الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الشورى
تفسيرُ سورةِ الشورى كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 272 دقيقة قراءةسُورَةُ ( اَلشُّورى ) وتُسَمّى سُورَةَ (حم عسق، وعسق) نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وابْنِ اَلزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ وأطْلَقَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْقَوْلَ بِمَكِّيَّتِها مِن غَيْرِ اِسْتِثْناءٍ، وفي اَلْبَحْرِ هي مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ إلى آخِرِ أرْبَعِ آياتٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَّنِيٌّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ ﴾ إلى ﴿ الصُّدُورِ ﴾ واسْتَثْنى بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَرى ﴾ إلَخْ، قالَ اَلْجَلالُ اَلسُّيُوطِيُّ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ اَلطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ في سَبَبِ نُزُولِها فَإنَّها نَزَلَتْ في اَلْأنْصارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ ﴾ إلَخْ فَإنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ اَلصُّفَّةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، واسْتَثْنى أيْضًا ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ حَكاهُ اِبْنُ اَلْفُرْسِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى ما يَدُلُّ عَلى اِسْتِثْناءِ غَيْرِ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ اَلرِّواياتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْإطْلاقُ بِاعْتِبارِ اَلْأغْلَبِ وعَدَدُ آياتِها ثَلاثٌ وخَمْسُونَ في اَلْكُوفِيِّ وخَمْسُونَ فِيما عَداهُ والخِلافُ في حم عسق وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كالأعْلامِ ﴾ كَما فَصَّلَهُ اَلدّانِي وغَيْرُهُ، ومُناسِبَةُ أوَّلِها لِآخِرِ اَلسُّورَةِ قَبْلَها اِشْتِمالُ كُلٍّ عَلى ذِكْرِ اَلْقُرْآنِ وذَبِّ طَعْنِ اَلْكَفَرَةِ فِيهِ وتَسْلِيَةِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
" بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿ حم ﴾ ﴿ عسق ﴾ لَعَلَّهُما اِسْمانِ لِلسُّورَةِ وأُيِّدَ بَعْدَهُما آيَتَيْنِ والفَصْلُ بَيْنَهُما في اَلْخَطِّ وبِوُرُودِ تَسْمِيَتِها (عسق) مِن غَيْرِ ذِكْرِ (حم)، وقِيلَ: هُما اِسْمٌ واحِدٌ وآيَةٌ واحِدَةٌ وحَقُّهُ أنْ يُرْسَمَ مُتَّصِلًا كَما في (كهيعص) لَكِنَّهُ فَصَّلَ لِيَكُونَ مُفْتَتَحَ اَلسُّورَةِ عَلى طَرْزِ مُفْتَتَحِ أخَواتِها حَيْثُ رُسِمَ في كُلٍّ مُسْتَقِلّا وعَلى اَلْأوَّلِ هُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وقِيلَ: (حم) مُبْتَدَأٌ و(عسق) خَبَرُهُ وعَلى اَلثّانِي اَلْكُلُّ خَبَرٌ واحِدٌ، وقِيلَ: إنَّ (حم عسق) إشارَةٌ إلى هَلاكِ مَدِينَتَيْنِ تُبْنَيانِ عَلى نَهْرٍ مِن أنْهارِ اَلْمَشْرِقِ يَشُقُّ اَلنَّهْرُ بَيْنَهُما يَجْتَمِعُ فِيهِما كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ يَبْعَثُ اَللَّهُ تَعالى عَلى إحْداهُما نارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْداءَ مُظْلِمَةً قَدِ اِحْتَرَقَتْ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكانَها ويَخْسِفُ بِالأُخْرى في اَللَّيْلَةِ اَلْأُخْرى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ، وقِيلَ: إنْ (حم) اِسْمٌ مِن أسْماءِ اَللَّهِ تَعالى و(عَيْنٌ) إشارَةٌ إلى عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ و(سِينٌ) إشارَةً إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ و(قافٌ) إلى قارِعَةٍ مِنَ اَلسَّماءِ تُصِيبُ اَلنّاسَ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ، واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى اَلظَّنِّ عَدَمُ ثُبُوتِ شَيْءٍ مِنَ اَلرِّوايَتَيْنِ.
وفِي اَلْبَحْرِ ذَكَرَ اَلْمُفَسِّرُونَ في (حم عسق) أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصْلُحُ مِنها شَيْءٌ ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا قَدِ اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ومِنهم مَنِ اِخْتارَ أنَّها مُقَطَّعاتٌ جِيءَ بِها لِلْإيقاظِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ (حم سق) بِلا عَيْنٍ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَضْمُونَ اَلسُّورَةِ مُوافِقٌ لِما في تَضاعُفِ اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ عَلى سائِرِ اَلرُّسُلِ اَلْمُتَقَدِّمِينَ في اَلدَّعْوَةِ إلى اَلتَّوْحِيدِ والإرْشادِ إلى اَلْحَقِّ أوْ أنَّ إيحاءَها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِذِكْرِ اِسْمِها والتَّنْبِيهِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِها، والكافُ مَفْعُولُ (يُوحِي) عَلى اَلْأوَّلِ أيْ يُوحِي مِثْلَ ما في هَذِهِ اَلسُّورَةِ مِنَ اَلْمَعانِي أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ عَلى اَلثّانِي أيْ يُوحِي إيحاءً مِثْلَ إيحائِها إلَيْكَ وإلى اَلرُّسُلِ أيْ بِواسِطَةِ اَلْمَلَكِ، وهي في اَلْوَجْهَيْنِ اِسْمٌ كَما هو مَذْهَبُ اَلْأخْفَشِ وإنْ شِئْتَ فاعْتَبِرْها حَرْفًا واعْتَبِرِ اَلْجارَّ والمَجْرُورَ مَفْعُولًا أوْ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا، وقَوْلُ اَلْعَلّامَةِ اَلثّانِي في اَلتَّلْوِيحِ: إنَّ جارَ اَللَّهِ لا يَجُوزُ اَلِابْتِداءُ بِالفِعْلِ ويُقَدَّرُ اَلْمُبْتَدَأُ في جَمِيعِ ما يَقَعُ فِيهِ اَلْفِعْلُ اِبْتِداءً كَلامٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وقَدْ تَرَدَّدُوا فِيهِ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وجْهٌ.
وجَوَّزَ أبُو اَلْبَقاءِ كَوْنَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُبْتَدَأً و”يُوحِي“ اَلْخَبَرُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ يُوحِيهِ إلَيْكَ إلَخْ وحَذْفُ مِثْلِهِ شائِعٌ في اَلْفَصِيحِ، نَعَمْ هَذا اَلْوَجْهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ، والإشارَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ إلى ما في اَلسُّورَةِ أوْ إلى إيحائِها، والدَّلالَةُ عَلى اَلْبُعْدِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ اَلْمُشارِ إلَيْهِ في اَلْفَضْلِ، وصِيغَةُ اَلْمُضارِعِ عَلى حِكايَةِ اَلْحالِ اَلْماضِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِمْرارِهِ في اَلْأزْمِنَةِ اَلْماضِيَةِ وأنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّها عَلى اَلتَّغَلُّبِ فَإنَّ اَلْوَحْيَ إلى مَن مَضى مَضى وإلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْضُهُ ماضٍ وبَعْضُهُ مُسْتَقْبَلٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عَلى ظاهِرِها ويُضْمَرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ”إلى اَلَّذِينَ“ أيْ وأُوحِيَ إلى اَلَّذِينَ وهو كَما تَرى، وفي جَعْلِ مَضْمُونِ اَلسُّورَةِ أوْ إيحائِها مُشَبَّهًا بِهِ مِن تَفْخِيمِها ما لا يَخْفى.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعَيّاشٌ ومَحْبُوبٌ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُبْتَدَأٌ و(يُوحى) خَبَرُهُ اَلْمُسْنَدُ إلى ضَمِيرِهِ أوْ مَصْدَرٌ و(يُوحى) مُسْنَدٌ إلى (إلَيْكَ) و(اَللَّهُ) مُرْتَفِعٌ عِنْدَ اَلسَّكّاكِيِّ عَلى اَلْفاعِلِيَّةِ لِيُوحى اَلْواقِعِ في جَوابِ مَن يُوحِي؟
نَحْوُ ما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: (يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ) عَلى قِراءَةِ (يُسَبَّحُ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُهُ: لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ اَلطَّوائِحُ وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: رافِعُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ (يُوحى) كَأنَّ قائِلًا قالَ: مَنِ اَلْمُوحِي؟
فَقِيلَ: اَللَّهُ وإنَّما قُدِّرَ كَذَلِكَ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اَلْإيحاءَ مُسَلَّمٌ مَعْلُومٌ وإنَّما اَلْغَرَضُ مِنَ اَلْإخْبارِ إثْباتُ اِتِّصافِهِ بِأنَّهُ تَعالى مِن شَأْنِهِ اَلْوَحْيُ لا إثْباتُ أنَّهُ مُوحٍ، ولَمْ يَرْتَضِ اَلْقَوْلَ بِعَدَمِ اَلْفَرْقِ بَيْنَ هَذا وقَوْلِهِ تَعالى: (يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ) بَلْ أوْجَبَ اَلْفَرْقَ لِأنَّ اَلْفِعْلَ اَلْمُضارِعَ هُنالِكَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ ولَهم فِيهِ مَقالٌ.
و ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ صِفَتانِ لَهُ تَعالى عِنْدَ اَلشَّيْخَيْنِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ وقِيلَ: ﴿ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ إلى آخِرِ اَلسُّورَةِ قائِمٌ مُقامَ فاعِلِ (يُوحِي) أيْ هَذِهِ اَلْكَلِماتُ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ.
وأبانٌ (نُوحِي) بِنُونِ اَلْعَظَمَةِ فاَللَّهُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ أوِ ﴿ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ صِفَتانِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ ﴾ خَبَرٌ لَهُ، وعَلى اَلْأوْجُهِ اَلسّابِقَةِ اِسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِعِزَّتِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ <div class="verse-tafsir"
﴿ تَكادُ السَّماواتُ ﴾ وقُرِئَ (يَكادُ) بِالياءِ ﴿ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ يَتَشَقَّقُنَّ مِن عَظَمَةِ اَللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ: وأخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَكادُ اَلسَّمَواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ اَلثِّقَلِ، وقِيلَ: مِن دُعاءِ اَلشَّرِيكِ والوَلَدِ لَهُ سُبْحانَهُ كَما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأُيِّدَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ فَإيرادُ اَلْغَفُورِ اَلرَّحِيمِ بَعْدَ لِأنَّهُمُ اِسْتَوْجَبُوا بِهَذِهِ اَلْمَقالَةِ صَبَّ اَلْعَذابِ عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ صُرِفَ عَنْهم لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والآيَةُ عَلَيْهِ وارِدَةٌ لِلتَّنْزِيهِ بَعْدَ إثْباتِ اَلْمالِكِيَّةِ والعَظَمَةِ، والأوَّلُ أوْلى في هَذا اَلْمَقامِ لِأنَّ اَلْكَلامَ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَظَمَتِهِ تَعالى وعُلُوِّهِ جَلَّ جَلالُهُ ويُؤَيِّدُهُ تَرْكُ اَلْعاطِفِ، ويَلِيهِ ما رُوِيَ عَنِ اَلْحَبْرِ فَإنَّ اَلْآيَةَ وإنْ تَضَمَّنَتْ عَلَيْهِ اَلْغَرَضَ اَلْمَسُوقَ لَهُ اَلْكَلامُ لَكِنَّ دَلالَتَها عَلَيْهِ بِناءً عَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ أظْهَرُ.
وقَرَأ اَلْبَصْرِيّانِ.
وأبُو بَكْرٍ (يَنْفَطِرْنَ) بِالنُّونِ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ اَلْمُطاوِعَ والمُطاوِعَ مِنَ اَلتَّفْعِيلِ والتَّفَعُّلِ اَلْمَوْضُوعِ لِلْمُبالَغَةِ بِخِلافِ اَلثّانِي فَإنَّهُ اِنْفِعالٌ مُطاوِعٌ لِلثُّلاثِيِّ، ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ ونُونٍ في آخِرِهِ عَلى ما في اَلْكَشّافِ، و(تَنْفَطِرْنَ) بِتاءٍ واحِدَةٍ ونُونٍ عَلى ما في اَلْبَحْرِ عَنِ اِبْنِ خالَوَيْهِ وهو عَلى اَلرِّوايَتَيْنِ شاذٌّ عَنِ اَلْقِياسِ والِاسْتِعْمالِ لِأنَّ اَلْعَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ اَلتَّأْنِيثِ فَلا تَقُولُ اَلنِّساءُ تُقِمْنَ ولا اَلْوالِداتُ تُرْضِعْنَ، والوَجْهُ فِيهِ تَأْكِيدُ اَلتَّأْنِيثِ كَتَأْكِيدِ اَلْخِطابِ في أرَأيْتَكَ ومَثَلِهِ ما رَواهُ أبُو عُمَرَ اَلزّاهِدُ في نَوادِرِ اِبْنِ اَلْأعْرابِيِّ اَلْإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ.
﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أيْ يُبْتَدَأُ اَلتَّفَطُّرُ مِن جِهَتِهِنَّ اَلْفَوْقانِيَّةِ، وتَخْصِيصُها عَلى اَلْأوَّلِ في سَبَبِ اَلتَّفَطُّرِ لِما أنَّ أعْظَمَ اَلْآياتِ وأدُلَّها عَلى اَلْعَظَمَةِ والجَلالِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ والمَلائِكَةِ مِن تِلْكَ اَلْجِهَةِ ولِذا كانَتْ قِبْلَةَ اَلدُّعاءِ، وعَلى اَلثّالِثِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّفَطُّرِ مِن تَحْتِهِنَّ بِالطَّرِيقِ اَلْأُولى لِأنَّ تِلْكَ اَلْكَلِمَةَ اَلشَّنْعاءَ اَلْواقِعَةَ في اَلْأرْضِ حِينَ أثَّرَتْ مِن جِهَةِ اَلْفَوْقِ فَلِأنْ تُؤَثِّرَ مِن جِهَةِ اَلتَّحْتِ أوْلى، وكَذا عَلى اَلثّانِي لِأنَّ اَلْعادَةَ تَفَطُّرُ سَطْحِ اَلْبَيْتِ مَثَلًا مِن جِهَةِ اَلتَّحْتانِيَّةِ بِحُصُولِ ثِقَلٍ عَلَيْهِ، وقِيلَ: اَلضَّمِيرُ لِلْأرْضِ أيْ لِجِنْسِها فَيَشْمَلُ اَلسَّبْعَ ولِذا جَمَعَ اَلضَّمِيرَ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ اَلْأخْفَشُ: اَلضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ والمُرادُ مِن فَوْقِ اَلْفِرَقِ والجَماعاتِ اَلْمُلْحِدَةِ، وبِهَذا اَلِاعْتِبارِ أنَّثَ اَلضَّمِيرَ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اَلتَّفَطُّرَ مِن أجْلِ أقْوالِ هاتِيكَ اَلْجَماعاتِ، وفِيهِ ما فِيهِ.
﴿ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ يُنَزِّهُونَهُ سُبْحانَهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ جَلالُهُ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: يُصَلُّونَ والظّاهِرُ اَلْعُمُومُ في اَلْمَلائِكَةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: اَلْمُرادُ بِهِمْ حَمَلَةُ اَلْعَرْشِ ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ بِالسَّعْيِ فِيما يَسْتَدْعِي مُغْفِرَتَهم مِنَ اَلشَّفاعَةِ والإلْهامِ وتَرْتِيبِ اَلْأُمُورِ اَلْمُقَرِّبَةِ إلى اَلطّاعَةِ كالمُعاوَنَةِ في بَعْضِ أُمُورِ اَلْمَعاشِ ودَفْعِ اَلْعَوائِقِ واسْتِدْعاءِ تَأْخِيرِ اَلْعُقُوبَةِ طَمَعًا في إيمانِ اَلْكافِرِ وتَوْبَةِ اَلْفاسِقِ وهَذا يَعُمُّ اَلْمُؤْمِنَ والكافِرَ بَلْ لَوْ فُسِّرَ اَلِاسْتِغْفارُ بِالسَّعْيِ فِيما يَدْفَعُ اَلْخَلَلَ اَلْمُتَوَقَّعَ عَمَّ اَلْحَيَوانَ بَلِ اَلْجَمادَ، وهو فِيما ذُكِرَ مَجازٌ مُرْسَلٌ واسْتِعارَةٌ.
وقالَ اَلسُّدِّيُّ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِمَن في اَلْأرْضِ اَلْمُؤْمِنُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ والمُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ عَلَيْهِ حَقِيقَتَهُ، وقِيلَ: اَلشَّفاعَةُ.
﴿ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ إلّا ولَهُ حَظٌّ عَظِيمٌ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وإنَّهُ سُبْحانَهُ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى قَبُولِ اِسْتِغْفارِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يَزِيدُهم عَلى ما طَلَبُوهُ مِنَ اَلْمَغْفِرَةِ رَحْمَةً، والآيَةُ عَلى كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ لِبَيانِ عَظَمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ومُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ تَسْبِيحَ اَلْمَلائِكَةِ وتَنْزِيهَهم لَهُ تَعالى لِمَزِيدِ عَظَمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَظِيمِ جَلالِهِ جَلَّ وعَلا والِاسْتِغْفارُ لِغَيْرِهِمْ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ مِن سَطْوَةِ جَبَرُوتِهِ عَزَّ وجَلَّ والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ عَلى هَذا ظاهِرٌ، وعَلى كَوْنِ تَفَطُّرِ اَلسَّمَواتِ لِنِسْبَةِ اَلْوَلَدِ والشَّرِيكِ بَيانٌ لِكَمالِ قُدْسِهِ تَعالى عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ تَسْبِيحُهم عَمّا يَقُولُهُ اَلْكَفَرَةُ واسْتِغْفارُهم لِلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ تَبَرَّأُوا عَمّا صَدَرَ مِن هَؤُلاءِ والتَّذْيِيلُ لِلْإشارَةِ إلى سَبَبِ تَرْكِ مُعاجَلَةِ اَلْعَذابِ مَعَ اِسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ وعَمَّمَ بَعْضَ اَلْمُسْتَغْفَرِ لَهم وأدْخَلَ اِسْتِغْفارَ اَلْمَلائِكَةِ في سَبَبِ تَرْكِ اَلْمُعاجَلَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ شُرَكاءَ وأنْدادًا ﴿ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ رَقِيبٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ بِها ﴿ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أيْ بِمُوكَلٍ بِهِمْ أوْ بِمَوْكُولٍ إلَيْكَ أمْرُهم وإنَّما وظِيفَتُكَ اَلْبَلاغُ والإنْذارُ فَوَكِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ اَلْمَزِيدِ أوِ اَلثُّلاثِيِّ، وما في هَذِهِ اَلْآيَةِ مِنَ اَلْمُوادَعَةِ عَلى ما في اَلْبَحْرِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ اَلسَّيْفِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ ﴿ أوْحَيْنا ﴾ ومَحَلُّ اَلْكافِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْأخْفَشُ مِن وُرُودِها اِسْمًا اَلنَّصْبُ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ ﴿ وقُرْآنًا ﴾ مَفْعُولٌ لَأوْحَيْنا أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ اَلْإيحاءِ اَلْبَدِيعِ اَلْبَيِّنِ اَلْمُفْهِمِ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ ولا عَلى قَوْمِكَ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ﴿ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ فالكافُ مَفْعُولٌ لَأوْحَيْنا و”قُرْآنًا عَرَبِيًّا“ حالٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ بِهِ أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ، وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى اَلْمَدْحِ أوِ اَلْبَدَلِيَّةِ مِن كَذَلِكَ، وقِيلَ: أوْلى مِن هَذا أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَعْنى اَلْآيَةِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ مِن أنَّهُ تَعالى هو اَلْحَفِيظُ عَلَيْهِمْ وأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ فَحَسْبُ لِأنَّهُ أتَمُّ فائِدَةً وأشْمَلُ عائِدَةً ولا بُدَّ عَلَيْهِ مِنَ اَلتَّجَوُّزِ في قُرْآنًا عَرَبِيًّا إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ أوْحَيْنا ذَلِكَ اَلْمَعْنى وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لِأنَّ اَلْقُرْآنِيَّةَ والعَرَبِيَّةَ صِفَةُ اَللَّفْظِ لا اَلْمَعْنى لَكِنَّ أمْرَهُ سَهْلٌ لِقُرْبِهِ مِنَ اَلْحَقِيقَةِ لِما بَيْنَ اَللَّفْظِ والمَعْنى مِنَ اَلْمُلابَسَةِ اَلْقَوِيَّةِ حَتّى يُوصَفَ أحَدُهُما بِما يُوصَفُ بِهِ اَلْآخَرُ مَعَ ما في اَلْمَجازِ في اَلْبَلاغَةِ ﴿ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ أيْ أهْلَ أُمِّ اَلْقُرى عَلى اَلتَّجَوُّزِ في اَلنِّسْبَةِ أوْ بِتَقْدِيرِ اَلْمُضافِ والمُرادُ بِأُمِّ اَلْقُرى مَكَّةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلى ما قالَ اَلرّاغِبُ لِما رُوِيَ أنَّهُ دُحِيَتِ اَلدُّنْيا مِن تَحْتِها فَهي كالأصْلِ لَها والأُمُّ تُقالُ لِكُلِّ ما كانَ أصْلًا لِشَيْءٍ، وقَدْ يُقالُ هي أُمٌّ لِما حَوْلَها مِنَ اَلْقُرى لِأنَّها حَدَثَتْ قَبْلَها لا كُلِّ قُرى اَلدُّنْيا، وقَدْ يُقالُ لِبَلَدٍ: هي أُمُّ اَلْبِلادِ بِاعْتِبارِ اِحْتِياجِ أهالِي اَلْبِلادِ إلَيْها ﴿ ومَن حَوْلَها ﴾ مِنَ اَلْعَرَبِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ وخُصَّ اَلْمَذْكُورُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وهم أقْرَبُ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأوَّلُ مَن أنْذَرَ أوْ لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها لَهم طَمَعٌ في شَفاعَتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِحَقِّ اَلْقَرابَةِ والمُساكَنَةِ والجِوارِ فَخَصَّهم بِالإنْذارِ لِإزالَةِ ذَلِكَ اَلطَّمَعِ اَلْفارِغِ، وقِيلَ: (مَن حَوْلَها) جَمِيعُ أهْلِ اَلْأرْضِ واخْتارَهُ اَلْبَغَوِيُّ وكَذا اَلْقُشَيْرِيُّ وقالَ: لِأنَّ اَلْكَعْبَةَ سُرَّةُ اَلْأرْضِ والدُّنْيا مُحْدِقَةٌ بِما هي فِيهِ أعْنِي مَكَّةَ.
وهَذا عِنْدِي لا يَكادُ يَصِحُّ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ عَرْضَها كامٌّ وطُولَها عِزٌّ وإنَّ اَلْمَعْمُورَ في جانِبِ اَلشَّمالِ أكْثَرُ مِنهُ في جانِبِ اَلْجَنُوبِ ﴿ وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ ﴾ أيْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ اَلْخَلائِقُ قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ﴾ وقِيلَ: تُجْمَعُ فِيهِ اَلْأرْواحُ والأشْباحُ، وقِيلَ: اَلْأعْمالُ والعُمّالُ، والإنْذارُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ ثانِيهِما بِالباءِ وقَدْ حُذِفَ هاهُنا ثانِي مَفْعُولَيِ اَلْأوَّلِ وهو ﴿ يَوْمَ الجَمْعِ ﴾ والمُرادُ بِهِ عَذابُهُ وأوَّلُ مَفْعُولَيِ اَلثّانِي وهو ﴿ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها ﴾ فَقَدْ حُذِفَ مِنَ اَلْأوَّلِ ما أُثْبِتَ في اَلثّانِي ومِنَ اَلثّانِي ما أُثْبِتَ في اَلْأوَّلِ وذَلِكَ مِنَ اَلِاحْتِباكِ.
وقالَ جارُ اَللَّهِ: اَلْأوَّلُ عامٌّ في اَلْإنْذارِ بِأُمُورِ اَلدُّنْيا والآخِرَةِ ثُمَّ خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ زِيادَةً في اَلْإنْذارِ وبَيانًا لِعَظَمَةِ أهْوالِهِ لِأنَّ اَلْإفْرادَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ إيقاعُ اَلْإنْذارِ عَلَيْهِ ثانِيًا والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ حَذْفَ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي مِنَ اَلْأوَّلِ لِإفادَةِ اَلْعُمُومِ وإنْ كانَ حَذْفُ اَلْأوَّلِ مِنَ اَلثّانِي لِذَلِكَ أيْضًا وتُنْذِرَ كُلَّ أحَدٍ يَوْمَ اَلْجَمْعِ، وقِيلَ: يَوْمَ اَلْجَمْعِ ظَرْفٌ فَيَكُونُ اَلْمَفْعُولانِ مَحْذُوفَيْنِ وقُرِئَ (لِيُنْذِرَ) بِياءِ اَلْغَيْبَةِ عَلى أنَّ اَلْفاعِلَ ضَمِيرُ اَلْقُرْآنِ لِعَدَمِ حُسْنِ اَلِالتِفاتِ هَهُنا ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ اِعْتِراضٌ في آخِرِ اَلْكَلامِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ ويَحْتَمِلُ اَلْحالِيَّةَ مِن ﴿ يَوْمَ الجَمْعِ ﴾ أوِ اَلِاسْتِئْنافَ ﴿ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ ﴾ أيْ بَعْدَ جَمْعِهِمْ في اَلْمَوْقِفِ فَإنَّهم يُجْمَعُونَ فِيهِ أوَّلًا ثُمَّ يُفَرَّقُونَ بَعْدَ اَلْحِسابِ، (وفَرِيقٌ) مُبْتَدَأٌ (وفِي اَلْجَنَّةِ) صِفَتُهُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ وكَذا (فَرِيقٌ في اَلسَّعِيرِ) أيْ مِنهم فَرِيقٌ كائِنٌ في اَلْجَنَّةِ ومِنهم فَرِيقٌ كائِنٌ في اَلنّارِ، وضَمِيرُ مِنهم لِلْمَجْمُوعِينَ لِدَلالَةِ اَلْجَمْعِ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ اِسْتِئْنافٌ في جَوابِ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُمْ؟
أوْ حالٌ ولا رَكاكَةَ فِيهِ واشْتِراطُ اَلْواوِ فِيهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ فَرِيقٌ ﴾ فاعِلًا لِلظَّرْفِ اَلْمُقَدَّرِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وكَوْنُهُ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ اَلْمُقَدَّرُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَهُ وفي اَلْجَنَّةِ خَبَرُهُ أيْ ﴿ فَرِيقٌ ﴾ كائِنٌ مِنهم مُسْتَقِرٌّ في اَلْجَنَّةِ، وكَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ ظَرْفٌ مُقَدَّرٌ واقِعٌ صِفَةً، وساغَ اَلِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ لِأنَّها في سِياقِ اَلتَّفْصِيلِ والتَّقْسِيمِ كَما في قَوْلِهِ: فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرُّ وكَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ اَلْمَجْمُوعُونَ فَرِيقٌ إلَخْ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (فَرِيقًا وفَرِيقًا) بِنَصْبِهِما فَقِيلَ: هو عَلى اَلْحالِ مِن مُقَدَّرٍ أيِ اِفْتَرَقُوا أيِ اَلْمَجْمُوعُونَ فَرِيقًا وفَرِيقًا أوْ مِن ضَمِيرِ جَمْعِهِمُ اَلْمُقَدَّرِ لِأنَّ ألْ قامَتْ مَقامَهُ أيْ وتُنْذِرَ يَوْمَ جَمْعِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ وهو مِن مَجازِ اَلْمُشارَفَةِ أيْ مُشارِفِينَ لِلتَّفَرُّقِ أوِ اَلْحالُ مُقَدَّرَةٌ فَلا يَلْزَمُ كَوْنُ اِفْتِراقِهِمْ في حالِ اِجْتِماعِهِمْ أوْ يُقالُ إنَّ اِجْتِماعَهم في زَمانٍ واحِدٍ لا يُنافِي اِفْتِراقَ أمْكِنَتِهِمْ كَما تَقُولُ: صَلَّوْا في وقْتٍ واحِدٍ في مَساجِدَ مُتَفَرِّقَةٍ فالمُرادُ مُتَفَرِّقِينَ في دارَيِ اَلثَّوابِ والعِقابِ، وإذا أُرِيدَ بِالجَمْعِ جَمْعُ اَلْأرْواحِ بِالأشْباحِ أوِ اَلْأعْمالِ بِالعُمّالِ لا يَحْتاجُ إلى تَوْفِيقٍ أصْلًا، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلنَّصْبِ بِتُنْذِرَ اَلْمُقَدَّرِ أوِ اَلْمَذْكُورِ والمَعْنى تُنْذِرَ فَرِيقًا مِن أهْلِ اَلْجَنَّةِ وفَرِيقًا مِن أهْلِ اَلسَّعِيرِ لِأنَّ اَلْإنْذارَ لَيْسَ في اَلْجَنَّةِ والسَّعِيرِ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ جَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ﴿ لَجَعَلَهُمْ ﴾ أيْ في اَلدُّنْيا ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُهْتَدِينَ أوْ ضالِّينَ وهو تَفْصِيلٌ لِما أجْمَلَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: عَلى دِينٍ واحِدٍ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ ﴾ أنَّهُ تَعالى يُدْخِلُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ أنْ يُدْخِلَهُ فِيها ويُدْخِلُ مَن يَشاءُ في عَذابِهِ أنْ يُدْخِلَهُ فِيهِ ولا رَيْبَ في أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى لِكُلٍّ مِنَ اَلْإدْخالَيْنِ تابِعَةٌ لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنَ اَلْفَرِيقَيْنِ لِدُخُولِ ما أدْخَلَهُ ومِن ضَرُورَةِ اِخْتِلافِ اَلرَّحْمَةِ والعَذابِ اِخْتِلافُ حالِ اَلدّاخِلِينَ فِيهِما قَطْعًا فَلَمْ يَشَأْ جَعْلَ اَلْكُلِّ أُمَّةً واحِدَةً بَلْ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ وإنَّما قِيلَ ﴿ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ وكانَ اَلظّاهِرُ أنْ يُقالَ ويُدْخَلَ مَن يَشاءُ في عَذابِهِ ونِقْمَتِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اَلْإدْخالَ في اَلْعَذابِ مِن جِهَةِ اَلدّاخِلِينَ بِمُوجِبِ سُوءِ اِخْتِيارِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في اَلْإدْخالِ في اَلرَّحْمَةِ، واخْتارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ اَلْمُرادِ أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنِينَ وهو ما قالَهُ مُقاتِلٌ عَلى دِينِ اَلْإسْلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ والمَعْنى ولَوْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى مَشِيئَةَ قُدْرَةٍ لَقَسَرَهم عَلى اَلْإيمانِ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ شاءَ مَشِيئَةَ حِكْمَةٍ وكَلَّفَهم وبَنى أمْرَهم عَلى ما يَخْتارُونَ لِيُدْخِلَ اَلْمُؤْمِنِينَ في رَحْمَتِهِ وهُمُ اَلْمُرادُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ وتَرَكَ اَلظّالِمِينَ بِغَيْرِ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى إيمانِهِمْ، فالظّالِمُونَ مُظْهَرٌ أُقِيمَ مَقامَ ضَمِيرِ اَلْمُتَّخِذِينَ لِيُفِيدَ أنَّ ظُلْمَهم عِلَّةٌ لِما بَعْدَهُ أوْ هو لِلْجِنْسِ ويَتَناوَلُهم تَناوُلًا أوَّلِيًّا، وعَدَلَ عَنِ اَلظّاهِرِ إلى ما في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ إذِ اَلْكَلامُ في اَلْإنْذارِ وهو أبْلَغُ في تَخْوِيفِهِمْ لِإشْعارِهِ بِأنَّ كَوْنَهم في اَلْعَذابِ أمْرٌ مَفْرُوغٌ مِنهُ وإنَّما اَلْكَلامُ في أنَّهُ بَعْدَ تَحَتُّمِهِ هَلْ لَهم مَن يُخَلِّصُهم بِالدَّفْعِ أوِ اَلرَّفْعِ فَإذا نُفِيَ ذَلِكَ عُلِمَ أنَّهم في عَذابٍ لا خَلاصَ مِنهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَرْضَ جَعْلِ اَلْكُلِّ مُؤْمِنِينَ يَأْباهُ تَصْدِيرُ اَلِاسْتِدْراكِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمْ في رَحْمَتِهِ تَعالى إذِ اَلْكُلُّ حِينَئِذٍ داخِلُونَ فِيها فَكانَ اَلْمُناسِبُ حِينَئِذٍ تَصْدِيرُهُ بِإخْراجِ بَعْضِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ وإدْخالِهِمْ في عَذابِهِ، ورُبَّما يُقالُ: حَيْثُ إنَّ اَلْآيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما سَمِعْتَ كانَ اَلْمُرادُ ولَوْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى لَجَعَلَ اَلْجَمِيعَ مُؤْمِنِينَ كَما تُرِيدُ وتَحْرِصُ عَلَيْهِ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلَ بَعْضَهم مُؤْمِنًا كَما أرَدْتَ وجَعَلَ بَعْضَهُمُ اَلْآخَرَ وهم أُولَئِكَ اَلْمُتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ كُفّارًا لا خَلاصَ لَهم مِنَ اَلْعَذابِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ وكانَ اَلتَّصْدِيرُ بِما صَدَّرَ بِهِ مُناسِبًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ بِأسالِيبِ اَلْكَلامِ إلّا أنَّ اَلظّاهِرَ عَلى هَذا أدْخَلَ مَن شاءَ دُونَ ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ ﴾ لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلَيْهِ حِكايَةً لِلْحالِ اَلْماضِيَةِ، وقالَ شَيْخُ اَلْإسْلامِ: اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ اَلنَّظْمِ اَلْكَرِيمِ وسِياقُهُ أنْ يُرادَ اَلِاتِّحادُ في اَلْكُفْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ﴾ اَلْآيَةَ عَلى أحَدِ اَلْوَجْهَيْنِ، فالمَعْنى ولَوْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى اَلْكُفْرِ بِأنْ لا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا لِيُنْذِرَهم ما ذَكَرَ مِن يَوْمِ اَلْجَمْعِ وما فِيهِ مِن ألْوانِ اَلْأهْوالِ فَيَبْقَوْا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ اَلْكُفْرِ ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ أيْ شَأْنُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ فَيُرْسِلُ إلى اَلْكُلِّ مَن يُنْذِرُهم ما ذَكَرَ فَيَتَأثَّرُ بَعْضُهم بِالإنْذارِ فَيَصْرِفُونَ اِخْتِيارَهم إلى اَلْحَقِّ فَيُوَفِّقُهُمُ اَللَّهُ تَعالى لِلْإيمانِ والطّاعاتِ ويُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يَتَأثَّرُ بِهِ اَلْآخَرُونَ ويَتَمادَوْنَ في غَيِّهِمْ وهُمُ اَلظّالِمُونَ فَيَبْقَوْنَ في اَلدُّنْيا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ اَلْكُفْرِ ويَصِيرُونَ في اَلْآخِرَةِ إلى اَلسَّعِيرِ مِن غَيْرِ ولِيٍّ يَلِي أمْرَهم ولا نُصَيْرٍ يُخَلِّصُهم مِنَ اَلْعَذابِ اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنْ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ اَلْآيَةَ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ بِالمَعْنى اَلَّذِي اِخْتارَهُ هُنا فِيهِما نَوْعُ تَنافٍ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذَلِكَ واَللَّهُ تَعالى اَلْمُوَفِّقُ <div class="verse-tafsir"
﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ اِنْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلظّالِمِينَ ولِيٌّ أوْ نَصِيرٌ وكَلامُ اَلْكَشّافِ يَوْمِي إلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (واَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا) إلَخْ عَلى مَعْنى دَعِ اَلِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ واقْطَعِ اَلطَّمَعَ في إيمانِهِمْ وكَيْتَ وكَيْتَ ألَيْسُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَن دُونِ اَللَّهِ تَعالى أوْلِياءَ وهو سُبْحانَهُ اَلْوَلِيُّ اَلْحَقِيقِيُّ اَلْقادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَدَلُوا عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ إلّا ما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهُ أصْلًا وإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا ﴾ اَلْآيَةَ اِعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْآيَتَيْنِ، و ﴿ أُمَّ ﴾ عَلى اَلْقَوْلَيْنِ مُنْقَطِعَةٌ وهي تُقَدَّرُ في اَلْأغْلَبِ بِبَلْ والهَمْزَةِ، وقَدَّرَها جَماعَةٌ هُنا بِهِما إلّا أنَّ بَلْ عَلى اَلْقَوْلِ اَلثّانِي لِلْإضْرابِ وعَلى اَلْقَوْلِ اَلْأوَّلِ لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ ما قَبْلَها إلى بَيانِ ما بَعْدَها، والهَمْزَةُ قِيلَ: لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وقِيلَ: لا بَلْ لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ ونَفْيِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكِدِهِ إذِ اَلْمُرادُ بَيانُ أنَّ ما فَعَلُوا لَيْسَ اِتِّخاذَ اَلْأوْلِياءِ في شَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْعُ كَوْنِ اَلْأصْنامِ أوْلِياءَ وهو أظْهَرُ اَلْمُمْتَنِعاتِ أيْ بَلِ اِتَّخَذُوا مُتَجاوِزِينَ اَللَّهَ تَعالى أوْلِياءَ مِنَ اَلْأصْنامِ وغَيْرِها ﴿ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ ﴾ قِيلَ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاَللَّهُ تَعالى هو اَلْوَلِيُّ بِحَقٍّ لا ولِيَّ بِحَقٍّ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وكَوْنُهُ جَوابَ اَلشَّرْطِ عَلى مَعْنى اَلْإخْبارِ ونَحْوِهِ.
وقالَ في اَلْبَحْرِ: لا حاجَةَ إلى اِعْتِبارِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ، ولَعَلَّهُ يُرِيدُ ما قِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ اَلْمَأْخُوذِ مِنَ اَلِاسْتِفْهامِ كَقَوْلِكَ أتَضْرِبُ زَيْدًا فَهو أخُوكَ أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ ضَرْبُهُ فَإنَّهُ أخُوكَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ اَلْمَعْرُوفَ في مِثْلِهِ اِسْتِعْمالُهُ بِالواوِ وإنَّما يَحْسُنُ اَلتَّعْلِيلُ في صَرِيحِ اَلْإنْكارِ، ولا يُناسِبُ مَعْنى اَلْمُضِيِّ أيْضًا ﴿ وهُوَ يُحْيِي المَوْتى ﴾ أيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ نَحْوَ فُلانٌ يَقْرِي اَلضَّيْفَ ويَحْمِي اَلْحَرِيمَ ﴿ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَهو سُبْحانَهُ اَلْحَقِيقُ بِأنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا فَلْيَخُصُّوهُ بِالِاتِّخاذِ دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ ﴾ إلى آخِرِهِ حِكايَةٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ ما خالَفَكُمُ اَلْكُفّارُ فِيهِ مِن أُمُورِ اَلدِّينِ كاِتِّخاذِ اَللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ولِيًّا فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم ﴿ فَحُكْمُهُ ﴾ راجِعٌ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ وهو إثابَةُ اَلْمُحِقِّينَ وعِقابُ اَلْمُبْطِلِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مِن جِهَتِهِ تَعالى مُتَضَمِّنًا اَلتَّسْلِيَةَ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إلَخْ بِتَقْدِيرِ قُلْ، والإمامُ اِعْتَبَرَهُ مِن أوَّلِ اَلْكَلامِ، وأيًّا ما كانَ فالإشارَةُ إلَيْهِ تَعالى مِن حَيْثُ اِتِّصافِهِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ اَلصِّفاتِ عَلى ما قالَهُ اَلطَّيِّبِيُّ مِن كَوْنِهِ تَعالى هو يُحْيِي اَلْمَوْتى وكَوْنِهِ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وكَوْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَحُكْمُهُ إلَيْهِ، وقالَ في اَلْإرْشادِ: أيْ ذَلِكُمُ اَلْحاكِمُ اَلْعَظِيمُ اَلشَّأْنِ ﴿ اللَّهُ رَبِّي ﴾ مالِكِي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في مَجامِعِ أُمُورِي خاصَّةً لا عَلى غَيْرِهِ ﴿ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ أرْجِعُ في كُلِّ ما يُعْنَ لِي مِن مُعْضِلاتِ اَلْأُمُورِ لا إلى أحَدٍ سِواهُ وحَيْثُ كانَ اَلتَّوَكُّلُ أمْرًا واحِدًا مُسْتَمِرًّا والإنابَةُ مُتَعَدِّدَةً مُتَجَدِّدَةً حَسْبَ تَجَدُّدِ مَوادِّها أُوثِرَ في اَلْأوَّلِ صِيغَةُ اَلْماضِي وفي اَلثّانِي صِيغَةُ اَلْمُضارِعِ، وقِيلَ: وما اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ وتَنازَعْتُمْ مِن شَيْءٍ مِنَ اَلْخُصُوماتِ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ ﴾ .
وقِيلَ: وما اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى اَلْمُحْكَمِ مِن كِتابِ اَللَّهِ تَعالى والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكُمُ اَلْخِلافُ فِيهِ مِنَ اَلْعُلُومِ اَلَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِتَكْلِيفِكم ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ فَقُولُوا اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ كَمَعْرِفَةِ اَلرُّوحِ وأوْرَدَ عَلى اَلْكُلِّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلسِّياقِ لِأنَّ اَلْكَلامَ مَسُوقٌ لِلْمُشْرِكِينَ وهو عَلى ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وظاهِرُ كَلامِ اَلْإمامِ اِخْتِيارُ اَلِاخْتِصاصِ فَإنَّهُ قالَ في وجْهِ اَلنَّظْمِ اَلْكَرِيمِ: إنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ رَسُولَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَحْمِلَ اَلْكُفّارَ عَلى اَلْإيمانِ كَذَلِكَ مَنَعَ اَلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهُ في اَلْخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، وذَكَرَ أنَّهُ اِحْتَجَّ نُفاةُ اَلْقِياسِ بِهِ فَقالُوا إمّا أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ مِنهُ وما اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اَللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ اَلْقِياسِ عَلى ما نَصَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ كُلُّ اَلْأحْكامِ مَبْنِيَّةً عَلى اَلْقِياسِ فَتَعَيَّنَ اَلْأوَّلُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ فَحُكْمُهُ مَعْرُوفٌ مِن بَيانِ اَللَّهِ تَعالى سَواءٌ كانَ ذَلِكَ اَلْبَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ اَلْمَقْصُودَ مِنَ اَلتَّحاكُمِ إلى اَللَّهِ تَعالى قَطْعُ اَلِاخْتِلافِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما اخْتَلَفْتُمْ ﴾ والرُّجُوعُ إلى اَلْقِياسِ مِمّا يُقَوِّي اَلِاخْتِلافَ فَوَجَبَ اَلرُّجُوعُ إلى اَلنُّصُوصِ اهـ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اَلنُّصُوصَ غَيْرُ كافِيَةٍ في جَمِيعِ اَلْأحْكامِ وأنَّ اَلْآيَةَ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا ما لا يَكادُ يَصِحُّ اَلِاسْتِدْلالُ بِها عَلى هَذا اَلْمَطْلَبِ مِن أوَّلِ اَلْأمْرِ.
وفي اَلْكَشّافِ لا يَجُوزُ حَمْلُ اَلِاخْتِلافِ فِيها عَلى اِخْتِلافِ اَلْمُجْتَهِدِينَ في أحْكامِ اَلشَّرِيعَةِ لِأنَّ اَلِاجْتِهادَ لا يَجُوزُ بِحَضْرَةِ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ هَذِهِ اَلْمَسْألَةَ مُخْتَلَفٌ فِيها فَقالَ اَلْأكْثَرُونَ بِجَوازِ اَلِاجْتِهادِ اَلْمَذْكُورِ عَقْلًا ومِنهم مَن أحالَهُ، ثُمَّ اَلْمُجَوِّزُونَ مِنهم مَن مَنَعَ وُقُوعَ اَلتَّعَبُّدِ بِهِ وهو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ.
وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ صاحِبُ اَلْكَشّافِ وذِكْرُ ما يُخالِفُهُ نَقْلٌ لِمَذْهَبِ اَلْغَيْرِ وإنْ لَمْ يَعْقُبْهُ بِرَدٍّ كَما هو عادَتُهُ فِي اَلْأكْثَرِ ومِنهم مَنِ اِدَّعى اَلْوُقُوعَ ظَنًّا ومِنهم مَن جَزَمَ بِالوُقُوعِ، وقِيلَ: إنَّهُ اَلْأصَحُّ عِنْدَ اَلْأُصُولِيِّينَ ومِنهم مَن تَوَقَّفَ، والبَحْثُ فِيها مُسْتَوْفًى في أُصُولِ اَلْفِقْهِ، واَلَّذِي نَقُولُهُ هُنا: إنَّ اَلِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى مَنعِهِ لا يَكادُ يَتِمُّ وأقَلُّ ما يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ اِسْتِدْلالٌ بِما فِيهِ اِحْتِمالٌ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِذَلِكم أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فاطِرٌ أوْ صِفَةٌ لِرَبِّي أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (إلَيْهِ) أوْ (عَلَيْهِ) أوْ وصْفٌ لِلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (إلى اَللَّهِ) وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اَلصِّفَةِ والمَوْصُوفِ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿ فاطِرُ ﴾ وجَعَلَ أيْ خَلَقَ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مِن جِنْسِكم ﴿ أزْواجًا ﴾ نِساءً.
