْسى قَدْ غَوى كُلُّ مُسْلِمِ وقَتادَةُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ”أنَّما فَتَناهُ“ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، وهو راجِعٌ إلى الخَصْمَيْنِ، ﴿ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ﴾ إثْرَ ما عَلِمَ أنَّ ما صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ ﴿ وخَرَّ راكِعًا ﴾ أيْ ساجِدًا عَلى أنَّ الرُّكُوعَ مَجازٌ عَنِ السُّجُودِ، لِأنَّهُ لِإفْضائِهِ إلَيْهِ جُعِلَ كالسَّبَبِ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ لِمُشابَهَتِهِ لَهُ في الِانْحِناءِ والخُضُوعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: نَخْلَةٌ راكِعَةٌ ونَخْلَةٌ ساجِدَةٌ، وقالَ الشّاعِرُ: فَخَرَّ عَلى وجْهِهِ راكِعًا ∗∗∗ وتابَ إلى اللَّهِ مِن كُلِّ ذَنْبِ وقِيلَ: أيْ خَرَّ لِلسُّجُودِ راكِعًا أيْ مُصَلِّيًا عَلى أنَّ الرُّكُوعَ بِمَعْنى الصَّلاةِ لِاشْتِهارِ التَّجَوُّزِ بِهِ عَنْها، وتَقْدِيرُ مُتَعَلِّقٍ لِخَرَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ غَلَبَةُ فَحْواهُ، لِأنَّهُ بِمَعْنى سَقَطَ عَلى الأرْضِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ .
وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: أيْ خَرَّ مِن رُكُوعِهِ أيْ سَجَدَ بَعْدَ أنْ كانَ راكِعًا، وظاهِرُهُ إبْقاءُ الرُّكُوعِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُعِلَ خَرَّ بِمَعْنى سَجَدَ، والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْنا، واسْتَشْهَدَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وأصْحابُهُ عَلى أنَّ الرُّكُوعَ يَقُومُ مَقامَ السُّجُودِ في سَجْدَةِ التِّلاوَةِ، وهو قَوْلُ الخَطّابِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الصَّلاةِ وخارِجِها، كَما في البَزازِيَّةِ وغَيْرِها.
وفي الكَشْفِ قالُوا أيِ الحَنَفِيَّةُ: إنَّ القِياسَ يَقْتَضِي أنْ يَقُومَ الرُّكُوعُ مَقامَ السُّجُودِ لِأنَّ الشّارِعَ جَعَلَهُ رُكُوعًا، وتُجُوِّزَ بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ وإغْنائِهِ غِناءَهُ.
وأيَّدُوهُ بِأنَّ السُّجُودَ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِعَيْنِهِ، ولِهَذا لَمْ يُشْرَعْ قُرْبَةً مَقْصُودَةً بَلْ لِلْخُضُوعِ، وهو حاصِلٌ بِالرُّكُوعِ، ”فَإنْ قُلْتَ“: إنَّ سَجْدَةَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ سَجْدَةَ شُكْرٍ، والكَلامُ في سَجْدَةِ التِّلاوَةِ، قُلْتُ: لا، عَلَيَّ في ذَلِكَ، لِأنِّي لَمْ أسْتَدِلَّ بِفِعْلِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ بِجَعْلِ الشّارِعِ إيّاهُ مُغْنِيًا غِناءَ السُّجُودِ، ولِأصْحابِنا يَعْنِي الشّافِعِيَّةَ أنْ يَمْنَعُوا أنَّ عَلاقَةَ المَجازِ ما ذَكَرُوهُ، بَلْ مُطْلَقُ المَيْلِ عَنِ الخُضُوعِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما أوْ لِأنَّهُ مُقَدِّمَتُهُ كَما قالَ الحَسَنُ: لا يَكُونُ ساجِدًا حَتّى يَرْكَعَ، أوْ خَرَّ مُصَلِّيًا، والمُعْتَبَرُ غايَةُ الخُضُوعِ، ولَيْسَ في الرُّكُوعِ، اهـ.
ولا يَخْفى أنَّ المَعْرُوفَ مِنَ النَّبِيِّ السُّجُودُ، ولَمْ نَقِفْ في خَبَرٍ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَكَعَ لِلتِّلاوَةِ بَدَلَهُ، ولَوْ مَرَّةً، وكَذا أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ولَيْسَ أمْرُ القِياسِ المَذْكُورِ بِالقَوِيِّ، فالأحْوَطُ فِعْلُ الوارِدِ لا غَيْرُ، بَلْ قالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ قَوْلَ الأصْحابِ لا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقامَ السَّجْدَةِ ظاهِرٌ في جَوازِ الرُّكُوعِ، وهو بَعِيدٌ، والقِياسُ حُرْمَتُهُ، وعَنى صاحِبُ الكَشْفِ بِما ذُكِرَ في السُّؤالِ مِن أنَّ سَجْدَةَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ سَجْدَةَ شُكْرٍ أنَّها كانَتْ كَذَلِكَ مِن نَبِيِّنا .
فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ سَجَدَ في (ص) وقالَ: سَجَدَها داوُدُ تَوْبَةً، ونَسْجُدُها شُكْرًا».
أيْ عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن خِلافِ الأوْلى بِعَلِيِّ شَأْنِهِ، وقَدْ لَقِيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ذَلِكَ مِنَ القَلَقِ المُزْعِجِ ما لَمْ يَلْقَهُ غَيْرُهُ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وآدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ لَقِيَ أمْرًا عَظِيمًا أيْضًا لَكِنَّهُ كانَ مَشُوبًا بِالحُزْنِ عَلى فِراقِ الجَنَّةِ، فَجُوزِيَ لِذَلِكَ بِأمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، وأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ نِعْمَةً تَسْتَوْجِبُ دَوامَ الشُّكْرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولِقِصَّتِهِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ شَبَهٌ لِما وقَعَ لِنَبِيِّنا في قِصَّةِ زَيْنَبَ المُقْتَضِي لِلْعُتْبِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ﴾ الآيَةَ، فَيَكُونُ ذِكْرُها مُذَكِّرًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وما وقَعَ وما آلَ الأمْرُ إلَيْهِ مِمّا هو أرْفَعُ وأجَلُّ، فَكَأنَّ ذَلِكَ اقْتَضى دَوامَ الشُّكْرِ بِإظْهارِ السُّجُودِ لَهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ وجْهُ تَخْصِيصِ داوُدَ بِذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ نَظِيرِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَتَأمَّلْهُ، ولا تَغْفُلْ عَنْ كَوْنِ السُّورَةِ مَكِّيَّةً عَلى الصَّحِيحِ، وقِصَّةُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَدَنِيَّةٌ، ويَنْحَلُّ الإشْكالُ بِالتِزامِ كَوْنِ السُّجُودِ بَعْدَ القِصَّةِ فَلْيَنْقَرَّ، وهي عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ إحْدى سَجَداتِ التِّلاوَةِ الواجِبَةِ كَما ذُكِرَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، ومَن فَسَّرَ ﴿ وخَرَّ راكِعًا ﴾ بِخَرَّ لِلسُّجُودِ مُصَلِّيًا ذَهَبَ إلى أنَّ ما وقَعَ مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلاةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى السُّجُودِ وكانَتْ لِلِاسْتِغْفارِ، وقَدْ جاءَ في شَرِيعَتِنا مَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ في خَبَرٍ عَلى ما يُشْعِرُ بِحَمْلِ ما هُنا عَلى صَلاةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ، وإنَّما وقَفْنا عَلى أنَّهُ سَجَدَ وأنابَ، أيْ رَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما اسْتَغْفَرْنا مِنهُ.
أخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ حِبّانَ أنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَكى أرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتّى نَبَتَ العُشْبُ حَوْلَهُ مِن دُمُوعِهِ ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ قَرَحَ الجَبِينُ ورَقَأ الدَّمْعُ وخَطِيئَتِي عَلَيَّ كَما هِيَ، فَنُودِيَ: يا داوُدُ أجائِعٌ فَتُطْعَمُ؟
أمْ ظَمْآنُ فَتُسْقى؟
أمْ مَظْلُومٌ فَيُنْتَصَرُ لَكَ؟
فَنَحَبَ نَحْبَةً هاجَ ما هُنالِكَ مِنَ الخُضْرَةِ، فَغُفِرَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وفِي رِوايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ خَرَّ ساجِدًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً، حَتّى نَبَتَ مِن دُمُوعِ عَيْنَيْهِ مِنَ البَقْلِ ما غَطّى رَأْسَهُ، ثُمَّ قالَ: إلَخْ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ ماءً إلّا وثُلُثاهُ مِن دَمْعِهِ، وجَهِدَ نَفْسَهُ راغِبًا إلى اللَّهِ تَعالى في العَفْوِ عَنْهُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ واشْتَغَلَ بِذَلِكَ عَنِ المُلْكِ حَتّى وثَبَ ابْنٌ لَهُ يُقالُ لَهُ: إيشا عَلى مُلْكِهِ، ودَعا إلى نَفْسِهِ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ أهْلُ الزَّيْغِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا غُفِرَ لَهُ حارَبَهُ فَهَزَمَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ ثابِتٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اتَّخَذَ سَبْعَ حَشايا، وحَشاهُنَّ مِنَ الرَّمادِ حَتّى أنْفَذَها دُمُوعًا، ولَمْ يَشْرَبْ شَرابًا إلّا مَزَجَهُ بِدَمْعِ عَيْنَيْهِ، وأخْرَجَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ اعْتَزَلَ النِّساءَ، وبَكى حَتّى رَعِشَ، وخَدَّدَتِ الدُّمُوعُ في وجْهِهِ، ولَمْ يَنْقَطِعْ خَوْفُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَلَقُهُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّ داوُدَ نَقَشَ خَطِيئَتَهُ في كَفِّهِ، لِكَيْ لا يَنْساها، وكانَ إذا رَآها اضْطَرَبَتْ يَداهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ ثابِتٍ، عَنْ صَفْوانَ، وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الجَدَلِيِّ: ما رَفَعَ داوُدُ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ بَعْدَ الخَطِيئَةِ حَتّى ماتَ، ﴿ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ﴾ قُرْبَةٌ بَعْدَ المَغْفِرَةِ.
﴿ وحُسْنَ مَآبٍ ﴾ وحُسْنُ مَرْجِعٍ في الجَنَّةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَدْنُو مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ حَتّى يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وهو إنْ صَحَّ مِنَ المُتَشابِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ أنَّهُ قالَ فِيها: يُقامُ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ ساقِ العَرْشِ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: يا داوُدُ، مَجِّدْنِي اليَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الحَسَنِ الرَّخِيمِ الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ في الدُّنْيا، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، كَيْفَ وقَدْ سَلَبْتَهُ؟
فَيَقُولُ: إنِّي رادُّهُ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيَنْدَفِعُ بِصَوْتٍ يَسْتَغْرِقُ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ.
هَذا واخْتُلِفَ في أصْلِ قِصَّتِهِ الَّتِي تَرَتَّبَ عَلَيْها ما تَرَتَّبَ، فَقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى امْرَأةَ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: أُورِيّا مِن مُؤْمِنِي قَوْمِهِ - وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ وزِيرُهُ - فَمالَ قَلْبُهُ إلَيْها، فَسَألَهُ أنْ يُطَلِّقَها فاسْتَحى أنْ يَرُدَّهُ، فَفَعَلَ فَتَزَوَّجَها، وهي أُمُّ سُلَيْمانَ، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِ مُعْتادًا فِيما بَيْنَ أُمَّتِهِ غَيْرَ مُخِلٍّ بِالمُرُوءَةِ حَيْثُ كانَ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنِ امْرَأتِهِ فَيَتَزَوَّجُها إذا أعْجَبَتْهُ، وقَدْ كانَ الرَّجُلُ مِنَ الأنْصارِ في صَدْرِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ إذا كانَتْ لَهُ زَوْجَتانِ نَزَلَ عَنْ إحْداهُما لِمَنِ اتَّخَذَهُ أخًا لَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ لَكِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعِظَمِ مَنزِلَتِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ، وعُلُوِّ شَأْنِهِ نُبِّهَ بِالتَّمْثِيلِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَعاطى ما يَتَعاطاهُ آحادُ أُمَّتِهِ، ويَسْألَ رَجُلًا لَيْسَ لَهُ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ أنْ يَنْزِلَ عَنْها فَيَتَزَوَّجَها مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ، بَلْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُغالِبَ مَيْلَهُ الطَّبِيعِيَّ ويَقْهَرَ نَفْسَهُ، ويَصْبِرَ عَلى ما امْتُحِنَ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ في نَفْسِهِ إنْ قُتِلَ أُورِيّا تَزَوَّجَ بِها، وإلَيْهِ مالَ ابْنُ حَجَرٍ في تُحْفَتِهِ.
وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ أُورِيّا تَزَوَّجَها بَلْ كانَ خَطَبَها ثُمَّ خَطَبَها هُوَ، فَآثَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أهْلُها، فَكانَ ذَنْبُهُ أنْ خَطَبَ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ المُؤْمِنِ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ عالِمًا بِخِطْبَةِ أخِيهِ، فَعُوتِبَ عَلى تَرْكِ السُّؤالِ، هَلْ خَطَبَها أحَدٌ أمْ لا؟
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في شَرِيعَتِهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا ماتَ وخَلَّفَ امْرَأةً فَأوْلِياؤُهُ أحَقُّ بِها، إلّا أنْ يَرْغَبُوا عَنِ التَّزَوُّجِ بِها، فَلَمّا قُتِلَ أُورِيّا خَطَبَ امْرَأتَهُ ظانًّا أنَّ أوْلِياءَهُ رَغِبُوا عَنْها، فَلَمّا سَمِعُوا مَنَعَتْهم هَيْبَتُهُ وجَلالَتُهُ أنْ يَخْطُبُوها.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في عِبادَةٍ، فَأتاهُ رَجُلٌ وامْرَأةٌ مُتَحاكِمَيْنِ إلَيْهِ، فَنَظَرَ إلى المَرْأةِ لِيَعْرِفَها بِعَيْنِها، وهو نَظَرٌ مُباحٌ، فَمالَتْ نَفْسُهُ مَيْلًا طَبِيعِيًّا إلَيْها، فَشُغِلَ عَنْ بَعْضِ نَوافِلِهِ، فَعُوتِبَ لِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَثَبَّتْ في الحُكْمِ، وظَلَمَ المُدَّعى عَلَيْهِ، قَبْلَ سُؤالِهِ لِما نالَهُ مِنَ الفَزَعِ، وكانَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ وكانا مِنَ الإنْسِ عَلى الحَقِيقَةِ، إمّا عَلى ظاهِرِ ما قُصَّ، أوْ عَلى جَعْلِ النَّعْجَةِ فِيهِ كِنايَةً عَنِ المَرْأةِ، ونُقِلَ هَذا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، والمَقْبُولُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ ما بَعُدَ مِنَ الإخْلالِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ولِلْقُصّاصِ كَلامٌ مَشْهُورٌ لا يَكادُ يَصِحُّ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الإخْلالِ بِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولِذا قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى ما في بَعْضِ الكُتُبِ: مَن حَدَّثَ بِحَدِيثِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما يَرْوِيهِ القُصّاصُ جَلَدْتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ، وذَلِكَ حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
وهَذا اجْتِهادٌ مِنهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ووَجْهُ مُضاعَفَةِ الحَدِّ عَلى حَدِّ الأحْرارِ أنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سادَةُ السّادَةِ، وهو وجْهٌ مُسْتَحْسَنٌ إلّا أنَّ الزَّيْنَ العِراقِيَّ ذَكَرَ أنَّ الخَبَرَ نَفْسَهُ لَمْ يَصِحَّ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّ المُتَسَوِّرَيْنِ المِحْرابَ كانُوا مِنَ الإنْسِ دَخَلُوا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ المَدْخَلِ، وفي غَيْرِ وقْتِ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ، وأنَّهُ فَزِعَ مِنهم ظانًّا أنَّهم يَغْتالُونَهُ، إذْ كانَ مُنْفَرِدًا في مِحْرابِهِ لِعِبادَةِ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَمّا اتَّضَحَ لَهُ أنَّهم جاؤُوا في حُكُومَةٍ، وبَرَزَ مِنهُمُ اثْنانِ لِلتَّحاكُمِ كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ظَنَّ دُخُولَهم عَلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِن تِلْكَ الجِهَةِ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ أنْ يَغْتالُوهُ، فَلَمْ يَقَعْ ما كانَ ظَنَّهُ فاسْتَغْفَرَ مِن ذَلِكَ الظَّنِّ حَيْثُ أُخْلِفَ، ولَمْ يَكُنْ لِيَقَعَ مَظْنُونُهُ، وخَرَّ ساجِدًا ورَجَعَ إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ سُبْحانَهُ غَفَرَ لَهُ ذَلِكَ الظَّنَّ، فَإنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قالَ: ﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ سِوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ ﴾ ونَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعْصُومُونَ مِنَ الخَطايا لا يُمْكِنُ وُقُوعُهم في شَيْءٍ مِنها ضَرُورَةَ إنّا لَوْ جَوَّزْنا عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَطَلَتِ الشَّرائِعُ، ولَمْ يُوثَقْ بِشَيْءٍ مِمّا يَذْكُرُونَ أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَما حَكى اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ يَمُرُّ عَلى ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى، وما حَكى القُصّاصُ مِمّا فِيهِ نَقْصٌ لِمَنصِبِ الرِّسالَةِ طَرَحْناهُ، ونَحْنُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ونُؤْثِرُ حُكْمَ العَقْلِ في كُلِّ شُبْهَةٍ إذا آثَرَ الأخْبارَ جِلاسٌ قِصاصُ انْتَهى، ويَقْرُبُ مِن هَذا مِن وجْهٍ ما قِيلَ: إنَّ قَوْمًا قَصَدُوا أنْ يَقْتُلُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَسَوَّرُوا المِحْرابَ فَوَجَدُوا عِنْدَهُ أقْوامًا فَتَصَنَّعُوا بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّحاكُمِ فَعَلِمَ غَرَضَهُمْ، فَقَصَدَ أنْ يَنْتَقِمَ مِنهُمْ، فَظَنَّ أنَّ ذَلِكَ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وامْتِحانٌ لَهُ، هَلْ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، أمْ لا؟
فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِمّا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ الانْتِقامِ مِنهُمْ، وتَأْدِيبِهِمْ لِحَقِّ نَفْسِهِ لِعُدُولِهِ عَنِ العَفْوِ الألْيَقِ بِهِ، وقِيلَ: الِاسْتِغْفارُ كانَ لِمَن هَجَمَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ﴾ عَلى مَعْنى: فَغَفَرْنا لِأجْلِهِ، وهَذا تَعَسُّفٌ، وإنْ وقَعَ في بَعْضِ كُتُبِ الكَلامِ، وعِنْدِي أنَّ تَرْكَ الأخْبارِ بِالكُلِّيَّةِ في القِصَّةِ مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ المُنْصِفُ، نَعَمْ لا يُقْبَلُ مِنها ما فِيهِ إخْلالٌ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ، ولا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا يَنْدَفِعُ مَعَهُ ذَلِكَ، ولا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا تَرْكُ ما هو الأوْلى بِعَلِيِّ شَأْنِهِ، والِاسْتِغْفارُ مِنهُ، وهو لا يُخِلُّ بِالعِصْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُبَيِّنَةٌ لِزُلْفاهُ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإمّا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (غَفَرْنا)، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: وقُلْنا لَهُ أوْ قائِلِينَ لَهُ: يا داوُدُ، إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ، أيِ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى المُلْكِ فِيها، والحُكْمِ فِيما بَيْنَ أهْلِها، أوْ جَعَلْناكَ خَلِيفَةً مِمَّنْ قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ القائِمِينَ بِالحَقِّ، وهو عَلى الأوَّلِ مِثْلُ فُلانٍ خَلِيفَةِ السُّلْطانِ إذا كانَ مَنصُوبًا مِن قِبَلِهِ لِتَنْفِيذِ ما يُرِيدُهُ، وعَلى الثّانِي مِن قَبِيلِ هَذا الوَلَدِ خَلِيفَةٌ عَنْ أبِيهِ، أيْ سادٌّ مَسَدَّهُ قائِمٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِحَياةٍ ومَوْتٍ وغَيْرِهِما، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمِنَّةُ بِهِ أعْظَمُ فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى بِالمَعْنى الَّذِي سَمِعْتَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُقالُ: خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى إلّا لِرَسُولِهِ، وأمّا الخُلَفاءُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةٌ مِن قِبَلِهِ، وما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن تَسْمِيَةِ أحَدِهِمْ خَلِيفَةَ اللَّهِ، فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ كَما قالَ قَيْسُ الرُّقَيّاتِ: خَلِيفَةُ اللَّهِ في بَرِيَّتِهِ جَفَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ وقالَتِ الصَّحابَةُ لِأبِي بَكْرٍ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ كانَ يُدْعى إلى أنْ تُوُفِّيَ، فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: خَلِيفَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَعُدِلَ عَنْهُ اخْتِصارًا إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ.
وذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ إلى أنَّ الخَلِيفَةَ مِنَ الرُّسُلِ مَن فُوِّضَ إلَيْهِ التَّشْرِيعُ، ولَعَلَّهُ مِن جُمْلَةِ اصْطِلاحاتِهِ، ولا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى نَصْبَ الإمامِ، لِأنَّهُ مِنَ اللُّطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والجَماعَةُ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، والإمامَةُ عِنْدَهم مِنَ الفُرُوعِ، وإنْ ذَكَرُوها في كُتُبِ العَقائِدِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وتَحْقِيقُ المَطْلَبِ في مَحَلِّهِ، ﴿ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ﴾ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لَكَ، فالحَقُّ خِلافُ الباطِلِ، وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى، أيْ بِحُكْمِ الحَقِّ أيِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْعِلْمِ بِأنَّ الذَّواتِ لا يَكُونُ مَحْكُومًا بِها.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقابَلَتَهُ بِالهَوى تَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِهِ يَجْعَلُ المُقابِلَ المُضافَ المَحْذُوفَ، والمُقابَلَةُ بِاعْتِبارِ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ، وفُرِّعَ الأمْرُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ عَلى ما تَقَدَّمَ لِأنَّ الِاسْتِخْلافَ بِكِلا المَعْنَيَيْنِ مُقْتَضٍ لِلْحُكْمِ العَدْلِ، لا سِيَّما عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِظُهُورِ اقْتِضاءِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيفَةً لَهُ تَعالى، أنْ لا يُخالِفَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، بَلْ يَكُونُ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ ورِضاهُ.
وقِيلَ: المُتَرَتِّبُ مُطْلَقُ الحُكْمِ لِظُهُورِ تَرَتُّبِهِ عَلى كَوْنِهِ خَلِيفَةً.
وذَكَرَ الحَقَّ لِأنَّ بِهِ سَدادَهُ، وقِيلَ: تَرَتَّبَ ذَلِكَ لِأنَّ الخِلافَةَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ شُكْرُها العَدْلُ.
وفي البَحْرِ: أنَّ هَذا أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ، وتَنْبِيهٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ ولِيَ أُمُورَ النّاسِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِالحَقِّ، وإلّا فَهو مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْصُومٌ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وعَلى نَحْوِ هَذا يُخَرَّجُ النَّهْيُ عِنْدِي في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ ولا تَتَّبِعِ الهَوى ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الهَوى مِمّا لا يَكادُ يَقَعُ مِنَ المَعْصُومِ.
وظاهِرُ السِّياقِ أنَّ المُرادَ: ولا تَتَّبِعْ هَوى النَّفْسِ في الحُكُوماتِ، وعَمَّمَ بَعْضُهم فَقالَ: أيْ في الحُكُوماتِ وغَيْرِها مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا.
وأُيِّدَ بِهَذا النَّهْيِ ما قِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُبادَرَةُ إلى تَصْدِيقِ المُدَّعِي وتَظْلِيمِ الآخَرِ قَبْلَ مُساءَلَتِهِ، لا المَيْلُ إلى امْرَأةِ أُورِيّا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتَّبِعِ الهَوى في الحُكْمِ كَما اتَّبَعْتَهُ أوَّلًا، وفِيهِ أنَّ اتِّباعَ الهَوى وحُكْمَهُ بِغَيْرِ ما شَرَعَ اللَّهُ تَعالى لَهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِهِ، لا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ الإخْبارِ بِمَسْألَةِ المُتَحاكِمَيْنِ أنَّهُ أتاهُ الحُكْمَ، وفَصْلَ الخِطابِ، فَلَيْسَ هَذا إلّا إرْشادًا لِما يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الخِلافَةِ وتَنْبِيهًا لِمَن هو دُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأصْلُ الهَوى مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّهْوَةِ، ويُقالُ لِلنَّفْسِ المائِلَةِ إلَيْها، ويَكُونُ بِمَعْنى المَهْوِيِّ كَما في قَوْلِهِ: هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدُ ∗∗∗ جَنِيبٌ وجُثْمانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ وبِهِ فَسَّرَهُ هُنا بَعْضُهم فَقالَ: أيْ لا تَتَّبِعْ ما تَهْوى الأنْفُسُ، ﴿ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ مَفْتُوحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أيْ فَيَكُونَ الهَوى أوِ اتِّباعُهُ سَبَبًا لِضَلالِكَ عَنْ دَلائِلِهِ الَّتِي نَصَبَها عَلى الحَقِّ، وهي أعَمُّ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، والنَّقْلِيَّةِ، وصَدُّ ذَلِكَ عَنِ الدَّلائِلِ إمّا لِعَدَمِ فَهْمِها، أوِ العَمَلِ بِمُوجَبِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ غائِلَتِهِ، وإظْهارُ سَبِيلِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانِ بِكَمالِ شَناعَةِ الضَّلالِ عَنْهُ، وخَبَرُ إنَّ، إمّا جُمْلَةُ ﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ ، عَلى أنَّ لهم خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وعَذابٌ مُبْتَدَأٌ وإمّا الظَّرْفُ، وعَذابٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِما فِيهِ مِنَ الاسْتِقْرارِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، وأبُو حَيْوَةَ ”يُضِلُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أعَمُّ، لِأنَّهُ لا يَضِلُّ إلّا ضالٌّ في نَفْسِهِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْضَحُ لِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ مَن أضَلَّهُمُ اتِّباعُ الهَوى، وهم بَعْدَ أنْ أضَلَّهم صارُوا ضالِّينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما نَسُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَوْمَ الحِسابِ ﴾ مَفْعُولُ نسوا عَلى ما هو الظّاهِرُ، أيْ ثابِتٌ لَهم ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ، وعَدَمِ ذِكْرِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَعْلِيلًا صَرِيحًا لِثُبُوتِ العَذابِ الشَّدِيدِ لَهم بِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَلْزِمُهُ أعْنِي الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بِالمَرَّةِ، بَلْ هَذا فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الكَلامَ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ لَهم يَوْمَ الحِسابِ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا، فَيَكُونُ يَوْمُ الحِسابِ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهُمْ ﴾ وجُعِلَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ مَجازًا عَنْ ضَلالِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، ومِن ضَرُورَتِهِ جَعْلُ مَفْعُولِ النِّسْيانِ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ يَكُونُ التَّعْلِيلُ المُصَرَّحُ بِهِ عَيْنَ التَّعْلِيلِ المُشْعِرِ بِهِ بِالذّاتِ غَيْرُهُ بِالعُنْوانِ، فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا فَهو مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ نَحْوَ: كُلْ هَنِيئًا، أيْ أكْلًا هَنِيئًا، والباطِلُ ما لا حِكْمَةَ فِيهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ خَلَقْنا ﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَوِي باطِلٍ، والباطِلُ اللَّعِبُ والعَبَثُ أيْ ما خَلَقْنا ذَلِكَ مُبْطِلِينَ لاعِبِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْضًا بِنَحْوِ هَذا التَّأْوِيلِ، وأيًّا ما كانَ، فالكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ المَعادِ والحِسابِ، فَإنَّ خَلْقَ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ، والأسْرارِ البالِغَةِ، والفَوائِدِ الجَمَّةِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَتَعاصاها أمْرُ المَعادِ والحِسابِ، فَإنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَتْرُكُ النّاسَ إذا ماتُوا سُدًى بَلْ يُعِيدُهم ويُحاسِبُهُمْ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.
وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ في فاعِلِ ﴿ نَسُوا ﴾ جِيءَ بِها لِتَفْظِيعِ أمْرِ النِّسْيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ مَعَ وُجُودِ ما يُؤْذِنُ بِهِ، وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ باطِلا ﴾ مَفْعُولًا، ويُفَسَّرُ بِخِلافِ الحَقِّ، ويُرادُ بِهِ مُتابَعَةُ الهَوى، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَلَقْنا هَذا العالَمَ لِلْباطِلِ الَّذِي هو مُتابَعَةُ الهَوى، بَلْ لِلْحَقِّ الَّذِي هو مُقْتَضى الدَّلِيلِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّدَرُّعِ بِالشَّرْعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وقِيلَ: تَكُونُ عَطْفًا عَلى ما قَبْلُ بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّبِعِ الهَوى لِأنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِضَلالِكَ، ولِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ العالَمَ لِأجْلِ مُتابَعَةِ الهَوى بَلْ خَلَقَهُ لِلتَّوْحِيدِ، والتَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ، فَلا تَغْفُلْ.
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ مَن خَلَقَ ما ذَكَرَ باطِلًا، ﴿ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ مَظْنُونُهم لِيَصِحَّ الحَمْلُ، أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ظَنُّ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَإنَّ إنْكارَهُمُ المَعادَ والجَزاءَ قَوْلٌ بِأنَّ خَلْقَ ما ذُكِرَ خالٍ عَنِ الحِكْمَةِ، وإنَّما هو عَبَثٌ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ﴾ ، أوْ فَإنَّ إنْكارَهم ذَلِكَ قَوْلٌ بِنَفْيِ عِظَمِ القُدْرَةِ، وهو قَوْلٌ بِنَفْيِ دَلِيلِهِ، وهو خَلْقُ ما ذُكِرَ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ والأسْرارِ، وهَذا بِناءً عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في بَيانِ التَّقْرِيرِ، وهو كَما تَرى، ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ، كَما أنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِإشْعارِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لَهُ، ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما، لِأنَّ ظَنَّهم مِن بابِ كُفْرِهِمْ، فَيَتَأكَّدُ أمْرُ التَّعْلِيلِ، ومن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ النّارِ ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ، ونَظائِرِهِ، وتُفِيدُ عَلى هَذا عِلِّيَّةَ النّارِ لِثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم صَرِيحًا بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، قِيلَ: والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن دُخُولِ النّارِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ وتُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ونَفْيِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وبَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ بِما مَرَّ مِن نَفْيِ خَلْقِ العالَمِ باطِلًا إلى تَقْرِيرِهِ وتَحْقِيقِهِ بِإنْكارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ بَلْ أنَجْعَلُ المُؤْمِنِينَ المُصْلِحِينَ كالكَفَرَةِ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ الَّتِي جُعِلَتْ مَقَرًّا لَهم كَما يَقْتَضِيهِ عَدَمُ البَعْثِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ لِاسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ في التَّمَتُّعِ في الحَياةِ الدُّنْيا بَلْ أكْثَرُ الكَفَرَةِ أوْفَرُ حَظًّا مِنها مِن أكْثَرِ المُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مُحالٌ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ، فَتَعَيَّنَ البَعْثُ والجَزاءُ حَتْمًا لِرَفْعِ الأوَّلِينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ورَدِّ الآخِرِينَ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ كَذا قالُوا، وظاهِرُهُ أنَّ مُحالِيَّةَ جَعْلِ الفَرِيقَيْنِ سَواءً حِكْمَةٌ تَقْتَضِي تَعَيُّنَ المَعادِ الجِسْمانِيِّ، وفِيهِ خَفاءٌ، والظّاهِرُ أنَّ المَعادَ الرُّوحانِيَّ يَكْفِي لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ مِن إثابَةِ الأوَّلِينَ، وتَعْذِيبِ الآخِرِينَ، فالدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ ظاهِرٌ في إثْباتِ مَعادٍ، لَكِنْ بَعْدَ إبْطالِ التَّناسُخِ وهو كافٍ في الرَّدِّ عَلى كَفَرَةِ العَرَبِ، فَإنَّهم لا يَقُولُونَ بِمَعادٍ بِالكُلِّيَّةِ، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمُ التَّناسُخُ أصْلًا، ولِإثْباتِ المَعادِ الجِسْمانِيِّ طَرِيقٌ آخَرُ مَشْهُورٌ بَيْنَ المُتَكَلِّمِينَ، وجَعْلُ هَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ طَرِيقًا لِإثْباتِهِ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إثْباتِ ما ذُكِرَ بِلُزُومِ المُحالِ الَّذِي هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الإطْلاقِ إلى إثْباتِهِ بِلُزُومِ ما هو أظْهَرُ مِنهُ اسْتِحالَةً، وهي التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أتْقِياءِ المُؤْمِنِينَ، وأشْقِياءِ الكَفَرَةِ، وحَمْلُ الفُجّارِ عَلى فَجَرَةِ المُؤْمِنِينَ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ عَيْنُ الأوَّلِينَ، ويَكُونُ التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ آخَرَيْنِ هُما أدْخَلُ في إنْكارِ التَّسْوِيَةِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ المُرادُ مِنَ الجَمْعَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ.
وقِيلَ: هي في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ما لا تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَها ابْنُ عَساكِرَ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وشَيْبَةُ، وهُمُ الَّذِينَ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ هو عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ أوِ السُّورَةِ، ويَجُوزُ عَلى الثّانِي تَقْدِيرُهُ مُذَكَّرًا أيْ هو أوْ هَذا، وهو الأوْلى عِنْدَ جَمْعٍ رِعايَةً لِلْخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ مُؤَنَّثًا رِعايَةً لِلْمَرْجِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ ﴾ صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُبارَكٌ ﴾ أيْ كَثِيرُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ أوْ صِفَةُ كتاب عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ.
وقُرِئَ ”مُبارَكًا“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ”أنْزَلْنا“ وهي حالٌ لازِمَةٌ لِأنَّ البَرَكَةَ لا تُفارِقُهُ، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى في بَرَكاتِهِ، ونَفَعَنا بِشَرِيفِ آياتِهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْناهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا بِتاءٍ بَعْدَ الياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِهَذا الأصْلِ.