وتَقْدِيمُ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ عَلى اَلْمَفْعُولِ اَلصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ أيْ وخَلَقَ لِلْأنْعامِ مِن جِنْسِها أزْواجًا كَما خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا فَفِيهِ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِدَلالَةِ اَلْقَرِينَةِ أوْ وخَلَقَ لَكم مِنَ اَلْأنْعامِ أصْنافًا أوْ ذُكُورًا وإناثًا ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يُكَثِّرُكم يُقالُ ذَرَأ اَللَّهُ تَعالى اَلْخَلْقَ بَثَّهم وكَثَّرَهم والذَّرْءُ والذَّرُّ أخَوانِ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ فِيما ذَكَرَ مِنَ اَلتَّدْبِيرِ وهو أنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا يَكُونُ بَيْنَهم تَوالُدٌ وجَعَلَ اَلتَّكَثُّرَ في هَذا اَلْجَعْلِ لِوُقُوعِهِ في خِلالِهِ وأثْنائِهِ فَهو كالمَنبَعِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلسَّبَبِيَّةِ وغَلَبَ في ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ اَلْمُخاطَبُونَ اَلْعُقَلاءُ عَلى اَلْغَيْبِ مِمّا لا يَعْقِلُ فَهُناكَ تَغْلِيبٌ واحِدٌ اِشْتَمَلَ عَلى جِهَتَيْ تَغْلِيبٍ وذَلِكَ لِأنَّ اَلْأنْعامَ غائِبٌ غَيْرُ عاقِلٍ فَإذا أُدْخِلَتْ في خِطابِ اَلْعُقَلاءِ كانَ فِيهِ تَغْلِيبُ اَلْعَقْلِ والخِطابِ مَعًا، وهَذا اَلتَّغْلِيبُ - أعْنِي اَلتَّغْلِيبَ لِأجْلِ اَلْخِطابِ والعَقْلِ - مِنَ اَلْأحْكامِ ذاتِ اَلْعِلَّتَيْنِ وهُما هَنا اَلْخِطابُ والعَقْلُ وهَذا هو اَلَّذِي عَناهُ جارُ اَللَّهِ وهو مِمّا لا بَأْسَ فِيهِ لِأنَّ اَلْعِلَّةَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً، وزَعَمَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ أنَّ اَلصَّحِيحَ أنَّهُما حُكْمانِ مُتَبايِنانِ غَيْرُ مُتَداخِلَيْنِ أحَدُهُما.
مَجِيئُهُ عَلى نَعْتِ ضَمِيرِ اَلْعُقَلاءِ أعَمَّ مِن كَوْنِهِ مُخاطَبًا أوْ غائِبًا.
والثّانِي مَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى نَعْتِ اَلْخِطابِ فالأوَّلُ لِتَغْلِيبِ اَلْعَقْلِ والثّانِي لِتَغْلِيبِ اَلْخِطابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ، وكَلامُ صاحِبِ اَلْمِفْتاحِ يَحْتَمِلُ اِعْتِبارَ تَغْلِيبَيْنِ.
أحَدُهُما تَغْلِيبُ اَلْمُخاطَبِينَ عَلى اَلْغَيْبِ.
وثانِيهِما تَغْلِيبُ اَلْعُقَلاءِ عَلى ما لا يَعْقِلُ، وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: إنَّ اَلْمَقامَ يَأْبى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ اَلْأصْلَ يَذْرَؤُكم ويَذْرَؤُها ويَذْرَؤُكُنَّ ويَذْرَؤُها لَكِنَّ اَلْأصْلَ يَذْرَؤُكم ويَذْرَؤُها لا غَيْرَ لِأنَّ - كم - في (يَذْرَؤُكُمْ) هو كم في (جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا) بِعَيْنِهِ لَكِنْ غَلَبَ هَهُنا عَلى اَلْغَيْبِ فَلَيْسَ في يَذْرَؤُكم إلّا تَغْلِيبٌ واحِدٌ اِنْتَهى، ثُمَّ إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ اَلتَّذْرِئَةَ حُكْمٌ عُلِّلَ في اَلْآيَةِ بِعِلَّتَيْنِ.
إحْداهُما جَعْلُ اَلنّاسِ أزْواجًا.
والثّانِيَةُ جَعْلُ اَلْأنْعامِ أزْواجًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو اَلَّذِي عَناهُ جارُ اَللَّهِ لِأنَّ اَلْحُكْمَ هو اَلْبَثُّ اَلْمُطْلَقُ وعِلَّتُهُ اَلْمَجْمُوعُ وإنْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ عِلَّةً فَكُلُّ بَثٍّ حُكْمٌ أيْضًا فَأيْنَ اَلْحُكْمُ اَلْواحِدُ اَلْمُتَعَدِّدُ عِلَّتُهُ فافْهَمْ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْنى ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ فِيهِ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ اِبْنِ زَيْدٍ يَرْزُقُكم فِيهِ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ اَلضَّمِيرَ لِجَعْلِ اَلْأزْواجِ مِنَ اَلْأنْعامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْ يَخْلُقُكم نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ويَتَبادَرُ مِنهُ أنَّ اَلضَّمِيرَ لِلْجَعْلِ اَلْمَفْهُومُ مِن (جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَما في اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ اَلذَّرْءَ أخَصُّ مِنَ اَلْخَلْقِ وبِهِ صَرَّحَ اِبْنُ عَطِيَّةَ قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ عَلى تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ وهو تَوالِي اَلطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ اَلزَّمانِ، وقالَ اَلْعُتْبِيُّ: ضَمِيرُ ﴿ فِيهِ ﴾ لِلْبَطْنِ لِأنَّهُ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ والمُرادُ يَخْلُقُكم في بُطُونِ اَلْإناثِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّهُ لَمّا خَلَقَ مِنَ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ، وهو كَما تَرى ومِثْلُهُ ما قَبْلَهُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ نَفْيٌ لِلْمُشابَهَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ يُزاوِجُهُ عَزَّ وجَلَّ وهو وجْهُ اِرْتِباطِ هَذِهِ اَلْآيَةِ بِما قَبْلَها أوِ اَلْمُرادُ لَيْسَ مِثْلَهُ تَعالى شَيْءٌ في اَلشُّئُونِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها اَلتَّدْبِيرُ اَلْبَدِيعُ اَلسّابِقُ فَتَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها أيْضًا، والمُرادُ مِن مِثْلِهِ ذاتُهُ تَعالى فَلا فَرْقَ بَيْنَ لَيْسَ كَذاتِهِ شَيْءٌ ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في اَلْمَعْنى إلّا أنَّ اَلثّانِيَ كِنايَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُبالَغَةٍ وهي أنَّ اَلْمُماثَلَةَ مَنفِيَّةٌ عَمَّنْ يَكُونُ مِثْلَهُ وعَلى صِفَتِهِ فَكَيْفَ عَنْ نَفْسِهِ وهَذا لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اَلْمِثْلِ إذِ اَلْفَرْضُ كافٍ في اَلْمُبالَغَةِ ومِثْلُ هَذا شائِعٌ في كَلامِ اَلْعَرَبِ نَحْوُ قَوْلِ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: لَيْسَ كَمِثْلِ اَلْفَتى زُهَيْرٌ خَلْقٌ يُوازِيهِ في اَلْفَضائِلِ وقَوْلِ اَلْآخَرِ: وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ اَلنَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مُسْبِلٌ مُنْهَمِرُ وقَوْلِ اَلْآخَرِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ∗∗∗ ما أنْ كَمِثْلِهِمُ في اَلنّاسِ مِن أحَدِ وقَدْ ذَكَرَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ أنَّ اَلْعَرَبَ تُقِيمُ اَلْمِثْلَ مَقامَ اَلنَّفْسِ فَتَقُولُ مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ وهي تُرِيدُ أنْتَ لا تَبْخَلُ أيْ عَلى سَبِيلِ اَلْكِنايَةِ وقَدْ سَمِعْتَ فائِدَتَها.
وفي اَلْكَشْفِ أنَّها اَلدَّلالَةُ عَلى فَضْلِ إثْباتٍ لِذَلِكَ اَلْحُكْمِ اَلْمَطْلُوبِ وتَمْكِينِهِ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ فَرْضٌ جامِعٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإذا قُلْتَ مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ دَلَّ عَلى أنَّ مُوجِبَ عَدَمِ اَلْبُخْلِ مَوْجُودٌ بِخِلافِهِ إذا قُلْتَ أنْتَ لا تَبْخَلُ.
والثّانِي أنَّهُ إذا جُعِلَ مِن جَماعَةٍ لا يَبْخَلُونَ يَكُونُ أدَلَّ عَلى عَدَمِ اَلْبُخْلِ لِأنَّهُ جُعِلَ مَعْدُودًا مَن جُمْلَتِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم قَدْ أيْفَعَتْ لِداتُهُ أيْ أتْرابُهُ وأمْثالُهُ في اَلسِّنِّ، وقَوْلُ رَقِيقَةَ بِنْتِ أبِي صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ في سُقْيا عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ: ألا وفِيهِمُ اَلطَّيِّبُ اَلطّاهِرُ لِداتُهُ تَعْنِي رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ مِثْلًا بِمَعْنى اَلصِّفَةِ وشَيْئًا عِبارَةٌ عَنْها أيْضًا حَكاهُ اَلرّاغِبُ ثُمَّ قالَ: والمَعْنى كَصِفَتِهِ تَعالى صِفَةٌ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ وُصِفَ بِكَثِيرٍ مِمّا يُوصَفُ بِهِ اَلْبَشَرُ فَلَيْسَ تِلْكَ اَلصِّفاتُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ حَسْبَ ما يُسْتَعْمَلُ في اَلْبَشَرِ.
وذَهَبَ اَلطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كالكافِ في قَوْلِهِ: بِالأمْسِ كانُوا في رَخاءٍ مَأْمُولِ ∗∗∗ فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولِ وقَوْلِ اَلْآخَرِ: أهْلٌ عَرَفْتُ اَلدّارَ بِالغَرِيِّينَ ∗∗∗ وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلًا اِسْمٌ والأسْماءُ لا تُزادُ بِخِلافِ اَلْكافِ فَإنَّها حَرْفٌ فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ، ونُسِبَ إلى اَلزَّجّاجِ وابْنِ جِنِّي والأكْثَرِينَ اَلْقَوْلُ بِأنَّ اَلْكافَ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ورَدَّهُ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ بِأنَّ اَلْكافَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ اَلتَّشْبِيهِ لا تَأْكِيدَ اَلنَّفْيِ ونَفْيُ اَلْماثَلَةِ اَلْمُهْمَلَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ اَلْمُماثَلَةِ اَلْمُؤَكَّدَةِ فَلَيْسَتِ اَلْآيَةُ نَظِيرَ شَطْرَيِ اَلْبَيْتَيْنِ، ويُقالُ نَحْوُهُ فِيما نُقِلَ عَنِ اَلطَّبَرِيِّ ومَن مَعَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ اَلتَّشْبِيهِ إنْ سَلْبًا فَسَلْبٌ وإنَّ إثْباتًا فَإثْباتٌ فَيَنْدَفِعُ ما أُورِدَ، نَعَمِ اَلْأوَّلُ هو اَلْوَجْهُ، والمِثْلُ قالَ اَلرّاغِبُ: أعَمُّ اَلْألِفاظِ اَلْمَوْضُوعَةِ لِلْمُشابَهَةِ وذاكَ أنَّ اَلنِّدَّ يُقالُ لِما يُشارِكُ في اَلْجَوْهَرِ فَقَطْ والشِّبْهُ لِما يُشارِكُ في اَلْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ والمُساوِي لِما يُشارِكُ في اَلْكَمِّيَّةِ فَقَطْ والشَّكْلُ لِما يُشارِكُ في اَلْقَدْرِ والمِساحَةِ فَقَطْ والمِثْلِ عامٌّ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ولِهَذا لَمّا أرادَ اَللَّهُ تَعالى نَفْيَ اَلشَّبَهِ مِن كُلِّ وجْهٍ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالذِّكْرِ، وذَكَرَ اَلْإمامُ اَلرّازِي أنَّ اَلْمِثْلَيْنِ عِنْدَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ هُما اَللَّذانِ يَقُومُ كُلٌّ مِنهُما مَقامَ اَلْآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ وحَمَلَ اَلْمِثْلَ في اَلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنْ لا يُساوِيَ اَللَّهَ تَعالى في حَقِيقَةِ اَلذّاتِ شَيْءٌ، وقالَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعالى في اَلصِّفاتِ شَيْءٌ لِأنَّ اَلْعِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ كَما أنَّ اَللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ وكَذا يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ مَعَ أنَّ اَللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وأطالَ اَلْكَلامَ في هَذا اَلْمَقامِ وفي اَلْقَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ.
وفِي شَرْحِ جَوْهَرَةِ اَلتَّوْحِيدِ أعْلَمَ أنَّ قُدَماءَ اَلْمُعْتَزِلَةِ كالجُبّائِيِّ.
وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ ذَهَبُوا إلى أنَّ اَلْمُماثَلَةَ هي اَلْمُشارَكَةُ في أخَصِّ صِفاتِ اَلنَّفْسِ فَمُماثِلَةُ زَيْدٍ لِعُمَرَ ومِثْلًا عِنْدَهم مُشارَكَتُهُ إيّاهُ في اَلنّاطِقِيَّةِ فَقَطْ، وذَهَبَ اَلْمُحَقِّقُونَ مِنَ اَلْماتُرِيدِيَّةِ إلى أنَّ اَلْمُماثَلَةَ هي اَلِاشْتِراكُ في اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسِيَّةِ كالحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ لِزَيْدٍ وعَمْرٍو.
ومِن لازِمِ اَلِاشْتِراكِ في اَلصِّفَةِ اَلنَّفْسِيَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما اَلِاشْتِراكُ فِيما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَمْتَنِعُ.
وثانِيهِما أنْ يَسُدَّ كُلٌّ مِنهُما مَسَدَّ اَلْآخَرِ والمُتَماثِلانِ وإنِ اِشْتَرَكا في اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسِيَّةِ لَكِنْ لا بُدَّ مِنَ اِخْتِلافِهِما بِجِهَةٍ أُخْرى لِيَتَحَقَّقَ اَلتَّعَدُّدُ والتَّمايُزُ فَيَصِحُّ اَلتَّماثُلُ، ونُسِبَ إلى اَلْأشْعَرِيِّ أنَّهُ يُشْتَرَطُ في اَلتَّماثُلِ اَلتَّساوِيَ مِن كُلِّ وجْهٍ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا تَعَدُّدَ حِينَئِذٍ فَلا تَماثُلَ، وبِأنَّ أهْلَ اَللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو في اَلْفِقْهِ إذا كانَ يُساوِيهِ فِيهِ ويَسُدُّ مَسَدَّهُ وإنِ اِخْتَلَفَ في كَثِيرٍ مِنَ اَلْأوْصافِ، وفي اَلْحَدِيثِ «(اَلْحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ)» وأُرِيدَ بِهِ اَلِاسْتِواءُ في اَلْكَيْلِ دُونَ اَلْوَزْنِ وعَدَدِ اَلْحَبّاتِ وأوْصافِها، ويُمْكِنُ أنْ يُجْلَبَ بِأنَّ مُرادَهُ اَلتَّساوِي في اَلْوَجْهِ اَلَّذِي بِهِ اَلتَّماثُلُ حَتّى أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لَوِ اِشْتَرَكا في اَلْفِقْهِ وكانَ بَيْنَهُما مُساواةٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَنُوبُ أحَدُهُما مَنابَ اَلْآخَرِ صَحَّ اَلْقَوْلُ بِأنَّهُما مِثْلانِ فِيهِ وإلّا فَلا يُخالِفُ مَذْهَبُ اَلْماتُرِيدِيَّةِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ لَهُ سُبْحانَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ فَلا يَسُدُّ مَسَدَّ ذاتِهِ تَعالى ذاتٌ ولا مَسَدَّ صِفَتِهِ جَلَّتْ صِفَتُهُ صِفَةٌ، والمُرادُ بِالصِّفَةِ اَلصِّفَةُ اَلْحَقِيقِيَّةُ اَلْوُجُودِيَّةُ، ومِن هُنا تَعْلَمُ ما في قَوْلِ اَلْإمامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعالى في اَلصِّفاتِ شَيْءٌ لِأنَّ اَلْعِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ كَما أنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ يُوصَفُ بِذَلِكَ فَإنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ سُبْحانَهُ صِفَةٌ، ومِنَ اَلْمَعْلُومِ اَلْبَيِّنِ أنَّ عِلْمَ اَلْعِبادِ وقُدْرَتَهم لَيْسا مِثْلَ عِلْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا أيْ لَيْسا سادَّيْنِ مَسَدَّهُما.
وأمّا كَوْنُهُ تَعالى مَذْكُورًا ونَحْوَهُ فَهو لَيْسَ مِنَ اَلصِّفاتِ اَلْمُعْتَبَرَةِ اَلْقائِمَةِ بِذاتِهِ تَعالى كَما لا يَخْفى، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ اَلْمَقْصُودَ مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ اَلشَّيْءِ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو سُبْحانَهُ مُسَمًّى بِاسْمِ اَلشَّيْءِ فَلَمْ يَجْعَلِ اَلْمِثْلَ كِنايَةً عَنِ اَلذّاتِ عَلى ما سَمِعْتَ ولا حَكَمَ بِزِيادَتِهِ ولا بِزِيادَةِ اَلْكافِ ومَعَ هَذا وإغْماضِ اَلْعَيْنِ عَمّا في كَلامِهِ لا يَتِمُّ لَهُ مَقْصُودٌ إذْ لَنا أنْ نَجْعَلَ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ نَفْيًا لِلْمِثْلِ عَلى سَبِيلِ اَلْكِنايَةِ أيْضًا لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنَّهُ نَفْيٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ لازِمِهِ لِأنَّ نَفْيَ اَللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اَلْمَلْزُومِ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِأخِي زَيْدٍ أخٌ فَأخُو زَيْدٍ مَلْزُومٌ والأخُ لازِمُهُ لا بُدَّ لِأخِي زَيْدٍ مِن أخٍ هو زَيْدٌ فَنَفَيْتَ هَذا اَللّازِمَ والمُرادُ نَفْيُ مَلْزُومِهِ أيْ لَيْسَ لِزَيْدٍ أخٌ إذْ لَوْ كانَ لَهُ أخٌ لَكانَ لِذَلِكَ اَلْأخِ أخٌ هو زَيْدٌ فَكَذا نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ اَللَّهِ تَعالى مِثْلٌ، والمُرادُ نَفْيُ مِثْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلٌ إذِ اَلتَّقْدِيرُ أنَّهُ مَوْجُودٌ، ومُغايَرَتُهُ لِما تَقَدَّمَ أنَّ مَبْناهُ إثْباتُ اَللُّزُومِ بَيْنَ وُجُودِ اَلْمِثْلِ ووُجُودِ مِثْلٍ لِيَكُونَ نَفْيُ اَللّازِمِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ اَلْمَلْزُومِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ والتِفاتٍ إلى أنَّ حُكْمَ اَلْأمْثالِ واحِدٌ وأنَّهُ يَجْرِي في اَلنَّفْيِ دُونَ اَلْإثْباتِ فَإنَّ نَفْيَ اَللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اَلْمَلْزُومِ دُونَ اَلْعَكْسِ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ فَإنَّ مَبْناهُ أنَّ حُكْمَ اَلْمُتَماثِلَيْنِ واحِدٌ وإلّا لَمْ يَكُونا مُتَماثِلَيْنِ ولا يَحْتاجُ إلى إثْباتِ اَللُّزُومِ بَيْنَ وُجُودِ اَلْمِثْلِ ومِثْلِ اَلْمِثْلِ وإنَّهُ يَجْرِي في اَلنَّفْيِ والإثْباتِ كَما سَمِعْتَ مِنَ اَلْأمْثِلَةِ ولَيْسَ ذاكَ مِنَ اَلْمَذْهَبِ اَلْكَلامِيِّ في شَيْءٍ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ إيرادُ اَلْحُجَّةِ ولَيْسَ في اَلْآيَةِ إشْعارٌ بِها فَضْلًا عَنِ اَلْإيرادِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ اَلْحُجَّةُ قِياسًا اِسْتِثْنائِيًّا اُسْتُثْنِيَ فِيهِ نَقِيضُ اَلتّالِي هَكَذا لَوْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو جَلَّ شَأْنُهُ مِثْلَ مِثْلِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِثْلًا لِمِثْلِهِ فَلا بُدَّ مِن بَيانِ بُطْلانِ اَلتّالِي حَتّى تَتِمَّ اَلْحُجَّةُ إذْ لَيْسَ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ بَلْ وُجُودُ اَلْمِثْلِ ووُجُودُ مِثْلِ اَلْمِثْلِ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ في اَلْعِلْمِ والجَهْلِ لا يَجُوزُ جَعْلُ أحَدِهِما دَلِيلًا عَلى اَلْآخَرِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ اَلْمَفْهُومَ مِن لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ عَلى ذَلِكَ اَلتَّقْدِيرِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِثْلٌ لِمِثْلِهِ سِواهُ تَعالى بِقَرِينَةِ اَلْإضافَةِ كَما أنَّ اَلْمَفْهُومَ مِن قَوْلِ اَلْمُتَكَلِّمِ: إنْ دَخَلَ دارِي أحَدٌ فَكَذا غَيْرُ اَلْمُتَكَلِّمِ، وأيْضًا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَهُ سُبْحانَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو جَلَّ وعَلا مِثْلَ مِثْلِهِ لَأنَّ وُجُودَ مِثْلِهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ والمُحالُ جازَ أنْ يَسْتَلْزِمَ اَلْمُحالَ.
وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ أنَّ اِسْمَ لَيْسَ (شَيْءٌ) وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ اَلنَّفْيِ فَتَعُمُّ اَلْآيَةُ نَفْيَ شَيْءٍ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ اَلْمِثْلِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ شَيْءٌ مِثْلٌ لِمِثْلِهِ، والإضافَةُ لا تَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ عُمُومِ شَيْءٍ بِخِلافِ اَلْمِثالِ اَلْمَذْكُورِ فَإنَّ اَلْقَرِينَةَ اَلْعَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِ أحَدٍ بِغَيْرِ اَلْمُتَكَلِّمِ لِأنَّ مَقْصُودَهُ اَلْمَنعُ عَنْ دُخُولِ اَلْغَيْرِ، وعَنِ اَلثّانِي أنَّ وُجُودَ اَلْمِثْلِ لِشَيْءٍ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ اَلْمِثْلَ مَعَ قَطْعِ اَلنَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ ذَلِكَ اَلشَّيْءِ وذَلِكَ بَيِّنٌ فالمَنعُ بِتَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ لِذاتِهِ تَعالى مِثْلٌ ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مِثْلًا لِمِثْلِهِ مُكابَرَةً، ثُمَّ إنَّ هَذا اَلْوَجْهَ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ اَلْقِيلِ والقالِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ مِنَ اَلْأوْجُهِ اَلسّابِقَةِ لَمْ نَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِها وهو عَلى عِلّاتِهِ أحْسَنُ مِنَ اَلْقَوْلِ بِالزِّيادَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وفَّقَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ اَلْمُدْرِكَ إدْراكًا تامًّا لا عَلى طَرِيقِ اَلتَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ لِجَمِيعِ اَلْمَسْمُوعاتِ ولا عَلى طَرِيقِ تَأثُّرِ حاسَّةٍ ولا وُصُولِ هَواءٍ ﴿ البَصِيرُ ﴾ اَلْمُدْرِكُ إدْراكًا تامًّا لِجَمِيعِ اَلْمُبْصَراتِ أوِ اَلْمَوْجُوداتِ لا عَلى سَبِيلِ اَلتَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ ولا عَلى طَرِيقِ تَأثُّرِ حاسَّةٍ ولا وُصُولِ شُعاعٍ فالسَّمْعُ والبَصَرُ صِفَتانِ غَيْرُ اَلْعِلْمِ عَلى ما هو اَلظّاهِرُ وأرْجَعَهُما بَعْضُهم إلى صِفَةِ اَلْعِلْمِ، وتَمامُ اَلْكَلامِ عَلى ذَلِكَ في اَلْكَلامِ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ نَفْيَ اَلْمِثْلِ عَلى إثْباتِ اَلسَّمْعِ والبَصَرِ لِأنَّهُ أهَمُّ في نَفْسِهِ وبِالنَّظَرِ إلى اَلْمَقامِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ اَلزُّمَرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ .
وقُرِئَ (يُقَدِّرُ) بِالتَّشْدِيدِ ﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في اَلْإحاطَةِ بِهِ فَيَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وتَمْهِيدٌ لِما بَعْدَها مِن <div class="verse-tafsir"
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ﴾ وإيذانٌ بِأنَّ ما شَرَعَ سُبْحانَهُ لَهم صادِرٌ عَنْ كَمالِ اَلْعِلْمِ والحِكْمَةِ كَما أنَّ بَيانَ نِسْبَتِهِ إلى اَلْمَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ دِينًا قَدِيمًا أجْمَعَ عَلَيْهِ اَلرُّسُلُ، والخِطابُ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ شَرَعَ لَكم مِنَ اَلدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومَن بَعْدَهُ مِن أرْبابِ اَلشَّرائِعِ وأُولِي اَلْعَزْمِ مِن مَشاهِيرِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأمَرَهم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا، وتَخْصِيصُ اَلْمَذْكُورِينَ بِالذِّكْرِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عُلُوِّ شَأْنِهِمْ وعِظَمِ شُهْرَتِهِمْ ولِاسْتِمالَةِ قُلُوبِ اَلْكَفَرَةِ إلى اَلِاتِّباعِ لِاتِّفاقِ كُلٍّ عَلى نُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ واخْتِصاصِ اَلْيَهُودِ بِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ والنَّصارى بِعِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وإلّا فَما مِن نَبِيٍّ إلّا وهو مَأْمُورٌ بِما أُمِرُوا بِهِ مِن إقامَةِ دِينِ اَلْإسْلامِ وهو اَلتَّوْحِيدُ وما لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ اَلْأُمَمِ وتَبَدُّلِ اَلْأعْصارِ مِن أُصُولِ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ اَلتَّوْصِيَةُ فَإنَّها مُعْرِبَةٌ عَنْ تَأْكِيدِ اَلْأمْرِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ، والمُرادُ بِإيحائِهِ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إمّا ما ذُكِرَ في صَدْرِ اَلسُّورَةِ اَلْكَرِيمَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ اَلْآيَةَ وإمّا ما يَعُمُّهُما وغَيْرُهُما مِمّا وقَعَ في سائِرِ اَلْمَواقِعِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ، وإيثارُ اَلْإيحاءِ عَلى ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِنَ اَلتَّوْصِيَةِ لِمُراعاةِ ما وقَعَ في اَلْآياتِ اَلْمَذْكُورَةِ ولِما في اَلْإيحاءِ مِنَ اَلتَّصْرِيحِ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلْقامِعِ لِإنْكارِ اَلْكَفَرَةِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ اَلِاعْتِناءِ بِإيحائِهِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّ شَرِيعَتَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هي اَلشَّرِيعَةُ اَلْمُعْتَنى بِها غايَةَ اَلِاعْتِناءِ ولِذا عَبَّرَ فِيها بِاَلَّذِي اَلَّتِي هي أصْلُ اَلْمَوْصُولاتِ وذَلِكَ هو اَلسِّرُّ في تَقْدِيمِ اَلَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ زَمانًا، وتَقْدِيمِ تَوْصِيَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ اَلْمَشْرُوعِ لَهم دِينًا قَدِيمًا، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ اَلرُّسُلِ، وتَوْجِيهُ اَلْخِطابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ اَلتَّلْوِينِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى شَرَعَهُ لَهم عَلى لِسانِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ أيْ دِينَ اَلْإسْلامِ اَلَّذِي هو تَوْحِيدُ اَللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ والإيمانُ بِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وبِيَوْمِ اَلْجَزاءِ وسائِرِ ما يَكُونُ اَلْعَبْدُ بِهِ مُؤْمِنًا، والمُرادُ بِإقامَتِهِ تَعْدِيلُ أرْكانِهِ وحِفْظُهُ مِن أنْ يَقَعَ فِيهِ زَيْغٌ والمُواظَبَةُ عَلَيْهِ، و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ وتَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في وصْلِها بِالأمْرِ والنَّهْيِ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ لِما في (شَرَعَ) مِن مَعْنى اَلْعِلْمِ، والمَصْدَرُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ (شَرَعَ) والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن إبْهامِ اَلْمَشْرُوعِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما ذاكَ؟
فَقِيلَ: هو أنْ أقِيمُوا اَلدِّينَ، وقِيلَ: هو مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) ولا يَلْزَمُهُ بَقاءُ اَلْمَوْصُولِ بِلا عائِدٍ لِأنَّ اَلْمُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في نِيَّةِ اَلطَّرْحِ حَقِيقَةً، نَعَمْ قالَ شَيْخُ اَلْإسْلامِ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ لِما أنَّهُ مَعَ إفْضائِهِ إلى خُرُوجِهِ عَنْ حَيِّزِ اَلْإيحاءِ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ اَلْخِطابِ في اَلنَّهْيِ اَلْآتِي عَنِ اَلتَّفَرُّقِ لِلْأنْبِياءِ اَلْمَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وتَوْجِيهُ اَلنَّهْيِ إلى أُمَمِهِمْ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ مَعَ أنَّ اَلْأظْهَرَ أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى أُمَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّهُمُ اَلْمُتَفَرِّقُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما اِسْتَظْهَرَهُ وسَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنَ (اَلدِّينِ) ويَجُوزُ كَوْنُ (أنْ) مُفَسِّرَةً فَقَدْ تَقَدَّمَها ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى اَلْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ والخِطابُ في ﴿ أقِيمُوا ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ عَلى ما اِخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْأجِلَّةِ شامِلٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ ولِلْأنْبِياءِ والأُمَمِ قَبْلَهم وضَمِيرُ ﴿ فِيهِ ﴾ لِلدِّينِ أيْ ولا تَتَفَرَّقُوا في اَلدِّينِ اَلَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ اَلْأُصُولِ بِأنْ يَأْتِيَ بِهِ بَعْضٌ ولا يَأْتِيَ بَعْضٌ ويَأْتِيَ بَعْضٌ بِبَعْضٍ مِنهُ دُونَ بَعْضٍ وهو مُرادُ مُقاتِلٍ أيْ لا تَخْتَلِفُوا فِيهِ، ولا يَشْمَلُ هَذا اَلنَّهْيَ عَنِ اَلِاخْتِلافِ في اَلْفُرُوعِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اَلْأُصُولِ اَلْمُرادَةِ هُنا ولَمْ يَتَّحِدْ بِها اَلنَّبِيُّونَ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ﴾ وبَعْضُهم أدْخَلَ بَعْضَ اَلْفُرُوعِ في أُصُولِ اَلدِّينِ اَلْمُرادَةِ هُنا مِنَ اَلدِّينِ.
قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ وإيتاءِ اَلزَّكاةِ والإقْرارِ بِاَللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ وذَلِكَ إقامَةُ اَلدِّينِ، وقالَ اَلْحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ اَلْعَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلّا بَنُوهُ ولَمْ يُفْرَضْ لَهُ اَلْفَرائِضُ ولا شُرِعَتْ لَهُ اَلْمَحارِمُ وإنَّما كانَ مُنَبِّهًا عَلى بَعْضِ اَلْأُمُورِ مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِ ضَرُورِيّاتِ اَلْمَعاشِ واسْتَمَرَّ اَلْأمْرُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَبَعَثَهُ اَللَّهُ تَعالى بِتَحْرِيمِ اَلْأُمَّهاتِ والبَناتِ ووَظَّفَ عَلَيْهِ اَلْواجِباتِ وأوْضَحَ لَهُ اَلْأدَبَ في اَلدِّياناتِ ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ شَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ حَتّى خَتَمَهُ سُبْحانَهُ بِخَيْرِ اَلْمِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ اَلرُّسُلِ، فَمَعْنى اَلْآيَةِ شَرَعْنا لَكم مِمّا شَرَعْنا لِلْأنْبِياءِ دِينًا واحِدًا في اَلْأُصُولِ وهي اَلتَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةِ والصِّيامُ والحَجُّ والتَّقَرُّبُ بِصالِحِ اَلْأعْمالِ والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ وأداءُ اَلْأمانَةِ وصِلَةُ اَلرَّحِمِ وتَحْرِيمُ اَلْكِبْرِ والزِّنا والإيذاءِ لِلْخَلْقِ والِاعْتِداءِ عَلى اَلْحَيَوانِ واقْتِحامِ اَلدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ اَلْمُرُوءاتِ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ دِينًا واحِدًا ومِلَّةً مُتَّحِدَةً لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ اَلْأنْبِياءِ وإنِ اِخْتَلَفَتْ أعْدادُهُمْ، ومَعْنى ﴿ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ اِجْعَلُوهُ قائِمًا أيْ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اِضْطِرابٍ اِنْتَهى، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ مُطْلَقَها لا ما نَعْرِفُهُ في شَرْعِنا مِنها فَإنَّ اَلصَّلَواتِ اَلْخَمْسَ والزَّكاةَ اَلْمَخْصُوصَةَ وصِيامَ شَهْرِ رَمَضانَ مِن خَواصِّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ عَلى اَلصَّحِيحِ، والظّاهِرُ أنَّ حَجَّ اَلْبَيْتِ لَمْ يُشْرَعْ لِأُمَّةِ مُوسى وأُمَّةِ عِيسى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ ولا لِأكْثَرِ اَلْأُمَمِ قَبْلَهُما عَلى أنَّ اَلْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ تُشْرَعِ اَلزَّكاةُ اَلْمَعْرُوفَةُ وصِيامُ رَمَضانَ إلّا في اَلْمَدِينَةِ، وبِالجُمْلَةِ لا شَكَّ في اِخْتِلافِ اَلْأدْيانِ في اَلْفُرُوعِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ اِتِّفاقُها فِيما هو مِن مَكارِمِ اَلْأخْلاقِ واجْتِنابِ اَلرَّذائِلِ ﴿ كَبُرَ ﴾ أيْ عَظُمَ وشَقَّ ﴿ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِمْرارِ اَلتَّجَدُّدِيِّ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ ورَفْضِ عِبادَةِ اَلْأصْنامِ ويُشْعِرُ بِإرادَتِهِ اَلتَّعْبِيرَ بِالمُشْرِكِينَ وهو أصْلُ اَلْأُصُولِ وأعْظَمُ ما شَقَّ عَلَيْهِمْ كَما تُنْبِئُ بِذَلِكَ اَلْآياتُ أوْ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِن إقامَةِ اَلدِّينِ وعَدَمِ اَلتَّفَرُّقِ فِيهِ ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ﴾ تَسْلِيَةً لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ مِنهم مَن يُجِيبُ، و(يَجْتَبِي) مِنَ اَلِاجْتِباءِ بِمَعْنى اَلِاصْطِفاءِ والضَّمِيرُ في ﴿ إلَيْهِ ﴾ لِلَّهِ تَعالى كَما ذَكَرَ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ وغَيْرُهُ وكَذا اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ أيْ يَصْطَفِي إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَن يَشاءُ اِصْطِفاءَهُ ويُخَصِّصُهُ سُبْحانَهُ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنهُ أنْواعُ اَلنِّعَمِ ويَهْدِي عَزَّ وجَلَّ بِالإرْشادِ والتَّوْفِيقِ مَن يُقْبِلُ إلَيْهِ تَعالى شَأْنَهُ، وعُدِّيَ اَلِاجْتِباءُ بِإلى لِما فِيهِ مِنَ اَلْجَمْعِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ اَلرّاغِبِ، وجَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ اَلْجِبايَةِ بِمَعْنى اَلْجَمْعِ يُقالُ: جَبَيْتُ اَلْماءَ في اَلْحَوْضِ جَمَعْتُهُ فِيهِ فَمِنهم مَنِ اِخْتارَ جَعْلَ ضَمِيرِ (إلَيْهِ) في اَلْمَوْضِعَيْنِ- لِما- لِما فِيهِ مِنَ اِتِّساقِ اَلضَّمائِرِ أيْ يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ مَن يَشاءُ اِجْتِلابَهُ وجَمْعَهُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، ومِنهم مَنِ اِخْتارَ جَعْلَهُ لِلدِّينِ لِمُناسَبَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ هي اِتِّحادُ اَلْمُتَفَرَّقِ فِيهِ والمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ واَلزَّمَخْشَرِيُّ اِخْتارَ كَوْنَهُ مِنَ اَلْجِبايَةِ بِمَعْنى اَلْجَمْعِ وعَوْدَ اَلضَّمِيرِ عَلى اَلدِّينِ، وما ذَكَرَهُ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ وغَيْرُهُ.
قالَ في اَلْكَشْفِ: أظْهَرُ وأمْلَأُ بِالفائِدَةِ، أمّا اَلثّانِي فَلِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ اَلِاجْتِباءِ غَيْرُ أهْلِ اَلِاهْتِداءِ وكِلْتا اَلطّائِفَتَيْنِ هم أهْلُ اَلدِّينِ والتَّوْحِيدِ اَلَّذِينَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وعَلى مُخْتارِ طائِفَةٍ واحِدَةٍ.
وأمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّ اَلِاجْتِباءَ بِمَعْنى اَلِاصْطِفاءِ أكْثَرُ اِسْتِعْمالًا ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ اَلدِّينِ هم صَفْوَةُ اَللَّهِ تَعالى اِجْتَباهم إلَيْهِ واصْطَفاهم لِنَفَسِهِ سُبْحانَهُ، وأمّا اَلَّذِي آثَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ فَكَلامٌ ظاهِرِيٌّ بَناهُ عَلى أنَّ اَلْكَلامَ في عَدَمِ اَلتَّفَرُّقِ في اَلدِّينِ فَناسَبَ اَلْجَمْعَ والِانْتِهاءَ إلَيْهِ، وقِيلَ: (ما تَدْعُوهم إلَيْهِ) عَلى مَعْنى ما تَدْعُوهم إلى اَلْإيمانِ بِهِ والمُرادُ بِهِ اَلرِّسالَةُ أيْ ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ رِسالَتُكَ وعَظُمَ لَدَيْهِمْ تَخْصِيصُنا إيّاكَ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ دُونَهم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ عَلى نَحْوِ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ وما قَدَّمْنا أظْهَرُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما تَفَرَّقُوا ﴾ أيْ أُمَمِ اَلْأنْبِياءِ بَعْدَ وفاةِ أنْبِيائِهِمْ كَما في اَلْكَشْفِ مُنْذُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلدِّينِ اَلَّذِي دُعُوا إلَيْهِ واخْتَلَفُوا فِيهِ في وقْتٍ مِنَ اَلْأوْقاتِ ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ مِن أنْبِيائِهِمْ بِأنَّ اَلْفُرْقَةَ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ وهَذا يُؤَيِّدُ ما دَلَّ عَلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ اَلْأُمَمَ اَلْقَدِيمَةَ والحَدِيثَةَ أُمِرُوا بِاتِّفاقِ اَلْكَلِمَةِ وإقامَةِ اَلدِّينِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ سَبَبُهُ مَجازًا مُرْسَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْإسْنادِ، وأنْ يَكُونَ اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جاءَهم سَبَبُ اَلْعِلْمِ، وقَدْ يُقالُ جاءَ مَجازٌ عَنْ حَصَلَ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأوْقاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما تَفَرَّقُوا في حالٍ مِنَ اَلْأحْوالِ إلّا حالَ مَجِيءِ اَلْعِلْمِ ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ عَداوَةً عَلى أنَّ اَلْبَغْيَ اَلظُّلْمُ والتَّجاوُزُ والعَداوَةُ سَبَبٌ لَهُ وهي اَلدّاعِي لِلتَّفَرُّقِ أوْ طَلَبًا لِلدُّنْيا والرِّياسَةِ عَلى أنَّ اَلْبَغْيَ مَصْدَرُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ هي عِدَتُهُ تَعالى بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ مَعْلُومٍ لَهُ سُبْحانَهُ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ أوْ آخِرُ أعْمارِهِمُ اَلْمُقَدَّرَةِ لَهم ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِاسْتِئْصالِ اَلْمُبْطِلِينَ حِينَ اِفْتَرَقُوا لِعِظَمِ ما اِقْتَرَفُوا ﴿ وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ هم أهْلُ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ كانُوا في عَهْدِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ اَلْواوِ ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ مِن كِتابِهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ حَقَّ اَلْإيمانِ ﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُقْلِقٍ أوْ مُدْخِلٍ في اَلرِّيبَةِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ يُؤَكِّدُ أنَّ تَفَرُّقَهم ذَلِكَ باقٍ في أعْقابِهِمْ مُنْضَمًّا إلَيْهِ اَلشَّكُّ في كِتابِهِمْ مَعَ اِنْتِسابِهِمْ إلَيْهِ فَهم تَفَرَّقُوا بَعْدَ اَلْعِلْمِ اَلْحاصِلِ لَهم مِنَ اَلنَّبِيِّ اَلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمُ اَلْمُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ وتَفَرَّقُوا قَبْلَهُ شَكًّا في كِتابِهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يُصَدِّقُوا حَقَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلِذَلِكَ ﴾ أيْ إذا كانَ اَلْأمْرُ كَما ذُكِرَ فَلِأجْلِ ذَلِكَ اَلتَّفَرُّقِ ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ اَلْكَفْرِ في اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ شُعَبًا ﴿ فادْعُ ﴾ إلى اَلِائْتِلافِ والِاتِّفاقِ عَلى اَلْمِلَّةِ اَلْحَنِيفِيَّةِ اَلْقَدِيمَةِ ﴿ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ﴾ أيِ اُثْبُتْ عَلى اَلدُّعاءِ كَما أُوحِيَ إلَيْكَ، وقِيلَ: اَلْإشارَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ ﴾ وما يَتَّصِلُ بِهِ ونُقِلَ عَنِ اَلْواحِدِيِّ أيْ ولِأجْلِ ذَلِكَ مِنَ اَلتَّوْصِيَةِ اَلَّتِي شُورِكْتَ فِيها مَعَ نُوحٍ ومَن بَعْدَهُ ولِأجْلِ ذَلِكَ اَلْأمْرِ بِالإقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ اَلتَّفَرُّقِ فادْعُ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أنْ أقِيمُوا ﴾ شَمِلَ اَلنَّبِيَّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعَهُ كَما سَمِعْتَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فادْعُ ﴾ إلَخْ لا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ لِما يَظْهَرُ مِنَ اَلتَّكْرارِ وهو تَفَرُّعُ اَلْأمْرِ عَنِ اَلْأمْرِ، وأمّا تَسَبُّبُهُ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ فَظاهِرٌ عَلى مَعْنى فَلِما أحْدَثُوا مِنَ اَلتَّفَرُّقِ وأبْدَعُوا فاثْبُتْ أنْتَ عَلى اَلدُّعاءِ اَلَّذِي أُمِرْتَ بِهِ واسْتَقِمْ وهَذا ظاهِرٌ لِلْمُتَأمِّلِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن جَعَلَ اَلْمُشارَ إلَيْهِ اَلشَّرْعَ اَلسّابِقَ ولَمْ يُدْخِلْ فِيهِ اَلْأمْرَ بِالإقامَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ اَلتَّكْرارُ أيْ فَلِأجْلِ أنَّهُ شَرَعَ لَهُمُ اَلدِّينَ اَلْقَوِيمَ اَلْقَدِيمَ اَلْحَقِيقَ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ اَلْمُتَنافِسُونَ فادْعُ، وقِيلَ: هو اَلْكِتابُ، وقِيلَ: هو اَلْعِلْمُ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ وقِيلَ: هو اَلشَّكُّ ورُجِّحَ بِالقُرْبِ ولَيْسَ بِذاكَ، واللّامُ عَلى جَمِيعِ اَلْأقْوالِ اَلْمَذْكُورَةِ لِلتَّعْلِيلِ، وقِيلَ: عَلى بَعْضِها هي بِمَعْنى إلى صِلَةِ اَلدُّعاءِ فَما بَعْدَها هو اَلْمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ في إرادَةِ ذَلِكَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى فَإنَّ اَلدُّعاءَ يَتَعَدّى بِها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرا ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ اَلْفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ اَلْأُولى واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ والفاءُ اَلثّانِيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: كانَ اَلنّاسُ بَعْدَ اَلطُّوفانِ أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدِينَ فاخْتَلَفَ أبْناؤُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ حِينَ بَعَثَ اَللَّهُ تَعالى اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وجَعَلَ ضَمِيرَ (تَفَرَّقُوا) لِأخْلافِ أُولَئِكَ اَلْمُوَحِّدِينَ واَلَّذِينَ أُورِثُوا اَلْكِتابَ باقٍ عَلى ما تَقَدَّمَ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقِيلَ: ضَمِيرُ تَفَرَّقُوا لِأهْلِ اَلْكِتابِ تَفَرَّقُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بِمَبْعَثِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ ﴾ وإنَّما تَفَرَّقُوا حَسَدًا لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لا لِشُبْهَةٍ، والمُرادُ بِاَلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وأحْزابُهم لِأنَّهم أُورِثُوا اَلْقُرْآنَ فالكِتابُ اَلْقُرْآنُ وضَمِيرُ مِنهُ لَهُ وقِيلَ لِلرَّسُولِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، واخْتارَ كَوْنَ اَلْمُتَفَرِّقِينَ أهْلَ اَلْكِتابِ اَلْيَهُودَ والنَّصارى والمُورَثِينَ اَلشّاكِّينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ وأحْزابَهم شَيْخُ اَلْإسْلامِ واسْتَظْهَرَ اَلْخِطابَ في ﴿ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ لِأُمَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وتَعَقَّبَ اَلْقَوْلَ بِكَوْنِ اَلْمُتَفَرِّقِ كُلَّ أُمَّةٍ بَعْدَ نَبِيِّها والقَوْلَ بِكَوْنِهِ أخْلافَ اَلْمُوَحِّدِينَ اَلَّذِينَ كانُوا بَعْدَ اَلطُّوفانِ فَقالَ: يَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فَإنَّ مَشاهِيرَ اَلْأُمَمِ اَلْمَذْكُورَةِ قَدْ أصابَهم عَذابُ اَلِاسْتِئْصالِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ وإمْهالٍ عَلى أنَّ مَساقَ اَلنَّظْمِ اَلْكَرِيمِ لِبَيانِ أحْوالِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وإنَّما ذَكَرَ مَن ذَكَرَ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لِتَحْقِيقِ أنَّ ما شُرِعَ لِهَؤُلاءِ دِينٌ قَدِيمٌ أجْمَعَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ اَلْأعْلامُ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدَ اَلْوُجُوبِ إقامَتَهُ وتَشْدِيدًا لِلزَّجْرِ عَنِ اَلتَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ فِيهِ فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِ تَفَرُّقِ أُمَمِهِمْ عَنْهُ رُبَّما يُوهِمُ اَلْإخْلالَ بِذَلِكَ اَلْمَرامِ اِنْتَهى.
وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ لِأُولَئِكَ اَلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ اَلْمُرادَ بِهِمُ اَلْمُتَفَرِّقُونَ بَعْدَ وفاةِ أنْبِيائِهِمْ وهم لَمْ يُصِبْهم عَذابُ اَلِاسْتِئْصالِ وإنَّما أصابَ اَلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا في عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ وإطْلاقُ اَلْمُتَفَرِّقِينَ لَيْسَ بِذاكَ اَلظُّهُورِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ لَقُضِيَ بَيْنَهم رَيْثَما اِفْتَرَقُوا ولَمْ يُمْهَلُوا أعْوامًا، وقِيلَ: اَلْمُرادُ لَقُضِيَ بَيْنَهم بِإهْلاكِ اَلْمُبْطِلِينَ وإثابَةِ اَلْمُحِقِّينَ إثابَتَهم في اَلْعُقْبى وهو كَما تَرى، وعَنِ اَلثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ إيهامَ اَلتَّعَرُّضِ لِبَيانِ تَفَرُّقِ اَلْأُمَمِ اَلْإخْلالَ بِالمَرامِ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بِأنَّهُ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ وأنَّهُ كانَ بَغْيًا بَيْنَهم ولَمْ يَكُنْ لِشُبْهَةٍ في صِحَّةِ اَلدِّينِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ تَفَرَّقُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴾ .
حُكِيَ في اَلْبَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: وما تَفَرَّقُوا يَعْنِي قُرَيْشًا والعِلْمُ مُحَمَّدٌ صَلّى تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ اَلْآيَةَ، وقَدْ يُقالُ عَلَيْهِ: اَلْمُرادُ بِاَلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ أهْلُ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ عاصَرُوا اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعْنى مِن بَعْدِهِمْ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ مَن بَعْدَ أسْلافِهِمْ.
ونَقَلَ اَلطَّبْرَسِيُّ عَنِ اَلسُّدِّيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ مِن بَعْدِ أحْبارِهِمْ وفُسِّرَ اَلْمَوْصُولُ بِعَوامِّ أهْلِ اَلْكِتابِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ بَعْدِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أيْضًا والبَعْدِيَّةُ رُتَبِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: (والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها) ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ لا بَأْسَ بِعَوْدِ ضَمِيرِ ﴿ تَفَرَّقُوا ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ وُجِدَ لِلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ تَوْجِيهٌ يَقَعُ في حَيِّزِ اَلْقَبُولِ واَللَّهُ تَعالى اَلْمُوَفِّقُ، وجُعِلَ مُتَعَلِّقُ ”اِسْتَقِمْ“ اَلدُّعاءِ لا تَخْفى مُناسَبَتُهُ.
وجُوِّزَ جَعْلُهُ عامّا فَيَكُونُ اِسْتَقِمْ أمْرًا بِالِاسْتِقامَةِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِقامَةُ أنْ يَكُونَ عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، وفَسَّرَها اَلرّاغِبُ بِلُزُومِ اَلْمَنهَجِ اَلْمُسْتَقِيمِ فَلا حاجَةَ إلى اَلتَّأْوِيلِ بِالدَّوامِ عَلى اَلِاسْتِقامَةِ أيْ دُمْ عَلى اَلِاسْتِقامَةِ ﴿ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ ﴾ أيْ شَيْئًا مِن أهْوائِهِمُ اَلْباطِلَةِ عَلى أنَّ اَلْإضافَةَ لِلْجِنْسِ ﴿ وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ ﴾ أيْ بِجَمِيعِ اَلْكُتُبِ اَلْمُنْزَلَةِ لِأنَّ ما مِن أدَواتِ اَلْعُمُومِ، وتَنْكِيرُ (كِتابٍ) اَلْمُبَيَّنُ مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ، وفي هَذا اَلْقَوْلِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وبَيانٌ لِاتِّفاقِ اَلْكُتُبِ في اَلْأُصُولِ وتَأْلِيفٌ لِقُلُوبِ أهْلِ اَلْكِتابَيْنِ وتَعْرِيضٌ بِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِها ﴿ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ أيْ أمَرَنِي اَللَّهُ تَعالى بِما أمَرَنِي بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في تَبْلِيغِ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ فَلا أخُصُّ بِشَيْءٍ مِنها شَخْصًا دُونَ شَخْصٍ وقِيلَ: لِأعْدِلَ بَيْنَكم في اَلْحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ، وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ اَلشَّرائِعِ وفَصْلِ اَلْخُصُومَةِ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقِيلَ: لِأُسَوِّيَ بَيْنِي وبَيْنَكم ولا آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ ولا أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ولا أُفَرِّقَ بَيْنَ أصاغِرِكم وأكابِرِكم في إجْراءِ حُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: اَللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ ويَحْتاجُ لِتَقْدِيرِ اَلْباءِ أيْ بِأنْ أعْدِلَ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ﴿ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ ﴾ أيْ خالِقُ اَلْكُلِّ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ فَلَيْسَ اَلْمُرادُ خُصُوصَ اَلْمُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ ﴿ لَنا أعْمالُنا ﴾ لا يَتَخَطّانا جَزاؤُها ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا ﴿ ولَكم أعْمالُكُمْ ﴾ لا يُجاوِزُكم آثارُها لِنَنْتَفِعَ بِحَسَناتِكم ونَتَضَرَّرَ بِسَيِّئاتِكم ﴿ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ ﴾ أيْ لا اِحْتِجاجَ ولا خُصُومَةَ لِأنَّ اَلْحَقَّ قَدْ ظَهَرَ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاحْتِجاجِ حاجَةٌ ولا لِلْمُخالَفَةِ مَحْمَلٌ سِوى اَلْمُكابَرَةِ والعِنادِ، وجاءَتِ اَلْحُجَّةُ هُنا عَلى أصْلِها فَإنَّها في اَلْأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلِاحْتِجاجِ كَما ذَكَرَهُ اَلرّاغِبُ وشاعَتْ بِمَعْنى اَلدَّلِيلِ ولَيْسَ بِمُرادٍ ﴿ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿ وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴾ فَيَفْصِلُ سُبْحانَهُ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، ولَيْسَ في اَلْآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى مُتارَكَةِ اَلْكُفّارِ رَأْسًا حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآيَةِ اَلسَّيْفِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ ما يَظْهَرُ مِنها اَلْمُوادَعَةُ اَلْمَنسُوخَةُ بِتِلْكَ اَلْآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ ﴾ أيْ يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ.
ومُجاهِدٌ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ اَلنّاسِ عَنِ اَلْإسْلامِ وإضْلالِهِمْ فَقالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم فَدِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكُمْ، وفي رِوايَةٍ بَدَلَ فَدِينُنا إلَخْ فَنَحْنُ أوْلى بِاَللَّهِ تَعالى مِنكُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ قالَ اَلْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ لِمَن بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ: قَدْ دَخَلَ اَلنّاسُ في دِينِ اَللَّهِ أفْواجًا فاخْرُجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِنا أوِ اُتْرُكُوا اَلْإسْلامَ، والمُحاجَّةَ فِيهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ ولَعَلَّهم مَعَ هَذا يَذْكُرُونَ ما فِيهِ ذَلِكَ ﴿ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابَ اَلنّاسُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ وأذْعَنُوا لَهُ لِظُهُورِ اَلْحُجَّةِ ووُضُوحِ اَلْمَحَجَّةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِجابَةِ بِاعْتِبارِ دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ ﴿ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ زائِلَةٌ باطِلَةٌ لا تُقْبَلُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ بَلْ لا حُجَّةَ لَهم أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِالحُجَّةِ وهي اَلدَّلِيلُ هَهُنا مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ اَلْباطِلِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ﴿ لَهُ ﴾ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ والمُسْتَجِيبِ أهْلِ اَلْكُتُبِ واسْتِجابَتُهم لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إقْرارُهم بِنُعُوتِهِ واسْتِفْتاحُهم بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَإذا كانُوا هُمُ اَلْمُحاجِّينَ كانَ اَلْكَلامُ في قُوَّةِ واَلَّذِينَ يُحاجُّونَ في دِينِ اَللَّهِ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابُوا لِرَسُولِهِ وأقَرُّوا بِنُعُوتِهِ حُجَّتُهم في تَكْذِيبِهِ باطِلَةٌ لِما فِيها مِن نَفْيِ ما أقَرُّوا بِهِ قَبْلُ وصَدَّقَهُ اَلْعِيانُ، وقِيلَ: اَلْمُسْتَجِيبُ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وضَمِيرُ ﴿ لَهُ ﴾ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتِجابَتُهُ تَعالى لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإظْهارِ اَلْمُعْجِزاتِ اَلدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ اَلْجُبّائِيُّ حَيْثُ قالَ: أيْ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابَ اَللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ في كُفّارِ بَدْرٍ حَتّى قَتَلَهم بِأيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ ودُعاءَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ حَتّى قَحِطُوا ودُعاءَهُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حَتّى خَلَّصَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِن أيْدِي قُرَيْشٍ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ تَعْدادُهُ، وبَطَلانُ حُجَّتِهِمْ لِظُهُورِ خِلافِ ما تَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِمْ بِذَلِكَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ وحَمْلُ ﴿ اسْتُجِيبَ ﴾ عَلى اَلْوَعْدِ خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: إنَّ حَمْلَ اَلِاسْتِجابَةِ عَلى اِسْتِجابَةِ أهْلِ اَلْكِتابِ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا إذْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِنهُمْ، وقِيلَ: لا يَقْتَضِيهِ لِأنَّ خَبَرَ اِسْتِجابَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِنُعُوتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُبِمَكَّةَ بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ والمُجادِلُونَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ فَلا مانِعَ مِن كَوْنِها مَكِّيَّةٌ ﴿ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ﴾ عَظِيمٌ لِمُكابَرَتِهِمُ اَلْحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ ﴿ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ جِنْسَ اَلْكِتابِ أوِ اَلْكِتابَ اَلْمَعْهُودَ أوْ جَمِيعَ اَلْكُتُبِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ بَعِيدًا مِنَ اَلْباطِلِ في أحْكامِهِ وأخْبارِهِ أوْ مُلْتَبِسًا بِما يَحِقُّ ويَجِبُ مِنَ اَلْعَقائِدِ والأحْكامِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ أيِ اَلْعَدْلَ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أوِ اَلشَّرْعَ اَلَّذِي يُوزَنُ بِهِ اَلْحُقُوقُ ويُسَوِّي بَيْنَ اَلنّاسِ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ فِيهِ اِسْتِعارَةٌ ونِسْبَةُ اَلْإنْزالِ إلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ اَلْأجْسامِ والمُنْزِلُ حَقِيقَةً مَن بَلَّغَهُ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ اَلْأمْرَ أيْ أنْزَلَ اَلْأمْرَ بِالمِيزانِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أيْضًا مُحْتاجٌ إلى اَلتَّأْوِيلِ، وقَدْ يُقالُ: نِسْبَةُ اَلْإنْزالِ وكَذا اَلنُّزُولِ إلى اَلْأمْرِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا فالتَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ في اَلْإنْزالِ ويُقالَ نَحْوُ ذَلِكَ في ﴿ أنْزَلَ الكِتابَ ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْمِيزانَ اَلْآلَةُ اَلْمَعْرُوفَةُ فَعَلى هَذا إنْزالُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ اَلْأمْرِ بِهِ، واسْتَظْهَرَ اَلْأوَّلَ لِما نَقَلَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ في اَلْحَدِيدِ أنَّهُ نَزَلَ إلى نُوحٍ وأمَرَ أنْ يُوزَنَ بِهِ، وكَوْنُ اَلْمُرادِ بِهِ مِيزانَ اَلْأعْمالِ بَعِيدٌ هُنا.
﴿ وما يُدْرِيكَ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا أيْ عالِمًا ﴿ لَعَلَّ السّاعَةَ ﴾ أيْ إتْيانَ اَلسّاعَةِ اَلَّذِي أخْبَرَ بِهِ اَلْكِتابُ اَلنّاطِقُ بِالحَقِّ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مُذَكَّرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَرِيبٌ ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ في اَلْحَقِيقَةِ لِأنَّ اَلْمَحْذُوفَ بِقَرِينَةٍ كالمَلْفُوظِ وهو وجْهٌ في تَذْكِيرِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَأْوِيلِ اَلسّاعَةِ بِالبَعْثِ وأنْ يَكُونَ ﴿ قَرِيبٌ ﴾ مِن بابِ تامِرٍ ولابِنٍ أيْ ذاتُ قُرْبٍ إلى أوْجُهٍ أُخَرَ تَقَدَّمَتْ في اَلْكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى إنَّ اَلسّاعَةَ عَلى جَناحِ اَلْإتْيانِ فاتَّبِعِ اَلْكِتابَ وواظِبْ عَلى اَلْعَدْلِ واعْمَلْ بِالشَّرْعِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي تُوزَنُ فِيهِ اَلْأعْمالُ ويُوفى جَزاؤُها <div class="verse-tafsir"
﴿ يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ﴾ اِسْتِعْجالَ إنْكارٍ واسْتِهْزاءٍ كانُوا يَقُولُونَ: مَتى هي لَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أهُوَ اَلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ أمْ كاَلَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ﴾ أيْ خائِفُونَ مِنها مَعَ اِعْتِناءٍ بِها فَإنَّ اَلْإشْفاقَ عِنايَةٌ مُخْتَلِطَةٌ بِخَوْفٍ فَإذا عُدِّيَ بِمِن كَما هُنا فَمَعْنى اَلْخَوْفِ فِيهِ أظْهَرُ وإذا عُدِّيَ بِعَلى فَمَعْنِي اَلْعِنايَةِ أظْهَرُ، وعِنايَتُهم بِها لِتَوَقُّعِ اَلثَّوابِ، وزَعَمَ اَلْجَلْبِيُّ أنَّ اَلْآيَةَ مِنَ اَلِاحْتِباكِ والأصْلُ يَسْتَعْجِلُ بِها اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها فَلا يُشْفِقُونَ مِنها واَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها فَلا يَسْتَعْجِلُونَ بِها ﴿ ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ﴾ اَلْأمْرُ اَلْمُتَحَقِّقُ اَلْكائِنُ لا مَحالَةَ ﴿ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ ﴾ أيْ يُجادِلُونَ فِيها، وأصْلُهُ مِن مَرَيْتُ اَلنّاقَةَ إذا مَسَحْتُ ضَرْعَها لِلْحَلْبِ، وإطْلاقُ اَلْمُماراةِ عَلى اَلْمُجادَلَةِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ اَلْمُتَجادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ ما عِنْدَ صاحِبِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمِرْيَةِ اَلتَّرَدُّدُ في اَلْأمْرِ وهو أخَصُّ مِنَ اَلشَّكِّ ومَعْنى اَلْمُفاعَلَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فالمَعْنى أنَّ اَلَّذِينَ يَتَرَدَّدُونَ في أمْرِ اَلسّاعَةِ ويَشُكُّونَ فِيهِ ﴿ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ عَنِ اَلْحَقِّ فَإنَّ اَلْبَعْثَ أقْرَبُ اَلْغائِباتِ بِالمَحْسُوساتِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن تَجْوِيزِهِ مِن إحْياءِ اَلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وغَيْرِ ذَلِكَ فَمَن لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ فَهو عَنِ اَلِاهْتِداءِ إلى ما وراءَهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ بَرٌّ بَلِيغُ اَلْبِرِّ بِهِمْ يَفِيضُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن صُنُوفِهِ ما لا يَبْلُغُهُ اَلْأفْهامُ ويُؤْذِنُ بِذَلِكَ مادَّةُ اَللُّطْفِ وصِيغَةُ اَلْمُبالَغَةِ فِيها وتَنْكِيرُها اَلدّالُّ عَلى اَلْمُبالَغَةِ بِحَسْبِ اَلْكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، قالَ حُجَّةُ اَلْإسْلامِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ: إنَّما يَسْتَحِقُّ هَذا اَلِاسْمَ مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ اَلْمَصالِحِ وغَوامِضَها وما دَقَّ مِنها ولَطُفَ ثُمَّ يَسْلُكُ في إيصالِها إلى اَلْمُسْتَصْلَحِ سَبِيلَ اَلرِّفْقِ دُونَ اَلْعُنْفِ فَإذا اِجْتَمَعَ اَلرِّفْقُ في اَلْفِعْلِ واللُّطْفُ في اَلْإدْراكِ تَمَّ مَعْنى اَللَّطِيفِ ولا يُتَصَوَّرُ كَمالُ ذَلِكَ إلّا في اَللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، فَصُنُوفُ اَلْبِرِّ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ في اَلْكَمِّ، وكَوْنُها لا تَبْلُغُها اَلْأفْهامُ مِنَ اَلْمادَّةِ والمُبالَغَةِ في اَلْكَيْفِيَّةِ لِأنَّهُ إذا دَقَّ جِدًّا كانَ أخْفى وأخْفى، وإرادَةُ اَلْجَمِيعِ مِن إضافَةِ اَلْعِبادِ وهو جَمْعٌ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى فَيُفِيدُ اَلشُّمُولَ والِاسْتِغْراقَ، وبِالعُمُومِ قالَ مُقاتِلٌ إلّا أنَّهُ قالَ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا.
وقالَ أبُو حَيّانَ: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ أيْ بَرٌّ بِعِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ ومَن سَبَقَ لَهُ اَلْخُلُودُ في اَلْجَنَّةِ وما يُرى مِنَ اَلنِّعَمِ عَلى اَلْكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ إنَّما هو إمْلاءٌ إلّا ما آلَ إلى رَحْمَةٍ ووَفاةٍ عَلى اَلْإسْلامِ، وحَكى اَلطَّيِّبِيُّ هَذا اَلتَّخْصِيصَ عَنِ اَلْواحِدِيِّ ومالَ إلى تَرْجِيحِهِ وذَلِكَ أنَّهُ اِدَّعى أنَّ اَلْإضافَةَ في (عِبادِهِ) إضافَةُ تَشْرِيفٍ إذْ أكْثَرُ اِسْتِعْمالِ اَلتَّنْزِيلِ اَلْجَلِيلِ في مِثْلِ ذَلِكَ فَيَخْتَصُّ اَلْعِبادَ بِأوْلِيائِهِ تَعالى اَلْمُؤْمِنِينَ، وحَمَلَ اَللُّطْفَ عَلى مَنحِ اَلْهِدايَةِ وتَوْفِيقِ اَلطّاعَةِ وعَلى اَلْكِمالاتِ اَلْأُخْرَوِيَّةِ والكَراماتِ اَلسَّنِيَّةِ، وحَمَلَ اَلرِّزْقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ عَلَيْهِ أيْضًا وقالَ: إنَّ اِسْتِعْمالَهُ فِيما ذُكِرَ كاسْتِعْمالِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ .
وجَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ ﴾ مُؤْذِنًا بِالتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما تَلَطَّفَ جَلَّ شَأْنُهُ في حَقِّ عِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ دُونَ مَن غَضِبَ عَلَيْهِمْ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ تَعالى قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْتَصَّ بِرَحْمَتِهِ وكَرامَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَزِيزٌ غالِبٌ لا يَمْنَعُهُ سُبْحانَهُ عَمّا يُرِيدُهُ أحَدٌ، وادَّعى أنَّهُ يَكُونُ وِزانُ اَلْآيَةِ عَلى هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ اَلْآيَةَ وِزانَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ونَفْسٍ وما سَوّاها ﴾ ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ ﴿ قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها ﴾ ﴿ وقَدْ خابَ مَن دَسّاها ﴾ ويَنْتَظِمُ اَلْكَلامُ أتَمَّ اِنْتِظامٍ وتَلْتَئِمُ أطْرافُهُ أشَدَّ اِلْتِئامٍ، ولا يُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى اَلسّابِقِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَعُمَّ عُمُومُهُ والعُمُومُ أظْهَرُ، وحَدِيثُ اَلتَّخْصِيصِ في ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ صاحِبُ اَلتَّقْرِيبِ فَقالَ: إنَّما خَصَّصَ اَلرِّزْقَ بِمَن يَشاءُ مَعَ أنَّهم كُلَّهم بَرَّ سُبْحانَهُ بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ يَخُصُّ أحَدًا بِنِعْمَةٍ وغَيْرَهُ بِأُخْرى فالعُمُومُ لِجِنْسِ اَلْبِرِّ والخُصُوصُ لِنَوْعِهِ.
وأشارَ جارُ اَللَّهِ إلى أنَّهُ لا تَخْصِيصَ بِالحَقِيقَةِ فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى بَلِيغُ اَلْبِرِّ بِجَمِيعِ عِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ مِنهُ - فَيُرْزَقُ مَن يَشاءُ - بَيانٌ لِتَوْزِيعِهِ عَلى جَمِيعِهِمْ فَلَيْسَ اَلرِّزْقُ إلّا اَلنَّصِيبُ اَلْخاصُّ لِكُلِّ واحِدٍ، ولَمّا شَمِلَ اَلدّارَيْنِ لاءَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ﴾ إلَخْ كُلَّ اَلْمُلاءَمَةِ، ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى ما قالَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، ولَعَلَّ أمْرَ اَلتَّذْيِيلِ بِالِاسْمَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ عَلى اَلْقَوْلِ بِالعُمُومِ أظْهَرُ والتَّعْلِيلَ أنْسَبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ عامُّ اَلْإحْسانِ بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى اَلْقَوِيُّ اَلْباهِرُ اَلْقُدْرَةِ اَلَّذِي غَلَبَ وغَلَبَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ اَلْقُدَرِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ لِأنَّهُ اَلْعَزِيزُ اَلَّذِي لا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ فَكُلٌّ مِنَ اَلِاسْمَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ ناظِرٌ إلى حُكْمٍ فافْهَمْ ﴿ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ .
فَكَمْ لِلَّهِ مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ يَدِقُّ خَفاهُ عَنْ فَهْمِ اَلذَّكِيِّ والحَرْثُ في اَلْأصْلِ إلْقاءُ اَلْبَذْرِ في اَلْأرْضِ يُطْلَقُ عَلى اَلزَّرْعِ اَلْحاصِلِ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ في ثَمَراتِ اَلْأعْمالِ ونَتائِجِها بِطَرِيقِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلْمَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالغِلالِ اَلْحاصِلَةِ مِنَ اَلْبُذُورِ اَلْمُتَضَمِّنِ لِتَشْبِيهِ اَلْأعْمالِ بِالبُذُورِ أيْ مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ ثَوابَ اَلْآخِرَةِ نُضاعِفْ لَهُ ثَوابَهُ بِالواحِدِ عَشَرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ فَما فَوْقَها ﴿ ومَن كانَ يُرِيدُ ﴾ بِأعْمالِهِ ﴿ حَرْثَ الدُّنْيا ﴾ وهو مَتاعُها وطَيِّباتُها ﴿ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ أيْ شَيْئًا مِنها حَسْبَما قَدَّرْناهُ لَهُ بِطَلَبِهِ وإرادَتِهِ ﴿ وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ ﴾ إذْ كانَتْ هِمَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى اَلدُّنْيا وقَرَأ اِبْنُ مُقْسِمٍ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ والمِنقَرِيُّ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو (يَزِدْ) و(يُؤْتِهِ) بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ سَلّامٌ (نُؤْتِهُ) بِضَمِّ اَلْهاءِ وهي لُغَةُ أهْلِ اَلْحِجازِ وقَدْ جاءَ في اَلْآيَةِ فِعْلُ اَلشَّرْطِ ماضِيًا والجَوابُ مُضارِعًا مَجْزُومًا قالَ أبُو حَيّانَ: ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ اَلْجَزْمِ في مِثْلِ ذَلِكَ وأنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ مُطْلَقًا إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ اَلْإعْرابِ أبُو اَلْحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ عَنْ بَعْضِ اَلنَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في اَلْفَصِيحِ إلّا إذا كانَ فِعْلُ اَلشَّرْطِ كانَ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَها لِأنَّها أصْلُ اَلْأفْعالِ ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِكانَ بَلْ سائِرُ اَلْأفْعالِ مِثْلُها في ذَلِكَ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ: دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ اَلْقَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ وقالَ أيْضًا: ؎تَعِشْ فَإنْ عاهَدَتْنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ <div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ ﴾ في اَلْكُفْرِ وهُمُ اَلشَّياطِينُ ﴿ شَرَعُوا لَهُمْ ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ اَلْكَفَرَةِ اَلْمُعاصِرِينَ لَكَ بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ ﴿ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ كالشِّرْكِ وإنْكارِ اَلْبَعْثِ والعَمَلِ لِلدُّنْيا.
و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ فِيها مَعْنى بَلِ اَلِإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةِ اَلَّتِي لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ والإضْرابِ عَمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ﴾ إلَخْ فالعَطْفُ عَلَيْهِ وما اِعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ اَلْآيَتَيْنِ مِن تَتِمَّةٍ اَلْأُولى، وتَأْخِيرُ اَلْإضْرابِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم في شَرْعٍ يُخالِفُ ما شَرَعَهُ اَللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ فالشِّرْكُ في مُقابَلَةِ إقامَةِ اَلدِّينِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ وإنْكارُ اَلْبَعْثِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ﴾ والعَمَلُ لِلدُّنْيا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ ﴾ وهَذا أظْهَرُ مِن جَعْلِ اَلْإضْرابِ عَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴾ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم أصْنامُهُمْ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ اَلَّذِينَ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وإسْنادُ اَلشَّرْعِ إلَيْها لِأنَّها سَبَبُ ضَلالَتِهِمْ وافْتِتانِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلِاسْتِفْهامُ اَلْمُقَدَّرُ عَلى هَذا لِلْإنْكارِ أيْ لَيْسَ لَهم شَرْعٌ ولا شارِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا ﴾ وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ (شَرَعُوا) لِلشُّرَكاءِ وضَمِيرُ ﴿ لَهُمْ ﴾ لِلْكُفّارِ.
وجُوِّزَ عَلى تَفْسِيرِ اَلشُّرَكاءِ بِالأصْنامِ أنْ يَكُونَ اَلْأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثّانِي لِلشُّرَكاءِ أيْ شَرَعَ اَلْكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ورَسَمُوا مِنَ اَلْمُعْتَقَداتِ والأحْكامِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللَّهُ تَعالى كاعْتِقادِ أنَّهم آلِهَةٌ وأنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اَللَّهِ سُبْحانَهُ، وكَجَعْلِ اَلْبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو كَما تَرى ﴿ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ ﴾ أيِ اَلْقَضاءُ والحُكْمُ اَلسّابِقُ مِنهُ تَعالى بِتَأْخِيرِ اَلْعَذابِ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ أوْ إلى آخِرِ أعْمارِهِمْ ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ بَيْنَ اَلْكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ في اَلدُّنْيا أوْ حِينَ اِفْتَرَقُوا بِالعِقابِ والثَّوابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لَوْلا ما وعَدَهُمُ اَللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ اَلْفَصْلِ في اَلْآخِرَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم فالفَصْلُ بِمَعْنى اَلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ ﴾ وقِيلَ: ضَمِيرُ بَيْنَهم لِلْكُفّارِ وشُرَكائِهِمْ بِأيِّ مَعْنًى كانَ ﴿ وإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ وهُمُ اَلْمُحَدَّثُ عَنْهم أوِ اَلْأعَمُّ مِنهم ويَدْخُلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في اَلْآخِرَةِ.
وفي اَلْبَحْرِ أيْ في اَلدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ وفي اَلْآخِرَةِ بِالنّارِ.
وقَرَأ اَلْأعْرَجُ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿ كَلِمَةُ الفَصْلِ ﴾ أيْ لَوْلا اَلْقَضاءُ اَلسّابِقُ بِتَأْخِيرِ اَلْعَذابِ وتَقْدِيرِ أنَّ اَلظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في اَلْآخِرَةِ أوْ لَوْلا اَلْعِدَةُ بِأنَّ اَلْفَصْلَ يَكُونُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وتَقْدِيرُ أنَّ اَلظّالِمِينَ لَهم إلَخْ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، والعَطْفُ عَلى اَلتَّقْدِيرَيْنِ تَتْمِيمٌ لِلْإيضاحِ لا تَفْسِيرِيٌّ مَحْضٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ تَرى الظّالِمِينَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما قَبْلَ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ لِلْقَصْدِ إلى اَلْمُبالَغَةِ في سُوءِ حالِهِمْ أنْ تَرى يا مَن يَصِحُّ مِنهُ اَلرُّؤْيا اَلظّالِمِينَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ اَلْخَوْفَ اَلشَّدِيدَ ﴿ مِمّا كَسَبُوا ﴾ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلسَّيِّئاتِ، والكَلامُ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
و(مِن) صِلَةُ اَلْإشْفاقِ أيْ مُشْفِقِينَ مِن وبالِ ما كَسَبُوا ﴿ وهُوَ ﴾ أيِ اَلْوَبالُ ﴿ واقِعٌ بِهِمْ ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم لاحِقٌ بِهِمْ، واخْتارَ بَعْضُهم أنْ لا تَقْدِيرَ ومِن تَعْلِيلِيَّةٍ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في اَلْوَعِيدِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إشْفاقَهم لا يَنْفَعُهُمْ، وإيثارُ ﴿ واقِعٌ ﴾ عَلى يَقَعُ مِن أنَّ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِقْبالِ لِأنَّ اَلْخَوْفَ إنَّما يَكُونُ مِنَ اَلتَّوَقُّعِ بِخِلافِ اَلْحَزَنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ وظاهِرُ ما سَمِعْتُ أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.
وقالَ اَلرّاغِبُ: هي مَحاسِنُها ومَلاذُّها، وأصْلُ اَلرَّوْضَةِ مُسْتَنْقَعُ اَلْماءِ والخُضْرَةِ واللُّغَةُ اَلْكَثِيرَةُ في واوِها جَمْعًا اَلتَّسْكِينُ كَما في اَلْمُنْزَلِ ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُها فَيَقُولُونَ رَوَضاتِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى اَلصَّحِيحِ نَحْوَ جَفَناتٍ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ فِيما عَلِمْنا بِلُغَتِهِمْ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ مِن فُنُونِ اَلْمُسْتَلَذّاتِ حاصِلٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ اَلْواقِعِ خَبَرًا لِما أوْ بِهِ واخْتارَهُ جارُ اَللَّهِ ونَفى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَشاؤُونَ مَعَ أنَّهُ اَلظّاهِرُ نَحْوًا، وبَيَّنَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَلامٌ في مَعْرِضِ اَلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ما يَكُونُ أهْلُ اَلْجَنَّةِ فِيهِ مِنَ اَلنَّعِيمِ اَلدّائِمِ فَأُفِيدَ أنَّهم في أنْزَهِ مَوْضِعٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ وأطْيَبِ مَقْعَدٍ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ اَلْجَنَّةِ أنْزَهُ مَوْضِعٍ مِنها لا سِيَّما والإضافَةُ في هَذا اَلْمَقامِ تُنْبِئُ عَنْ تَمَيُّزِها بِالشَّرَفِ والطِّيبِ، والتَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ ﴾ أيْضًا ثَمَّ أفْيَدُ أنَّ لَهم ما يَشْتَهُونَ مِن رَبِّهِمْ ولا خَفاءَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: لِي عِنْدَ فُلانٍ ما شِئْتُ كانَ أبْلَغَ في حُصُولِ كُلِّ مَطالِبِكَ مِنهُ مِمّا إذا قُلْتَ: لِي ما شِئْتُ عِنْدَ فُلانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى اَلطّالِبِ والمَطْلُوبِ مِنهُ.
أمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ جَمِيعَ ما تَشاؤُهُ مَوْجُودٌ مَبْذُولٌ لَكَ مِنهُ، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ ما شِئْتَ عِنْدَهُ مَبْذُولٌ لا جَمِيعَ ما تَشاؤُهُ، وأمّا اَلثّانِي فَلِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِأنَّهُ يَبْذُلُ جَمِيعَ اَلْمُراداتِ، وفي اَلثّانِي وصَفْتَهُ بِأنَّ ما شِئْتَ عِنْدَهُ مَبْذُولٌ لَكَ إمّا مِنهُ وإمّا مِن غَيْرِهِ ثُمَّ في اَلْأوَّلِ مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وثُبُوتِهِ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ وقِبَلَكَ كَذا، فاَللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهم ثابِتٌ مَقْضِيٌّ في ذِمَّةِ فَضْلِهِ سُبْحانَهُ ولا كَذَلِكَ في اَلثّانِي، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ اَلْأوْجُهَ أنْ يُجْعَلَ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ خَبَرًا آخَرَ أيِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في رَوْضاتِ اَلْجَنّاتِ لَهم فِيها ما يَشاؤُونَ، وإنَّما أخَّرَ تَوَخِّيًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ اَلْمُبالَغَةِ في اَلتَّرَقِّي مِنَ اَلْأدْنى إلى اَلْأعْلى ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ اَلْوُجُودِ أيْضًا فَإنَّ اَلْوافِدَ والضَّيْفَ يَنْزِلُ في أنْزَهِ مَوْضِعٍ ثُمَّ يُحْضَرُ بَيْنَ يَدَيْهِ اَلَّذِي يَشْتَهِيهِ ومِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَخْتَصَّهُ رَبُّ اَلْمَنزِلِ بِالقُرْبِ والكَرامَةِ، وأنْ جَعَلَهُ حالًا مِن فاعِلِ يَشاؤُونَ أوْ مِنَ اَلْمَجْرُورِ في ﴿ لَهُمْ ﴾ أفادَ هَذا اَلْمَعْنى أيْضًا لَكِنَّهُ يَقْصُرُ عَمّا آثَرْناهُ لِأنَّهُ قَدْ أتى بِهِ إتْيانُ اَلْفَضْلَةِ وهو مَقْصُودٌ بِذاتِهِ عُمْدَةٌ، ولَعَمْرِي إنَّ ما آثَرَهُ حَسَنٌ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أبْعَدُ لَفْظًا مِمّا آثَرَهُ جارُ اَللَّهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو اَلْأنْسَبُ بِالتَّنْزِيلِ.
وفِي اَلْخَبَرِ عَنْ أبِي ظَبْيَةَ قالَ: إنِ اَلسِّرْبَ مِن أهْلِ اَلْجَنَّةِ لَتُظِلُّهُمُ اَلسَّحابَةُ فَتَقُولُ: ما أُمْطِرُكُمْ؟
فَما يَدْعُو داعٍ مِنَ اَلْقَوْمِ إلّا أمْطَرَتْهُ حَتّى أنَّ اَلْقائِلَ مِنهم لِيَقُولَ: أمْطِرِينا كَواعِبَ أتْرابًا ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن حالِ اَلْمُؤْمِنِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى اَلْبُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ اَلْمُشارِ إلَيْهِ ﴿ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ اَلَّذِي لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ولا تُبْلَغُ غايَتُهُ ويَصْغُرُ دُونَهُ ما لِغَيْرِهِمْ في اَلدُّنْيا <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ أوِ اَلثَّوابُ اَلْمَفْهُومُ مِنَ اَلسِّياقِ هو ﴿ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيْ يُبَشِّرُ بِهِ فَحَذَفَ اَلْجارَّ ثُمَّ اَلْعائِدَ إلى اَلْمَوْصُولِ كَما هو عادَتُهم في اَلتَّدْرِيجِ في اَلْحَذْفِ، ولا مانِعَ كَما قالاَلشِّهابُ مِن حَذْفِهِما دَفْعَةً، وجَوَّزَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى اَلتَّبْشِيرِ اَلْمَفْهُومِ مِن ﴿ يُبَشِّرُ ﴾ بَعْدُ والإشارَةُ قَدْ تَكُونُ لِما يُفْهَمُ بَعْدُ كَما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ونَحْوِهِ، والعائِدُ إلى اَلْمَوْصُولِ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ بِيُبَشِّرُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَهُ لِأنَّهُ ضَمِيرُ اَلْمَصْدَرِ أيْ ذَلِكَ اَلتَّبْشِيرُ يُبَشِّرُهُ اَللَّهُ عِبادَهُ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لا يَظْهَرُ جَعْلُ اَلْإشارَةِ إلى اَلتَّبْشِيرِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ لَفْظِ اَلْبُشْرى ولا ما يَدُلُّ عَلَيْها وهو ناشِئٌ عَنِ اَلْغَفْلَةِ عَمّا سَمِعْتُ فَلا حاجَةَ في اَلْجَوابِ عَنْهُ أنَّ كَوْنَ ما تَقَدَّمَ تَبْشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ كافٍ في صِحَّةِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ مَن جَعَلَ اَلَّذِي مَصْدَرِيَّةً حَكاهُ اِبْنُ مالِكٍ عَنْ يُونُسَ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ هَذِهِ اَلْآيَةَ أيْ ذَلِكَ تَبْشِيرُ اَللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ إثْباتٌ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ اَلْحَدِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وقَدْ ثَبَتَتِ اِسْمِيَّةُ اَلَّذِي فَلا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ لا يَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ ولا شُبْهَةٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ يَعْمُرَ.
وابْنُ أبِي إسْحاقَ.
والجَحْدَرِيُّ.
والأعْمَشُ.
وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ.
والكِسائِيُّ.
وحَمْزَةُ (يَبْشُرُ) ثُلاثِيًّا.
ومُجاهِدٌ.
وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بِضَمِّ اَلْياءِ وتَخْفِيفِ اَلشِّينِ مِن أبْشَرَ وهو مُعَدّى بِالهَمْزَةِ مِن بَشِرَ اَللّازِمِ اَلْمَكْسُورِ اَلشِّينِ وإمّا بَشَرَ بِفَتْحِها فَمُتَعَدٍّ وبَشَّرَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ اَلْمُعَدّى إلى واحِدٍ وهو مُخَفَّفٌ لا يُعَدّى بِالتَّضْعِيفِ إلَيْهِ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى ما أتَعاطاهُ لَكم مِنَ اَلتَّبْلِيغِ والبِشارَةِ وغَيْرِهِما ﴿ أجْرًا ﴾ أيْ نَفْعًا ما، ويَخْتَصُّ في اَلْعُرْفِ بِالمالِ ﴿ إلا المَوَدَّةَ ﴾ أيْ إلّا مَوَدَّتَكم إيّايَ ﴿ فِي القُرْبى ﴾ أيْ لِقَرابَتِي مِنكم فَفي لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلُها في «(إنَّ اِمْرَأةً دَخَلَتِ اَلنّارَ في هِرَّةٍ)» فَهي بِمَعْنى اَللّامِ لِتَقارُبِ اَلسَّبَبِ والعِلَّةِ، وإلى هَذا اَلْمَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وجَماعَةٌ والخِطابُ إمّا لِقُرَيْشٍ عَلى ما قِيلَ: إنَّهم جَمَعُوا لَهُ مالًا وأرادُوا أنْ يُرْشُوهُ عَلى أنْ يُمْسِكَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ ونَزَلَتْ.
ولَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في جَمِيعِهِمْ قَرابَةٌ.
أخْرَجَ أحْمَدُ.
والشَّيْخانِ.
واَلتِّرْمِذِيُّ.
وغَيْرُهم عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: عَجِلْتَ إنَّ اَلنَّبِيَّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قُرابَةٌ أوْ لِلْأنْصارِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّهم أتَوْهُ بِمالٍ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلى ما يَنُوبُهُ فَنَزَلَتْ فَرَدَّهُ، ولَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قَرابَةٌ مِنهم لِأنَّهم أخْوالُهُ فَإنَّ أُمَّ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وهي سَلْمى بِنْتُ زَيْدٍ اَلنَّجّارِيَّةُ مِنهم وكَذا أخْوالُ آمِنَةَ أُمِّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا عَلى ما في بَعْضِ اَلتَّوارِيخِ مِنَ اَلْأنْصارِ أيْضًا أوْ لِجَمِيعِ اَلْعَرَبِ لِقَرابَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم جَمِيعًا في اَلْجُمْلَةِ كَيْفَ لا وهم إمّا عَدْنانِيُّونَ وقُرَيْشٌ مِنهم وإمّا قَحْطانِيُّونَ والأنْصارُ مِنهُمْ، وقَرابَتُهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلٍّ قَدْ عُلِمَتْ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ قَرابَتَهُ مِن جَمِيعِ اَلْعَرَبِ، وقُضاعَةُ مِن قَحْطانَ لا قِسْمٌ بِرَأْسِهِ عَلى ما عَلَيْهِ مُعْظَمُ اَلنَّسّابِينَ، والمَعْنى إنْ لَمْ تَعْرِفُوا حَقِّي لِنُبُوَّتِي وكَوْنِي رَحْمَةً عامَّةً ونِعْمَةً تامَّةً فَلا أقَلَّ مِن مَوَدَّتِي لِأجْلِ حَقِّ اَلْقَرابَةِ وصِلَةِ اَلرَّحِمِ اَلَّتِي تَعْتَنُونَ بِحِفْظِها ورِعايَتِها.
وحاصِلُهُ لا أطْلُبُ مِنكم إلّا مَوَدَّتِي ورِعايَةَ حُقُوقِي لِقَرابَتِي مِنكم وذَلِكَ أمْرٌ لازِمٌ عَلَيْكُمْ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا في اَلصَّحِيحَيْنِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ بَلْ جاءَ ذَلِكَ عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ في رِواياتٍ كَثِيرَةٍ وظاهِرُها أنَّ اَلْخِطابَ لِقُرَيْشٍ مِنها ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ.
وابْنُ سَعْدٍ.
وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.
والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.
والبَيْهَقِيُّ في اَلدَّلائِلِ عَنِ اَلشَّعْبِيِّ قالَ: أكْثَرَ اَلنّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ إلَخْ فَكَتَبْنا إلى اِبْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ فَكَتَبَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ وسَطَ اَلنَّسَبِ في قُرَيْشٍ لَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدُوهُ قالَ اَللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ عَلى ما أدْعُوكم عَلَيْهِ ﴿ إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وتَحْفَظُونِي بِها.
ومِنها ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ.
وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.
وابْنُ أبِي حاتِمٍ.
والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَرابَةٌ مِن جَمِيعِ قُرَيْشٍ فَلَمّا كَذَّبُوهُ وأبَوْا أنْ يُتابِعُوهُ قالَ: يا قَوْمِ إذا أبَيْتُمْ أنْ تُتابِعُونِي فاحْفَظُوا قَرابَتِي فِيكم ولا يَكُونُ غَيْرُكم مِنَ اَلْعَرَبِ أوْلى بِحِفْظِي ونُصْرَتِي مِنكُمْ،»، والظّاهِرُ مِن هَذِهِ اَلْأخْبارِ أنَّ اَلْآيَةَ مَكِّيَّةٌ والقَوْلُ بِأنَّها في اَلْأنْصارِ يَقْتَضِي كَوْنَها مَدَنِيَّةً، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِناءً عَلى ما سَمِعْتُ مِن تَعْمِيمِ اَلْأجْرِ.
وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اَلتَّعْمِيمِ.
وكَوْنُ اَلْمَوَدَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ مِن أفْرادِ اَلْأجْرِ اِدِّعاءٌ كافٍ لِاتِّصالِ اَلِاسْتِثْناءِ، وقِيلَ: هو مُنْقَطِعٌ إمّا بِناءً عَلى أنَّ اَلْمَوَدَّةَ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَتْ أجْرًا أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِأنَّها لازِمَةٌ لَهم لِيُمْدَحُوا بِصِلَةِ اَلرَّحِمِ فَنَفْعُها عائِدٌ عَلَيْهِمْ والِانْقِطاعُ أقْطَعُ لِتَوَهُّمِ اَلْمُنافاةِ بَيْنَ هَذِهِ اَلْآيَةِ والآياتِ اَلْمُتَضَمِّنَةِ لِنَفْيِ سُؤالِ اَلْأجْرِ مُطْلَقًا وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ اَلْمَعْنى لا أطْلُبُ مِنكم أجْرًا إلّا مَحَبَّتَكم أهْلَ بَيْتِي وقَرابَتِي.
وفي اَلْبَحْرِ أنَّهُ قَوْلُ اِبْنِ جُبَيْرٍ.
والسُّدِّيِّ.
وعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، و(فِي) عَلَيْهِ لِلظَّرْفِيَّةِ اَلْمَجازِيَّةِ.
و(القُرْبى) بِمَعْنى اَلْأقْرِباءِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ أيْ إلّا اَلْمَوَدَّةَ ثابِتَةً في أقْرِبائِي مُتَمَكِّنَةً فِيهِمْ، ولِمَكانَةِ هَذا اَلْمَعْنى لَمْ يَقُلْ: إلّا مَوَدَّةَ اَلْقُرْبى، وذَكَرَ أنَّهُ عَلى اَلْأوَّلِ كَذَلِكَ وأمْرُ اِتِّصالِ اَلِاسْتِثْناءِ وانْقِطاعِهِ عَلى ما سَبَقَ، والمُرادُ بِقَرابَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا اَلْقَوْلِ قِيلَ: ولَدُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، وقِيلَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، أخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ.
وابْنُ أبِي حاتِمٍ.
والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُبَيْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «(لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ﴿ قُلْ لا أسْألُكُمْ ﴾ إلَخْ قالُوا: يا رَسُولَ اَللَّهِ مَن قَرابَتُكَ اَلَّذِينَ وجَبَتْ مَوَدَّتُهُمْ؟
قالَ عَلِيٌّ وفاطِمَةُ ووَلَدُها صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اَلنَّبِيِّ وعَلَيْهِمْ)».
وسَنَدُ هَذا اَلْخَبَرِ عَلى ما قالَ اَلسُّيُوطِيُّ في اَلدُّرِّ اَلْمَنثُورِ ضَعِيفٌ، ونَصَّ عَلى ضَعْفِهِ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ اَلْكَشّافِ اِبْنُ حَجَرٍ، وأيْضًا لَوْ صَحَّ لَمْ يَقُلِ اِبْنُ عَبّاسٍ ما حُكِيَ عَنْهُ في اَلصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما وقَدْ تَقَدَّمَ إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ اَلْبَيْتِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي اَلدَّيْلَمِ قالَ: لَمّا جِيءَ بِعَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما أسِيرًا فَأُقِيمَ عَلى دَرَجِ دِمَشْقَ قامَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اَلشّامِ فَقالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي قَتَلَكم واسْتَأْصَلَكم فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أقَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ؟
قالَ: نَعَمْ قالَ: أقَرَأْتَ آلَ حم؟
قالَ: نَعَمْ قالَ: ما قَرَأْتَ: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ قالَ: فَإنَّكم لَأنْتُمْ هُمْ؟
قالَ: نَعَمْ.
ورَوى ذاذانُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: فِينا في آلِ حم آيَةٌ لا يَحْفَظُ مَوَدَّتَنا إلّا مُؤْمِنٌ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ، وإلى هَذا أشارَ اَلْكُمَيْتُ في قَوْلِهِ: وجَدْنا لَكم في آلِ حم آيَةً تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ اَلسَّيِّدِ عُمَرَ اَلْهَيْتِيِّ أحَدِ اَلْأقارِبِ اَلْمُعاصِرِينَ حَيْثُ يَقُولُ: بِأيَّةِ آيَةٍ يَأْتِي يَزِيدُ ∗∗∗ غَداةَ صَحائِفُ اَلْأعْمالِ تُتْلى وقامَ رَسُولُ رَبِّ اَلْعَرْشِ يَتْلُو ∗∗∗ وقَدْ صُمَّتْ جَمِيعُ اَلْخَلْقِ قُلْ لا والخِطابُ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ لِجَمِيعِ اَلْأُمَّةِ لا لِلْأنْصارِ فَقَطْ وإنْ ورَدَ ما يُوهِمُ ذَلِكَ فَإنَّهم كُلَّهم مُكَلَّفُونَ بِمَوَدَّةِ أهْلِ اَلْبَيْتِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ.
واَلتِّرْمِذِيُّ.
والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ (أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اَللَّهَ تَعالى في أهْلِ بَيْتِي».
وأخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ.
وحَسَّنَهُ.
والطَّبَرانِيُّ.
والحاكِمُ.
والبَيْهَقِيُّ في اَلشُّعَبِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ «(أحِبُّوا اَللَّهَ تَعالى لِما يَغْذُوكم بِهِ مِن نِعْمَةٍ وأحِبُّونِي لِحُبِّ اَللَّهِ تَعالى وأحِبُّوا أهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي)» وأخْرَجَ اِبْنُ حِبّانَ.
والحاكِمُ.
عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَبْغَضُنا أهْلَ اَلْبَيْتِ رَجُلٌ إلّا أدْخَلَهُ اَللَّهُ تَعالى اَلنّارَ)» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ اَلْأخْبارِ، وفي بَعْضِها ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ اَلْقُرْبى وشُمُولِها لِبَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ.
واَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.
والنَّسائِيُّ عَنِ اَلْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «دَخَلَ اَلْعَبّاسُ عَلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنّا لَنَخْرُجُ فَنَرى قُرَيْشًا تُحَدِّثُ فَإذا رَأوْنا سَكَتُوا فَغَضِبَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ودَرَّ عَرَقٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: واَللَّهِ لا يَدْخُلُ قَلْبَ اِمْرِئٍ مُسْلِمٍ إيمانٌ حَتّى يُحِبَّكم لِلَّهِ تَعالى ولِقَرابَتِي،» وهَذا ظاهِرٌ إنْ خَصَّ اَلْقُرْبى بِالمُؤْمِنِينَ مِنهم وإلّا فَقِيلَ: إنَّ اَلْحُكْمَ مَنسُوخٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، والحَقُّ وُجُوبُ مَحَبَّةِ قَرابَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ إنَّهم قَرابَتُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ كانُوا، وما أحْسَنَ ما قِيلَ: دارَيْتُ أهْلَكَ في هَواكَ وهم عِدا ∗∗∗ ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ وكُلَّما كانَتْ جِهَةُ اَلْقَرابَةِ أقْوى كانَ طَلَبُ اَلْمَوَدَّةِ أشُدَّ، فَمَوَدَّةُ اَلْعَلَوِيِّينَ اَلْفاطِمِيِّينَ ألْزَمُ مِن مَحَبَّةِ اَلْعَبّاسِيِّينَ عَلى اَلْقَوْلِ بِعُمُومِ (اَلْقُرْبى) وهي عَلى اَلْقَوْلِ بِالخُصُوصِ قَدْ تَتَفاوَتُ أيْضًا بِاعْتِبارِ تَفاوُتِ اَلْجِهاتِ والِاعْتِباراتِ وآثارُ تِلْكَ اَلْمَوَدَّةِ اَلتَّعْظِيمُ والِاحْتِرامُ والقِيامُ بِأداءِ اَلْحُقُوقِ أتَمَّ قِيامٍ، وقَدْ تَهاوَنَ كَثِيرٌ مِنَ اَلنّاسِ بِذَلِكَ حَتّى عَدُّوا مِنَ اَلرَّفْضِ اَلسُّلُوكَ في هاتِيكَ اَلْمَسالِكِ.
وأنا أقُولُ قَوْلَ اَلشّافِعِيِّ اَلشّافِي اَلْعَيَّ: يا راكِبًا قِفْ بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ واهْتِفْ بِساكِنِ خِيفِها والنّاهِضِ سَحَرًا إذا فاضَ اَلْحَجِيجُ إلى مِنى ∗∗∗ فَيْضًا كَمُلْتَطِمِ اَلْفُراتِ اَلْفائِضِ إنْ كانَ رَفْضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَلْيَشْهَدِ اَلثَّقَلانِ أنِّي رافِضِي ومَعَ هَذا لا أُعِدُّ اَلْخُرُوجَ عَمّا يَعْتَقِدُهُ أكابِرُ أهْلِ اَلسُّنَّةِ في اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم دِينًا وأرى حُبَّهم فَرْضًا عَلَيَّ مُبَيَّنًا فَقَدْ أوْجَبَهُ أيْضًا اَلشّارِعُ وقامَتْ عَلى ذَلِكَ اَلْبَراهِينُ اَلسَّواطِعُ.
ومِنَ اَلظَّرائِفِ ما حَكاهُ اَلْإمامُ عَنْ بَعْضِ اَلْمُذَكِّرِينَ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(مَثَلُ أهْلِ بَيْتِي كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَن رَكِبَ فِيها نَجا ومَن تَخَلَّفَ عَنْها هَلَكَ)» وقالَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اِقْتَدَيْتُمُ اِهْتَدَيْتُمْ)» ونَحْنُ اَلْآنُ في بَحْرِ اَلتَّكْلِيفِ وتَضْرِبُنا أمْواجُ اَلشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ وراكِبُ اَلْبَحْرِ يَحْتاجُ إلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما اَلسَّفِينَةُ اَلْخالِيَةُ عَنِ اَلْعُيُوبِ، والثّانِي اَلْكَواكِبُ اَلطّالِعَةُ اَلنَّيِّرَةُ، فَإذا رَكِبَ تِلْكَ اَلسَّفِينَةَ ووَضَعَ بَصَرَهُ عَلى تِلْكَ اَلْكَواكِبِ كانَ رَجاءُ اَلسَّلامَةِ غالِبًا، فَلِذَلِكَ رَكِبَ أصْحابُنا أهْلُ اَلسُّنَّةِ سَفِينَةَ حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ووَضَعُوا أبْصارَهم عَلى نُجُومِ اَلصَّحابَةِ يَرْجُونَ أنْ يَفُوزُوا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ في اَلدُّنْيا والآخِرَةِ اِنْتَهى، والكَثِيرُ مِنَ اَلنّاسِ في حَقِّ كُلٍّ مِنَ اَلْآلِ والأصْحابِ في طَرَفَيِ اَلتَّفْرِيطِ والإفْراطِ وما بَيْنَهُما هو اَلصِّراطُ اَلْمُسْتَقِيمُ، ثَبَّتَنا اَللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ اَلصِّراطِ.
وقالَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ اَلْقاسِمِ: اَلْمَعْنى لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ يَوَدَّ بَعْضُكم بَعْضًا وتَصِلُوا قُراباتِكُمْ، وأمْرُ (فِي) والِاسْتِثْناءُ لا يَخْفى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ اَلْحَسَنِ أنَّ اَلْمَعْنى لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا اَلتَّقَرُّبَ إلى اَللَّهِ تَعالى بِالعَمَلِ اَلصّالِحِ فالقُرْبى بِمَعْنى اَلْقَرابَةِ ولَيْسَ اَلْمُرادُ قُرابَةَ اَلنَّسَبِ؛ قِيلَ: ويَجْرِي في اَلِاسْتِثْناءِ اَلِاتِّصالُ والِانْقِطاعُ، واسْتَظْهَرَ اَلْخَفاجِيُّ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ وأنَّهُ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ اَلْبَيْتَ، وأراهُ عَلى اَلْقَوْلِ قَبْلَهُ كَذَلِكَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (إلّا مَوَدَّةً في اَلْقُرْبى) هَذا ومِنَ اَلشِّيعَةِ مَن أوْرَدَ اَلْآيَةَ في مَقامِ اَلِاسْتِدْلالِ عَلى إمامَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ واجِبُ اَلْمَحَبَّةِ وكُلُّ واجِبِ اَلْمَحَبَّةِ واجِبُ اَلطّاعَةِ وكُلُّ واجِبِ اَلطّاعَةِ صاحِبُ اَلْإمامَةِ يَنْتِجُ عَلِيٌّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ صاحِبُ اَلْإمامَةِ وجَعَلُوا اَلْآيَةَ دَلِيلَ اَلصُّغْرى، ولا يَخْفى ما في كَلامِهِمْ هَذا مِنَ اَلْبَحْثِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ اَلِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى اَلصُّغْرى لا يَتِمُّ إلّا عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ مَعْناها لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا أنْ تَوَدُّوا قَرابَتِي وتُحِبُّوا أهْلَ بَيْتِي وقَدْ ذَهَبَ اَلْجُمْهُورُ إلى اَلْمَعْنى اَلْأوَّلِ، وقِيلَ في هَذا اَلْمَعْنى: إنَّهُ لا يُناسِبُ شَأْنَ اَلنُّبُوَّةِ لِما فِيهِ مِنَ اَلتُّهْمَةِ فَإنَّ أكْثَرَ طَلَبَةِ اَلدُّنْيا يَفْعَلُونَ شَيْئًا ويَسْألُونَ عَلَيْهِ ما يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ لِأوْلادِهِمْ وقُراباتِهِمْ، وأيْضًا فِيهِ مُنافاةُ ما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ وأمّا ثانِيًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ واجِبِ اَلْمَحَبَّةِ واجِبُ اَلطّاعَةِ فَقَدْ ذَكَرَ اِبْنُ بابَوَيْهِ في كِتابِ اَلِاعْتِقاداتِ أنَّ اَلْإمامِيَّةَ أجْمَعُوا عَلى وُجُوبِ مَحَبَّةِ اَلْعَلَوِيَّةِ مَعَ أنَّهُ لا يَجِبُ طاعَةُ كُلٍّ مِنهُمْ، وأما ثالِثًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ واجِبِ اَلطّاعَةِ صاحِبُ اَلْإمامَةِ أيِ اَلزَّعامَةِ اَلْكُبْرى وإلّا لَكانَ كُلُّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ صاحِبَ ذَلِكَ ونَصُّ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ يَأْبى ذَلِكَ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ اَلْآيَةَ تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ اَلصُّغْرى أهْلُ اَلْبَيْتِ واجِبُو اَلطّاعَةِ ومَتى كانَتْ هَذِهِ صُغْرى قِياسُهم لا يَنْتِجُ اَلنَّتِيجَةَ اَلَّتِي ذَكَرُوها ولَوْ سَلَّمْتَ جَمِيعَ مُقَدِّماتِهِ بَلْ يَنْتِجُ أهْلُ اَلْبَيْتِ صاحِبُو اَلْإمامَةِ وهم لا يَقُولُونَ بِعُمُومِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْأبْحاثِ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
﴿ ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ﴾ أيْ يَكْتَسِبُ أيَّ حَسَنَةٍ كانَتْ، والكَلامُ تَذْيِيلٌ، وقِيلَ اَلْمُرادُ بِالحَسَنَةِ اَلْمَوَدَّةُ في قُرْبى اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.
والسُّدِّيِّ، وأنَّ اَلْآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِشَدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِأهْلِ اَلْبَيْتِ، وقِصَّةِ فَدَكَ.
والعَوالِي لا تَأْبى ذَلِكَ عِنْدَ مَن لَهُ قَلْبٌ سَلِيمٌ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَتْمِيمٌ، ولَعَلَّ اَلْأوَّلَ أوْلى، وحُبُّ آلِ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أعْظَمِ اَلْحَسَناتِ وتَدْخُلُ في اَلْحَسَنَةِ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ نَزِدْ لَهُ فِيها ﴾ أيْ في اَلْحَسَنَةِ ﴿ حُسْنًا ﴾ بِمُضاعَفَةِ اَلثَّوابِ عَلَيْها فَإنَّها يُزادُ بِها حُسْنُ اَلْحَسَنَةِ، فَفي لِلظَّرْفِيَّةِ و(حُسْنًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ تَمْيِيزٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.
وعَبْدُ اَلْوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو.
وأحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ اَلْكِسائِيِّ (يَزِدْ) بِالياءِ أيْ يَزِدِ اَللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ عَبْدُ اَلْوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (حُسْنى) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى أوْ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ أيْ صِفَةً أوْ خَصْلَةً حُسْنى ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ ساتِرٌ ذُنُوبَ عِبادِهِ ﴿ شَكُورٌ ﴾ مُجازٍ مَن أطاعَ مِنهم بِتَوْفِيَةِ اَلثَّوابِ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِ بِالزِّيادَةِ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ: غَفُورٌ لِذُنُوبِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ يَقُولُونَ ﴾ بَلْ أيَقُولُونَ ﴿ افْتَرى ﴾ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِدَعْوى اَلنُّبُوَّةِ أوِ اَلْقُرْآنِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ اَلتَّوْبِيخِي وبَلْ لِلْإضْرابِ مِن غَيْرِ إبْطالٍ وهو إضْرابٌ أطَمُّ مِنَ اَلْأوَّلِ فَأطَمُّ فَإنَّ إثْباتَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اَلشَّرْعِ وإنْ كانَ شَرًّا وشِرْكًا أقْرَبُ مِن جَعْلِ اَلْحَقِّ اَلْأبْلَجِ اَلْمُعْتَضَدِ بِالبُرْهانِ اَلنَّيِّرِ مِن أوْسَطِهِمْ فَضْلًا ودَعَةً وعَقْلًا اِفْتِراءً ثُمَّ اِفْتِراءً عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَتَمالَكُونَ اَلتَّفَوُّهَ بِنِسْبَةِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إلى اَلِافْتِراءِ ثُمَّ إلى اَلِافْتِراءِ عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ اَلَّذِي هو أعْظَمُ اَلْفَرْيِ وأفْحَشُها ولا تَحْتَرِقُ ألْسِنَتُهم.
وفِي ذَلِكَ أتَمُّ دَلالَةٍ عَلى بُعْدِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلِافْتِراءِ كَيْفَ وقَدْ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ﴾ فَإنَّ هَذا اَلْأُسْلُوبَ مُؤَدّاهُ اِسْتِبْعادُ اَلِافْتِراءِ مِن مِثْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ في اَلْبُعْدِ مِثْلُ اَلشِّرْكِ بِاَللَّهِ سُبْحانَهُ والدُّخُولِ في جُمْلَةِ اَلْمَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ يَشَأِ اَللَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلْكَ مِنَ اَلْمَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى تَفْتَرِيَ عَلَيْهِ اَلْكَذِبَ فَإنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى اِفْتِراءِ اَلْكَذِبِ عَلى اَللَّهِ تَعالى إلّا مَن كانَ في مِثْلِ حالِهِمْ وهو في مَعْنى فَإنْ يَشَأْ يَجْعَلْكَ مِنهم لِأنَّهم هُمُ اَلْمُفْتَرُونَ اَلَّذِينَ شَرَعُوا مِنَ اَلدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللَّهُ تَعالى، وما أحْسَنَ هَذا اَلتَّعْرِيضَ بِأنَّهُمُ اَلْمُفْتَرُونَ وأنَّهم في نَفْسِ هَذِهِ اَلْمَقالَةِ عَنِ اِفْتِرائِهِمْ مُفْتَرُونَ، ونَظِيرُ اَلْآيَةِ فِيما ذُكِرَ قَوْلُ أمِينٍ نُسِبَ إلى اَلْخِيانَةِ: لَعَلَّ اَللَّهَ تَعالى خَذَلَنِي لَعَلَّ اَللَّهَ تَعالى أعْمى قَلْبِي وهو لا يُرِيدُ إثْباتَ اَلْخِذْلانِ وعَمى اَلْقَلْبِ وإنَّما يُرِيدُ اِسْتِبْعادَ أنْ يُخَوَّنَ مِثْلُهُ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ رُكِّبَ مِن تَخْوِينِهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ قَوْلِهِمْ، وأتى بِإنْ مَعَ أنَّ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى مَقْطُوعٌ بِهِ قِيلَ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ، وقِيلَ: إشْعارٌ بِعَظَمَتِهِ تَعالى وأنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعالَمِينَ، ثُمَّ ذَيَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ﴾ تَأْكِيدًا لِلْمَفْهُومِ مِنَ اَلسّابِقِ مِن أنَّهُ لَيْسَ مِنَ اَلِافْتِراءِ في شَيْءٍ أيْ كَيْفَ يَكُونُ اِفْتِراءً ومِن عادَتِهِ تَعالى مَحْوُ اَلْباطِلِ ومَحْقُهُ وإثْباتُ اَلْحَقِّ بِوَحْيِهِ أوْ بِقَضائِهِ وما أتى بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يَزْدادُ كُلَّ يَوْمِ قُوَّةً ودَحْوًا فَلَوْ كانَ مُفْتَرِيًا كَما يَزْعُمُونَ لَكَشَفَ اَللَّهُ تَعالى اِفْتِراءَهُ ومَحَقَهُ وقَذَفَ بِالحَقِّ عَلى باطِلِهِ فَدَمَغَهُ.
والفِعْلُ اَلْمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ.
والكَلامُ اِبْتِدائِيٌّ فَيَمْحُ مَرْفُوعٌ لا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى ﴿ يَخْتِمْ ﴾ وأُسْقِطَتِ اَلْواوُ في اَلرَّسْمِ في أغْلَبِ اَلْمَصاحِفِ تَبَعًا لِإسْقاطِها في اَللَّفْظِ لِالتِقاءِ اَلسّاكِنَيْنِ كَما في ﴿ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ﴾ .
﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ ﴾ وكانَ اَلْقِياسُ إثْباتَها رَسْمًا لَكِنَّ رَسْمَ اَلْمُصْحَفِ لا يَلْزَمُ جَرْيُهُ عَلى اَلْقِياسِ، ويُؤَيِّدُ اَلِاسْتِئْنافَ دُونَ اَلْعَطْفِ عَلى (يَخْتِمْ) إعادَةُ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ ورَفْعُ ﴿ يُحِقَّ ﴾ وهَذا ما ذَكَرَهُ جارُ اَللَّهِ في اَلْجُمْلَتَيْنِ وبَيانُ اِرْتِباطِهِما بِما قَبْلَهُما، وقَدْ دَقَّقَ اَلنَّظَرَ في ذَلِكَ وأتى بِما اِسْتَحْسَنَهُ اَلنُّظّارُ حَتّى قالَ اَلْعَلّامَةَ اَلطَّيِّبِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِهِ إلّا هَذا لَكَفاهُ مَزِيَّةً وفَضْلًا، وجَوَّزَ هو أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَمْحُ ﴾ إلَخْ أنْ يَكُونَ عِدَةً لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالنَّصْرِ أيْ يَمْحُو اَللَّهُ تَعالى باطِلَهم وما بَهَتُوكَ بِهِ ويُثْبِتُ اَلْحَقَّ اَلَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ وبِقَضائِهِ اَلَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اِعْتِراضًا يُؤَكِّدُ ما سَبَقَ لَهُ اَلْكَلامُ مِن كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ في هَذِهِ اَلنِّسْبَةِ إلى مَن هو أصْدَقُ اَلنّاسِ لَهْجَةً بِأصْدَقِ حَدِيثٍ مِن أصْدَقِ مُتَكَلِّمٍ، وقالَ في إرْشادِ اَلْعَقْلِ اَلسَّلِيمِ في اَلْجُمْلَةِ اَلْأُولى: إنَّها اِسْتِشْهادٌ عَلى بُطْلانِ ما قالُوهُ بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَوِ اِفْتَرى عَلى اَللَّهِ تَعالى كَذِبًا لَمَنَعَهُ مِن ذَلِكَ قَطْعًا، وتَحْقِيقُهُ أنَّ دَعْوى كَوْنِ اَلْقُرْآنِ اِفْتِراءً عَلَيْهِ تَعالى قَوْلٌ مِنهم أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ صُدُورَهُ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ يَشاءُ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْهُ ومِن ضَرُورِيّاتِهِ مَنعُهُ عَنْهُ قَطْعًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ كانَ اِفْتِراءً عَلَيْهِ تَعالى لَشاءَ عَدَمُ صُدُورِهِ عَنْكَ وإنْ يَشَأْ ذَلِكَ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ ولَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ وحَيْثُ لَمْ يَكُنِ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ تَواتَرَ اَلْوَحْيُ حِينًا فَحِينًا تَبَيَّنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ في اَلْجُمْلَةِ اَلثّانِيَةِ ما ذَكَرَهُ جارُ اَللَّهِ مِنَ اَلْوَجْهَيْنِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما يَرِدُ عَلى كَلامِهِ مِنَ اَلْمَنعِ مَعَ أنَّ فِيهِ جَعْلَ مَفْعُولِ اَلْمَشِيئَةِ غَيْرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اَلْجَوابُ وهو ذَلِكَ اَلْمُشارُ بِهِ إلى عَدَمِ اَلصُّدُورِ، والمُتَبادِرُ كَوْنُ اَلْمَفْعُولِ اَلْخَتْمَ عَلى ما هو اَلْمَعْرُوفُ فِي نَظائِرِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ أيْ فَإنْ يَشَأِ اَللَّهُ تَعالى اَلْخَتْمَ عَلى قَلْبِكَ يَخْتِمْ، وإيهامُ كَوْنِ اَلْقُرْآنِ ناشِئًا مِنهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا مُنْزَلًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ: اَلْمَعْنى إنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ كَما فَعَلَ بِهِمْ فَهو تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وتَذْكِيرٌ لِإحْسانِهِ إلَيْهِ وإكْرامِهِ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيَشْكُرَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ويَتَرَحَّمَ عَلى مَن خُتِمَ عَلى قَلْبِهِ فاسْتَحَقَّ غَضَبَ رَبِّهِ ولَوْلا ذَلِكَ ما اِجْتَرَأ عَلى نِسْبَتِهِ لِما ذُكِرَ، فالتَّفْرِيعُ بِالنَّظَرِ إلى اَلْمَعْنى اَلْمُكَنّى عَنْهُ، وحاصِلُهُ أنَّهُمُ اِجْتَرَءُوا عَلى هَذا لِأنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى اَلضَّلالِ اِنْتَهى، وفِيهِ شِمَّةٌ مِمّا ذَكَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ.
وعَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يُنْسِكَ اَلْقُرْآنَ، والمُرادُ عَلى ما قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ اَلرَّدُّ عَلى مَقالَةِ اَلْكُفّارِ وبَيانُ بُطْلانِها كَأنَّهُ قِيلَ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِيًا وأنْتَ مِنَ اَللَّهِ تَعالى بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ وهو سُبْحانَهُ قادِرٌ ولَوْ شاءَ لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ اِفْتِراؤُكَ، وفِيهِ أنَّ اَللَّفْظَ ضَيِّقٌ عَنْ أداءِ هَذا اَلْمَعْنى، وذَكَرَ اَلْقُشَيْرِيُّ أنَّ اَلْمَعْنى فَإنْ يَشَأِ اَللَّهُ تَعالى يَخْتِمْ عَلى قُلُوبِ اَلْكُفّارِ وعَلى ألْسِنَتِهِمْ ويُعاجِلْهم بِالعَذابِ، وعَدَلَ عَنِ اَلْغَيْبَةِ إلى اَلْخِطابِ ومِنَ اَلْجَمْعِ إلى اَلْإفْرادِ، وحاصِلُهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ أيُّها اَلْقائِلُ إنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اِفْتَرى عَلى اَللَّهِ تَعالى كَذِبًا، وفِيهِ مِنَ اَلْبُعْدِ ما فِيهِ مَعَ أنَّ اَلْكُفّارَ مَخْتُومٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ: اَلْمَعْنى فَإنْ يَشَأْ يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْكَ قَوْلُهم إنَّكَ مُفْتَرٍ، ولا مانِعَ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ (يَمْحُ) عَلى جَوابِ اَلشَّرْطِ بَلْ هو اَلظّاهِرُ فَيَكُونُ سُقُوطُ اَلْواوِ لِلْجازِمِ، (ويُحِقُّ) حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفٌ أيْ وإنْ يَشَأْ يَمْحُ باطِلَهم عاجِلًا لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَفْعَلْ لِحِكْمَةٍ أوْ مُطْلَقًا وقَدْ فَعَلَ جَلَّ وعَلا بِالآخِرَةِ وأظْهَرَ دِينَهُ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنَ اَلْعَطْفِ عَلى بَعْضِ اَلْأقْوالِ اَلسّابِقَةِ أيْضًا أيْ إنْ يَشَأْ يَمْحُ اِفْتِراءَكَ لَوِ اِفْتَرَيْتَ وهو كَما تَرى، وكَذا جُوِّزَ كَوْنُ اَلْجُمْلَةِ حالِيَّةً وإنْ أحْوَجَ ذَلِكَ إلى تَقْدِيرِ اَلْمُبْتَدَأِ وفِيهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ جُمْلَةَ (فَإنْ يَشَإ اَللَّهُ يَخْتِمْ) مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ مُفَرَّعًا عَلى (اِفْتَرى) كَأنَّهُ قِيلَ: اِفْتَرى عَلى اَللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اَللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِهِ بِسَبَبِ اِفْتِرائِهِ فَلا يَعْقِلُ شَيْئًا أوْ كَأنَّهُ قِيلَ: اِفْتَرَيْتَ عَلى اَللَّهِ فَإنْ يَشَأْ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ جَزاءَ ذَلِكَ إلّا أنَّ نُكْتَةَ اِخْتِيارِ اَلْغَيْبَةِ في إحْدى اَلْجُمْلَتَيْنِ والخِطابِ في اَلْأُخْرى غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وكَوْنُها اَلْإشارَةَ إلى أنَّ مَنِ اِفْتَرى يَحِقُّ أنْ يُواجَهَ بِالجَزاءِ لَيْسَ مِمّا يَهُشُّ لَهُ اَلسّامِعُ فِيما أرى، ولَعَلَّ اَلْأوْلى أنْ يَكُونَ”فَإنْ يَشَإ“ إلَخْ مُفَرَّعًا عَلى كَلامِهِمْ خارِجًا مَخْرَجَ اَلتَّهَكُّمِ بِهِمْ، ولا بَأْسَ حِينَئِذٍ بِعَطْفٍ يَمْحُ عَلى جَوابِ اَلشَّرْطِ ويُرادُ بِالباطِلِ ما هو باطِلٌ بِزَعْمِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: أمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلى اَللَّهِ فَإذَنْ إنْ يَشَأِ اَللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ ما يَزْعُمُونَ أنَّهُ باطِلٌ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن أخْبَرَكَ أنَّ زَيْدًا اِفْتَرى عَلَيْكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَفْتَرِ وإنَّما أدّى عَنْكَ ما أمَرْتَهُ بِهِ فَإذَنْ نُؤَدِّبُهُ ونَنْتَقِمُ مِنهُ ونَمْحُو اِفْتِراءَهُ تَقْصِدُ بِذَلِكَ اَلتَّهَكُّمَ بِالقائِلِ فَتَأمَّلْ، فَهَذِهِ اَلْآيَةُ كَما قالَ اَلْخَفاجِيُّ مِن أصْعَبِ ما مَرَّ في كَلامِهِ تَعالى اَلْعَظِيمِ وفَّقَنا اَللَّهُ تَعالى وإيّاكم لِفَهْمِ مَعانِيهِ والوُقُوفِ عَلى سِرِّهِ وخافِيهِ ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما في صَدْرِكَ وصُدُورِهِمْ فَيُجْرِي جَلَّ وعَلا اَلْأمْرَ عَلى حَسْبِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَمّا تابُوا عَنْهُ والقَبُولُ يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْإبانَةِ وبِمِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْأخْذِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ ﴾ أيْ تُؤْخَذَ، وقِيلَ: اَلْقَبُولُ مُضَمَّنٌ هُنا مَعْنى اَلتَّجاوُزِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ مُتَجاوِزًا عَنْ ذُنُوبِ عِبادِهِ وهو تَكَلُّفٌ.
والتَّوْبَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اَلْقَبِيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ في اَلْحالِ ويَنْدَمَ عَلى ما مَضى ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِهِ في اَلْمُسْتَقْبَلِ وزادُوا اَلتَّفَصِّي مِنهُ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ إنْ كانَ اَلذَّنْبُ لِعَبْدٍ فِيهِ حَقٌّ وذَلِكَ بِالرَّدِّ إلَيْهِ أوْ إلى وكِيلِهِ أوِ اَلِاسْتِحْلالِ مِنهُ إنْ كانَ حَيًّا وبِالرَّدِّ إلى ورَثَتِهِ إنْ كانَ مَيِّتًا ووَجَدُوا ثَمَّ اَلْقاضِي لَوْ كانَ أمِينًا وهو كالإكْسِيرِ ومَن رَأى اَلْإكْسِيرَ؟
فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وإلّا يَدْعُ لَهُ ويَسْتَغْفِرُ.
وفِي اَلْكَشْفِ اَلتَّفَصِّي داخِلٌ في اَلرُّجُوعِ إذْ لا يَصِحُّ اَلرُّجُوعُ عَنْهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ بَعْدُ، واخْتِيرَ أنَّ حَقِيقَتَها اَلرُّجُوعُ وإنَّما اَلنَّدَمُ والعَزْمُ لِيَكُونَ اَلرُّجُوعُ إقْلاعًا ويَتَحَقَّقَ أنَّهُ اَلتَّوْبَةُ اَلَّتِي نَدَبْنا إلَيْها وهو مُوافِقٌ لِما في اَلْإحْياءِ مِن أنَّها اِسْمٌ لِتِلْكَ اَلْحالَةِ بِالحَقِيقَةِ والباقِي شُرُوطُ اَلتَّحَقُّقِ ويُشْتَرَطُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ عَلى اَلرُّجُوعِ مَعَ اَلنَّدَمِ والعَزْمِ دِينِيًّا فَلَوْ رَجَعَ لِمانِعٍ آخَرَ مِن ضَعْفِ بَدَنٍ أوْ غُرْمٍ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلتَّوْبَةِ في شَيْءٍ، وأشارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ إلى ذَلِكَ بِكَوْنِ اَلرُّجُوعِ لِأنَّ اَلْمَرْجُوعَ عَنْهُ قَبِيحٌ وإخْلالٌ بِالواجِبِ وخَرَجَ عَنْهُ ما لَوْ رَجَعَ طَلَبًا لِلثَّناءِ أوْ رِياءً أوْ سُمْعَةً لَأنَّ قُبْحَ اَلْقَبِيحِ مَعْناهُ كَوْنُهُ مُقْتَضِيًا لِلْعِقابِ آجِلًا ولِلذَّمِّ عاجِلًا فَلَوْ رَجَعَ لِما سَبَقَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا لِذَلِكَ.
ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ وكَبَّرَ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ: إنَّ سُرْعَةَ اَللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ اَلْكَذّابِينَ وتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى اَلتَّوْبَةِ فَقالَ يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ: ما اَلتَّوْبَةُ؟
قالَ: اِسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ عَلى اَلْماضِي مِنَ اَلذُّنُوبِ اَلنَّدامَةُ ولِتَضِيعَ اَلْفَرائِضُ اَلْإعادَةُ ورَدُّ اَلْمَظالِمِ وإذابَةُ اَلنَّفْسِ في اَلطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في اَلْمَعْصِيَةِ وإذاقَةُ اَلنَّفْسِ مَرارَةَ اَلطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ والبُكاءُ بَدَلَ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اَلتَّوْبَةُ مَجْمُوعَ هَذِهِ اَلْأُمُورِ فالمُرادُ أكْمَلُ أفْرادِها، ويَحْتَمِلُ أنَّها اِسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها والأوَّلُ أظْهَرُ.
واخْتُلِفَ في اَلتَّوْبَةِ عَنْ بَعْضِ اَلْمَعاصِي مَعَ اَلْإصْرارِ عَلى اَلْبَعْضِ هَلْ هي صَحِيحَةٌ أمْ لا واَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْأصْحابُ أنَّها صَحِيحَةٌ لِظَواهِرِ اَلْآياتِ والأحادِيثِ وصِدْقِ اَلتَّعْرِيفِ عَلَيْها، وأكْثَرُ اَلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ قالَ أبُو هاشِمٍ مِنهُمْ: لَوْ تابَ عَنِ اَلْقَبِيحِ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا وجَبَ أنْ يَتُوبَ عَنْ كُلِّ اَلْقَبائِحِ وإنْ تابَ عَنْهُ لا لِمُجَرَّدِ قُبْحِهِ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ شِدَّةَ اَلْقُبْحِ أوْ أمْرًا دِينِيًّا آخَرَ وأيْضًا يَجْرِي نَظِيرُ هَذا في فِعْلِ اَلْحَسَنِ بَلْ يُقالُ: لَوْ فَعَلَ اَلْحَسَنَ لِكَوْنِهِ حَسَنًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ حَسَنٍ وإنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ يُقْبَلْ وفِيهِ بَحْثٌ.
واسْتَدَلَّ اَلْمُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ واسْتَدَلَّ أهْلُ اَلسُّنَّةِ بِها عَلى عَدَمِ اَلْوُجُوبِ لِمَكانِ اَلتَّمَدُّحِ ولا تَمَدُّحَ بِالواجِبِ، وفِيهِ أيْضًا بَحْثٌ والأنْفَعُ في هَذا اَلْمَقامِ أدِلَّةُ نَفْيِ اَلْوُجُوبِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ﴾ صَغائِرِها وكَبائِرِها لِمَن يَشاءُ مِن غَيْرِ اِشْتِراطِ شَيْءٍ كالتَّوْبَةِ لِلْكَبائِرِ واجْتِنابِها لِلصَّغائِرِ.
وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: اَلْمَعْنى مِن شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ عَنْ عِبادِهِ إذا تابُوا والعَفْوُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ أوْ بِشَفاعَةِ شافِعٍ، وقالَ اَلْمُعْتَزِلَةُ: أيْ يَعْفُو عَنِ اَلْكَبائِرِ إذا تِيبَ عَنْها وعَنِ اَلصَّغائِرِ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ فالعَفْوُ عَنِ اَلسَّيِّئاتِ عَلَيْهِ أعَمُّ مِن قَبُولِ اَلتَّوْبَةِ لِشُمُولِهِ اَلصَّغائِرَ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، والظّاهِرُ مَعَ أهْلِ اَلسُّنَّةِ إذْ لا دَلالَةَ في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ عَلى تَخْصِيصِ اَلسَّيِّئاتِ نَعَمِ اَلْمُرادُ بِها غَيْرُ اَلشِّرْكِ بِالإجْماعِ.
﴿ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ بِتاءِ اَلْخِطابِ عِنْدَ حَفْصٍ.
والأخَوَيْنِ.
وعَلْقَمَةَ.
وعَبْدِ اَللَّهِ وبِياءِ اَلْغَيْبَةِ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ وعَلى اَلْأوَّلِ فَفِيهِ اِلْتِفاتٌ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُ اَلَّذِي تَفْعَلُونَهُ كائِنًا ما كانَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازى بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْ يُتَجاوَزُ سُبْحانَهُ بِالعَفْوِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ جَلَّ وعَلا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ.
وقِيلَ: يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِي اَلتّائِبَ ويَتَجاوَزُ عَنْ غَيْرِهِ إذا شاءَ سُبْحانَهُ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وفي اَلْكَشّافِ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَيُثِيبُ عَلى اَلْحَسَناتِ ويُعاقِبُ عَلى اَلسَّيِّئاتِ.
وفي اَلْكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِهِ هو أيْ قَوْلُهُ تَعالى.
﴿ ويَعْلَمُ ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ اَلسّابِقِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرَهُ مِنَ اَلْقَبُولِ والعَفْوِ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ اَلْعَمَلَيْنِ والعامِلِينَ جازى كُلًّا بِما فَعَلَ فَأوْلى أنْ يُجازِيَ هَؤُلاءِ اَلْمُحْسِنِينَ بِأفْعالِهِمْ، ثُمَّ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى لُزُومِ اَلْحَذَرِ مِنهُ تَعالى والإخْلاصِ لَهُ سُبْحانَهُ في إمْحاضِ اَلتَّوْبَةِ، ونَحْنُ أيْضًا لا نُنْكِرُ أنَّهُ تَذْيِيلٌ فِيهِ تَأْكِيدٌ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ عَطْفٌ عَلى يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ فالفاعِلُ ضَمِيرُهُ تَعالى واَلَّذِينَ مَفْعُولٌ بِدُونِ تَقْدِيرِ شَيْءٍ بِناءً عَلى أنَّ يَسْتَجِيبُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما يَتَعَدّى بِاللّامِ نَحْوُ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ أوْ بِتَقْدِيرِ اَللّامِ عَلى أنَّهُ مِن بابِ اَلْحَذْفِ والإيصالِ والأصْلُ يَسْتَجِيبُ لِلَّذِينِ آمَنُوا بِناءً عَلى أنَّهُ يَتَعَدّى لِلدّاعِي بِاللّامِ ولِلدُّعاءِ بِنَفْسِهِ ونَحْوُ هَذا قَوْلُهُ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى اَلنَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وأجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى أيْ ويُجِيبُ اَللَّهُ تَعالى اَلَّذِينَ آمَنُوا إذا دَعَوْا وحاصِلُهُ يُجِيبُ دُعاءَهُمْ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ هَذا اَلْمُضافِ قِيلَ: وهو أوْلى مِنَ اَلْقَوْلِ بِإيصالِ اَلْفِعْلِ بِحَذْفِ اَلصِّلَةِ لِأنَّ حَذْفَ اَلْمُضافِ إذا لَمْ يُلْبِسُ مُنْقاسٌ وذاكَ مَسْمُوعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ يُثِيبُهم عَلى طاعَتِهِمْ فَإنَّ اَلطّاعَةَ لِكَوْنِها طَلَبَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ اَلثَّوابِ شابَهَتِ اَلدُّعاءَ وشابَهَتِ اَلْإثابَةُ عَلَيْها اَلْإجابَةَ، ومِن هَذا يُسَمّى اَلثَّناءُ دُعاءً لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وسُئِلَ سُفْيانُ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في اَلْحَدِيثِ: «(أكْثَرُ دُعائِي ودُعاءِ اَلْأنْبِياءِ قَبْلِي لا إلَهَ إلّا اَللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ اَلْمُلْكُ ولَهُ اَلْحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)» فَقالَ: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في اَلْحَدِيثِ اَلْقُدْسِيِّ: «(مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي اَلسّائِلِينَ)» ألا تَرى قَوْلَ أُمِّيَّةَ بْنِ اَلصَّلْتِ لِابْنِ جُدْعانَ حِينَ أتاهُ يَبْغِي نائِلَهُ: أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي ∗∗∗ ثَناؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ اَلْحَياءُ إذا أثْنى عَلَيْكَ اَلْمَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِكَ اَلثَّناءُ وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(أفْضَلُ اَلدُّعاءِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ)» عَلى مَعْنى أنَّ اَلْحَمْدَ يَدُلُّ عَلى اَلدُّعاءِ والسُّؤالِ بِطَرِيقِ اَلْكِنايَةِ والتَّعْرِيضِ، وقِيلَ: هو عَلى إطْلاقِ اَلدُّعاءِ عَلى اَلْحَمْدِ لِشَبَهِهِ بِهِ في طَلَبِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالإجابَةِ مَعْناها اَلْحَقِيقِيُّ والإثابَةُ بِناءً عَلى اَلْقَوْلِ بِصِحَّةِ اَلْجَمْعِ بَيْنَ اَلْحَقِيقَةِ والمَجازِ أيْ يُجِيبُ دُعاءَهم ويُثِيبُهم عَلى اَلطّاعَةِ ﴿ ويَزِيدُهُمْ ﴾ عَلى ما سَألُوا واسْتَحَقُّوا ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ اَلْواسِعِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ﴿ ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ﴾ إلَخْ أيْ يَنْقادُونَ لِلَّهِ تَعالى ويُجِيبُونَهُ سُبْحانَهُ إذا دَعاهُمْ، وهو اَلْمَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُبَيْرٍ، وعَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما لَنا نَدْعُو فَلا نُجابُ؟
فَقالَ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ دَعاكم فَلَمْ تُجِيبُوهُ ثُمَّ قَرَأ ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ .
﴿ ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهَذا يُؤَكِّدُ هَذا اَلْوَجْهَ لِأنَّهُ قُدِّسَ سِرُّهُ ذَكَرَ أنَّ اَللَّهَ تَعالى دَعاكم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ وذَكَرَ أنَّ اَلْمُؤْمِنَ مَنِ اِسْتَجابَ دَعْوَةَ رَبِّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَمَن لا يُجِيبُ دُعاءَهُ تَعالى لا يُجِيبُ تَعالى أيْضًا دُعاءَهُ، وكَوْنُ اَلْفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى قَدْ رَوى ما يَقْتَضِيهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.
ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴿ ويَزِيدُهُمْ ﴾ عَلَيْهِ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ وعَلى اَلْوَجْهِ اَلْآخَرِ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم عَلَيْها عَلى أُسْلُوبِ ﴿ وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَزِيدُهم مُطْلَقًا، وجُوِّزَ تَعْلِيقُهُ بِالفِعْلَيْنِ عَلى اَلتَّنازُعِ فَإنَّ اَلْإجابَةَ والثَّوابَ فَضْلٌ مِنهُ تَعالى كالزِّيادَةِ.
وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ عُمُومُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ اَلْمَدِينَةَ واسْتَحْكَمَ اَلْإسْلامُ قالَتِ اَلْأنْصارُ فِيما بَيْنَها: نَأْتِي رَسُولَ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ونَقُولُ لَهُ: إنْ تُعِرْكَ أُمُورٌ فَهَذِهِ أمْوالُنا تَحْكُمُ فِيها فَنَزَلَتْ قُلْ ﴿ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، وقالَ تَوَدُّونَ قَرابَتِي مِن بَعْدِي فَخَرَجُوا مُسَلِّمِينَ فَقالَ اَلْمُنافِقُونَ: إنَّ هَذا لَشَيْءٌ اِفْتَراهُ في مَجْلِسِهِ أرادَ بِذَلِكَ عِزَّ قَرابَتِهِ مِن بَعْدِهِ فَنَزَلَتْ ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَتَلاها عَلَيْهِمْ فَبَكَوْا ونَدِمُوا فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿ وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ فَأرْسَلَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ فَبَشَّرَهم وقالَ: ﴿ ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهُمُ اَلَّذِينَ سَلَّمُوا لِقَوْلِهِ» ذَكَرَ ذَلِكَ اَلطَّبَرْسِيُّ، وذَكَرَ قَرِيبًا مِنهُ في اَلدُّرِّ اَلْمَنثُورِ لَكِنْ قالَ: أخْرَجَهُ اَلطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ جُبَيْرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، واَلَّذِي يَغْلِبُ عَلى اَلظَّنِّ اَلْوَضْعُ ﴿ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بَدَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ اَلْإجابَةِ والتَّفَضُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ﴾ أيْ لَتَكَبَّرُوا فِيها بَطَرًا وتَجاوَزُوا اَلْحَدَّ اَلَّذِي يَلِيقُ بِالعَبِيدِ أوْ لَظَلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنَّ اَلْغِنى مَبْطَرَةٌ مَأْشَرَةٌ، وكَفى بِحالِ قارُونَ عِبْرَةً، وفي اَلْحَدِيثِ «(أخْوَفُ ما أخافُ عَلى أُمَّتِي زَهْرَةُ اَلدُّنْيا وكَثْرَتُها)» ولِبَعْضِ اَلْعَرَبِ: وقَدْ جَعَلَ اَلْوَسْمِيُّ يَنْبُتُ بَيْنَنا وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطا وأصْلُ اَلْبَغْيُ طَلَبُ أكْثَرَ مِمّا يَجِبُ بِأنْ يَتَجاوَزَ في اَلْقَدْرِ والكَمِّيَّةِ أوْ في اَلْوَصْفِ والكَيْفِيَّةِ ﴿ ولَكِنْ يُنَزِّلُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ مِنَ اَلْإنْزالِ ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بِتَقْدِيرٍ ﴿ ما يَشاءُ ﴾ وهو ما اِقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ مُحِيطٌ بِخَفِيّاتِ أُمُورِهِمْ وجَلاياها فَيُقَدِّرُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم في كُلِّ وقْتٍ مِن أوْقاتِهِمْ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ فَيُفْقِرُ ويُغْنِي ويَمْنَعُ ويُعْطِي ويَقْبِضُ ويَبْسُطُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ اَلرَّبّانِيَّةُ ولَوْ أغْناهم جَمِيعًا لَبَغَوْا ولَوْ أفْقَرَهم لَهَلَكُوا.
واسْتَشْكَلَتِ اَلْآيَةُ بِأنَّ اَلْغِنى كَما يَكُونُ سَبَبَ اَلْبَغْيِ فَكَذَلِكَ اَلْفَقْرُ قَدْ يَكُونُ فَلا يَظْهَرُ اَلشَّرْطِيَّةُ، وأجابَ جارُ اَللَّهِ بِأنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ اَلْبَغْيَ مَعَ اَلْفَقْرِ أقَلُّ ومَعَ اَلْبَسْطِ أكْثَرُ وأغْلَبُ وكِلاهُما سَبَبٌ ظاهِرٌ لِلْإقْدامِ عَلى اَلْبَغْيِ والإحْجامِ عَنْهُ فَلَوْ عَمَّ اَلْبَسْطُ لَغَلَبَ اَلْبَغْيُ حَتّى يَنْقَلِبَ اَلْأمْرُ إلى عَكْسِ ما عَلَيْهِ اَلْآنَ وأرادَ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ نِظامَ اَلْعالَمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ يَسْتَمِرُّ وإنْ كانَ قَدْ يَصْدُرُ مِنَ اَلْغَنِيِّ في بَعْضِ اَلْأحْيانِ بَغْيٌ ومِنَ اَلْفَقِيرِ كَذَلِكَ لَكِنْ في أحَدِهِما ما يَدْفَعُ اَلْآخَرَ أمّا لَوْ أفْقَرَهم كُلَّهم لَكانَ اَلضَّعْفُ والهَلَكُ لازِمًا ولَوْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ مَعَ أنَّ اَلْحاجَةَ طَبِيعِيَّةٌ لَكانَ مِنَ اَلْبَغْيِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِأنَّ نِظامَ اَلْعالَمِ بِالفَقْرِ أكْثَرُ مِنهُ بِالغِنى، وهَذا أمْرٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ ثُمَّ إنَّ اَلْفَقْرَ اَلْكُلِّيَّ لا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ اَلْبَغْيُ لِلضَّعْفِ اَلْعامِّ ولِأنَّهُ لا يَجِدُ حاجَتَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ لِيَظْلِمَهُ، وأمّا اَلْغِنى اَلْكُلِّيُّ فَعِنْدَهُ اَلْبَغْيُ اَلتّامُّ، وأمّا اَلَّذِي عَلَيْهِ سُنَّةُ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو اَلَّذِي جَمَعَ اَلْأمْرَيْنِ مُشْتَمِلًا عَلى خَوْفٍ لِلْغَنِيِّ مِنَ اَلْفُقَراءِ يَزَعُهُ عَنِ اَلظُّلْمِ وخَوْفٍ لِلْفَقِيرِ مِنَ اَلْأغْنِياءِ أكْثَرَ مِنهُ يَدْعُوهُ إلى اَلتَّعاوُنِ لِيَفُوزَ بِمُبْتَغاهُ ويَزَعَهُ عَنِ اَلْبَغْيِ، ثُمَّ قَدْ يَتَّفِقُ بَغْيٌ مِن هَذا أوْ ذاكَ كَذا قَرَّرَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وهَذا جَوابٌ حَسَنٌ لا تَكَلُّفَ فِيهِ وهو إشارَةٌ إلى رَدِّ اَلْعَلّامَةِ اَلطَّيِّبِيِّ فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ جَوابٌ مُتَكَلَّفٌ وأنَّ اَلسُّؤالَ قَوِيٌّ، وذَهَبَ هو إلى أنَّ اَلْمُرادَ ﴿ بِعِبادِهِ ﴾ مَن خَصَّهُمُ اَللَّهُ تَعالى بِالكَرامَةِ وجَعَلَهم مِن أوْلِيائِهِ ثُمَّ قالَ: ويَنْصُرُهُ اَلتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ ووَضَعَ اَلْمُظْهَرَ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ أيْ إنَّهُ تَعالى خَبِيرٌ بِأحْوالِ عِبادِهِ اَلْمُكْرَمِينَ بَصِيرٌ بِما يُصْلِحُهم وما يُرْدِيهِمْ، وإلَيْهِ يُنْظَرُ ما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أحَبَّ اَللَّهُ تَعالى عَبْدًا حَماهُ اَلدُّنْيا كَما يَظَلُّ أحَدُكم يَحْمِي سَقِيمَهُ اَلْماءَ، ويَشُدُّ مِن عَضُدِهِ قَوْلُ خَبّابِ بْنِ اَلْأرَتِّ نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها فَنَزَلَتْ ﴿ ولَوْ بَسَطَ ﴾ اَلْآيَةَ وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ طَلَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اَلصُّفَّةِ مِنَ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُغْنِيَهُمُ اَللَّهُ تَعالى ويَبْسُطَ لَهُمُ اَلْأمْوالَ والأرْزاقَ فَنَزَلَتْ وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ اِنْتَهى.
ولا يَخْفى أنَّ اَلْأنْسَبَ بِحالِ اَلْمُكْرَمِينَ اَلْمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ تَعالى أنْ لا يُبْطِرَهُمُ اَلْغِنى لِصَفاءِ بَواطِنِهِمْ وقُوَّةِ تَوَجُّهِهِمْ إلى حَظائِرِ اَلْقُدْسِ ومَزِيدِ تَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِمَحْبُوبِهِمْ ووُقُوفِهِمْ عَلى حَقائِقِ اَلْأشْياءِ وكَمالِ عِلْمِهِمْ بِمُنْتَهى زَخارِفِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا، وأبْناءُ اَلدُّنْيا لَوْ فَكَّرُوا في ذَلِكَ حَقَّ اَلتَّفَكُّرِ لَهانَ أمْرُهم وقَلَّ شَغَفُهم كَما قِيلَ: لَوْ فَكَّرَ اَلْعاشِقُ في مُنْتَهى ∗∗∗ حُسْنِ اَلَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِهْ فَلَعَلَّ اَلْأوْلى ما تَقَدَّمَ أوْ يُقالُ إنَّ هَذا في بَعْضِ اَلْعِبادِ اَلْمُؤْمِنِينَ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"
﴿ وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ أيِ اَلْمَطَرَ اَلَّذِي يُغِيثُهم مِنَ اَلْجَدَبِ ولِذَلِكَ خُصَّ بِالنّافِعِ مِنهُ فَلا يُقالُ غَيْثٌ لِكُلِّ مَطَرٍ، وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (يُنْزِلُ) مُخَفَّفًا.
﴿ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ﴾ يَئِسُوا مِنهُ، وتَقْيِيدُ تَنْزِيلِهِ بِذَلِكَ مَعَ تَحَقُّقِهِ بِدُونِهِ أيْضًا لِتَذْكِيرِ كَمالِ اَلنِّعْمَةِ؛ وقَرَأ اَلْأعْمَشُ.
وابْنُ وثّابٍ (قَنِطُوا) بِكَسْرِ اَلنُّونِ ﴿ ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ أيْ مَنافِعَ اَلْغَيْثِ وآثارَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اَلسَّهْلِ والجَبَلِ والنَّباتِ والحَيَوانِ أوْ رَحْمَتَهُ اَلْواسِعَةَ اَلْمُنْتَظِمَةَ لِما ذُكِرَ اِنْتِظامًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: اَلرَّحْمَةُ هُنا ظُهُورُ اَلشَّمْسِ لِأنَّهُ إذا دامَ اَلْمَطَرُ سُئِمَ فَتَجِيءُ اَلشَّمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ اَلْمَوْقِعِ ذَكَرَهُ اَلْمَهْدَوِيُّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنَ اَلْبَعِيدِ جِدًّا ما قالَهُ اَلسُّدِّيُّ مِن أنَّ اَلرَّحْمَةَ هُنا اَلْغَيْثُ نَفْسُهُ عَدَّدَ اَلنِّعْمَةَ نَفْسَها بِلَفْظَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ ﴿ رَحْمَتَهُ ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ عَلى اَلْأوَّلِ كَوْنُهُ لِلْغَيْثِ.
﴿ وهُوَ الوَلِيُّ ﴾ اَلَّذِي يَتَوَلّى عِبادَهُ بِالإحْسانِ ونَشْرِ اَلرَّحْمَةِ ﴿ الحَمِيدُ ﴾ اَلْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ عَلى ذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِن تَعاجِيبِ اَلصَّنائِعِ فَإنَّها بِذاتِها وصِفاتِها تَدُلُّ عَلى شُؤُونِهِ تَعالى اَلْعَظِيمَةِ، ومَن لَهُ أدْنى إنْصافٍ وشُعُورٍ يَجْزِمُ بِاسْتِحالَةِ صُدُورِها مِنَ اَلطَّبِيعَةِ اَلْعَدِيمَةِ اَلشُّعُورِ.
﴿ وما بَثَّ فِيهِما ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ السَّماواتِ ﴾ أيْ ومِن آياتِهِ خَلْقُ ما بَثَّ أوْ عَطْفٌ عَلى ﴿ خَلْقُ ﴾ أيْ ومِن آياتِهِ ما بَثَّ.
وما تَحْتَمِلُ اَلْمَوْصُولِيَّةَ والمَصْدَرِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةُ أظْهَرُ ولا حاجَةَ عَلَيْهِ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ خَلْقُ اَلَّذِي بَثَّ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ أيْ حَيَوانٍ لَهُ دَبِيبٌ وحَرَكَةٌ، وظاهِرُ اَلْآيَةِ وُجُودُ ذَلِكَ في اَلسَّمَواتِ وفي اَلْأرْضِ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وفَسَّرَ اَلدّابَّةَ بِالنّاسِ والمَلائِكَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْمَلائِكَةِ مَشْيٌ مَعَ اَلطَّيَرانِ، واعْتَرَضَ ذَلِكَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ بِأنَّ إطْلاقَ اَلدّابَّةِ عَلى اَلْأناسِيِّ بَعِيدٌ في عُرْفِ اَللُّغَةِ فَكَيْفَ بِالمَلائِكَةِ وادَّعى أنَّ اَلْأصَحَّ كَوْنُ اَلدَّوابِّ في اَلْأرْضِ لا غَيْرُ وما في أحَدِ اَلشَّيْئَيْنِ يَصْدُقُ أنَّهُ فِيهِما في اَلْجُمْلَةِ، فالآيَةُ عَلى أُسْلُوبِ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى في اَلْبَقَرَةِ: ﴿ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اِخْتِصاصِ اَلدَّوابِّ بِالأرْضِ لِأنَّ مُقامَ اَلْإطْنابِ يَقْتَضِي ذِكْرَهُ لَوْ كانَ لا لِلْعَمَلِ بِمَفْهُومِ اَللَّقَبِ اَلَّذِي لا يَقُولُ بِهِ اَلْجُمْهُورُ والجَوابُ أنَّ اَلَّتِي في اَلْبَقَرَةِ لَمّا كانَتْ كَلامًا مَعَ اَلْغَبِيِّ والفَهِمِ والمُسْتَرْشِدِ والمُعانِدِ جِيءَ فِيهِ بِما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ اَلْكُلِّ وهو بَثُّ اَلدَّوابِّ في اَلْأرْضِ وأمّا هَهُنا فَجِيءَ بِهِ مُدْمَجًا مُخْتَصَرًا لِما تَكَرَّرَ في اَلْقُرْآنِ ولا سِيَّما في هَذِهِ اَلسُّورَةِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ فَقِيلَ: ﴿ ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما ﴾ مُؤَثِّرًا عَلى لَفْظِ اَلْخَلْقِ لِيَدُلَّ عَلى اَلتَّكْثِيرِ اَلدّالِّ عَلى كَمالِ اَلْقُدْرَةِ وبُيِّنَ بُقُولِهِ تَعالى: ﴿ مِن دابَّةٍ ﴾ تَعْمِيمًا وتَغْلِيبًا لِغَيْرِ ذَوِي اَلْعِلْمِ في اَلسَّماوِيِّ والأرْضِيِّ تَحْقِيقًا لِلْمَخْلُوقِيَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ في صِحاحِ اَلْأحادِيثِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ اَلدَّوابِّ في اَلسَّماءِ مِن مَراكِبِ أهْلِ اَلْجَنَّةِ وغَيْرِها، وكَذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ مَلائِكَةٍ كالأوْعالِ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في كُلِّ سَماءٍ حَيَواناتٌ ومَخْلُوقاتٌ عَلى صُوَرٍ شَتّى وأحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ لا نَعْلَمُها ولَمْ يُذْكَرْ في اَلْأخْبارِ شَيْءٌ مِنها فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ وأهْلُ اَلْأرْصادِ اَلْيَوْمَ يَتَراءى لَهم بِواسِطَةِ نَظّاراتِهِمْ مَخْلُوقاتٌ في جِرْمِ اَلْقَمَرِ لَكِنَّهم لَمْ يُحَقِّقُوا أمْرَها لِنَقْصِ ما في اَلْآلاتِ عَلى ما يَدَّعُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِيما عَدا اَلْقَمَرَ ونَفِيُ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اَلْمَعْلُومِ مِنَ اَلدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لِيَضُرَّ اَلْقَوْلُ بِهِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالسَّماواتِ جِهاتُ اَلْعُلُوِّ اَلْمُسامِتَةُ لِلْأقالِيمِ مَثَلًا وفي جَوِّ كُلٍّ قَلِيمٍ بَلْ كُلِّ بَلْدَةٍ بَلْ كُلِّ قِطْعَةٍ مِنَ اَلْأرْضِ حَيَواناتٌ لا يُحْصِي كَثْرَتَها إلّا اَللَّهُ تَعالى بَعْضُها يُحَسُّ بِها بِلا واسِطَةِ آلَةٍ وبَعْضُها بِواسِطَتِها، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِها اَلسُّحُبُ وفِيها مِنَ اَلْحَيَواناتِ ما فِيها وكُلُّ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، وكَذا لا يَحْتاجُ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أنَّ اَلْمُرادَ بِالدّابَّةِ اَلْحَيُّ مَجازًا إمّا مِنَ اِسْتِعْمالِ اَلْمُقَيَّدِ في اَلْمُطْلَقِ أوْ إطْلاقِ اَلشَّيْءِ عَلى لازِمِهِ أوِ اَلْمُسَبَّبِ عَلى سَبَبِهِ لِأنَّ اَلْحَياةَ سَبَبٌ لِلدَّبِيبِ وإنْ لَمْ تَكُنِ اَلدّابَّةُ سَبَبًا لِلْحَيِّ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا تَبَعِيًّا لِأنَّ اَلِاحْتِياجَ إلى ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ اَلظّاهِرِ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى خِلافِهِ وأيْنَ ذَلِكَ اَلدَّلِيلُ؟
بَلْ هو قائِمٌ عَلى وُجُودِ اَلدَّوابِّ في اَلسَّماءِ كَما هي مَوْجُودَةٌ في اَلْأرْضِ.
﴿ وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ ﴾ أيْ حَشْرِهِمْ بَعْدَ اَلْبَعْثِ لِلْمُحاسَبَةِ ﴿ إذا يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ تامُّ اَلْقُدْرَةِ كامِلُها، و(إذا) مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لا بِقَدِيرٌ لِأنَّ اَلْمُقَيَّدَ بِالمَشِيئَةِ جَمْعُهُ تَعالى لا قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ وهي كَما تَدْخُلُ عَلى اَلْماضِي تَدْخُلُ عَلى اَلْمُضارِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وإذا ما أشاءُ أبْعَثُ مِنها آخِرَ اَللَّيْلِ ناشِطًا مَذْعُورًا وقَوْلُ صاحِبِ اَلْكَشْفِ: لِقائِلٍ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ إذا وإذا ما اَلظّاهِرُ أنَّهُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وقَدْ نَصَّ اَلْخَفاجِيُّ عَلى عَدَمِ اَلْفَرْقِ وجَعَلَ اَلْقَوْلَ بِهِ تَوَهُّمًا، وكَذا نَصَّ عَلى أنَّها تَدْخُلُ عَلى اَلْفِعْلَيْنِ ظَرْفِيَّةً كانَتْ أوْ شَرْطِيَّةً، وقَيَّدَ ذَلِكَ اَلطَّيِّبِيُّ بِما إذا كانَتْ بِمَعْنى اَلْوَقْتِ كَما هُنا، وضَمِيرُ (جَمْعِهِمْ) قِيلَ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ وما فِيهِما عَلى اَلتَّغْلِيبِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: لِلدَّوابِّ اَلْمَفْهُومِ مِمّا تَقَدَّمَ وضَمِيرُ اَلْعُقَلاءِ لِلتَّغْلِيبِ اَلْمُناسِبِ لِكَوْنِ اَلْجَمْعِ لِلْمُحاسَبَةِ، وقِيلَ: لِلنّاسِ اَلْمَعْلُومُ مِن ذَلِكَ ولَعَلَّهُ اَلْأوْلى <div class="verse-tafsir"
﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ ﴾ أيْ مُصِيبَةٍ كانَتْ مِن مَصائِبِ اَلدُّنْيا كالمَرَضِ وسائِرِ اَلنَّكَباتِ ﴿ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ أيْ فَبِسَبَبِ مَعاصِيكُمُ اَلَّتِي اِكْتَسَبْتُمُوها، وما اِسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ والمُبْتَدَأُ إذا كانَ مَوْصُولًا صِلَتُهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ تَدْخُلُ عَلى خَبَرِهِ اَلْفاءُ كَثِيرًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى اَلشَّرْطِ لِإشْعارِهِ بِابْتِناءِ اَلْخَبَرِ عَلَيْهِ فَلِذا جِيءَ بِالفاءِ هُنا.
وقَرَأ نافِعٌ.
وابْنُ عامِرٍ.
وأبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ.
وشَيْبَةُ (بِما) بِغَيْرِ فاءٍ لِأنَّها لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ وإيقاعُ اَلْمُبْتَدَأِ مَوْصُولًا يَكْفِي في اَلْإشْعارِ اَلْمَذْكُورِ، وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: اِخْتِلافُ اَلْقِراءَتَيْنِ دَلَّ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ فَجِيءَ تارَةً بِالفاءِ في خَبَرِها وأُخْرى لَمْ يُؤْتَ بِها حَطًّا لِلْمُشَبَّهِ عَنِ اَلْمُشَبَّهِ بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما شَرْطِيَّةً واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ في اَلْقِراءَةِ بِالفاءِ وجَعَلَها مَوْصُولَةً في اَلْقِراءَةِ اَلْأُخْرى بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَ اَلْفاءِ مِن جَوابِ اَلشَّرْطِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نَحْوُ: مَن يَفْعَلِ اَلْحَسَناتِ اَللَّهُ يَشْكُرُها والأخْفَشُ وبَعْضُ نُحاةِ بَغْدادَ أجازُوا ذَلِكَ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ ﴾ .
وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: حَذْفُ اَلْفاءِ مِنَ اَلْجَوابِ حَسَنٌ إذا كانَ اَلشَّرْطُ بِلَفْظِ اَلْماضِي ويُعْلَمُ مِنهُ مَزِيدُ حُسْنِ حَذْفِها هُنا عَلى جَعْلِ ما مَوْصُولَةً ﴿ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ أيْ مِنَ اَلذُّنُوبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها بِمُصِيبَةٍ عاجِلًا قِيلَ وآجِلًا.
وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْمُرادِ بِالكَثِيرِ اَلْكَثِيرَ مِنَ اَلنّاسِ والظّاهِرُ اَلْأوَّلُ وهو اَلَّذِي تَشْهَدُ لَهُ اَلْأخْبارُ.
رَوى اَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرُ وقَرَأ ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ ﴾ )» .
وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ.
وجَماعَةٌ عَنِ اَلْحَسَنِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ ﴿ وما أصابَكُمْ ﴾ إلَخْ، قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ «واَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن خَدْشِ عُودٍ ولا اِخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا نَكْبَةِ حَجَرٍ ولا عَثْرَةِ قَدَمٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ أكْثَرُ،» وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ اَلصِّدِّيقِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَتْ تَصْدُعُ فَتَضَعُ يَدَها عَلى رَأْسِها وتَقُولُ بِذَنْبِي وما يَغْفِرُهُ اَللَّهُ تَعالى أكْثَرُ، ورُؤِيَ عَلى كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً فَقِيلَ: بِمَ هَذا؟
فَقالَ: بِما كَسَبَتْ يَدِي، وسُئِلَ عُمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ مَرَضِهِ فَقالَ: إنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اَللَّهِ تَعالى وهَذا بِما كَسَبَتْ يَدِي، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأصْحابِ اَلذُّنُوبِ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ فَإنَّ مَن لا ذَنْبَ لَهُ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ قَدْ تُصِيبُهم مَصائِبُ، فَفي اَلْحَدِيثِ «(أشَدُّ اَلنّاسِ بَلاءً اَلْأنْبِياءُ ثُمَّ اَلْأمْثَلُ فالأمْثَلُ)» ويَكُونُ ذَلِكَ لِرَفْعِ دَرَجاتِهِمْ أوْ لِحِكَمٍ أُخْرى خَفِيَتْ عَلَيْنا، وأمّا اَلْأطْفالُ والمَجانِينُ فَقِيلَ غَيْرُ داخِلِينَ في اَلْخِطابِ لِأنَّهُ لِلْمُكَلَّفِينَ وبِفَرْضِ دُخُولِهِمْ أخْرَجَهُمُ اَلتَّخْصِيصُ بِأصْحابِ اَلذُّنُوبِ فَما يُصِيبُهم مِنَ اَلْمَصائِبِ فَهو لِحِكَمٍ خَفِيَّةٍ، وقِيلَ: في مَصائِبِ اَلطِّفْلِ رَفْعُ دَرَجَتِهِ ودَرَجَةِ أبَوَيْهِ أوْ مَن يُشْفِقُ عَلَيْهِ بِحُسْنِ اَلصَّبْرِ ثُمَّ إنَّ اَلْمَصائِبَ قَدْ تَكُونُ عُقُوبَةً عَلى اَلذَّنْبِ وجَزاءً عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يُعاقَبُ عَلَيْهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ.
والحَكِيمُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ آيَةٍ في كِتابِ اَللَّهِ تَعالى حَدَّثَنا بِها رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ وسَأُفَسِّرُها لَكَ يا عَلِيُّ ما أصابَكَ مِن مَرَضٍ أوْ عُقُوبَةٍ أوْ بَلاءٍ في اَلدُّنْيا فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم واَللَّهُ تَعالى أكْرَمُ مِن أنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ اَلْعُقُوبَةَ في اَلْآخِرَةِ وما عَفا اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ في اَلدُّنْيا فاَللَّهُ سُبْحانَهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ بَعْدَ عَفْوِهِ،» وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها لا تَكُونُ جَزاءً لِأنَّ اَلدُّنْيا دارُ تَكْلِيفٍ فَلَوْ حَصَلَ اَلْجَزاءُ فِيها لَكانَتْ دارَ جَزاءٍ وتَكْلِيفٍ مَعًا وهو مُحالٌ فَما هي إلّا اِمْتِحاناتٌ، وخَبَرُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ يَرُدُّهُ وكَذا ما صَحَّ مِن أنَّ اَلْحُدُودَ أيْ غَيْرَ حَدِّ قاطِعِ اَلطَّرِيقِ مُكَفِّراتٌ وأيُّ مُحالِيَةٍ في كَوْنِ اَلدُّنْيا دارَ تَكْلِيفٍ ويَقَعُ فِيها لِبَعْضِ اَلْأشْخاصِ ما يَكُونُ جَزاءً لَهُ عَلى ذَنْبِهِ أيْ مُكَفِّرًا لَهُ.
وعَنِ اَلْحَسَنِ تَفْسِيرُ اَلْمُصِيبَةِ بِالحَدِّ قالَ: اَلْمَعْنى ما أصابَكم مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اَللَّهِ تَعالى فَإنَّما هو بِكَسْبِ أيْدِيكم وارْتِكابِكم ما يُوجِبُهُ ويَعْفُو اَللَّهُ تَعالى عَنْ كَثِيرٍ فَيَسْتُرُهُ عَلى اَلْعَبْدِ حَتّى لا يُحَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِمّا تَأْباهُ اَلْأخْبارُ ومَعَ هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنِ اَلْحُسْنِ.
وفِي اَلِانْتِصافِ أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ تُبْلِسُ عِنْدَها اَلْقَدَرِيَّةُ ولا يُمْكِنُهم تَرْوِيجُ حِيلَةٍ في صَرْفِها عَنْ مُقْتَضى نَصِّها فَإنَّها حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ عَلى اَلتّائِبِ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ لَهم هَهُنا فَإنَّهُ قَدْ أثْبَتَ اَلتَّبْعِيضَ فِي اَلْعَفْوِ ومُحالٌ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ اَلْعَفْوُ هُنا مُقَيَّدًا بِالتَّوْبَةِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ تَبْعِيضًا أيْضًا وهي عِنْدُهم لا تَتَبَعَّضُ كَما نَقَلَ اَلْإمامُ عَنْ أبِي هاشِمٍ وهو رَأْسُ اَلِاعْتِزالِ واَلَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم فَلا مَحَلَّ لَها إلّا اَلْحَقُّ اَلَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ وهو رَدُّ اَلْعَفْوِ إلى مَشِيئَةِ اَللَّهِ تَعالى غَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلى اَلتَّوْبَةِ.
وأُجِيبَ عَنْهم بِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: اَلْمُرادُ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ في اَلدُّنْيا بَلْ يُؤَخِّرُ عُقُوبَتَهُ في اَلْآخِرَةِ لِمَن لَمْ يَتُبْ.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما دَلَّ خَبَرُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ بِجاعِلِينَ اَللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عاجِزًا عَنْ أنْ يُصِيبَكم بِالمَصائِبِ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم وإنْ هَرَبْتُمْ في أقْطارِ اَلْأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ أنَّكم لا تُعْجِزُونَ مَن في اَلْأرْضِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَكَيْفَ مَن في اَلسَّماءِ ﴿ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ﴾ مِن مُتَوَلٍّ بِالرَّحْمَةِ يَرْحَمُكم إذا أصابَتْكُمُ اَلْمَصائِبُ وقِيلَ يَحْمِيكم عَنْها ﴿ ولا نَصِيرٍ ﴾ يَدْفَعُها عَنْكُمْ، والجُمْلَةُ كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ أيْ إنَّ اَللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ اَلْمَصائِبِ إذْ لا قُدْرَةَ لَكم أنْ تُعْجِزُوهُ سُبْحانَهُ فَتُفَوِّتُوا ما قَضى عَلَيْكم مِنها ولا لَكم أيْضًا مِن مُتَوَلٍّ بِالرَّحْمَةِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ لِيَرْحَمَكم إذا أصابَتْكم ولا ناصِرَ سِواهُ لِيَنْصُرَكم مِنها ولِهَذا جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في اَلْقُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُقَوِّي أمْرَ اَلرَّجاءِ عَلى ما قِيلَ: أنَّ مَعْنى (ما أنْتُمْ) إلَخْ ما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ اَللَّهَ في دَفْعِ مَصائِبِكم أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ومِن آياتِهِ الجَوارِ ﴾ أيِ اَلسُّفُنُ اَلْجَوارِي أيِ اَلْجارِيَةُ فَهي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي البَحْرِ ﴾ وبِذَلِكَ حَسُنَ اَلْحَذْفُ وإلّا فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ والقِياسُ فِيها أنْ لا يُحْذَفَ اَلْمَوْصُوفُ وتَقُومُ مَقامَهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يُقالَ: إنَّها صِفَةٌ غالِبَةٌ كالأبْطُحِ وهي يَجُوزُ فِيها أنْ تَلِيَ اَلْعَوامِلَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اَلْمَوْصُوفِ، و(فِي اَلْبَحْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالجَوارِي وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كالأعْلامِ ﴾ في مَوْضِعِ اَلْحالِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْأوَّلُ أيْضًا كَذَلِكَ، والأعْلامُ جَمْعُ عَلَمٍ وهو اَلْجَبَلُ وأصْلُهُ اَلْأثَرُ اَلَّذِي يُعْلَمُ بِهِ اَلشَّيْءُ كَعَلَمِ اَلطَّرِيقِ وعَلَمِ اَلْجَيْشِ وسُمِّيَ اَلْجَبَلُ عَلَمًا لِذَلِكَ ولا اِخْتِصاصَ لَهُ بِالجَبَلِ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلنّارُ لِلِاهْتِداءِ بَلْ إذا أُرِيدَ ذَلِكَ قُيِّدَ كَما في قَوْلِ اَلْخَنْساءِ: وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ اَلْهُداةُ بِهِ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَطِيفَةٌ، وحُكِيَ أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا سَمِعَهُ: «قاتَلَها اَللَّهُ تَعالى ما رَضِيَتْ بِتَشْبِيهِهِ بِالجَبَلِ حَتّى جَعَلَتْ عَلى رَأْسِهِ نارًا».
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (اَلْجَوارِي) بِياءٍ في اَلْوَصْلِ دُونَ اَلْوَقْفِ.
وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ بِها فِيهِما والباقُونَ بِالحَذْفِ فِيهِما والإثْباتُ عَلى اَلْأصْلِ والحَذْفُ لِلتَّخْفِيفِ، وعَلى كُلٍّ فالإعْرابُ تَقْدِيرِيٌّ وسُمِعَ مِن بَعْضِ اَلْعَرَبِ اَلْإعْرابُ عَلى اَلرّاءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ ﴾ اَلَّتِي تَجْرِي بِها ويُعْدِمُ سَبَبَ تَمَوُّجِها وهو تَكاثُفُ اَلْهَواءِ اَلَّذِي كانَ في اَلْمَحَلِّ اَلَّذِي جَرَتْ إلَيْهِ وتَراكُمُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ وسَبَبُ ذَلِكَ اَلتَّكاثُفِ إمّا اِنْخِفاضُ دَرَجَةِ حَرارَةِ اَلْهَواءِ فَيَقِلَّ تَمَدُّدُهُ ويَتَكاثَفُ ويَتْرُكُ أكْثَرَ اَلْمَحَلِّ اَلَّذِي كانَ مَشْغُولًا بِهِ خَلِيًّا وإمّا تَجَمُّعٌ فُجائِيٌّ يَحْصُلُ في اَلْأبْخِرَةِ اَلْمُنْتَشِرَةِ في اَلْهَواءِ فَيَخْلُو مَحَلُّها، وهَذا عَلى ما قِيلَ أقْوى اَلْأسْبابِ فَإذا وجَدَ اَلْهَواءُ أمامَهُ فَراغًا بِسَبَبِ ذَلِكَ جَرى بِقُوَّةٍ لِيَشْغَلَهُ فَتَحْدُثُ اَلرِّيحُ وتَسْتَمِرُّ حَتّى تَمْلَأ اَلْمَحَلَّ وما ذُكِرَ في سَبَبِ اَلتَّمَوُّجِ هو اَلَّذِي ذَكَرَهُ فَلاسِفَةُ اَلْعَصْرِ.
وأمّا اَلْمُتَقَدِّمُونَ فَذَكَرُوا أشْياءَ أُخْرى، ولَعَلَّ هُناكَ أسْبابًا غَيْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ لا يَعْلَمُها إلّا اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والقَوْلُ بِالأسْبابِ تَحْرِيكًا وإسْكانًا لا يُنافِي إسْنادَ اَلْحَوادِثِ إلى اَلْفاعِلِ اَلْمُخْتارِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نَوالُهُ.
وقَرَأ نافِعٌ (اَلرِّياحَ) جَمْعًا ﴿ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ ﴾ فَيَصِرْنَ ثَوابِتَ عَلى ظَهْرِ اَلْبَحْرِ أيْ غَيْرَ جارِياتٍ لا غَيْرَ مُتَحَرِّكاتٍ أصْلًا، وفَسَّرَ بَعْضُهم (يَظْلَلْنَ) بِيَبْقَيْنَ فَيَكُونُ (رَواكِدَ) حالًا والأوَّلُ أوْلى.
وقَرَأ قَتادَةُ (فَيَظْلِلْنَ) بِكَسْرِ اَللّامِ والقِياسُ اَلْفَتْحُ لِأنَّ اَلْماضِيَ مَكْسُورُ اَلْعَيْنِ فالكَسْرُ في اَلْمُضارِعِ شاذٌّ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: هو مِن ظَلَّ يَظَلُّ ويَظِلُّ بِالفَتْحِ والكَسْرِ نَحْوُ ضَلَّ بِالضّادِ يَضَلُّ ويَضِلُّ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ كَما ذَكَرَ لِأنَّ يَضَلُّ بِالفَتْحِ مِن ضَلِلْتُ بِالكَسْرِ ويَضِلُّ بِالكَسْرِ مَن ضَلَلْتُ بِالفَتْحِ وكِلاهُما مَقِيسٌ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ اَلَّذِي ذُكِرَ مِنَ اَلسُّفُنِ اَلْمُسَخَّرَةِ في اَلْبَحْرِ تَحْتَ أمْرِهِ سُبْحانَهُ وحَسْبَ مَشِيئَتِهِ تَعالى: ﴿ لآياتٍ ﴾ عَظِيمَةً كَثِيرَةً عَلى عَظَمَةِ شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ لِكُلِّ مَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ اَلتَّوَجُّهِ إلى ما لا يَنْبَغِي ووَكَلَ هِمَّتَهُ بِالنَّظَرِ في آياتِ اَللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في آلائِهِ سُبْحانَهُ فالصَّبْرُ هُنا حَبْسٌ مَخْصُوصٌ والتَّفَكُّرُ في نِعَمِهِ تَعالى شُكْرٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ كَنّى بِهَذَيْنِ اَلْوَصْفَيْنِ عَنِ اَلْمُؤْمِنِ اَلْكامِلِ لِأنَّ اَلْإيمانَ نِصْفُهُ صَبْرٌ ونِصْفُهُ شُكْرٌ.
وذَكَرَ اَلْإمامُ أنَّ اَلْمُؤْمِنَ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ في اَلسَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَإنْ كانَ في اَلضَّرّاءِ كانَ مِنَ اَلصّابِرِينَ وإنْ كانَ في اَلسَّرّاءِ كانَ مِنَ اَلشّاكِرِينَ <div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ يُوبِقْهُنَّ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يُسْكِنِ ﴾ أيْ أوْ يُهْلِكْهُنَّ بِإرْسالِ اَلرِّيحِ اَلْعاصِفَةِ اَلْمُغْرِقَةِ، والمُرادُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ إهْلاكُ أهْلِها إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ بِالتَّجَوُّزِ بِإطْلاقِ اَلْمَحَلِّ عَلى حالِهِ أوْ بِطْرِيقِ اَلْكِنايَةِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن إهْلاكِها إهْلاكُ مَن فِيها والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ وأصْلُهُ أوْ يُرْسِلُها أيِ اَلرِّيحَ فَيُوبِقْهُنَّ لِأنَّهُ قَسِيمٌ يَسْكُنُ فاقْتَصَرَ فِيهِ عَلى اَلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِها عاصِفَةً وهو إمّا إهْلاكُهم أوْ إنْجاؤُهُمُ اَلْمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ﴾ إذِ اَلْمَعْنى أوْ يُرْسِلُها فَيُوبِقْ ناسًا بِذُنُوبِهِمْ ويُنْجِ ناسًا عَلى طَرِيقِ اَلْعَفْوِ عَنْهم وبِهَذا ظَهَرَ وجْهُ جَزْمِ ”يَعْفُ“ لِأنَّهُ بِمَعْنى يُنْجِ مَعْطُوفٌ عَلى يُوبِقْ، ويُعْلَمُ وجْهُ عَطْفِهِ بِالواوِ لِأنَّهُ مُنْدَرِجٌ في اَلْقَسِيمِ وهو إرْسالُها عاصِفَةً، وعَلى هَذا اَلتَّفْسِيرِ تَكُونُ اَلْآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِإسْكانِها ولِإرْسالِها عاصِفَةً مَعَ اَلْإهْلاكِ والإنْجاءِ وإرْسالِها بِاعْتِدالٍ مَعْلُومٍ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ اَلْجَوارِي فَإنَّها اَلْمَطْلُوبُ اَلْأصْلِيُّ مِنها.
وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: اَلتَّحْقِيقُ أنَّ (يَعْفُ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (يُسْكِنِ اَلرِّيحَ) إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بِما كَسَبُوا) ولِذا عَطَفَ بِالواوِ لا بِأوْ والمَعْنى إنْ يَشَأْ يُعاقِبْهم بِالإسْكانِ أوِ اَلْإعْصافِ وإنْ يَشَأْ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم حَمْلَ (يُوبِقْهُنَّ) عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ اَلسُّفُنَ مِن جُمْلَةِ أمْوالِهِمُ اَلَّتِي هَلاكُها والخَسارَةُ فِيها بِذُنُوبِهِمْ أيْضًا وجَعْلَ اَلْآيَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ ﴾ .
إلَخْ وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (يَعْفُو) بِالواوِ اَلسّاكِنَةِ آخِرَهُ عَلى عَطْفِهِ عَلى مَجْمُوعِ اَلشَّرْطِ والجَوابِ دُونَ اَلْجَوابِ وحْدَهُ كَما في قِراءَةِ اَلْجَزْمِ، وعَنْ أهْلِ اَلْمَدِينَةِ أنَّهم قَرَءُوا (يَعْفُوَ) بِالواوِ اَلْمَفْتُوحَةِ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا بَعْدَ اَلْواوِ والعَطْفُ عَلى هَذِهِ اَلْقِراءَةِ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِنَ اَلْكَلامِ اَلسّابِقِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَقَعُ وهو مِنَ اَلْعَطْفِ عَلى اَلْمَعْنى وهَذا مَذْهَبُ اَلْبَصْرِيِّينَ في مِثْلِ ذَلِكَ وتُسَمّى هَذِهِ اَلْواوُ واوَ اَلصَّرْفِ لِصَرْفِها عَنْ عَطْفِ اَلْفِعْلِ اَلْمَجْزُومِ قَبْلَها إلى عَطْفِ مَصْدَرٍ عَلى مَصْدَرٍ، ومَذْهَبُ اَلْكُوفِيِّينَ أنَّ اَلْواوَ بِمَعْنى أنِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ ناصِبَةً لِلْمُضارِعِ بِنَفْسِها.
واخْتارَ اَلرَّضِيُّ أنَّ اَلْواوَ إمّا واوُ اَلْحالِ والمَصْدَرُ بَعْدَها مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ واوُ اَلْمَعِيَّةِ ويُنْصَبُ بَعْدَها اَلْفِعْلُ لِقَصْدِ اَلدَّلالَةِ عَلى مَعِيَّةِ اَلْأفْعالِ كَما أنَّ اَلْواوَ في اَلْمَفْعُولِ مَعَهُ دالَّةٌ عَلى مُصاحَبَةِ اَلْأسْماءِ فَعُدِلَ بِهِ عَنِ اَلظّاهِرِ لِيكُونَ نَصًّا في مَعْنى اَلْجَمْعِيَّةِ، والمَشْهُورُ اَلْيَوْمَ عَلى ألْسِنَةِ اَلْمُعْرِبِينَ مَذْهَبُ اَلْبَصْرِيِّينَ وعَلَيْهِ خَرَّجَ أبُو حَيّانَ اَلنَّصْبَ في هَذِهِ اَلْقِراءَةِ وكَذا خَرَّجَ غَيْرُ واحِدٍ ومِنهُمُ اَلزَّجّاجُ اَلنَّصْبَ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ ﴾ أيْ مِن مَهْرَبٍ ومُخَلِّصٍ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى ذَلِكَ، وجَعَلُوا اَلْجَزاءَ بِمَنزِلَةِ اَلْإنْشاءِ كالِاسْتِفْهامِ فَكَأنَّهُ تَقَدَّمَ أحَدُ اَلْأُمُورِ اَلسِّتَّةِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِما أوْرَدَهُ سِيبَوَيْهِ في اَلْكِتابِ قالَ: واعْلَمْ أنَّ اَلنَّصْبَ بِالفاءِ والواوِ في قَوْلِهِ: إنْ تَأْتِنِي آتِكَ وأُعْطِيَكَ ضَعِيفٌ وهو نَحْوٌ مِن قَوْلِهِ: وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا فَهَذا تَجُوزُ ولا بِحَدِّ اَلْكَلامِ ولا وجْهِهِ إلّا أنَّهُ في اَلْجَزاءِ صارَ أقْوى قَلِيلًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ أنَّهُ يَفْعَلُ إلّا أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْأوَّلِ فِعْلٌ فَلَمّا ضارَعَ اَلَّذِي لا يُوجِبُهُ كالِاسْتِفْهامِ ونَحْوِهِ أجازُوا فِيهِ هَذا عَلى ضَعْفٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ اَلْقِراءَةُ اَلْمُسْتَفِيضَةُ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ لَيْسَ بِحَدِّ اَلْكَلامِ ولا وجْهِهِ ولَوْ كانَتْ مِن هَذا اَلْبابِ لَما أخْلى سِيبَوَيْهِ مِنها كِتابَهُ وقَدْ ذَكَرَ نَظائِرَها مِنَ اَلْآياتِ اَلْمُشْكِلَةِ اِنْتَهى، وخَرَّجَ هو اَلنَّصْبَ في (يَعْلَمَ) عَلى اَلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ قالَ: أيْ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ اَلَّذِينَ إلَخْ، وكَمْ مِن نَظِيرٍ لَهُ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ إلّا أنَّ ذَلِكَ مِن وُجُودِ حَرْفِ اَلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ .
وقالَ أبُو حَيّانَ: يَبْعُدُ هَذا اَلتَّقْدِيرُ أنَّهُ تَرَتَّبَ عَلى اَلشَّرْطِ إهْلاكُ قَوْمٍ ونَجاةُ قَوْمٍ فَلا يَحْسُنُ لِيَنْتَقِمَ مِنهم.
وأُجِيبَ بِأنَّ اَلْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ فالمَقْصُودُ اَلْهَلاكُ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِيُظْهِرَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ تَعالى ويَعْلَمَ اَلَّذِينَ يُجادِلُونَ فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ ويَحْسُنُ ذَلِكَ اَلتَّقْدِيرُ في تَوْجِيهِ اَلنَّصْبِ في (يَعْفُوَ) عَلى ما رُوِيَ عَنْ أهْلِ اَلْمَدِينَةِ إذا خُدِشَ اَلتَّوْجِيهُ اَلسّابِقُ بِما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ فَيُقالُ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى تَعْلِيلٍ مُقَدَّرٍ أيْ لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْفُوَ عَنْ كَثِيرٍ، وقِراءَةُ اَلنَّصْبِ في (يَعْلَمَ) هي اَلَّتِي قَرَأ بِها أكْثَرُ اَلسَّبْعَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ.
وابْنُ عامِرٍ.
وأبُو جَعْفَرٍ.
والأعْرَجُ.
وشَيْبَةُ.
وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ، وقَرَّرَ في اَلْكَشْفِ وجْهَهُ بِأنَّهُ عَلى عَطْفِ يَعْلَمُ عَلى مَجْمُوعِ اَلْجُمْلَةِ اَلشَّرْطِيَّةِ عَلى مَعْنى ومِن آياتِهِ اَلدّالَّةِ عَلى كَمالِ اَلْقُدْرَةِ اَلسُّفُنُ في اَلْبَحْرِ ثُمَّ ذَكَرَ وجْهَ اَلدَّلالَةِ وأنَّها مُسَخَّرَةٌ تَحْتَ أمْرِهِ سُبْحانَهُ تارَةً بِتَضَمُّنِ نَفْعِ مَن فِيها وتارَةً بِالعَكْسِ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا ويَعْلَمُ اَلَّذِينَ يُعانِدُونَ ولا يَعْتَرِفُونَ بِآياتِ اَللَّهِ تَعالى اَلْباهِرَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ فِيها بِالضَّمِيرِ اَلرّاجِعِ إلى اَلْآيَةِ اَلْمَبْحُوثِ عَنْها شَهادَةً بِأنَّها مِن آياتِ اَللَّهِ تَعالى وزِيادَةً لِلتَّحْذِيرِ وذَمِّ اَلْجِدالِ فِيها ولِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ اَلْكِنايَةِ عَلى نَحْوِ اَلْعَرَبُ لا تَخْفِرُ اَلذِّمَمَ فَكَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ اَلرِّيحَ وذَكَرَ سَبَبَ اَلدَّلالَةِ صارَ في مَعْنى يَعْلَمُها ويَعْتَرِفُ بِها اَلْمُتَدَبِّرُونَ في آياتِنا اَلْمُسْتَرْشِدُونَ ويَعْلَمُ اَلْمُجادِلُونَ فِيها اَلْمُنْكِرُونَ ما لَهم مِن مَحِيصٍ، وجازَ أنْ يُجْعَلَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ الجَوارِ ﴾ وتُجْعَلَ هَذِهِ وحْدَها آياتٍ لِتَضَمُّنِها وُجُوهًا مِنَ اَلدَّلالَةِ أُقِيمَتْ مَقامَ اَلْمُضْمَرِ، والمَعْنى ومِن آياتِهِ اَلْجِوارِ ويَعْلَمُ اَلْمُجادِلُونَ فِيها، واعْتُرِضَ بَيْنَ اَلْمَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِبَيانِ وجْهِ اَلدَّلالَةِ لِيَدُلَّ عَلى مُوجِبِ وعِيدِ اَلْمُجادِلِ وعَلى كَوْنِها آيَةً بَلْ آياتٍ، ونُقِلَ عَنْ أنَّ اَلْحاجِبَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى مَوْضِعٍ اَلْجَزاءِ اَلْمُتَقَدِّمِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ جُمْلَةً لا بِاعْتِبارِ عَطْفِ مُجَرَّدِ اَلْفِعْلِ لِيَجِبَ اَلْجَزْمُ فَتَكُونَ اَلْجُمْلَتانِ مُشْتَرِكَتَيْنِ في اَلْمُسَبَّبِيَّةِ، وفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ (ويَعْلَمْ) بِالجَزْمِ.
وخُرِّجَ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى (يَعْفُ) وتَسَبُّبُهُ عَنِ اَلشَّرْطِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِ اَلْأخْبارِ عَنْ عِلْمِ اَلْمُجادِلِينَ بِما يَحِلُّ بِهِمْ في اَلْمُسْتَقْبَلِ اَلْوَعِيدُ والتَّحْذِيرُ كَما قِيلَ: سَوْفَ تَرى إذا اِنْجَلى اَلْغُبارُ ∗∗∗ أفَرَسٌ تَحْتَكَ أمْ حِمارُ ومَرْجِعُ اَلْمَعْنى عَلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى إنْ يَشَأْ يَعْصِفِ اَلرِّيحَ فَيُغْرِقْ بَعْضًا ويُنْجِ آخَرِينَ عَفْوًا ويُحَذِّرْ جَماعَةً أُخْرى.
واعْتُرِضَ بِأنَّ اَلتَّخْصِيصَ بِالمُجادِلِينَ في هَذا اَلتَّحْذِيرِ غَيْرُ لائِحٍ، وأيْضًا عِلْمُهم بِأنْ لا مَحِيصَ مِن عَذابِ اَللَّهِ تَعالى عَلى تَقْدِيرِ عَصْفِ اَلرِّيحِ بِأهْلِ اَلسُّفُنِ عَلى سَبِيلِ اَلْعِبْرَةِ ولا اِخْتِصاصَ لَها بِهِمْ ولا بِهَذا اَلْمَقْدُورِ خاصَّةً.
وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ اَلتَّخْصِيصَ بِالمُجادِلِينَ لِأنَّهم أوْلى بِالتَّحْذِيرِ، وعَنِ اَلْأخِيرِ بِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ اَلْبَرَّ والبَحْرَ لا يُنْجِيانِ مِن بَأْسِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو تَعْمِيمٌ، واخْتارَ في اَلْكَشْفِ كَوْنَ اَلتَّخْرِيجِ عَلى أنَّ اَلْآيَةَ في اَلْكافِرِينَ بِمَعْنى إنْ يَشَأْ يَعْصِفِ اَلرِّيحَ فَيُغْرِقْ بَعْضَهم ويُنْجِ آخَرِينَ مِنهم عَفْوًا ويَعْلَمُوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ فَلا يَغْتَرُّوا بِالنَّجاةِ والعَفْوِ في هَذِهِ اَلْمَرَّةِ، فالمُجادِلُونَ هُمُ اَلْكَثِيرُ اَلنّاجُونَ أوْ بَعْضُهم وهو عَلى مِنوالِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى ﴾ ، ومِن مَجْمُوعِ ما سَمِعْتَ يَلُوحُ لَكَ ضَعْفُ هَذِهِ اَلْقِراءَةِ ولِهَذا لَمْ يُقْرَأْ بِها في اَلسَّبْعَةِ، والظّاهِرُ عَلى اَلْقِراءاتِ اَلثَّلاثِ أنَّ فاعِلَ (يَعْلَمَ اَلَّذِينَ) وجُمْلَةَ (ما لَهم مِن مَحِيصٍ) سادَةٌ مَسَدَّ اَلْمَفْعُولَيْنِ.
وفي اَلدُّرِّ اَلْمَصُونِ أنَّ اَلْجُمْلَةَ في قِراءَةِ اَلرَّفْعِ تَحْتَمِلُ اَلْفِعْلِيَّةَ وتَحْتَمِلُ اَلِاسْمِيَّةَ أيْ وهو يَعْلَمُ اَلَّذِينَ، ولا يَخْفى أنَّ اَلظّاهِرَ عَلى اَلِاحْتِمالِ اَلثّانِي كَوْنُ (اَلَّذِينَ) مَفْعُولًا أوَّلًا والجُمْلَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا والفاعِلِ ضَمِيرَهُ تَعالى اَلْمُسْتَتِرَ، وأوْجَبَ بَعْضُهم هَذا عَلى قِراءَةِ اَلْجَزْمِ وعَطْفِ (يَعْلَمَ) عَلى (يَعْفُ) لِئَلّا يَخْرُجَ اَلْكَلامُ عَنِ اَلِانْتِظامِ ويَظْهَرُ قَصْدُ اَلتَّحْذِيرِ لِشُيُوعِ أنَّ عِلْمَ اَللَّهِ تَعالى يَكُونُ كِنايَةً عَنِ اَلْمُجازاةِ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
﴿ فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْءٍ كانَ مِن أسْبابِ اَلدُّنْيا، والظّاهِرُ أنَّ اَلْخِطابَ لِلنّاسِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ، وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أُوتِيتُمُوهُ والخَبَرُ ما بَعْدُ، ودَخَلَتِ اَلْفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى اَلشَّرْطِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي شَرْطِيَّةٌ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأُوتِيتُمْ و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ فَهو مَتاعُها تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مُدَّةَ حَياتِكم فِيها جَوابُ اَلشَّرْطِ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن ثَوابِ اَلْآخِرَةِ ﴿ خَيْرٌ ﴾ ذاتًا لِخُلُوصِ نَفْعِهِ ﴿ وأبْقى ﴾ زَمانًا حَيْثُ لا يَزُولُ ولا يَفْنى لِأنَّ اَلظّاهِرَ أنَّ ما فِيهِ مَوْصُولَةٌ وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في خَبَرِها مَعَ أنَّ اَلْمَوْصُولَ اَلْمُبْتَدَأُ إذا وُصِلَ بِالظَّرَفِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى اَلشَّرْطِ أيْضًا لِأنَّ مُسَبَّبِيَّةَ كَوْنِ اَلشَّيْءِ عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى لِخَيْرِيَّتِهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ غَنِيٌّ عَنِ اَلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لَهُ بِخِلافِ ما عِنْدَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِأنَّهُ عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى دُونَ ما اِدَّخَرَ لِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِأبْقى أوِ اَللّامِ لِبَيانِ مَن لَهُ هَذِهِ اَلنِّعْمَةُ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ لِلَّذِينِ آمَنُوا.
﴿ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ تَعالى أصْلًا، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ اِجْتَمَعَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ مالٌ فَتَصَدَّقَ بِهِ كُلَّهُ في سَبِيلِ اَللَّهِ تَعالى فَلامَهُ اَلْمُسْلِمُونَ وخَطَّأهُ اَلْكافِرُونَ فَنَزَلَتْ؛ <div class="verse-tafsir"
والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ مَعَ ما بَعْدُ إمّا عَطْفٌ عَلى اَلْمَوْصُولِ اَلْأوَّلِ أوْ هو مَدْحٌ مَرْفُوعٌ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ كَأعْنِي أوْ أمْدَحُ، والواوُ اِعْتِراضِيَّةٌ كَما ذَكَرَهُ اَلرَّضِيُّ، وغَفَلَ أبُو اَلْبَقاءِ عَنِ اَلْواوِ فَلَمْ يَذْكُرِ اَلْعَطْفَ وذَكَرَ بَدَلَهُ اَلْبَدَلَ، وكَبائِرُ اَلْإثْمِ ما رُتِّبَ عَلَيْهِ اَلْوَعِيدُ أوْ ما يُوجِبُ اَلْحَدَّ أوْ كُلُّ ما نَهى اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ والفَواحِشُ ما فَحُشَ وعَظُمَ قُبْحُهُ مِنها، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالكَبائِرِ ما يَتَعَلَّقُ بِالبِدَعِ واسْتَخْراجِ اَلشُّبَهاتِ وبِالفَواحِشِ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ اَلشَّهْوانِيَّةِ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ اَلْغَضَبِيَّةِ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالإثْمِ اَلْجِنْسُ وإلّا لَقِيلَ اَلْآثامِ، ﴿ وإذا ﴾ ظَرْفٌ لَيَغْفِرُونَ و(هُمْ) مُبْتَدَأٌ لا تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ غَضِبُوا وجَوَّزَهُ في اَلْبَحْرِ وجُمْلَةُ يَغْفِرُونَ خَبَرُهُ وتَقْدِيمُهُ لِإفادَةِ اَلِاخْتِصاصِ لِأنَّهُ فاعِلٌ مَعْنَوِيٌّ، واخْتِصاصُهم بِاعْتِبارِ أنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإنَّ اَلْمَغْفِرَةَ حالَ اَلْغَضَبِ عَزِيزَةُ اَلْمِثالِ، وفي اَلْآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّهم يَغْفِرُونَ قَبْلَ اَلِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ (هُمْ) مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ (يَغْفِرُونَ) ولَمّا حُذِفَ اِنْفَصَلَ اَلضَّمِيرُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ أبُو اَلْبَقاءِ (إذا) شَرْطِيَّةً وجُمْلَةَ (هم يَغْفِرُونَ) جَوابًا لَها، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ اَلْفاءَ حِينَئِذٍ ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في اَلشِّعْرِ، وتَقَدَّمَ لَكَ آنِفًا ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَبِيرَ اَلْإثْمِ) بِالإفْرادِ لِإرادَةِ اَلْجِنْسِ أوِ اَلْفَرْدِ اَلْكامِلِ مِنهُ وهو اَلشِّرْكُ، ورُوِيَ تَفْسِيرُهُ بِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولا يَلْزَمُ اَلتَّكْرارُ لِأنَّ اَلْمُرادَ اَلِاسْتِمْرارُ والدَّوامُ <div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في اَلْأنْصارِ دَعاهُمُ اَللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْإيمانِ بِهِ وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ فاسْتَجابُوا لَهُ فَأثْنى عَلَيْهِمْ جَلَّ وعَلا بِما أثْنى، وعَلَيْهِ فَهو مِن ذِكْرِ اَلْخاصِّ بَعْدَ اَلْعامِّ لِبَيانِ شَرَفِهِ لِإيمانِهِمْ دُونَ تَرَدُّدٍ وتَلَعْثُمٍ، والآيَةُ إنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فالأمْرُ ظاهِرٌ وإذا كانَتْ مَكِّيَّةً فالمُرادُ بِالأنْصارِ مَن آمَنَ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ أوِ اَلْمُرادُ بِهِمْ أصْحابُ اَلْعَقَبَةِ ﴿ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ ذُو شُورى ومُراجَعَةٍ في اَلْآراءِ بَيْنَهم بِناءً عَلى أنَّ اَلشُّورى مَصْدَرٌ كالبُشْرى فَلا يَصِحُّ اَلْإخْبارُ لِأنَّ اَلْأمْرَ مُتَشاوَرٌ فِيهِ لا مُشاوَرَةً إلّا إذا قَصَدَ اَلْمُبالَغَةَ، وأوْرَدَ أنَّهُ يُقالُ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ شَأْنِي اَلْكَرَمُ والأمْرُ هُنا بِمَعْنى اَلشَّأْنِ.
نَعَمْ إذا حُمِلَ عَلى اَلْقَضايا اَلْمُتَشاوَرِ فِيها اِحْتاجَ إلى اَلتَّأْوِيلِ أوْ قَصْدِ اَلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ اَلْمَصْدَرِ لِلْعُمُومِ فَلا يَصِحُّ اَلْإخْبارُ إلّا بِالتَّأْوِيلِ ورُدَّ بِأنَّ اَلْمُرادَ أمْرُهم فِيما يُتَشاوَرُ فِيهِ لا جَمِيعِ أُمُورِهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلْمَشُورَةُ اِسْتِخْراجُ اَلرَّأْيِ بِمُراجَعَةِ اَلْبَعْضِ إلى اَلْبَعْضِ مِن قَوْلِهِمْ: شُرْتُ اَلْعَسَلَ وأشَرْتُهُ اِسْتَخْرَجْتُهُ والشُّورى اَلْأمْرُ اَلَّذِي يُتَشاوَرُ فِيهِ اِنْتَهى، والمَشْهُورُ كَوْنُهُ مَصْدَرًا، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اِسْمِيَّةً مَعَ أنَّ اَلْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اَلتَّشاوُرَ كانَ حالَهُمُ اَلْمُسْتَمِرَّةَ قَبْلَ اَلْإسْلامِ وبَعْدَهُ، وفي اَلْآيَةِ مَدْحٌ لِلتَّشاوُرِ لا سِيَّما عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ فِيها اَلْإخْبارَ بِالمَصْدَرِ، وقَدْ أخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن أرادَ أمْرًا فَشاوَرَ فِيهِ وقَضى هُدِيَ لِأرْشَدِ اَلْأُمُورِ،» وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.
والبُخارِيُّ في اَلْأدَبِ.
وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنِ اَلْحَسَنِ قالَ: ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا وأرْشَدَ أمْرُهم ثُمَّ تَلا ﴿ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ ، وقَدْ كانَتِ اَلشُّورى بَيْنَ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ اَلْحُرُوبِ، وكَذا بَيْنَ اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَتْ بَيْنَهم أيْضًا في اَلْأحْكامِ كَقِتالِ أهْلِ اَلرِّدَّةِ ومِيراثِ اَلْجَدِّ وعَدَدِ حَدِّ اَلْخَمْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ ما لَمْ يَكُنْ لَهم فِيهِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ وإلّا فالشُّورى لا مَعْنى لَها وكَيْفَ يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ اَلْعُدُولُ عَنْ حُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى آراءِ اَلرِّجالِ واَللَّهُ سُبْحانَهُ هو اَلْحَكِيمُ اَلْخَبِيرُ، ويُؤَيِّدُ ما قُلْنا ما أخْرَجَهُ اَلْخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اَللَّهِ اَلْأمْرُ يَنْزِلُ بِنا بَعْدَكَ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ ولَمْ يُسْمَعْ مِنكَ فِيهِ شَيْءٌ قالَ: اِجْمَعُوا لَهُ اَلْعابِدَ مِن أُمَّتِي واجْعَلُوهُ بَيْنَكم شُورى ولا تَقْضُوهُ بِرَأْيٍ واحِدٍ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اَلْمُسْتَشارُ عاقِلًا كَما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عابِدًا،» فَقَدْ أخْرَجَ اَلْخَطِيبُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «(اِسْتَرْشِدُوا اَلْعاقِلَ تَرْشَدُوا ولا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا)» والشُّورى عَلى اَلْوَجْهِ اَلَّذِي ذَكَرْناهُ مِن جُمْلَةِ أسْبابِ صَلاحِ اَلْأرْضِ فَفي اَلْحَدِيثِ إذا كانَ أُمَراؤُكم خِيارَكم وأمْرُكم شُورى بَيْنَكم فَظَهْرُ اَلْأرْضِ خَيْرٌ لَكم مِن بَطْنِها وإذا كانَ أُمَراؤُكم شِرارَكم وأغْنِياؤُكم بُخَلاءَكم وأمْرُكم إلى نِسائِكم فَبَطْنُ اَلْأرْضِ خَيْرٌ لَكم مِن ظَهْرِها) وإذا لَمْ تَكُنْ عَلى ذَلِكَ اَلْوَجْهِ كانَ إفْسادُها لِلدِّينِ والدُّنْيا أكْثَرَ مِن إصْلاحِها ﴿ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ أيْ في سَبِيلِ اَلْخَيْرِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ لِلْمَدْحِ بِمُجَرَّدِ اَلْإنْفاقِ، ولَعَلَّ فَصْلَهُ عَنْ قَرِينِهِ بِذِكْرِ اَلْمُشاوَرَةِ لِأنَّ اَلِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ تَعالى وإقامُ اَلصَّلاةِ كانا مِن آثارِها، وقِيلَ: لِوُقُوعِها عِنْدَ اِجْتِماعِهِمْ لِلصَّلَواتِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ أيْ يَنْتَقِمُونَ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِمْ عَلى ما جَعَلَهُ اَللَّهُ تَعالى لَهم ولا يَعْتَدُونَ، ومَعْنى اَلِاخْتِصاصِ أنَّهُمُ اَلْأخِصّاءُ بِالِانْتِصارِ وغَيْرُهم يَعْدُو ويَتَجاوَزُ، ولا يُرادُ أنَّهم يَنْتَصِرُونَ ولا يَغْفِرُونَ لِيَتَناقَضَ هو والسّابِقُ، فَكَأنَّهُ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِأنَّهُمُ اَلْأخِصّاءُ بِالغُفْرانِ لا يَغُولُ اَلْغَضَبُ أحْلامَهم كَما يَغُولُ في غَيْرِهِمْ وإنَّهُمُ اَلْأخِصّاءُ بِالِانْتِصارِ عَلى ما جُوِّزَ لَهم إنْ كافَؤُوا ولا يَعْتَدُونَ كَغَيْرِهِمْ فَهم مَحْمُودُونَ في اَلْحالَتَيْنِ بَيْنَ حَسَنٍ وأحْسَنَ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ اَلنّاسِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ كُلًّا مِنَ اَلْوَصْفَيْنِ في مَحَلٍّ وهو فِيهِ مَحْمُودٌ فالعَفْوُ عَنِ اَلْعاجِزِ اَلْمُعْتَرِفِ بِجُرْمِهِ مَحْمُودٌ ولَفْظُ اَلْمَغْفِرَةِ مُشْعِرٌ بِهِ والِانْتِصارُ مِنَ اَلْمُخاصَمِ اَلْمُصِرِّ مَحْمُودٌ، ولَفْظُ اَلِانْتِصارِ مُشْعِرٌ بِهِ ولَوْ أُوقِعا عَلى عَكْسِ ذَلِكَ كانا مَذْمُومَيْنِ وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: إذا أنْتَ أكْرَمْتَ اَلْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اَللَّئِيمَ تَمَرَّدا فَوَضْعُ اَلنَّدى في مَوْضِعِ اَلسَّيْفِ بِالعُلا ∗∗∗ مُضِرٌّ كَوَضْعِ اَلسَّيْفِ في مَوْضِعِ اَلنَّدى وقَدُ يُحْمَدُ كُلٌّ ويُذَمُّ بِاعْتِباراتٍ أُخَرَ فَلا تَناقُضَ أيْضًا سَواءٌ اِتَّحَدَ اَلْمَوْصُوفانِ في اَلْجُمْلَتَيْنِ أوْ لا، وقالَ بَعْضُ اَلْمُحَقِّقِينَ: اَلْأوْجَهُ أنْ لا يُحْمَلُ اَلْكَلامُ عَلى اَلتَّخْصِيصِ بَلْ عَلى اَلتَّقْوى أيْ يَفْعَلُونَ اَلْمَغْفِرَةَ تارَةً والِانْتِصارَ أُخْرى لا دائِمًا لِلتَّناقُضِ ولَيْسَ بِذاكَ، وعَنِ اَلنَّخْعِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ اَلْآيَةَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ اَلْفُسّاقُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اَلِانْتِصارَ مِنَ اَلْمُخاصِمِ اَلْمُصِرِّ وإلّا فَلا إذْلالَ لِلنَّفْسِ بِالعَفْوِ عَنِ اَلْعاجِزِ اَلْمُعْتَرِفِ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ (هم يَنْتَصِرُونَ) مِنَ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةُ اَلْمَوْصُولِ (وإذا) ظَرْفُ (يَنْتَصِرُونَ) وجُوِّزَ كَوْنُها شَرْطِيَّةً والجُمْلَةُ جَوابُ اَلشَّرْطِ وجُمْلَةُ اَلْجَوابِ والشَّرْطِ هي اَلصِّلَةُ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِما مَرَّ آنِفًا، وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ (هُمْ) فاعِلًا لِمَحْذُوفٍ وهو كَما سَمِعْتَ في (وإذا ما غَضِبُوا) إلَخْ.
وقالَ اَلْحَوْفِيُّ: يَجُوزُ جَعْلُ (هُمْ) تَوْكِيدًا لِضَمِيرِ (أصابَهُمُ) وفِيهِ اَلْفَصْلُ بَيْنَ اَلْمُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ بِالفاعِلِ ولَعَلَّهُ لا يَمْتَنِعُ، ومَعَ هَذا فالوَجْهُ في اَلْإعْرابِ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا <div class="verse-tafsir"
﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ بَيانٌ لِما جُعِلَ لِلْمُنْتَصِرِ وتَسْمِيَةُ اَلْفِعْلَةِ اَلثّانِيَةِ وهي اَلْجَزاءُ سَيِّئَةً قِيلَ لِلْمُشاكَلَةِ، وقالَ جارُ اَللَّهِ: تَسْمِيَةُ كِلْتا اَلْفِعْلَتَيْنِ سَيِّئَةً لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، وفِيهِ رِعايَةٌ لِحَقِيقَةِ اَللَّفْظِ وإشارَةٌ إلى أنَّ اَلِانْتِصارَ مَعَ كَوْنِهِ مَحْمُودًا إنَّما يُحْمَدُ بِشَرْطِ رِعايَةِ اَلْمُماثَلَةِ وهي عَسِرَةٌ فَفي مَساقِها حَثٌّ عَلى اَلْعَفْوِ مِن طَرِيقِ اَلِاحْتِياطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن عَفا ﴾ أيْ عَنِ اَلْمُسِيءِ إلَيْهِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُعادِيهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ عَمّا صَدَرَ مِنهُ ﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ فَيَجْزِيهِ جَلَّ وعَلا أعْظَمَ اَلْجَزاءِ، تَصْرِيحٌ بِما لَوَّحَ إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ اَلْحَثِّ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ سُلُوكًا لِطَرِيقِ اَلِاحْتِياطِ يَتَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ إصْلاحُ ذاتِ اَلْبَيْنِ اَلْمَحْمُودُ حالًا ومَآلًا لِيَكُونَ زِيادَةَ تَحْرِيضٍ عَلَيْهِ، وإبْهامُ اَلْأجْرِ وجَعْلُهُ حَقًّا عَلى اَلْعَظِيمِ اَلْكَرِيمِ جَلَّ شَأْنُهُ اَلدّالُّ عَلى عِظَمِهِ زِيادَةٌ في اَلتَّرْغِيبِ، وجِيءَ بِالفاءِ لِيَرْفَعَهُ عَنِ اَلسّابِقِ أيْ إذا كانَ سُلُوكُ اَلِانْتِصارِ غَيْرَ مَأْمُونِ اَلْعِثارِ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَهو سالِكٌ اَلطَّرِيقَ اَلْمَأْمُونَ اَلْعِثارِ اَلْمَحْمُودَ في اَلدّارَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ اَلْمُتَجاوِزِينَ اَلْحَدَّ في اَلِانْتِقامِ، تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ اَلْمَعْنى وتَصْرِيحٌ بِما ضَمِنَ مِن عُسْرِ رِعايَةِ طَرِيقِ اَلْمُماثَلَةِ وأنَّهُ قَلَّما تَخْلُو عَنِ اَلِاعْتِداءِ والتَّجاوُزِ لا سِيَّما في حالِ اَلْحَرْدِ والتِهابِ اَلْحَمِيَّةِ فَيَكُونُ دُخُولًا في زُمْرَةِ مَن لا يُحِبُّهُ اَللَّهُ تَعالى، ولا حاجَةَ عَلى هَذا اَلْمَعْنى إلى جَعْلِ (فَمَن عَفا) إلَخْ اِعْتِراضًا، ثُمَّ لَوْ كانَ كَذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنهُ فالفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَنْهُ كَما تُوُهِّمَ، وأدْخَلَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْمُبْتَدِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ في اَلظّالِمِينَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ بَعْدَ ما ظُلِمَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقُرِئَ بِهِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أوْ هو مَصْدَرُ اَلْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ واللّامُ لِلْقَسَمِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لامَ اَلِابْتِداءِ جِيءَ بِها لِلتَّوْكِيدِ و(مَن) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ وحُمِلَ اِنْتَصَرَ عَلى لَفْظِها وحُمِلَ ﴿ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ لِلْمُعاقِبِ ولا لِلْعاتِبِ والعائِبِ عَلى مَعْناها، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (فَمَن عَفا) وجِيءَ بِها لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ ما حَضَّ عَلَيْهِ إنَّما حَضَّ عَلَيْهِ إرْشادًا إلى اَلْأصْلَحِ في اَلْأغْلَبِ لا أنَّ اَلْمُنْتَصِرَ عَلَيْهِ سَبِيلٌ بِوَجْهٍ حالًا أوْ مَآلًا، ولِإيهامِ اَلْحَضِّ خِلافَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن نَفْسِ اَلسَّبِيلِ عَلى اَلْعُمُومِ صُدِّرَتْ بِاللّامِ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ تَعْيِينٌ لِمَن عَلَيْهِ اَلسَّبِيلُ بَعْدَ نَفْيِ ذَلِكَ عَنِ اَلْمُنْتَصِرِينَ، والمُرادُ بِاَلَّذِينِ يَظْلِمُونَ اَلنّاسَ مِن يَبْتَدِؤُونَهم بِالظُّلْمِ أوْ يَزِيدُونَ في اَلِانْتِقامِ ويَتَجاوَزُونَ ما حُدَّ لَهُمْ، وفَسَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِاَلَّذِينِ يَفْعَلُونَ بِهِمْ ما لا يَسْتَحِقُّونَهُ وهو أعَمُّ.
﴿ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ يَتَكَبَّرُونَ فِيها تَجَبُّرًا وفَسادًا ﴿ أُولَئِكَ ﴾ اَلْمَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ والبَغْيِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ﴿ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ اَلظّالِمِينَ اَلْباغِينَ اَلْكَفَرَةُ، وقِيلَ: مَن يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، <div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ اَلظُّلْمِ والبَغْيِ وما يُؤَدِّي إلى اَلْعَذابِ اَلْألِيمِ بِوَجْهٍ، وفِيهِ حَضٌّ عَلى ما حَضَّ عَلَيْهِ أوَّلًا اِهْتِمامًا بِهِ وزِيادَةَ تَرْغِيبٍ فِيهِ، فالصَّبْرُ هُنا هو اَلْإصْلاحُ اَلْمُؤَخَّرُ فِيما تَقَدَّمَ قُدِّمَ هَهُنا، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ أُولِي اَلْعَزْمِ وإشارَةً إلى أنَّ اَلْإصْلاحَ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ إنَّما يُحْمَدُ إذا كانَ عَنْ قُدْرَةٍ لا عَنْ عَجْزٍ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى اَلْمَذْكُورِ مِنَ اَلصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ، و(عَزْمِ اَلْأُمُورِ) اَلْأُمُورِ اَلْمَعْزُومَةِ اَلْمَقْطُوعَةِ أوِ اَلْعازِمَةِ اَلصّادِقَةِ، وجُوِّزَ في (مَن) أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وفي اَللّامِ أنْ تَكُونَ اِبْتِدائِيَّةً وأنْ تَكُونَ قَسَمِيَّةً واكْتُفِيَ بِجَوابِ اَلْقَسَمِ عَنْ جَوابِ اَلشَّرْطِ، وإذا جُعِلَتِ اَللّامُ لِلِابْتِداءِ و(مَن) شَرْطِيَّةً فَجُمْلَةُ (إنَّ ذَلِكَ) جَوابُ اَلشَّرْطِ وحُذِفَتِ اَلْفاءُ مِنها، ومَن يَخُصُّ اَلْحَذْفَ بِالشِّعْرِ لا يُجَوِّزُ هَذا اَلْوَجْهَ، وذَكَرَ جَماعَةٌ أنَّ في اَلْكَلامِ حَذْفًا أيْ إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لَمِن عَزْمِ اَلْأُمُورِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اَلْجُمْلَةَ خَبَرٌ فَلا بُدَّ فِيها مِن رابِطٍ و(ذَلِكَ) لا يَصْلُحُ لَهُ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى اَلصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ، وكَوْنُهُ مُغْنِيًا عَنْهُ لِأنَّ اَلْمُرادَ صَبْرُهُ أوْ (ذَلِكَ) رابِطٌ والإشارَةُ لِمِن بِتَقْدِيرِ مِن ذَوِي عَزْمِ اَلْأُمُورِ تَكَلُّفٌ.
هَذا واخْتارَ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ أنَّ تَسْمِيَةَ اَلْفِعْلَةِ اَلثّانِيَةِ اَلَّتِي هي اَلْجَزاءُ سَيِّئَةً مِن بابِ اَلتَّهْجِينِ دُونَ اَلْمُشاكَلَةِ، وزَعَمَ أنَّ اَلْمُجازى مُسِيءٌ وبَنى عَلى ذَلِكَ رَبْطَ جُمْلَةِ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ بِما قَبِلُ فَقالَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَمّا نَسَبَ اَلْمُجازِي إلى اَلْمَساءَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ والمُسِيءُ في هَذا اَلْمَقامِ مُفْسِدًا لِما في اَلْبَيْنِ بِدَلِيلِ ﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ ﴾ عَلَّلَ مَفْهُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أخْرَجَ نَفْسَهُ بِالعَفْوِ والإصْلاحِ مِنَ اَلِانْتِسابِ إلى اَلسَّيِّئَةِ والإفْسادِ كانَ مُقْسِطًا إنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ ﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ ومَنِ اِشْتَغَلَ بِالمُجازاةِ وانْتَسَبَ إلى اَلسَّيِّئَةِ وأفْسَدَ ما في اَلْبَيْنِ وحَرَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ اَلْأجْرَ اَلْجَزِيلَ كانَ ظالِمًا نَفْسَهُ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ فالآيَةُ وارِدَةٌ إرْشادًا لِلْمَظْلُومِ إلى مَكارِمِ اَلْأخْلاقِ وإيثارِ طَرِيقِ اَلْمُرْسَلِينَ.
وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ إلَخْ خِطابٌ لِلْوُلاةِ والحُكّامِ وتَعْلِيمُ فِعْلِ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ حَيْثُ أعادَ اَلسَّبِيلَ اَلْمُنَكَّرَ بِالتَّعْرِيفِ وعَلَّقَ بِهِ ﴿ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ ﴾ إلَخْ تَعْلِيمٌ لَهم أيْضًا طَرِيقَ اَلْحُكْمِ يَعْنِي أنَّ صاحِبَ اَلْحَقِّ إذا عَدَلَ مِنَ اَلْأُولى وانْتَصَرَ مِنَ اَلظّالِمِ فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ لِما قَدْ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ وإذا اِخْتارَ اَلْأفْضَلَ فَلا سَبِيلَ لَكم عَلى اَلظّالِمِ لِأنَّ عَفْوَ اَلْمَظْلُومِ مِن عَزْمِ اَلْأُمُورِ فَتَعاوَنُوا عَلى اَلْبِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى اَلْإثْمِ والعُدْوانِ اِنْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ جَعْلَ ما ذُكِرَ خِطابًا لِلْوُلاةِ والحاكِمِ يُوجِبُ اَلتَّعْقِيدَ في اَلْكَلامِ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ، وقَدْ جاءَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ اَلْعافِينَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، أخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(قالَ مُوسى ابْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يا رَبِّ مَن أعَزُّ عِبادِكَ عِنْدَكَ؟
قالَ: مَن إذا قَدَرَ غَفَرَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في اَلشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إذا وقَفَ اَلْعِبادُ لِلْحِسابِ نادى مُنادٍ لِيَقُمْ مَن أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى فَلْيَدْخُلِ اَلْجَنَّةَ ثُمَّ نادى اَلثّانِيَةَ لِيَقُمْ مَن أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى قالُوا: ومَن ذا اَلَّذِي أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى؟
قالَ: اَلْعافُونَ عَنِ اَلنّاسِ فَقامَ كَذا وكَذا ألْفًا فَدَخَلُوا اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ)» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ والنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ فَجَعَلَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْجَبُ ويَتَبَسَّمُ فَلَمّا أكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ: فَغَضِبَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقامَ فَلَحِقَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اَللَّهِ كانَ يَشْتُمُنِي وأنْتَ جالِسٌ فَلَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وقُمْتَ قالَ: إنَّهُ كانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ: وقَعَ اَلشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأقْعُدَ مَعَ اَلشَّيْطانِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: (ثَلاثٌ مِنَ اَلْحَقِّ ما مِن عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْها لِلَّهِ تَعالى إلّا أعَزَّ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها نَصْرَهُ وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِها صِلَةً إلّا زادَهُ اَللَّهُ تَعالى بِها كَثْرَةً وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ مَسْألَةٍ يُرِيدُ بِها كَثْرَةً إلّا زادَهُ اَللَّهُ تَعالى بِها قِلَّةً)» واسْتَشْكَلَ هَذا اَلْخَبَرُ بِأنَّهُ يُشْعِرُ بِعَتَبِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو نَوْعٌ مِنَ اَلسَّبِيلِ اَلْمَنفِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ولَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن تَنْبِيهِهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى تَرْكِ اَلْأوْلى وهو شَيْءٌ والعَتَبُ شَيْءٌ آخَرُ، وكَذا لا يُعَدُّ لَوْمًا كَما لا يَخْفى.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن خَصَّ اَلسَّبِيلَ في اَلْآيَةِ بِالإثْمِ والعِقابِ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ أصْلًا، وقِيلَ: هو باقٍ عَلى اَلْعُمُومِ إلّا أنَّ اَلْآيَةَ في عَوامِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ومَن لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّ مِثْلَهُ يُلامُ بِالشَّتْمِ وإنْ كانَ بِحَقٍّ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِهِ قالًا أوْ حالًا بَلْ لاحَ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُشْعِرُ بِاسْتِحْسانِ اَلسُّكُوتِ عَنْهُ وحَسَناتُ اَلْأبْرارِ سَيِّئاتُ اَلْمُقَرَّبِينَ.
وقَدْ أمَرَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ اَلْأشْخاصِ بِرَدِّ اَلشَّتْمِ عَلى اَلشّاتِمِ، أخْرَجَ اَلنَّسائِيُّ.
وابْنُ ماجَهْ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.
«عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها وعِنْدِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ تَسُبُّنِي فَوَزَعَها اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ تَنْتَهِ فَقالَ لِي: سُبِّيها فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها ووَجْهُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ سُرُورًا،» ولَعَلَّهُ كانَ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْزِيرًا لِزَيْنَبَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها بِلِسانِ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها لِما أنَّ لَها حَقًّا في اَلرُّدُودِ أيِ اَلْمَصْلَحَةُ في ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرَ فُقَهاؤُنا أنَّ لِلْقاضِي أنْ يُعَزِّرَ مَنِ اِسْتَحَقَّ اَلتَّعْزِيرَ بِشَتْمٍ غَيْرِ اَلْقَذْفِ وكَذا لِلزَّوْجِ أنْ يُعَزِّرَ زَوْجَتَهُ عَلى شَتْمِها غَيْرَ مَحْرَمٍ إلى أُمُورٍ أُخَرَ فَتَأمَّلْ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ يَقْتَضِي رِعايَةَ اَلْمُماثَلَةِ مُطْلَقًا، وفي تَفْسِيرِ اَلْإمامِ أنَّ اَلْآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ اَلْمُماثَلَةِ في كُلِّ اَلْأُمُورِ إلّا فِيما خَصَّهُ اَلدَّلِيلُ لِأنَّهُ لَوْ حُمِلَتِ اَلْمُماثَلَةُ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ فَهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيها فَيَلْزَمُ اَلْإجْمالُ وعَلى ما قُلْنا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ اَلتَّخْصِيصِ ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ اَلْإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ اَلتَّخْصِيصِ.
والفُقَهاءُ أدْخَلُوا اَلتَّخْصِيصَ فِيها في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ تارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَصَّ وأُخْرى بِناءً عَلى اَلْقِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ اِدَّعى اَلتَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ اَلْبَيانُ والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِها في جَمِيعِ اَلْمَطالِبِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ.
والسُّدِّيِّ إذا قالَ لَهُ: أخْزاهُ اَللَّهُ تَعالى فَلْيَقُلْ أخْزاهُ اَللَّهُ تَعالى وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ اَلْحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلِ اَلْحَدُّ اَلَّذِي أمَرَ اَللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ اَلْجُمْهُورِ أنَّهم قالُوا إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى اَلْإمامِ أوْ نائِبِهِ، وفي مَجْمَعِ اَلْفَتاوى جازَ اَلْمُجازاةُ بِمِثْلِهِ في غَيْرِ مُوجِبِ حَدٍّ لِلْإذْنِ بِهِ ﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ والعَفْوُ أفْضَلُ ﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ وقالَ اِبْنُ اَلْهُمامِ: اَلْأوْلى أنَّ اَلْإنْسانَ إذا قِيلَ لَهُ ما يُوجِبُ اَلتَّعْزِيرَ أنْ لا يُجِيبَهُ قالُوا: لَوْ قالَ لَهُ: يا خَبِيثُ اَلْأحْسَنُ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ ويَرْفَعَهُ إلى اَلْقاضِي لِيُؤَدِّبَهُ بِحُضُورِهِ ولَوْ أجابَ مَعَ هَذا فَقالَ: بَلْ أنْتَ لا بَأْسَ.
وفِي اَلتَّنْوِيرِ وشَرْحِهِ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وضَرَبَهُ اَلْمَضْرُوبُ أيْضًا يُعَزَّرانِ كَما لَوْ تَشاتَما بَيْنَ يَدَيِ اَلْقاضِي ولَمْ يَتَكافَآ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اَلْآيَةِ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا لِنَصٍّ، وظاهِرُ كَلامِ اَلْعَلّامَةِ اَلطَّيِّبِيِّ أنَّ اَلْمَظْلُومَ إذا عَفا لا يَلْزَمُ اَلظّالِمَ اَلتَّعْزِيرُ بِضَرْبٍ أوْ حَبْسٍ أوْ نَحْوِهِ، وذَكَرَ فُقَهاؤُنا أنَّ اَلتَّعْزِيرَ يُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اَلْعَبْدِ فَيَجُوزُ فِيهِ اَلْإبْراءُ والعَفْوُ واليَمِينُ والشَّهادَةُ عَلى اَلشَّهادَةِ وشَهادَةُ رَجُلٍ واِمْرَأتَيْنِ ويَكُونُ أيْضًا حَقًّا لِلَّهِ تَعالى فَلا عَفْوَ فِيهِ إلّا إذا عَلِمَ اَلْإمامُ اِنْزِجارَ اَلْفاعِلِ إلى آخِرِ ما قالُوا، ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ اَلْإمامَ مَتى رَأى بَعْدَ اَلتَّأمُّلِ والتَّجَرُّدِ عَنْ حُظُوظِ اَلنَّفْسِ تَرْكَ اَلتَّعْزِيرِ لِلْعَفْوِ سَبَبًا لِلْفَسادِ والتَّجاسُرِ عَلى اَلتَّعَدِّي وتَجاوُزِ اَلْحُدُودِ عَزَّرَ بِما تَقْتَضِيهِ اَلْمَصْلَحَةُ اَلْعامَّةُ ولِيَبْذُلْ وُسْعَهُ فِيما فِيهِ إصْلاحُ اَلدِّينِ وانْتِظامُ أُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ وإيّاهُ أنْ يَتَّبِعِ اَلْهَوى فَيَضِلُّ عَنِ اَلصِّراطِ اَلْمُسْتَقِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ ما لَهُ مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِ اَللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَضَمِيرُ (بَعْدِهِ) لِلَّهِ تَعالى بِتَقْدِيرِ مُضافٍ فِيهِ، وقِيلَ لِلْخِذْلانِ اَلْمَفْهُومِ مِن (يُضْلِلِ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وكَنّى بِمَن عَنِ اَلظّالِمِ اَلْباغِي تَسْجِيلًا بِأنَّهُ ضالٌّ مَخْذُولٌ أوْ أتى بِهِ مُبْهَمًا لِيَشْمَلَهُ شُمُولًا أوَّلِيًّا فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (ولَمَن صَبَرَ) إلَخْ اِعْتِراضٌ لِما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿ وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ أيْ حِينَ يَرَوْنَهُ، وصِيغَةُ اَلْماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّحَقُّقِ ﴿ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ ﴾ أيْ رَجْعَةٍ إلى اَلدُّنْيا ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ حَتّى نُؤْمِنَ ونَعْمَلَ صالِحًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى هَلْ إلى رَدٍّ لِلْعَذابِ ومَنعٍ مِنهُ مِن سَبِيلٍ، وتَنْكِيرُ (مَرَدٍّ) وكَذا (سَبِيلٍ) لِلْمُبالَغَةِ والجُمْلَةُ حالٌ وقِيلَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها ﴾ أيْ عَلى اَلنّارِ اَلْمَدْلُولِ عَلَيْها بِالعَذابِ، والجُمْلَةُ كالسّابِقَةِ ﴿ خاشِعِينَ ﴾ مُتَضائِلِينَ مُتَقاصِرِينَ ﴿ مِنَ الذُّلِّ ﴾ أيْ بِسَبَبِ اَلذُّلِّ لِعِظَمِ ما لَحِقَهم فَمِن سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِخاشِعِينَ وهو وكَذا ما بَعْدَهُ حالٌ.