أيْ أنْزَلْناهُ لِيَتَفَكَّرُوا في آياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ المُعْرِبَةُ عَنْ أسْرارِ التَّكْوِينِ، والتَّشْرِيعِ، فَيَعْرِفُوا ما يُدَبِّرُ ويَتَّبِعُ ظاهِرَها مِنَ المَعانِي الفائِقَةِ والتَّأْوِيلاتِ اللّائِقَةِ، وضَمِيرُ الرَّفْعِ لِأُولِي الألْبابِ عَلى التَّنازُعِ، وإعْمالِ الثّانِي، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ، أوْ لَهم ولِلْمُفْسِدِينَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”لِتَدَبَّرُوا“ بِتاءِ الخِطابِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيها، أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أمِ التّاءُ الَّتِي تَلِيها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، وعُلَماءِ أُمَّتِهِ عَلى التَّغْلِيبِ، أيْ لِتَدَبَّرَ أنْتَ وعُلَماءُ أُمَّتِكَ، ﴿ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ أيْ ولِيَتَّعِظَ بِهِ ذَوُو العُقُولِ الزّاكِيَةِ الخالِصَةِ مِنَ الشَّوائِبِ، أوْ لِيَسْتَحْضِرُوا ما هو كالمَرْكُوزِ في عُقُولِهِمْ لِفَرْطِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ لِما نُصِبَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ، وإنْزالَ الكُتُبِ لِبَيانِ ما لا يُعْرَفُ إلّا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، والإرْشادِ إلى ما يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِإدْراكِهِ كَوُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ وقُرِئَ ”نِعْمَ“ عَلى الأصْلِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ نِعْمَ العَبْدُ هُوَ، أيْ سُلَيْمانُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ داوُدَ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا لِوَهَبْنا، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ أيْ رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ أوْ إلى التَّسْبِيحِ مَرْجِعٌ لَهُ أوْ إلى مَرْضاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعْلِيلٌ لِلْمَدْحِ، وهو مِن حالِهِ لِما أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ﴾ يَعُودُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَطْعًا، وإذْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ الزَّمانِ ذِكْرُ ما وقَعَ فِيهِ، أوْ ظَرْفٌ لِأوّابٍ، أوْ لِنِعْمَ، والظَّرْفُ قَنُوعٌ، لَكِنْ يَرِدُ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّ التَّقْيِيدَ يُخِلُّ بِكَمالِ المَدْحِ، فالأوَّلُ أوْلى، وهو كالِاسْتِشْهادِ عَلى أنَّهُ أوّابٌ، أيِ اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ، ﴿ بِالعَشِيِّ ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، والعَشِيُّ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وقالَ بَعْضٌ: مِنهُ إلى آخِرِ النَّهارِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِعُرِضَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الصّافِناتُ ﴾ نائِبُ الفاعِلِ وتَأْخِيرُهُ عَنْهُما لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والصّافِنُ مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ أوْ رِجْلَيْهِ، ويَقِفُ عَلى مُقَدَّمِ حافِرِها، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ: ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَثِيرا وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهِما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرْفِ الحافِرِ فَهو المُتَخَيِّمُ، وعَنِ التَّهْذِيبِ ومَتْنِ اللُّغَةِ هو المُخَيِّمُ، وقالَ القُتَبِيُّ: الصّافِنُ الواقِفُ في الخَيْلِ وغَيْرِها.
وفِي الحَدِيثِ «”مَن سَرَّهُ أنْ يَقُومَ النّاسُ لَهُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ“».
أيْ يُدِيمُونَ لَهُ القِيامَ، حَكاهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ لِلنّابِغَةِ: لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها ∗∗∗ عِتاقُ المَهارى والجِيادُ الصَّوافِنُ وقالَ الفَرّاءُ: رَأيْتُ العَرَبَ عَلى هَذا وأشْعارُهم تَدُلُّ عَلى أنَّهُ القِيامُ خاصَّةً، والمَشْهُورُ في الصُّفُونِ ما تَقَدَّمَ، وهو مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ في الخَيْلِ لا تَكادُ تَتَحَقَّقُ إلّا في العَرَبِ الخُلَّصِ، ﴿ الجِيادُ ﴾ جَمْعُ جَوادٍ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، يُقالُ: جادَ الفَرَسُ صارَ رائِضًا يَجُودُ جُودَةً بِالضَّمِّ، وهو جَوادٌ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أجْوادٍ وأجاوِيدَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ جَوْدٍ كَثَوْبٍ، وأثْوابٍ، وفُسِّرَ بِالَّذِي يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَجُودُ بِالرَّكْضِ، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِالصُّفُونِ والجُودَةِ لِبَيانِ جَمْعِها بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ واقِفَةً وجارِيَةً، أيْ إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً في مَواقِفِها، وإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا خِفافًا في جَرْيِها، والخَيْلُ تُمْدَحُ بِالسُّكُونِ في المَوْقِفِ كَما تُمْدَحُ بِالسُّرْعَةِ في الجَرْيِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ: وإذا احْتَبى قَرَبُوسُهُ بِعِنانِهِ ∗∗∗ عَلَكَ الشَّكِيمَ إلى انْصِرافِ الزّائِرِ وقِيلَ: جَيِّدٌ كَكَيِّسٍ، ضِدَّ الرَّدِيءِ، ويُجْمَعُ عَلى جِياداتٍ وجَيائِدَ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ مَعَ ﴿ الصّافِناتُ ﴾ حِينَئِذٍ وبِأنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَدْحَ الخَيْلِ بِاعْتِبارِ حالَيْها، وكَوْنُ الجِيادِ أعَمَّ، فَذِكْرُهُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فِيهِ نَظَرٌ.
وفِي البَحْرِ قِيلَ: الجِيادُ الطِّوالُ الأعْناقِ مِنَ الجِيدِ، وهو العُنُقُ، وأنا في شَكٍّ مِن ثُبُوتِهِ، قالَ في القامُوسِ: الجِيدُ بِالكَسْرِ العُنُقُ أوْ مُقَلَّدُهُ، أوْ مُقَدَّمُهُ، جَمْعُهُ أجْيادٌ وجُيُودٌ، وبِالتَّحْرِيكِ طُولُها أوْ دِقَّتُها مَعَ طُولٍ، وهو أجْيَدُ، وهي جَيْداءُ، وجَيْدانَةٌ جَمْعُهُ جُوَدٌ اهـ، وراجَعْتُ غَيْرَهُ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ فَلْيَنْقَرَّ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الجِيادَ جَمْعٌ شاذٌّ لِأجْيَدَ، أوْ جَيْداءَ، أوْ جَيْدانَةٍ، أوْ هو جَمْعٌ لِجَيَدٍ بِالتَّحْرِيكِ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ويُرادُ بِجَيَدٍ أجْيَدُ، أوْ نَحْوُهُ، نَظِيرَ ما يُرادُ بِالخَلْقِ المَخْلُوقُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأيًّا ما كانَ فالوَصْفانِ يُوصَفُ بِهِما المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ مِنَ الخَيْلِ، والجَمْعُ بِألِفٍ وتاءٍ لا يَخُصُّ المُؤَنَّثَ فَلا حاجَةَ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّ ما عُرِضَ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذُكُورِ الخَيْلِ وإناثِها إلى القَوْلِ بِأنَّ في الصّافِناتِ تَغْلِيبُ المُؤَنَّثِ عَلى المُذَكَّرِ، وأنَّهُ يَجُوزُ بِقِلَّةٍ، وأُرِيدَ بِالجَمْعِ هُنا الكَثْرَةُ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الخَيْلَ كانَتْ ألْفَ فَرَسٍ غَزا سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دِمَشْقَ ونُصَيْبِينَ فَأصابَها.
واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ بِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِغَيْرِ نَبِيِّنا كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَيْئًا لا غَنِيمَةً، وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّها ألْفُ فَرَسٍ ورِثَها مِن أبِيهِ داوُدَ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أصابَها مِنَ العَمالِقَةِ، وهم بَنُو عِمْلِيقِ بْنِ عُوصَ بْنِ عادِ بْنِ إرَمَ.
واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ زِيادَةً عَلى الأُولى، بِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يُورَثُونَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُحْتَجًّا بِهِ في مَسْألَةِ فَدَكٍ والعَوالِي بِمَحْضِرِ الصَّحابَةِ، وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالإرْثِ حِيازَةُ التَّصَرُّفِ لا المِلْكُ، وعَقَرَها تَقَرُّبًا عَلى ما في الأوْجُهِ في الآيَةِ بَعْدُ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ لا يَقْتَضِي المِلْكَ، وقالَ عَوْفٌ: بَلَغَنِي أنَّها كانَتْ خَيْلًا ذاتَ أجْنِحَةٍ، أُخْرِجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ لَمْ تَكُنْ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ورُوِيَ كَوْنُها كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتِ أجْنِحَةٍ، ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ سِوى الِاسْتِبْعادِ، وإذا لَمْ يُلْتَفَتْ إلى الأخْبارِ في ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيها خَبَرٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ، أوْ ما في حُكْمِهِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيما أعْلَمُ، فَلَنا أنْ نَقُولَ: هي خَيْلٌ كانَتْ لَهُ كالخَيْلِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ المُلُوكِ، وصَلَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ المُلْكِ، فاسْتَعْرَضَها فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ: وغَفَلَ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ، وحَكى هَذا الطَّبَرْسِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ ثُمَّ قالَ: وفي رِواياتِ أصْحابِنا أنَّهُ فاتَهُ أوَّلُ الوَقْتِ.
وقالَ الجُبّائِيُّ: لَمْ يَفُتْهُ الفَرْضُ، وإنَّما فاتَهُ نَفْلٌ كانَ يَفْعَلُهُ آخِرَ النَّهارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتِرافًا بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الاشْتِغالِ، ونَدَمًا عَلَيْهِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بَرَدِّها وعَقْرِها عَلى ما هو المَشْهُورُ، والخَيْرُ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في المالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُقالُ لِلْمالِ خَيْرٌ حَتّى يَكُونَ كَثِيرًا، ومِن مَكانٍ طَيِّبٍ، كَما رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهُ فَقالَ: ألا أُوصِي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟
قالَ: لا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ ولَيْسَ لَكَ مالٌ كَثِيرٌ.
ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِالمالِ هُنا عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يُرادُ بِالخَيْرِ الخَيْلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِتَعَلُّقِ الخَيْرِ بِها، فَفي الخَبَرِ: «”الخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ“».
والأحْبابُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإيثارِ وهو مُلْحَقٌ بِالحَقِيقَةِ لِشُهْرَتِهِ في ذَلِكَ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، فَهو مِمّا يَتَعَدّى بِعَلى، لَكِنْ عُدِّيَ هُنا بِعَنْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإنابَةِ، وحب الخير مَفْعُولٌ بِهِ أيْ آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ مُنِيبًا لَهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، أوْ أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي مُؤْثِرًا لَهُ.
وجُوِّزَ كَوْنُ حب مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ، ويَكُونُ مَفْعُولُ أحببت مَحْذُوفًا، أيْ أحْبَبْتُ الصّافِناتِ أوْ عَرْضَها حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْرِ مُنِيبًا لِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، ولَيْسَ المُرادُ بِالخَيْرِ عَلَيْهِ الخَيْلَ، وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ الهَمْدانِيُّ أنَّ أحْبَبْتُ بِمَعْنى لَزِمْتُ مِن قَوْلِهِ: ضَرَبَ بَعِيرُ السُّوءِ إذْ أحَبّا، واعْتُرِضَ بِأنَّ أحَبَّ بِهَذا المَعْنى غَرِيبٌ لَمْ يَرِدْ إلّا في هَذا البَيْتِ، وغَرابَةُ اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى اللُّكْنَةِ، وكَلامُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ اللُّزُومَ لا يَتَعَدّى بِعَنْ إلّا إذا ضُمِّنَ مَعْنًى يَتَعَدّى بِهِ، أوْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْهُ، فَلَمْ يَبْقَ فائِدَةٌ في العُدُولِ عَنِ المَعْنى المَشْهُورِ مَعَ صِحَّتِهِ أيْضًا بِالتَّضْمِينِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الأحْبابَ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِمَعْنى التَّقاعُدِ والِاحْتِباسِ، وحُبَّ الخَيْرِ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ، أيْ تَقاعَدْتُ، واحْتَبَسْتُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي لِحُبِّ الخَيْرِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الَّذِي يَدُلُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ لُزُومٌ عَنْ تَعَبٍ أوْ مَرَضٍ ونَحْوِهِ فَلا يُناسِبُ تَقاعُدَ النَّشاطِ والتَّلَهِّي الَّذِي كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ، وقَوْلُ بَعْضِ الأجِلَّةِ: بَعْدَ التَّنَزُّلِ عَنْ جَوازِ اسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ لَمّا كانَ لُزُومُ المَكانِ لِمَحَبَّةِ الخَيْلِ عَلى خِلافِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَها مِنَ الأمْراضِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى التَّداوِي بِأضْدادِها، ولِذَلِكَ عَقَرَها، فَفي أحببت اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لا يَخْفى حُسْنُها، ومُناسَبَتُها لِلْمَقامِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِخَفاءِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ نَفْسِها، وعَدَمِ ظُهُورِ قَرِينَتِها، وبِالجُمْلَةِ ما ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُفْتَحَ لَهُ بابُ الِاسْتِحْسانِ عِنْدَ ذَوِي العِرْفانِ، وجُوِّزَ حَمْلُ أحببت عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَضْمِينِهِ ما يَتَعَدّى بِعَنْ، وجَعْلُ عَنْ مُتَعَلِّقَةً بِمُقَدَّرٍ كَمُعْرِضًا وبَعِيدًا، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ أحببت، وجُوِّزَ في عَنْ كَوْنُها تَعْلِيلِيَّةً، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذكر مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى فاعِلِهِ.
وقِيلَ: الإضافَةُ عَلى مَعْنى اللّامِ، ولا يُرادُ بِالذِّكْرِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ، بَلْ يُرادُ بِهِ الصَّلاةُ، فَمَعْنى عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، عَنْ صَلاةِ رَبِّي الَّتِي شَرَعَها، وهو كَما تَرى.
وبَعْضُ مَن جَعَلَ عَنْ لِلتَّعْلِيلِ فَسَّرَ ذَلِكَ الرَّبَّ بِكِتابِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو التَّوْراةُ، أيْ أحْبَبْتُ الخَيْلَ بِسَبَبِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وهو التَّوْراةُ، فَإنَّ فِيهِ مَدْحَ ارْتِباطِها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”إنِّيَ أحْبَبْتُ“ بِفَتْحِ الياءِ، ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: أحببت بِاعْتِبارِ اسْتِمْرارِ المَحَبَّةِ، ودَوامِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ العَرْضِ، أيْ أنَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ تَشْبِيهًا لِغُرُوبِها في مَغْرِبِها بِتَوارِي المُخَبّاةِ بِحِجابِها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وأيًّا ما كانَ فَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ كَعْبٍ، قالَ: الحِجابُ هو حِجابٌ مِن ياقُوتٍ أخْضَرَ مُحِيطٌ بِالخَلائِقِ، مِنهُ اخْضَرَّتِ السَّماءُ، وما قِيلَ: إنَّهُ جَبَلٌ دُونَ قافٍ بِسَنَةٍ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وراءَهُ لا يَخْفى حالُهُ، والنّاسُ في ثُبُوتِ جَبَلِ قافٍ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، والقَرافِيُّ يَقُولُ: لا وُجُودَ لَهُ، وإلَيْهِ أمِيلُ، وإنْ قالَ المُثْبِتُونَ ما قالُوا، والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ، أوِ الِاسْتِعانَةِ، أوِ المُلابَسَةِ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الشَّمْسِ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدِلالَةِ العَشِيِّ عَلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ ﴾ لِلصّافِناتِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.
وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّهُ لِلصّافِناتِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ أنَّهُ لِلْخَيْلِ الدّالِّ عَلَيْها الحالُ المُشاهَدَةُ، أوِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ لِأنَّ رُدُّوها مِن تَتِمَّةِ مَقالَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والصّافِناتُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ في كَلامِهِ، بَلْ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّنا ، والكَلامُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قالَ: رُدُّوها عَلَيَّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ سُلَيْمانُ؟
فَقِيلَ: قالَ: رُدُّوها، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، إذِ الجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ حِكايَةِ القَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالَ إنِّي ﴾ إلَخْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحًا ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ أيْ فَرُدُّوها عَلَيْهِ، فَطَفِقَ إلَخْ، وطَفِقَ مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ، واسْمُها ضَمِيرُ سُلَيْمانَ، و ﴿ مَسْحًا ﴾ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو خَبَرُها، أيْ شَرَعَ يَمْسَحُ مَسْحًا، لا حالٌ مُؤَوَّلٌ بِماسِحًا، كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ، إذْ لا بُدَّ لَطَفِقَ مِنَ الخَبَرِ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يَسُدُّ الحالُ فِيهِ مَسَدَّهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”مِساحًا“ عَلى وزْنِ قِتالٍ، ﴿ بِالسُّوقِ والأعْناقِ ﴾ أيْ بِسُوقِها وأعْناقِها عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ، وإنَّ ألْ قائِمَةٌ مَقامَ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَسْحِ عَلى مَعْنى شَرَعَ يَمْسَحُ السَّيْفَ بِسُوقِها وأعْناقِها، وقالَ جَمْعٌ: هي زائِدَةٌ أيْ شَرَعَ يَمْسَحُ سُوقَها، وأعْناقَها بِالسَّيْفِ، ومَسَحْتَهُ بِالسَّيْفِ كَما قالَ الرّاغِبُ: كِنايَةٌ عَنِ الضَّرْبِ.
وفِي الكَشّافِ: يَمْسَحُ السَّيْفَ بِسُوقِها وأعْناقِها يَقْطَعُها، تَقُولُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ إذا ضَرَبَ عُنُقَهُ، ومَسَحَ المُسْفِرُ الكِتابَ إذا قَطَعَ أطْرافَهُ بِسَيْفِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: كَسَفَ عَراقِيبَها وضَرَبَ أعْناقَها، أرادَ بِالكَسْفِ القَطْعَ، ومِنهُ الكَسْفُ في ألْقابِ الزِّحافِ والعَرُوضِ، ومَن قالَهُ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ فَمُصَحِّفٌ، وكَوْنُ المُرادِ القَطْعَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ.
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ ﴾ قَطَعَ سُوقَها وأعْناقَها بِالسَّيْفِ».
وقَدْ جَعَلَها - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ قُرْبانًا لِلَّهِ تَعالى، وكانَ تَقْرِيبُ الخَيْلِ مَشْرُوعًا في دِينِهِ، ولَعَلَّ كَسْفَ العَراقِيبِ لِيَتَأتّى ذَبْحُها بِسُهُولَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَبَسَها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ المَسْحُ الصّادِرُ مِنهُ وسْمًا لَها لِتُعْرَفَ أنَّها خَيْلٌ مَحْبُوسَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وهو نَظِيرُ ما يُفْعَلُ اليَوْمَ مِنَ الوَسْمِ بِالنّارِ، ولا بَأْسَ بِهِ في شَرْعِنا، ما لَمْ يَكُنْ في الوَجْهِ، ولَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى الوَسْمَ بِالسَّيْفِ أهْوَنَ مِنَ الوَسْمِ بِالنّارِ، فاخْتارَهُ، أوْ كانَ هو المَعْرُوفَ في تِلْكَ الأعْصارِ بَيْنَهُمْ، ويُرْوى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ كَرامَةً لَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِذَلِكَ إتْلافَها حَيْثُ شَغَلَتْهُ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وصارَ تَعَلُّقُ قَلْبِهِ بِها سَبَبًا لِغَفْلَتِهِ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ عَلى حِلِّ تَحْرِيقِ ثِيابِهِ بِالنّارِ حِينَ شَغَلَتْهُ عَنْ رَبِّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وهَذا قَوْلٌ باطِلٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وحاشا نَبِيَّ اللَّهِ أنْ يُتْلِفَ مالًا مُحْتَرَمًا لِمُجَرَّدِ أنَّهُ شُغِلَ بِهِ عَنْ عِبادَةٍ، ولَهُ سَبِيلٌ لِأنْ يُخْرِجَهُ عَنْ مِلْكِهِ مَعَ نَفْعٍ هو مِن أجَلِّ القُرَبِ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أنَّ تِلْكَ الخَيْلَ لَمْ يَكُنْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اقْتَناها واسْتَعْرَضَها بَطَرًا وافْتِخارًا مَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ، وإنَّما اقْتَناها لِلِانْتِفاعِ بِها في طاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، واسْتَعْرَضَها لِلتَّطَلُّعِ عَلى أحْوالِها لِيُصْلِحَ مِن شَأْنِها ما يَحْتاجُ إلى إصْلاحٍ، وكُلُّ ذَلِكَ عِبادَةٌ، فَغايَةُ ما يَلْزَمُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَسِيَ عِبادَةً لِشُغْلِهِ بِعِبادَةٍ أُخْرى، فاسْتِدْلالُ الشِّبْلِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ نَبَّهَ أيْضًا عَلى عَدَمِ صِحَّتِهِ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ مِنَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ في كِتابِهِ (اليَواقِيتُ والجَواهِرُ في عَقائِدِ الأكابِرِ)، ولَكِنْ يَحْمِلُ الآيَةَ عَلى مَحْمَلٍ آخَرَ، وما ذَكَرْناهُ في مَحْمَلِها وتَفْسِيرِها هو المَشْهُورُ بَيْنَ الجُمْهُورِ، ولَهم فِيها كَلامٌ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ رُدُّوها ﴾ لِلشَّمْسِ، والخِطابُ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المُوَكَّلِينَ بِها، قالُوا: طَلَبَ رَدَّها لَمّا فاتَهُ صَلاةُ العَصْرِ لِشُغْلِهِ بِالخَيْلِ، فَرُدَّتْ لَهُ حَتّى صَلّى العَصْرَ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
كَما قالَ الخَفاجِيُّ والطَّبَرْسِيُّ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الرّازِيُّ بِأنَّ القادِرَ عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: رُدَّها عَلَيَّ، دُونَ ﴿ رُدُّوها ﴾ بِضَمِيرِ الجَمْعِ.
فَإنْ قالُوا: هو لِلتَّعْظِيمِ كَما في ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ قُلْنا: لَفْظُ رُدُّوها مُشْعِرٌ بِأعْظَمِ أنْواعِ الإهانَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا اللَّفْظِ رِعايَةُ التَّعْظِيمِ، وأيْضًا إنَّ الشَّمْسَ لَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ لَكانَ مُشاهَدًا لِكُلِّ أهْلِ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ، وحَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهُ أحَدٌ عُلِمَ فَسادُهُ.
والَّذِي يَقُولُ بِرَدِّ الشَّمْسِ لِسُلَيْمانَ يَقُولُ هو كَرَدِّها لِيُوشَعَ، ورَدِّها لِنَبِيِّنا في حَدِيثِ العِيرِ ويَوْمَ الخَنْدَقِ حِينَ شُغِلَ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ، ورَدَّها لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهِهِ ورَضِيَ عَنْهُ بِدُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَقَدْ رُوِيَ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أنَّ النَّبِيَّ كانَ يُوحى إلَيْهِ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَلَمْ يُصَلِّ العَصْرَ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّيْتَ يا عَلِيُّ؟
قالَ: لا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ في طاعَتِكَ وطاعَةِ رَسُولِكَ، فارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ، قالَتْ أسْماءُ: فَرَأيْتُها غَرَبَتْ، ثُمَّ رَأيْتُها طَلَعَتْ بَعْدَ ما غَرَبَتْ، ووَقَعَتْ عَلى الأرْضِ، وذَلِكَ بِالصَّهْباءِ في خَيْبَرَ».
وهَذا الخَبَرُ في صِحَّتِهِ خِلافٌ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ في المَوْضُوعاتِ، وقالَ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ بِلا شَكٍّ، وفي سَنَدِهِ أحْمَدُ بْنُ داوُدَ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ كَذّابٌ كَما قالَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، وقالَ ابْنُ حِبّانَ: كانَ يَضَعُ الحَدِيثَ، وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ ابْنُ شاهِينَ، فَذَكَرَهُ ثُمَّ قالَ: وهَذا حَدِيثٌ باطِلٌ، ومِن تَغْفِيلِ واضِعِهِ أنَّهُ نَظَرَ إلى صُورَةِ فَضِيلَةٍ، ولَمْ يَلْمَحْ عَدَمَ الفائِدَةِ فِيها، وأنَّ صَلاةَ العَصْرِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ تَصِيرُ قَضاءً، ورُجُوعَ الشَّمْسِ لا يُعِيدُها أداءً انْتَهى.
وقَدْ أفْرَدَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ تَصْنِيفًا في الرَّدِّ عَلى الرَّوافِضِ ذَكَرَ فِيهِ الحَدِيثَ بِطُرُقِهِ ورِجالِهِ وأنَّهُ مَوْضُوعٌ، وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: لا أصْلَ لَهُ، وصَحَّحَهُ الطَّحاوِيُّ والقاضِي عِياضٌ، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ الكَبِيرِ بِإسْنادٍ حَسَنٍ كَما حَكاهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ العِراقِيِّ في شَرْحِ التَّقْرِيبِ عَنْ أسْماءَ أيْضًا، لَكِنْ بِلَفْظٍ آخَرَ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وكانَ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ يَقُولُ: لا يَنْبَغِي لِمَن سَبِيلُهُ العِلْمُ التَّخَلُّفُ عَنْ حِفْظِ حَدِيثِ أسْماءَ، لِأنَّهُ مِن عَلاماتِ النُّبُوَّةِ، وكَذا اخْتُلِفَ في حَدِيثِ الرَّدِّ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقِيلَ: ضَعِيفٌ، وقِيلَ: مَوْضُوعٌ، وادَّعى العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ صِحَّتَهُ، وما في حَدِيثِ العِيرِ، وأظُنُّ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في صِحَّتِهِ أيْضًا، لَيْسَ صَرِيحًا في الرَّدِّ، فَإنَّ لَفْظَ الخَبَرِ أنَّهُ: لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ، وأخْبَرَ قَوْمَهُ بِالرُّفْقَةِ والعَلامَةِ الَّتِي في العِيرِ، قالُوا: مَتى يَجِيءُ؟
قالَ: يَوْمَ الأرْبِعاءِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أشْرَفَتْ قُرَيْشٌ يَنْظُرُونَ، وقَدْ ولّى النَّهارُ، ولَمْ يَجِئْ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ فَزِيدَ لَهُ في النَّهارِ ساعَةٌ، وحُبِسَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.
والحَبْسُ غَيْرُ الرَّدِّ، ولَوْ كانَ هُناكَ رَدٌّ لَأدْرَكَهُ قُرَيْشٌ، ولَقالُوا فِيهِ ما قالُوا في انْشِقاقِ القَمَرِ، ولَمْ يُنْقَلْ، وقِيلَ: كَأنَّ ذَلِكَ كانَ بَرَكَةً في الزَّمانِ نَحْوَ ما يَذْكُرُهُ الصُّوفِيَّةُ مِمّا يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِنَشْرِ الزَّمانِ، وإنْ لَمْ يَتَعَقَّلْهُ الكَثِيرُ، وكَذا ما كانَ لِيُوشَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «(لَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ عَلى أحَدٍ إلّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ)».
والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الكُلِّ يُعارِضُ جَمِيعَ ما تَقَدَّمَ، وتَأْوِيلُهُ بِأنَّ المُرادَ لَمْ تُحْبَسْ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرِي إلّا لِيُوشَعَ، أوْ بِالتِزامِ أنَّ المُتَكَلِّمَ غَيْرُ داخِلٍ في عُمُومِ كَلامِهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ قَبُولِهِ لا يَنْفِي مُعارَضَتَهُ خَبَرَ الرَّدِّ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ بِظاهِرِهِ يَسْتَدْعِي نَفْيَ الرَّدِّ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الحَبْسِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وبِالجُمْلَةِ القَوْلُ بِرَدِّ الشَّمْسِ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وعَدَمُ قَوْلِي بِذَلِكَ لَيْسَ لِامْتِناعِ الرَّدِّ في نَفْسِهِ كَما يَزْعُمُهُ الفَلاسِفَةُ، بَلْ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدِي، والذَّوْقُ السَّلِيمُ يَأْبى حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ لِنَحْوِ ما قالَ الرّازِيُّ، ولِغَيْرِهِ مِن تَعْقِيبِ طَلَبِ الرَّدِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَطَفِقَ ﴾ إلَخْ، ثُمَّ ما قَدَّمْنا نَقْلَهُ مِن وُقُوعِ الصَّلاةِ بَعْدَ الرَّدِّ قَضاءً هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ.
وفِي تُحْفَةِ العَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ الهَيْثَمِيِّ: (لَوْ عادَتِ الشَّمْسُ بَعْدَ الغُرُوبِ عادَ الوَقْتُ)، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ العِمادِ، وقَضِيَّةُ كَلامِ الزَّرْكَشِيِّ خِلافُهُ، وأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ غُرُوبُها عَنْ وقْتِهِ المُعْتادِ قُدِّرَ غُرُوبُها عِنْدَهُ، وخَرَجَ الوَقْتُ، وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً انْتَهى كَلامُ الزَّرْكَشِيِّ، وما ذَكَرَهُ آخِرًا بَعِيدٌ، وكَذا أوَّلًا فالأوْجَهُ كَلامُ ابْنِ العِمادِ، ولا يَضُرُّ كَوْنَ عَوْدِها مُعْجِزَةً لَهُ ، لِأنَّ المُعْجِزَةَ نَفْسُ العَوْدِ، وأمّا بَقاءُ الوَقْتِ بِعَوْدِها فَحُكْمُ الشَّرْعِ، ومِن ثَمَّ لَمّا عادَتْ صَلّى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ العَصْرَ أداءً، بَلْ عَوْدُها لَمْ يَكُنْ إلّا لِذَلِكَ انْتَهى.
ولا يَحْضُرُنِي الآنَ ما لِأصْحابِنا الحَنَفِيَّةِ في ذَلِكَ بَيْدَ أنِّي رَأيْتُ في حَواشِي تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ لِشِهابِ الدِّينِ الخَفاجِيِّ، وهو مِن أجِلَّةِ الأصْحابِ ادِّعاءَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ الصَّلاةَ بَعْدَ الرَّدِّ أداءٌ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ بَحَثَ الفُقَهاءُ فِيهِ بَحْثًا طَوِيلًا لَيْسَ هَذا مَحَلَّهُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ تَوارَتْ ﴾ لِلْخَيْلِ كَضَمِيرِ ﴿ رُدُّوها ﴾ واخْتارَهُ جَمْعٌ، فَقِيلَ: الحِجابُ إصْطَبْلاتُها، أيْ حَتّى دَخَلَتْ إصْطَبْلاتِها، وقِيلَ: حَتّى تَوارَتْ في المُسابَقَةِ بِما يَحْجُبُها عَنِ النَّظَرِ، وبَعْضُ مَن قالَ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ لِلْخَيْلِ جَعَلَ عَنْ لِلتَّعْلِيلِ، ولَمْ يَجْعَلِ المَسْحَ بِالسُّوقِ والأعْناقِ بِالمَعْنى السّابِقِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ، وهو في الصَّلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ: إنِّي في صَلاةٍ، فَأزالُوها عَنْهُ حَتّى دَخَلَتْ في الإصْطَبْلاتِ، فَقالَ لَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ أيِ الَّذِي لِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عَنْ رُؤْيَةِ الخَيْلِ حَتّى دَخَلَتْ إصْطَبْلاتِها، رَدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْرافَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها وتَكْرِيمًا.
ورُوِيَ أنَّ المَسْحَ كانَ لِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ كَيْسانَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ، وقِيلَ: كانَ غَسْلًا بِالماءِ، ولا يَخْفى أنَّ تَطْبِيقَ هَذِهِ الطّائِفَةِ الآيَةَ عَلى ما يَقُولُونَ رَكِيكٌ جِدًّا.
وقالَ الرّازِيُّ: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاتَهُ صَلاةُ العَصْرِ بِسَبَبِ اشْتِغالِهِ بِالنَّظَرِ إلى الخَيْلِ، فاسْتَرَدَّها، وعَقَرَ سُوقَها وأعْناقَها تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى، وعِنْدِي أنَّهُ بَعِيدٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ، الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ كانَ مَسْحُ السُّوقِ والأعْناقِ قَطْعَها لَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ اقْطَعُوها، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلْ لَوْ قِيلَ: مَسَحَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، فَرُبَّما فُهِمَ مِنهُ ضَرْبُ العُنُقِ، أمّا إذا لَمْ يَذْكُرْ لَفْظُ السَّيْفِ لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ ذَلِكَ البَتَّةَ، الثّانِي أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ جَمَعُوا عَلى سُلَيْمانَ أنْواعًا مِنَ الأفْعالِ المَذْمُومَةِ، فَأوَّلُها تَرْكُ الصَّلاةِ، وثانِيها أنَّهُ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِحُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ نَسِيَ الصَّلاةَ، وقَدْ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» وثالِثُها: أنَّهُ بَعْدَ الإتْيانِ بِهَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، ورابِعُها عَلى القَوْلِ بِرُجُوعِ ضَمِيرِ ﴿ رُدُّوها ﴾ إلى الشَّمْسِ أنَّهُ خاطَبَ رَبَّ العالَمِينَ بِكَلِمَةٍ لا يَذْكُرُها الرَّجُلُ الحَصِيفُ إلّا مَعَ الخادِمِ الخَسِيسِ، وخامِسُها أنَّهُ اتَّبَعَ هَذِهِ المَعاصِيَ بِعَقْرِ الخَيْلِ سُوقِها وأعْناقِها، وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَبْحِ الحَيَوانِ إلّا لِأكْلِهِ.
فَهَذِهِ أنْواعٌ مِنَ الكَبائِرِ نَسَبُوها إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِنها، وسادِسُها أنَّ ذِكْرَ هَذِهِ القِصَّةِ وكَذا الَّتِي قَبْلَها بَعْدَ أمْرِهِ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ الكُفّارِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلى الأعْمالِ الفاضِلَةِ، والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، والصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والإعْراضِ عَنِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ، وأمّا اشْتِمالُها عَلى الإقْدامِ عَلى الكَبائِرِ العَظِيمَةِ، والذُّنُوبِ الجَسِيمَةِ فَبِمَراحِلَ عَنْ مُقْتَضى التَّعْقِيبِ، فَثَبَتَ أنَّ كِتابَ اللَّهِ تَعالى يُنادِي عَلى القَوْلِ المَذْكُورِ بِالفَسادِ.
والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ رِباطَ الخَيْلِ كانَ مَندُوبًا إلَيْهِ في دِينِهِمْ كَما أنَّهُ كَذَلِكَ في دِينِ نَبِيِّنا ، ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ احْتاجَ إلى الغَزْوِ فَجَلَسَ، وأمَرَ بِإحْضارِ الخَيْلِ، وأمَرَ بِإجْرائِها، وذَكَرَ: إنِّي لا أُحِبُّها لِأجْلِ الدُّنْيا ونَصِيبِ النَّفْسِ، وإنَّما أُحِبُّها لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْوِيَةِ دِينِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ ثُمَّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ بِإعْدائِها، وتَسْيِيرِها حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ، أيْ غابَتْ عَنْ بَصَرِهِ، ثُمَّ أمَرَ الرّائِضِينَ بِأنْ يَرُدُّوا تِلْكَ الخَيْلَ إلَيْهِ، فَلَمّا عادَتْ إلَيْهِ طَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ المَسْحِ أُمُورٌ.
الأوَّلُ تَشْرِيفٌ لَها، وإبانَةٌ لِعِزَّتِها لِكَوْنِها مِن أعْظَمِ الأعْوانِ في دَفْعِ العَدُوِّ، والثّانِي أنَّهُ أرادَ أنْ يُظْهِرَ أنَّهُ في ضَبْطِ السِّياسَةِ والمُلْكِ يَتَّضِعُ إلى حَيْثُ يُباشِرُ أكْثَرَ الأُمُورِ بِنَفْسِهِ، والثّالِثُ أنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِأحْوالِ الخَيْلِ وأمْراضِها وعُيُوبِها، فَكانَ يَمْتَحِنُها، ويَمْسَحُ سُوقَها وأعْناقَها حَتّى يَعْلَمَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى المَرَضِ، فَهَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ انْطِباقًا مُوافِقًا، ولا يَلْزَمُنا نِسْبَةُ شَيْءٍ مِن تِلْكَ المُنْكَراتِ، والمَحْذُوراتِ إلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ثُمَّ قالَ: وأقُولُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنَ النّاسِ كَيْفَ قَبِلُوا ما شاعَ مِنَ الوُجُوهِ السَّخِيفَةِ، مَعَ أنَّ العَقْلَ والنَّقْلَ يَرُدّانِها، ولَيْسَ لَهم في إثْباتِها شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، ولَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُها الجُمْهُورُ، كَما قَدْ ظَهَرَ ظُهُورًا لا يَرْتابُ العاقِلُ فِيهِ، وبِفَرْضِ الدِّلالَةِ، يُقالُ: إنَّ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ قامَتْ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ولَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ تِلْكَ الحِكاياتِ، ورِوايَةُ الآحادِ لا تَصْلُحُ مُعارِضَةً لِلدَّلائِلِ القَوِيَّةِ، فَكَيْفَ الحِكاياتُ عَنْ أقْوامٍ لا يُبالى بِهِمْ، ولا يُلْتَفَتُ إلى أقْوالِهِمُ انْتَهى كَلامُهُ.
وكانَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَدِ اعْتَرَضَ القَوْلَ بِرُجُوعِ ضَمِيرِ ﴿ تَوارَتْ ﴾ إلى الشَّمْسِ دُونَ الصّافِناتِ، بِأنَّ الصّافِناتِ مَذْكُورَةٌ بِصَرِيحِها، والشَّمْسُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ أوْلى مِن عَوْدِهِ إلى المُقَدَّرِ، وأيْضًا أنَّهُ قالَ ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُعِيدُ، ويُكَرِّرُ قَوْلَهُ: إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي إلى أنْ تَوارَتْ بِالحِجابِ، فَإذا كانَتِ المُتَوارِيَةُ الشَّمْسَ يَلْزَمُ القَوْلُ بِأنَّهُ كَرَّرَ ذَلِكَ مِنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، وهو بَعِيدٌ، وإذا كانَتِ الصّافِناتِ كانَ المَعْنى أنَّهُ حِينَ وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها حالَ عَرْضِها، كانَ يَقُولُ ذَلِكَ إلى أنْ غابَتْ عَنْ عَيْنِهِ، وذَلِكَ مُناسِبٌ، وأيْضًا القائِلُونَ بِالعَوْدِ إلى الشَّمْسِ قائِلُونَ بِتَرْكِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلاةَ العَصْرِ، ويَأْباهُ إنِّي أحْبَبْتُ إلَخْ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لَما نَسِيَ الصَّلاةَ، ولَما تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأقُولُ: ما عِنْدَ الجُمْهُورِ أوْلى بِالقَبُولِ، وما ذَكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الوُجُوهِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
أمّا ما قالَهُ مِن أنَّهُ لَوْ كانَ مَسْحُ السُّوقِ والأعْناقِ بِمَعْنى القَطْعِ لَكانَ امْسَحُوا بِرُؤُوسِكم أمْرًا بِقَطْعِها، فَفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَتِمُّ لَوْ قِيلَ: إنَّ المَسْحَ كُلَّما ذُكِرَ بِمَعْنى القَطْعِ، ولَمْ يَقُلْ، ولا يُقالُ، وإنَّما قالُوا: إنَّ المَسْحَ في الآيَةِ بِمَعْنى القَطْعِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ كَما جاءَ في خَبَرٍ حَسَنٍ، وقَدْ قَدَّمْناهُ لَكَ عَنِ الطَّبَرانِيِّ، والإسْماعِيلِيِّ، وابْنِ مَرْدُوَيْهِ، ولَيْسَ بَعْدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَوْلٌ لِقائِلٍ، ويَكْفِي مِثْلُ ذَلِكَ الخَبَرِ في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يُخالِفُ العَقْلَ أوْ نَقْلًا أقْوى كَما سَتَعْرِفُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى لِلْمَسْحِ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا، وهو مِن أجِلَّةِ عُلَماءِ هَذا الشَّأْنِ، وصَحَّ نَقْلُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: اسْتِعْمالُ المَسْحِ بِمَعْنى ضَرْبِ العُنُقِ اسْتِعارَةٌ وقَعَتْ في كَلامِهِمْ قَدِيمًا، نَعَمِ احْتِياجُ ذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، والقَرِينَةُ عِنْدَ مَن يَدَّعِيهِ ها هُنا السِّياقُ، وعَوْدُ ضَمِيرِ ﴿ تَوارَتْ ﴾ عَلى الشَّمْسِ، وهو كالمُتَعَيِّنِ، كَما سَيَتَّضِحُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهم جَمَعُوا عَلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْواعًا مِنَ الأفْعالِ المَذْمُومَةِ، فَفِرْيَةٌ مِن غَيْرِ مِرْيَةٍ.
وقَوْلُهُ: أوَّلُها تَرْكُ الصَّلاةِ، فِيهِ أنَّ التَّرْكَ المَذْمُومَ ما كانَ عَنْ عَمْدٍ، وهم لا يَقُولُونَ بِهِ، وما يَقُولُونَ بِهِ التَّرْكُ نِسْيانًا، وهو لَيْسَ بِمَذْمُومٍ، إذِ النِّسْيانُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ عَلى أنَّ كَوْنَ ما تُرِكَ فَرْضًا مِمّا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ الجَمِيعُ، وقَوْلُهُ: ثانِيها أنَّهُ اسْتَوْلى عَلَيْهِ الِاشْتِغالُ بِحُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ تَرَكَ الصَّلاةَ، فِيهِ أنَّ ذَلِكَ اشْتِغالٌ بِخَيْلِ الجِهادِ وهو عِبادَةٌ.
وقَوْلُهُ: ثالِثُها أنَّهُ بَعْدَ الإتْيانِ بِهَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، فِيهِ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ارْتَكَبَ ذَنْبًا حَقِيقَةً فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ عَظِيمًا، نَعَمْ رُبَّما يُقالُ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْتَحْسِنْ ذَلِكَ بِمَقامِهِ، فَأتْبَعَهُ التَّقَرُّبَ بِالخَيْلِ الَّتِي شُغِلَ بِسَبَبِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّوْبَةِ دِلالَةً قَوِيَّةً، ولَمْ يَكُنْ لِيَتَعَطَّلَ أمْرُ الجِهادِ بِهِ، فَقَدْ أُوتِيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ كالِاسْتِشْهادِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ مُشْعِرٌ بِتَضَمُّنِهِ الأوْبَةَ وإنْ ذَهَبْنا إلى تَعَلُّقِ ﴿ إذْ عُرِضَ ﴾ بِأوّابٍ، يَكادُ لا يَرُدُّ هَذا الكَلامَ رَأْسًا.
وقَوْلُهُ: رابِعُها أنَّهُ خاطَبَ رَبَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِلَفْظٍ غَيْرِ مُناسِبٍ، فِيهِ أنَّهُ إنْ ورَدَ فَإنَّما يَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِرُجُوعِ ضَمِيرِ ﴿ رُدُّوها ﴾ إلى الشَّمْسِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ، فَلا يَلْزَمُنا الجَوابُ عَنْهُ، والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلْخَيْلِ والخِطابَ لِخَدَمَتِهِ، ومَعَ هَذا لَمْ يَقُلْ تِلْكَ الكَلِمَةَ تَهَوُّرًا وتَجَبُّرًا كَما يُتَوَهَّمُ، وقَوْلُهُ: خامِسُها أنَّهُ اتَّبَعَ هَذِهِ المَعاصِيَ بِعَقْرِ الخَيْلِ، وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ إلَخْ، فِيهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَفْعَلْ مَعْصِيَةً لِيُقالَ: اتَّبَعَ هَذِهِ المَعاصِيَ، وأنَّ الخَيْلَ عُقِرَتْ قُرْبانًا، وكانَ تَقْرِيبُها مَشْرُوعًا في دِينِهِ فَهو طاعَةٌ، ومِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِهِ: سادِسُها إلَخْ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَكَ وجْهُ رَبْطِ هَذِهِ القِصَصِ بِما قَبْلَها، وهو لا يَتَوَقَّفُ عَلى التِزامِ ما قالَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ، وما زَعَمَهُ مِن أنَّهُ الصَّوابُ، فَفِيهِ إرْجاعُ ضَمِيرِ تَوارَتْ إلى الخَيْلِ، ولا يَخْفى عَلى ذِي ذَوْقٍ سَلِيمٍ وطَبْعٍ مُسْتَقِيمٍ، أنَّ تَوارِيَ الخَيْلِ بِالحِجابِ عِبارَةٌ رَكِيكَةٌ يَجِلُّ عَنْها الكِتابُ المَتِينُ، وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَكادُ يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ مُتَعَلِّقُ ﴿ حَتّى تَوارَتْ ﴾ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ في تَقْرِيرِ ما زَعَمَ صَوابِيَّتَهُ وتَعَلُّقَهَ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ المَنقُولُ آخِرًا مِمّا يُسْتَبْعَدُ جِدًّا، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ مِنَ المَحْكِيِّ كالَّذِي قَبْلَهُ، والَّذِي بَعْدَهُ لا مِنَ الحِكايَةِ، وأيْضًا كَوْنُ الرَّدِّ لِلْمَسْحِ الَّذِي ذَكَرَهُ خِلافُ ما جاءَ في الخَبَرِ الحَسَنِ، وهو في نَفْسِهِ بَعِيدٌ، والأغْراضِ الَّتِي ذَكَرَها فِيهِ لا يَخْفى حالُها، ودَعْواهُ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِمّا لا يَتِمُّ لَها دَلِيلٌ، ولَعَلَّ الدَّلِيلَ عَلى عَدَمِ الِانْطِباقِ ظاهِرٌ.
وقَوْلُهُ: أنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنَ النّاسِ إلَخْ أقُولُ فِيهِ: أنا تَعَجُّبِي مِنهُ أشَدُّ مِن تَعَجُّبِهِ مِنَ النّاسِ حَيْثُ خَفِيَ عَلَيْهِ حُسْنُ الوَجْهِ الَّذِي اسْتَحْسَنَهُ الجُمْهُورُ، ولَمْ يَطَّلِعْ عَلى ما ورَدَ فِيهِ مِنَ الأخْبارِ الحِسانِ، وظَنَّ أنَّ القَوْلَ بِهِ مُنافٍ لِلْقَوْلِ بِعِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَتّى قالَ ما قالَ، ورَشَقَ عَلى الجُمْهُورِ النِّبالَ، وقَوْلُهُ في تَرْجِيحِ رُجُوعِ ضَمِيرِ ﴿ تَوارَتْ ﴾ إلى ﴿ الصّافِناتُ ﴾ عَلى رُجُوعِهِ إلى الشَّمْسِ أنَّها مَذْكُورَةٌ بِصَرِيحِها دُونَ الشَّمْسِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ رُجُوعَهُ إلى الشَّمْسِ يَجْعَلُ الكَلامَ رَكِيكًا، فَلا يَنْبَغِي ارْتِكابُهُ لِمُجَرَّدِ أنَّ فِيهِ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى مَذْكُورٍ صَرِيحًا، عَلى أنَّ في كَوْنِهِ راجِعًا إلى الصّافِناتِ المَذْكُورَةِ صَرِيحًا بَحْثًا، ولا يَرُدُّ عَلى الجُمْهُورِ لُزُومُ تَخالُفِ الضَّمائِرِ في المَرْجِعِ، وهو تَفْكِيكٌ، لِأنَّ التَّخالُفَ مَعَ القَرِينَةِ لا ضَيْرَ فِيهِ، وأعْجَبُ مِمّا ذُكِرَ زَعْمُهُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى ما قالَ الجُمْهُورُ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ مِنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ، فَإنَّ الجُمْهُورَ ما حامُوا حَوْلَ ما يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ أصْلًا، إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم بِأنَّ (حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِقالَ، كَما زَعَمَ هو بَلْ هي عِنْدَهم مُتَعَلِّقَةٌ بِأحْبَبْتُ، عَلى المَعْنى الَّذِي أسْلَفْناهُ، ومَن أنْصَفَ لا يَرْتَضِي أيْضًا القَوْلَ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَرَّرَ ذَلِكَ القَوْلَ إلى أنْ غابَتِ الخَيْلُ عَنْ عَيْنِهِ كَما قالَ بِهِ هَذا الإمامُ، ويَرُدُّ عَلى قَوْلِهِ القائِلُونَ بِالعَوْدِ إلى الشَّمْسِ قائِلُونَ بِتَرْكِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَلاةَ العَصْرِ ويَأْباهُ ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ ﴾ إلَخْ.
لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ لَوْ كانَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لَما نَسِيَ الصَّلاةَ، أنَّ الجُمْهُورَ لا يَقُولُونَ بِأنَّ عَلى لِلتَّعْلِيلِ، والإباءُ المَذْكُورُ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَتَسَنّى إلّا عَلى ذَلِكَ، وما يَقُولُونَهُ، وقَدْ أسْلَفْناهُ لَكَ بِمَراحِلَ عَنْهُ.
وبِالجُمْلَةِ، قَدِ اخْتَلَّتْ أقْوالُ هَذا الإمامِ في هَذا المَقامِ، ولَمْ يُنْصِفْ مَعَ الجُمْهُورِ، وهم أعْرَفُ مِنهُ بِالمَأْثُورِ، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ في الآيَةِ وجْهٌ مُمْكِنٌ فِيها عَلى بُعْدٍ، إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ الأخْبارِ وما جاءَ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الآثارِ، وقَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعْرانِيُّ في كِتابِهِ (اليَواقِيتُ والجَواهِرُ)، وهو في الحَقِيقَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ مِن كَلامِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وقَدْ خالَفَ الجُمْهُورَ كالإمامِ، قالَ في البابِ المِائَةِ والعِشْرِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ: لَيْسَ لِلْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا التَّوارِيَ لِلشَّمْسِ دَلِيلٌ، فَإنَّ الشَّمْسَ لَيْسَ لَها هُنا ذِكْرٌ، ولا لِلصَّلاةِ الَّتِي يَزْعُمُونَ، ومَساقُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى ما قالُوهُ بِوَجْهٍ ظاهِرٍ البَتَّةَ، وأمّا اسْتِرْواحُهم فِيما فَسَّرُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ ﴾ فالمُرادُ بِتِلْكَ الفِتْنَةِ إنَّما هو الِاخْتِبارُ بِالخَيْلِ، هَلْ يُحِبُّها عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ تَعالى لَها، أوْ يُحِبُّها لِعَيْنِها، فَأخْبَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ أحَبَّها عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ إيّاها، لا لِحُسْنِها وكَمالِها، وحاجَتِهِ إلَيْها، إلى آخِرِ ما قالَ، وقَدْ كانَ قُدِّسَ سِرُّهُ مُعاصِرًا لِلْإمامِ وكَتَبَ إلَيْهِ رِسالَةً يُرَغِّبُهُ فِيها بِسُلُوكِ طَرِيقَةِ القَوْمِ، ولَمْ يَجْتَمِعا، وغالِبُ الظَّنِّ أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ما قالَ في الآيَةِ، بَلْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وعِلْمُ كُلٍّ مِنهُما لا يُنْكَرُ، والشَّيْخُ بَحْرٌ لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وما ذَكَرَهُ في الِاسْتِرْواحِ مِمّا لَمْ أقِفُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”بِالسُّؤْقِ“ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنْ وجْهُها في القِياسِ أنَّ الضَّمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ قُدِّرَ أنَّها عَلَيْها كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ، حَيْثُ يُبْدِلُونَها هَمْزَةً، ووَجْهُها مِنَ القِياسِ أنَّ أباحِيَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يُنْشِدُ: أُحِبُّ الوافِدِينَ إلى مُؤْسى وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَتْ ضَعِيفَةً، لِأنَّ السّاقَ فِيهِ الهَمْزَةُ، فَوَزْنُهُ فَعْلٌ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَجاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَمْزَ السّاقِ إبْدالٌ عَلى غَيْرِ القِياسِ، إذْ لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ أجْوَفَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْجِيهِ بِما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ”بِالسُّؤُوقِ“ بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ بِوَزْنِ الفُسُوقِ، ورَواها بَكّارٌ عَنْ قُنْبُلٍ، وهو جَمْعُ ساقٍ أيْضًا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ”بِالسّاقِ“ مُفْرَدًا، اكْتَفى بِهِ عَنِ الجَمْعِ لِأمْنِ اللَّبْسِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ ﴾ أظْهَرَ ما قِيلَ في فِتْنَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ، وجاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وفِيهِ: «”فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا فُرْسانًا“».
لَكِنَّ الَّذِي في صَحِيحِ البُخارِيِّ (أرْبَعِينَ) بَدَلَ (سَبْعِينَ)، وأنَّ المَلَكَ قالَ لَهُ: قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ.
وغايَتُهُ تَرْكُ الأوْلى، فَلَيْسَ بِذَنْبٍ، وإنْ عَدَّهُ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَنْبًا، فالمُرادُ بِالجَسَدِ ذَلِكَ الشِّقُّ الَّذِي وُلِدَ لَهُ، ومَعْنى إلْقائِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ وضْعُ القابِلَةِ لَهُ عَلَيْهِ لِيَراهُ.
ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ وُلِدَ لِسُلَيْمانَ ابْنٌ، فَقالَتِ الجِنُّ والشَّياطِينُ: إنْ عاشَ لَهُ ولَدٌ لَنَلْقَيَنَّ مِنهُ ما لَقِينا مِن أبِيهِ مِنَ البَلاءِ، فَأشْفَقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهُمْ، فَجَعَلَهُ وظِئْرَهُ في السَّحابِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وقَدْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا.
تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وعُوتِبَ عَلى تَرْكِهِ التَّوَكُّلَ اللّائِقَ بِالخَواصِّ مِن تَرْكِ مُباشَرَةِ الأسْبابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أيْضًا، ورَواهُ بَعْضُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَلى وجْهٍ لا يَشُكُّ في وضْعِهِ إلّا مَن يَشُكُّ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنا في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ لَسْتُ عَلى يَقِينٍ، بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ بَعْدَ الفِتْنَةِ وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ، لِأنَّ الوَضْعَ في السَّحابِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أنْ يا سُلَيْمانُ احْتَجَبْتَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمْ تَنْظُرْ في أُمُورِ عِبادِي، ولَمْ تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ، وكانَ مُلْكُهُ في خاتَمِهِ، وكانَ إذا دَخَلَ الحَمّامَ وضَعَ خاتَمَهُ تَحْتَ فِراشِهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ، فَأخَذَهُ، فَأقْبَلَ النّاسُ عَلى الشَّيْطانِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا أيُّها النّاسُ، أنا سُلَيْمانُ، نَبِيُّ اللَّهِ تَعالى، فَدَفَعُوهُ، فَساحَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأتى أهْلَ سَفِينَةٍ، فَأعْطَوْهُ حُوتًا، فَشَقَّها، فَإذا هو بِالخاتَمِ فِيها، فَتَخَتَّمَ بِهِ، ثُمَّ جاءَ، فَأخَذَ بِناصِيَتِهِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي“ وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ، والسُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أرادَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْخُلَ الخَلاءَ فَأعْطى لِجَرادَةَ خاتَمَهُ، وكانَتِ امْرَأتَهُ، وكانَتْ أحَبَّ نِسائِهِ إلَيْهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فِي صُورَةِ سُلَيْمانَ، فَقالَ لَها: هاتِي خاتَمِي، فَأعْطَتْهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتِ الإنْسُ والجِنُّ والشَّياطِينُ، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ قالَ لَها: هاتِي خاتَمِي، قالَتْ: قَدْ أعْطَيْتُهُ سُلَيْمانَ، قالَ: أنا سُلَيْمانُ، قالَتْ: كَذَبْتَ، لَسْتَ سُلَيْمانَ، فَجَعَلَ لا يَأْتِي أحَدًا، فَيَقُولُ لَهُ: أنا سُلَيْمانُ، إلّا كَذَّبَهُ، حَتّى جَعَلَ الصِّبْيانُ يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقامَ الشَّيْطانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سُلْطانَهُ ألْقى في قُلُوبِ النّاسِ إنْكارَ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَأرْسَلُوا إلى نِساءِ سُلَيْمانَ فَقالُوا: أتُنْكِرْنَ مِن سُلَيْمانَ شَيْئًا؟
قُلْنَ: نَعَمْ، إنَّهُ يَأْتِينا، ونَحْنُ حُيَّضٌ، وما كانَ يَأْتِينا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى الشَّيْطانُ أنَّهُ قَدْ فُطِنَ لَهُ، ظَنَّ أنَّ أمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيها سِحْرٌ ومَكْرٌ، فَدَفَنُوها تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أثارُوها، وقَرَؤُوها عَلى النّاسِ، وقالُوا: بِهَذا كانَ يَظْهَرُ سُلَيْمانُ عَلى النّاسِ، ويَغْلِبُهُمْ، فَأكْفَرَ النّاسُ سُلَيْمانَ، وبَعَثَ ذَلِكَ الشَّيْطانُ بِالخاتَمِ، فَطَرَحَهُ في البَحْرِ، فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأخَذَتْهُ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْمَلُ عَلى شَطِّ البَحْرِ بِالأجْرِ، فَجاءَ رَجُلٌ فاشْتَرى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ، فَدَعا سُلَيْمانَ، فَحَمَلَ مَعَهُ السَّمَكَ إلى بابِ دارِهِ، فَأعْطاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ فَشَقَّ بَطْنَها، فَإذا الخاتَمُ فِيهِ، فَأخَذَهُ فَلَبِسَهُ، فَدانَتْ لَهُ الإنْسُ، والجِنُّ، والشَّياطِينُ، وعادَ إلى حالِهِ، وهَرَبَ الشَّيْطانُ إلى جَزِيرَةٍ في البَحْرِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، وكانَ مَرِيدًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ حَتّى وجَدُوهُ نائِمًا، فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيانًا مِن رَصاصٍ فاسْتَيْقَظَ، فَأوْثَقُوهُ، وجاؤُوا بِهِ إلى سُلَيْمانَ، فَأمَرَ، فَنُقِرَ لَهُ صُنْدُوقٌ مِن رُخامٍ، فَأُدْخِلَ في جَوْفِهِ، ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحاسِ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَطُرِحَ في البَحْرِ.
وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ غَزا صَيْدُونَ في الجَزائِرِ، فَقَتَلَ مَلِكَها، وأصابَ ابْنَتَهُ، وهي جَرادَةُ المَذْكُورَةُ فَأحَبَّها، وكانَ لا يَرْقَأُ دَمْعُها جَزَعًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَثَّلُوا لَها صُورَتَهُ، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِ، وكانَتْ تَغْدُو إلَيْها وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدْنَ لَها كَعادَتِهِنَّ في مُلْكِهِ، فَأخْبَرَهُ آصِفُ فَكَسَرَ الصُّورَةَ، وضَرَبَ المَرْأةَ فَعُوتِبَ بِذَلِكَ حَيْثُ تَغافَلَ عَنْ حالِ أهْلِهِ.
واخْتُلِفَ في اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ حَبْقِيقُ، وعَنِ الأكْثَرِينَ أنَّهُ صَخْرٌ، وهو المَشْهُورُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ جَسَدًا ﴾ لِأنَّهُ إنَّما تَمَثَّلَ بِصُورَةِ غَيْرِهِ، وهو سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتِلْكَ الصُّورَةُ المُتَمَثَّلَةُ لَيْسَ فِيها رُوحُ صاحِبِها الحَقِيقِيِّ، وإنَّما حَلَّ في قالَبِها ذَلِكَ الشَّيْطانُ، فَلِذا سُمِّيَتْ جَسَدًا، وعِبارَةُ القامُوسِ صَرِيحَةٌ في أنَّ الجَسَدَ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّيِّ.
وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن أوْضاعِ اليَهُودِ، وزَنادِقَةِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، ولا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَعْتَقِدَ صِحَّةَ ما فِيها، وكَيْفَ يَجُوزُ تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ نَبِيٍّ حَتّى يَلْتَبِسَ أمْرُهُ عِنْدَ النّاسِ، ويَعْتَقِدُوا أنَّ ذَلِكَ المُتَصَوِّرَ هو النَّبِيُّ، ولَوْ أمْكَنَ وُجُودُ هَذا لَمْ يُوثَقْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى سَلامَةَ دِينِنا وعُقُولِنا، ومِن أقْبَحِ ما فِيها زَعْمُ تَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلى نِساءِ نَبِيِّهِ حَتّى وطِئَهُنَّ، وهُنَّ حُيَّضٌ، اللَّهُ أكْبَرُ، هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وخَطْبٌ جَسِيمٌ، ونِسْبَةُ الخَبَرِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تُسَلَّمُ صِحَّتُها، وكَذا لا تُسَلَّمُ دَعْوى قُوَّةِ سَنَدِهِ إلَيْهِ وإنْ قالَ بِها مَن سَمِعْتَ.
وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِرِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وابْنِ المُنْذِرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ مِن أخْبارِ كَعْبٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ كَعْبًا يَرْوِيهِ عَنْ كُتُبِ اليَهُودِ، وهي لا يُوثَقُ بِها، عَلى أنَّ إشْعارَ ما يَأْتِي بِأنَّ تَسْخِيرَ الشَّياطِينِ بَعْدَ الفِتْنَةِ يَأْبى صِحَّةَ هَذِهِ المَقالَةِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ أمْرَ خاتَمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ الخَواصِّ والعَوّامِ، ويُسْتَبْعَدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَبَطَ ما أعْطى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُلْكِ بِذَلِكَ الخاتَمِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَوْ كانَ في ذَلِكَ الخاتَمِ السِّرُّ الَّذِي يَقُولُونَ لَذَكَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في كِتابِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كَأنَّهُ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، وقَدْ شاعَ قَوْلُهم في الضَّعِيفِ: لَحْمٌ عَلى وضَمٍ، وجَسَدٌ بِلا رُوحٍ، فالجَسَدُ المُلْقى عَلى الكُرْسِيِّ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسُهُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، وجَعَلَ ﴿ جَسَدًا ﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ (ألْقَيْنا) المَحْذُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ أيِ ابْتَلَيْناهُ، وأمْرَضْناهُ وألْقَيْناهُ عَلى كُرْسِيِّهِ ضَعِيفًا كَأنَّهُ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى صِحَّتِهِ، ولا يَخْفى سَقَمُهُ، والحَقُّ ما ذُكِرَ أوَّلًا في الحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وعُطِفَ ﴿ أنابَ ﴾ بِثُمَّ، وكانَ الظّاهِرُ الفاءَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ﴾ قِيلَ: إشارَةٌ إلى اسْتِمْرارِ إنابَتِهِ وامْتِدادِها، فَإنَّ المُمْتَدَّ يُعْطَفُ بِها نَظَرًا لِأواخِرِهِ بِخِلافِ الِاسْتِغْفارِ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلَيْهِ، ولا امْتِدادَ في وقْتِهِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ بِثُمَّ هُنا لِما أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَعْلَمِ الدّاعِيَ إلى الإنابَةِ عَقِيبَ وُقُوعِهِ وهَذا بِخِلافِ ما كانَ في قِصَّةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ العَطْفَ هُناكَ عَلى ظَنِّ الفِتْنَةِ، واللّائِقُ بِهِ أنْ لا يُؤَخِّرَ الِاسْتِغْفارَ عَنْهُ، وقِيلَ: العَطْفُ بِها هُنا لِما أنَّ بَيْنَ زَمانِ الإنابَةِ وأوَّلِ زَمانِ ما وقَعَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وهي مُدَّةُ الحَمْلِ، ولَيْسَ بَيْنَ زَمانِ اسْتِغْفارِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأوَّلِ زَمانِ ما وقَعَ مِنهُ كَذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ أنابَ ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو الظّاهِرُ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ كانَ لَهُ حالٌ لا يَضُرُّ مَعَهُ مَسْحُ الخَيْلِ سُوقِها وأعْناقِها، وهَلْ كانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ؟
فَأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، وحاصِلُهُ نَعَمْ، كانَ لَهُ حالٌ لا يَضُرُّ مَعَهُ المَسْحُ، وكانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ، فَقَدْ دَعا بِمُلْكٍ عَظِيمٍ فَوُهِبَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقَرَّرَ الِاسْتِئْنافُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وكَذا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِحِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ ما لَمْ أسْتَحْسِنْ صُدُورَهُ عَنِّي.
﴿ وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ أيْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ غَيْرِي لِعَظَمَتِهِ، فَبَعْدُ هُنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ الغَيْرُ في عَصْرِهِ، والمُرادُ وصْفُ المُلْكِ بِالعَظَمَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ كَقَوْلِكَ: لِفُلانٍ ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، ورُبَّما كانَ في النّاسِ أمْثالُهُ، تُرِيدُ أنَّ لَهُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا عَظِيمًا، لا أنْ لا يُعْطى أحَدٌ مِثْلَهُ، لِيَكُونَ مُنافَسَةً، وما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «”إنَّ عِفْرِيتًا جَعَلَ يَتَفَلَّتُ عَلَيَّ البارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، وإنَّ اللَّهَ تَعالى أمْكَنَنِي مِنهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى خاسِئًا“».
لا يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أرادَ كَمالَ رِعايَةِ دَعْوَةِ أخِيهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَرْكِ شَيْءٍ تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ المُلْكُ العَظِيمُ، وإلّا فالمُلْكُ العَظِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَبْطِ عِفْرِيتٍ إلى سارِيَةٍ، بَلْ هو سائِرُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي: ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ المُنافاةِ لِأنَّ الكِنايَةَ تُجامِعُ إرادَةَ الحَقِيقَةِ، كَما تُجامِعُ إرادَةَ عَدَمِها، ولَعَلَّهُ إنَّما طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلامَةً عَلى قَبُولِ سُؤالِهِ المَغْفِرَةَ، وجَبْرِ قَلْبٍ عَمّا فاتَهُ بِتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ، أوْ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى تَكْثِيرِ طاعَتِهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونِعْمَةُ الدُّنْيا الصّالِحَةُ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ، فَلا إشْكالَ في طَلَبِ المُلْكِ في هَذا المَقامِ، إذا قُلْنا بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ مِن صُدُورِ الطَّلَبَيْنِ مَعًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناشِئًا في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووارِثًا لَهُما، فَأرادَ أنْ يَطْلُبَ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُعْجِزَةً فَطَلَبَ عَلى حَسَبِ إلْفِهِ مُلْكًا زائِدًا عَلى المَمالِكِ زِيادَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ قاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ولَنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى تَخْرُقَ العاداتِ فَذَلِكَ مَعْنى ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَقَوْلُهُ: (مِن بَعْدِي) بِمَعْنى مِن دُونِي وغَيْرِي، كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، وحُسْنُ طَلَبِ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الإلْفِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ زَمَنَ الجَبّارِينَ، وتَفاخُرِهِمْ بِالمُلْكِ، ومُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِن جِنْسِ ما اشْتُهِرَ في عَصْرِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا اشْتُهِرَ السِّحْرُ وغَلَبَ في عَهْدِ الكَلِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهم بِما يَتَلَقَّفُ ما أتَوْا بِهِ.
ولَمّا اشْتُهِرَ الطِّبُّ في عَهْدِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهم بِإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى، ولَمّا اشْتُهِرَ في عَهْدِ خاتَمِ الرُّسُلِ الفَصاحَةُ أتاهم بِكَلامٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أقْصَرِ فَصْلٍ مِن فُصُولِهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ اللّائِقَ بِطَلَبِ المُعْجِزَةِ أنْ يَكُونَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّ هَذا الطَّلَبَ كانَ بَعْدَ الفِتْنَةِ والإنابَةِ، كَيْفَ لا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ﴾ إلَخْ، بَدَلٌ مِن ﴿ أنابَ ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، والفِتْنَةُ لَمْ تَكُنْ في الِابْتِداءِ كَما يُشْعِرُ بِهِ النَّظْمُ.
وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللّائِقَ بِطَلَبِ المُعْجِزَةِ كَوْنُها في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، وإنْ سُلِّمَ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي وُقُوعَهُ، وكَذا وُقُوعُ الفِتْنَةِ في ابْتِدائِها، لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ إلَخْ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لِأنابَ.
وأُجِيبَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الفِتْنَةَ كانَتْ سَلْبَ المُلْكِ بِأنَّ رُجُوعَهُ بَعْدُ كالِابْتِداءِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقامَ في مُلْكِهِ قَبْلَ هَذِهِ الفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وأقامَ بَعْدَها عِشْرِينَ سَنَةً أيْضًا، وقالُوا في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ مَصَبَّ الدُّعاءِ الوَصْفُ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ غَيْرِي مِمَّنْ هو في عَصْرِي بِأنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي كَهَذِهِ السُّلْبَةِ.
ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةَ، وحاصِلُهُ الدُّعاءُ بِعَدَمِ سَلْبِ مُلْكِهِ عَنْهُ في حَياتِهِ، ويُفْهَمُ مِمّا في سِياقِ التَّفْرِيعِ إجابَةُ سُؤالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ ما وُهِبَ لَهُ لا يُسْلَبُ عَنْهُ بَعْدُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءً بِعَدَمِ السَّلْبِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ سَلْبٌ، ودَوامُ نِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا يَحْسُنُ الدُّعاءُ بِهِ، والآثارُ مَلْأى مِن ذَلِكَ، فَهَذا الوَجْهُ لا يَتَعَيَّنُ بِناؤُهُ عَلى تَفْسِيرِ الفِتْنَةِ بِسَلْبِ المُلْكِ عَلى ما حُكِيَ سابِقًا.
وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مُلْكًا لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أبَدًا، ولَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ الإذْنِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَطْلُبُونَ إلّا ما يُؤْذَنُ لَهم في طَلَبِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ سَألَ ذَلِكَ كانَ أصْلَحَ لَهُ في الدِّينِ، وأعْلَمَهُ أنْ لا صَلاحَ لِغَيْرِهِ فِيهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أكْثَرَ أهْلِ زَمانِي مالًا إذا عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ أصْلَحُ لِي، فَإنَّهُ حَسَنٌ لا يُنْسَبُ قائِلُهُ إلى شُحٍّ اهـ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ: هَبْ لِي مُلْكًا يَنْبَغِي لِي حِكْمَةً ولا يَنْبَغِي حِكْمَةً لِأحَدٍ غَيْرِي، وأرادَ بِذَلِكَ طَلَبَ أنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَأهِّلًا لِنِعَمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ ما قالَهُ السَّيِّدُ المُرْتَضى: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما سَألَ مُلْكَ الآخِرَةِ وثَوابَ الجَنَّةِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ لا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ، والتَّفْرِيعُ الآتِي آبٍ عَنْهُ كُلَّ الإباءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ فِيها عَلى تَكْفِيرِ مَنِ ادَّعى اسْتِخْدامَ الجِنِّ وطاعَتَهم لَهُ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِالحَدِيثِ السّابِقِ، والحَقُّ أنَّ اسْتِخْدامَ الجِنِّ الثّابِتَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ أسْماءٍ ورِياضاتٍ، بَلْ هو تَسْخِيرٌ إلَهِيٌّ مِن غَيْرِ واسِطَةِ شَيْءٍ، وكانَ أيْضًا عَلى وجْهٍ أتَمَّ، وهو مَعَ ذَلِكَ بَعْضُ المُلْكِ الَّذِي اسْتَوْهَبَهُ، فالمُخْتَصُّ عَلى تَقْدِيرِ إفادَةِ الآيَةِ الِاخْتِصاصَ مَجْمُوعُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَخَّرْنا ﴾ إلَخْ، فالظّاهِرُ عَدَمُ إكْفارِ مَن يَدَّعِي اسْتِخْدامَ شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ونَحْنُ قَدْ شاهَدْنا مِرارًا مَن يَدَّعِي ذَلِكَ، وشاهَدْنا آثارَ صِدْقِ دَعْواهُ عَلى وجْهٍ لا يُنْكِرُهُ إلّا سُوفِسْطائِيٌّ أوْ مُكابِرٌ.
ومِنَ الِاتِّفاقِيّاتِ الغَرِيبَةِ أنِّي اجْتَمَعْتُ يَوْمَ تَفْسِيرِي لِهَذِهِ الآيَةِ بِرَجُلٍ مَوْصِلِيٍّ يَدَّعِي ذَلِكَ، وامْتَحَنْتُهُ بِما يُصَدِّقُ دَعْواهُ في مَحْفِلٍ عَظِيمٍ، فَفَعَلَ، وأتى بِالعَجَبِ العُجابِ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى نَفْيِ احْتِمالِ الشَّعْبَذَةِ ونَحْوِها ظاهِرَةً لِذَوِي الألْبابِ، إلّا أنَّ لِي إشْكالًا في هَذا المَقامِ، وهو أنَّ الخادِمَ الجِنِّيَّ قَدْ يُحْضِرُ الشَّيْءَ الكَثِيفَ مِن نَحْوِ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ بَيْنَ جَمْعٍ في حُجْرَةٍ أُغْلِقَتْ أبْوابُها، وسُدَّتْ مَنافِذُها، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ، ووَجْهُ الإشْكالِ أنَّ الجِنِّيَّ لَطِيفٌ، فَكَيْفَ سَتَرَ الكَثِيفَ فَلَمْ يَرَ في الطَّرِيقِ، وكَيْفَ أخْرَجَهُ مِنَ الصُّنْدُوقِ، وأدْخَلَهُ الحُجْرَةَ، وقَدْ سُدِّدَتِ المَنافِذُ، وتُلَطِّفُ الكَثِيفَ ثُمَّ تُكَثِّفُهُ بَعْدُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ إلّا كَثِيفٌ أوْ سَخِيفٌ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَوْنُ الإحْضارِ المَذْكُورِ عَلى نَحْوِ إحْضارِ عَرْشِ بِلْقِيسَ بِالإعْدامِ والإيجادِ كَما يَقُولُهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ، أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ كَما يَقُولُ غَيْرُهُ، ولَعَلَّ الشَّرْعَ أيْضًا يَأْبى هَذا، وسُرْعَةُ المُرُورِ إنْ نَفَعَتْ، فَفي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ في الطَّرِيقِ، وقُصارى ما يُقالُ لَعَلَّ لِلْجِنِّيِّ سِحْرًا أوْ نَحْوَهُ سَلَبَ بِهِ الإحْساسَ، فَتَصَرَّفَ بِالصُّنْدُوقِ، ومَنافِذِ الحُجْرَةِ حَسْبَما أرادَ، وأتى بِالكَثِيفِ يَحْمِلُهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَإنْ تَمَّ هَذا فَبِها، وإلّا فالأمْرُ مُشْكِلٌ، وظاهِرُ جَعْلِ جُمْلَةِ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ تَفْسِيرًا لِلْإنابَةِ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا وسِيلَةٌ لِلِاسْتِيهابِ، وفي كَوْنِ الِاسْتِيهابِ مَقْصُودًا لِذاتِهِ أيْضًا احْتِمالانِ.
وتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفارِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ الدِّينِ، وقَدْ يُجْعَلُ مَعَ هَذا وسِيلَةً لِلِاسْتِيهابِ المَقْصُودِ أيْضًا، فَإنَّ افْتِتاحَ الدُّعاءِ بِنَحْوِ ذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ، وجُوِّزَ عَلى بُعْدٍ بَعْدَ التِزامِ الِاسْتِئْنافِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ الِاسْتِيهابِ هو المَقْصُودُ لِذاتِهِ والِاسْتِغْفارِ وسِيلَةً لَهُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في الِاسْتِئْناسِ لَهُ.
وقُرِئَ: ”مِن بَعْدِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، وحُكِيَ القِراءَةُ بِهِ في لِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ والهِبَةِ مَعًا لا لِلدُّعاءِ بِالأخِيرَةِ فَقَطْ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ أيْضًا مِن أحْكامِ وصْفِ الوَهّابِيَّةِ قَطْعًا، ومَن جَوَّزَ كَوْنَ الِاسْتِيهابِ هو المَقْصُودُ اسْتَأْنَسَ لَهُ بِهَذا التَّعْلِيلِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لِلدُّعاءِ بِالأخِيرَةِ فَقَطْ، وكَذا بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِإجابَةِ الدُّعاءِ بِالأوْلى، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْرِيعٌ عَلى طَلَبِهِ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِغْفارُ مَقْصُودًا أيْضًا لَقِيلَ: فَغَفَرْنا لَهُ وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ إلَخْ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَغْفِرَةَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لا سِيَّما الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا كانَتْ أمْرًا مَعْلُومًا بِخِلافِ هِبَةِ مُلْكٍ لِمَنِ اسْتَوْهَبَ لَمْ يُصَرِّحْ بِها، واكْتَفى بِدِلالَةِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الفاءِ مَعَ ما في الآيَةِ بَعْدُ عَلى ذَلِكَ، وتَقْوى هَذِهِ الدِّلالَةُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ المُلْكِ عَلامَةً عَلى قَبُولِ اسْتِغْفارِهِ، وإجابَةِ دُعائِهِ فَتَأمَّلْ، والتَّسْخِيرُ التَّذْلِيلُ أيْ فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، وقِيلَ: أدَمْنا تَذْلِيلَها كَما كانَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ ”الرِّياحَ“ بِالجَمْعِ، قِيلَ: وهو أوْفَقُ لِما شاعَ مِن أنَّ الرِّيحَ تُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، والرِّياحَ في الخَيْرِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي بِأمْرِهِ ﴾ بَيانٌ لِتَسْخِيرِها لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ حالٌ أيْ جارِيَةٌ بِأمْرِهِ، ﴿ رُخاءً ﴾ أيْ لَيِّنَةً مِنَ الرَّخاوَةِ لا تُحَرِّكُ لِشِدَّتِها.
واسْتَشْكَلَ هَذا بِأنَّهُ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً ﴾ لِوَصْفِها ثَمَّتَ بِالشِّدَّةِ، وهُنا بِاللِّينِ.
وأُجِيبَ بِأنَّها كانَتْ في أصْلِ الخِلْقَةِ شَدِيدَةً لَكِنَّها صارَتْ لِسُلَيْمانَ لَيِّنَةً سَهْلَةً أوْ أنَّها تَشْتَدُّ عِنْدَ الحَمْلِ، وتَلِينُ عِنْدَ السَّيْرِ، فَوُصِفَتْ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ، أوْ أنَّها شَدِيدَةٌ في نَفْسِها، فَإذا أرادَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِينَها لانَتْ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ أوْ أنَّها تَلِينُ وتَعْصِفُ بِاقْتِضاءِ الحالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ: رُخاءٌ مُطِيعَةٌ لا تُخالِفُ إرادَتَهُ، كالمَأْمُورِ المُنْقادِ، فالمُرادُ بِلِينِها انْقِيادُها لَهُ، وهو لا يُنافِي عَصْفَها، واللِّينُ يَكُونُ بِمَعْنى الإطاعَةِ، وكَذا الصَّلابَةُ، تَكُونُ بِمَعْنى العِصْيانِ.
﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ وقَتادَةَ، وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ العَرَبِ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، وعَنْ رُؤْبَةَ: أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ: أيَّ تُصِيبانِ؟
فَقالا: هَذِهِ طَلِبَتُنا، ورَجَعا، ويُقالُ: أصابَ اللَّهُ تَعالى بِكَ خَيْرًا، وأنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ: أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأخْطا الجَوابَ لَدى المُعْضِلِ وعَنْ قَتادَةَ أنَّ أصابَ بِمَعْنى أرادَ لُغَةُ هَجَرَ، وقِيلَ: لُغَةُ حِمْيَرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصابَ مِن صابَ يَصُوبُ بِمَعْنى نَزَلَ، والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ حَيْثُ أنْزَلَ جُنُودَهُ.
وحَيْثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَخَّرْنا أوْ بِتَجْرِي، <div class="verse-tafsir"
﴿ والشَّياطِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ، ﴿ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ ﴾ بَدَلٌ مِن”الشياطين“ وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، إنْ أُرِيدَ المَعْهُودُونَ المُسَخَّرُونَ، أوْ أُرِيدَ مَن لَهُ قُوَّةُ البِناءِ، والغَوْصِ، والتَّمَكُّنِ مِنهُما، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ إنْ لَمْ يُرَدْ ذَلِكَ، فَيُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُمْ، والغَوْصُ لِاسْتِخْراجِ الحِلْيَةِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما قِيلَ: أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ الدُّرَّ، ﴿ وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ كُلَّ ﴾ لا عَلى”الشياطين“ لِأنَّهم مِنهم إلّا أنْ يُرادَ العَهْدُ، ولا عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ ﴿ كُلَّ ﴾ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ فِيهِ إلّا الإضافَةُ إلى مُفْرَدٍ مُنَكَّرٍ أوْ جَمْعٍ مُعَرَّفٍ، والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: الجامِعَةُ أعْنِي الغُلَّ الَّذِي يَجْمَعُ اليَدَيْنِ إلى العُنُقِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِمُقَرَّنِينَ، لِأنَّ التَّقْرِينَ بِها غالِبًا، ويُسَمّى بِهِ العَطاءُ لِأنَّهُ ارْتِباطٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ: قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن بَرَّكَ فَقَدْ أسَرَكَ، ومَن جَفاكَ فَقَدْ أطْلَقَكَ.
وقَوْلُ القائِلِ: غَلَّ يَدًا مُطْلِقُها وفَكَّ رَقَبَةً مُعْتِقُها، وقالَ أبُو تَمّامٍ: هِمَمِي مُعَلَّقَةٌ عَلَيْكَ رِقابُها مَغْلُولَةٌ إنَّ العَطاءَ إسارُ وتَبِعَهُ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ: وقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذُراكَ مَحَبَّةً ∗∗∗ ومَن وجَدَ الإحْسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا وفَرَّقُوا بَيْنَ فِعْلَيْهِما، فَقالُوا: صَفَدَهُ قَيَّدَهُ وأصْفَدَهُ أعْطاهُ عَكْسَ وعْدِهِ وأوْعَدَهُ.
ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، قالَ فِيهِ الخَفاجِيُّ ما قالَ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ها هُنا مادَّتَيْنِ في كُلٍّ مِنهُما ضارٌّ ونافِعٌ، وقَلِيلُ اللَّفْظِ، وكَثِيرُهُ، وقَدْ ورَدَ في إحْداهُما الضّارُّ بِلَفْظٍ مُقَدَّمٍ، والنّافِعُ بِلَفْظٍ كَثِيرٍ مُؤَخَّرٍ، وفي الأُخْرى عَكْسُهُ، ووَجْهُهُ في الأوَّلِ أنَّهُ أمْرٌ واقِعٌ لِأنَّهُ وُضِعَ لِلْقَيْدِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَطاءِ، لِأنَّهُ يُقَيِّدُ صاحِبَهُ، وعَبَّرَ بِالأقَلِّ في القَيْدِ لِضِيقِهِ المُناسِبِ لِقِلَّةِ حُرُوفِهِ وبِالأكْثَرِ في العَطاءِ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ الكَرَمِ.
وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ، وعَكَسَ ذَلِكَ في وعَدَ وأوْعَدَ، فَعَبَّرَ في النّافِعِ بِالأقَلِّ، وقَدَّمَ، وأخَّرَ الضّارَّ وكَثَّرَ حُرُوفَهُ، لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ غَيْرُ واقِعٍ، والخَيْرُ المَوْعُودُ بِهِ يُحْمَدُ سُرْعَةُ إنْجازِهِ وقِلَّةُ مُدَّةِ وُقُوعِهِ، فَإنَّ أهْنا البِرِّ عاجِلُهُ، وهَذا يُناسِبُ قِلَّةَ حُرُوفِهِ، وفي الوَعِيدِ يُحْمَدُ تَأْخِيرُهُ لِحُسْنِ الخُلْفِ والعَفْوِ عَنْهُ، فَناسَبَ كَثْرَةَ حُرُوفِهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَحْقِيقٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وما عَداهُ وهْمٌ فارِغٌ، فاعْرِفْهُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُقَرَّنِينَ المَرَدَةُ، فَتُفِيدُ الآيَةُ تَفْصِيلَ الشَّياطِينِ إلى عَمَلَةٍ اسْتَعْمَلَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالبِناءِ والغَوْصِ، ومَرَدَةٍ قَرَنَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ بِالجَوامِعِ، لِيَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وظاهِرُهُ أنَّ هُناكَ تَقْيِيدًا، وهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الشَّياطِينَ إمّا أجْسامٌ نارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ قابِلَةٌ لِلتَّشَكُّلِ، وإمّا أرْواحٌ خَبِيثَةٌ مُجَرَّدَةٌ، وأيًّا ما كانَ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها، ولا إمْساكُ القَيْدِ لَها.
وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الأوَّلِ وهو الصَّحِيحُ.
والأصْفادُ غَيْرُ ما هو المَعْرُوفُ، بَلْ هي أصْفادٌ يَتَأتّى بِها تَقْيِيدُ اللَّطِيفِ عَلى وجْهٍ يَمْنَعُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ، والأمْرُ مِن أوَّلِهِ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقِيلَ: إنَّ لَطافَةَ أجْسامِهِمْ بِمَعْنى شَفافَتِها لا تَأْبى الصَّلابَةَ كَما في الزُّجاجِ، والفَلَكِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم شَفّافَةً وصُلْبَةً فَلا تُرى لِشَفافَتِها، ويَتَأتّى تَقْيِيدُها لِصَلابَتِها، وأنْكَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلابَةَ لِتَحَقُّقِ نُفُوذِ الشَّياطِينِ فِيما لا يُمْكِنُ نُفُوذُ الصُّلْبِ فِيهِ، وأنَّهم لا يُدْرَكُونَ بِاللَّمْسِ والصُّلْبُ يُدْرَكُ بِهِ.
وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُقَيِّدُهم بِشَكْلٍ صُلْبٍ فَيُقَيِّدُهم حِينَئِذٍ بِالأصْفادِ، والشَّيْطانُ إذا ظَهَرَ مُتَشَكِّلًا بِشَكْلٍ قَدْ يَتَقَيَّدُ بِهِ، ولا يُمْكِنُهُ التَّشَكُّلُ بِغَيْرِهِ ولا العَوْدُ إلى ما كانَ، وقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ: أنَّ نَظَرَ الإنْسانِ يُقَيِّدُ الشَّيْطانَ بِالشَّكْلِ الَّذِي يَراهُ فِيهِ، فَمَتى رَأى الإنْسانُ شَيْطانًا بِشَكْلٍ، ولَمْ يَصْرِفْ نَظَرَهُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يَسْتَطِعِ الشَّيْطانُ الخَفاءَ عَنْهُ، ولا التَّشَكُّلُ بِشَكْلٍ آخَرَ إلى أنْ يَجِدَ فُرْصَةَ صَرْفِ النَّظَرِ عَنْهُ ولَوْ بِرَمْشَةِ عَيْنٍ.
وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ كَثِيفَ الجِسْمِ في زَمَنِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُشاهِدُهُ النّاسُ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أماتَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ الجِنَّ وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ لَطِيفَ الجِسْمِ، بِحَيْثُ لا يُرى ولا يَقْوى عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وهَذا لا يُقْبَلُ أصْلًا إلّا بِرِوايَةٍ صَحِيحَةٍ، وأنّى هِيَ، وقِيلَ: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ تَمْثِيلُ كَفِّهِمْ عَنِ الشُّرُورِ بِالإقْرانِ في الصَّفَدِ، ولَيْسَ هُناكَ قَيْدٌ ولا تَقْيِيدٌ حَقِيقَةً، <div class="verse-tafsir"
﴿ هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُبَيِّنَةٌ لِعِظَمِ شَأْنِ ما أُوتِيَ مِنَ المُلْكِ، وأنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ تَفْوِيضًا كُلِّيًّا، وإمّا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو مَعْطُوفٌ عَلى (سَخَّرْنا)، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُ هَذا إلَخْ، والإشارَةُ إلى ما أعْطاهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أيْ هَذا الَّذِي أعْطَيْناكَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ والبَسْطَةِ والتَّسْلِيطِ عَلى ما لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ غَيْرُكَ عَطاؤُنا الخاصُّ بِكَ فَأعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، ولا مَسْؤُولٍ عَنْهُ في الآخِرَةِ لِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَيْكَ عَلى الإطْلاقِ، (فَبِغَيْرِ حِسابٍ) حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ، و ﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والإخْبارُ مُفِيدٌ لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ اعْتِبارِ الخُصُوصِ أيْ عَطاؤُنا الخاصُّ بِكَ، أوْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ لِلْإخْبارِ بِهِ، بَلْ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ دارُهم وأنْتَ مَشُوقٌ ما بَقاءُ الدُّمُوعِ في الآماقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ حالًا مِنَ العَطاءِ نَحْوَ: ﴿ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ ، أيْ هَذا عَطاؤُنا مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ حِسابٍ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، أوْ هَذا عَطاؤُنا كَثِيرًا جِدًّا لا يُعَدُّ ولا يُحْسَبُ لِغايَةِ كَثْرَتِهِ، وأنْ يَكُونَ صِلَةَ العَطاءِ، واعْتَبَرَهُ بَعْضُهم قَيْدًا لَهُ، لِتَتِمَّ الفائِدَةُ، ولا يَحْتاجَ لِاعْتِبارِ ما تَقَدَّمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ما في البَيْنِ اعْتِراضٌ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ، والفاءُ اعْتِراضِيَّةٌ، وجاءَ اقْتِرانُ الِاعْتِراضِ بِها كَما جاءَ بِالواوِ كَقَوْلِهِ: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا وقِيلَ: الإشارَةُ إلى تَسْخِيرِ الشَّياطِينِ، والمُرادُ بِالمَنِّ، والإمْساكِ، إطْلاقُهُمْ، وإبْقاؤُهم في الأصْفادِ، والمَنُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً ﴾ ، والأوْلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وما رُوِيَ عَنْهُ مِن أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما وُهِبَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النِّساءِ، والقُدْرَةِ عَلى جِماعِهِنَّ، لا يَكادُ يَصِحُّ، إذْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في الآيَةِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”هَذا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ“.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ﴾ لَقُرْبَةٌ وكَرامَةٌ مَعَ ما لَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ مُلْكَهُ لا يَضُرُّهُ، ولا يَنْقُصُهُ شَيْئًا مِن مَقامِهِ.
﴿ وحُسْنَ مَآبٍ ﴾ حُسْنَ مَرْجِعٍ في الجَنَّةِ، وهو عَطْفٌ عَلى (زُلْفى)، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”وحُسْنُ“ بِالرَّفْعِ هي أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُ، والوَقْفُ عِنْدَهُما عَلى ﴿ لَزُلْفى ﴾ هَذا وأمْرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أعْظَمِ الأُمُورِ، وكانَ مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ يَعْمَلُ الخُوصَ بِيَدِهِ، ويَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ، ويُطْعِمُ بَنِي إسْرائِيلَ الحُوّارى.
أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، عَنْ عَطاءٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ما رَفَعَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْفَهُ إلى السَّماءِ تَخَشُّعًا“».
حَيْثُ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ، وكانَ في عَصْرِهِ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ كِيَخِسْرُو، فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو حَنِيفَةَ أحْمَدُ بْنُ داوُدَ الدِّينَوَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورِثَ مُلْكَ أبِيهِ في عَصْرِ كِيَخِسْرُو بْنِ سَباوِشَ، وسارَ مِنَ الشّامِ إلى العِراقِ فَبَلَغَ خَبَرُهُ كِيَخِسْرُو فَهَرَبَ إلى خُراسانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتّى هَلَكَ ثُمَّ سارَ سُلَيْمانُ إلى مَرْوَ ثُمَّ إلى بِلادِ التُّرْكِ، فَوَغَلَ فِيها، ثُمَّ جاوَزَ بِلادَ الصِّينِ، ثُمَّ عَطَفَ إلى أنْ وافى بِلادَ فارِسَ فَنَزَلَها أيّامًا، ثُمَّ عادَ إلى الشّامِ، ثُمَّ أمَرَ بِبِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا فَرَغَ سارَ إلى تِهامَةَ، ثُمَّ إلى صَنْعاءَ، وكانَ مِن حَدِيثِهِ مَعَ صاحِبَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وغَزا بِلادَ المَغْرِبِ الأنْدَلُسَ وطَنْجَةَ وغَيْرَهُما، ثُمَّ انْطَوى البِساطُ، وضُرِبَ لَهُ بَيْنَ عَساكِرِ المَوْتى الفُسْطاطُ، فَسُبْحانَ المَلِكِ الدّائِمِ الَّذِي لا يَزُولُ مُلْكُهُ ولا يَنْقَضِي سُلْطانُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَصِحَّ في نَسَبِهِ شَيْءٌ غَيْرُ أنَّ اسْمَ أبِيهِ أمُوصُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو أيُّوبُ بْنُ أمُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَكى ابْنُ عَساكِرَ أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ، وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ، فَعَلى هَذا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ مُوسى، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ: كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ ﴾ إلَخْ، عَطْفٌ عَلى ”اذكر عبدنا داود“، وعَدَمُ تَصْدِيرِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا العُنْوانِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ”وأيوب“ عَطْفُ بَيانٍ لِعَبْدِنا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ نادى رَبَّهُ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، أوْ مِن أيُّوبَ ﴿ أنِّي ﴾ أيْ بِأنِّي.
وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنِّي“، ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ﴾ وقُرِئَ بِإسْكانِ ياءِ ”مَسَّنِي“ وبِإسْقاطِها، ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ التَّعَبُ كالنَّصَبِ بِفَتْحَتَيْنِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نَصَبٍ كَوَثَنٍ ووُثُنٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عُمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ بِضَمَّتَيْنِ وهي لُغَةٌ، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ الضَّمَّةِ الثّانِيَةِ عارِضَةً لِلْإتْباعِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في ذَلِكَ رَمْزًا إلى ثِقَلِ تَعَبِهِ وشِدَّتِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ، وهي لُغَةٌ أيْضًا، كالرُّشْدِ والرَّشَدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وسُكُونِ الصّادِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، ونَصَّ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ أيْضًا، قالَ بَعْدَ ذِكْرِ القِراءاتِ: وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وهو المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النَّصَبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ.
وفَرَقَّ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى.
والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَذابٍ ﴾ وأرادَ بِهِ الألَمَ، وهو المُرادُ بِالضُّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ .
وقِيلَ: النُّصْبُ والضُّرُّ في الجَسَدِ، والعَذابُ في الأهْلِ والمالِ، وهَذا حِكايَةٌ لِكَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي نادى بِهِ رَبَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِبارَتِهِ، وإلّا لَقِيلَ: إنَّهُ مَسَّهُ إلَخْ، بِالغِيبَةِ، وإسْنادِ المَسِّ إلى الشَّيْطانِ، قِيلَ: عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ سَمِعَ ثَناءَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَحَسَدَهُ، وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُسَلِّطَهُ عَلى جَسَدِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ فَفَعَلَ - عَزَّ وجَلَّ - ابْتِلاءً لَهُ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الماسَّ لَهُ شَيْطانٌ يُقالُ لَهُ: مُسَوَّطٌ، وأنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ تَعالى الشَّيْطانَ عَلى أنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِيَقْضِيَ مِن إتْعابِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وطَرَهُ، ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ صالِحًا، إلّا وقَدْ نَكِبَهُ، وأهْلَكَهُ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ إلّا الوَسْوَسَةُ فَحَسْبُ، وجَعَلَ إسْنادَ المَسِّ إلَيْهِ هُنا مَجازًا، فَقالَ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ، وقَدْ راعى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأدَبَ في ذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - فاعِلُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هُوَ، وهَذِهِ الوَسْوَسَةُ قِيلَ: وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى البَلاءَ لِيَمْتَحِنَ ويُجَرِّبَ صَبْرَهُ عَلى ما يُصِيبُهُ، كَما قالَ شَرَفُ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ الفارِضِ: وبِما شِئْتَ في هَواكَ اخْتَبِرْنِي فاخْتِيارِي ما كانَ فِيهِ رِضاكا وسُؤالُهُ البَلاءَ دُونَ العافِيَةِ ذَنْبٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَقامِهِ عَلَيْهِ لا حَقِيقَةٌ، والمَقْصُودُ مِن نِدائِهِ بِذَلِكَ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ.
وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ بِتَرْكِ إغاثَتِهِ، فَلَمْ يُغِثْهُ، فَمَسَّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ بِما مَسَّهُ.
وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ، ولَمْ يَغْزُهُ وسْوَسَةً مِنَ الشَّيْطانِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَلاءِ، وقِيلَ: وسَوَسَ إلَيْهِ، فَأُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي مُتَضَمِّنَةٌ ما لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ النُّصْبَ والعَذابَ لَيْسا ما كانا لَهُ مِنَ المَرَضِ، والألَمِ، أوِ المَرَضِ، وذَهابِ الأهْلِ، والمالِ، بَلْ أمْرانِ عَرَضا لَهُ، وهو مَرِيضٌ فاقِدٌ الأهْلِ والمالِ، فَقِيلَ: هُما ما كانا لَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن عِظَمِ البَلاءِ والقُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والإغْراءِ عَلى الجَزَعِ، كانَ الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ بِذَلِكَ وهو يُجاهِدُهُ في دَفْعِ ذَلِكَ حَتّى تَعِبَ وتَألَّمَ عَلى ما هو فِيهِ مِنَ البَلاءِ، فَنادى رَبَّهُ يَسْتَصْرِفُهُ عَنْهُ، ويَسْتَعِينُهُ عَلَيْهِ: ﴿ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ﴾ وقِيلَ: كانا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلى غَيْرِهِ، فَقِيلَ: إنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لِامْرَأتِهِ بِصُورَةِ طَبِيبٍ فَقالَتْ لَهُ: إنَّ ها هُنا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أنْ تُداوِيَهُ؟
فَقالَ: نَعَمْ بِشَرْطِ أنْ يَقُولَ: إذا شَفَيْتُهُ: أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَمالَتْ لِذَلِكَ، وعَرَضَتْ كَلامَهُ لِأيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَرَفَ أنَّهُ الشَّيْطانُ، وكانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أشَدَّ مِمّا هو فِيهِ، ”فنادى ربه أني مسني“إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ الشَّيْطانَ طَلَبَ مِنها أنْ تَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى إذا عالَجَهُ، وبَرَأ فَمالَتْ لِذَلِكَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرُ، فَنادى، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهُمْ، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَتَألَّمَ مِن ذَلِكَ جِدًّا، فَقالَ ما قالَ، وفي رِوايَةٍ: مَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما أصابَهُ هَذا إلّا بِذَنْبٍ أصابَهُ، وهَذا نَوْعٌ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ ما قالَ، والإسْنادُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما قَبْلُ لَهُ، أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (نادى) أيْ فَقُلْنا لَهُ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أيِ اضْرِبْ بِها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: هَذا ﴿ مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ فَإنَّهُ أيْضًا إمّا حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهُ بَعْدَ امْتِثالِهِ بِالأمْرِ ونُبُوعِ الماءِ أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَرَبَها فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ: هَذا مُغْتَسَلٌ تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ، فَيَبْرَأُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ، فالمُغْتَسَلُ اسْمُ مَفْعُولٍ عَلى الحَذْفِ، والإيصالِ، وكَذا الشَّرابُ، وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ المُغْتَسَلَ اسْمُ مَكانٍ، أيْ هَذا مَكانٌ تَغْتَسِلُ فِيهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وظاهِرُ الآيَةِ اتِّحادُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِمُغْتَسَلٍ وشَرابٍ، وقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ، فاغْتَسَلَ مِنها، وبِرِجْلِهِ اليُسْرى، فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها، ولَعَلَّهُ عَنى بِالأُولى عَيْنًا حارَّةً، وظاهِرُ النَّظْمِ عَدَمُ التَّعَدُّدِ.
وبارد عَلى ذَلِكَ صِفَةُ ”شراب“ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ صِفَةُ ﴿ مُغْتَسَلٌ ﴾ وكَوْنُ هَذا إشارَةً إلى جِنْسِ النّابِعِ، أوْ يُقَدَّرُ، وهَذا بارِدٌ إلَخْ، تَكَلُّفٌ لا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنِ الضَّعْفِ، وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ.
وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ، ومُقاتِلٍ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشّامِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْضًا، أيْ فاغْتَسَلَ، وشَرِبَ، فَكَشَفْنا بِذَلِكَ ما بِهِ مِن ضُرٍّ، <div class="verse-tafsir"
﴿ ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ﴾ بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
ورَوى الطَّبَرْسِيُّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أهْلَهُ الَّذِينَ كانُوا ماتُوا قَبْلَ البَلِيَّةِ، وأهْلَهُ الَّذِينَ ماتُوا، وهو في البَلِيَّةِ، وفي البَحْرِ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن تَشَتَّتَ مِنهُمْ، وقِيلَ: وإلَيْهِ أمِيلُ، وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهُمْ، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ فَتَناسَلُوا حَتّى بَلَغَ عَدَدُهم مَن مَضى، ﴿ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ فَكانَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الهِبَةَ كانَتْ في الدُّنْيا، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ هَذا وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهِبَةُ في الآخِرَةِ، ﴿ رَحْمَةً مِنّا ﴾ أيْ لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِنا.
﴿ وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ وتَذْكِيرًا لَهم بِذَلِكَ لِيَصْبِرُوا عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرَ ويَلْجَؤُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُصِيبُهُمْ، كَما لَجَأ، لِيَفْعَلَ سُبْحانَهُ بِهِمْ، فافْعَلْ بِهِ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ.
رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ، وأشْهُرًا، وأُلْقِيَ عَلى كُناسَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، تَخْتَلِفُ الدَّوابُّ في جَسَدِهِ، فَصَبَرَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأعْظَمَ لَهُ الأجْرَ، وأحْسَنَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ صارَ ما بَيْنَ قَدَمَيْهِ إلى قَرْنِهِ قُرْحَةً واحِدَةً، وأُلْقِي عَلى الرَّمادِ حَتّى بَدا حِجابُ قَلْبِهِ، فَكانَتِ امْرَأتُهُ تَسْعى إلَيْهِ فَقالَتْ لَهُ يَوْمًا: أما تَرى يا أيُّوبُ قَدْ نَزَلَ بِي، واللَّهِ مِنَ الجَهْدِ، والفاقَةِ ما إنْ بِعْتُ قُرُونِي بِرَغِيفٍ، فَأطْعَمْتُكَ، فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَشْفِيَكَ ويُرِيحَكَ، فَقالَ: ويْحُكِ، كُنّا في النَّعِيمِ سَبْعِينَ عامًا، فاصْبِرِي حَتّى نَكُونَ في الضُّرِّ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ، ودَعا فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخَذَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: قُمْ، فَقامَ عَنْ مَكانِهِ، وقالَ: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ فاغْتَسَلَ وشَرِبَ فَبَرَأ، وألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى حُلَّةً مِنَ الجَنَّةِ فَتَنَحّى، فَجَلَسَ في ناحِيَةٍ، وجاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقالَتْ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أيْنَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ ها هُنا؟
لَعَلَّ الكِلابَ ذَهَبَتْ بِهِ أوِ الذِّئابَ، وجَعَلَتْ تُكَلِّمُهُ ساعَةً فَقالَ: ويْحُكِ أنا أيُّوبُ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ جَسَدِي، ورَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مالَهُ ووَلَدَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ، وأمْطَرَ عَلَيْهِ جَرادًا مِن ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ الجَرادَ بِيَدِهِ، ويَجْعَلُهُ في ثَوْبٍ، ويَنْشُرُ كِساءَهُ، فَيَجْعَلُ فِيهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا أيُّوبُ أما شَبِعْتَ؟
قالَ: يا رَبِّ، مَنِ الَّذِي يَشْبَعُ مِن فَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ.
وفِي البَحْرِ: رَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ : «”أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ“».
وعِظَمُ بَلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا شاعَ وذاعَ، ولَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ اثْنانِ، لَكِنْ في بُلُوغِ أمْرِهِ إلى أنْ أُلْقِيَ عَلى كُناسَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ خِلافٌ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَسْتَقْذِرُهُ النّاسُ عَلَيْها، لِأنَّ في ذَلِكَ تَنْفِيرًا فَأمّا الفَقْرُ والمَرَضُ وذَهابُ الأهْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَمْتَحِنَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.
وفِي هِدايَةِ المُرِيدِ لِلْقانِيِّ: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كُلُّ عَرَضٍ بَشَرِيٍّ، لَيْسَ مُحَرَّمًا، ولا مَكْرُوهًا، ولا مُباحًا مُزْرِيًا، ولا مُزْمِنًا، ولا مِمّا تَعافُهُ الأنْفُسُ، ولا مِمّا يُؤَدِّي إلى النُّفْرَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ورَقَتَيْنِ: واحْتَرَزْنا بِقَوْلِنا: ولا مُزْمِنًا، ولا مِمّا تَعافُهُ الأنْفُسُ، عَمّا كانَ كَذَلِكَ، كالإقْعادِ والبَرَصِ والجُذامِ، والعَمى، والجُنُونِ، وأمّا الإغْماءُ فَقالَ النَّوَوِيُّ: لا شَكَّ في جَوازِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ مَرَضٌ بِخِلافِ الجُنُونِ، فَإنَّهُ نَقْصٌ، وقَيَّدَ أبُو حامِدٍ الإغْماءَ بِغَيْرِ الطَّوِيلِ، وجَزَمَ بِهِ البُلْقَيْنِيُّ، قالَ السُّبْكِيُّ: ولَيْسَ كَإغْماءِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ إنَّما يَسْتُرُ حَواسَّهُمُ الظّاهِرَةَ دُونَ قُلُوبِهِمْ، لِأنَّها مَعْصُومَةٌ مِنَ النَّوْمِ الأخَفِّ، قالَ: ويَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الجُنُونُ، وإنْ قَلَّ لِأنَّهُ نَقْصٌ ويَلْحَقُ بِهِ العَمى، ولَمْ يُعْمَ نَبِيٌّ قَطُّ، وما ذُكِرَ عَنْ شُعَيْبٍ مِن كَوْنِهِ كانَ ضَرِيرًا لَمْ يَثْبُتْ، وأمّا يَعْقُوبُ فَحَصَلَتْ لَهُ غِشاوَةٌ وزالَتْ اهـ.
وفَرَّقَ بَعْضُهم في عُرُوضِ ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ، وحُصُولِ الغَرَضِ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَيَجُوزُ، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ قَبْلُ فَلا يَجُوزُ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ القَوْلَ بِحِفْظِهِمْ بِما تَعافُهُ النُّفُوسُ، ويُؤَدِّي إلى الِاسْتِقْذارِ، والنُّفْرَةِ مُطْلَقًا، وحِينَئِذٍ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِقْذارِ والنُّفْرَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ونَقَلَهُ القُصّاصُ في كُتُبِهِمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ داءَهُ كانَ الجُدَرِيَّ، ولا أعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ ارْكُضْ ﴾ أوْ عَلى ﴿ وهَبْنا ﴾ بِتَقْدِيرِ: قُلْنا خُذْ بِيَدِكَ إلَخْ، والأوَّلُ أقْرَبُ لَفْظًا، وهَذا أنْسَبُ مَعْنًى، فَإنَّ الحاجَةَ إلى هَذا الأمْرِ لا تَمَسُّ إلّا بَعْدَ الصِّحَّةِ، واعْتِدالِ الوَقْتِ، فَإنَّ امْرَأتَهُ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرائِيمَ أوْ مِيشا بْنِ يُوسُفَ، أوْ لِيا بِنْتُ يَعْقُوبَ، أوْ ماخِيرُ بِنْتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ.
ولا يَخْفى لُطْفُ ﴿ رَحْمَةً مِنّا ﴾ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى ذَهَبَتْ لِحاجَةٍ، فَأبْطَأتْ، أوْ بَلَّغَتْ أيُّوبَ عَنِ الشَّيْطانِ أنْ يَقُولَ كَلِمَةً مَحْذُورَةً، فَيَبْرَأُ، وأشارَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ: إلى مَتى هَذا البَلاءُ؟
كَلِمَةٌ واحِدَةٌ ثُمَّ اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ فَيَغْفِرُ لَكَ، أوْ جاءَتْهُ بِزِيادَةٍ عَلى ما كانَتْ تَأْتِي بِهِ مِنَ الخُبْزِ، فَظَنَّ أنَّها ارْتَكَبَتْ في ذَلِكَ مُحَرَّمًا، فَحَلَفَ لِيَضْرِبَنَّها إنْ بَرِئَ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الضِّغْثِ، وهو الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ، والإبّالَةُ الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ والضِّغْثُ القَبْضَةُ مِنَ الحَطَبِ أيْضًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا: الضِّغْثُ عُثْكالُ النَّخْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أُمِرَ أخَذَ ضِغْثًا مِن ثُمامٍ فِيهِ مِائَةُ عُودٍ، وقالَ قَتادَةُ: هو عُودٌ فِيهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ عُودًا، والأصْلُ تَمامُ المِائَةِ، فَإنْ كانَ هَذا مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِ الضِّغْثِ، ولا أظُنُّ فَذاكَ، وإلّا فالكَلامُ عَلى إرادَةِ المِائَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فِيهِ مِائَةُ عُودٍ، ﴿ فاضْرِبْ بِهِ ﴾ أيْ بِذَلِكَ الضِّغْثِ، ﴿ ولا تَحْنَثْ ﴾ بِيَمِينِكَ، فَإنَّ البَرَّ يَتَحَقَّقُ بِهِ، ولَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَيْهِ، وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ، ورِضاهُ عَنْها، وهي رُخْصَةٌ باقِيَةٌ في الحُدُودِ في شَرِيعَتِنا، وفي غَيْرِها أيْضًا، لَكِنْ غَيْرُ الحُدُودِ يُعْلَمُ مِنها بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قالَ: «حَمَلَتْ ولِيدَةٌ في بَنِي ساعِدَةَ مِن زِنًا، فَقِيلَ لَها: مِمَّنْ حَمْلُكِ؟
قالَتْ: مِن فُلانٍ المُقْعَدِ، فَسُئِلَ المُقْعَدُ، فَقالَ: صَدَقَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ: خُذُوا عُثْكُولًا فِيهِ مِائَةٌ شِمْراخٍ، فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَفَعَلُوا».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ثَوْبانَ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ فاحِشَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، وهو مَرِيضٌ عَلى شَفا مَوْتٍ، فَأخْبَرَ أهْلُهُ بِما صَنَعَ، فَأمَرَ النَّبِيُّ بِقِنْوٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُتِيَ بِشَيْخٍ قَدْ ظَهَرَتْ عُرُوقُهُ، قَدْ زَنى بِامْرَأةٍ، فَضَرَبَهُ بِضِغْثٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ ضَرْبَةً واحِدَةً».
ولا دِلالَةَ في هَذِهِ الأخْبارِ عَلى عُمُومِ الحُكْمِ مَن يُطِيقُ الجَلْدَ المُتَعارَفَ، لَكِنَّ القائِلَ بِبَقاءِ حُكْمِ الآيَةِ قائِلٌ بِالعُمُومِ، لَكِنْ شَرَطُوا في ذَلِكَ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا بِأطْرافِها قائِمَةً، أوْ بِأعْراضِها مَبْسُوطَةً عَلى هَيْئَةِ الضَّرْبِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهم شَرَطُوا فِيهِ الإيلامَ، أمّا مَعَ عَدَمِهِ بِالكُلِّيَّةِ فَلا، فَلَوْ ضَرَبَ بِسَوْطٍ واحِدٍ لَهُ شُعْبَتانِ خَمْسِينَ مَرَّةً مَن حَلَفَ عَلى ضَرْبِهِ مِائَةً بَرَّ، إذا تَألَّمَ، فَإنْ لَمْ يَتَألَّمْ لا يَبَرُّ، ولَوْ ضَرَبَهُ مِائَةً، لِأنَّ الضَّرْبَ وُضِعَ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ بِالبَدَنِ بِآلَةِ التَّأْدِيبِ، وقِيلَ: يَحْنَثُ بِكُلِّ حالٍ كَما فُصِّلَ في شُرُوحِ الهِدايَةِ، وغَيْرِها، انْتَهى.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأحَدٍ بَعْدَ أيُّوبَ، إلّا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَتْ هَذِهِ لِأيُّوبَ خاصَّةً، وقالَ الكِيا: ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ إلى أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرَّ في يَمِينِهِ، وخالَفَ مالِكٌ، ورَأهُ خاصًّا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الحُكْمَ كانَ عامًّا ثُمَّ نُسِخَ، والصَّحِيحُ بَقاءُ الحُكْمِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ ضَرْبَ زَوْجَتِهِ، وأنْ يَحْلِفَ ولا يَسْتَثْنِيَ، وعَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ شَرْطُهُ الِاتِّصالُ إذْ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَأمَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالِاسْتِثْناءِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الضَّرْبِ بِالضِّغْثِ.
واسْتَدَلَّ عَطاءٌ بِها عَلى مَسْألَةٍ أُخْرى، فَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي حَلَفْتُ أنْ لا أكْسُوَ امْرَأتِي دِرْعًا حَتّى تَقِفَ بِعَرَفَةَ، فَقالَ: احْمِلْها عَلى حِمارٍ، ثُمَّ اذْهَبْ فَقِفْ بِها بِعَرَفَةَ، فَقالَ: إنَّما عَنَيْتُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقالَ عَطاءٌ: أيُّوبُ حِينَ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، أنَوى أنْ يَضْرِبَها بِالضِّغْثِ، إنَّما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَها بِهِ، ثُمَّ قالَ: إنَّما القُرْآنُ عِبَرٌ إنَّما القُرْآنُ عِبَرٌ.
ولِلْبَحْثِ في ذَلِكَ مَجالٌ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اسْتَدَلَّ بِها عَلى جَوازِ الحِيَلِ وجَعَلَها أصْلًا لِصِحَّتِها، وعِنْدِي أنَّ كُلَّ حِيلَةٍ أوْجَبَتْ إبْطالَ حِكْمَةٍ شَرْعِيَّةٍ لا تُقْبَلُ كَحِيلَةِ سُقُوطِ الزَّكاةِ، وحِيلَةِ سُقُوطِ الِاسْتِبْراءِ، وهَذا كالتَّوَسُّطِ في المَسْألَةِ، فَإنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن يُجَوِّزُ الحِيلَةَ مُطْلَقًا، ومِنهم مَن لا يُجَوِّزُها مُطْلَقًا، وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ العَلّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ﴿ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا ﴾ فِيما أصابَهُ في النَّفْسِ، والأهْلِ، والمالِ.
وقَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ كُلَّما أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ: اللَّهُمَّ أنْتَ أخَذْتَ، وأنْتَ أعْطَيْتَ، ويَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولا يُخِلُّ بِذَلِكَ شَكْواهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ الصَّبْرَ عَدَمُ الجَزَعِ، ولا جَزَعَ فِيما ذَكَرَ كَتَمَنِّي العافِيَةِ، وطَلَبِ الشِّفاءِ، مَعَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ خِيفَةَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ، كَما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ.
ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي، قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يُلْهِنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانَ ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ أيْ أيُّوبَ ﴿ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَدْحِهِ وتَقَدَّمَ مَعْنى الأوّابِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ الثَّلاثَةُ عَطْفُ بَيانٍ لِعِبادِنا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ ”عَبْدَنا“ بِالإفْرادِ، فَإبْراهِيمُ وحْدَهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ مَفْعُولُ أعْنِي، وخُصَّ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ، وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلى ”عَبْدَنا“ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِعَبْدِنا عِبادَنا، وضْعًا لِلْجِنْسِ مَوْضِعَ الجَمْعِ، فَتَتَّحِدُ القِراءَتانِ، ﴿ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ ﴾ أُولِي القُوَّةِ في الطّاعَةِ والبَصِيرَةِ في الدِّينِ عَلى أنَّ الأيْدِيَ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ القُوَّةِ، والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى بَصِيرَةٍ، وهو مَجازٌ أيْضًا لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ فِيهِ، أوْ أُولِي الأعْمالِ الجَلِيلَةِ والعُلُومِ الشَّرِيفَةِ عَلى أنَّ ذِكْرَ الأيْدِي مِن ذِكْرِ السَّبَبِ، وإرادَةِ المُسَبَّبِ، والأبْصارُ بِمَعْنى البَصائِرِ مَجازٌ عَمّا يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ العُلُومِ، كالأوَّلِ أيْضًا، وفي ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالجَهَلَةِ البَطّالِينَ أنَّهم كَفاقِدِي الأيْدِي والأبْصارِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُما، وقِيلَ: الأيْدِي النِّعَمُ أيْ أُولِي الَّتِي أسْداها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ أوْ أُولِي النِّعَمِ والإحْساناتِ عَلى النّاسِ بِإرْشادِهِمْ وتَعْلِيمِهِمْ إيّاهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ.
وقُرِئَ ”الأيادِي“ عَلى جَمْعِ الجَمْعِ كَأوْطُفٍ وأواطِفَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى والأعْمَشُ ”الأيْدِ“ بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي بِالياءِ، وحُذِفَتِ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ حُذِفَتِ الياءُ مَعَها كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ، حَكاهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: وهَذا تَخْرِيجٌ لا يَسُوغُ، لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ، وقِيلَ: الأيْدِ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى نَظِيرَ ما تَقَدَّمَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ تَعْلِيلِ الحَذْفِ بِالِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ، وتَفْسِيرِهُ بِالأيْدِ مِنَ التَّأْيِيدِ قَلِقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وعُلِّلَ بِأنَّ فِيهِ فَواتَ المُقابَلَةِ وفَواتَ النُّكْتَةِ البَيانِيَّةِ فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وُصِفُوا بِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، (وخالِصَةٍ) اسْمُ فاعِلٍ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِكْرى الدّارِ ﴾ بَيانٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها لِلتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِها المُقَدَّرِ، أيْ هي ذِكْرى الدّارِ، وأيًّا ما كانَ فَذِكْرى مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، وتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ، أيِ الدّارِ الآخِرَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّها الدّارُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما الدُّنْيا مَجازٌ، أيْ جَعَلْناهم خالِصِينَ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ جَلِيلَةِ الشَّأْنِ لا شَوْبَ فِيها، هي تَذَكُّرُهم دائِمًا الدّارَ الآخِرَةَ، فَإنَّ خُلُوصَهم في الطّاعَةِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِمْ إيّاها، وذَلِكَ لِأنَّ مَطْمَحَ أنْظارِهِمْ ومَطْرَحَ أفْكارِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ جِوارُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفَوْزُ بِلِقائِهِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا في الآخِرَةِ.
وقِيلَ: أخْلَصْناهم بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، واللُّطْفِ بِهِمْ في اخْتِيارِها، والباءُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والكَلامُ نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمْتُهُ بِالعِلْمِ، أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ عالِمٌ أكْرَمْتُهُ، أوْ أكْرَمْتُهُ بِسَبَبِ أنَّكَ جَعَلْتَهُ عالِمًا، وقَدْ يُتَخَيَّلُ في الثّانِي أنَّهُ صِلَةٌ، ويُعَضِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ ”بِخالِصَتِهِمْ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ ذِكْرى الدّارِ تَذْكِيرُهُمُ النّاسَ الآخِرَةَ، وتَرْغِيبُهم إيّاهم فِيها، وتَزْهِيدُهم إيّاهم فِيها عَلى وجْهٍ خالِصٍ مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ، كَما هو شَأْنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ الدّارُ الدُّنْيا، وبِذِكْراها الثَّناءُ الجَمِيلُ، ولِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ.
وأبِي مُسْلِمٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا، وحاصِلُ الآيَةِ عَلَيْهِ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنّا خَصَصْناهم بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ في الأعْقابِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ بِإضافَةِ ”خالِصَةٍ“ إلى ”ذِكْرى“ لِلْبَيانِ أيْ بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَشُوبُونَ ذِكْراها بِهِمْ آخَرَ أصْلًا، أوْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي، وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ ”خالِصَةٍ“ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ، والكاذِبَةِ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ.
وظاهِرُ كَلامٍ أبِي حَيّانَ أنَّ احْتِمالَ المَصْدَرِيَّةِ مُمْكِنٌ في القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، لَكِنَّهُ قالَ: الأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ، وفِيهِ إعْلالٌ مَعْرُوفٌ.
وعِنْدَنا يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ الخَبَرِ وأنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ ﴾ أيْ وأنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ ﴿ المُصْطَفَيْنَ ﴾ المَذْكُورِ، لِأنَّ ألْ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، ومُصْطَفَيْنَ صِلَةٌ، وما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلى المَوْصُولِ لِئَلّا يَلْزَمَ تَقَدُّمُ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ، واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ألْ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، إذْ لَمْ يُرَدْ مِنهُ الحُدُوثُ، ولَوْ سُلِّمَ فالمُتَقَدِّمُ ظَرْفٌ، وهو يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وتَأْكِيدُها لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى مِنَ المُصْطَفَيْنَ مِنَ النّاسِ، ﴿ الأخْيارِ ﴾ الفاضِلِينَ عَلَيْهِمْ في الخَيْرِ، وهو جَمْعُ خَيْرٍ مُقابِلِ شَرٍّ الَّذِي هو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ في الأصْلِ، وكانَ قِياسُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يُجْمَعَ عَلى أفْعالٍ، لَكِنَّهُ لِلُزُومِ تَخْفِيفِهِ حَتّى أنَّهُ لا يُقالُ: أخْيَرُ إلّا شُذُوذًا، أوْ في ضَرُورَةٍ جُعِلَ كَأنَّهُ بِنْيَةٌ أصْلِيَّةٌ، وقِيلَ: جَمْعُ خَيِّرٍ المُشَدَّدِ أوْ خَيْرٍ المُخَفَّفِ مِنهُ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ بِالتَّشْدِيدِ، أوْ مَيْتٍ بِالتَّخْفِيفِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ ﴾ فَصَلَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَشْرِكُ العَرَبَ فِيهِ غَيْرُهُمْ، أوْ لِلْإشْعارِ بِعَراقَتِهِ في الصَّبْرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، ﴿ واليَسَعَ ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وذَكَرَ أنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ إلْياسُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اسْتُنْبِئَ، واللّامُ فِيهِ زائِدَةٌ لازِمَةٌ لِمُقارَنَتِها لِلْوَضْعِ، ولا يُنافِي كَوْنَهُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَإنَّها قَدْ لَزِمَتْ في بَعْضِ الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ كالإسْكَنْدَرِ، فَقَدْ لَحَّنَ التِّبْرِيزِيُّ مَن قالَ: إسْكَنْدَرُ، مُجَرِّدًا لَهُ مِنها، والأوْلى عِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ اسْمًا أعْجَمِيًّا، وألْ فِيهِ مُقارِنَةٌ لِلْوَضْعِ أنْ لا يُقالَ بِزِيادَتِها فِيها، وقِيلَ: هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مِن يَسَعُ مُضارِعِ وسِعَ حَكاهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ.
وفي القامُوسِ: يَسَعُ كَيَضَعُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ ألْ، ولا تَدْخُلُ عَلى نَظائِرِهِ كَيَزِيدَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”واللِّيَسَعَ“ بِلامَيْنِ والتَّشْدِيدِ كَأنَّ أصْلَهُ لِيَسَعُ بِوَزْنِ فِيَعَلٍ مِنَ اللَّسَعِ دَخَلَ عَلَيْهِ ألْ تَشْبِيهًا بِالمَنقُولِ الَّذِي تَدْخُلُهُ لِلَمْحِ أصْلِهِ، وجَزَمَ بَعْضُهم بِأنَّهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أيْضًا عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ اللّامُ.
﴿ وذا الكِفْلِ ﴾ قِيلَ هو ابْنُ أيُّوبَ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ بَعْدَ أيُّوبَ شَرَفَ ابْنَ أيُّوبَ نَبِيًّا، وسَمّاهُ ذا الكِفْلِ وأمَرَهُ بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، وكانَ مُقِيمًا بِالشّامِ عُمْرَهُ حَتّى ماتَ، وعُمْرُهُ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً.
وفِي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: قِيلَ: هو إلْياسُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقِيلَ: هو نَبِيٌّ اسْمُهُ ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا صالِحًا تَكَفَّلَ بِأُمُورٍ فَوَفّى بِها، وقِيلَ: هو زَكَرِيّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ اهـ، وقالَ ابْنُ عَساكِرَ: هو نَبِيٌّ تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في عَمَلِهِ بِضِعْفِ عَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وأنَّ اليَسَعَ اسْتَخْلَفَهُ، فَتَكَفَّلَ لَهُ أنْ يَصُومَ النَّهارَ، ويَقُومَ اللَّيْلَ، وقِيلَ: أنْ يُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا مِنَ الصّالِحِينَ كانَ في زَمانِهِ أرْبَعُمِائَةِ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلَهم مَلِكٌ جَبّارٌ إلّا مِائَةً مِنهُمْ، فَرُّوا مِنَ القَتْلِ، فَآواهُمْ، وأخْفاهُمْ، وقامَ بَمَؤُونَتِهِمْ فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى ذا الكِفْلِ، وقِيلَ: هو اليَسَعُ وأنَّ لَهُ اسْمَيْنِ، ويَأْباهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، ﴿ وكُلٌّ ﴾ أيْ وكُلُّهم ﴿ مِنَ الأخْيارِ ﴾ المَشْهُورِينَ بِالخَيْرِيَّةِ، هَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِمَحاسِنِهِمْ، ﴿ ذِكْرٌ ﴾ أيْ شَرَفٌ لَهُمْ، وشاعَ الذِّكْرُ بِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الشَّرَفَ يَلْزَمُهُ الشُّهْرَةُ والذِّكْرُ بَيْنَ النّاسِ، فَتَجُوزُ بِهِ عَنْهُ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، والمُرادُ في ذِكْرِ قِصَصِهِمْ وتَنْوِيهِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، أوِ المَعْنى هَذا المَذْكُورُ مِنَ الآياتِ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِلِانْتِقالِ مِن نَوْعٍ مِنَ الكَلامِ إلى آخَرَ، كَما يَقُولُ الجاحِظُ في كُتُبِهِ: فَهَذا بابٌ ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، ويَقُولُ الكاتِبُ إذا فَرَغَ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ: هَذا، وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، ويُحْذَفُ عَلى ما قِيلَ الخَبَرُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وعَلَيْهِ هَذا، ﴿ وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ ، وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ فِيهِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أيْ مَرْجِعٍ، شُرُوعٌ في بَيانِ أجْرِهِمُ الجَزِيلِ في الآجِلِ بَعْدَ بَيانِ ذِكْرِهِمُ الجَمِيلِ في العاجِلِ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا نَفْسُ المَذْكُورِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى في الكَمالِ، والجُمْلَةُ فِيما أرى عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا شَرَفٌ لَهم في الدُّنْيا، وأنَّ لَهم ولِأضْرابِهِمْ أوْ إنَّ لَهم في الآخِرَةِ لَحُسْنَ مَآبٍ، أوْ هي مِن قَبِيلِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: هي حالِيَّةٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ صاحِبَ الحالِ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (ذِكْرًا) لِأنَّهُ نَكِرَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأنْ يَكُونَ هَذا لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ومَعَ ذَلِكَ في المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ: إنَّهُ أرادَ أنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى والحالُ كَذا، أيِ الأمْرُ والشَّأْنُ كَذا، ولَمْ يُرِدْ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ الَّذِي يَقْتَضِي ذا حالٍ وعامِلًا في الحالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وادَّعى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في كُلِّ جُمْلَةٍ يُقالُ إنَّها حالٌ، ولَيْسَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما قَبْلَها نَحْوَ: جاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وقالَ: إنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ اهـ، والحالُ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، وإضافَةُ (حُسْنَ) إلى ﴿ مَآبٍ ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، إمّا بِتَأْوِيلِ مَآبٌ ذِي حُسْنٍ، أوْ حَسَنٌ، وإمّا بِدُونِهِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ بَيانٍ لِحُسْنَ مَآبٍ، وعَدْنٌ قِيلَ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ غَلَبَةً تَقْدِيرِيَّةً، ولُزُومُ الإضافَةِ فِيها أوْ تَعْرِيفُها بِاللّامِ أغْلَبِيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ كَمَدِينَةِ طِيبَةَ، لا كَإنْسانِ زَيْدٍ، فَإنَّهُ قَبِيحٌ، وقِيلَ: العَلَمُ مَجْمُوعٌ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ وهو أيْضًا مِن غَيْرِ الغالِبِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي تُعَوِّضُها العَلَمُ بِالغَلَبَةِ إضافَةٌ تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا، وعَلى القَوْلَيْنِ هو مُعَيَّنٌ فَيَصْلُحُ لِلْبَيانِ، لَكِنْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ لِلنَّحْوِيِّينَ في عَطْفِ البَيانِ مَذْهَبَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والثّانِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ، فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى الزَّمَخْشَرِيُّ كَما قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، فَهو بِناءٌ لِلْأمْرِ عَلى مَذْهَبِهِ.
وذَهَبَ آخَرُونَ أنَّ عَدْنًا مَصْدَرُ عَدَنَ بِمَكانِ كَذا اسْتَقَرَّ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِمُسْتَقِرِّ الجَواهِرِ ولا عَلَمِيَّةَ ولا نَقْلَ هُناكَ، ومَعْنى ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ جَنّاتُ اسْتِقْرارٍ وثَباتٍ، فَإنْ كانَ عَطْفَ بَيانٍ فَهو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والفارِسِيِّ.
ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ فَقالَ: جَنّاتُ كُرُومٍ وأعْنابٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ بِالرُّومِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ إمّا صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ إسْحاقَ وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها المُسْتَتِرِ في خَبَرِ إنَّ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ أوْ نَفْسُ الظَّرْفِ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ، ونِيابَتِهِ عَنْهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومُخْتَصِرُو كَلامِهِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها المَحْذُوفِ مَعَ العامِلِ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ يُرِيدُ خُلُوَّها مُفَتَّحَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحُوفِيُّ، و”الأبواب“ نائِبُ فاعِلِ ﴿ مُفَتَّحَةً ﴾ عِنْدَ الجُمْهُورِ، والرّابِطُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الأبْوابُ مِنها، واكْتَفى الكُوفِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ بِألْ لِقِيامِها مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ نائِبَ فاعِلِ ﴿ مُفَتَّحَةً ﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَفِيعٍ، وأبُو حَيْوَةَ ”جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هو أيِ المَآبُ جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ لَهم أبْوابُهُ، أوْ هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ لَهم أبْوابُها، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
ووَجْهُ ارْتِباطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أنَّها مُفَسِّرَةٌ لِحُسْنِ المَآبِ لِأنَّ مُحَصِّلَها جَنّاتٌ أبْوابُها فُتِحَتْ إكْرامًا لَهُمْ، أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ ﴾ قِيلَ: حالانِ مِن ضَمِيرِ ﴿ لَهُمُ ﴾ وهُما حالانِ مُقَدَّرانِ، لِأنَّ الِاتِّكاءَ وما بَعْدَهُ لَيْسَ في حالِ تَفْتِيحِ الأبْوابِ، بَلْ بَعْدَهُ، وقِيلَ: الأوَّلُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ، والثّانِي حالٌ مِن ضَمِيرِ مُتَّكِئِينَ، وجُوِّزَ جَعْلُهُما حالَيْنِ مِنَ المُتَّقِينَ، ولا يَصِحُّ إلّا إنْ قُلْنا بِأنَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، والظّاهِرُ أنَّهُ أجْنَبِيٌّ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأظْهَرُ أنَّ متكئين حالٌ مِن ضَمِيرِ يدعون قُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، ويَدْعُونَ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم بَعْدَ دُخُولِها؟
فَقِيلَ: يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ مُتَّكِئِينَ فِيها، والِاقْتِصارُ عَلى الفاكِهَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَطاعِمَهم لِمَحْضِ التَّفَكُّهِ والتَّلَذُّذِ دُونَ التَّغَذِّي، فَإنَّهُ لِتَحْصِيلِ بَدَلٍ، ولا تَحَلُّلَ ثَمَّتَ، ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ تَتَنَوَّعُ وصَفَها سُبْحانَهُ بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها وكَثْرَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها، ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا، وهو الخَمْرُ أُفْرِدَ، وقِيلَ: وُصِفَتِ الفاكِهَةُ بِالكَثْرَةِ، ولَمْ يُوصَفِ الشَّرابُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَكُونُ عَلى الشَّرابِ نَقْلٌ كَثِيرٌ سَواءٌ تَعَدَّدَتْ أنْواعُهُ أمِ اتَّحَدَتْ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: التَّقْدِيرُ: وشَرابٌ كَثِيرٌ، لَكِنْ حُذِفَ كَثِيرٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلُ ورِعايَةً لِلْفاصِلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ أيْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، أوْ قاصِراتُ طَرْفِ أزْواجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى غَيْرِهِنَّ لِشِدَّةِ حُسْنِهِنَّ، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ مَرَّ وحَلا، ﴿ أتْرابٌ ﴾ أيْ لِداتٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ تَشْبِيهًا في التَّساوِي والتَّماثُلِ بِالتَّرائِبِ الَّتِي هي ضُلُوعُ الصَّدْرِ أوْ لِسُقُوطِهِنَّ مَعًا عَلى الأرْضِ حِينَ الوِلادَةِ، ومَسِّهِنَّ تُرابَها، فَكَأنَّ التِّرْبَ بِمَعْنى المُتارِبِ كالمِثْلِ بِمَعْنى المُماثِلِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ بَيَّنَهُنَّ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَحَبَّةِ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ وتَصادُقِهِنَّ فِيما بَيْنَهُنَّ، فَإنَّ النِّساءَ الأتْرابَ يَتَحابَبْنَ، ويَتَصادَقْنَ، وفي ذَلِكَ راحَةٌ عَظِيمَةٌ لِأزْواجِهِنَّ كَما أنَّ في تَباغُضِ الضَّرائِرِ نَصَبًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا لَهُمْ، وقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ وصَحَّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أيْ إنَّ أسْنانَهُنَّ كَأسْنانِهِمْ لِيَحْصُلَ كَمالُ التَّحابِّ، ورُجِّحَ بِأنَّ اهْتِمامَ الرَّجُلِ بِحُصُولِ المَحَبَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ أشَدُّ مِنَ اهْتِمامِهِ بِحُصُولِها بَيْنَ زَوْجاتِهِ، وفِيهِ تَوَقُّفٌ، ثُمَّ إنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ عَلى المَعْنى الأوَّلِ مُتَكَفِّلٌ بِالدِّلالَةِ عَلى مَحَبَّتِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ، وعَلى المَعْنى الثّانِي مُتَكَفِّلٌ بِالدِّلالَةِ عَلى مَحَبَّةِ أزْواجِهِنَّ لَهُنَّ، وإذا حَصَلَتِ المَحَبَّةُ مِن طَرَفٍ فالغالِبُ حُصُولُها مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، وقَدْ قِيلَ: مِنَ القَلْبِ إلى القَلْبِ سَبِيلٌ، والأمْرُ في الشّاهِدِ أنَّ كَوْنَ الزَّوْجاتِ أصْغَرَ مِنَ الأزْواجِ أحَبُّ لَهم لا التَّساوِي، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، ويَلْزَمُ مِنهُ مُساواةُ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ، وهَذا إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَهُمْ ﴾ إلَخْ، وعِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ولَوْ كانَ المُرادُ، وعِنْدَ مَجْمُوعِهِمْ، وكانَ الجَمْعُ مُوَزَّعًا بِأنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ واحِدَةٌ واحِدَةٌ مِن قاصِراتِ الطَّرْفِ الأتْرابِ، كانَ اعْتِبارُ كَوْنِ الوَصْفِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأزْواجِ كالمُتَعَيِّنِ، لَكِنَّ هَذا الفَرْضَ خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، سَواءٌ قُلْنا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ في الآدَمِيّاتِ، أوْ قُلْنا بِما قالَهُ صاحِبُ الفَيْنانِ مِن أنَّها في الحُورِ، وقِيلَ: بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ في الوَصْفِ أنَّ التَّساوِيَ في الأعْمارِ بَيْنَ الحُورِ، وبَيْنَ نِساءِ الجَنَّةِ، فالآيَةُ فِيهِما، <div class="verse-tafsir"
﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ أيْ لِأجْلِ يَوْمِ الحِسابِ، فَإنَّ ما وُعِدُوهُ لِأجْلِ طاعَتِهِمْ، وأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، وهي تَظْهَرُ بِالحِسابِ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لِتَوَقُّفِ إنْجازِ الوَعْدِ، فالنِّسْبَةُ لِلْيَوْمِ، والحِسابِ مَجازِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى بَعْدُ، كَما فِي: كُتِبَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِن جُمادى الآخِرَةِ مَثَلًا، وهو أقَلُّ مَؤُونَةً.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: ”يُوعَدُونَ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِتاءِ الخِطابِ فِيهِ التِفاتٌ، <div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن ألْوانِ النِّعَمِ والكَراماتِ ﴿ لَرِزْقُنا ﴾ أعْطَيْناكُمُوهُ ﴿ ما لَهُ مِن نَفادٍ ﴾ انْقِطاعٍ أبَدًا، (هَذا) قالَ الزَّجّاجُ: أيِ الأمْرُ هَذا، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: أيْ هَذا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم كَما ذُكِرَ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ، واحْتِمالَ كَوْنِهِ خَبَرًا مَحْذُوفَ المُبْتَدَإ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ فاعِلَ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَضى هَذا، وكَوْنَهُ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ خُذْ هَذا، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُها اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى خُذْ، وذا مَفْعُولُهُ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ورَسْمُهُ مُتَّصِلًا يُبْعِدُهُ، والتَّقْدِيرُ أسْهَلُ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، ولُزُومُ عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ جَوابُهُ سَهْلٌ، وأشارَ الخَفاجِيُّ إلى الحالِيَّةِ هُنا أيْضًا، ولَعَلَّ أمْرَها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ هَيِّنٌ، والطّاغُونَ هُنا الكُفّارُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ حَيْثُ قالَ: أيِ الَّذِينَ طَغَوْا عَلَيَّ وكَذَّبُوا رُسُلِي، وقالَ الجُبّائِيُّ: أصْحابُ الكَبائِرِ كُفّارًا كانُوا أوْ لَمْ يَكُونُوا، وإضافَةُ (شَرَّ) إلى ﴿ مَآبٍ ﴾ كَإضافَةِ (حُسْنَ) إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ المُقابَلَةِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: لَقُبْحَ مَآبٍ هُنا، أوْ لَخَيْرَ مَآبٍ فِيما مَضى، لَكِنَّهُ مِثْلُهُ، لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إذا تَقابَلَتِ المَعانِي، لِأنَّهُ مِن تَكَلُّفِ الصَّنْعَةِ البَدِيعِيَّةِ كَما صَرَّحَ بِهِ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ الاحْتِباكِ، وأصْلُهُ: إنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَخَيْرَ مَآبٍ وحُسْنَ مَآبٍ، وإنَّ لِلطّاغِينَ لَقُبْحَ مَآبٍ وشَرَّ مَآبٍ، واسْتَحْسَنَهُ الخَفاجِيُّ، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَهَنَّمَ ﴾ يُعْلَمُ إعْرابُهُ مِمّا سَلَفَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يَصْلَوْنَها ﴾ أيْ يَدْخُلُونَها، ويُقاسُونَ حَرَّها، حالٌ مِن جَهَنَّمَ نَفْسِها، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ إنَّ الرّاجِعِ (لِشَرَّ مَآبٍ)، المُرادِ بِهِ هِيَ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ، ﴿ فَبِئْسَ المِهادُ ﴾ أيْ هي يَعْنِي جَهَنَّمَ، فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، والمِهادُ كالفِراشِ لَفْظًا ومَعْنًى، وقَدِ اسْتُعِيرَ مِمّا يَفْتَرِشُهُ النّائِمُ، والمَهْدُ كالمِهادِ، وقَدْ يُخَصُّ بِمَقَرِّ الطِّفْلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَذا ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيِ العَذابُ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ جُمْلَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَهي بِمَنزِلَةِ جَزاءِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو حَمِيمٌ وغَسّاقٌ، وذا قَدْ يُشارُ بِهِ لِلْمُتَعَدِّدِ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ مِنهُ حَمِيمٌ، ومِنهُ غَسّاقٌ، كَما في قَوْلِهِ: حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ أيْ مِنهُ مَلْوِيٌّ، ومِنهُ مَحْصُودٌ، أوْ هَذا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ حَمِيمٌ ﴾ وجُمْلَةُ: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ فافْهَمْ رَجُلٌ صالِحٌ، أوْ هَذا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في إجازَتِهِ: زَيْدٌ فاضْرِبْهُ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ: وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهُمُ أوْ هَذا في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ أيْ لِيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ القَوْلَ بِأنَّ هَذا مُبْتَدَأٌ (وحَمِيمٌ) خَبَرُهُ، وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ، وقَدْ قَدَّمَهُ في الكَشّافِ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ تَعْقِيبِيَّةٌ، وتُشْعِرُ بِأنَّ لَهم إذاقَةً بَعْدَ إذاقَةٍ، وفي (حَمِيمٌ وغَسّاقٌ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الِاحْتِمالانِ المَذْكُورانِ أوَّلًا، والحَمِيمُ الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
والغَسّاقُ بِالتَّشْدِيدِ كَما قَرَأ بِهِ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والفَضْلُ، وابْنُ سَعْدانَ، وهارُونُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وبِالتَّخْفِيفِ كَما قَرَأ بِهِ باقِي السَّبْعَةِ اسْمٌ لِما يَجْرِي مِن صَدِيدِ أهْلِ النّارِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ ما يَسِيلُ مِن دُمُوعِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حُمَةُ كُلِّ ذِي حُمَةٍ مِن حَيَّةٍ، وعَقْرَبٍ، وغَيْرِهِما، يُغْمَسُ فِيها الكافِرُ فَيَتَساقَطُ جِلْدُهُ ولَحْمُهُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ، وقِيلَ: هو مُشَدَّدًا، ومُخَفَّفًا وصْفٌ مِن غَسَقَ كَضَرَبَ وسَمِعَ بِمَعْنى سالَ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ إذا سالَ دَمْعُها، فَيَكُونُ عَلى ما في البَحْرِ صِفَةً حُذِفَ مَوْصُوفُها، أيْ ومَذُوقٌ غَسّاقٌ، ويُرادُ بِهِ سائِلٌ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ مَثَلًا، والوَصْفِيَّةُ في المُشَدَّدِ أظْهَرُ لِأنَّ فَعّالًا بِالتَّشْدِيدِ قَلِيلٌ في الأسْماءِ، ومِنهُ الغَيّادُ ذَكَرُ البُومِ، والخَطّارُ دُهْنٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّيْتِ، والعَقّارُ ما يُتَداوى بِهِ مِنَ النَّباتِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قالَهُ الجَوالِيقِيُّ والواسِطِيُّ أنَّ الغَسّاقَ هو البارِدُ المُنْتِنُ بِلِسانِ التُّرْكِ، والحَقُّ أنَّهُ عَرَبِيٌّ، نَعَمِ النُّتُونَةُ وصْفٌ لَهُ في الواقِعِ، ولَيْسَتْ مَأْخُوذَةً في المَفْهُومِ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، وجَماعَةٌ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «”لَوْ أنَّ دَلْوًا مِن غَسّاقٍ يُهْراقُ في الدُّنْيا لَأنْتَنَ أهْلَ الدُّنْيا“».
وقِيلَ: الغَسّاقُ عَذابٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ويُبْعِدُهُ هَذا الخَبَرُ، <div class="verse-tafsir"
﴿ وآخَرُ ﴾ أيْ ومَذُوقٌ آخَرُ، وفَسَّرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ عَنْهُ جَمْعٌ بِالزَّمْهَرِيرِ، أوْ وعَذابٌ آخَرُ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو، و”أُخَرُ“ عَلى الجَمْعِ أيْ ومَذُوقاتٌ أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ، ﴿ مِن شَكْلِهِ ﴾ أيْ مِن مِثْلِ هَذا المَذُوقِ، أوِ العَذابِ في الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ دُونَ تَثْنِيَتِهِ نَظَرًا لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ عَلى أنَّهُ لِما ذُكِرَ، أوْ لِلشَّرابِ الشّامِلِ لِلْحَمِيمِ والغَسّاقِ، أوْ لِلْغَسّاقِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ ”شِكْلِهِ“ بِكَسْرِ الشِّينِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ كَمِثْلٍ، وإذا كانَ بِمَعْنى الغَنْجِ، فَهو بِالكَسْرِ لا غَيْرَ، ﴿ أزْواجٌ ﴾ أيْ أجْناسٌ وآخر عَلى القِراءَتَيْنِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ وهَذا مَذُوقٌ أوْ عَذابٌ آخَرُ، أوْ هَذِهِ مَذُوقاتٌ أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى هَذا حَمِيمٌ، وإنْ شِئْتَ فَقَدِّرْ هو أوْ هِيَ، واعْطِفِ الجُمْلَةَ عَلى (هُوَ حَمِيمٌ)، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ ومِنهُ مَذُوقٌ أوْ عَذابٌ آخَرُ، أوْ ومِنهُ مَذُوقاتٌ، أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ، والعَطْفُ عَلى مِنهُ حَمِيمٌ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ لَهُمْ، أيْ ولَهم مَذُوقٌ أوْ عَذابٌ آخَرُ، أوْ ولَهم مَذُوقاتٌ أوْ أنْواعُ عَذابٍ أُخَرُ، والعَطْفُ عَلى ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ ﴾ ومِن شَكْلِهِ وأزْواجٌ في جَمِيعِ ذَلِكَ صِفَتانِ (لِآخَرُ) أوْ (أُخَرُ)، وآخر وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ فَهو جَمْعٌ وصادِقٌ عَلى مُتَعَدِّدٍ في المَعْنى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخَرُ أوْ أُخَرُ مُبْتَدَأً، ومن شكله صِفَتُهُ، (وأزْواجٌ) خَبَرٌ، والجَوابُ عَنْ عَدَمِ المُطابَقَةِ عَلى قِراءَةِ الإفْرادِ ما سَمِعْتَ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى (حَمِيمٌ) عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، (ومِن شَكْلِهِ) صِفَتُهُ، (وأزْواجٌ) صِفَةٌ لِلثَّلاثَةِ المُتَعاطِفَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (آخَرُ) مُبْتَدَأً، (ومِن شَكْلِهِ) خَبَرَهُ، (وأزْواجٌ) فاعِلَ الظَّرْفِ، وأنْ يَكُونَ الأوَّلُ مُبْتَدَأً، (ومِن شَكْلِهِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (وأزْواجٌ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَإ الأوَّلِ أعْنِي آخَرَ، وصَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ لِأنَّهُ مِن بابِ: ضَعِيفٌ عاذَ بِقَرْمَلَةٍ، فالمُبْتَدَأُ في الحَقِيقَةِ المَوْصُوفُ المَحْذُوفُ، أيْ نَوْعٌ آخَرُ، أوْ مَذُوقٌ آخَرُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ جِيءَ بِهِ لِلتَّفْصِيلِ، ومِمّا ذَكَرُوا مِنَ المُسَوِّغاتِ أنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ لِلتَّفْصِيلِ نَحْوَ: النّاسُ رَجُلانِ رَجُلٌ أكْرَمْتَهُ ورَجُلٌ أهَنْتَهُ، وبَحَثَ فِيهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي، وجَعَلُوا ضَمِيرَ (شَكْلِهِ) عَلى الوَجْهَيْنِ عائِدًا عَلى (آخَرُ) وهُما لا يَكادانِ يَتَسَنَّيانِ عَلى القِراءَةِ بِالجَمْعِ، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَذا فَوْجٌ ﴾ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِن أتْباعِكم في الضَّلالِ.
﴿ مُقْتَحِمٌ ﴾ راكِبٌ الشِّدَّةَ داخِلٌ فِيها، أوْ مُتَوَسِّطٌ شِدَّةً مُخِيفَةً، ﴿ مَعَكُمْ ﴾ والمُرادُ هَذا فَوْجٌ داخِلٌ مَعَكُمُ النّارَ مُقاسٍ فِيها ما تُقاسُونَهُ، وهَذا حِكايَةُ ما تَقُولُهُ مَلائِكَةُ العَذابِ لِرُؤَساءِ الضَّلالِ عِنْدَ دُخُولِ النّارِ تَقْرِيعًا لَهُمْ، فَهو بِتَقْدِيرِ فَيُقالُ لَهم عِنْدَ الدُّخُولِ هَذا إلَخْ.
وفِي الكَشّافِ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ أنَّهُ حِكايَةُ كَلامِ الطّاغِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، يُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا في شَأْنِ أتْباعِهِمْ يَقُولُ: هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ (بِمُقْتَحِمٌ)، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ نَعْتًا ثانِيًا (لِفَوْجٌ) أوْ حالًا مِنهُ، لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، ومَنَعَ أبُو البَقاءِ جَوازَ كَوْنِهِ ظَرْفًا قائِلًا: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ فَسادُ المَعْنى، وتَبِعَهُ الكَواشِيُّ وصاحِبُ الأنْوارِ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ إنْ كانَ الفَسادُ لِإنْبائِهِ عَنْ تَزاحُمِهِمْ في الدُّخُولِ ولَيْسَ المَعْنى عَلى المُزاحَمَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ الأتْباعِ والمَتْبُوعِينَ، لِأنَّهم بَعْدَ الدُّخُولِ يَقُولُونَ ذَلِكَ لا عِنْدَ المُزاحَمَةِ، فَغَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّ الِاقْتِحامَ لا يُنْبِئُ عَنِ التَّزاحُمِ، ولا هو لازِمٌ لَهُ، وإنَّما مِثْلُ: ضَرَبْتُ مَعَهُ زَيْدًا، يُنْبِئُ عَنِ المُشارَكَةِ في الضَّرْبِ والمُقارَنَةِ، فَكَذَلِكَ اقْتِحامُ المَتْبُوعِينَ النّارَ مَعَ الأتْباعِ يُنْبِئُ عَنِ المُشارَكَةِ في رُكُوبِ كُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ قَحْمَةَ النّارِ، ومُقاساةِ شِدَّتِها في زَمانٍ مُتَقارِبٍ عُرْفًا، ولَوْ قِيلَ: هَذا فَوْجٌ مَعَكم مُقْتَحِمُونَ لَمْ يُفِدْ أنَّ المُخاطَبِينَ أيْضًا كَذَلِكَ، وفَسَدَ المَعْنى المَقْصُودُ، والعَجَبُ مِمَّنْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ مُقْتَحِمٌ ﴾ ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وإنْ كانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُفِدْ أوَّلًا، ثُمَّ لِيَعْتَرِضِ انْتَهى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ وجْهَ فَسادِ الظَّرْفِيَّةِ دُونَ الحالِيَّةِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُمُ اقْتَحَمُوا في الصُّحْبَةِ، ودَخَلُوا فِيها، بَلِ اقْتَحَمُوا في النّارِ مُصاحِبِينَ لَكُمْ، ومُقارِنِينَ إيّاكُمْ، وهو كَلامٌ فاسِدٌ لا مُحَصِّلَ لَهُ، لِأنَّ مَدْلُولَ مَعَ المَعْبَّرِ عَنْهُ بِالصُّحْبَةِ مَعْناهُ الِاجْتِماعُ في التَّلَبُّسِ بِمَدْلُولِ مُتَعَلِّقِها، فَيُفِيدُ اشْتِراكَ الطّائِفَتَيْنِ في الِاقْتِحامِ لا في الصُّحْبَةِ، كَما تَوَهَّمَهُ، ولا يَدُلُّ عَلى اتِّحادِ زَمانَيْهِما، كَما صَرَّحَ بِهِ في المُغْنِي، ولَوْ سُلِّمَ فَهو لِتَقارُبِهِ عُدَّ مُتَّحِدًا كَما أُشِيرَ في عِبارَةِ الكَشْفِ إلَيْهِ، فالحَقُّ أنَّهُ لا فَسادَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ ﴾ دُعاءٌ مِنَ المَتْبُوعِينَ عَلى أتْباعِهِمْ، سَواءٌ كانَ قائِلُ ما تَقَدَّمَ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ بَعْضَ الرُّؤَساءِ لِبَعْضٍ، أوْ صِفَةٌ لِفَوْجٍ، أوْ حالٌ مِنهُ لِوَصْفِهِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ، وأيًّا ما كانَ يُؤَوَّلُ بِمَقُولٍ لَهُمْ: لا مَرْحَبًا، لِأنَّهُ دُعاءٌ، فَهو إنْشاءٌ، لا يُوصَفُ بِهِ، وكَذا لا يَكُونُ حالًا بِدُونِ تَأْوِيلٍ، والمَعْنى عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ أنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، لا أنَّهم قِيلَ لَهم ذَلِكَ بِالفِعْلِ، وهو عَلى الوَصْفِيَّةِ والحالِيَّةِ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إنْ كانُوا هُمُ القائِلِينَ، أوْ مِن كَلامِ بَعْضِ الرُّؤَساءِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهم ”ومرحبا“ مِنَ الرُّحْبِ بِضَمِّ الرّاءِ، وهو السَّعَةُ، ومِنهُ الرُّحْبَةُ لِلْفَضاءِ الواسِعِ، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ، ”وبهم“ بَيانٌ لِلْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ، وتَكُونُ الباءُ لِلْبَيانِ كاللّامِ في نَحْوِ: سُقْيًا لَهُ، وكَوْنُ اللّامِ دُونَ الباءِ كَذَلِكَ دَعْوى مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، أيْ ما أتَوْا بِهِمْ رُحْبًا وسَعَةً، وقِيلَ: الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَمَجْرُورُها مَفْعُولٌ ثانٍ لِأتَوْا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ أنَّ اللّامَ لا تَكُونُ لِلْبَيانِ، وكَفى بِكَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وأبِي حَيّانَ دَلِيلًا عَلى خِلافِهِ، ويُقالُ: مَرْحَبًا بِكَ عَلى مَعْنى رَحُبَتْ بِلادُكَ رُحْبًا، كَما يُقالُ عَلى مَعْنى أتَيْتَ رُحْبًا مِنَ البِلادِ لا ضَيِّقًا، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ أنْ يَكُونَ ﴿ مَرْحَبًا ﴾ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ لا رَحَّبَتْ بِهِمُ الدّارُ مَرْحَبًا، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ، فالمُرادُ بِذَلِكَ مُثْبَتًا الدُّعاءُ بِالخَيْرِ، ومَنفِيًّا الدُّعاءُ بِالسُّوءِ.
﴿ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ تَعْلِيلٌ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ، أوْ وصْفُهم بِما ذُكِرَ، أوْ تَعْلِيلٌ مِنَ الرُّؤَساءِ لِذَلِكَ، والكَلامُ عَلَيْهِ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم داخِلُونَ النّارَ بِأعْمالِهِمْ مِثْلَنا، فَأيُّ نَفْعٍ لَنا مِنهُمْ، فَلا مَرْحَبًا بِهِمْ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الأتْباعُ وهُمُ الفَوْجُ المُقْتَحِمُ لِلرُّؤَساءِ.
﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ ﴾ أيْ بَلْ أنْتُمْ أحَقُّ بِما قِيلَ لَنا، أوْ بِما قُلْتُمْ لَنا، ولَعَلَّهم إنَّما خاطَبُوهم بِذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ القائِلِ المَلائِكَةَ الخَزَنَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يَقُولُوا بِطَرِيقِ الِاعْتِذارِ إلى أُولَئِكَ القائِلِينَ: بَلْ هم لا مَرْحَبًا بِهِمْ، قَصْدًا مِنهم إلى إظْهارِ صِدْقِهِمْ بِالمُخاصَمَةِ مَعَ الرُّؤَساءِ والتَّحاكُمِ إلى الخَزَنَةِ طَمَعًا في قَضائِهِمْ بِتَخْفِيفِ عَذابِهِمْ، أوْ تَضْعِيفِ عَذابِ خُصَمائِهِمْ.
وفِي البَحْرِ: خاطَبُوهم لِتَكُونَ المُواجَهَةُ لِمَن كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى مُواجَهَتِهِمْ في الدُّنْيا بِقَبِيحٍ أشَفْى لِصُدُورِهِمْ حَيْثُ تَسَبَّبُوا في كُفْرِهِمْ، وأنْكى لِلرُّؤَساءِ، وهَذا أيْضًا بِتَأْوِيلِ القَوْلِ بِناءً عَلى أنَّ الإنْشاءَ لا يَكُونُ خَبَرًا، أيْ بَلْ أنْتُمْ مَقُولٌ فِيكُمْ، أيْ أحَقُّ أنْ يُقالَ فِيكُمْ: لا مَرْحَبًا بِكُمْ، ﴿ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ تَعْلِيلٌ لِأحَقِّيَّتِهِمْ بِذَلِكَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ﴿ قَدَّمْتُمُوهُ ﴾ لِلْعَذابِ لِفَهْمِهِ مِمّا قَبْلَهُ، أوْ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ وهو الصَّلْيُّ أيْ أنْتُمْ قَدَّمْتُمُ العَذابَ أوِ الصَّلْيَ، ودُخُولَ النّارِ لَنا بِإغْوائِنا، وإغْرائِنا عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ لا أنّا باشَرْناها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا.
وفِي الكَلامِ مَجازانِ عَقْلِيّانِ، الأوَّلُ إسْنادُ التَّقْدِيمِ إلى الرُّؤَساءِ لِأنَّهُمُ السَّبَبُ فِيهِ بِإغْوائِهِمْ، والثّانِي إيقاعُهُ عَلى العَذابِ، أوِ الصَّلْيِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ المُقَدَّمَ، بَلِ المُقَدَّمُ عَمَلُ السُّوءِ الَّذِي هو سَبَبٌ لَهُ، وقِيلَ: أُطْلِقَ الضَّمِيرُ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ أوِ الصَّلْيِ المُسَبَّبِ عَنِ العَمَلِ عَلى العَمَلِ مَجازًا لُغَوِيًّا، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ المَجازِ فِيهِ، فَتَقْدِيمُ العَذابِ أوِ الصَّلْيِ بِتَأْخِيرِ الرَّحْمَةِ مِنهم ﴿ فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ فَبِئْسَ المَقَرُّ جَهَنَّمُ، وهو مِن كَلامِ الأتْباعِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّشَفِّيَ والإنْكاءَ، وإنَّ ذَلِكَ المَقَرَّ مُشْتَرَكٌ، وقِيلَ: قَصَدُوا بِالذَّمِّ المَذْكُورِ تَغْلِيظَ جِنايَةِ الرُّؤَساءِ عَلَيْهِمْ، ﴿ قالُوا ﴾ أيِ الأتْباعُ أيْضًا، وقَوْلُ ابْنِ السّائِبِ: القائِلُ جَمِيعُ أهْلِ النّارِ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، فَلا يُصارُ إلَيْهِ، وتَوْسِيطُ الفِعْلِ بَيْنَ كَلامَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ ذاتًا وخِطابًا، أيْ قالُوا مُعْرِضِينَ عَنْ خُصُومَةِ رُؤَسائِهِمْ مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ ﴾ أيْ مُضاعَفًا ومَعْناهُ ذا ضِعْفٍ، أيْ مِثْلٍ، وهو أنْ يَزِيدَ عَلى عَذابِهِ مِثْلُهُ، فَيَصِيرُ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ مِثْلَيْنِ لِعَذابِ غَيْرِهِ، ويُطْلَقُ الضِّعْفُ عَلى الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ هُنا: الضِّعْفُ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، والظّاهِرُ مِن بَعْضِ عِباراتِهِمْ أنَّ ﴿ مَن ﴾ مَوْصُولَةٌ، ونَصَّ الخَفاجِيُّ عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ.
وفي البَحْرِ: ﴿ مَن قَدَّمَ ﴾ هُمُ الرُّؤَساءُ، وقالَ الضَّحّاكُ: هو إبْلِيسُ وقابِيلُ، وهو أنْسَبُ بِخِلافِ الظّاهِرِ المَحْكِيِّ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالُوا ﴾ الضَّمِيرُ لِلطّاغِينَ عِنْدَ جَمْعٍ، أيْ قالَ الطّاغُونَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّحَسُّرِ: ﴿ ما لَنا لا نَرى رِجالا كُنّا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ ﴾ أيِ الأراذِلِ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا جَدْوى، يَعْنُونَ بِذَلِكَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ، وكانُوا يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْخَرُونَ مِنهم لِفَقْرِهِمْ، ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهم في الدِّينِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ كَأبِي جَهْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وأصْحابِ القَلِيبِ، والرِّجالُ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وسَلْمانُ، وخَبّابٌ، وبِلالٌ، وأضْرابُهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، واسْتَضْعَفَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى الخُصُوصِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأتْباعِ لِأنَّهُ فِيما قَبْلُ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قالُوا بَلْ أنْتُمْ ﴾ إلَخْ، لَهم أيْضًا، وكانُوا أيْضًا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِرُؤَسائِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿ كُنّا ﴾ إلَخْ، صِفَةُ ﴿ رِجالا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا ﴾ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ سَقَطَتْ لِأجْلِها هَمْزَةُ الوَصْلِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ الحِجازِيّانِ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، قالُوهُ حَيْثُ لَمْ يَرَوْهم مَعَهم إنْكارًا عَلى أنْفُسِهِمْ، وتَأْنِيبًا لَها في الِاسْتِسْخارِ مِنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَنا لا نَرى ﴾ إلَخْ، وأمْ فِيهِ مُتَّصِلَةٌ، وتَقَدُّمُ ما فِيهِ مَعْنى الهَمْزَةِ يُغْنِي عَنْ تَقَدُّمِها عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ، والمَعْنى: ما لَنا لا نَراهم في النّارِ، ألَيْسُوا فِيها، فَلِذَلِكَ لا نَراهُمْ، بَلْ أزاغَتْ عَنْهم أبْصارُنا، فَلا نَراهُمْ، وهم فِيها، أوْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتَّخَذْناهُمْ ﴾ إلَخْ، وأمْ فِيهِ إمّا مُتَّصِلَةٌ أيْضًا، والمُقابَلَةُ بِاعْتِبارِ اللّازِمِ، والمَعْنى أنَّ الأمْرَيْنِ فَعَلْنا بِهِمُ، الِاسْتِسْخارَ مِنهُمْ، أمِ الِازْدِراءَ بِهِمْ، وتَحْقِيرَهُمْ، وإنَّ أبْصارَنا تَعْلُو عَنْهُمْ، وتَقْتَحِمُهم عَلى مَعْنى إنْكارِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَنِ الحَسَنِ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا، اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهُمْ، وإمّا مُنْقَطِعَةٌ كَأنَّهم أضْرَبُوا عَنْ إنْكارِ الِاسْتِسْخارِ، وأنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشَدَّ مِنهُ، وهو أنَّهم جَعَلُوهم مُحَقَّرِينَ لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ بِوَجْهٍ، وفي ﴿ زاغَتْ ﴾ دُونَ أزَغْنا مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، كَأنَّ العَيْنَ بِنَفْسِها تَمُجُّهم لِقُبْحِ مَنظَرِهِمْ، وأيْنَ هَذا مِنَ السَّخَرِ، فَقَدْ يَكُونُ المَسْخُورُ مِنهُ مَحْبُوبًا مُكَرَّمًا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (أمْ زاغَتْ) عَلى الِانْقِطاعِ بَلْ زاغَتْ أبْصارُنا، وكَلَّتْ أفْهامُنا حَتّى خَفِيَ عَنّا مَكانُهُمْ، وأنَّهم عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
وقَرَأ النَّحْوِيّانِ، وحَمْزَةُ ”اتَّخَذْناهُمْ“ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً لِدِلالَةِ أمْ عَلَيْها، فَتَتَّحِدُ القِراءَتانِ، وأنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ ويَكُونَ الكَلامُ إخْبارًا، فَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجُمْلَةُ حالٌ أيْ: وقَدِ اتَّخَذْناهُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُها مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلَها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَماعَةٌ: صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِرِجالًا،”وأم زاغت“ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لَنا لا نَرى ﴾ إلَخْ، كَما سَمِعْتَ أوَّلًا.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أمْ فِيهِ مُنْقَطِعَةً، كَأنَّهم أضْرَبُوا عَمّا قَبْلُ، وأنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما هو أشَدُّ مِنهُ، أوْ أضْرَبُوا عَنْ ذَلِكَ إلى بَيانِ أنَّ ما وقَعَ مِنهم في حَقِّهِمْ كانَ لِزَيْغِ أبْصارِهِمْ، وكَلالِ أفْهامِهِمْ عَنْ إدْراكِ أنَّهم عَلى الحَقِّ بِسَبَبِ رَثاثَةِ حالِهِمْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”سُخْرِيًّا“ بِضَمِّ السِّينِ، ومَعْناهُ عَلى ما في البَحْرِ مِنَ السُّخْرَةِ، والِاسْتِخْدامِ، ومَعْنى سِخْرِيًّا بِالكَسْرِ عَلى المَشْهُورِ مِنَ السَّخَرِ وهو الهُزْءُ، وهو مَعْنى ما حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو قالَ: ما كانَ مِن مِثْلِ العُبُودِيَّةِ فَسُخْرِيٌّ بِالضَّمِّ، وما كانَ مِن مِثْلِ الهُزْءِ فَسِخْرِيٌّ بِالكَسْرِ، وقِيلَ: هُوَ بِالكَسْرِ مِنَ التَّسْخِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ أيِ الَّذِي حُكِيَ عَنْهم ﴿ لَحَقٌّ ﴾ لا بُدَّ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ، فالمُرادُ مِن حَقِّيَّتِهِ تَحَقُّقُهُ في المُسْتَقْبَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو تَخاصُمٌ، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِذَلِكَ، وفي الإبْهامِ أوَّلًا والتَّبْيِينِ ثانِيًا مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بَدَلٌ مِن (حَقٌّ)، والمُبْدَلُ مِنهُ لَيْسَ في حُكْمِ السُّقُوطِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، والمُرادُ بِالتَّخاصُمِ التَّقاوُلُ، وجُوِّزَ إرادَةُ ظاهِرِهِ، فَإنَّ قَوْلَ الرُّؤَساءِ لا ﴿ مَرْحَبًا بِهِمْ ﴾ وقَوْلُ الأتْباعِ ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ ﴾ مِن بابِ الخُصُومَةِ، فَسُمِّيَ التَّفاوُضُ كُلُّهُ تَخاصُمًا لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، قِيلَ: وهَذا ظاهِرٌ أنَّ التَّقاوُلَ بَيْنَ المَتْبُوعِينَ والأتْباعِ، أمّا لَوْ جُعِلَ الكُلُّ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَلا، ولَوْ جُعِلَ ﴿ لا مَرْحَبًا ﴾ مِن كَلامِ الرُّؤَساءِ، وهَذا ﴿ فَوْجٌ ﴾ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ فَيَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ تَخاصُمًا مَجازًا.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”تَخاصُمَ“ بِالنَّصْبِ، فَهو بَدَلٌ مِن ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صِفَةٌ لَهُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ وصْفَ اسْمِ الإشارَةِ وإنْ جازَ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ المُشْتَقِّ إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِألْ، كَما ذَكَرَهُ في المُفَصَّلِ مِن غَيْرِ نَقْلِ خِلافٍ فِيهِ، فَبَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَسْتَدْعِيهِ القَوْلُ بِالوَصْفِيَّةِ تَناقُضٌ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الفَصْلِ المُمْتَنِعِ، أوِ القَبِيحِ.
وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ القِياسَ يَقْتَضِي التَّجْوِيزَ، لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَحْتاجُ إلى رافِعٍ لِإبْهامِهِ دالٍّ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ، سَواءٌ كانَ فِيهِ اخْتِصاصٌ بِحَقِيقَةٍ أُخْرى أوْ بِحَقائِقَ أوَّلًا، وهَذا القَدْرُ لا يُخْرِجُ الِاسْمَ عَنِ الدِّلالَةِ عَلى حَقِيقَةِ الذّاتِ المُعَيَّنَةِ الَّتِي يَصِحُّ بِها أنْ يَكُونَ وصْفًا لِاسْمِ الإشارَةِ، وأمّا الِاسْتِعْمالُ فَمُعارَضٌ بِأصْلِ الِاسْتِعْمالِ في الصِّفَةِ، فَكَما أنَّ الجُمْهُورَ حَمَلُوا عَلى الصِّفَةِ في نَحْوِ: هَذا الرَّجُلُ، مَعَ احْتِمالِ البَدَلِ، والبَيانِ، كَذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ حَمَلَ عَلى الوَصْفِ مَعَ احْتِمالِ البَدَلِ، لِأنَّهُ التَفَتَ لَفْتَ المَعْنى، ولا يُناقِضُ ما في المُفَصَّلِ لِأنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ في بابِ النِّداءِ خاصَّةً عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ اسْتِقْلالِ اسْمِ الإشارَةِ، ولِأنَّ حالَ الِاسْتِقْلالِ أقَلُّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وقَدْ بَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّهُ في النِّداءِ خاصَّةً يَمْتَنِعُ وصْفُ اسْمِ الإشارَةِ إذا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِالمُضافِ إلى المُعَرَّفِ بِاللّامِ عَلى أنَّهُ كَثِيرًا ما يُخالِفُ في أحَدِ الكِتابَيْنِ الكَشّافِ والمُفَصَّلِ الآخَرَ، والإشْكالُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ الفَصْلُ غَيْرُ قادِحٍ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ اسْتِقْلالِ اسْمِ الإشارَةِ اهـ.
ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ ”تَخاصَمَ“ فِعْلًا ماضِيًا ”أهْلُ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لَهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ ، يا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ إنَّما أنا مُنْذِرٌ ﴾ أنْذَرْتُكم عَذابَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُشْرِكِينَ، والكَلامُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنافِي السِّحْرَ والكَذِبَ.
وقَدْ يُقالُ: المُرادُ إنَّما أنا رَسُولٌ مُنْذِرٌ لا ساحِرٌ كَذّابٌ، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما فِيهِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن وصْفَيِ الرِّسالَةِ والإنْذارِ يُنافِي كُلَّ واحِدٍ مِن وصْفَيِ السِّحْرِ والكَذِبِ، لَكِنْ مُنافاةُ الرِّسالَةِ لِلسِّحْرِ أظْهَرُ وبَيْنَهُما طِباقٌ، فَكَذَلِكَ الإنْذارُ لِلْكَذِبِ، وضُمَّ إلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ ﴾ لِإفادَةِ أنَّ لَهُ صِفَةَ الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أيْضًا، فالأمْرانِ مُسْتَقِلّانِ بِالإفادَةِ.
”ومن“ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ ما إلَهٌ أصْلًا إلّا اللَّهُ ﴿ الواحِدُ ﴾ أيِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ الكَثْرَةَ في ذاتِهِ بِحَسَبِ الجُزْئِيّاتِ بِأنْ يَكُونَ لَهُ سُبْحانَهُ ماهِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، ولا بِحَسَبِ الأجْزاءِ ﴿ القَهّارُ ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ مِنهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها وإلَيْهِ تَدْبِيرُ جَمِيعِ أُمُورِها، ﴿ العَزِيزُ ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، فَتَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المُعاقَبَةُ، ﴿ الغَفّارُ ﴾ المُبالِغُ في المَغْفِرَةِ يَغْفِرُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ، أمّا الوَصْفُ الأوَّلُ فَظاهِرٌ في ذَلِكَ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وأمّا القَهّارُ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكُنْ قَهّارًا لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَكُونُ حِينَئِذٍ لَها، بَلْ رُبَّما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَقْهُورًا، وذَلِكَ مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأمّا ﴿ رَبُّ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ، فَلِأنَّهُ لَوْ أمْكَنَ غَيْرُهُ مَعَهُ تَعالى شَأْنُهُ جاءَ دَلِيلُ التَّمانُعِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ فَلَمْ تَتَكَوَّنِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، وقِيلَ: لِأنَّ مَعْنى ﴿ رَبُّ السَّماواتِ ﴾ إلَخْ، رَبُّ كُلِّ مَوْجُودٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما سِواهُ، فَلا يَكُونُ إلَهًا، وأمّا العَزِيزُ، فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَغْلِبَ غَيْرَهُ ولا يُغْلَبَ، ومَعَ الشَّرِكَةِ لا يَتِمُّ ذَلِكَ.
وأمّا الغَفّارُ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَغْفِرَ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، فَرُبَّما شاءَ مَغْفِرَةً لِأحَدٍ، وشاءَ الآخَرُ مِنهُ العِقابُ فَإنْ حَصَلَ مُرادُهُ فالآخَرُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنْ حَصَلَ مُرادُ الآخَرِ ولَمْ يَحْصُلْ مُرادُهُ لَمْ يَكُنْ هو إلَهًا، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وما قِيلَ في بُرْهانِ التَّمانُعِ سُؤالًا وجَوابًا يُقالُ هُنا، وفي هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، ولِلِاقْتِصارِ عَلى وصْفِ الإنْذارِ صَرِيحًا فِيما تَقَدَّمَ قُدِّمَ وصْفُ القَهّارِ عَلى وصْفِ الغَفّارِ هُنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هو تَحْقِيقُ الإنْذارِ، وجِيءَ بِالثّانِي تَتْمِيمًا لَهُ، وإيضاحًا لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ، أيْ قُلْ لَهُمْ: ما أنا إلّا مُنْذِرٌ لَكم بِما أعْلَمُ، وإنَّما أنْذَرْتُكم عُقُوبَةَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَإنَّ مِثْلَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُخافَ عِقابُهُ كَما هو حَقِيقٌ بِأنْ يُرْجى ثَوابُهُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، لِأنَّ التَّعْقِيبَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ في الدِّلالَةِ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ بِمَكانٍ لا يُنْكَرُ، ولِأنَّ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَرَّ مِن صَدْرِ السُّورَةِ إلى هُنا بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ المُسْتَدِلُّ بَعْدَ تَمامِ تَقْرِيرِهِ، فالحاصِلُ فالأوْلى أنْ يَكُونَ عَلى وِزانِ المَبْسُوطِ، وفِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ﴾ فافْهَمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَقُولَ أمْرٌ جَلِيلٌ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ لا بُدَّ مِنَ الاعْتِناءِ بِهِ أمْرًا وائْتِمارًا، ﴿ هُوَ ﴾ أيْ ما أنْبَأتْكم بِهِ مِن كَوْنِي رَسُولًا مُنْذِرًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ﴿ نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ خَبَرٌ ذُو فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا لا رَيْبَ فِيهِ أصْلًا، ﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ مُتَمادُونَ في الإعْراضِ عَنْهُ لِتَمادِي غَفْلَتِكُمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِنَبَإٍ، والكَلامُ بِجُمْلَتِهِ تَحْسِيرٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى مَكانِ الخَطَإ، وإظْهارٌ لِغايَةِ الرَّأْفَةِ والعَطْفِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ الدَّعْوَةِ.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ ﴿ هُوَ ﴾ لِلْقُرْآنِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، واسْتَشْهَدَ بِآخِرِ السُّورَةِ، وقالَ: إنَّهُ يَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واخْتارَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ حالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وأنَّهم لا يُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ الجَلِيلَ مَعَ غايَةِ عَظَمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، وتَلَقِّيهِ بِحُسْنِ القَبُولِ، وكَأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ ناظِرٌ إلى ما فِيهِ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ﴾ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ ﴾ جِيءَ بِهِ لِيُسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِما يُشِيرُ إلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ إلَخْ، حَيْثُ تَضَمَّنَ ذِكْرَ نَبَإٍ مِن أنْبائِهِ عَلى التَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ مَعْرِفَةٍ بِهِ، ولا مُباشَرَةِ سَبَبٍ مِن أسْبابِها المُعْتادَةِ كالنَّظَرِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، والسَّماعِ مِنَ الكِتابَيْنِ، وهو حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ سائِرَ أنْبائِهِ أيْضًا كَذَلِكَ، وهو عَلى ما قُلْنا تَذْكِيرٌ لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ بِذِكْرٍ مُخْتَصَرٍ مِنهُ تَمْهِيدًا لِإرْشادِ الطَّرِيقِ وتَذْكِيرًا لِلْباقِي وتَسَلُّقًا مِنهُ إلى اسْتِماعِ ما ذِكْرُهُ لُطْفٌ لِلْمَدْعُوِّينَ، وتَنْوِيهٌ لِلدّاعِي، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَحْوِ ذَلِكَ في أمْرِ التَّوْحِيدِ لِظُهُورِ أدِلَّتِهِ مَعَ كَوْنِهِ ذِكْرَ شَيْءٍ مِنها غَضًّا طَرِيًّا، وهو ما أشارَتْ إلَيْهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، فَلا يُقالُ: إنَّ التَّعَرُّضَ لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ دُونَ التَّوْحِيدِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ هو النُّبُوَّةُ، وأنَّ الثّانِيَ جِيءَ بِهِ تَتْمِيمًا لِذَلِكَ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النُّبُوَّةَ، وكَوْنَ القُرْآنِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مُتَلازِمانِ مَتى ثَبَتَ أحَدُهُما ثَبَتَ الآخَرُ، لَكِنْ رُجِّحَ جَعْلُ الآيَةِ في النُّبُوَّةِ، وإثْباتُها القُرْبَ، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ ما صُدِّرَتْ بِهِ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ دَعْوى النُّبُوَّةِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: (قُلْ)، فَإنْ سُلِّمَ لَكَ هَذا المُرَجِّحُ فَذاكَ، وإلّا فَلا تَعْدِلْ عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن مَعَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ مِن أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ، وعُدِّيَ العِلْمُ بِالباءِ نَظَرًا إلى مَعْنى الإحاطَةِ، والمَلَأُ الجَماعَةُ الأشْرافُ لِأنَّهم يَمْلُؤُونَ العُيُونَ رُواءً والنُّفُوسَ جَلالَةً وبَهاءً، وهو اسْمُ جَمْعٍ، ولِذا وُصِفَ بِالمُفْرَدِ أعْنِي الأعلى والمُرادُ بِهِ عِنْدَ مَلَإ المَلائِكَةِ وآدَمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وكانُوا في السَّماءِ، فالعُلُوُّ حِسِّيٌّ، وكانَ التَّقاوُلُ بَيْنَهم عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، (وإذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، إذِ المُرادُ نَفْيُ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِحالِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِي فِيما سَبَقَ عِلْمٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ المَلَإ إلّا عَلى وقْتِ اخْتِصامِهِمْ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ الكَلامِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، أيْ ما كانَ لِي عِلْمٌ بِكَلامِ المَلَإ إلّا عَلى وقْتِ اخْتِصامِهِمْ، لِأنَّ عِلْمَهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى ما جَرى بَيْنَهم مِنَ الأقْوالِ فَقَطْ، بَلْ عامٌّ لَها، ولِلْأفْعالِ أيْضًا مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإباءِ إبْلِيسَ واسْتِكْبارِهِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ الوَحْيُ، فالأوْلى اعْتِبارُ العُمُومِ في نَفْيِهِ أيْضًا، وقِيلَ: إذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ (المَلَإ) أوْ ظَرْفٌ لِعِلْمٍ، وفِيهِ بَحْثٌ، والِاخْتِصامُ فِيما يُشِيرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِيَخْتَصِمُونَ المُضارِعِ، لِأنَّهُ أمْرٌ غَرِيبٌ فَأتى بِهِ لِاسْتِحْضارِهِ حِكايَةً لِلْحالِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمَلَإ.
وحَكى أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ لِقُرَيْشٍ واسْتَبْعَدَهُ، وكَأنَّ في ﴿ يَخْتَصِمُونَ ﴾ حِينَئِذٍ التِفاتًا مِنَ الخِطابِ في ﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ إلى الغَيْبَةِ، والِاخْتِصامُ في شَأْنِ رِسالَتِهِ أوْ في شَأْنِ القُرْآنِ أوْ شَأْنِ المَعادِ، وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ المَأْثُورِ، وارْتِكابٌ لِما لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ مِن غَيْرِ داعٍ إلى ذَلِكَ، ومَعَ هَذا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ إجْمالِ اخْتِصامِهِمْ وتَفْصِيلِهِ تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَعْيِينًا لِسَبَبِهِ، إلّا أنَّ بَيانَ انْتِفائِهِ فِيما سَبَقَ لِما كانَ مُنْبِئًا عَنْ ثُبُوتِهِ الآنَ، ومِنَ البَيِّنِ عَدَمُ مُلابَسَتِهِ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِهِ المَعْهُودَةِ تُعَيِّنُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ حَتْمًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ قَصْدًا، وجُعِلَ مَصَبُّ الفائِدَةِ إخْبارُهُ بِما هو داعٍ إلى الوَحْيِ ومُصَحِّحٌ لَهُ، فالقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ (لِيُوحى) إمّا ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الحالِ المُقَدَّرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، فالمَعْنى ما يُوحى إلَيَّ حالُ المَلَإ الأعْلى، أوْ ما يُوحى إلَيَّ الَّذِي يُوحى مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذَلِكَ مِن دَواعِي الوَحْيِ إلَيْهِ ومُصَحِّحاتِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ عائِدًا إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ يُوحى ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ الإيحاءُ إلَيَّ بِحالِ المَلَإ الأعْلى، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي إلَخْ.
وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الجارِّ والمَجْرُورِ نائِبَ الفاعِلِ، ”وأنما“ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الحَصْرِ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لِأمْرٍ إلّا لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وأيُّ مُبِينٍ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَسْتَقْضِ يا فُلانُ إلّا لِأنَّكَ عالِمٌ عامِلٌ مُرْشِدٌ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَ حَذْفِ اللّامِ مَقامًا مَقامُ الفاعِلِ، ومَعْنى الحَصْرِ أنِّي لَمْ أُومَرْ إلّا بِهَذا الأمْرِ وحْدَهُ، ولَيْسَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ الأوامِرِ، إمّا تَضَمُّنًا، وإمّا التِزامًا، أوْ لَمْ أُومَرْ إلّا بِإنْذارِكم لا بِهِدايَتِكم وصَدِّكم عَنِ العِنادِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيَّ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْفَقُ بِحالِ الِاعْتِراضِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنْ إدْراكِ اللَّطائِفِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنَّما) بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ أيْ ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، وإيحاؤُها إلَيْهِ أمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَقُولَها، وحاصِلُ مَعْنى الحَصْرِ قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: لَمْ أُومَرْ إلّا بِأنْ أقُولَ لَكم هَذا القَوْلَ دُونَ أنْ أقُولَ: أعْلَمُ الغَيْبَ بِدُونِ وحْيٍ مَثَلًا، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ﴾ إلَخْ، شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الِاخْتِصامِ الَّذِي هو ما جَرى بَيْنَهم مِنَ التَّقاوُلِ، فَهو بَدَلٌ مِن ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلَ بَعْضٍ، وصَحَّ إسْنادُ الِاخْتِصامِ إلى المَلائِكَةِ مَعَ أنَّ التَّقاوُلَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ إلَخْ، لِأنَّ تَكْلِيمَهُ تَعالى إيّاهم كُلٌّ بِواسِطَةِ المَلَكِ، فَمَعْنى المُقاوَلَةِ بَيْنَ المَلَإ الأعْلى مُقاوَلَةُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ سائِرِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في شَأْنِ الِاسْتِخْلافِ، ومَعَ إبْلِيسَ في شَأْنِ السُّجُودِ ومَعَ آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ ﴾ ، ومَعْنى كَوْنِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ وُجُودُها فِيما بَيْنَهم في الجُمْلَةِ، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الإسْنادِ، فالكُلُّ حَقِيقَةٌ لِأنَّ المَلَأ الأعْلى شامِلٌ لِلْمَلَكِ المُتَوَسِّطِ وهو المُقاوِلُ بِالحَقِيقَةِ، وهو - عَزَّ وجَلَّ - مُقاوِلٌ بِالمَجازِ، ولا تَقُلِ المُخاصِمُ لِيَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، وما يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ يَقْتَضِي بِأنْ يَكُونَ مُقاوَلَتُهُ تَعالى إيّاهم بِلا واسِطَةٍ، فَهو مَمْنُوعٌ، لِأنَّهُ إبْدالُ زَمانِ قِصَّةٍ عَنْ زَمانِ التَّفاوُضِ فِيها، والغَرَضُ أنْ تُعْلَمَ القِصَّةُ، لا مُطابَقَةُ كُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ لِكُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ، فَذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ ولا مُرادٍ، ثُمَّ فِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي أنَّ مُقاوَلَةَ المَلَكِ إيّاهم أوْ إيّاهُما عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهم مُقاوِلُوهُ تَعالى أيْضًا، وأُرِيدَ هَذا المَعْنى مِن هَذا إلّا يُرادُ لا مِنَ اللَّفْظِ لِيَلْزَمَ الجَمْعُ المَذْكُورُ آنِفًا، وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ المَلَإ الأعْلى بِأنْ يُرادَ بِهِ ما عَدا البَشَرَ، لِيَكُونَ الِاخْتِصامُ قائِمًا بِهِ تَعالى، وبِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ في مُقابَلَتِهِمْ يُخاصِمُونَهُ ويُخاصِمُهم مَعَ ما فِيهِ مِن إيهامِ الجِهَةِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَنْبُو المَقامُ عَنْهُ نُبُوًّا ظاهِرًا، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ جَوابَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَتِمَّ المُقاوَلَةُ اخْتِصارًا بِما كُرِّرَ مِرارًا، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً.
ورُوعِيَ هَذا النَّسَقُ ها هُنا لِنُكْتَةٍ سِرِّيَّةٍ، وهي أنْ يُجْعَلَ مَصَبُّ الغَرَضِ مِنَ القِصَّةِ حَدِيثَ إبْلِيسَ لِيُلائِمَ ما كانَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ، وأنَّهُ بِامْتِناعِهِ عَنِ امْتِثالِ أمْرٍ واحِدٍ جَرى عَلَيْهِ ما جَرى، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُمْ، وهم مَغْمُورُونَ في المَعاصِي، وفِيهِ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ العِصْيانَ فَهو إمامُهُمْ، وقائِدُهم إلى النّارِ، وذَكَرَ حَدِيثَ سُجُودِ المَلائِكَةِ، وطَيَّ مُقاوَلَتِهِمْ في شَأْنِ الِاسْتِخْلافِ، لِيُفَرِّقَ بَيْنَ المُقاوَلَتَيْنِ، وأنَّ السُّؤالَ قَبْلَ الأمْرِ لَيْسَ مِثْلَهُ بَعْدَهُ، فَإنَّ الثّانِيَ يَلْزَمُهُ التَّوانِي، ثُمَّ فِيهِ حَدِيثُ تَكْرِيمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضِمْنًا دِلالَةً عَلى أنَّ المُعَلِّمَ والنّاصِحَ يُعَظَّمُ، وأنَّهُ شَرْعٌ مِنهُ تَعالى قَدِيمٌ، وكانَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُعامِلُوا النَّبِيَّ مُعامَلَةَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ لا مُعامَلَةَ إبْلِيسَ لَهُ، قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، وهو حَسَنٌ، بَيْدَ أنَّ ما عُلِّلَ بِهِ الِاخْتِصارُ مِن تَكْرارِ ذَلِكَ مِرارًا لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ ذَلِكَ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ عَلَّلَ بَعْضُهم تَرْكَ الذِّكْرِ بِالِاكْتِفاءِ بِما في البَقَرَةِ، وفِيهِ: أنَّ نُزُولَها مُتَأخِّرٌ عَنْ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَلا يَصِحُّ الِاكْتِفاءُ إحالَةً عَلَيْها قَبْلَ نُزُولِها، وكَوْنُ المُرادِ اكْتِفاءَ السّامِعِينَ لِلْقُرْآنِ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُهُ، ولَعَلَّ القِصَّةَ كانَتْ مَعْلُومَةً سَماعًا مِنهُ ، وكانَ عالِمًا بِها بِواسِطَةِ الوَحْيِ وإنْ لَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ نازِلَةً قُرْآنًا، فاخْتُصِرَتْ ها هُنا، لِما ذُكِرَ في الكَشْفِ اكْتِفاءً بِذَلِكَ، وقالَ فِيهِ أيْضًا: وذَلِكَ أنْ تَقُولَ: التَّقاوُلُ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ ﴾ تَبْكِيتًا لَهم بِما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ أتَجْعَلُ ﴾ فِيها وبَيْنَهُ، وبَيْنَ إبْلِيسَ، إمّا لِأنَّهُ داخِلٌ في الإنْكارِ والتَّبْكِيتِ، بَلْ هو أشَدُّهم في ذَلِكَ لَكِنْ غَلَبَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ لِأنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُقْرَنَ مَعَ هَؤُلاءِ مُفْرَدًا في الذِّكْرِ، أوْ لِأنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِمُعَلِّمِهِ فامْتَنَعَ، وأسْمَعَهُ ما أُسْمِعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ إلَخْ، لِلْإتْيانِ بِطَرَفٍ مُشْتَمِلٍ عَلى قِصَّةِ المُقاوَلَةِ وتَصْوِيرِ أصْلِها، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ جَلَّ شَأْنُهُ مِنَ المُقاوِلِينَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَهم تَقاوُلٌ قَدْ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذا أقَلُّ تَكَلُّفًا مِمّا فِيهِ دَعْوى أنَّ تَكْلِيمَهُ تَعالى كانَ بِواسِطَةِ المَلَكِ، إذْ لِلْمانِعِ أنْ يَمْنَعَ التَّوَسُّطَ عَلى أصْلِنا، وعَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ أيْضًا، لا سِيَّما إذا جُعِلَ المُبَكِّتُونَ المَلائِكَةَ كُلَّهُمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ ظَهَرَ فائِدَةُ إبْدالِ ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ مِن ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ بَدَلًا لَكانَ الظّاهِرُ إذْ قالَ رَبِّي لِقَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ ﴾ فَلَيْسَ المَقامُ مِمّا يَقْتَضِي الِالتِفاتَ غَيْرَ قادِحٍ، فَإنَّهُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ ”الذي جعل لكم الأرض“ فالخِطابُ: بِلَكم نَظَرًا إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَمَّمَ قَوْلَهُمْ، وذَنْبُهُ كَذَلِكَ ها هُنا هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِتَتْمِيمِ قَوْلِ النَّبِيِّ ، وهَذا عَلى نَحْوِ ما يَقُولُ مُخاطِبُكَ: جاءَنِي الأمِيرُ، فَتَقُولُ: الَّذِي أكْرَمَكَ وحَباكَ، أوْ يَقُولُ: رَأيْتُ الأمِيرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَتَقُولُ: يَوْمَ خَلَعَ عَلَيْكَ الخِلْعَةَ الفُلانِيَّةَ، ومِنهُ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الالتِفاتِ في شَيْءٍ، وأنَّ هَذا الإبْدالَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ لِمَزِيدِ الحُسْنِ انْتَهى، وجُوِّزَ أنْ يَقُولَ: إنَّ ﴿ إذْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ ظَرْفٌ لِيَخْتَصِمُونَ، والمُرادُ بِالمَلَإ الأعْلى المَلائِكَةُ وبِاخْتِصامِهِمْ قَوْلُهم لِلَّهِ تَعالى: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ إرادَةِ ذَلِكَ عَلى جَعْلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المَلَإ ولا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ كَلَّمَهم بِواسِطَةِ مَلَكٍ، ولا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الِاخْتِصامِ مُطْلَقًا، بَلْ يَكْفِي ذِكْرُهُ بَعْدَ النُّزُولِ سَواءٌ ذُكِرَ قُرْآنًا أمْ لا، ويُرَجِّحُ تَفْسِيرُ المَلَإ بِما ذُكِرَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِما يَعُمُّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذاكَ عَلى ما سَمِعْتَ يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّ آدَمَ كانَ في السَّماءِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُلِقَ في السَّماءِ، أوْ رُفِعَ إلَيْها بَعْدَ خَلْقِهِ في الأرْضِ، وكِلا الأمْرَيْنِ لا يُسَلِّمُهُما كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ عَنْ جَمْعٍ: أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما خُلِقَ في الأرْضِ وأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَها بَعْدَ أنْ جَرى ما جَرى كانَتْ فِيها أيْضًا، وأتى بِأدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ قَوِيَّةٍ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يُجِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنها فَتَدَبَّرْ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَلَأ الأعْلى المَلائِكَةُ، وأنَّ اخْتِصامَهم كانَ في الدَّرَجاتِ والكَفّاراتِ.
فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «”احْتَبَسَ عَنّا رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ غَداةٍ مِن صَلاةِ الصُّبْحِ حَتّى كِدْنا نَتَراءى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا، فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ، فَلَمّا سَلَّمَ دَعا بِصَوْتِهِ، فَقالَ: عَلى مَصافِّكم ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنا ثُمَّ قالَ: أما إنِّي أُحَدِّثُكم بِما حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَداةَ، إنِّي قُمْتُ اللَّيْلَةَ، فَقُمْتُ، وصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لِي، ونَعَسْتُ في صَلاتِي حَتّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإذا أنا بِرَبِّي - تَبارَكَ وتَعالى - في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي، قالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟
قُلْتُ: لا أدْرِي، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلّى لِي كُلُّ شَيْءٍ، وعَرَفْتُهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟
قُلْتُ: في الدَّرَجاتِ، والكَفّاراتِ، فَقالَ: ما الدَّرَجاتُ؟
فَقُلْتُ: إطْعامُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، والنّاسُ نِيامٌ، قالَ: صَدَقْتَ، فَما الكَفّاراتُ؟
قُلْتُ: إسْباغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ونَقْلُ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، قالَ: صَدَقْتَ، سَلْ يا مُحَمَّدُ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وأنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ حُبَّكَ وحُبَّ مَن أحَبَّكَ وحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إلى حُبِّكَ، قالَ النَّبِيُّ : تَعَلَّمُوهُنَّ، وادْرُسُوهُنَّ، فَإنَّهُنَّ حَقٌّ“».
ومَعْنى اخْتِصامِهِمْ في ذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ اخْتِلافُهم في قَدْرِ ثَوابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الِاخْتِصامِ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بِمَراحِلَ عَنِ السِّياقِ، فَإنَّهُ مِمّا لَمْ يَعْرِفْهُ أهْلُ الكِتابِ فَلا يُسَلِّمُهُ المُشْرِكُونَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أصْلًا، نَعَمْ هو اخْتِصامٌ آخَرُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، وجَعَلَ هَؤُلاءِ - إذْ - في ﴿ إذْ قالَ ﴾ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وكَذا كُلُّ مَن قالَ: إنَّ الِاخْتِصامَ لَيْسَ في شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجْعَلُهُ كَذَلِكَ.
والشِّهابُ الخَفاجِيُّ قالَ: الأظْهَرُ أيْ مُطْلَقًا تَعَلُّقُ (إذْ) بِاذْكُرِ المُقَدَّرِ عَلى ما عُهِدَ في مِثْلِهِ لِيَبْقى ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ عَلى عُمُومِهِ، ولِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِيَشْمَلَ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ اخْتِصامِهِمْ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، ولِئَلّا يَحْتاجَ إلى تَوْجِيهِ العُدُولِ عَنْ (رَبِّي) إلى ﴿ رَبُّكَ ﴾ انْتَهى، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى.
ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ في اخْتِصامِهِمْ ما حَكاهُ الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُناظَرَتِهِمْ بَيْنَهم في اسْتِنْباطِ العُلُومِ كَمُناظَرَةِ أهْلِ العِلْمِ في الأرْضِ، ويُرَدُّ بِهِ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّ جَمِيعَ عُلُومِهِمْ بِالفِعْلِ، والمَعْرُوفُ عَنِ السَّلَفِ أنَّهُ المُقاوَلَةُ في شَأْنٍ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والرَّدُّ بِهِ حاصِلٌ أيْضًا، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ في ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ﴾ ما يَعُمُّ إبْلِيسَ، لِأنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ مَغْمُورًا فِيهِمْ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِمْ دُونَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَلَإ الأعْلى عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ لِشُيُوعِ تَعَلُّقِ القَوْلِ بِهِمْ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ بِهَذا العُنْوانِ، أوْ لِشُهْرَةِ المُقابَلَةِ بَيْنَ المَلَكِ والبَشَرِ، فَيَلْطُفُ جِدًّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ ﴾ وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ إظْهارًا لِلِاسْتِغْراقِ في المَقُولِ لَهُ، والمُرادُ: إنِّي خالِقٌ فِيما سَيَأْتِي، وفي التَّعْبِيرِ بِما ذُكِرَ ما لَيْسَ في التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ، والبَشَرُ الجِسْمُ الكَثِيفُ يُلاقِي ويُباشِرُ، أوْ بادِي البَشَرَةِ ظاهِرُ الجِلْدِ غَيْرُ مَسْتُورٍ بِشَعْرٍ، أوْ وبَرٍ أوْ صُوفٍ، والمُرادُ بِهِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذُكِرَ هُنا: خَلْقُهُ مَن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: خَلْقُهُ مِن تُرابٍ، وفي الحِجْرِ: مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وفي الأنْبِياءِ: مِن عَجَلٍ، ولا مُنافاةَ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ ذُكِرَ في بَعْضِ المادَّةِ القَرِيبَةِ، وفي بَعْضِ المادَّةِ البَعِيدَةِ، ثُمَّ إنَّ ما جَرى عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ لَيْسَ اسْمَ البَشَرِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ مُسَمّاهُ حِينَئِذٍ، فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِهِ، بَلْ عِبارَةٌ كاشِفَةٌ عَنْ حالِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ عِنْدَ الحِكايَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ﴾ أيْ صَوَّرْتُهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِتَعْدِيلِ طَبائِعِهِ، ﴿ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي ﴾ تَمْثِيلٌ لِإفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها، فَلَيْسَ ثَمَّتَ نَفْخٌ ولا مَنفُوخٌ، أيْ فَإذا أكْمَلْتُ اسْتِعْدادَهُ، وأفَضْتُ عَلَيْهِ ما يَحْيا بِهِ مِنَ الرُّوحِ الطّاهِرَةِ الَّتِي هي أمْرِي ﴿ فَقَعُوا لَهُ ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ: أيْ فاسْقُطُوا لَهُ، ﴿ ساجِدِينَ ﴾ تَحِيَّةً لَهُ وتَكْرِيمًا، <div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ ﴾ أيْ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ، ﴿ كُلُّهُمْ ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنهم إلّا سَجَدَ، ﴿ أجْمَعُونَ ﴾ أيْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ، فَكُلٌّ لِلْإحاطَةِ، وأجْمَعُ لِلِاجْتِماعِ، ولا اخْتِصاصَ لِإفادَتِهِ ذَلِكَ بِالحالِيَّةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الِاشْتِقاقَ الواضِحَ يُرْشِدُ إلى أنَّ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ والضَّمِّ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الخِطابِيِّ التَّنْزِيلُ عَلى أكْمَلِ أحْوالِ الشَّيْءِ ولا خَفاءَ في أنَّ الجَمْعَ في وقْتٍ واحِدٍ أكْمَلُ أصْنافِهِ، لَكِنْ لَمّا شاعَ اسْتِعْمالُهُ تَأْكِيدًا أُقِيمَ مَقامَ كُلٍّ في إفادَةِ الإحاطَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الكَمالِ، فَإذا فُهِمَتِ الإحاطَةُ بِلَفْظٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مُلاحَظَةِ الأصْلِ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإلْغاءِ، ولَوْ سُلِّمَ، فَكُلُّ تَأْكِيدِ الشُّمُولِ بِإخْراجِهِ عَنِ الظُّهُورِ إلى النُّصُوصِ، ”وأجمعون“ تَأْكِيدُ ذَلِكَ التَّأْكِيدِ فَيُفِيدُ أتَمَّ أنْواعِ الإحاطَةِ، وهو الإحاطَةُ في وقْتٍ واحِدٍ، واسْتِخْراجُ هَذِهِ الفائِدَةِ مِن جَعْلِهِ كَإقامَةِ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ لا يَلُوحُ وجْهُهُ، والنَّقْضُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ مَنشَؤُهُ عَدَمُ تَصَوُّرِ وجْهِ الدِّلالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الحِجْرِ أنَّ سُجُودَهم مُتَرَتِّبٌ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ، وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ كالَّتِي في البَقَرَةِ والأعْرافِ وغَيْرِهِما ظاهِرَةٌ في أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فَلْيُراجَعْ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِما أنَّهُ وإنْ كانَ جِنِّيًّا مَعْدُودٌ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ مَوْصُوفٌ بِصِفاتِهِمْ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ إلّا مَعَهُمْ، فَشَمِلَتْهُ المَلائِكَةُ تَغْلِيبًا ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءً واحِدًا مِنهُمْ، أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ، وهو مِنهُمْ، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَكْبَرَ ﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَرْكِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الاسْتِثْناءِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأمُّلِ والتَّرَوِّي، وبِهِ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لِلْإباءِ والِاسْتِكْبارِ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أيْ لَكِنَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وتَعَظَّمَ، ﴿ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ أيْ وصارَ مِنهم بِاسْتِكْبارِهِ وتَعاظُمِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ الفاءِ المُؤْذِنَةِ بِالسَّبَبِيَّةِ إحالَةٌ عَلى فِطْنَةِ السّامِعِ، أوْ لِظُهُورِ المُرادِ.
وكَوْنُ التَّعاظُمِ عَلى أمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا سِيَّما الشِّفاهِيُّ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِكْبارَ كانَ مُتَضَمِّنًا اسْتِقْباحَ الأمْرِ وعَدَّهُ جَوْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وكانَ مِنَ الكافِرِينَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ سَيَعْصِيهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ ما يَصْدُرُ بِاخْتِيارِهِ وخُبْثِ طَوِيَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: ﴿ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ﴾ أيْ مِنَ السُّجُودِ ﴿ لِما خَلَقْتُ ﴾ أيْ لِلَّذِي خَلَقْتُهُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، والعائِدَ مَحْذُوفٌ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ إطْلاقِ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، ومَن لَمْ يُجِزْ قالَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ويُرادُ بِالمَصْدَرِ المَفْعُولُ أيْ أنْ تَسْجُدَ لِمَخْلُوقٍ ﴿ بِيَدَيَّ ﴾ وهَذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الخُلْفِ تَمْثِيلٌ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْتَنًى بِخَلْقِهِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ المُعْتَنى بِهِ أنْ يَعْمَلَ بِاليَدَيْنِ، ومِن آثارِ ذَلِكَ خَلْقُهُ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ أبٍ وأُمٍّ، وكَوْنُهُ جِسْمًا صَغِيرًا انْطَوى فِيهِ العالَمُ الأكْبَرُ، وكَوْنُهُ أهْلًا لِأنْ يُفاضَ عَلَيْهِ ما لا يُفاضُ عَلى غَيْرِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَزايا الآدَمِيَّةِ.
وعِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُمُ اليَدُ بِمَعْنى القُدْرَةِ، والتَّثْنِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ الدّالِّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها تَرِدُ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ نَحْوَ: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ ، فَأُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ، وهو التَّأْكِيدُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى في خَلْقِهِ أفْعالًا مُخْتَلِفَةً مِن جَعْلِهِ طِينًا مُخَمَّرًا، ثُمَّ جِسْمًا ذا لَحْمٍ وعَظْمٍ، ثُمَّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وإعْطائِهِ قُوَّةَ العِلْمِ والعَمَلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو دالٌّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَةِ خالِقِ القُوى والقُدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ فِعْلِ آدَمَ فَقَدْ يَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ مَلَكِيَّةٌ كَأنَّها مِن آثارِ اليَمِينِ، وقَدْ يَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ حَيَوانِيَّةٌ كَأنَّها مِن آثارِ الشِّمالِ، وكِلْتا يَدَيْهِ سُبْحانَهُ يَمِينٌ.
وعِنْدَ بَعْضٍ: اليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، والتَّثْنِيَةُ إمّا لِنَحْوِ ما مَرَّ، وإمّا عَلى إرادَةِ نِعْمَةِ الدُّنْيا ونِعْمَةِ الآخِرَةِ.
والسَّلَفُ يَقُولُونَ: اليَدُ مُفْرَدَةٌ وغَيْرُ مُفْرَدَةٍ ثابِتَةٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى المَعْنى اللّائِقِ بِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ إنَّها بِمَعْنى القُدْرَةِ أوِ النِّعْمَةِ، وظاهِرُ الأخْبارِ أنَّ لِلْمَخْلُوقِ بِها مَزِيَّةً عَلى غَيْرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في جَوابِ المَلائِكَةِ: اجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيا، ولَنا الآخِرَةَ، وعِزَّتِي وجَلالِي، لا أجْعَلُ مَن خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِيَدِهِ: العَرْشَ، وجَنّاتِ عَدْنٍ، والقَلَمَ، وآدَمَ، ثُمَّ قالَ لِكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَكانَ.
وجاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّهُ تَعالى كَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، وفي حَدِيثِ مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَخْلُوقِيَّةَ بِها وصْفُ تَعْظِيمٍ، حَيْثُ قالَ لَهُ مُوسى: أنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ تَعالى بِيَدِهِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ يَأْتُونَ آدَمَ ويَقُولُونَ لَهُ: أنْتَ آدَمُ أبُو النّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ تَعالى بِيَدِهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ تَرْتِيبَ الإنْكارِ في ﴿ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ﴾ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِيَدَيْهِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَكَ أنْ تُعَظِّمَ بِالسُّجُودِ مَن هو أهْلٌ لِلتَّعْظِيمِ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ الَّتِي حَفَّتْ إيجادَهُ.
وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ مِن بابِ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي فَبِيَدِي لِتَأْكِيدِ أنَّهُ مَخْلُوقٌ لا شَكَّ فِيهِ، وحَيْثُ إنَّ إبْلِيسَ تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِشُبْهَةِ أنَّهُ سُجُودٌ لِمَخْلُوقٍ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، وأنَّهُ هو مَخْلُوقٌ مِن نارٍ، وزَلَّ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حِينَ أمَرَ مَن هو أجَلُّ مِنهُ، وأقْرَبُ عِبادِهِ إلَيْهِ زُلْفى وهُمُ المَلائِكَةُ امْتَثَلُوا، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ السّاجِدِ والمَسْجُودِ لَهُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ رَبِّهِمْ، وإجْلالًا لِخِطابِهِ، ذَكَرَ لَهُ ما يَتَشَبَّثُ بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ، وأخْرَجَ لَهُ الكَلامَ مَخْرَجَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى مَزَلَّةِ القَدَمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ لِشَيْءٍ هو كَما تَقُولُ: مَخْلُوقٌ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ، لا شَكَّ في كَوْنِهِ مَخْلُوقًا امْتِثالًا لِأمْرِي وإعْظامًا لِخِطابِي، كَما فَعَلَتِ المَلائِكَةُ، ولا يَخْفى أنَّ المَقامَ نابٍ عَمّا ذَكَرَهُ أشَدَّ النَّبْوِ، وجَعْلُ ذَلِكَ مِن بابِ: رَأيْتُ بِعَيْنِي، لا يُفِيدُ إلّا تَأْكِيدَ المَخْلُوقِيَّةِ، وإخْراجُ الكَلامِ مَخْرَجَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ، فَإنَّ سِياقَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ أنْ يُسَلَّمَ لَهُ، ثُمَّ يُنْكَرَ عَلَيْهِ، لا أنْ يُقَدَّمَ الإنْكارُ أصْلًا، ويُؤْتى بِهِ كالرَّمْزِ، بَلْ كالإلْغازِ، وأيْضًا الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ ذاكَ وصْفُ تَعْظِيمٍ، لا كَما زَعَمَهُ، وأيْضًا جَعْلُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ راجِعًا إلى مَحْضِ الِامْتِثالِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَكْرِيمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرْدُودٌ بِما سُلِّمَ في عِدَّةِ مَواضِعَ أنَّهُ سُجُودُ تَكْرِيمٍ، كَيْفَ وهو يُقابِلُ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها ﴾ وكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُ إيّاهم فَلْيُلْحَظْ فِيهِ جانِبُ الآمِرِ تَعالى شَأْنُهُ وجانِبُ المَسْجُودِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَوْفِيَةً لِلْحَقَّيْنِ، وكَأنَّهُ قالَ ما قالَ، وأخْرَجَ الآيَةَ عَلى وجْهٍ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ إبْلِيسَ حَذَرًا مِن خَرْمِ مَذْهَبِهِ، ولا عَلَيْهِ أنْ يُسَلِّمَ دِلالَةَ الآيَةِ عَلى التَّكْرِيمِ، ويَخُصَّهُ بِوَجْهٍ، وحِينَئِذٍ لا تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ مُطْلَقًا حَتّى يَلْزَمَ خَرْمُ مَذْهَبِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا الرَّجُلَ عَقَّ أباهُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا المَبْحَثِ مِن كَشّافِهِ، حَيْثُ أوْرَدَ فِيهِ مِثالًا لِما قَرَّرَهُ في الآيَةِ جَعَلَ فِيهِ سِقاطَ الحَشَمِ مِثالًا لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَرَّ عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى إبْلِيسَ حَيْثُ أقامَ لَهُ عُذْرَهُ وصَوَّبَ اعْتِقادَهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ لِكَوْنِهِ مِن نارٍ وآدَمَ مِن طِينٍ، وإنَّما غَلَطُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهُ لَمْ يَقِسْ نَفْسَهُ عَلى المَلائِكَةِ، إذْ سَجَدُوا لَهُ عَلى عِلْمِهِمْ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مَحْطُوطُ الرُّتْبَةِ ساقِطُ المَنزِلَةِ، وكَمْ لَهُ مِن عَثْرَةٍ لا يُقالُ لِصاحِبِها لَعًا، مَعَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ في هَذا المَقامِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا مِن مَهاوِي الهَوى، ويُثَبِّتَ لَنا الأقْدامَ، وقُرِئَ ”بِيَدِيَّ“ بِكَسْرِ الدّالِ كَمُصْرِخِيَّ، و”بِيَدِي“ عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿ أسْتَكْبَرْتَ ﴾ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ وطَرْحِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، أيْ أتَكَبَّرْتَ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، ﴿ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ أوْ كُنْتَ مُسْتَحِقًّا لِلْعُلُوِّ فائِقًا فِيهِ، وقِيلَ: المَعْنى أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ أمْ لَمْ تَزَلْ مُنْذُ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ فالتَّقابُلُ عَلى الأوَّلِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِحْقاقِ وعَدَمِهِ.
وعَلى الثّانِي بِاعْتِبارِ الحُدُوثِ، والقِدَمِ، ولِذا قِيلَ: ﴿ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ دُونَ: أنْتَ مِنَ العالِينَ، وقِيلَ: إنَّ العالِينَ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: المُهِيمُونَ، مُسْتَغْرِقُونَ بِمُلاحَظَةِ جَمالِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ، لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ غَيْرَهُ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ هم مَلائِكَةُ السَّماءِ، ولَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ، وإنَّما المَأْمُورُ مَلائِكَةُ الأرْضِ، فالمَعْنى: أتَرَكْتَ السُّجُودَ اسْتِكْبارًا أمْ تَرَكْتَهُ لِكَوْنِكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وأمْ في كُلِّ ذَلِكَ مُتَّصِلَةٌ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ إذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ نَحْوَ: أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ؟
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وأنَّ سِيبَوَيْهِ صَرَّحَ بِخِلافِهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما قِيلَ: (اسْتَكْبَرْتَ) بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ قَدْ حُذِفَتْ لِدِلالَةِ (أمْ) عَلَيْها كَقَوْلِهِ: بِسَبْعٍ رَمَيْنا الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ إخْبارًا، وأمْ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ، والمُرادُ اسْتِخْفافُهُ سُبْحانَهُ بِهِ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ قِيلَ: هو جَوابٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ، يُؤَدِّي مُؤَدّى أنَّهُ كَذَلِكَ أيْ هو مِنَ العالِينَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الاسْتِكْبارِ سابِقًا ولاحِقًا في شَيْءٍ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، ويَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ كَوْنُهُ فائِقًا إلّا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ وافِيًا بِالمَقْصُودِ، لِأنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوى، أُوثِرَ بَيانُهُ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ، وزِيادَةٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ ذَكَرَ النَّوْعَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُماثَلَةَ كافِيَةٌ فَضْلًا عَنِ الأفْضَلِيَّةِ، ولِهَذا أبْهَمَ، وفَصَّلَ وقابَلَ وآثَرَ، (خَلَقْتَنِي وخَلَقْتَهُ) دُونَ: أنا مِن نارٍ، وهو مِن طِينٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُماثَلَةَ في المَخْلُوقِيَّةِ مانِعَةٌ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْها خَيْرِيَّةُ المادَّةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الآمِرَ كانَ أوْلى أنْ يَسْتَنْكِفَ، فَإنَّهُ أعْنِي السُّجُودَ حَقُّ الآمِرِ، واسْتَلْطَفَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، ثُمَّ قالَ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ جَوابَ إبْلِيسَ مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ.
وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَهُ: ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ جَوابًا أوَّلًا، وبِالذّاتِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ﴾ بِادِّعاءِ شَيْءٍ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمانِعِ مِنَ السُّجُودِ عَلى زَعْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾ إلَخْ، تَعْلِيلًا لِدَعْوى الخَيْرِيَّةِ.
وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ إذْ لا مُماثَلَةَ في المَخْلُوقِيَّةِ فَمَخْلُوقِيَّةُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاليَدَيْنِ، ولا كَذَلِكَ مَخْلُوقِيَّتُهُ، وأمْرُ خَيْرِيَّةِ المادَّةِ عَلى العَكْسِ في النَّظَرِ الدَّقِيقِ، ومَعَ هَذا الفَضْلُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِما كانَ مِن جِهَتِها، بَلْ يَكُونُ مِن جِهَةِ الصُّورَةِ، والغايَةِ أيْضًا، وفَضْلُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَلِكَ لا يَخْفى، وكَأنَّ خُطاهُ لِظُهُورِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيانِهِ، بَلْ جَعَلَ جَوابَهُ طَرْدَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فاخْرُجْ مِنها ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ اللَّعِينِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأمْرِ الجَلِيلِ وتَعْلِيلِها بِأظْهَرِ الأباطِيلِ، أيْ فاخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في عَدْنٍ لا في جَنَّةِ الخُلْدِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكْفِي في صِحَّةِ الأمْرِ كَوْنُهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ الجَنَّةَ وطَنًا ومَسْكَنًا، ولا تَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِهِ فِيها بِالفِعْلِ وقْتَ الخِطابِ كَما هو شائِعٌ في المُحاوَراتِ، يَقُولُ مَن يُخاصِمُ صاحِبَهُ في السُّوقِ، أوْ غَيْرَهُ في دارٍ: اخْرُجْ مِنَ الدّارِ، مَعَ أنَّهُ وقْتَ المُخاصَمَةِ لَيْسَ فِيها بِالفِعْلِ، وهَذا إنْ قِيلَ: إنَّ المُحاوَرَةَ لَمْ تَكُنْ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِنها أيْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ، وهو المُرادُ بِالهُبُوطِ لا الهُبُوطُ مِنَ السَّماءِ كَما قِيلَ، فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ، عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ أنْكَرُوا الهُبُوطَ مِنَ السَّماءِ بِالكُلِّيَّةِ، بِناءً عَلى أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَها آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ في الأرْضِ، وقِيلَ: اخْرُجْ مِنَ الخِلْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، وانْسَلِخْ مِنها، والأمْرُ لِلتَّكْوِينِ، وكانَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ يَفْتَخِرُ بِخِلْقَتِهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى خِلْقَتَهُ فاسْوَدَّ بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ، وقَبُحَ بَعْدَ ما كانَ حَسَنًا، وأظْلَمَ بَعْدَ ما كانَ نُورانِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ، أيْ مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ، فالرَّجْمُ كِنايَةٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ المَطْرُودَ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ، أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ كَذا قالُوا، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِرَجِيمٍ ذَلِيلٌ، فَإنَّ الرَّجْمَ يَسْتَدْعِي الذِّلَّةَ، وهو أبْعَدُ مِن تَوَهُّمِ التَّكْرارِ مَعَ الجُمْلَةِ بَعْدُ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، وأوْفَقُ لِما في الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي ﴾ أيْ إبْعادِي عَنِ الرَّحْمَةِ، وفي الحِجْرِ ”اللعنة“ فَإنْ كانَتْ ألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، فَعَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ ما هُناكَ وما هَنا ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ كُلُّ لَعْنَةٍ فَذاكَ لِما أنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ أيْضًا مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَهم يَدْعُونَ عَلَيْهِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى، وإبْعادِهِ مِن رَحْمَتِهِ، ﴿ إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يَوْمِ الجَزاءِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللَّعْنَةَ مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ كافِيَةً في جَزاءِ جِنايَتِهِ، بَلْ هي أُنْمُوذَجٌ مِمّا سَيَلْقاهُ مُسْتَمِرَّةٌ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ التَّوْقِيتِ، ونُسِبَ القَوْلُ بِهِ إلى بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ بَلْ عَلى أنَّهُ سَيَلْقى يَوْمَئِذٍ مِن ألْوانِ العَذابِ وأفانِينِ العِقابِ ما تَنْسى عِنْدَهُ اللَّعْنَةَ وتَصِيرُ كالزّائِلِ، ألا يَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي ﴾ أيْ أمْهِلْنِي، وأخِّرْنِي، والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قالَ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي، ﴿ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ المَوْتِ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وأرادَ اللَّعِينُ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً مِن إغْوائِهِمْ ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ، وكانَ أمْرُ البَعْثِ مَعْرُوفًا بَيْنَ المَلائِكَةِ، فَسَمِعَهُ مِنهم فَقالَ ما قالَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ عَقْلًا حَيْثُ عَرَفَ بِبَعْضِ الأماراتِ، أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِن طُرُقِ المَعْرِفَةِ أنَّ أفْرادَ هَذا الجِنْسِ لا تَخْلُو مِن وُقُوعِ ظُلْمِ بَيْنَها، وأنَّ الدّارَ لَيْسَتْ دارَ قَرارٍ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فِيها، وأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي الجَزاءَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّ السّائِلَ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهم أزَلًا لا إنْشاءً، لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ، قَدْ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِنهُمْ، لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ، فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ، أيْ إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ، ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ الَّذِي قَدَّرْتُهُ وعَيَّنْتُهُ لِفَناءِ الخَلائِقِ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى، لا إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي هو المَسْؤُولُ، فالفاءُ لَيْسَتْ لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ، بَلْ لِرَبْطِ الإخْبارِ المُؤَكَّدِ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ ، وقَوْلِ الشّافِعِيِّ: فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذَلِكَ أهْلُ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ قَسَمٌ بِسُلْطانِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقَهْرِهِ، وهو كَما يَكُونُ بِالذّاتِ يَكُونُ بِالصِّفَةِ، فالباءُ لِلْقَسَمِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى الإنْظارِ، أيْ فَأُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ، ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ أيْ أفْرادَ هَذا النَّوْعِ بِتَزْيِينِ المَعاصِي لَهُمْ، ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، وعَصَمَهم عَنِ الغَوايَةِ.
وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا قُلُوبَهُمْ، أوْ أعْمالَهم لِلَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَإ، ونَصْبِ الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ، أيْ لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ فالحَقُّ قَسَمِي، ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ ﴾ عَلى أنَّ الحَقَّ إمّا اسْمُهُ تَعالى، أوْ نَقِيضُ الباطِلِ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى بِإقْسامِهِ بِهِ، ورَجَحَ بِحَدِيثِ إعادَةِ الِاسْمِ مَعْرِفَةً أوْ فَأنا الحَقُّ، أوْ فَقَوْلِي الحَقُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ إلَخْ، حِينَئِذٍ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ واللَّهِ لَأمْلَأنَّ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والحَقَّ أقُولُ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِراضٍ مُقَرِّرٍ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ أعْنِي فَقَوْلِي الحَقُّ.
وقَوْلُ: ﴿ فالحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فالحَقَّ، والحَقَّ“ بِنَصْبِهِما، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الثّانِيَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ كَما تَقَدَّمَ، والأوَّلَ مُقْسَمٌ بِهِ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ القَسَمِ، فانْتَصَبَ كَما في بَيْتِ الكِتابِ: إنَّ عَلَيْكَ اللَّهَ أنْ تُبايِعا تُؤْخَذُ كَرْهًا أوْ تَجِيءُ طائِعا وقَوْلِكَ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ ﴿ لأمْلأنَّ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ فالزَمُوا الحَقَّ، ”ولأملأن“ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآتِيَنَّكَ، ووُجُودُ ألْ، وطَرْحُها سَواءٌ، أيْ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا، فَهو عِنْدَهُ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدانِ جُمُودًا مَحْضًا.
وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا، ويَكُونَ ظاهِرًا نَحْوَ: زَيْدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اهـ، فَكَأنَّ الفَرّاءَ لا يَشْتَرِطُ في ذَلِكَ ما يَشْتَرِطُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ بِالرَّفْعِ فِيهِما، وخُرِّجَ رَفْعُ الأوَّلِ عَلى ما مَرَّ، ورَفْعُ الثّانِي عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ أقُولُهُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (وكُلٌّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى)، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ بِرَفْعِ كُلٍّ لِيَتَأتّى السَّلْبُ الكُلِّيُّ المَقْصُودُ لِلشّاعِرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ بِجَرِّهِما، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، أيْ فَوالحَقِّ، والثّانِي مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و ﴿ أقُولُ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا، (لِأقُولُ)، والجَرُّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ قالَ: ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، وإفادَتُهُ ذَلِكَ زِيادَةٌ عَلى ما يُفِيدُهُ أصْلُ الِاعْتِراضِ، لِأنَّ العُدُولَ عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنَ الإعْرابِ إلى الحِكايَةِ، لَمّا كانَ لِاسْتِبْقاءِ الصُّورَةِ الأُولى دَلَّ عَلى أنَّها مِنَ العِنايَةِ في شَأْنِها بِمَكانٍ، وهَذا جارٍ في كُلِّ حِكايَةٍ مِن دُونِ فِعْلِ قَوْلٍ، وما يَقُومُ مَقامَهُ فَيَدُلُّ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى فَضْلِ عِنايَةٍ بِشَأْنِ القَسَمِ، ويُفِيدُ التَّشْدِيدَ والتَّوْكِيدَ.
وقُرِئَ بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ﴿ مِنكَ ﴾ أيْ مِن جِنْسِكَ مِنَ الشَّياطِينِ، ﴿ ومِمَّنْ تَبِعَكَ ﴾ في الغَوايَةِ والضَّلالَةِ ﴿ مِنهُمْ ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في ﴿ مِنكَ ﴾ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِنَ الثّانِيَةِ، والمَعْنى: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ، والتّابِعِينَ أجْمَعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا، أوْ تَوْكِيدٌ لِلتّابِعِينَ فَحَسْبُ، والمَعْنى: لَأمْلَأنَّها مِنَ الشَّياطِينِ، ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ، بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وتَأْكِيدُ التّابِعِينَ دُونَ المَتْبُوعِينَ لِما أنَّ حالَ التّابِعِينَ إذا بَلَغَ إلى أنِ اتَّصَلَ إلى أوْلادِ الأنْبِياءِ فَما بالُ المَتْبُوعِينَ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: صاحِبُ هَذا القَوْلِ اعْتَبَرَ القُرْبَ، وأنَّ الكَلامَ بَيْنَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ وبَيْنَ المَلْعُونِ في شَأْنِ التّابِعِينَ، فَأكَّدَ ما هو المَقْصُودُ، وتَرَكَ تَوْكِيدَ الآخَرِ لِلِاكْتِفاءِ.
هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ ذُكِرَتْ في عِدَّةِ سُوَرٍ، وقَدْ تُرِكَ في بَعْضِها بَعْضُ ما ذُكِرَ في البَعْضِ الآخَرِ لِلْإيجازِ ثِقَةَ ما ذُكِرَ في ذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ فِيها في مَوْضِعَيْنِ مَثَلًا لَفْظانِ مُتَّحِدانِ مَآلًا مُخْتَلِفانِ لَفْظًا رِعايَةً لِلتَّفَنُّنِ، وقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلافُ عَلى تَعَدُّدِ الصُّدُورِ، فَيُقالُ مَثَلًا: إنَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ مَرَّةً بِالعِزَّةِ، فَحَكى ذَلِكَ في سُورَةِ (ص) بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ وأُخْرى بِإغْواءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أثَرٌ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وحُكْمٌ مِن أحْكامِ سُلْطانِهِ، فَحَكى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ وقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلافُ عَلى اخْتِلافِ المَقاماتِ كَتَرْكِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ في الأعْرافِ مَعَ ذِكْرِها فِيهِما في (ص)، والَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ، ونَفْسُ مَدْلُولِهِ الَّذِي يُفِيدُهُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ إفادَتِهِ لَهُ فَلَيْسَ مِمّا يَجِبُ مُراعاتُهُ عِنْدَ النَّقْلِ البَتَّةَ، بَلْ قَدْ تُراعى، وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ اقْتِضاءِ المَقامِ، ولا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها، بَلْ قَدْ تُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ وخُصُوصِيّاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا حَيْثُ إنَّ مَقامَ الحِكايَةِ اقْتَضَتْها، وهي مِلاكُ الأمْرِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِ المَنقُولِ أصْلَ المَعْنى، كَما قَدْ حَقَّقَهُ صَدْرُ المُفْتِينَ أبُو السُّعُودِ، وأطالَ الكَلامَ فِيهِ، فَلْيُراجَعْ، <div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ ما يُوحى إلَيَّ، أوْ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما قِيلَ، ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ أجْرًا دُنْيَوِيًّا، جَلَّ أوْ قَلَّ، ﴿ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ، ويَتَحَلَّوْنَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ وما عَرَفْتُمُونِي قَطُّ مُتَصَنِّعًا، ولا مُدَّعِيًا ما لَيْسَ عِنْدِي حَتّى أنْتَحِلَ النُّبُوَّةَ وأتَقَوَّلَ القُرْآنَ، فَأمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم عَنْ نَفْسِهِ هَذِهِ المَقالَةَ لَيْسَ لِإعْلامِهِمْ بِالمَضْمُونِ، بَلْ لِلِاسْتِشْهادِ بِما عَرَفُوهُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِلتَّذْكِيرِ بِما عَلِمُوهُ، وفي ذَلِكَ ذَمُّ التَّكَلُّفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ألا أُنَبِّئُكم بِأهْلِ الجَنَّةِ؟
قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هُمُ الرُّحَماءُ بَيْنَهُمْ، قالَ: ألا أُنَبِّئُكم بِأهْلِ النّارِ؟
قُلْنا: بَلى، قالَ: هُمُ الآيِسُونَ القانِطُونَ الكَذّابُونَ المُتَكَلِّفُونَ“».
وعَلامَةُ المُتَكَلِّفِ كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ ثَلاثٌ: أنْ يُنازِلَ مَن فَوْقَهُ، ويَتَعاطى ما لا يَنالُ، ويَقُولَ ما لا يَعْلَمُ، وفي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: أيُّها النّاسُ، مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ : ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ ما هو أيِ القُرْآنُ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ جَلِيلُ الشَّأْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ ، لِلثَّقَلَيْنِ كافَّةً، ﴿ ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ ﴾ أيْ ما أنْبَأ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِهِما، أوْ خَبَرَهُ الَّذِي يُقالُ فِيهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وهو أنَّهُ الحَقُّ والصِّدْقُ، ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: بَعْدَ المَوْتِ، وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ، عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَبَرُ اليَقِينُ، وفُسِّرَ نَبَؤُهُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ الكائِنَيْنِ في الدُّنْيا، والمُرادُ: لَتَعْلَمُنَّ ذَلِكَ بِتَحَقُّقِهِ إذا أخَذَتْكم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وأشارَ إلى هَذا السُّدِّيُّ، وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى.
* * * هَذا، (ومِمّا قالَهُ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ في بَعْضِ الآياتِ) قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ ﴾ ﴿ والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ ﴾ أنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الجَمادَ والحَيَوانَ الَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ الحِجابِ غَيْرُ ناطِقٍ حَيٌّ دَرّاكٌ لَهُ عِلْمٌ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ونَقَلَ الشَّعْرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلى الخَواصِّ قُدِّسَ سِرُّهُ القَوْلَ بِتَكْلِيفِ البَهائِمِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ المَحْجُوبُونَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ نَذِيرَها مِن ذَواتِها، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْها مِن جِنْسِها، وقالَ: ما سُمِّيَتْ بَهائِمَ إلّا لِكَوْنِ أمْرِ كَلامِها وأحْوالِها قَدْ أُبْهِمَ عَلى غالِبِ الخَلْقِ، لا لِأنَّ الأمْرَ مُبْهَمٌ عَلَيْها نَفْسِها.
وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُعامِلُ كُلَّ جَمادٍ في الوُجُودِ مُعامَلَةَ الحَيِّ، ويَقُولُ: إنَّهُ يَفْهَمُ الخِطابَ، ويَتَألَّمُ كَما يَتَألَّمُ الحَيَوانُ.
وقِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلى الظُّلْمِ وسائِرِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وإلى أنَّ الَّذِينَ تَزَكَّتْ أنْفُسُهم قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِينَ، ﴿ يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ ﴾ نَقَلَ الشَّعْرانِيُّ أنَّ خِلافَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَذا خِلافَةُ آدَمَ كانَتْ في عالَمِ الصُّوَرِ، وعالَمِ الأنْفُسِ المُدَبَّرَةِ لَها دُونَ العالَمِ النُّورانِيِّ، فَإنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن أهْلِهِ مَقامًا مَعْلُومًا عَيَّنَهُ لَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ، ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ طَوِيلٌ في الخِلافَةِ، ويُحْكى عَنْ بَعْضِ الزَّنادِقَةِ أنَّ الخَلِيفَةَ لا يُكْتَبُ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، ولا هو داخِلٌ في رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ، لِأنَّ مَرْتَبَتَهُ مَرْتَبَةٌ مُسْتَخْلَفَةٌ، وهو كُفْرٌ صُراحٌ، وفَرَّقَ العُلَماءُ بَيْنَ الخَلِيفَةِ والمَلِكِ.
أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن طَرِيقِ العَوّامِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن قَوْمِي شَهِدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَألَ طَلْحَةَ، والزُّبَيْرَ، وكَعْبًا، وسَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما الخَلِيفَةُ مِنَ المَلِكِ؟
فَقالَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ: ما نَدْرِي، فَقالَ سَلْمانُ: الخَلِيفَةُ الَّذِي يَعْدِلُ في الرَّعِيَّةِ، ويَقْسِمُ بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، ويُشْفِقُ عَلَيْهِمْ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ، ويَقْضِي بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ كَعْبٌ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أحَدًا يَعْرِفُ الخَلِيفَةُ مِنَ المَلِكِ غَيْرِي، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِهَذِهِ الخِلافَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ الهَوى، وفي بَعْضِ الآثارِ: ما عُبِدَ إلَهٌ في الأرْضِ أبْغَضَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الهَوى، فَهو أعْظَمُ الأصْنامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ بِناءً عَلى المَشْهُورِ في القِصَّةِ إلى أنَّ كُلَّ مَحْبُوبٍ سِوى اللَّهِ تَعالى إذا حَجَبَكَ عَنِ اللَّهِ تَعالى لَحْظَةً يَلْزَمُكَ أنْ تُعالِجَهُ بِسَيْفِ نَفْيِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَدْ سَمِعْتُ اسْتِدْلالَ الشِّبْلِيِّ بِذَلِكَ عَلى تَخْرِيقِ ثِيابِهِ، وما قِيلَ فِيهِ قالَ: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ السُّؤالِ إلّا ما يُوجِبُ مَزِيدَ القُرْبِ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَيْسَ فِيهِ ما يُخِلُّ بِكَمالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلّا لَعُوتِبَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، ومِنهُ يُعْلَمُ كَذِبُ ما في الجَواهِرِ والدُّرَرِ نَقْلًا عَنِ الخَوّاصِ، قالَ: بَلَغَنا أنَّ النَّمْلَةَ الَّتِي كَلَّمَتْ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ أعْطِنِي الأمانَ وأنا أنْصَحُكَ بِشَيْءٍ ما أظُنُّكَ تَعْلَمُهُ، فَأعْطاها الأمانَ، فَأسَرَّتْ إلَيْهِ في أُذُنِهِ، وقالَتْ: إنِّي أشُمُّ مِن قَوْلِكَ: ﴿ وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ رائِحَةَ الحَسَدِ، فَتَغَيَّرَ سُلَيْمانُ، واغْبَرَّ لَوْنُهُ، ثُمَّ قالَتْ لَهُ: قَدْ تَرَكْتَ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ تَعالى مِن وُجُوهٍ، مِنها عَدَمُ خُرُوجِكَ مِن شُحِّ النَّفْسِ الَّذِي نَهاكَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى حَضْرَةِ الكَرَمِ الَّذِي أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ومِنها مُبالَغَتُكَ في السُّؤالِ بِأنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ العَطاءُ لِأحَدٍ مِن عَبِيدِ سَيِّدِكَ مِن بَعْدِكَ فَحَجَرْتَ عَلى الحَقِّ تَعالى بِأنْ لا يُعْطِيَ أحَدًا بَعْدَ مَوْتِكَ ما أعْطاهُ كُلَّ ذَلِكَ لِمُبالَغَتِكَ في شِدَّةِ الحِرْصِ، ومِنها طَلَبُكَ أنْ يَكُونَ مُلْكُ سَيِّدِكَ لَكَ وحْدَكَ تَقُولُ: هَبْ لِي، وغابَ عَنْكَ أنَّكَ عَبْدٌ لَهُ، لا يَصِحُّ أنْ تَمْلِكَ مَعَهُ شَيْئًا مَعَ أنَّ فَرَحَكَ بِالعَطاءِ لا يَكُونُ إلّا مَعَ شُهُودِ مُلْكِكَ لَهُ، وكَفى بِذَلِكَ جَهْلًا، ثُمَّ قالَتْ لَهُ: يا سُلَيْمانُ، وماذا مُلْكُكَ الَّذِي سَألْتَهُ أنْ يُعْطِيَكَهُ؟
فَقالَ: خاتَمِي، قالَتْ: أُفٍّ لِمُلْكٍ يَحْوِيهِ خاتَمٌ، انْتَهى، ويَدُلُّ عَلى كَذِبِ ما بَلَغَهُ وُجُوهٌ أيْضًا لا تَخْفى عَلى الخَواصِّ، والعَجَبُ مِن أنَّها خَفِيَتْ عَلى الخَوّاصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ يُشِيرُ إلى فَضْلِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ أكْمَلُ المَظاهِرِ، واليَدانِ عِنْدَهم إشارَةٌ إلى صِفَتَيِ اللُّطْفِ والقَهْرِ، وكُلُّ الصِّفاتِ تَرْجِعُ إلَيْهِما، ولا شَكَّ عِنْدَنا في أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وذَكَرَ الشَّعْرانِيُّ أنَّهُ سَألَ الخَوّاصَ عَنْ مَسْألَةِ التَّفْضِيلِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، فَقالَ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ أنَّ التَّفاضُلَ إنَّما يَصِحُّ بَيْنَ الأجْناسِ المُشْتَرِكَةِ، كَما يُقالُ: أفْضَلُ الجَواهِرِ الياقُوتُ، وأفْضَلُ الثِّيابِ الحُلَّةُ، وأمّا إذا اخْتَلَفَتِ الأجْناسُ فَلا تَفاضُلَ، فَلا يُقالُ: أيُّهُما أفْضَلُ الياقُوتُ أمِ الحُلَّةُ؟
ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ الأرْواحَ جَمِيعَها لا يَصِحُّ فِيها تَفاضَلٌ، إلّا بِطَرِيقِ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَمَن أخْبَرَهُ الحَقُّ تَعالى بِذَلِكَ، فَهو الَّذِي حَصَلَ لَهُ العِلْمُ التّامُّ، وقَدْ تَنَوَّعَتِ الأرْواحُ إلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ.
أرْواحٍ تُدَبِّرُ أجْسادًا نُورِيَّةً، وهُمُ المَلَأُ الأعْلى.
وأرْواحٌ تُدَبِّرُ أجْسادًا نارِيَّةً، وهُمُ الجِنُّ، وأرْواحٌ تُدَبِّرُ أجْسادًا تُرابِيَّةً، وهُمُ البَشَرُ، فالأرْواحُ جَمِيعُها مَلائِكَةٌ حَقِيقَةٌ واحِدَةٌ، وجِنْسٌ واحِدٌ، فَمَن فاضَلَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ إلَهِيٍّ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ تَحْقِيقٌ، فَإنّا لَوْ نَظَرْنا التَّفاضُلَ مِن حَيْثُ النَّشْأةُ مُطْلَقًا، قالَ العَقْلُ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ، ولَوْ نَظَرْنا إلى كَمالِ النَّشْأةِ، وجَمْعِيَّتِها حَكَمْنا بِتَفْضِيلِ البَشَرِ، ومِن أيْنَ لَنا رُكُونٌ إلى تَرْجِيحِ جانِبٍ عَلى آخَرَ، مَعَ أنَّ المَلَكَ جُزْءٌ مِنَ الإنْسانِ مِن حَيْثُ رُوحُهُ، لِأنَّ الأرْواحَ مَلائِكَةٌ، فالكُلُّ مِنَ الجُزْءِ، والجُزْءُ مِنَ الكُلِّ، ولا يُقالُ: أيُّهُما أفْضَلُ جُزْءُ الإنْسانِ أوْ كُلُّهُ؟
فافْهَمِ، انْتَهى، والكَلامُ في أمْرِ التَّفْضِيلِ طَوِيلٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الكَلامِ، ثُمَّ إنَّ حَظَّ العارِفِ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الجَلِيلَةِ لا يَخْفى إلّا عَلى ذَوِي الأبْصارِ الكَلِيلَةِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِفَهْمِ كِتابِهِ، بِحُرْمَةِ سَيِّدِ أنْبِيائِهِ وأحْبابِهِ ، وشَرَّفَ، وعَظَّمَ، وكَرَّمَ.