وجُوِّزَ أنْ يُعَلَّقَ اَلْجارُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: (يَنْظُرُونَ) ويُوقَفَ عَلى (خاشِعِينَ ﴿ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ، والطَّرْفُ مَصْدَرُ طَرَفَ إذا حَرَّكَ عَيْنَهُ ومِنهُ طَرْفَةُ اَلْعَيْنِ، والمُرادُ بِالخَفِيِّ اَلضَّعِيفُ، ومِنَ اِبْتِدائِيَّةٌ أيْ يَبْتَدِئُ نَظَرُهم مِن تَحْرِيكٍ لِأجْفانِهِمْ ضَعِيفٍ بِمُسارَقَةٍ كَما تَرى اَلْمَصْبُورَ يَنْظُرُ إلى اَلسَّيْفِ وهَكَذا نَظَرُ اَلنّاظِرِ إلى اَلْمَكارِهِ لا يَقْدِرُ أنْ يَفْتَحَ أجْفانَهُ عَلَيْها ويَمْلَأ عَيْنَيْهِ مِنها كَما يَفْعَلُ في نَظَرِهِ إلى اَلْمُحابِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بِمَعْنى اَلْباءِ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ (خَفِيٍّ) ذَلِيلٍ فالطَّرْفُ عَلَيْهِ جَفْنُ اَلْعَيْنِ، وقِيلَ: يُحْشَرُونَ عُمْيًا فَلا يَنْظُرُونَ إلّا بِقُلُوبِهِمْ وذاكَ نَظَرٌ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ، وهو تَأْوِيلٌ مُتَكَلِّفٌ، والجُمْلَتانِ اَلسّابِقَتانِ أعْنِي (تَرى اَلظّالِمِينَ.
وتَراهم يُعْرَضُونَ) مَعْطُوفانِ عَلى (ومَن يُضْلِلِ) وأصْلُ اَلْكَلامِ والظّالِمُونَ لَمّا رَأوُا اَلْعَذابَ يَقُولُونَ وهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ، ثُمَّ قِيلَ (وتَرى وتَراهُمْ) خِطابًا لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اَلرُّؤْيَةُ ويُعْتَبَرُ بِحالِهِمْ زِيادَةً لِلتَّهْوِيلِ كَأنَّهُ يُعْجِبُهم مِمّا هم فِيهِ لِيَعْتَبِرُوا ويَبْتَهِجُوا، ومِنهُ يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ ﴿ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ أيْ إنَّهُمُ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ بِالتَّعْرِيضِ لِلْعَذابِ اَلْخالِدِ أوْ عَلى ما مَرَّ في اَلزُّمَرِ، وعُدِلَ عَنْ أنَّهم إلى اَلَّذِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأكْمَلِ اَلْخُسْرانِ إذِ اَلْمُرادُ أنَّ اَلْكامِلِينَ في صِفَةِ اَلْخُسْرانِ اَلْمُتَّصِفِينَ بِحَقِيقَتِهِ ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرُوا والقَوْلُ في اَلدُّنْيا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقالَ، والماضِي لِتَحَقُّقِ اَلْوُقُوعِ أيْ ويَقُولُونَ إذا رَأوْهم عَلى تِلْكَ اَلصِّفَةِ.
وفي اَلْكَشْفِ اَلظّاهِرُ أنَّهُ قَوْلٌ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ كالخُسْرانِ مِن بابِ اَلتَّنازُعِ بَيْنَ اَلْفِعْلَيْنِ، وآثَرَ صاحِبُ اَلْكَشّافِ عَلى ما يُؤْذِنُ بِهِ صَنِيعُهُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالخُسْرانِ وحْدَهُ لِأنَّ اَلْأصْلَ في ﴿ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ ﴾ إلَخْ هُمُ اَلْخاسِرُونَ كَما أنَّ اَلْأصْلَ في ﴿ وتَرى الظّالِمِينَ ﴾ والظّالِمُونَ لَمّا رَأوْا ثَمَّ قِيلَ ﴿ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ ﴿ وتَرى ﴾ إلَخْ وكَما أنَّ اَلرُّؤْيَةَ رُؤْيَةُ اَلدُّنْيا اِسْتِحْضارًا لِعَذابِهِمُ اَلْكائِنِ في اَلْآخِرَةِ تَهْوِيلًا كَذَلِكَ اَلْقَوْلُ كَأنَّهم جَعَلَهم حُضُورًا يُعايَنُ عَذابُهم ويُسْمَعُ ما يَقُولُ اَلْمُؤْمِنُونَ فِيهِمْ ورُدَّ عَلى اَلْخِطابِ في اَلرُّؤْيَةِ والغَيْبَةِ في اَلْقَوْلِ لِأنَّ مُعايَنَةَ اَلْعَذابِ لَمّا كانَتْ أدْخَلَ في اَلتَّهْوِيلِ جَعَلَ اَلْعَذابَ قَرِيبًا مُشاهَدًا وخُصُّوا بِالخِطابِ عَلى سَبِيلِ اِسْتِحْضارِ اَلْحالِ لِمَزِيدِ اَلِابْتِهاجِ ولَمْ يَكُنْ في اَلْخُسْرانِ ذَلِكَ اَلْمَعْنى لِأنَّهُ أمْرٌ مَعْقُولٌ والمَحْسُوساتُ أقْوى لا سِيَّما إذا كُنَّ مُوجِباتِ اَلْخُسْرانَ فَجِيءَ بِهِ عَلى اَلْأصْلِ مِنَ اَلْغَيْبَةِ، وعَدَلَهُ مِنَ اَلْمُضارِعِ إلى اَلْماضِي لِأنَّهُ قَوْلٌ صادِرٌ عَنْ مُقْتَضى اَلْحالِ قَدْ حَقَّ ووَقَعَ تَفَوَّهُوا بِهِ أوْ لا وأُسْنِدَ إلى اَلْمُؤْمِنِينَ دَلالَةً عَلى اَلِابْتِهاجِ اَلْمَذْكُورِ واغْتِباطِهِمْ بِنَجاتِهِمْ عَمّا هم فِيهِ وإلّا فالقَوْلُ والرُّؤْيَةُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اَلْقَوْلُ والرُّؤْيَةُ، وجَعَلَهُ حالًا كَما فَعَلَ اَلطَّيِّبِيُّ عَلى مَعْنى وتَراهم وقَدْ صَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُ اَلْمُؤْمِنِينَ في اَلدُّنْيا إنَّ اَلْخاسِرِينَ إلَخْ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِهِ: إذا ما اِنْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ وفِيهِ أنَّهُ إنَّما يُرْتَكَبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اَلْحَقِيقَةِ وقَدْ أمْكَنَ اَلْحَمْلُ عَلى اَلتَّنازُعِ فَلا تَعَذُّرَ.
ثُمَّ إنَّهُ عَلى اَلتَّقْدِيرِ لا يَظْهَرُ أنَّهُ قَوْلٌ فِيها إلّا بِدَلِيلٍ خارِجٍ، وهَذا بِخِلافِ ما ذَكَرَهُ جارُ اَللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ مِن تَقْدِيرٍ وقَدْ صَحَّ عِنْدَكم أنِّي قَدَّمْتُ لِأنَّ في اَللَّفْظِ إشْعارًا بِهِ بَيِّنًا اِنْتَهى، ولَعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ قُدِّسَ سِرُّهُ اَلْمَغْزى في هَذِهِ اَلْآياتِ اَلْعِظامِ وأتى بِما تَسْتَحْسِنُهُ اَلنُّظّارُ مِن ذِي اَلْأفْهامِ فَلْيُفْهَمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ اَلْمُؤْمِنِينَ ويَجْرِي فِيهِ ما سَمِعْتَ مِنَ اَلْأصْلِ ونُكْتَةِ اَلْعُدُولِ أوِ اِسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى تَصْدِيقًا لِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ ﴾ بِرَفْعِ اَلْعَذابِ عَنْهم ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ حَسْبَما يَزْعُمُونَ ﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ إلى اَلْهُدى أوِ اَلنَّجاةِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ ما لَهُ مِن حُجَّةٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ﴾ إذا دَعاكم لِما بِهِ اَلنَّجاةُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللَّهِ ﴾ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَرَدٍّ ويُعامَلُ اِسْمُ لا اَلشَّبِيهُ بِالمُضافِ مُعامَلَتَهُ فَيُتْرَكُ تَنْوِينُهُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ اِبْنُ مالِكٍ في اَلتَّسْهِيلِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ «(لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ)» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ أيْ لا يَرُدُّهُ اَللَّهُ تَعالى بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ.
ومَن لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ قالَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِنَ اَللَّهِ تَعالى، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ مِمَّنْ ذَلِكَ؟
أوْ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلظَّرْفِ اَلْواقِعِ خَبَرَ لا أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ اَلْمُتَبادِرِ مِنَ اَللَّفْظِ والمَعْنى، وقِيلَ: هو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلُ اَلْفائِدَةِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِيَوْمٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ رَكِيكُ مَعْنًى، والظّاهِرُ أنَّ اَلْمُرادَ بِذَلِكَ اَلْيَوْمِ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ لا يَوْمَ وُرُودِ اَلْمَوْتِ كَما قِيلَ ﴿ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ مَلاذٍ تَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ فَتَخْلُصُونَ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى أنَّ (مَلْجَأٍ) اِسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا ﴿ وما لَكم مِن نَكِيرٍ ﴾ إنْكارٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أنْكَرَ عَلى غَيْرِ اَلْقِياسِ ونَفْيُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُمْ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ تَنْزِيلًا لِما يَقَعُ مِن إنْكارِهِمْ مُنْزِلَةَ اَلْعَدَمِ لِعَدَمِ نَفْعِهِ وقِيامِ اَلْحُجَّةِ وشَهادَةِ اَلْجَوارِحِ عَلَيْهِمْ أوْ يُقالُ إنَّ اَلْأمْرَيْنِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ اَلْأحْوالِ والمَواقِفِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (نَكِيرٍ) اِسْمَ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ أيْ ما لَكم مُنْكِرٌ لِأحْوالِكم غَيْرُ مُمَيِّزٍ لَها لِيَرْحَمَكم وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ تَلْوِينٌ لِلْكَلامِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ خِطابِ اَلنّاسِ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالِاسْتِجابَةِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا وأعْرَضُوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ فَما أرْسَلْناكَ رَقِيبًا ومُحاسِبًا عَلَيْهِمْ ﴿ إنْ عَلَيْكَ ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ ﴿ إلا البَلاغُ ﴾ لا اَلْحِفْظُ وقَدْ فَعَلْتَ.
﴿ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ﴾ أيْ نِعْمَةً مِنَ اَلصِّحَّةِ والغِنى والأمْنِ ونَحْوِها ﴿ فَرِحَ بِها ﴾ أُرِيدَ بِالإنْسانِ اَلْجِنْسُ اَلشّامِلُ لِلْجَمِيعِ وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى اَلْأناسِيِّ أوِ اَلنّاسِ ولِذا جَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ تُصِبْهُمْ ﴾ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ والجَمْعِيَّةُ لا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تُصِبِ اَلنّاسَ أوِ اَلْأناسِيَّ ﴿ سَيِّئَةٌ ﴾ بَلاءٌ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وخَوْفٍ وغَيْرِها ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ اَلسَّيِّئاتِ ﴿ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ بَلِيغُ اَلْكُفْرِ يَنْسى اَلنِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ اَلْبَلِيَّةَ ويَسْتَعْظِمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها بَلْ يَزْعُمُ أنَّها أصابَتْهُ مِن غَيْرِ اِسْتِحْقاقٍ لَها.
وألْ فِيهِ أيْضًا لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: هي فِيهِما لِلْعَهْدِ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ اَلْمُجْرِمُونَ، وقِيلَ: هي في اَلْأوَّلِ لِلْجِنْسِ وفي اَلثّانِي لِلْعَهْدِ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالإنْسانِ اَلْجَمْعَ لا اَلْواحِدَ لِمَكانِ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ ولَمْ يُرِدْ إلّا اَلْمُجْرِمِينَ لِأنَّ إصابَةَ اَلسَّيِّئَةِ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إنَّما يَسْتَقِيمُ فِيهِمْ، ثُمَّ قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَإنَّهُ لَكَفُورٌ لِيُسَجِّلَ عَلى أنَّ هَذا اَلْجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ اَلنِّعَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: (إنَّ اَلْإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ.
إنَّ اَلْإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) فَفَهِمَ مِنهُ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ أنَّها في اَلْأوَّلِ لِلْعَهْدِ وأنَّ اَلْمُرادَ اَلْكُفّارُ اَلْمُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم (لِتَرَتُّبِ) فَإنْ أعْرَضُوا (عَلَيْهِ)، ووَضَعَ اَلْمُظْهَرَ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِتَصْمِيمِهِمْ عَلى اَلْكُفْرانِ والإيذانِ بِأنَّهم لا يَرْعَوُونَ مِمّا هم فِيهِ وأنَّها في اَلثّانِي لِلْجِنْسِ لِيَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن هَذا اَلْإنْسانِ اَلْمَعْهُودِ اَلْإصْرارُ لِأنَّ هَذا اَلْجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ اَلنِّعَمِ فَيَكُونُ ذَمُّ اَلْمُطْلَقِ دَلِيلًا عَلى ذَمِّ اَلْمُقَيَّدِ، وفي اَلْكَشْفِ أنَّهُ أرادَ أنَّ اَلْإنْسانَ أيِ اَلْأوَّلَ لِلْجِنْسِ اَلصّالِحِ لِلْكُلِّ ولِلْبَعْضِ وإذا قامَ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ اَلْبَعْضِ تَعَيَّنَ وقَدْ قامَ لِما سَلَفَ أنَّ اَلْإصابَةَ في غَيْرِ اَلْمُجْرِمِينَ لِلْعِوَضِ? اَلْمُوَفّى ولَمْ يَذْهَبْ إلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ لِلْجِنْسِ لِيَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْمُقَيَّدِ بِطَرِيقِ اَلْأوْلى ومُطابِقًا لِما جاءَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِنَ اَلْكِتابِ اَلْعَزِيزِ ولا بَأْسَ بِأنْ يُجْعَلَ إشارَةً إلى اَلسّالِفِ فَإنَّهُ لِلْجِنْسِ أيْضًا، ويَكُونُ في وضْعِ اَلْمُظْهَرِ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ اَلْفائِدَةُ اَلْمَذْكُورَةُ مِرارًا بَلْ هو أدَلُّ عَلى اَلْقانُونِ اَلْمُمَهَّدِ في اَلْأُصُولِ وبِكَوْنِ كِلَيْهِما لِلْجِنْسِ أقُولُ وإسْنادُ اَلْكُفْرانِ مَعَ أنَّهُ صِفَةُ اَلْكَفَرَةِ إلى اَلْجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ حَيْثُ أسْنَدَ إلى اَلْجِنْسِ حالَ أغْلَبِ أفْرادِهِ لِمُلابَسَتِهِ اَلْأغْلَبِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ أغْلَبُ اَلْأفْرادِ عَيْنَ اَلْجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ اَلْمَجازُ لُغَوِيًّا، وكَذا يُقالُ في إسْنادِ اَلْفَرَحِ إذا كانَ بِمَعْنى اَلْبَطَرِ فَإنَّهُ أيْضًا مِن صِفاتِ اَلْكَفَرَةِ بَلْ إنْ كانَ أيْضًا بِمَعْناهُ اَلْمَعْرُوفِ وهو اِنْشِراحُ اَلصَّدْرِ بِلَذَّةٍ عاجِلَةٍ وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في اَللَّذّاتِ اَلْبَدَنِيَّةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن خَواصِّ اَلْكُفّارِ بَلْ يَكُونُ في اَلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا اِضْطِرارًا أوْ شُكْرًا إلّا أنَّهُ لا يَعُمُّ جَمِيعَ أفْرادِ اَلْجِنْسِ وإنْ قُلْتَ بِعُمُومِهِ لَمْ تَحْتَجْ إلى ذَلِكَ كَما إذا فَسَّرْتَهُ بِالبَطَرِ عَلى إرادَةِ اَلْعَهْدِ في اَلْإنْسانِ، وإصابَةُ اَلسَّيِّئَةِ بِالذُّنُوبِ غَيْرُ عامَّةٍ لِلْأفْرادِ أيْضًا فَحالُ إسْنادِها يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وتَصْدِيرُ اَلشَّرْطِيَّةِ اَلْأُولى بِإذا مَعَ إسْنادِ اَلْإذاقَةِ بِلَفْظِ اَلْماضِي إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ اَلنِّعْمَةِ مُحَقَّقُ اَلْوُجُودِ كَثِيرُ اَلْوُقُوعِ وأنَّهُ مُرادٌ بِالذّاتِ مِنَ اَلْجَوادِ اَلْمُطْلَقِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ تَصْدِيرَ اَلثّانِيَةِ بِإنَّ وإسْنادَ اَلْإصابَةِ بِلَفْظِ اَلْمُضارِعِ إلى اَلسَّيِّئَةِ وتَعْلِيلَها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ اَلِانْتِظامِ في سَلْكِ اَلْإرادَةِ بِالذّاتِ والقَصْدِ اَلْأوْلى، وإقامَةُ عِلَّةِ اَلْجَزاءِ مَقامَ اَلْجَزاءِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ اِشْتِراكًا أوِ اِسْتِقْلالًا ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ ﴾ ﴿ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا ﴾ اِسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أوْ بَيانٌ لِيَخْلُقُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اَلْبَعْضِ عَلى ما اِخْتارَهُ اَلْقاضِي، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إذاقَةَ اَلْإنْسانِ اَلرَّحْمَةَ وإصابَتَهُ بِضِدِّها أتْبَعَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ اَلْمُلْكَ وأنَّهُ تَعالى يَقْسِمُ اَلنِّعْمَةَ والبَلاءَ كَما شاءَ بِحِكْمَتِهِ تَعالى اَلْبالِغَةِ لا كَما شاءَ اَلْإنْسانُ بِهَواهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إذاقَةَ اَلرَّحْمَةِ لَيْسَتْ لِلْفَرَحِ والبَطَرِ بَلْ لِلشُّكْرِ لِمُولِيها وإصابَةُ اَلْمِحْنَةِ لَيْسَتْ لِلْكُفْرانِ والجَزَعِ بَلْ لِلرُّجُوعِ إلى مُبْلِيها؛ وتَأْكِيدٌ لِإنْكارِ كُفْرانِهِمْ مِن وجْهَيْنِ: اَلْأوَّلِ أنَّ اَلْمُلْكَ مُلْكُهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ومُشارِكٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ فَلَيْسَ عَلى مَن هو أحْقَرُ جُزْءٍ مِن مُلْكِهِ تَعالى أنْ يَعْتَرِضَ ويُرِيدَ أنْ يُجْرِيَ اَلتَّدْبِيرَ حَسْبَ هَواهُ اَلْفاسِدِ.
اَلثّانِي أنَّ هَذا اَلْمُلْكَ اَلْواسِعَ لِذَلِكَ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ جَلَّ جَلالُهُ اَلَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ فَأنّى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ إلّا عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ أكْمَلُ مِنهُ ولا أوْفَقُ لِمُقْتَضى اَلْحِكْمَةِ والصَّوابِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَبْقى إلّا اَلتَّسْلِيمُ والشُّغُلُ بِتَعْظِيمِ اَلْمُنْعِمِ اَلْمُبْلِي عَنِ اَلْكُفْرانِ والإعْجابِ، وناسَبَ هَذا اَلْمَساقَ أنْ يَدُلَّ في اَلْبَيانِ مِن أوَّلِ اَلْأمْرِ عَلى أنَّهُ تَعالى فِعْلٌ لِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لا مَدْخَلَ لِمَشِيئَةِ اَلْعَبْدِ فِيهِ فَلِذا قُدِّمَتِ اَلْإناثُ وأُخِّرَتِ اَلذُّكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ مِنَ اَلْأناسِيِّ ما لا يَهْواهُ ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ مِنهم ما يَهْواهُ فَقَدْ كانَتِ اَلْعَرَبُ تَعُدُّ اَلْإناثَ بَلاءً ﴿ وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ولَوْ قَدَّمَ اَلْمُؤَخَّرِ لاخْتَلَّ اَلنَّظْمُ، ولَيْسَ اَلتَّقْدِيمُ لِمُجَرَّدِ رِعايَةِ مُناسِبَةِ اَلْقُرْبِ مِنَ اَلْبَلاءِ لِيُعارَضَ بِأنَّ اَلْآيَةَ اَلسّابِقَةَ ذَكَرَتِ اَلرَّحْمَةَ فِيها مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ فَناسَبَ ذَلِكَ تَقْدِيمُ اَلذُّكُورِ عَلى اَلْإناثِ، وفي تَعْرِيفِ اَلذُّكُورِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ اَلِاسْتِدْراكِ لِقَضِيَّةِ اَلتَّأْخِيرِ اَلتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ اَلْمَعْرُوفُ اَلْحاضِرُ في قُلُوبِهِمْ أوَّلَ كُلِّ خاطِرٍ وأنَّهُ اَلَّذِي عَقَدُوا عَلَيْهِ مُناهُمْ، ولَمّا قَضى اَلْوَطَرَ مِن هَذا اَلْأُسْلُوبِ قِيلَ: ﴿ أوْ يُزَوِّجُهُمْ ﴾ أيِ اَلْأوْلادَ ﴿ ذُكْرانًا وإناثًا ﴾ أيْ يَخْلُقُ ما يَهَبُهم زَوْجًا لِأنَّ اَلتَّزْوِيجَ جَعْلُ اَلشَّيْءِ زَوْجًا فَذُكْرانًا وإناثًا حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ، والواوُ قِيلَ لِلْمَعِيَّةِ لِأنَّ حَقَّهُ اَلتَّأْخِيرُ عَنِ اَلْقِسْمَيْنِ سِياقًا ووُجُودًا فَلا تَتَأتّى اَلْمُقارَنَةُ إلّا بِذَلِكَ، وقِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ اَلْمُرادَ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ ما لا يَهْواهُ ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ ما يَهْواهُ أوْ يَهَبُ اَلْأمْرَيْنِ مَعًا لا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُ مِن كُلٍّ مِنَ اَلْجِنْسَيْنِ اَلذُّكُورِ والإناثِ عَلى حِيالِهِ زَوْجًا ولَوْلا ذَلِكَ لَتُوُهِّمَ ما ذُكِرَ فَتَأمَّلْهُ، ولِتَرَكُّبِهِ مِنهُما لَمْ يُكَرِّرْ فِيهِ حَدِيثَ اَلْمَشِيئَةِ، وقَدَّمَ اَلْمُقَدَّمَ عَلى ما هو عَلَيْهِ في اَلْأصْلِ ولَمْ يُعَرِّفْ إذْ لا وجْهَ لَهُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا ﴾ أيْ لا يُولَدُ لَهُ فَقَيَّدَ بِالمَشِيئَةِ لِأنَّهُ قِسْمٌ آخَرُ، وكَأنَّهُ جِيءَ بِأوْ في (أوْ يُزَوِّجُهُمْ) دُونَ اَلْواوِ كَما في سابِقِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ قَسِيمُ اَلِانْفِرادِ اَلْمُشْتَرِكِ بَيْنَ اَلْأوَّلَيْنِ ولَمْ يُؤْتَ في اَلْأخِيرِ لِاتِّضاحِهِ بِأنَّهُ قَسِيمُ اَلْهِبَةِ اَلْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ اَلْأقْسامِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: قَدَّمَ اَلْإناثَ تَوْصِيَةً بِرِعايَتِهِنَّ لِضَعْفِهِنَّ لا سِيَّما وكانُوا قَرِيبِي اَلْعَهْدِ بِالوَأْدِ، وفي اَلْحَدِيثِ «(مَنِ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ اَلْبَناتِ فَأحْسَنَ إلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ اَلنّارِ)» وقِيلَ: قُدِّمَتْ لِأنَّها أكْثَرُ لِتَكْثِيرِ اَلنَّسْلِ فَهي مِن هَذا اَلْوَجْهِ أنْسَبُ بِالخَلْقِ اَلْمُرادِ بَيانُهُ، وقِيلَ: لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ آبائِهِنَّ لِما في تَقْدِيمِهِنَّ مِنَ اَلتَّشْرِيفِ لِأنَّهُنَّ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ مَخْلُوقاتِهِ تَعالى، وقالَ اَلثَّعالِبِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما في تَقَدُّمِ وِلادَتِهِنَّ مِنَ اَلْيُمْنِ حَتّى أنَّ أوَّلَ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ يَكُونُ مَشْؤُومًا فَيَقُولُونَ لَهُ بَكَّرَ بِكْرَيْنِ؛ وعَنْ قَتادَةَ مِن يُمْنِ اَلْمَرْأةِ تَبْكِيرُها بِأُنْثى، وقِيلَ: قُدِّمَتْ وأُخِّرَ اَلذُّكُورُ مُعَرَّفًا لِلْمُحافَظَةِ عَلى اَلْفَواصِلِ، والمُناسِبُ لِلسِّياقِ ما عَلِمْتَ سابِقًا، وقالَ مُجاهِدٌ في ﴿ أوْ يُزَوِّجُهُمْ ﴾ اَلتَّزْوِيجُ أنْ تَلِدَ اَلْمَرْأةُ غُلامًا ثُمَّ تَلِدُ جارِيَةً، وقالَ مُحَمَّدُ ابْنُ اَلْحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هو أنْ تَلِدَ تَوْأمًا غُلامًا وجارِيَةً.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اَلْآيَةَ نَزَلَتْ في اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ وهَبَ سُبْحانَهُ لِشُعَيْبٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ إناثًا ولِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ذُكُورًا ولِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذُكُورًا وإناثًا وجَعَلَ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ عَقِيمَيْنِ اهـ ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ مُبالِغٌ جَلَّ شَأْنُهُ في اَلْعِلْمِ والقُدْرَةِ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ بِحِكْمَةٍ واخْتِيارٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ أيْ ما صَحَّ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ اَلْبَشَرِ.
﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ ﴾ ظاهِرُهُ حَصْرُ اَلتَّكْلِيمِ في ثَلاثَةِ أقْسامٍ.
اَلْأوَّلُ اَلْوَحْيُ وهو اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا وحْيًا ﴾ وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالإلْقاءِ في اَلْقَلْبِ سَواءٌ كانَ في اَلْيَقَظَةِ أوْ في اَلْمَنامِ والإلْقاءُ أعَمُّ مِنَ اَلْإلْهامِ فَإنَّ إيحاءَ أُمِّ مُوسى إلْهامٌ وإيحاءُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلْقاءٌ في اَلْمَنامِ ولَيْسَ إلْهامًا وإيحاءُ اَلزَّبُورِ إلْقاءٌ في اَلْيَقَظَةِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ولَيْسَ بِإلْهامٍ والفَرْقُ أنَّ اَلْإلْهامَ لا يَسْتَدْعِي صُورَةَ كَلامٍ نَفْسانِيٍّ فَقَدْ وقَدْ وأمّا اَللَّفْظِيُّ فَلا، وأمّا نَحْوُ إيحاءِ اَلزَّبُورِ فَيَسْتَدْعِيهِ، وقَدْ جاءَ إطْلاقُ اَلْوَحْيِ عَلى اَلْإلْقاءِ في اَلْقَلْبِ في قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ اَلْأبْرَصِ: وأوْحى إلَيَّ اَللَّهُ أنْ قَدْ تَأمَّرُوا بِإبْلِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رِجْلِي فَإنَّهُ أرادَ قَذَفَ في قَلْبِي.
والثّانِي إسْماعُ اَلْكَلامِ مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَ اَلسّامِعُ مَن يُكَلِّمُهُ كَما كانَ لِمُوسى وكَذا اَلْمَلائِكَةُ اَلَّذِينَ كَلَّمَهُمُ اَللَّهُ تَعالى في قَضِيَّةِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ونَحْوُهم وهو اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ فَإنَّهُ تَمْثِيلٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِحالِ اَلْمَلِكِ اَلْمُتَحَجِّبِ اَلَّذِي يُكَلِّمُ بَعْضَ خَواصِّهِ مِن وراءِ حِجابٍ يَسْمَعُ صَوْتَهُ ولا يَرى شَخْصَهُ.
والثّالِثُ إرْسالُ اَلْمَلَكِ كالغالِبِ مِن حالِ نَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو حالُ كَثِيرٍ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وزَعْمُ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِ أُولِي اَلْعَزْمِ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ وهو اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ أيْ مَلَكًا ﴿ فَيُوحِيَ ﴾ ذَلِكَ اَلرَّسُولُ إلى اَلْمُرْسَلِ إلَيْهِ اَلَّذِي هو اَلرَّسُولُ اَلْبَشَرِيُّ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِأمْرِهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ما يَشاءُ ﴾ أنْ يُوحِيَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ مِنَ اَلْأوَّلِ اَلْوَحْيُ مِنَ اَللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ لِأنَّ إرْسالَ اَلرَّسُولِ جُعِلَ فِيهِ إيحاءُ ذَلِكَ اَلرَّسُولِ، وبَنى اَلْمُعْتَزِلِيُّ عَلى هَذا اَلْحَصْرِ أنَّ اَلرُّؤْيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ لِأنَّها لَوْ صَحَّتْ لَصَحَّ اَلتَّكْلِيمُ مُشافَهَةً فَلَمْ يَصِحَّ اَلْحَصْرُ، وقالَ بَعْضٌ: اَلْمُرادُ حَصْرُ اَلتَّكْلِيمِ في اَلْوَحْيِ بِالمَعْنى اَلْمَشْهُورِ والتَّكْلِيمِ مِن وراءِ حِجابٍ وتَكْلِيمِ اَلرُّسُلِ اَلْبَشَرِيِّينَ مَعَ أُمَمِهِمْ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ اَلْعُرْفَ لَمْ يَطَّرِدْ في تَسْمِيَةِ ذَلِكَ إيحاءً، وقالَ اَلْقاضِي إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إلا وحْيًا ﴾ مَعْناهُ إلّا كَلامًا خَفِيًّا يُدْرَكُ بِسُرْعَةٍ ولَيْسَ في ذاتِهِ مُرَكَّبًا مِن حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ وهو ما يَعُمُّ اَلْمُشافَهَةَ كَما رُوِيَ في حَدِيثِ اَلْمِعْراجِ وما وعَدَ بِهِ في حَدِيثِ اَلرُّؤْيَةِ والمَهْتِفِ بِهِ كَما اِتَّفَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلطُّورِ لَكِنْ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ عَلَيْهِ يَخُصُّهُ بِالأوَّلِ فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اَلرُّؤْيَةِ لا عَلى اِمْتِناعِها، وإلى اَلْأوَّلِ ذَهَبَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وانْتَصَرَ لَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ عَفا اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: وأمّا نَحْنُ فَنَقُولُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ عَلى اَلتَّعْمِيمِ يَقْتَضِي اَلْحَصْرَ بِوَجْهٍ لا يَخُصُّ اَلتَّكَلُّمَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ ويَدْخُلُ فِيهِ خِطابُ مَرْيَمَ وما كانَ لِأُمِّ مُوسى وما يَقَعُ لِلْمُحَدِّثِينَ مِن هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وغَيْرِهِمْ فَحَمْلُ اَلْوَحْيِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّمَخْشَرِيُّ أوْلى.
ثُمَّ إنَّهُ يَلْزَمُ اَلْقاضِيَ أنْ لا يَكُونَ ما وقَعَ مِن وراءِ حِجابٍ وحْيًا لا أنَّهُ يُخَصِّصُهُ لِأنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: ما كانَ لَكَ أنْ تُنْعِمَ إلّا عَلى اَلْمَساكِينِ وزَيْدٍ، نَعَمْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ داخِلًا فِيهِمْ عَلى نَحْوِ ”مَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ“ وهَذا يَضُرُّ اَلْقاضِيَ لِاقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ هَذا اَلْقِسْمُ أعْنِي ما وقَعَ مِن وراءِ حِجابٍ أعْلى اَلْمَراتِبِ فَلا يَكُونُ اَلثّانِي هو اَلْمُشافَهَةَ، وتَقْدِيرُ إلّا وحْيًا مِن غَيْرِ حِجابٍ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ خِلافُ اَلظّاهِرِ وفِيهِ فَكٌّ لِلنَّظْمِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ يُرْسِلَ ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا وحْيًا ﴾ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ اَلظّاهِرِ.
وعَلى هَذا يَفْسُدُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ اَلتَّنَزُّلِ مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأعْلى إلى ما دُونَهُ، ومَعَ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِ اَلرُّؤْيَةِ فَضْلًا عَنْ جَوازِهِ بَلْ دَلَّ عَلى أنَّها لَوْ وقَعَتْ لَمْ يَكُنْ مَعَها اَلْمُكالَمَةُ وذَلِكَ هو اَلصَّحِيحُ لَأنَّ اَلرُّؤْيَةَ تَسْتَدْعِي اَلْفَناءَ والبَقاءَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ وهو يَقْتَضِي رَفْعَ حِجابِ اَلْمُخاطَبِ اَلْمُسْتَدْعِي كَوْنًا وُجُودِيًّا ثُمَّ اَلْكامِلُ لَتَوَفَّيْتِهِ حَقَّ اَلْمَقاماتِ اَلْكُبْرى يَكُونُ اَلْمُحْتَظى مِنهُ بِالشُّهُودِ في مَقامِ اَلْبَقاءِ اَلْمَذْكُورِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَمْنَعُهُ عَنْ حَظِّهِ مِن سَماعِ اَلْخِطابِ لِأنَّهُ حَظُّ اَلْقَلْبِ اَلْمَحْجُوبِ عَنْ مَقامِ اَلشُّهُودِ، والمَقْصُودُ أنَّ اَلَّذِي يَصِحُّ ذَوْقًا ونَقْلًا وعَقْلًا كَوْنُ اَلْخِطابِ مِن وراءِ حِجابٍ اَلْبَتَّةَ وهو صَحِيحٌ لَكِنْ لا يَنْفَعُ مُنْكِرَ اَلرُّؤْيَةِ ولا مُثْبِتَها، وأمّا سُؤالُ اَلتَّرَقِّي في اَلْأقْسامِ فالجَوابُ عَنْهُ أنَّ اَلتَّرَقِّيَ حاصِلٌ بَيْنَ اَلْأوَّلِ والثّانِي اَلَّذِي لَهُ سُمِّيَ اَلْكِلِيمُ كَلِيمًا، وأمّا اَلثّالِثُ فَلَمّا كانَ تَكْلِيمًا مَجازِيًّا أُخِّرَ عَنِ اَلْقِسْمَيْنِ ولَمْ يُنْظَرْ إلى أنَّهُ أشْرَفُ مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأوَّلِ فَإنَّ ذَلِكَ اَلْأمْرَ غَيْرُ راجِعٍ إلى اَلتَّكْلِيمِ بَلْ لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ اِنْتَهى.
وتُعُقِّبَ ما اِعْتُرِضَ بِهِ عَلى اَلْقاضِي بِأنَّهُ لا يَرِدُ لِأنَّ اَلْوَحْيَ بِذَلِكَ اَلْمَعْنى بِالتَّخْصِيصِ اَلْمَذْكُورِ والتَّقْيِيدِ اَلْمَأْخُوذِ مِنَ اَلتَّقابُلِ صارَ مُغايِرًا لِما بَعْدَهُ ولَيْسَ مِن شَيْءٍ مِنَ اَلْقَبِيلَيْنِ حَتّى يَذْهَبَ إلى اَلتَّرَقِّي أوِ اَلتَّدَلِّي لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ بَأوْ بَلْ بِالواوِ كَما لا يَخْفى، ولُزُومُ أنْ لا يَكُونَ اَلْواقِعُ مِن وراءِ حِجابٍ وحْيًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ إنْ أرادَ أنْ لا يَكُونَ وحْيًا مُطْلَقًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَهُ: فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ بِالوَحْيِ اَلسّابِقِ وحْيٌ مَخْصُوصٌ كاَلَّذِي بَعْدَهُ وإنْ أرادَ أنَّهُ لا يَكُونُ مِنَ اَلْوَحْيِ اَلْمَخْصُوصِ اَلسّابِقِ فَلا يَضُرُّهُ لِأنَّهُ عَيَّنَ ما عَناهُ، نَعَمِ اَلْحَصْرُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْقاضِي غَيْرُ ظاهِرٍ إلّا بَعْدَ مُلاحَظَةِ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِما كانَ بِالكَلامِ فَتَدَبَّرْ، والظّاهِرُ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها حَمَلَتِ اَلْآيَةَ عَلى نَحْوِ ما حَمَلَها اَلْمُعْتَزِلَةُ، أخْرَجَ اَلْبُخارِيُّ.
ومُسْلِمٌ.
واَلتِّرْمِذِيُّ عَنْها أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأتْ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارُ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ .
﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ اَلْعُلَماءِ عَلى أنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ لِكَثْرَةِ اَلرِّواياتِ اَلْمُصَرِّحَةِ بِالرُّؤْيَةِ نَعَمْ لَيْسَ فِيها اَلتَّصْرِيحُ بِأنَّها بِالعَيْنِ لَكِنَّ اَلظّاهِرَ مِنَ اَلرُّؤْيَةِ كَوْنُها بِها، والمَرْوِيُّ عَنِ اَلْأشْعَرِيِّ وجَمْعٍ مِنَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ كَلَّمَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ ويُعْزى ذَلِكَ إلى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْباقِرِ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم وهو اَلظّاهِرُ لِلْأحادِيثِ اَلصِّحاحِ في مُرادَّةِ اَلصَّلاةِ واسْتِقْرارِ اَلْخَمْسِينَ عَلى اَلْخَمْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وعائِشَةُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَنْفِ اَلرُّؤْيَةَ إلّا اِعْتِمادًا عَلى اَلِاسْتِنْباطِ مِنَ اَلْآياتِ ولَوْ كانَ مَعَها خَبَرٌ لَذَكَرَتْهُ، واحْتِجاجُها بِما ذُكِرَ مِنَ اَلْآياتِ غَيْرُ تامٍّ، أمّا عَدَمُ تَمامِيَّةِ اِحْتِجاجِها بِآيَةِ لا تُدْرِكُهُ اَلْأبْصارُ فَمَشْهُورٌ، وأمّا عَدَمُ تَمامِيَّةِ اَلِاحْتِجاجِ بِالآيَةِ اَلثّانِيَةِ فَلِما سَمِعْتُ عَنْ صاحِبِ اَلْكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ بَعْدَ تَقْرِيرِ اَلِاحْتِجاجِ بِأنَّهُ تَعالى حَصَرَ تَكْلِيمَهُ سُبْحانَهُ لِلْبَشَرِ في اَلثَّلاثَةِ: فَإذا لَمْ يَرَهُ جَلَّ وعَلا مَن يُكَلِّمُهُ سُبْحانَهُ في وقْتِ اَلْكَلامِ لَمْ يَرَهُ عَزَّ وجَلَّ في غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ اَلْأوْلى وإذا لَمْ يَرَهُ تَعالى هو أصْلًا لَمْ يَرَهُ سُبْحانَهُ غَيْرُهُ إذْ لا قائِلَ بِالفَصْلِ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ في اَلْأُصُولِ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ حَصْرَ اَلتَّكْلِيمِ في اَلدُّنْيا في هَذِهِ اَلثَّلاثَةِ أوْ نَقُولُ يَجُوزُ أنْ تَقَعَ اَلرُّؤْيَةُ حالَ اَلتَّكْلِيمِ وحْيًا إذِ اَلْوَحْيُ كَلامٌ بِسُرْعَةٍ وهو لا يُنافِي اَلرُّؤْيَةَ اِنْتَهى، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ اَلْجَوابَ اَلْأوَّلَ لا يَنْفَعُ فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ إلّا بِالتِزامِ أنَّ ما وقَعَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ لا يُعَدُّ تَكْلِيمًا في اَلدُّنْيا عَلى ما ذَكَرَهُ اَلشَّرْنَبْلالِيُّ في إكْرامِ أُولِي اَلْألْبابِ لِأنَّهُ كانَ في اَلْمَلَكُوتِ اَلْأعْلى وأنَّهُ يُسْتَفادُ مِن كَلامِ صاحِبِ اَلْكَشْفِ مَنعٌ ظاهِرٌ لِلشَّرْطِيَّةِ في وجْهِ اَلِاسْتِدْلالِ اَلَّذِي قَرَّرَهُ، وبَعْضُهم أجابَ بِأنَّ اَلْعالَمَ مُخَصَّصٌ بِغَيْرِ ما دَلِيلٍ وفي اَلْبَحْرِ قِيلَ «(قالَتْ قُرَيْشٌ: ألا تُكَلِّمُ اَللَّهَ تَعالى وتَنْظُرُ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا صادِقًا كَما كَلَّمَ جَلَّ وعَلا مُوسى ونَظَرَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (لَمْ يَنْظُرْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَنَزَلَتْ ﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ اَلْآيَةَ)» وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اَلْآيَةَ لَمْ تَتَضَمَّنِ اَلتَّكْلِيمَ اَلشِّفاهِيَّ مَعَ اَلرُّؤْيَةِ وكَذا ما فِيهِ أيْضًا كانَ مِنَ اَلْكُفّارِ خَوْضٌ في تَكْلِيمِ اَللَّهِ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَذَهَبَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ في ذَلِكَ إلى اَلتَّجْسِيمِ فَنَزَلَتْ فَإنَّ عَدَمَ تَضَمُّنِها ذَلِكَ أدْفَعُ لِتَوَهُّمِ اَلتَّجْسِيمِ، وبِالجُمْلَةِ اَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي ما قالَهُ صاحِبُ اَلْكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ اَلْآيَةَ لا تَنْفَعُ مُنْكِرَ اَلرُّؤْيَةِ ولا مُثْبِتَها وما ذُكِرَ مِن سَبَبِ اَلنُّزُولِ لَيْسَ بِمُتَيَقَّنِ اَلثُّبُوتِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ اَلْوَحْيَ كَما يَكُونُ بِالإلْقاءِ في اَلرُّوعِ يَكُونُ بِالخَطِّ فَقَدْ قالَ اَلنَّخْعِيُّ كانَ في اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ مَن يُخَطُّ لَهُ في اَلْأرْضِ، ومَعْناهُ اَللُّغَوِيُّ يَشْمَلُ ذَلِكَ، فَقَدْ قالَ اَلْإمامُ أبُو عَبْدِ اَللَّهِ اَلتَّيْمِيُّ اَلْأصْبِهانِيُّ: اَلْوَحْيُ أصْلُهُ اَلتَّفْهِيمُ وكُلُّ ما فُهِمَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ اَلْإلْهامِ والإشارَةِ والكُتُبِ فَهو وحْيٌ، وقالَ اَلرّاغِبُ: أصْلُ اَلْوَحْيِ اَلْإشارَةُ اَلسَّرِيعَةُ ولِتَضَمُّنِ اَلسُّرْعَةِ قِيلَ أمْرُ وحْيٍ وذَلِكَ يَكُونُ بِالكَلامِ عَلى اَلرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وقَدْ يَكُونُ بِصَوْتٍ مُجَرَّدٍ عَنِ اَلتَّرْكِيبِ وبِإشارَةٍ بِبَعْضِ اَلْجَوارِحِ وبِالكِتابَةِ، وقَدْ حُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً ﴾ فَقَدْ قِيلَ رَمْزٌ وقِيلَ اِعْتِبارٌ وقِيلَ كُتُبٌ وجُعِلَ اَلتَّسْخِيرُ مِنَ اَلْوَحْيِ أيْضًا وحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى ما لِلصُّوفِيَّةِ قُدِّسَتْ أسْرارُهم مِنَ اَلْكَلامِ في هَذِهِ اَلْآيَةِ، و(وحْيًا) عَلى ما قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ وكَذا أنْ يُرْسِلَ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلِ إرْسالًا، و ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ ظَرْفٌ واقِعٌ مَوْقِعَ اَلْحالِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ والتَّقْدِيرُ وما صَحَّ أنْ يُكَلِّمَ أحَدًا في حالٍ مِنَ اَلْأحْوالِ إلّا مُوحِيًا أوْ مُسْمِعًا مِن وراءِ حِجابٍ أوْ مُرْسِلًا.
وتَعَقَّبَهُأبُو حَيّانَ فَقالَ: وُقُوعُ اَلْمَصْدَرِ حالًا لا يَنْقاسُ فَلا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ بُكاءً تُرِيدُ باكِيًا، وقاسَ مِنهُ اَلْمُبَرِّدُ ما كانَ نَوْعًا لِلْفِعْلِ نَحْوَ جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا أوْ سُرْعَةً ومَنَعَ سِيبَوَيْهِ مِن وُقُوعِ أنْ مَعَ اَلْفِعْلِ مَوْقِعَ اَلْحالِ فَلا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ أنْ يَضْحَكَ في مَعْنى ضَحِكًا اَلْواقِعِ مَوْقِعِ ضاحِكًا.
وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ اَلْقُرْآنَ يُقاسُ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُ أنْ يُقاسَ عَلى غَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقالُ: يُكْتَفى بِقِياسِ اَلْمُبَرِّدِ، وعَنِ اَلثّانِي بِأنَّهُ عَلَّلَ اَلْمَنعَ بِكَوْنِ اَلْحاصِلِ بِالسَّبْكِ مَعْرِفَةٌ وهي لا تَقَعُ حالًا، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَفي شَرْحِ اَلتَّسْهِيلِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً أيْضًا ألا تَراهم فَسَّرُوا (أنْ يُفْتَرى) بِمُفْتَرًى، وقَدْ عَرَضَ اِبْنُ جِنِّي ذَلِكَ عَلى أبِي عَلِيٍّ فاسْتَحْسَنَهُ، وعَلى تَسْلِيمِ اَلِاطِّرادِ فالمَعْرِفَةُ قَدْ تَكُونُ حالًا لِكَوْنِها في مَعْنى اَلنَّكِرَةِ كَوَحْدَهُ، والِاقْتِصارُ عَلى اَلْمَنعِ أوْلى لِمَكانِ اَلتَّعَسُّفِ في هَذا، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ وحْيًا بِما عُطِفَ عَلَيْهِ مُنْتَصِبٌ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ اَلْكَلامِ أوْ بِتَقْدِيرِ إلّا كَلامَ وحْيٍ و ﴿ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ صِفَةُ كَلامٍ أوْ سَماعٍ مَحْذُوفٍ وصِفَةُ اَلْمَصْدَرِ تَسُدُّ مَسَدَّهُ والإرْسالُ نَوْعٌ مِنَ اَلْكَلامِ أيْضًا بِحَسْبِ اَلْمَآلِ والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْمَصادِرِ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: قالَ سِيبَوَيْهِ سَألْتُ اَلْخَلِيلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ بِالنَّصْبِ فَقالَ: هو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ سِوى هَذِهِ اَلَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: أنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ لِما يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اَللَّهُ رَسُولًا وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، والمَعْنى ما كانَ لِبَشَرٍ ﴿ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ﴾ إلّا بِأنْ يُوحِيَ أوْ أنْ يُرْسِلَ، وعَلَيْهِ أنْ يُقَدَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ نَحْوُ أوْ أنْ يَسْمَعَ مِن وراءِ حِجابٍ وأيُّ داعٍ إلى ذَلِكَ مَعَ ما سَمِعْتَ؟
واخْتُلِفَ في اَلِاسْتِثْناءِ هَلْ هو مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌوَأبُو اَلْبَقاءِ عَلى اَلِانْقِطاعِ.
وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ اَلْمُفَرَّغَ لا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ والبَحْثُ شَهِيرٌ.
وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ (أوْ مِن وراءِ حُجُبٍ) بِالجَمْعِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ اَلْمَدِينَةِ (أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِي) بِرَفْعِ اَلْفِعْلَيْنِ ووَجَّهُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ أيْ هو يُرْسِلُ أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى (وحْيًا) أوْ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ (مِن وراءِ) بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ أوْ يَسْمَعُ مِن وراءِ حِجابٍ، وقالَ اَلْعَلّامَةُ اَلثّانِي: إنَّ اَلتَّوْجِيهَ اَلثّانِيَ وما بَعْدَهُ ظاهِرٌ وهو عَطْفُ اَلْجُمْلَةِ اَلْفِعْلِيَّةِ اَلْحالِيَّةِ عَلى اَلْحالِ اَلْمُفْرَدَةِ، وأمّا إضْمارُ اَلْمُبْتَدَأِ فَإنْ حُمِلَ عَلى هَذا فَتَقْدِيرُ اَلْمُبْتَدَأِ لَغْوٌ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ فَلا يَظْهَرُ ما يُعْطَفُ عَلَيْهِ سِوى ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ إلَخْ ولَيْسَ بِحَسَنِ اَلِانْتِظامِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ اَلْمُبْتَدَأِ مَعَ اِعْتِبارِ اَلْحالِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ اَلِاسْمِيَّةَ اَلَّتِي اَلْخَبَرُ فِيها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ تُفِيدُ ما لا تُفِيدُهُ اَلْفِعْلِيَّةُ اَلصِّرْفَةُ مِمّا يُناسِبُ حالَ إرْسالِ اَلرَّسُولِ، أوْ يُقالُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ اَلْعَطْفَ عَلى ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ لَيْسَ بِحَسَنِ اَلِانْتِظامِ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى، وفي اَلْآيَةِ عَلى ما قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ فُلانًا فَراسَلَهُ حَنِثَ لِاسْتِثْنائِهِ تَعالى اَلْإرْسالَ مِنَ اَلْكَلامِ، ونَقَلَهُ اَلْجَلالُ اَلسُّيُوطِيُّ في أحْكامِ اَلْقُرْآنِ عَنْ مالِكٍ وفِيهِ بَحْثٌ واَللَّهُ تَعالى اَلْهادِي.
﴿ إنَّهُ عَلِيٌّ ﴾ مُتَعالٍ عَنْ صِفاتِ اَلْمَخْلُوقِينَ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يُجْرِي سُبْحانَهُ أفْعالَهُ عَلى سُنَنِ اَلْحِكْمَةِ فَيُكَلِّمُ تارَةً بِواسِطَةٍ وأُخْرى بِدُونِها إمّا إلْهامًا وإمّا خِطابًا أوْ إمّا عِيانًا وإمّا خِطابًا مِن وراءِ حِجابٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اَلِاخْتِلافُ اَلسّابِقُ في تَفْسِيرِ اَلْآيَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ ومِثْلَ هَذا اَلْإيحاءِ اَلْبَدِيعِ عَلى أنَّ اَلْإشارَةَ لِما بَعُدَ ﴿ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ وهو ما أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ اَلْقُرْآنُ اَلَّذِي هو لِلْقُلُوبِ بِمَنزِلَةِ اَلرُّوحِ لِلْأبْدانِ حَيْثُ يُحْيِيها حَياةً أبَدِيَّةً، وقِيلَ: أيْ ومِثْلَ اَلْإيحاءِ اَلْمَشْهُورِ لِغَيْرِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ، وقِيلَ: أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ اَلْإيحاءِ اَلْمُفَصَّلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ إذْ كانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اِجْتَمَعَتْ لَهُ اَلطُّرُقُ اَلثَّلاثُ سَواءٌ فُسِّرَ اَلْوَحْيُ بِالإلْقاءِ أمْ فُسِّرَ بِالكَلامِ اَلشِّفاهِيِّ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أُلْقِيَ إلَيْهِ في اَلْمَنامِ كَما أُلْقِيَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وأُلْقِي إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في اَلْيَقَظَةِ عَلى نَحْوِ إلْقاءِ اَلزَّبُورِ إلى داوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
فَفِي اَلْكِبْرِيتِ اَلْأحْمَرِ لِلشَّعْرانِيِّ نَقْلًا عَنِ اَلْبابِ اَلثّانِي مِنَ اَلْفُتُوحاتِ اَلْمَكِّيَّةِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُعْطِيَ اَلْقُرْآنَ مُجْمَلًا قَبْلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن غَيْرِ تَفْصِيلِ اَلْآياتِ والسُّوَرِ.
وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ اَلرُّوحِ بِالنُّبُوَّةِ.
وقالَ اَلرَّبِيعُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وعَلَيْهِ فَأوْحَيْنا مُضَمَّنٌ مَعْنى أرْسَلْنا، والمَعْنى أرْسَلْناهُ بِالوَحْيِ إلَيْكَ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أوْحى اَلْمَلَكَ بَلْ أرْسَلَهُ.
ونَقَلَ اَلطَّبَرْسِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اَللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اَلْمُرادَ بِهَذا اَلرُّوحِ مَلَكٌ أعْظَمُ مِن جِبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ كانَ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَصْعَدْ إلى اَلسَّماءِ، وهَذا اَلْقَوْلُ في غايَةِ اَلْغَرابَةِ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ هَذَيْنِ اَلْإمامَيْنِ، وتَنْوِينُ (رُوحًا) لِلتَّعْظِيمِ أيْ رُوحًا عَظِيمًا ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ اَلظّاهِرُ أنَّ ما اَلْأُولى نافِيَةٌ والثّانِيَةُ اِسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى اَلِابْتِداءِ و(الكِتابُ) خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَدْرِي وجُمْلَةُ (ما كُنْتَ) إلَخْ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ (أوْحَيْنا) أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ والمُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ اَلْوَحْيِ.
واسْتَشْكَلَتِ اَلْآيَةُ بِأنَّ ظاهِرَها يَسْتَدْعِي عَدَمَ اَلِاتِّصافِ بِالإيمانِ قَبْلَ اَلْوَحْيِ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ جَمِيعًا قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ مُؤْمِنُونَ لِعِصْمَتِهِمْ عَنِ اَلْكُفْرِ بِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ، وأُجِيبَ بِعِدَّةِ أجْوِبَةٍ، اَلْأوَّلُ أنَّ اَلْإيمانَ هُنا لَيْسَ اَلْمُرادُ بِهِ اَلتَّصْدِيقَ اَلْمُجَرَّدَ بَلْ مَجْمُوعُ اَلتَّصْدِيقِ والإقْرارِ والأعْمالِ فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى هَذا شَرْعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ والأعْمالُ لا سَبِيلَ إلى دِرايَتِها مِن غَيْرِ سَمْعٍ فَهو مُرَكَّبُ والمُرَكَّبُ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ بَعْضِ أجْزائِهِ فَلا يَلْزَمُ مِنَ اِنْتِفاءِ اَلْإيمانِ اَلْمُرَكَّبِ بِانْتِفاءِ اَلْأعْمالِ اِنْتِفاءُ اَلْإيمانِ بِالمَعْنى اَلْآخَرِ أعْنِي اَلتَّصْدِيقَ وهو اَلَّذِي أجْمَعَ اَلْعُلَماءُ عَلى اِتِّصافِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِهِ قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ، ولِذا عُبِّرَ بِتَدْرِي دُونَ أنْ يُقالَ: لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنًا وهو جَوابٌ حَسَنٌ ولا يَلْزَمُهُ نَفْيُ اَلْإيمانِ عَمَّنْ لا يَعْمَلُ اَلطّاعاتِ لِيَكُونَ اَلْقَوْلُ بِهِ اِعْتِزالًا كَما لا يَخْفى.
اَلثّانِي أنَّ اَلْإيمانَ إنَّما يُعْنى بِهِ اَلتَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ اَلتَّصْدِيقِ بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ودُونَ ما يَدْخُلُ فِيهِ اَلْأعْمالُ والنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخاطَبٌ بِالإيمانِ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ كَما أنَّ أُمَّتَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخاطَبُونَ بِذَلِكَ، ولا شَكَّ أنَّهُ قَبْلَ اَلْوَحْيِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اَللَّهِ وما عَلِمَ ذَلِكَ إلّا بِالوَحْيِ فَإذا كانَ اَلْإيمانُ هو اَلتَّصْدِيقُ بِاَللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَكُنْ هَذا اَلْمَجْمُوعُ ثابِتًا قَبْلَ اَلْوَحْيِ بَلْ كانَ اَلثّابِتُ هو اَلتَّصْدِيقَ بِاَللَّهِ تَعالى خاصَّةً اَلْمُجْمَعَ عَلى اِتِّصافِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بِهِ قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ اِسْتَقامَ نَفْيُ اَلْإيمانِ قَبْلَ اَلْوَحْيِ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ.
اَلثّالِثُ أنَّ اَلْمُرادَ شَرائِعُ اَلْإيمانِ ومَعالِمُهُ مِمّا لا طَرِيقَ إلَيْهِ إلّا اَلسَّمْعُ وإلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ اَلْبَغَوِيُّ وقالَ: إنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ قَبْلَ اَلْوَحْيِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ شَرائِعُ دِينِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا لَمْ يُعْتَبَرُ كَوْنُ اَلْكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَلْزَمُهُ إطْلاقُ اَلْإيمانِ عَلى اَلْأعْمالِ وحْدَها وهو خِلافُ اَلْمَعْرُوفِ.
اَلرّابِعُ أنَّ اَلْكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَقِيلَ اَلتَّقْدِيرُ دَعْوَةُ اَلْإيمانِ أيْ ما كُنْتَ تَدْرِي كَيْفَ تَدْعُو اَلْخَلْقَ إلى اَلْإيمانِ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ أبِي اَلْعالِيَةِ.
وقالَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ اَلْفَضْلِ: أيْ أهْلُ اَلْإيمانِ أيْ لا تَدْرِي مَنِ اَلَّذِي يُؤْمِنُ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ لا يَرْتَضِي هَذا إلّا مَن لا يُدْرى.
اَلْخامِسُ اَلْمُرادُ نَفْيُ دِرايَةِ اَلْمَجْمُوعِ أيْ ما كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ اَلْوَحْيِ مَجْمُوعَ اَلْكِتابِ والإيمانِ فَلا يُنافِي كَوْنَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَدْرِي اَلْإيمانَ وحْدَهُ ويَأْباهُ إعادَةُ (لا) اَلسّادِسُ أنَّ اَلْمُرادَ ما كُنْتَ تَدْرِي ذَلِكَ إذْ كُنْتَ في اَلْمَهْدِ وإلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، والظّاهِرُ أنَّ اَلْمُرادَ اِسْتِمْرارُ اَلنَّفْيِ إلى زَمَنِ اَلْوَحْيِ، وظاهِرُ كَلامِ اَلْكَشْفِ يَمِيلُ إلى اِعْتِبارِ نَحْوِ ذَلِكَ اَلْقَيْدِ قالَ: لَعَلَّ اَلْأشْبَهَ أنَّ اَلْإيمانَ عَلى ظاهِرِهِ والآيَةُ وارِدَةٌ في مَعْرِضِ اَلِامْتِنانِ والإيحاءُ يَشْمَلُ اَلْإلْقاءَ في اَلرُّوعِ وإرْسالَ اَلرَّسُولِ فالإيمانُ عَرَفَهُ بِالأوَّلِ والكِتابَ بِالثّانِي عَلى أنَّ اَلْآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَرَفَهُما بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ عارِفًا وهو كَذَلِكَ أمّا أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَرَفَهُما بَعْدَ اَلْوَحْيِ فَلا فَجازَ أنْ يَعْرِفَهُما بِهِ وجازَ أنْ يَعْرِفَ واحِدًا مِنهُما مُعَيَّنًا بِهِ.
وقَدْ دَلَّ اَلدَّلِيلُ عَلى أنَّ اَلْمُعَرَّفَ بِهِ هو اَلْكِتابُ والإيمانُ بَعْدَ اَلْعَقْلِ وقَبْلَ اَلْوَحْيِ، والتَّمَسُّكُ بِهِ عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ ضَعِيفٌ لِأنَّ عَدَمَ اَلدِّرايَةِ لا يَلْزَمُهُ عَدَمُ اَلتَّعَبُّدِ بَلْ يَلْزَمُهُ سُقُوطُ اَلْإثْمِ إنْ لَمْ يَكُنْ تَقْصِيرًا اِنْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اَلْمُتَبادِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَرَفَهُما بَعْدَ اَلْوَحْيِ، وأمّا قَوْلُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَضْعِيفِ اَلتَّمَسُّكِ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ إنَّ عَدَمَ اَلدِّرايَةِ لا يَلْزَمُهُ عَدَمُ اَلتَّعَبُّدِ فَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ ساقِطٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إذا لَمْ يَدْرِ شَرْعًا فَكَيْفَ يَتَعَبَّدُ بِهِ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّ مُرادَ اَلْمُدَقِّقِ أنَّ اَلدِّرايَةَ اَلْمَنفِيَّةَ اَلدِّرايَةُ بِمَعْنى اَلْعِلْمِ اَلْجازِمِ اَلثّابِتِ اَلْمُطابِقِ لِلْواقِعِ وعَدَمُها لا يَلْزَمُهُ عَدَمُ اَلتَّعَبُّدِ إذْ يَكْفِي في اَلتَّعَبُّدِ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلظَّنُّ اَلرّاجِحُ ثُبُوتُهُ فَلَعَلَّهُ كانَ حاصِلًا لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ومِثْلُ هَذا اَلظَّنِّ يَكْفِي لِلْمُتَعَبِّدِينَ اَلْيَوْمَ بِشَرْعِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ أكْثَرَ اَلْفُرُوعِ ظَنِّيَّةٌ، ومَن يَتَتَبَّعُ اَلْأخْبارَ يَعْلَمُ أنَّ اَلْعَرَبَ لَمْ يَزالُوا عَلى بَقايا مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلْحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ اَلطَّلاقِ والغُسْلِ مِنَ اَلْجَنابَةِ وتَحْرِيمِ ذَواتِ اَلْمَحارِمِ بِالقَرابَةِ والصِّهْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ وأنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ أحْرَصَ اَلنّاسِ عَلى اِتِّباعِ دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
وفي اَلصَّحِيحِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ أيْ قَبْلَ اَلْبَعْثَةِ يَتَحَنَّثُ بِغارِ حِراءٍ، وفُسِّرَ اَلتَّحَنُّثُ بِالتَّحَنُّفِ أيِ اِتِّباعِ اَلْحَنِيفِيَّةِ وهي دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والفاءُ تُبْدَلُ ثاءً في كَثِيرٍ مِن كَلامِهِمْ وفي رِوايَةِ اِبْنِ هِشامٍ في اَلسِّيَرِ يَتَحَنَّفُ بِالفاءُ بَدَلَ اَلثّاءِ، نَعَمْ فُسِّرَ أيْضًا بِالتَّعَبُّدِ كَما في صَحِيحِ اَلْبُخارِيِّ وبِاتِّقاءِ اَلْحِنْثِ أيِ اَلْإثْمِ كالتَّحَرُّجِ والتَّأثُّمِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ اَلْحافِظُ اَلْقَسْطَلّانِيُّ في شَرْحِ اَلصَّحِيحِ.
ثُمَّ إنَّ اَلظّاهِرَ أنَّ مَن قالَ: إنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ لَيْسَ مُرادُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِجَمِيعِ شَرْعِ مَن قَبْلَهُ بَلْ بِما تَرَجَّحَ عِنْدَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُبُوتُهُ.
واَلَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُرَجَّحَ كَوْنُ ذَلِكَ مِن شَرْعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ كُلِّفَتِ اَلْعَرَبُ بِدِينِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ عِبادَتَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلتَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ، ولَعَلَّهُ أيْضًا مِمّا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنُهُ مِن شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ورُبَّما يُقالُ: بِما عَلِمَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا عَلى ذَلِكَ اَلْوَجْهِ مِن شَرْعِ مَن قَبْلَهُ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ مُوحى إلَيْهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِما يُوحى إلَيْهِ إلّا أنَّ اَلْوَحْيَ اَلسّابِقَ عَلى اَلْبِعْثَةِ كانَ إلْقاءً ونَفْثًا في اَلرُّوعِ وما عَمِلَ بِما كانَ مِن شَرائِعِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا بِواسِطَةِ ذَلِكَ اَلْإلْقاءِ وإذا كانَ بَعْضُ إخْوانِهِ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ قَدْ أُوتِيَ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا اِبْنَ سَنَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ فَهو عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوْلى بِأنْ يُوحى إلَيْهِ ذَلِكَ اَلنَّوْعُ مِنَ اَلْإيحاءِ صَبِيًّا أيْضًا.
ومَن عَلِمَ مَقامَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصَدَّقَ بِأنَّهُ اَلْحَبِيبُ اَلَّذِي كانَ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ اَلْماءِ والطِّينِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.
﴿ ولَكِنْ جَعَلْناهُ ﴾ أيِ اَلرُّوحَ اَلَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اَلضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، وقِيلَ: لِلْإيمانِ ورُجِّحَ بِالقُرْبِ، وقِيلَ: لِلْكِتابِ والإيمانِ ووُحِّدَ لِأنَّ مَقْصِدَهُما واحِدٌ فَهو نَظِيرُ ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ .
﴿ نُورًا ﴾ عَظِيمًا ﴿ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ ﴿ مِن عِبادِنا ﴾ وهو اَلَّذِي يَصْرِفُ اِخْتِيارَهُ نَحْوَ اَلِاهْتِداءِ بِهِ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ صِفَةُ (نُورًا) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّكَ لَتَهْدِي ﴾ تَقْرِيرٌ لِهِدايَتِهِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها، ومَفْعُولُ (لَتَهْدِي) مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِغايَةِ اَلظُّهُورِ أيْ وإنَّكَ لَتَهْدِي بِذَلِكَ اَلنُّورِ مَن تَشاءُ هِدايَتَهُ ﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو اَلْإسْلامُ وسائِرُ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ وقَرَأ اِبْنُ اَلسَّمَيْقَعِ (لَتُهْدِي) بِضَمِّ اَلتّاءِ وكَسْرِ اَلدّالِ مِن أهْدى، وقَرَأ حَوْشَبٌ (لَتُهْدى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ لَيَهْدِيكَ اَللَّهُ وقُرِئَ لَتَدْعُو <div class="verse-tafsir"
﴿ صِراطِ اللَّهِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْأوَّلِ وإضافَتُهُ إلى اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ وتَقْرِيرِ اِسْتِقامَتِهِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ سُلُوكِهِ فَإنَّ كَوْنَ جَمِيعِ ما فِيهِما مِنَ اَلْمَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ أتَمَّ إيجابٍ.
﴿ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ أيْ أُمُورُ مَن فِيهِما قاطِبَةً لا إلى غَيْرِهِ تَعالى وذَلِكَ بِارْتِفاعِ اَلْوَسائِطِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَفِيهِ مِنَ اَلْوَعْدِ لِلْمُهْتَدِينَ إلى اَلصِّراطِ اَلْمُسْتَقِيمِ والوَعِيدِ لِلضّالِّينَ عَنْهُ ما لا يَخْفى، وصِيغَةُ اَلْمُضارِعِ عَلى ما قَرَّرْنا عَلى ظاهِرِها مِنَ اَلِاسْتِقْبالِ، وقالَ في اَلْبَحْرِ: اَلْمُرادُ بِها اَلِاسْتِمْرارُ كَما في زَيْدٌ يُعْطِي أيْ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أظْهَرُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِمّا قالَهُ أرْبابُ اَلْإشاراتِ في بَعْضِ اَلْآياتِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها ﴾ قِيلَ يُشِيرُ ذَلِكَ إلى إنْذارِ نَفْسِهِ اَلشَّرِيفَةِ لِأنَّها أُمُّ قُرى نُفُوسِ آدَمَ وأوْلادِهِ لِأنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلُ اَلْعالَمِينَ خَلْقًا ومِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ نَشَأتِ اَلْأرْواحُ والنُّفُوسُ ومِن هَذا كانَ آدَمُ ومَن دُونَهُ تَحْتَ لِوائِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ سُلْطانُ اَلْعاشِقِينَ عُمَرُ بْنُ اَلْفارِضِ بِقَوْلِهِ عَلى لِسانِ اَلْحَقِيقَةِ اَلْمُحَمَّدِيَّةِ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ اِبْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي مِنهُ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن حَوْلَها ﴾ يُشِيرُ إلى نُفُوسِ أهْلِ اَلْعالَمِ وقَدْ أنْذَرَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلًّا حَسْبَ اِسْتِعْدادِهِ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ إنَّهُ يُشِيرُ إلى اَلتَّنْزِيهِ والتَّشْبِيهِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ اَلشَّيْخُ اَلْأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِما يَطُولُ ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مَفاتِيحُ سَمَواتِ اَلْقُلُوبِ وفِيها خَزائِنُ لُطْفِهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأرْضُ اَلنُّفُوسِ وفِيها خَزائِنُ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ وعِزَّتِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَكُلُّ قَلْبٍ مَخْزِنٌ لِنَوْعٍ مِن ألْطافِهِ كالمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والشَّوْقِ والتَّوْحِيدِ والهَيْبَةِ والأُنْسِ والرِّضا إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يَجْتَمِعُ في اَلْقَلْبِ خَزائِنُ وكُلُّ نَفْسٍ مَخْزِنٌ لِنَوْعٍ مِن آثارِ قَهْرِهِ كالنُّكْرَةِ والجُحُودِ والإنْكارِ والشِّرْكِ والنِّفاقِ والحِرْصِ والكِبْرِ والبُخْلِ والشَّرَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يَجْتَمِعُ في اَلنَّفْسِ خَزائِنُ، وفائِدَةُ اَلْإخْبارِ بِأنَّ لَهُ سُبْحانَهُ مَقالِيدَ ذَلِكَ قَطْعُ أفْكارِ اَلْعِبادِ عَمَّنْ سِواهُ سُبْحانَهُ في جَلْبِ ما يُرِيدُونَهُ ودَفْعِ ما يَكْرَهُونَهُ ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴾ يُشِيرُ إلى مَقامَيِ اَلْمَجْذُوبِ والسّالِكِ فالمَجْذُوبُ مِنَ اَلْخَواصِّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ في اَلْأزَلِ وسَلَكَهُ في مَسْلَكِ مَن يُحِبُّهم واصْطَنَعَهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وجَذَبَهُ تَعالى عَنِ اَلدّارَيْنِ بِجَذْبَةٍ تُوازِي عَمَلَ اَلثَّقَلَيْنِ فَهو في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، والسّالِكُ مِنَ اَلْعَوامِّ سَلَكَهُ في سَلْكِ مَن يُحِبُّونَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِلْهِدايَةِ والقِيامِ عَلى قَدَمَيِ اَلْجُهْدِ والإنابَةِ إلى سَبِيلِ اَلرَّشادِ مِن طَرِيقِ اَلْعِنادِ ﴿ والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ ﴾ يُشِيرُ إلى اَلَّذِينَ يُجادِلُونَ في مَعْرِفَةِ اَللَّهِ تَعالى بِشُبَهِ اَلْعَقْلِ اَلَّذِي اِسْتَجابَ لَهُ تَعالى حِينَ دَعاهُ فَوَصَلَ إلى اَلْحَضْرَةِ فَهو في كَشْفٍ وعِيانٍ وأُولَئِكَ مِن وراءِ ما يَزْعُمُونَ أنَّهُ بُرْهانٌ ﴿ أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ يُشِيرُ إلى كُفّارِ اَلنُّفُوسِ فَإنَّهم شَرَعُوا عِنْدَ اِسْتِيلائِهِمْ لِلْأرْواحِ والقُلُوبِ ما لَمْ يَرْضَ بِهِ اَللَّهُ تَعالى مِن مُخالَفاتِ اَلشَّرِيعَةِ ومُوافَقاتِ اَلطَّبِيعَةِ ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ ﴾ يُشِيرُ إلى عُمُومِ لُطْفِهِ تَعالى وهو أنْواعٌ لا تُحْصى ومَراتِبُ لا تُسْتَقْصى.
ورَوى اَلسِّلْمِيُّ عَنْ سَيِّدِ اَلطّائِفَةِ قُدِّسَ سِرُّهُ اَللَّطِيفُ مَن نَوَّرَ قَلْبَكَ بِالهُدى ورَبّى جِسْمَكَ بِالغِذا ويُخْرِجُكَ مِنَ اَلدُّنْيا بِالإيمانِ ويَحْرُسُكَ مِن نارٍ لَظى ويُمَكِّنُكَ حَتّى تَنْظُرَ وتَرى هَذا لُطْفُ اَللَّطِيفِ بِالعَبْدِ اَلضَّعِيفِ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ اِسْتَعْمَلُوا تَكالِيفَ اَلشَّرْعِ لِقَمْعِ اَلطَّبْعِ وكَسْرِ اَلْهَوى وتَزْكِيَةِ اَلنَّفْسِ وتَصْفِيَةِ اَلْقَلْبِ وجَلاءِ اَلرُّوحِ ﴿ فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ ﴾ في اَلدُّنْيا جَنّاتُ اَلْوَصْلَةِ والمَعارِفِ وطِيبِ اَلْأُنْسِ في اَلْخَلْوَةِ والآخِرَةِ في رَوْضاتِ اَلْجَنَّةِ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ حَسْبَ مَراتِبِهِمْ في اَلْقُرُباتِ والوَصَلاتِ والمُكاشَفاتِ ونَيْلِ اَلدَّرَجاتِ وعَلى قَدْرِ هِمَمِهِمْ ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ﴾ وهم أقارِبُهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّذِينَ خُلِقُوا مِن عُنْصُرِهِ اَلشَّرِيفِ وتَحَلَّوْا بِحُلاهُ اَلْمُنِيفِ كَأئِمَّةِ أهْلِ اَلْبَيْتِ ومَوَدَّتُهم يَعُودُ نَفْعُها إلى مَن يَوَدُّهم لِأنَّها سَبَبٌ لِلْفَيْضِ وهم رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم أبْوابُهُ وفي قَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(أنا مَدِينَةُ اَلْعِلْمِ وعَلِيٌّ بابُها)» رَمْزٌ إلى ذَلِكَ فافْهَمِ اَلْإشارَةَ ﴿ وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ لِمَزِيدِ كَرَمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَمَتى وفَّقَ عَبْدًا لِلتَّوْبَةِ قَبِلَها جُودًا وكَرَمًا وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ اَلْمَشايِخِ: إنْ تُبْتُ فَهَلْ يَقْبَلُنِي اَللَّهُ تَعالى؟
فَقالَ: إنْ يَقْبَلْكَ اَللَّهُ تَعالى تَتُبْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَقَبُولُ اَللَّهِ تَعالى سابِقٌ عَلى اَلتَّوْبَةِ ﴿ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى اَلرُّؤْيَةِ فَإنَّ اَلْجِنانَ ونَعِيمَها مَخْلُوقَةٌ تَقَعُ في مُقابَلَةِ مَخْلُوقٍ وهو عَمَلُ اَلْعُمّالِ والرُّؤْيَةُ مِمّا تَتَعَلَّقُ بِالقَدِيمِ فَلا تَقَعُ إلّا فَضْلًا رَبّانِيًّا، وفي بَعْضِ اَلْأخْبارِ أنَّ هَذِهِ اَلزِّيادَةَ أنْ يُشَفِّعَهم في إخْوانِ إخْوانِهِمْ ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ﴾ اَلِاسْتِجابَةُ لِلْعَوامِّ بِالوَفاءِ بِعَهْدِهِ تَعالى والقِيامِ بِحَقِّهِ سُبْحانَهُ والرُّجُوعِ عَنْ مُخالَفَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إلى مُوافَقَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولِلْخَواصِّ بِالِاسْتِسْلامِ لِلْأحْكامِ اَلْأزَلِيَّةِ والإعْراضِ عَنِ اَلدُّنْيا وزِينَتِها وشَهَواتِها، ولِأخَصِّ اَلْخَواصِّ مِن أهْلِ اَلْمَحَبَّةِ بِصِدْقِ اَلطَّلَبِ بِالإعْراضِ عَنِ اَلدّارَيْنِ والتَّوَجُّهِ لِحَضْرَةِ اَلْجَلالِ بِبَذْلِ اَلْوُجُودِ في نَيْلِ اَلْوُصُولِ والوِصالِ ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ ﴾ ﴿ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا ﴾ قِيلَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أحْوالِ اَلْمَشايِخِ مِن حَيْثُ اَلْمُرِيدِينَ فَمِنهم مَن يَهَبُ اَللَّهُ تَعالى لَهُ ومِنهم مَن لا تَصَرُّفَ لَهُ في غَيْرِهِ بِالتَّخْرِيجِ والتَّسْلِيكِ وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالأُنْثى مِن حَيْثُ عَدَمِ اَلتَّصَرُّفِ ومِنهم مَن يَهَبُ سُبْحانَهُ لَهُ مَن لَهُ قُدْرَةُ اَلتَّصَرُّفِ بِالتَّخْرِيجِ والتَّسْلِيكِ وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِالذَّكَرِ ومِنهم مَن يَهَبُ لَهُ تَعالى هَذا وهَذا ومِنهم مَن يَجْعَلُهُ جَلَّ وعَلا عَقِيمًا لِأمْرٍ يَدُلُّهُ أصْلًا ﴿ وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ قالَ سَيِّدِي اَلشَّيْخُ عَبْدُ اَلْوَهّابِ اَلشَّعْرانِيُّ في تَفْسِيرِهِ اَلْآيَةَ اَلْمَذْكُورَةَ اِعْلَمْ أنَّ اَلْمانِعَ مِن سَماعِ كَلامِ اَلْحَقِّ إنَّما هو اَلْبَشَرِيَّةُ فَإذا اِرْتَفَعَ اَلْعَبْدُ عَنْها كَلَّمَهُ اَللَّهُ تَعالى مِن حَيْثُ كَلَّمَ سُبْحانَهُ اَلْأرْواحَ اَلْمُجَرَّدَةَ عَنِ اَلْمَوادِّ، والبَشَرُ ما سُمِّيَ بَشَرًا إلّا لِمُباشَرَتِهِ اَلْأُمُورَ اَلَّتِي تَعُوقُهُ عَنِ اَللُّحُوقِ بِدَرَجَةٍ فَلَمّا لَمْ يَلْحَقْ كَلَّمَهُ اَللَّهُ تَعالى في اَلْأشْياءِ وتَجَلّى سُبْحانَهُ لَهُ فِيها بِخِلافِ مَن لَحِقَ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فَلا يَتَجَلّى اَلْحَقُّ سُبْحانَهُ لِغَيْرِهِمْ إلّا في حِجابِ اَلصُّوَرِ ولَوْلا هِدايَتُهُ تَعالى لِلْعَبْدِ ما عَرَفَ أنَّهُ سُبْحانَهُ رَبُّهُ، واعْلَمْ أنَّ اَلْحَقِيقَةَ تَأْبى أنْ يُكَلِّمَ اَللَّهُ تَعالى غَيْرَ نَفْسِهِ أوْ يُسْمِعُ غَيْرَ نَفْسِهِ فَلا بُدَّ إذا خاطَبَ عَبْدًا عَلى قَصْدِ إسْماعِهِ أنْ يَكُونَ جَمِيعَ قُواهُ لِأنَّهُ مُحالٌ أنْ يَطِيقَ اَلْحادِثُ سَماعَ كَلامِ اَلْقَدِيمِ ولَمْ يَكُنِ اَلْحَقُّ سُبْحانَهُ قَوّاهُ عِنْدَ اَلنَّجْوى ولِذَلِكَ خَرَّ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ صَعْقًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اِسْتِعْدادٌ يَقْبَلُ لَهُ اَلتَّجَلِّيَ اَللّائِقَ بِمَقامِهِ وثَبَتَ نَبِيُّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْجَبَلِ دَرَجَةُ اَلْمَحَبَّةِ اَلَّتِي يَكُونُ بِها اَلْحَقُّ سَمْعَ عَبْدِهِ وبَصَرَهُ وجَمِيعَ قُواهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى سَماعِ اَلْخِطابِ فَدُكَّ، واعْلَمْ أنَّ حَدِيثَ اَلْحَقِّ سُبْحانَهُ لِلْخَلْقِ لا يَزالُ أبَدًا غَيْرَ أنَّ مِنَ اَلنّاسِ مَن يَفْهَمُ أنَّهُ حَدِيثٌ كَعُمَرَ بْنِ اَلْخَطّابِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ ومَن ورِثَهُ مِنَ اَلْأوْلِياءِ ومِنهم مَن لا يَعْرِفُ ذَلِكَ ويَقُولُ: ظَهَرَ لِي كَذا وكَذا ولا يَعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ اَلْحَقِّ سُبْحانَهُ مَعَهُ وكانَ شَيْخُنا يَقُولُ: كانَ عُمَرُ مِن أهْلِ اَلسَّماعِ اَلْمُطْلَقِ اَلَّذِي يُحَدِّثُهُمُ اَللَّهُ تَعالى في كُلِّ شَيْءٍ ولَكِنْ لَهُ ألْقابٌ وهو أنَّهُ إنْ أجابُوهُ بِهِ تَعالى فَهو حَدِيثٌ وإنْ أجابُوهُ بِهِمْ فَهي مُحادَثَةٌ وإنْ سَمِعُوا حَدِيثَهُ سُبْحانَهُ فَلَيْسَ بِحَدِيثٍ في حَقِّهِمْ وإنَّما هو خِطابٌ أوْ كَلامٌ، وقَدْ ورَدَ في اَلْمُتَهَجِّدِينَ أنَّهم أهْلُ اَلْمُسامَرَةِ فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ اَلْوَحْيَ ما يُلْقِيهِ اَللَّهُ تَعالى في قُلُوبِ خَواصِّ عِبادِهِ عَلى جِهَةِ اَلْحَدِيثِ فَيَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ عِلْمٌ بِأمْرٍ ما فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِوَحْيٍ ولا خِطابٍ فَإنَّ بَعْضَ اَلنّاسِ يَجِدُونَ في قُلُوبِهِمْ عِلْمًا بِأمْرٍ ما مِثْلَ اَلْعُلُومِ اَلضَّرُورِيَّةِ عِنْدَ اَلنّاسِ فَهو عِلْمٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ صادِرًا عَنْ خِطابٍ وكَلامُنا إنَّما هو في اَلْخِطابِ اَلْإلَهِيِّ والمُسَمّى وحْيًا فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى جَعَلَ هَذا اَلصِّنْفَ مِنَ اَلْوَحْيِ كَلامًا يَسْتَفِيدُ بِهِ اَلْعِلْمَ مَن جاءَ لَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَنْزِلُ عَلى قُلُوبِ اَلْأوْلِياءِ مِن وحْيِ اَلْإلْهامِ إلّا دَقائِقُ مُمْتَدَّةٌ مِنَ اَلْأرْواحِ اَلْمَلَكِيَّةِ لا نَفْسَ اَلْمَلائِكَةِ لِأنَّ اَلْمَلَكَ لا يَنْزِلُ بِوَحْيٍ عَلى غَيْرِ نَبِيٍّ أصْلًا ولا يَأْمُرُ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ قَطْعًا لِأنَّ اَلشَّرِيعَةَ قَدِ اِسْتَقَرَّتْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا وحْيُ اَلْمُبَشِّراتِ وهو اَلْوَحْيُ اَلْأعَمُّ ويَكُونُ مِنَ اَلْحَقِّ إلى اَلْعَبْدِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ويَكُونُ أيْضًا بِواسِطَةٍ والنُّبُوَّةُ مِن شَأْنِها اَلْواسِطَةُ فَلا بُدَّ مِن واسِطَةِ اَلْمَلَكِ فِيها لَكِنَّ اَلْمَلَكَ لا يَكُونُ حالَ إلْقائِهِ ظاهِرًا بِخِلافِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ فَإنَّهم يَرَوْنَ اَلْمَلَكَ حالَ اَلْكَلامِ والوَلِيُّ لا يَشْهَدُ اَلْمَلَكَ إلّا في غَيْرِ حالِ اَلْإلْقاءِ فَإنْ سَمِعَ كَلامَهُ لَمْ يَرَهُ وإنْ رَآهُ لا يُكَلِّمْهُ فالعارِفُونَ لا يَنالُونَ ما فاتَهم مِنَ اَلنُّبُوَّةِ مَعَ بَقاءِ اَلْمُبَشِّراتِ عَلَيْهِمْ إلّا أنَّ اَلنّاسَ يَتَفاضَلُونَ فَمِنهم مَن لا يَبْرَحُ في بِشارَةِ اَلْواسِطَةِ ومِنهم مَن يَرْتَفِعُ عَنْها كالأفْرادِ فَإنَّ لَهُمُ اَلْمُبَشِّراتِ بِارْتِفاعِ اَلْوَسائِطِ وما لَهُمُ اَلنُّبُوّاتُ ولِهَذا يُنْكَرُ عَلَيْهِمُ اَلْأحْكامُ لِأنَّهم ضاهَوُا اَلْأنْبِياءَ مِن حَيْثُ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ بِما يَرَوْنَهُ مِن تَعْرِيفاتِ اَلْحَقِّ لَهم كَأنَّهُ شَرِيعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في اَلظّاهِرِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِشَرِيعَةٍ إنَّما هو بَيانٌ لَها فالمُنْقَطِعُ إنَّما هو وحْيُ اَلتَّشْرِيعِ لا غَيْرُ أمّا اَلتَّعْرِيفُ لِأُمُورٍ مُجْمَلَةٍ في اَلسُّنَّةِ فَهو باقٍ لِهَذِهِ اَلْأُمَّةِ لِيَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ فِيما يَدْعُونَ اَلنّاسَ إلَيْهِ لِأنَّهُ خَبَرٌ إلَهِيٌّ وأخْبارٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ عَلى يَدِ مَلَكٍ مُغَيَّبٍ عَلى هَذا اَلْمُلْهَمِ، ولا يَكُونُ اَلْإلْهامُ إلّا في اَلْخَيْرِ و(ألْهَمَها) فُجُورَها عَلى مَعْنى إلْهامِها إيّاهُ لِتَجْتَنِبَهُ كَما أنَّ إلْهامَها تَقْواها لِتَعْمَلَ بِها، وأكْمَلُ اَلْإلْهامِ أنْ يُلْهَمَ اِتِّباعَ اَلشَّرْعِ والنَّظَرِ في اَلْكُتُبِ اَلْإلَهِيَّةِ ويَقِفَ عِنْدَ حُدُودِها وأوامِرِها حَتّى يَزُولَ صَدى طَبِيعَتِهِ وتَنْتَقِشَ فِيها صُوَرُ اَلْعالَمِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ ﴾ فَهو خِطابٌ إلَهِيٌّ يُلْقِيهِ عَلى اَلسَّمْعِ لا عَلى اَلْقَلْبِ فَيُدْرِكُهُ مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ فَيَفْهَمُ مِنهُ ما قَصَدَهُ مَن يَسْمَعُهُ ذَلِكَ وقَدْ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ في صُورَةِ اَلتَّجَلِّي فَتُخاطِبُهُ تِلْكَ اَلصُّورَةُ وهي عَيْنُ اَلْحِجابِ فَيَفْهَمُ مِن ذَلِكَ اَلْخِطابِ عِلْمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ حِجابٌ وأنَّ اَلْمُتَكَلِّمَ مِن وراءِ ذَلِكَ اَلْحِجابِ وكُلُّ مَن أدْرَكَ صُورَةَ اَلتَّجَلِّي اَلْإلَهِيِّ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ هو اَللَّهُ تَعالى فَما يَزِيدُ صاحِبَ هَذا اَلْحالِ عَلى غَيْرِهِ إلّا بِمَعْرِفَتِهِ أنَّ اَلْمُخاطِبَ لَهُ مِن وراءِ اَلْحِجابِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا ﴾ فَهو ما يَنْزِلُ بِهِ اَلْمَلَكُ أوْ ما يَجِيءُ بِهِ اَلرَّسُولُ اَلْبَشَرِيُّ إلَيْنا إذا نَقَلا كَلامَ اَللَّهِ تَعالى خاصَّةً كالتّالِينَ فَإنْ نَقَلا عِلْمًا وجَداهُ في أنْفُسِهِما وأفْصَحا عَنْهُ فَذَلِكَ لَيْسَ بِكَلامٍ إلَهِيٍّ، ومِنَ اَلْأوْلِياءِ مَن يُعْطى اَلتَّرْجَمَةَ عَنِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ في حالِ اَلْإلْقاءِ والوَحْيَ اَلْخاصَّ بِكُلِّ إنْسانٍ فَيَكُونُ اَلْمُتَرْجِمُ مُوجِدًا لِصُوَرِ اَلْحُرُوفِ اَللَّفْظِيَّةِ أوِ اَلْمَرْقُومَةِ ويَكُونُ رُوحُ تِلْكَ اَلصُّوَرِ كَلامُ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا غَيْرُ، وقَدْ يَقُولُ اَلْوَلِيُّ: حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي يَعْنِي بِهِ مِنَ اَلْوَجْهِ اَلْخاصِّ فاعْلَمْ ذَلِكَ وتَأمَّلْ ما قَرَّرْتُهُ لَكَ فَإنَّهُ نَفِيسٌ واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، ولَهُ قُدِّسَ سِرُّهُ كَلامٌ كَثِيرٌ في هَذا اَلْمَقامِ تَرَكْناهُ خَوْفَ اَلْإطالَةِ، ولَعَلَّ فِيما ذَكَرْناهُ كِفايَةً لِذَوِي اَلْأفْهامِ ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ وهو ما بِهِ اَلْحَياةُ اَلطَّيِّبَةُ اَلْأبَدِيَّةُ ﴿ ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ﴾ قَبْلَ اَلْإيحاءِ.
قِيلَ: أُشِيرَ بِهَذا اَلْإيحاءِ إلى اَلْإيحاءِ في هَذِهِ اَلنَّشْأةِ وكانَ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِهِ فِيها نَوْعٌ مِنَ اَلْوَحْيِ والدِّرايَةِ اَلْمَنفِيَّةِ إذْ كانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في كَيْنُونَتِهِ وقَبْلَ إخْراجِهِ مِنها بِتَجَلِّي كَيْنُونَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وإلّا فَهو صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيٌّ ولا آدَمُ ولا ماءٌ ولا طِينٌ ولا يَعْقِلُ نَبِيٌّ بِدُونِ إيحاءٍ ﴿ وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو اَلتَّوْحِيدُ اَلسَّلِيمُ مِن زَوايا اَلْأغْيارِ ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ﴾ تَمَّتِ اَلسُّورَةُ بِتَوْفِيقِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أوَّلِ نُورٍ أشْرَقَ مِن شَمْسِ اَلْأزَلِ وبِها والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى.