تفسير الألوسي سورة نوح

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة نوح

تفسيرُ سورةِ نوح كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 77 دقيقة قراءة

تفسير سورة نوح كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١

سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وهي ثَمانٌ وعِشْرُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ وتِسْعٌ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وثَلاثُونَ فِيما عَدا ذَلِكَ ووَجْهُ اتِّصالِها بِما قَبِلَها عَلى ما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في سُورَةِ المَعارِجِ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ  ﴾ عَقَّبَهُ تَعالى بِقِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُشْتَمِلَةِ عَلى إغْراقِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم في الأرْضِ دَيّارٌ وبَدَّلَ خَيْرًا مِنهم فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِظْهارِ لِتِلْكَ الدَّعْوى كَما وقَعَتْ قِصَّةُ أصْحابِ الجَنَّةِ في سُورَةِ ن مَوْقِعَ الِاسْتِظْهارِ لِما خَتَمَ بِهِ تَبارَكَ هَذا مَعَ تَواخِي مَطْلَعِ السُّورَتَيْنِ في ذَلِكَ العَذابِ المَوْعَدِ بِهِ الكافِرُونَ ووَجْهُ الِاتِّصالِ عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ السّائِلَ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ظاهِرٌ وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ  يَقْرَؤُها عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ القِيامَةِ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو نُوحًا وقَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أوَّلَ النّاسِ فَيَقُولُ: ماذا أجَبْتُمْ نُوحًا ؟

فَيَقُولُونَ: ما دَعانا وما بَلَّغَنا ولا نَصَحَنا ولا أمَرَنا ولا نَهانا، فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: دَعَوْتُهم يا رَبِّ دُعاءً فاشِيًا في الأوَّلِينَ والآخِرِينَ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ حَتّى انْتَهى إلى خاتَمِ النَّبِيِّينَأحْمَدَ  فانْتَسَخَهُ وقَرَأهُ وآمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ: ادْعُوا أحْمَدَ وأُمَّتَهُ فَيَدْعُونَهم فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ  وأُمَّتُهُ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أنِّي بَلَّغْتُ قَوْمِيَ الرِّسالَةَ واجْتَهَدْتُ لَهم بِالنَّصِيحَةِ وجَهَدْتُ أنْ أسْتَنْقِذَهم مِنَ النّارِ سِرًّا وجِهارًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا؟

فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ  وأُمَّتُهُ: ( فَإنّا ) نَشْهَدُ بِما أنْشَدْتَنا أنَّكَ في جَمِيعِ ما قُلْتَ مِنَ الصّادِقِينَ.

فَيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: وأنّى عَلِمْتَ هَذا أنْتَ وأُمَّتُكَ ونَحْنُ أوَّلُ الأُمَمِ وأنْتَ آخِرُ الأُمَمِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ  : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ  ﴾ حَتّى يَخْتِمَ السُّورَةَ، فَإذا خَتَمَها قالَتْ أُمَّتُهُ نَشْهَدُ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ.

فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ: امْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ»» .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا ﴾ هو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ زادَ الجَوالِيقِيُّ مُعَرَّبٌ والكِرْمانِيُّ مَعْناهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ السّاكِنُ وصُرِفَ لِعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلى الثَّلاثَةِ مَعَ سُكُونِ وسَطِهِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ أصْلًا.

وقَوْلُ الحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ إنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ نَوْحِهِ وبُكائِهِ عَلى نَفْسِهِ، واسْمُهُ عَبْدُ الغَفّارِ لا أظُنُّهُ يَصِحُّ وكَذا ما يُنْقَلُ في سَبَبِ بُكائِهِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى كَلْبًا أجْرَبَ قَذِرًا فَبَصَقَ عَلَيْهِ فَأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ أتَعِيبُنِي أمْ تَعِيبُ خالِقِي فَنَدِمَ وناحَ لِذَلِكَ.

والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ لَمْكٍ بِفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ المِيمِ بَعْدَها كافٌ ابْنِ مَتُّوشَلَخَ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ المَضْمُومَةِ بَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ والخاءِ المُعْجَمَةِ ابْنِ خَنُوخٍ بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وضَمِّ النُّونِ الخَفِيفَةِ وبَعْدَها واوٌ ساكِنَةٌ ثُمَّ خاءٌ مُعْجَمَةٌ وشاعَ أخَنُوخٍ بِهَمْزَةٍ أوَّلِهِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بْنُ يَرْدُ بِمُثَنّاةٍ مِن تَحْتُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ راءٍ ساكِنَةٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ مُهَلايِيلِ بْنِ قَيْنانِ بْنِ أنْوَشَ بِالنُّونِ والشِّينِ المُعْجَمَةِ ابْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وفِي المُسْتَدْرَكِ أنَّ أكْثَرَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ قَبْلَ إدْرِيسَ وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ عَشَرَةُ قُرُونٍ وفِيهِ أيْضًا مَرْفُوعًا «بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا لِأرْبَعِينَ سَنَةً فَلَبِثَ في قَوْمِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَدْعُوهم وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتّى كَثُرَ النّاسُ وفَشَوْا» .

وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَوْلِدَهُ كانَ بَعْدَ وفاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةٍ وسِتَّةٍ وعِشْرِينَ عامًا وفي التَّهْذِيبِ لِلنَّوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أطْوَلُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عُمْرًا وقِيلَ إنَّهُ أطْوَلُ النّاسِ مُطْلَقًا عُمْرًا فَقَدْ عاشَ عَلى ما قالَ شَدّادٌ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ وثَمانِينَ سَنَةً ولَمْ يُسْمَعْ عَنْ أحَدٍ أنَّهُ عاشَ كَذَلِكَ يَعْنِي بِالِاتِّفاقِ لِئَلّا يَرْدَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ يُجابُ بِغَيْرِ ذَلِكَ وهو عَلى ما قِيلَ أوَّلُ مَن شُرِعَتْ لَهُ الشَّرائِعُ وسُنَّتْ لَهُ السُّنَنُ وأوَّلُ رَسُولٍ أنْذَرَ عَلى الشِّرْكِ وأُهْلِكَتْ أُمَّتُهُ، والحَقُّ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ رَسُولًا قَبْلَهُ أُرْسِلَ إلى زَوْجَتِهِ حَوّاءَ ثُمَّ إلى بَنِيهِ وكانَ في شَرِيعَتِهِ وما نُسِخَ بِشَرِيعَةِ نُوحٍ في قَوْلٍ وفي آخَرَ لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَتِهِ إلّا الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ ويُقالُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْخُ المُرْسَلِينَ وآدَمُ الثّانِي وكانَ دَقِيقَ الوَجْهِ في رَأْسِهِ طُولٌ عَظِيمَ العَيْنَيْنِ غَلِيظَ العَضُدَيْنِ كَثِيرَ لَحْمِ الفَخِذَيْنِ ضَخْمَ السُّرَّةِ طَوِيلَ اللِّحْيَةِ والقامَةِ جَسِيمًا.

واخْتُلِفَ في مَكانِ قَبْرِهِ فَقِيلَ بِمَسْجِدِ الكُوفَةِ وقِيلَ بِالجَبَلِ الأحْمَرِ وقِيلَ بِذَيْلِ جَبَلِ لُبْنانَ بِمَدِينَةِ الكَرْكِ.

وفي إسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ العَظَمَةُ مَعَ تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إلى قَوْمِهِ ﴾ قِيلَ هم سُكّانُ جَزِيرَةِ العَرَبِ ومَن قَرُبَ مِنهم لا أهْلَ الأرْضِ كافَّةً لِاخْتِصاصِ نَبِيِّنا  بِعُمُومِ البِعْثَةِ مِن بَيْنِ المُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما كانَ لِنُوحٍ بَعْدَ قِصَّةِ الغَرَقِ عَلى القَوْلِ بِعُمُومِهِ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ واشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْكُنُ أرْضَ الكُوفَةِ وهُناكَ أُرْسِلَ ﴿ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ ﴾ أيْ أيْ أنْذِرْ قَوْمَكَ عَلى أنَّ ( أنْ ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ أوْ بِأنْ أنْذِرَهم أيْ بِإنْذارِهِمْ أوْ لِإنْذارِهِمْ عَلى أنَّ ( أنْ ) مَصْدَرِيَّةٌ وقَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ هو الباءُ أوِ اللّامُ وفي المَحَلِّ بَعْدَ الحَذْفِ مِنَ الجَرِّ والنَّصْبِ قَوْلانِ مَشْهُورانِ.

ونَصَّ أبُو حَيّانٍ عَلى جَوازِ هَذا الوَجْهِ في بَحْرِهِ هُنا ومَنعِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ.

وحَكى المَنعَ عَنْهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي وقالَ: زَعَمَ أبُو حَيّانٍ أنَّها لا تُوصَلُ بِالأمْرِ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ سُمِعَ مِن ذَلِكَ فَأنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ واسْتَدَلَّ بِدَلِيلَيْنِ أحَدُهُما أنَّهُما إذا قُدِّرا بِالمَصْدَرِ فاتَ مَعْنى الأمْرِ الثّانِي أنَّهُما لَمْ يَقَعا فاعِلًا ولا مَفْعُولًا لا يَصِحُّ أعْجَبَنِي أنْ قُمْ ولا كَرِهْتُ أنْ قُمْ كَما يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ الماضِي والمُضارِعِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ في المَوْصُولَةِ بِالمُضارِعِ والماضِي عِنْدَ التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ ثُمَّ إنَّهُ يُسَلِّمُ مَصْدَرِيَّةَ المُخَفَّفَةِ مَعَ لُزُومِ نَحْوِ ذَلِكَ فِيها في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها  ﴾ إذْ لا يُفْهَمُ الدُّعاءُ مِنَ المَصْدَرِ إلّا إذا كانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ سَقْيًا ورَعْيًا.

.

وعَنِ الثّانِي أنَّهُ إنَّما مَنَعَ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِتَعْلِيقِ الإعْجابِ والكَراهِيَةِ بِالإنْشاءِ لا لِما ذَكَرَهُ ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أنْ لا يُسَلِّمَ مَصْدَرِيَّةَ كَيْ لِأنَّها لا تَقَعُ فاعِلًا ولا مَفْعُولًا وإنَّما تَقَعُ مَخْفُوضَةً بِلامِ التَّعْلِيلِ، ثُمَّ مِمّا يَقْطَعُ بِهِ عَلى قَوْلِهِ بِالبُطْلانِ حِكايَةُ سِيبَوَيْهِ كَتَبْتُ إلَيْهِ بِأنْ قُمْ واحْتِمالُ زِيادَةِ الباءِ كَما يَقُولُ وهْمٌ فاحِشٌ لِأنَّ حُرُوفَ الجَرِّ مُطْلَقًا لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الِاسْمِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ انْتَهى.

.

وأجابَ بَعْضُهم عَنِ الأوَّلِ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ التَّقْدِيرِ يُقَدَّرُ الأمْرُ فَيُقالُ فِيما نَحْنُ فِيهِ مَثَلًا ﴿ إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمْ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ فِعْلُ يَكُونُ الأمْرُ مَصْدَرَهُ كَأمْرِنا أوْ نَأْمُرُ ثُمَّ إنَّهُ يَكُونُ المَعْنى في نَحْوِ أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ.

وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى جَوابِ ذَلِكَ هو أنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقْ لَفْظُ الأمْرِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن نَحْوِ رَسَمْتُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ لِئَلّا يَبْطُلَ الطَّلَبُ فَيُقالُ هُنا: أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ أنْذِرْ أيْ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ وإذا سَبَقَهُ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ لِأنَّ مَآلَ العِباراتِ أعْنِي أمَرْتُهُ بِالقِيامِ وأمَرْتُهُ بِأنَّهُ قُمْ وأنْ قُمْ بِدُونِ الباءِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ إلى واحِدٍ وفي الكَشْفِ لَوْ قِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ وأرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ مِن دُونِ إضْمارِ القَوْلِ لَأنَّ الأمْرِيَّةَ لَيْسَتْ مَدْلُولَ جَوْهَرِ الكَلِمَةِ بَلْ مِن مُتَعَلِّقِ الأداةِ فَيُقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ تَبَعًا وفي أمْرِ المُخاطَبِ اكْتَفى بِالصِّيغَةِ تَحْقِيقًا لَكانَ حَسَنًا وهَذا كَما أنَّ التَّقْدِيرَ في أنْ لا يَزْنِي خَيْرٌ لَهُ عَدَمُ الزِّنا فَيُقَدَّرُ النَّفْيُ بِالمَصْدَرِ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ.

وأمّا إذا صَرَّحَ بِالأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِلطَّلَبِ أيْضًا هَذا ولَوْ قَدَّرَ أمَرْتُهُ بِالأمْرِ بِالقِيامِ أيْ بِأنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ بِهِ مُبالَغَةً في الطَّلَبِ لَمْ يَبْعُدْ عَنِ الصَّوابِ ولِما فُهِمَ مِنهُ ما فُهِمْ مِنَ الأوَّلِ وأبْلَغُ =اسْتَعْمَلَ اسْتِعْمالَهُ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ الأصْلِ وأوْعى بَعْضُهم أنَّ تَقْدِيرَ القَوْلِ هُنا لَيْسَ لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى الطَّلَبِ بَلْ لِأنَّ الباءَ المَحْذُوفَةَ لِلْمُلابَسَةِ وإرْسالُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُلْتَبِسًا بِإنْذارِهِ لِتَأخُّرِهِ عَنْهُ وإنَّما هو مُلْتَبِسٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أنْذِرْ ﴾ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى لِطَلَبِ الإنْذارِ قِيلَ: المَعْنى أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، وكانَ هَذا القائِلُ لا يُبالِي بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ المُتَقَدِّمُ آنِفًا.

.

وبَحَثَ الخَفاجِيُّ فِيما ذَكَرُوهُ مِنَ الفَواتِ فَقالَ: كَيْفَ يَفُوتُ مَعْنى الطَّلَبِ وهو مَذْكُورٌ صَرِيحًا في ﴿ أنْذِرْ ﴾ ونَحْوِهِ، وتَأْوِيلُهُ بِالمَصْدَرِ المَسْبُوكِ تَأْوِيلٌ لا يُنافِيهِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ أخَذُوهُ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَكَيْفَ يُبْطِلُ صَرِيحَ مَنطُوقِهِ فَما ذَكَرُوهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ وإنِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فاعْرِفْهُ انْتَهى.

وأقُولُ: لَعَلَّهم أرادُوا بِفَواتِ مَعْنى الطَّلَبِ فَواتَهُ عِنْدَ ذِكْرِ المَصْدَرِ الحاصِلِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إذا ذُكِرَ بِالفِعْلِ لا يَتَحَقَّقُ مَعْنى الطَّلَبِ ولا يَتَحَدُّ الكَلامانِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ يَفُوتُ مُطْلَقًا كَيْفَ وتَحَقُّقُهُ في المَنطُوقِ الصَّرِيحِ كَنارٍ عَلى عِلْمٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا مَنعُهم بُطْلانَ اللّازِمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ هِشامٍ أنَّ فَواتَ مَعْنى الأمْرِيَّةِ عِنْدَ التَّقْدِيرِ بِالمَصْدَرِ كَفَواتِ المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ إلَخِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الفَواتَ باطِلٌ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَفَواتِ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ وفَواتِ مَعْنى الدُّعاءِ في نَحْوِ أنَّ غَضَبَ [النُّورِ: 9] وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِباطِلٍ لِأنَّهُ فَواتٌ عِنْدَ الذِّكْرِ بِالفِعْلِ ولَيْسَ بِلازِمٍ، ولَيْسَ بِفَواتٍ مُطْلَقًا لِظُهُورِ أنَّ المَنطُوقَ الصَّرِيحَ مُتَكَفِّلٌ بِهِ فَتَدَبَّرْ.

.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ «أنْذِرْ» بِغَيْرِ أنْ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ قائِلِينَ أنْذِرْ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ عاجِلٌ وهو ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ كَما قالَ الكَلْبِيُّ أوْ آجِلٌ وهو عَذابُ النّارِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

والمُرادُ أنْذِرْهم مِن قَبْلِ ذَلِكَ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ ٢ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَما فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ هَذا الإرْسالِ فَقِيلَ قالَ لَهم ﴿ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ مُنْذِرٌ مُوَضِّحٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ واللّامُ في ( لَكم ) لِلتَّقْوِيَةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِأجْلِ نَفْعِكم مِن غَيْرِ أنْ أسْألَكم أجْرًا وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَذِيرٍ عَلى مَصْدَرِيَّةِ ( أنِ ) وتَفْسِيرِيَّتِها ومَرَّ نَظِيرُهُ في الشُّعَراءِ.

<div class="verse-tafsir"

يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٤

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ واخْتُلِفَ في ( مِن ) فَقِيلَ ابْتِدائِيَّةٌ وإنْ لَمْ تَصْلُحْ هُنا لِمُقارَنَةِ إلى وابْتِداءُ الفِعْلِ مِن جانِبِهِ تَعالى عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْتَدِئُهم بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ إحْسانًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَفَضُّلًا، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن جانِبِهِمْ عَلى مَعْنى أوَّلُ ما يَحْصُلُ لَهم بِسَبَبِ إيمانِهِمْ مَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ وقِيلَ بَيانِيَّةٌ ورُجُوعُها إلى مَعْنى الِابْتِدائِيَّةِ اسْتَبْعَدَهُ الرَّضِيُّ ويُقَدَّرُ قَبْلَها مُبْهَمٌ يُفَسَّرُ بِمَدْخُولِها أيْ يَغْفِرْ لَكم أفْعالَكم الَّتِي هي الذُّنُوبُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ المُجَوِّزِ لِزِيادَتِها مُطْلَقًا وجَزَمَ بِذَلِكَ هُنا وقِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ أيْ يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم واخْتارَهُ بَعْضٌ.

واخْتُلِفَ في البَعْضِ المَغْفُورِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى فَقَطِ السّابِقَةُ عَلى الإيمانِ وآخَرُونَ إلى أنَّهُ ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ الإيمانِ مُطْلَقًا الظّاهِرُ ما ورَدَ مِن أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في الفَوائِدِ المُنْتَشِرَةِ وأجابَ عَنْهُ فَقالَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي لا يَرى كالأخْفَشِ زِيادَتَها في المُوجَبِ بَلْ يَقُولُ إنَّها لِلتَّبْعِيضِ مَعَ أنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ والجَوابُ أنَّ إضافَةَ الذُّنُوبِ إلَيْهِمْ إنَّما تُصَدَّقُ حَقِيقَةً فِيما وقَعَ إذْ ما لَمْ يَقَعْ لا يَكُونُ ذَنْبًا لَهم وإضافَةُ ما لَمْ يَقَعْ عَلى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ كَما في ﴿ واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ  ﴾ إذا المُرادُ بِها الأيْمانُ المُسْتَقْبِلَةُ وإذا كانَتِ الإضافَةُ تارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وتارَةً تَكُونُ مَجازًا، فَسِيبَوَيْهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فِيها وهو جائِزٌ.

يَعْنِي عِنْدَ أصْحابِهِ الشّافِعِيَّةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن بَعْضِ ذُنُوبِكم البَعْضَ الَّذِي وقَعَ انْتَهى ولا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الجَمْعِ مِن خَصِّ الذُّنُوبِ المَغْفُورَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهاهُنا بَحْثٌ وهو أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّبْعِيضِ يَأْباهُ ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ و ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ ) [الزُّمَرِ: 53] وقَدْ نَصَّ البَعْلِيُّ في شَرْحِ الجُمَلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي دَعا الأخْفَشَ لِلْجَزْمِ بِالزِّيادَةِ هُنا وجَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ حُجَّةً لَهُ ورَدَّهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِأنَّ المُوجِبَةَ الجُزْئِيَّةَ مِن لَوازِمِ المُوجِبَةِ الكُلِّيَّةِ ولا تَناقُضَ بَيْنَ اللّازِمِ والمَلْزُومِ ومَبْناهُ الغَفْلَةُ عَنْ كَوْنِ مَدْلُولٍ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ عَنِ الكُلِّيَّةِ المُنافِيَةِ لَها لا الشّامِلَةِ لِما في ضِمْنِها المُجْتَمِعَةِ مَعَها وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ مِنِ البَيانِيَّةِ مِن جِهَةِ الحُكْمِ ولَما تَيَسَّرَ تَمْشِيَةُ الخِلافِ بَيْنَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ فِيما إذا قالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ بِناءً عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَهُ ولِلْبَيانِ عِنْدَهُما قالَ في الهِدايَةِ وإنْ قالَ لَها طَلِّقِي نَفْسَكِ مِن ثَلاثٍ ما شِئْتِ فَلَها أنْ تُطَلِّقَ نَفْسَها واحِدَةً وثِنْتَيْنِ ولا تُطَلِّقُ ثَلاثًا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وقالا تُطَلِّقُ ثَلاثًا إنْ شاءَتْ لِأنَّ كَلِمَةَ ما مُحْكَمَةٌ في التَّعْمِيمِ وكَلِمَةُ مِن قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّمْيِيزِ فَتَحْمِلُ عَلى تَمْيِيزِ الجِنْسِ ولِأبِي حَنِيفَةَ أنَّ كَلِمَةَ مِن حَقِيقَةٌ في التَّبْعِيضِ وما لِلتَّعْمِيمِ فَيُعْمَلُ بِهِما انْتَهى.

ولا خَفاءَ في أنَّ بِناءَ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلى كَوْنِ مِن لِلتَّبْعِيضِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ مَدْلُولُها حِينَئِذٍ البَعْضِيَّةَ المُجَرَّدَةَ المُنافِيَةَ لِلْكُلِّيَّةِ ومِن هُنا تُعْجِبُ مِن صاحِبِ التَّوْضِيحِ في تَقْرِيرِ الخِلافِ المَذْكُورِ حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلى أوْلَوِيَّةِ التَّبْعِيضِ بِتَيَقُّنِهِ ولَمْ يَدْرِ أنَّ البَعْضَ المُرادَ قَطْعًا عَلى تَقْدِيرِ البَيانِ البَعْضُ العامُّ الشّامِلُ لِما في ضِمْنِ الكُلِّ لا البَعْضُ المُجَرَّدُ المُرادُ هاهُنا.

فَبِالتَّعْلِيلِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ بَلْ لا انْطِباقَ بَيْنَ التَّعْلِيلِ والمُعَلِّلِ عَلى ما قِيلَ.

وصَوَّبَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ حَيْثُ قالَ: عَلَّقَهُ عَلى التَّلْوِيحِ مُسْتَدِلًّا عَلى أنَّ البَعْضِيَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ المُنافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ لا البَعْضِيَّةُ الَّتِي هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في ضِمْنِ الكُلِّ أوْ بِدُونِهِ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ احْتاجُوا إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ فَقالُوا لا يَبْعُدُ أنْ يَغْفِرَ سُبْحانَهُ الذُّنُوبَ لِقَوْمٍ وبَعْضَها لِآخَرِينَ أوْ خِطابُ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابُ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى أنَّ التَّبْعِيضَ لا يُنافِي الكُلِّيَّةَ ولَمْ يُصَوِّبِ الشَّرِيفُ في رَدِّهِ عَلَيْهِ قائِلًا وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الرَّضِيُّ صَرَّحَ بِعَدَمِ المُنافاةِ بَيْنَهُما حَيْثُ قالَ: ولَوْ كانَ أيْضًا خِطابًا لِأُمَّةٍ واحِدَةٍ فَغُفْرانُ بَعْضِ الذُّنُوبِ لا يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها بَلْ عَدَمُ غُفْرانِ بَعْضِها يُناقِضُ غُفْرانَ كُلِّها لِأنَّ قَوْلَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُرْتَضًى لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَدْلُولَ التَّبْعِيضِيَّةِ البَعْضِيَّةُ المُجَرَّدَةُ.

.

واعْتَرَضَ قَوْلَ النُّحاةِ أوْ خِطابَ البَعْضِ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وخِطابَ الكُلِّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَغْفِرَةِ البَعْضِ ورَدَ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ [إبْراهِيمَ: 10] ﴿ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ومِنها في سُورَةِ [الأحْقافِ: 31] يا ﴿ قَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ومِنها ما هُنا وهو الَّذِي ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما ذَكَرَ في الأحْقافِ فَقَدْ ورَدَ في الجِنِّ، وما ورَدَ في إبْراهِيمَ فَقَدْ ورَدَ في قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ عَلى ما أفْصَحَ بِهِ السِّياقُ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ.

وقِيلَ جِيءَ بِمَن في خِطابِ الكَفَرَةِ دُونَ المُؤْمِنِينَ في جَمِيعِ القُرْآنِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الخِطابَيْنِ.

وُوجِهَ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ الكُفّارِ مُرَتَبَةٌ عَلى الإيمانِ وحَيْثُ جاءَتْ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ مَشْفُوعَةٌ بِالطّاعَةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي ونَحْوُ ذَلِكَ، فَيَتَناوَلُ الخُرُوجَ عَنِ المَظالِمِ واعْتَرَضَ بِأنَّ التَّفْرِقَةَ المَذْكُورَةَ إنَّما تَتِمُّ لَوْ لَمْ يَجِئِ الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ عَلى العُمُومِ وقَدْ جاءَ كَذَلِكَ كَما في سُورَةِ [الأنْفالِ: 38] ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ وقَدْ أسْلَفْنا ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ أيْضًا فَتَذْكَّرْ وتَأمَّلْ ﴿ ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ هو الأمَدُ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ وراءَ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَإنَّ وصْفَ الأجَلِ بِالمُسَمّى وتَعْلِيقَ تَأْخِيرِهِمْ إلَيْهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ صَرِيحٌ في أنَّ لَهم أجَلًا آخَرَ لا يُجاوِزُونَهُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ أجَلَ اللَّهِ ﴾ أيْ ما قَدَّرَهُ عَزَّ وجَلَّ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿ إذا جاءَ ﴾ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ ﴿ لا يُؤَخَّرُ ﴾ فَبادَرُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَتّى لا يَتَحَقَّقَ شَرْطُهُ الَّذِي هو بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ فَلا يَجِيءُ ويَتَحَقَّقُ شَرْطُ التَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَتُؤَخَّرُوا إلَيْهِ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ إتْيانِ العَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فَإنَّهُ أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لَهُ حَتْمًا وأيًّا ما كانَ لا تَناقُضَ بَيْنَ يُؤَخِّرْكم وإنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ كَما يُتَوَهَّمُ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّ الأجَلَ أجَلانِ وأجَلُ اللَّهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْهُودِ والمُرادُ مِنهُ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ، والجُمْلَةُ عِنْدَهُ تَعْلِيلٌ لِما فُهِمَ مِن تَعْلِيقِهِ سُبْحانَهُ التَّأْخِيرَ بِالأجَلِ المُسَمّى وهو عَدَمُ تَجاوُزِ التَّأْخِيرِ عَنْهُ، والأوَّلُ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْمَغْفِرَةِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ هو التَّأْخِيرَ المَوْعُودَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ ما فُرِضَ مَجِيئُهُ هو الأجَلَ المُسَمّى الَّذِي هو آخِرُ الآجالِ ﴿ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَسارَعْتُمْ لِما آمُرُكم بِهِ لَكِنَّكم لَسْتُمْ مِن أهْلِهِ في شَيْءٍ فَلِذا لَمْ تُسارِعُوا.

فَجَوابُ ( لَوْ ) مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأوَّلِ الكَلامِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ أيْ عَدَمَ تَأْخِيرِ الأجَلِ إذا جاءَ وقْتُهُ المُقَدَّرُ لَهُ، والفِعْلُ في الوَجْهَيْنِ مُنَزَلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ورَجَّحَ الأوَّلَ بِعَدَمِ احْتِياجِهِ لِلتَّقْدِيرِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ المَفْهُومِ مِن ( لَوْ ) وجَعْلُ العِلْمِ المَنفِيِّ هو العِلْمَ النَّظَرِيَّ لا الضَّرُورِيَّ ولا ما يَعُمُّهُ فَإنَّهُ مِمّا لا يَنْفِي اللَّهُمَّ إلّا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ رَبِّ إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًۭا وَنَهَارًۭا ٥

﴿ قالَ ﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وحاكِيًا لَهُ سُبْحانَهُ بِقَصْدِ الشَّكْوى وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِحالِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ القِيلِ والقالِ في تِلْكَ المُدَدِ الأطْوالِ بَعْدَ ما بَذَلَ في الدَّعْوَةِ غايَةَ المَجْهُودِ وجازَ في الإنْذارِ كُلُّ حَدٍّ مَعْهُودٍ وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِ العِلَلُ ﴿ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي ﴾ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ لَيْلا ونَهارًا ﴾ أيْ دائِمًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآءِىٓ إِلَّا فِرَارًۭا ٦

﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ مِمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ عَلى حَدِّ الإسْنادِ في سَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ ( وفِرارًا ) قِيلَ تَمْيِيزٌ وقِيلَ مَفْعُولٌ ثانٍ بِناءً عَلى تَعَدِّي الزِّيادَةِ والنَّقْصِ إلى مَفْعُولَيْنِ وقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وإنْ ذَكَرَهُ بَعْضُهم وفي الآيَةِ مُبالَغاتٌ بَلِيغَةٌ وكانَ الأصْلُ فَلَمْ يُجِيبُونِي ونَحْوَهُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِزِيادَةِ الفِرارِ المُسْنَدَةِ لِلدُّعاءِ وأُوقِعَتْ عَلَيْهِمْ مَعَ الإتْيانِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًۭا ٧

﴿ وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ ﴾ أيْ إلى الإيمانِ فَمُتَعَلِّقُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ وجَوَّزَ جَعْلَهُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها ولَيْسَ ذَلِكَ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ كَما تَوَهَّمَ حَتّى يُقالَ إنَّ الواوَ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ ﴿ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ أيْ بِسَبَبِ الإيمانِ ﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ أيْ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ اسْتِماعِ الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ ولا مَنعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وفي نِسْبَةِ الجَعْلِ إلى الأصابِعِ وهو مَنسُوبٌ إلى بَعْضِها وإيثارِ الجَعْلِ عَلى الإدْخالِ ما لا يَخْفى ﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ أيْ بالَغُوا في التَّغَطِّي بِها كَأنَّهم طَلَبُوا مِن ثِيابِهِمْ أنْ تَغْشاهم لِئَلّا يَرَوْهُ كَراهَةَ النَّظَرِ إلَيْهِ مِن فَرْطِ كَراهَةِ الدَّعْوَةِ فَفي التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وكَذا في تَعْمِيمِ آلَةِ الإبْصارِ وغَيْرِها مِنَ البَدَنِ بِالسَّتْرِ مُبالَغَةٌ في إظْهارِ الكَراهَةِ، فَفي الآيَةِ مُبالَغَةٌ بِحَسْبِ الكَيْفِ والكُمِّ.

وقِيلَ: بالَغُوا في ذَلِكَ لِئَلّا يَعْرِفَهم عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَدْعُوهم وفِيهِ ضَعْفٌ فَإنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ إنَّهُ يَأْباهُ تَرَتُّبُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿ كُلَّما دَعَوْتُهُمْ ﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُجْعَلَ مَجازًا عَنْ إرادَةِ الدَّعْوَةِ وهو تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ وتَخْرِيبٌ لِلنَّظْمِ ﴿ وأصَرُّوا ﴾ أيْ أكَبُّوا عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي وانْهَمَكُوا وجَدُّوا فِيها مُسْتَعارٌ مِن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ إذا صَرَّ أُذُنَيْهِ أيْ رَفَعَهُما ونَصَبَهُما مُسْتَوَيَيْنِ وأقْبَلَ عَلَيْها يَكْدُمُها ويَطْرُدُها وفي ذَلِكَ غايَةُ الذَّمِّ لَهم.

.

وعَنْ جارِ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في ارْتِكابِ المَعاصِي إلّا التَّشْبِيهُ بِالحِمارِ لَكَفى بِهِ مَجْزَرَةً كَيْفَ والتَّشْبِيهُ في أسْوَأِ أحْوالِهِ وهو حالُ الكَدْمِ والسِّفادِ وما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ قِيلَ في أصْلِ اللُّغَةِ وقَدْ صارَ الإصْرارُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في اللّازِمَةِ والِانْهِماكِ في الأمْرِ.

وقالَ الرّاغِبُ: الإصْرارُ التَّعَقُّدُ في الذَّنْبِ والتَّشْدِيدُ فِيهِ والِامْتِناعُ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ وأصْلُهُ مِنَ الصَّرِّ أيِ الشَّدِّ ولَعَلَّهُ لا يَأْبى ما تَقَدَّمَ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ الأوَّلَ الشَّدُّ والأصْلَ الثّانِيَ ما سَمِعْتَ أوَّلًا ﴿ واسْتَكْبَرُوا ﴾ مِنَ اتِّباعِي وطاعَتِي ﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ عَظِيمًا وقِيلَ نَوْعًا مِنَ الِاسْتِكْبارِ غَيْرَ مَعْهُودٍ والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ الكِبْرِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًۭا ٨ ثُمَّ إِنِّىٓ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًۭا ٩

﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ ﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ أيْ دَعْوَتُهم مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً غِبَّ كَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ وهو تَعْمِيمٌ لِوُجُوهِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَعْمِيمِ الأوْقاتِ وقَوْلُهُ ﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ يُشْعِرُ بِمَسْبُوقِيَّةِ الجَهْرِ بِالسِّرِّ وهو الألْيَقُ بِمَن هَمُّهُ الإجابَةُ لِأنَّهُ أقْرَبَ إلَيْها لِما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ بِالمَدْعُوِّ فَتَمَّ لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ وإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ والجَمْعَ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ لَيْسَ في النَّظْمِ الجَلِيلِ ما يَقْتَضِي أنَّ الدَّعْوَةَ الأُولى كانَتْ سِرًّا فَقَطْ فَكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِنَ المُقابَلَةِ ومِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ ( لَيْلًا ) وذَكَّرَهم بِعُنْوانِ قَوْمِهِ وقَوْلِهِ ( فِرارًا ) فَإنَّ القُرْبَ مُلائِمٌ لَهُ.

وجَوَّزَ كَوْنَ ( ثُمَّ ) عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو التَّراخِي الزَّمانِيُّ لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ كُلٍّ مِنَ الإسْرارِ والجِهارِ ومُنْتَهاهُ، وبِاعْتِبارِ مُنْتَهى الجَمْعِ بَيْنَهُما لِئَلّا يُنافِيَ عُمُومَ الأوْقاتِ السّابِقَ، ويَحْسُنُ اعْتِبارُ ذَلِكَ وإنِ اعْتَبَرَ عُمُومَها عُرْفِيًّا كَما في لا يَضَعُ العَصا عَنْ عاتِقِهِ ( وجِهارًا ) مَنصُوبٌ بِدَعْوَتِهِمْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ كَما نُصِبَ القُرْفُصاءُ في قَعَدْتُ القُرْفُصاءَ عَلَيْها لِأنَّها أحَدُ أنْواعِ القُعُودِ أوْ أُرِيدَ بِدَعْوَتِهِمْ جاهَرْتُهم أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ دَعْوَتُهم دُعاءً جِهارًا أيْ مُجاهَرًا بِفَتْحِ الهاءِ بِهِ أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ مُجاهِرًا بِزِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ.

<div class="verse-tafsir"

فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا ١٠ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا ١١

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا ( يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ) [النِّساءِ 48، 116] وقالَ رَبُّكم تَحْرِيكًا لِداعِي الِاسْتِغْفارِ ﴿ إنَّهُ كانَ غَفّارًا ﴾ دائِمَ المَغْفِرَةِ كَثِيرَها لِلتّائِبِينَ كَأنَّهم تَعَلَّلُوا وقالُوا إنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ نَتْرُكُهُ وإنْ كُنّا عَلى الباطِلِ فَكَيْفَ يَقْبَلُنا، ويَلْطُفُ بِنا جَلَّ وعَلا بَعْدَ ما عَكَفْنا عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا فَأمَرَهم بِما يَمْحَقُ ما سَلَفَ مِنهم مَنِ المَعاصِي ويَجْلِبُ إلَيْهِمُ المَنافِعَ ولِذَلِكَ وعَدَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ بِأُمُورٍ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ وأوْقَعُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الأُخْرَوِيَّةِ أعْنِي ما تَضَمَّنَهُ ﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ ﴾ إلَخِ وأجَبْتُهم لِذَلِكَ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

والنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ العاجِلِ قالَ قَتادَةُ: كانُوا أهْلَ حُبٍّ لِلدُّنْيا فاسْتَدْعاهم إلى الآخِرَةِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يُحِبُّونَها وقِيلَ لَمّا كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً وقِيلَ سَبْعِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم أنَّهم إنْ آمَنُوا يَرْزُقُهُمُ اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ ويَدْفَعُ عَنْهم ما هم فِيهِ وهو قَوْلُهُ ﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ أيْ كَثِيرَ الدَّرِّ ورَأى السَّيَلانَ والسَّماءَ السَّحابَ أوِ المَطَرَ ومِن إطْلاقِها عَلى المَطَرِ وكَذا عَلى النَّباتِ أيْضًا قَوْلُهُ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها المِظَلَّةُ عَلى ما سَمِعْتَ غَيْرَ مَرَّةً وهي تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ ولا يَأْبى تَأْنِيثُها وصْفَها بِمِدْرارٍ إلّا أنَّ صِيَغَ المُبالَغَةِ كُلَّها كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ يَشْتَرِكُ فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

وفي البَحْرِ أنَّ مِفْعالًا لا تَلْحَقُهُ التّاءُ إلّا نادِرًا.

<div class="verse-tafsir"

وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًۭا ١٢

﴿ ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ﴾ أيْ بَساتِينَ ﴿ ويَجْعَلْ لَكُمْ ﴾ فِيها أوْ مُطْلَقًا ﴿ أنْهارًا ﴾ جارِيَةً وأعادَ فِعْلَ الجَعْلِ دُونَ أنْ يَقُولَ يَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ وأنْهارًا لِتَغايُرِهِما فَإنَّ الأوَّلَ مِمّا لِفِعْلِهِمْ مَدْخَلٌ بِخِلافِ الثّانِي ولِذا قالَ( يُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ) ولَمْ يُعِدِ العامِلَ كَذا قِيلَ وهو كَما تَرى.

ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّ الإعادَةَ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ الأنْهارِ لِما أنَّ لَها مَدْخَلًا عادِيًّا أكْثَرِيًّا في وُجُودِ الجَنّاتِ وفي بَقائِها مَعَ مَنافِعَ أُخَرَ لا تَخْفى، ورِعايَةً لِمَدْخَلِيَّتِها في بَقائِها الَّذِي هو أهَمُّ مِن أصْلِ وُجُودِها مَعَ قُوَّةِ هَذِهِ المَدْخَلِيَّةِ أُخِّرَتْ عَنْها وإنَّ تَرْكَ إعادَةِ العامِلِ مَعَ البَنِينَ لِأنَّهُ الأصْلُ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الإمْدادُ أكْثَرَ ما جاءَ في المَحْبُوبِ ولا تُكْمَلُ مَحْبُوبِيَّةُ كُلٍّ مِنَ الأمْوالِ والبَنِينَ بِدُونِ الآخَرِ تَرَكَ إعادَةَ العامِلِ بَيْنَهُما لِلْإشارَةِ إلى أنَّ التَّفْضِيلَ بِكُلٍّ غَيْرُ مُنَغِّصٍ بِفَقْدِ الآخَرِ.

.

وتَأْخِيرُ البَنِينَ قِيلَ لِأنَّ بَقاءَ الأمْوالِ غالِبًا بِهِمْ لا سِيَّما عِنْدَ أهْلِ البادِيَةِ مَعَ رَمْزٍ إلى أنَّ الأمْوالَ تَصِلُ إلَيْهِمْ آخِرَ الأمْرِ وهو مِمّا يَسُرُّ المُتَمَوِّلَ كَما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ.

وقالَ البِقاعِيُّ: المُرادُ بِالجَنّاتِ والأنْهارِ ما في الآخِرَةِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ أنَّ رَجُلًا أتى الحَسَنَ وشَكا إلَيْهِ الجَدْبَ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى وأتاهُ آخَرُ فَشَكا إلَيْهِ الفَقْرَ فَقالَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، وأتاهُ آخَرُ فَقالَ: ادْعُ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَنِي ابْنًا فَقالَ لَهُ اسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعالى، وأتاهُ آخَرُ فَشَكا إلَيْهِ جَفافَ بَساتِينِهِ فَقالَ لَهُ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعالى فَقُلْنا أتاكَ رِجالٌ يَشْكُونَ ألْوانًا ويَسْألُونَ أنْواعًا فَأمَرْتَهم كُلَّهم بِالِاسْتِغْفارِ فَقالَ: ما قُلْتُ مِن نَفْسِي شَيْئًا إنَّما اعْتَبَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حِكايَةً عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا ١٣

﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ إنْكارٌ لِأنَّ يَكُونَ لَهم سَبَبٌ ما في عَدَمِ رَجائِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ( وقارًا ) عَلى أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الخَوْفِ كَما أخْرَجَهُ الطَّسْتَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُجِيبًا بِهِ سُؤالَ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ مُنْشِدًا قَوْلَهُ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَواسِلُ أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وجَماعَةٌ، وعَبَّرَ بِهِ بِالرَّجاءِ التّابِعِ لِأدْنى الظَّنِّ مُبالَغَةً ولا تَرْجُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في ( لَكم ) عَلى أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لا إلَيْهِما مَعًا ( ولِلَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن ( وقارًا ) ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، والوَقارُ كَما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ الحِبْرِ بِمَعْنى العَظَمَةِ لِأنَّهُ عَلى ما نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الِانْتِصافِ ورَدَ في صِفاتِهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى ابْتِداءً أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى التُّؤَدَةِ لَكِنَّها غَيْرُ مُناسِبَةٍ لَهُ سُبْحانَهُ فَأُطْلِقَتْ بِاعْتِبارِ غايَتِها وما يَتَسَبَّبُ عَنْها مِنَ العَظَمَةِ في نَفْسِ الأمْرِ أوْ في نُفُوسِ النّاسِ أيْ أيُّ سَبَبٍ حَصَلَ لَكم حالَ كَوْنِكم غَيْرَ خائِفِينَ أوْ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً مُوجِبَةً لِتَعْظِيمِهِ سُبْحانَهُ بِالإيمانِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والطّاعَةِ لَهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ١٤

﴿ وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم عَلى حالٍ مُنافِيَةٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ وهو أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَكم مُدْرِجًا لَكم في حالاتِ عَناصِرَ ثُمَّ أغْذِيَةً ثُمَّ أخْلاطًا ثُمَّ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا ثُمَّ مُضَغًا ثُمَّ عِظامًا ولُحُومًا ثُمَّ خَلْقًا آخَرَ فَإنَّ التَّقْصِيرَ في تَوْقِيرِ مَن هَذا شَأْنُهُ في القُدْرَةِ القاهِرَةِ والإحْسانِ التّامِّ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ لا تَرْجُونَ ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ والأطْوارُ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ.

وأنْشَدُوا قَوْلَهُ: فَإنَّ أفّاقَ فَقَدْ طارَتْ عِمايَتُهُ والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ وحَمْلُها عَلى ما سَمِعْتَ مِنَ الأحْوالِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ ما يَقْتَضِيهِ وإنِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ وقِيلَ: المُرادُ بِها الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ بَعْدَ الوِلادَةِ إلى المَوْتِ مِنَ الصِّبا والشَّبابِ والكُهُولَةِ والشُّيُوخَةِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ وقِيلَ مِنَ الألْوانِ والهَيْئاتِ والأخْلاقِ والمِلَلِ المُخْتَلِفَةِ.

وقِيلَ مِنَ الصِّحَّةِ والسَّقَمِ وكَمالِ الأعْضاءِ ونُقْصانِها والغِنى والفَقْرِ ونَحْوِها هَذا وقِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ كَما هو الأصْلُ المَعْرُوفُ فِيهِ والوَقارُ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ وأُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ ولِلَّهِ بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ المُعَظَّمِ فَهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ إرادَتِي لِلَّهِ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ وقارًا لِلَّهِ ولَمْ يُعَلَّقْ بِالمَذْكُورِ بِناءً عَلى ما صَحَّحَ عَلى ما فِيهِ مِن أنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مُطْلَقًا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لَهُ عَلى ما في الكَشّافِ.

وفِيهِ أنَّ المَعْنى ما لَكم لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمُلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى إيّاكم في دارِ الثَّوابِ وحاصِلُهُ ما لَكم لا تَرْجُونَ أنْ تُوَقِّرُوا وتُعَظِّمُوا عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِمَنِ التَّوْقِيرُ أيْ مَنِ الَّذِي يُعَظِّمُنا ويَخْتَصُّ بِهِ إعْظامُهُ إيّانا فَقِيلَ لِلَّهِ وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَلى حالٍ إلَخِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِمُ اغْتِرارُهم كَأنَّهُ قِيلَ ما لَكم مُغْتَرِّينَ غَيْرَ راجِينَ.

وجَعَلَ الحَثَّ عَلى الرَّجاءِ كِنايَةً عَنِ الحَثِّ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِاقْتِضائِهِ انْعِقادَ الأسْبابِ بِخِلافِ الغُرُورِ وهي كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ إذْ لا واسِطَةَ ولَوْ جُعِلَتْ رَمْزِيَّةً لِخَفاءِ الفَرْقِ بَيْنَ الرَّجاءِ والغُرُورِ عَلى الأكْثَرِ لَكانَ وجْهًا قالَهُ في الكَشْفِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ عَدَمَ رَجاءِ الكَفَرَةِ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في دارِ الثَّوابِ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ مَعَ أنَّ في جَعْلِ الوَقارِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ مِنَ التَّعَسُّفِ وفي جَعْلِ لِلَّهِ بَيانًا لِلْمُوَقَّرِ ودَعْوى أنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ مِنَ التَّناقُضِ ما لا يَخْفى فَإنَّ كَوْنَهُ بَيانًا لِلْمُوَقَّرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهُ تَعالى والوَقارُ وصْفًا لِلْمُخاطَبِينَ، وكَوْنَهُ صِلَةً لِلْوَقارِ يُوجِبُ كَوْنَ التَّوْقِيرِ صادِرًا عَنْهم والوَقارِ وصْفًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ انْتَهى.

وأُجِيبُ عَنْ أمْرِ التَّناقُضِ بِأنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرْبٌ لِزَيْدٍ جازَ أنْ يَكُونَ زَيْدٌ فاعِلًا وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا وكَفى شاهِدا صِحَّةُ الإضافَتَيْنِ فَعِنْدَ التَّأخُّرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَقارُ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ صادِرًا مِنهُ تَعالى فَيَكُونُ الوَقارُ وصَفًا لِلْمُخاطَبِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ فَيَكُونُ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهم والوَقارُ وصَفًا لَهُ تَعالى.

غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ لِلَّهِ وامْتَنَعَ تَعَلُّقُهُ بِالمَصْدَرِ المُتَأخِّرِ صارَ بَيانًا وعَيَّنَتِ القَرِينَةُ إرادَةَ صُدُورِ التَّوْقِيرِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ وأيْنَ هَذا مِنَ التَّناقُضِ نَعَمْ يَبْقى الكَلامُ في القَرِينَةِ ولَعَلَّها السِّياقُ بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُقْبَلُوا ويَلْطُفَ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ إنْ هم تَرَكُوا باطِلَهم فَيَكُونُ هَذا مِن تَتِمَّةِ إزالَةِ الشُّبْهَةِ فِيما سَمِعْتَ مِن قَوْلِهِمْ كَيْفَ يَقْبَلُنا ويَلْطُفُ بِنا إلَخْ.

ويُعْلَمُ مِن هَذا الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِ إنَّ عَدَمَ رَجاءِ الكَفَرَةِ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ في حَيِّزِ الِاسْتِبْعادِ كَما لا يَخْفى وعَلَيْهِ وقِيلَ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وقَدْ خَلَقَكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ- ﴿ فِجاجًا ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَزالُ يُنْعِمُ عَلَيْكم مَعَ كُفْرِكم فَكَيْفَ لا يَلْطُفُ بِكم ويُوَقِّرُكم إذا آمَنتُمْ.

.

وتُفَسَّرُ الأطْوارُ بِما يَعْتَرِي الإنْسانَ في أسْنانِهِ مِنَ الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ كالصِّبا والشَّبابِ والكُهُولَةِ وغَيْرِها مِمّا يَكُونُ بَعْضُهُ في حالِ الكُفْرِ ويَصْلُحُ لِأنَّ يَمْتَنَّ بِهِ ويَلْتَزِمَ كَوْنَ الإعادَةِ في الأرْضِ مِنَ النِّعَمِ عِنْدَهم بِناءً عَلى أنَّ فِيها سَتْرُ فَظاعَةِ الأبْدانِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ بَعْدَ حُلُولِ المَوْتِ الضَّرُورِيِّ في هَذِهِ النَّشْأةِ والإنْصافُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ تَمَّ أمْ لَمْ يَتِمَّ أنَّ الوَجْهَ المَذْكُورَ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ عَنِ الظّاهِرِ بِمَراحِلَ وقِيلَ: المَعْنى ما لَكم لا تَخافُوا اللَّهَ تَعالى حُلْمًا وتَرَكَ مُعاجَلَةٍ بِالعِقابِ فَتُؤْمِنُوا فالرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ والوَقارُ بِمَعْنى الحُلْمِ حَقِيقَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أوِ اسْتِعارَةً لَهُ لِاشْتِراكِهِما في الثّانِي أوْ مَجازًا إذْ لا يَتَخَلَّفُ الحُلْمُ عَنِ الوَقارِ عادَةً وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُهُ بِالعاقِبَةِ حَيْثُ قالَ أيْ لا تَخافُونَ لِلَّهِ عاقِبَةً وهو مِنَ الكِنايَةِ حِينَئِذٍ أخْذًا مِنَ الوَقارِ بِمَعْنى الثَّباتِ وعَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّ المَعْنى ما لَكم لا تُبالُونَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً.

قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ ومُضَرَ يَقُولُونَ لَمْ أرْجُ أيْ لَمْ أُبالِ وأظْهَرُ المَعانِي ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَوْا۟ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ طِبَاقًۭا ١٥ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًۭا وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجًۭا ١٦

ولَمّا ذَكَرَ مِن آياتِ الأنْفُسَ ما ذَكَرَ أتْبَعَهُ بِشَيْءٍ مِن آياتِ الآفاقِ ولِبُعْدِ أحَدِ الأمْرَيْنِ عَنِ الآخَرِ رُتْبَةً لَمْ يَأْتِ بِالعَطْفِ بَلْ قَطَعَ فَقالَ ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ أيْ مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وتَفْسِيرُ التَّطابُقِ بِالتَّوافُقِ في الحُسْنِ والِاشْتِمالِ عَلى الحُكْمِ وجَوْدَةِ الصُّنْعِ ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ  ﴾ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ الَّذِي تَطابَقَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ ﴿ وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ مُنَوِّرًا لْوَجْهِ الأرْضِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وجَعَلَهُ فِيهِنَّ مَعَ أنَّهُ في إحْداهِنَّ وهي السَّماءُ الدُّنْيا كَما يُقالُ زَيْدٌ في بَغْدادَ وهو في بُقْعَةٍ مِنها، والمُرَجِّحُ لَهُ الإيجازُ والمُلابَسَةُ بِالكُلَّيَةِ والجُزْئِيَّةِ وكَوْنُها طِباقًا شَفّافَةً ﴿ وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يُزِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويُبْصِرُ أهْلُ الدُّنْيا في ضَوْئِها وجْهَ الأرْضِ ويُشاهِدُونَ الآفاقَ كَما يُبْصِرُ أهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يَحْتاجُونَ إلى إبْصارِهِ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ.

.

وفِي الكَلامِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ولِكَوْنِ السِّراجِ أعْرَفَ وأقْرَبَ جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ ولِاعْتِبارِ التَّعَدِّي إلى الغَيْرِ في مَفْهُومِهِ بِخِلافِ النُّورِ كانَ أبْلَغَ مِنهُ ولَعَلَّ في تَشْبِيهِها بِالسِّراجِ القائِمِ ضِياءُهُ لا بِطْرِيقِ الِانْعِكاسِ رَمْزًا إلى أنَّ ضِياءَها لَيْسَ مُنْعَكِسًا إلَيْها مِن كَوْكَبٍ آخَرَ كَما أنَّ نُورَ القَمَرِ مُنْعَكِسٌ عَلَيْهِ مِنَ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وجَزَمَ أهْلُ الهَيْئَةِ القَدِيمَةِ بِذَلِكَ وفي رِوايَةٍ أظُنُّها تَصِحُّ أنَّ ضِياءَ الشَّمْسِ مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ العَرْشِ، وأظُنُّ أنَّ مَن يَقُولُ إنَّها تَدُورُ عَلى كَوْكَبٍ آخَرَ مِن أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ يَقُولُ بِاسْتِفادَتِها النُّورَ مِن غَيْرِها.

.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ فَقِيلَ هي في السَّماءِ الدُّنْيا في فَلَكٍ في ثِخْنِها، وقِيلَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ وهو المَشْهُورُ عِنْدَ مُتَقَدِّمِي أهْلِ الهَيْئَةِ واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ وفي البَحْرِ حِكايَةُ قَوْلِ إنَّها في الخامِسَةِ ولا يَكادُ يَصِحُّ ومِمّا يُضْحِكُ الصِّبْيانَ فَضْلًا عَنْ فُحُولِ ذَوِي العِرْفانِ ما حُكِيَ فِيهِ أيْضًا أنَّها في الشِّتاءِ في الرّابِعَةِ وفي الصَّيْفِ في السّابِعَةِ وذَهَبَ مُتَأخِّرُو أهْلِ الهَيْئَةِ إلى أنَّها مَرْكَزٌ لِلسَّيّاراتِ وعَدُّوا الأرْضَ مِنها ولَمْ يَعُدُّوا القَمَرَ لِدَوَرانِهِ عَلى الأرْضِ وهو بَيْنَها وبَيْنَ الشَّمْسِ عِنْدَهم وسَنَعْمَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى رِسالَةً في تَحْقِيقِ الحَقِّ والحَقُّ عِنْدَ ذَوِيِهِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ نَبَاتًۭا ١٧

﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ أيْ أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِهِ مَحْسُوسًا وقَدْ تَكَرَّرَ إحْساسُهُ وهم وإنْ لَمْ يُنْكِرُوا الحُدُوثَ جَعَلُوا بِإنْكارِ البَعْثِ كَمَن أنْكَرَهُ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ( ومِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى المَبْدَأِ البَعِيدِ ( ونَباتًا ) قالَ أبُو حَيّانٍ وجَماعَةٌ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنْبَتَكم بِحَذْفِ الزَّوائِدِ والأصْلُ إنْباتًا أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلِ أنْ فَنَبَتُّمْ نَباتًا وفي الكَشْفِ أنَّ الإنْباتَ والنَّباتَ مِنَ الفِعْلِ والِانْفِعالِ وهُما واحِدٌ في الحَقِيقَةِ والِاخْتِلافُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِيامِ بِالفاعِلِ والقابِلِ فَلا حاجَةَ إلى تَضْمِينِ فِعْلٍ آخَرَ ولا تَقْدِيرِهِ ثُمَّ إنَّ الإنْباتَ إنْ حُمِلَ عَلى مَعْناهُ الوَضْعِيِّ فَلا احْتِياجَ إلى التَّقْدِيرِ إذْ هو في نَفْسِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّباتِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فَيَكُونُ نَباتًا نَصْبًا بِالتَّكَتُّمِ لِهَذا التَّضَمُّنِ وإنْ حُمِلَ عَلى المُتَعارَفِ مِن إطْلاقِهِ عَلى مُقَدِّمَةِ الإنْباتِ مِن إخْفاءِ الحَبِّ في الأرْضِ مَثَلًا فالوَجْهُ الحَمْلُ عَلى أنَّ المُرادَ أنْبَتَكم فَنَبَتُّمْ نَباتًا لِيَكُونَ فِيهِ إشْعارٌ بِنَحْوِ النُّكْتَةِ الَّتِي جَرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فانْبَجَسَتْ  ﴾ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ وسُرْعَةِ نَفاذِ حُكْمِها.

.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا فَحَذَفَ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى المَصْدَرَ ومِنَ الثّانِيَةِ الفِعْلَ اكْتِفاءً بِما ذَكَرَ في الأُخْرى عَلى أنَّهُ مِنَ الِاحْتِباكِ.

وقالَ القاضِي: اخْتَصَرَ اكْتِفاءً بِالدَّلالَةِ الِالتِزامِيَّةِ وفِيهِ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ الأشْعارُ المَذْكُورَةُ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًۭا ١٨

﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ﴾ أيْ في الأرْضِ بِالدَّفْنِ عِنْدَ مَوْتِكم ﴿ ويُخْرِجُكُمْ ﴾ مِنها عِنْدَ البَعْثِ والحَشْرِ ﴿ إخْراجًا ﴾ مُحَقَّقًا لا رَيْبَ فِيهِ وعَطَفَ ﴿ يُعِيدُكُمْ ﴾ بِثُمَّ لِما بَيْنَ الإنْشاءِ والإعادَةِ مِنَ الزَّمانِ المُتَراخِي الواقِعِ فِيهِ التَّكْلِيفُ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقُّوا الجَزاءَ بَعْدَ الإعادَةِ، وعَطَفَ ( يُخْرِجُكم ) بِالواوِ دُونَ ثُمَّ مَعَ أنَّ الإخْراجَ كَذَلِكَ لِأنَّ أحْوالَ البَرْزَخِ والآخِرَةِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ فَكَأنَّهُ قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُها مُحَقَّقَ الوُقُوعِ دُونَ بَعْضٍ بَلْ لا بُدَّ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ لا مَحالَةَ وإنْ تَأخَّرَتْ عَنِ الإبْداءِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًۭا ١٩ لِّتَسْلُكُوا۟ مِنْهَا سُبُلًۭا فِجَاجًۭا ٢٠

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها كالبِساطِ ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مَبْسُوطَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةٍ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ لِأنَّ الكُرَةَ العَظِيمَةَ يُرى كُلُّ مَن عَلَيْها ما يَلِيهِ مُسَطَّحًا، ثُمَّ إنَّ اعْتِقادَ الكُرَيَّةِ أوِ عَدَمَها لَيْسَ بِأمْرٍ لازِمٍ في الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُرِيَّتَها كالأمْرِ اليَقِينِيِّ وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً ووَجْهُ تَوْسِيطِ ﴿ لَكُمُ ﴾ بَيْنَ الجَعْلِ ومَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ يَعْلَمُ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا ﴾ طُرُقًا ﴿ فِجاجًا ﴾ واسِعاتٍ جَمْعُ فَجٍّ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ نَعْتٌ لَسُبُلًا.

.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو اسْمٌ لِلطَّرِيقِ الواسِعَةِ وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْلَكِ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ فَيَكُونُ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّخاذِ وإلّا فَهو يَتَعَدّى بِفي أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ﴿ سُبُلا ﴾ أيْ سُبُلًا كائِنَةً مِنَ الأرْضِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًۭا ٢١

﴿ قالَ نُوحٌ ﴾ أُعِيدَ لَفْظُ الحِكايَةِ لِطُولِ العَهْدِ بِحِكايَةِ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) أيْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجِيًا لَهُ تَعالى شاكِيًا إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي ﴾ أيْ دامُوا عَلى عِصْيانِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ مَعَ ما بالَغْتُ في إرْشادِهِمْ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ ﴿ واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا ﴾ أيْ واسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِ رُؤَسائِهِمْ الَّذِينَ أبْطَرَتْهم أمْوالُهم وغَرَّتْهم أوْلادُهم وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ خَسارِهِمْ في الآخِرَةِ فَصارُوا أُسْوَةً لَهم في الخَسارِ والظّاهِرُ أنَّ اتِّباعَ عامَّتِهِمْ وسَفَلَتِهِمْ لِأُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوهم لِوَجاهَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهم بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ لا لِما شاهَدُوا فِيهِمْ مِن شُبْهَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلِاتِّباعِ في الجُمْلَةِ.

.

وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ والنَّخْعِيُّ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ والأخَوانِ وابْنُ كَثِيرٍ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ في رِوايَةٍ خارِجَةٍ عَنْهُ «ووُلْدُهُ» بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ فَقِيلَ هو مُفْرَدٌ لُغَةٌ في ولَدٍ بِفَتْحِهِما كالحُزْنِ والحَزَنِ وقِيلَ جَمْعٌ لَهُ كالأسَدِ والأُسْدِ وفي القامُوسِ الوَلَدُ مُحَرَّكَةٌ وبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحِ واحِدٌ وجَمْعٌ وقَدْ يُجْمَعُ عَلى أوْلادٍ ووِلْدَةٍ والِدَةٍ بِكَسْرِها ووُلْدٍ بِالضَّمِّ انْتَهى.

.

وقَرَأ بِالكَسْرِ والسُّكُونِ الحَسَنُ أيْضًا والجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ وذَرٌّ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَكَرُوا۟ مَكْرًۭا كُبَّارًۭا ٢٢

﴿ ومَكَرُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ ( مَن ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى اجْتِماعِهِمْ في المَكْرِ لِيَكُونَ أشَدَّ وأعْظَمَ.

وقِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿ عَصَوْنِي ﴾ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ المَتْبُوعِينَ ضَمُّوا إلى الضَّلالِ الإضْلالَ وهو الأوْفَقُ بِالسِّياقِ فَإنَّ المُتَبادَرَ أنَّ ما بَعْدَهُ مِن صِفَةِ الرُّؤَساءِ أيْضًا واعْتِبارُ ذَلِكَ العَطْفِ عَلى أنَّ المَعْنى مَكَرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ خِلافَ المُتَبادِرِ ﴿ مَكْرًا كُبّارًا ﴾ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ فَهو مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ وعَلَيْها قَوْلُ الشّاعِرِ: بَيْضاءُ تَصْطادُ القُلُوبَ وتَسْتَبِي بِالحُسْنِ قَلْبَ المُسْلِمِ القَرّاءِ وقَوْلُهُ: والمَرْءُ يُلْحِقُهُ بِفِتْيانِ النَّدى ∗∗∗ خُلُقُ الكَرِيمِ ولَيْسَ بِالوَضّاءِ وقَدْ سَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ الجُفاةِ رَسُولَ اللَّهِ  يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ما أفْصَحَ رَبُّكَ يا مُحَمَّدُ وإذا اعْتُبِرَ التَّنْوِينُ في مَكْرًا لِلتَّفْخِيمِ زادَ أمْرُ المُبالِغَةِ في مَكْرِهِمْ أيْ كَبِيرًا في الغايَةِ وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وصَدُّهم لِلنّاسِ عَنْهُ وإغْراءُهم وتَحْرِيضُهم عَلى أذِيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ عِيسى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وأبُو السِّمالِ «كُبارًا» بِتَخْفِيفِ الباءِ وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ أيْضًا إلّا أنَّها دُونَ المُبالَغَةِ في المُشَدَّدِ ومِثْلُ كُبارٍ في ذَلِكَ حُسانٌ وطُوالٌ وعُجابٌ وجُمالٌ إلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ فِيما رَوى عَنْهُ وهْبُ بْنُ واضِحٍ «كِبارًا» بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الباءِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هو جَمْعٌ كَبِيرٌ كَأنَّهُ جَعَلَ ﴿ مَكْرًا ﴾ مَكانَ ذُنُوبٍ أوْ أفاعِيلَ يَعْنِي فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّۭا وَلَا سُوَاعًۭا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًۭا ٢٣

﴿ وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ أيْ لا تَتْرُكُوا عِبادَتَها عَلى الإطْلاقِ إلى عِبادَةِ رَبِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا ﴾ أيْ ولا تَتْرُكُوا عِبادَةَ هَؤُلاءِ خَصُّوها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها فِيما سَبَقَ لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ وأعْظَمَها عِنْدَهم وإنْ كانَتْ مُتَفاوِتَةً في العِظَمِ فِيما بَيْنَها بِزَعْمِهِمْ كَما يُومِئُ إلَيْهِ إعادَةُ لا مَعَ بَعْضٍ وتَرْكُها مَعَ آخَرَ، وقِيلَ أفْرَدَ يَعُوقَ ونَسَرَ عَنِ النَّفْيِ لِكَثْرَةِ تَكْرارِ لا وعَدَمِ اللَّبْسِ.

وقَدِ انْتَقَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ إلى العَرَبِ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في العَرَبِ بَعْدُ أمّا ودٌّ فَكانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأمّا سُواعٌ فَكانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأمّا يَغُوثُ فَكانَتْ لِمُرادٍ ثُمَّ لَبَنِي غُطَيْفٍ عِنْدَ سَبَأٍ، وأمّا يَعُوقُ فَكانَتْ لِهَمْدانَ، وأمّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحَمِيرَ لِآلِ ذِي الكُلاعِ، وكانَتْ هَذِهِ الأسْماءُ أسْماءَ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ أنِ انْصِبُوا في مَجالِسِهِمُ الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ فِيها أنْصابًا وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ ودَرَسَ العِلْمُ عُبِدَتْ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَمْسَةُ بَنِينَ ودٌّ وسُواعُ إلَخِ فَكانُوا عِبادًا فَماتَ رَجُلٌ مِنهم فَحَزِنُوا عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: حَزِنْتُمْ عَلى صاحِبِكم هَذا؟

قالُوا: نَعَمْ، قالَ: هَلْ لَكم أنْ أُصَوِّرَ لَكم مِثْلَهُ في قِبْلَتِكم إذا نَظَرْتُمْ إلَيْهِ ذَكَرْتُمُوهُ؟

قالُوا: نَكْرَهُ أنْ تَجْعَلَ لَنا في قِبْلَتِنا شَيْئًا نُصَلِّي عَلَيْهِ قالَ: فَأجْعَلُهُ في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ، قالُوا: نَعَمْ فَصَوَّرَهُ لَهم حَتّى ماتَ خَمْسَتُهم فَصَوَّرَ صُوَرَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ فَنَقَصَتِ الأشْياءُ حَتّى تَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى وعَبَدُوا هَؤُلاءِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ عِبادَتِها فَقالُوا ما قالُوا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ ودًّا كانَ أكْبَرَهم وأبَرَّهم وكانُوا كُلُّهم أبْناءَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ورُوِيَ أنَّ ودًّا أوَّلُ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مُطَهِّرٍ قالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَزِيدَ بْنَ المُهَلَّبِ فَقالَ: أما إنَّهُ قُتِلَ في أوَّلِ أرْضٍ عُبِدَ فِيها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ ذَكَرَ ودًّا وقالَ: كانَ رَجُلًا مُسْلِمًا وكانَ مُحَبَّبًا في قَوْمِهِ، فَلَمّا ماتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ في أرْضِ بابِلَ وجَزِعُوا عَلَيْهِ فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ جَزَعَهم تَشَبَّهَ في صُورَةِ إنْسانٍ ثُمَّ قالَ: أرى جَزَعَكم عَلى هَذا فَهَلْ لَكم أنْ أُصَوِّرَ لَكم مِثْلَهُ فَيَكُونُ في نادِيكم فَتَذْكُرُونَهُ بِهِ؟

قالُوا: نَعَمْ، فَصَوَّرَ لَهم مِثْلَهُ فَوَضَعُوهُ في نادِيهِمْ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ فَلَمّا رَأى ما بِهِمْ مِن ذِكْرِهِ قالَ: هَلْ لَكم أنْ أجْعَلَ لَكم في مَنزِلِ كُلِّ رَجُلٍ مِنكم تِمْثالًا مِثْلَهُ فَيَكُونُ في بَيْتِهِ فَيُذْكَرُ بِهِ؟

فَقالُوا: نَعَمْ، فَفَعَلَ فَأقْبَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ وأدْرَكَ أبْناؤُهم فَجَعَلُوا يَرَوْنَ ما يَصْنَعُونَ بِهِ وتَناسَلُوا ودَرَسَ أمْرُ ذِكْرِهم إيّاهُ حَتّى اتَّخَذُوهُ إلَهًا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَكانَ أوَّلَ مَن عُبِدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ ودًّا.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيُّ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ يَغُوثَ وكانَ مِن رَصاصٍ يَحْمِلُ عَلى جَمَلٍ أجْرَدَ ويَسِيرُونَ مَعَهُ لا يُهَيِّجُونَهُ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبِرُكُ فَإذا نَزَلُوا وقالُوا قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ فَيَنْزِلُونَ حَوْلَهُ ويَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً.

وقِيلَ يَبْعُدُ بَقاءُ أعْيانِ تِلْكَ الأصْنامِ وانْتِقالُها إلى العَرَبِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلّا الأسْماءُ فاتَّخَذَتِ العَرَبُ أصْنامًا وسَمَّوْها بِها وقالُوا أيْضًا عَبْدُ ودٍّ وعَبْدُ يَغُوثَ يَعْنُونَ أصْنامَهم.

وما رَآهُ أبُو عُثْمانَ مِنها مُسَمّى بِاسْمِ ما سَلَفَ.

ويُحْكى أنَّ ودًّا كانَ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ وسُواعًا كانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ ويَغُوثَ كانَ عَلى صُورَةِ أسَدٍ ويَعُوقَ كانَ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ ونَسْرًا كانَ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ وهو مُنافٍ لِما تَقَدَّمَ أنَّهم كانُوا عَلى صُوَرِ أُناسٍ صالِحِينَ وهو الأصَحُّ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِخِلافٍ عَنْهم «( وُدًّا)» بِضَمِّ الواوِ وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ «ولا يَغُوثا ويَعُوقًا» بِتَنْوِينِهِما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَعَلَهُما فَعُولًا فَلِذَلِكَ صَرَفَهُما وهُما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ صِفَتانِ مِنَ الغَوْثِ والعَوْقِ يَفْعَلُ مِنهُما وهُما مَعْرِفَتانِ فَلِذَلِكَ مُنِعا الصَّرْفِ لِاجْتِماعِ الثِّقْلَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما التَّعْرِيفُ ومُشابَهَةُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ فَقالَ هَذا تَخْبِيطٌ أمّا أوَّلًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا فَعَوْلًا لِأنَّ مادَّةَ يُغِثْ مَفْقُودَةٌ وكَذَلِكَ يَعُقْ وأمّا ثانِيًا فَلَيْسا بِصِفَتَيْنِ لِأنَّ يَفْعُلا لَمْ يَجْئِ اسْمًا ولا صِفَةً وإنَّما امْتَنَعا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ إنْ كانا عَرَبِيَّيْنِ ولِلْعِلْمِيَّةِ والعُجْمَةِ إنْ كانا عَجَمِيَّيْنِ.

.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ الأعْمَشُ «ولا يَغُوثا ويَعُوقًا» بِالصَّرْفِ وهو وهْمٌ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لازِمٌ وكَذا وزْنُ الفِعْلِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأعْمَشَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ ولَيْسَ بِوَهْمٍ فَقَدْ خَرَّجُوهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ أحَدُهُما أنَّ الصَّرْفَ لِلتَّناسُبِ كَما قالُوا في سَلاسِلًا وأغْلالًا وهو نَوْعٌ مِنَ المُشاكَلَةِ ومَعْدُودٌ مِنَ المُحْسِّناتِ وثانِيهُما أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ مَن يَصْرِفُ جَمِيعَ ما لا يَنْصَرِفُ عِنْدَ عامَّةِ العَرَبِ وذَلِكَ لُغَةٌ حَكاها الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ يُرَدُّ عَلى هَذا أنَّها لُغَةٌ غَيْرُ فَصِيحَةٍ لا يَنْبَغِي التَّخْرِيجُ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

وَقَدْ أَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا ۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَـٰلًۭا ٢٤

﴿ وقَدْ أضَلُّوا ﴾ أيِ الرُّؤَساءُ ﴿ كَثِيرًا ﴾ خَلْقًا كَثِيرًا أيْ قَبْلَ هَؤُلاءِ المُوصِينَ بِأنْ يَتَمَسَّكُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ فَهم لَيْسُوا بِأوَّلِ مَن أضَلُّوهم ويُشْعِرُ بِذَلِكَ المُضِيُّ والِاقْتِرانُ بِقَدْ حَيْثُ أشْعَرَ ذَلِكَ بِأنَّ الإضْلالَ اسْتَمَرَّ مِنهم إلى زَمَنِ الإخْبارِ بِإضْلالِ الطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالكَثِيرِ هَؤُلاءِ المُوصِينَ، وكانَ الظّاهِرُ وقَدْ أضَلَّ الرُّؤَساءُ إيّاهم أيِ المُوصِينَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ﴾ فَوَضَعَ كَثِيرًا مَوْضِعَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ.

وقالَ الحَسَنُ وقَدْ أضَلُّوا أيِ الأصْنامُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ  ﴾ وضَمِيرُ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم عِنْدَهم وعَلى زَعْمِهِمْ ويُحَسِّنُهُ عَلى ما في البَحْرِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ ولا يَخْفى أنْ عَوْدَهُ عَلى الرُّؤَساءِ أظْهَرُ إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمَعْنى فِيهِمْ أمْكَنُ والجُمْلَةُ قِيلَ حالِيَّةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا ضَلالا ﴾ قِيلَ عَطْفٌ عَلى ﴿ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي ﴾ عَلى حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ( قالَ ) والواوُ النّائِبَةُ عَنْهُ ومَعْناهُ قالَ ﴿ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي ﴾ وقالَ ﴿ ولا تَزِدِ ﴾ إلَخِ أيْ قالَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَلى أنَّ الواوَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّها داخِلَةٌ في الحِكايَةِ وما بَعْدَها هو المَحْكِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وإنَّما ارْتَكَبَ ذَلِكَ فِرارًا مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.

.

وقِيلَ عُطِفَ عَلَيْهِ والواوُ مِنَ المَحْكِيِّ والتَّناسُبِ إنْشائِيَّةٌ وخَبَرِيَّةٌ غَيْرُ لازِمٍ في العَطْفِ كَما قالَهُ أبُو حَيّانٍ وغَيْرُهُ وفِيهِ خِلافٌ وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن بابِ ﴿ واهْجُرْنِي مَلِيًّا  ﴾ أيْ فاخْذُلْهم ولا تَزِدْهم وفي العُدُولِ إلى ﴿ الظّالِمِينَ ﴾ إشْعارٌ بِاسْتِحْقاقِهِمُ الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ وإبْداءً لِعُذْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَحْذِيرٌ ولُطْفٌ لِغَيْرِهِمْ، وفِيهِ أنَّهُ بَعْضُ ما يَتَسَبَّبُ مِن مَساوِئِهِمْ وهو مَعْنًى حَسَنٌ فَعِنْدَهُ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ إنْشائِيٍّ ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّ العَطْفَ عَلى ﴿ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي ﴾ والواوِ مِنَ المَحْكِيِّ والتَّناسُبِ حاصِلٌ.

.

وقالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ ﴿ رَبِّ إنَّهُمْ ﴾ إلَخِ الشِّكايَةُ وإبْداءُ العَجْزِ واليَأْسِ مِنهم.

فَهو طَلَبٌ لِلنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ  ﴾ ولَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مَعَ ما مَرَّ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ قَوْلِهِ اخْذُلْهم أوِ انْصُرْنِي أوْ أظْهِرْ دِينَكَ أوْ نَحْوَهُ فَهو مَن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإنْشاءِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ ويَشْهَدُ لَهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى مِثْلَهُ دُعاءً حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ ﴿ فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ  ﴾ فَتَدَبَّرْ وهو حَسَنٌ خالٍ عَنِ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ المُخْتَلِفِ فِيهِ إلّا أنَّ في الشَّهادَةِ دَغْدَغَةً والمُرادُ بِالضَّلالِ المَدْعُوِّ بِزِيادَتِهِ إمّا الضَّلالُ في تَرْوِيجِ مَكْرِهِمْ ومَصالِحِ دُنْياهم فَيَكُونُ ذَلِكَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ تَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ وإمّا الضَّلالُ بِمَعْنى الهَلاكِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ  ﴾ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الضَّلالِ في الطَّرِيقِ لِأنَّ مَن ضَلَّ فِيها هَلَكَ فَيَكُونُ المَعْنى أهْلِكْهم.

وفَسَّرَهُ ابْنُ بَحْر بِالعَذابِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ أعْنِي الضَّلالَ في الدِّينِ والدُّعاءُ بِزِيادَتِهِ إنَّما كانَ بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ ومَآلُهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ عَذابِهِمْ ويَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ وبِما سَمِعْتَ يَنْحَلُّ ما يُقالُ إنَّ طَلَبَ الضَّلالِ ونَحْوِهِ إمّا غَيْرُ جائِزٍ مُطْلَقًا أوْ إذا دُعِيَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْسانِ وبِدُونِهِ وإنْ كانَ جائِزًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مَمْدُوحٍ ولا مَرْضِيٍّ فَكَيْفَ دَعا بِذَلِكَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

مِّمَّا خَطِيٓـَٔـٰتِهِمْ أُغْرِقُوا۟ فَأُدْخِلُوا۟ نَارًۭا فَلَمْ يَجِدُوا۟ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارًۭا ٢٥

﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ أيْ مِن أجْلِ ﴿ خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ بِالطُّوفانِ لا مِن أجْلِ أمْرٍ آخَرَ فَمِن تَعْلِيلِيَّةٌ وما زائِدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِتَعْظِيمِ الخَطايا في كَوْنِها مِن كَبائِرِ ما يُنْهى عَنْهُ ومَن لَمْ يَرَ زِيادَتَها جَعَلَها نَكِرَةً وجَعَلَ ﴿ خَطِيئاتِهِمْ ﴾ بَدَلًا مِنها.

وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ (مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ وهو كَما تَرى.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ «خَطِيّاتِهِمْ» بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعَبِيدٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «خَطِيئَتِهِمْ» عَلى الإفْرادِ مَهْمُوزًا وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى والأعْرَجُ بِخِلافٍ عَنْهم وأبُو عَمْرٍو «خَطاياهُمْ» جَمْعُ تَكْسِيرٍ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «مِن خَطِيئاتِهِمْ ما أُغْرِقُوا» بِزِيادَة «ما» بَيْنَ ( خَطِيئاتِهِمْ وأُغْرِقُوا وخَرَّجَ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ خَطِيئاتِهِمْ إغْراقِهِمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «غُرِّقُوا» بِالتَّشْدِيدِ بَدَلَ الهَمْزَةِ وكِلاهُما لِلنَّقْلِ ﴿ فَأُدْخِلُوا ﴾ نارًا هي نارُ البَرْزَخِ والمُرادُ عَذابُ القَبْرِ ومَن ماتَ في ماءٍ أوْ نارٍ أوْ أكَلَتْهُ السِّباعُ أوِ الطَّيْرُ مَثَلًا أصابَهُ ما يُصِيبُ المَقْبُورَ مِنَ العَذابِ وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا يُغْرَقُونَ مِن جانِبٍ ويُحْرَقُونَ بِالنّارِ مِن جانِبٍ وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخَلْقُ مُجْتَمَعٌ طَوْرًا ومُفْتَرَقُ والحادِثانِ فُنُونٌ ذاتُ أطْوارِ لا تَعْجَبَنَّ لِأضْدادٍ إذا اجْتَمَعَتْ ∗∗∗ فاللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها نارُ الآخِرَةِ والتَّعْقِيبُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ وهو عَلى هَذا لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما بَيْنَ الإغْراقِ والإدْخالِ فَكَأنَّهُ شَبَّهَ تَخَلُّلَ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ بِعَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ أصْلًا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ فاءُ التَّعْقِيبِ مُسْتَعارَةً لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ المُسَبِّبِ كالمُتَعَقِّبِ لِلسَّبَبِ وإنْ تَراخى عَنْهُ لِفَقْدِ شَرْطٍ أوْ وُجُودِ مانِعٍ وتَنْكِيرُ النّارِ إمّا لِتَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها أوْ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعَدَّ لَهم عَلى حَسَبِ خَطِيئاتِهِمْ نَوْعًا مِنَ النّارِ ولا يَخْفى ما في ﴿ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ﴾ نارًا مِنَ الحُسْنِ الَّذِي لا يُجارى ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ التَّنْزِيلِ ﴿ فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا ﴾ أيْ فَلَمْ يَجِدْ أحَدُهم واحِدًا مِنَ الأنْصارِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِأنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى نَصْرِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالَ نُوحٌۭ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦

﴿ وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا ﴾ عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ السّابِقِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ إلَخِ اعْتِراضُ وسَطٌ بَيْنَ دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ ما أصابَهم مِنَ الإغْراقِ والإحْراقِ لَمْ يُصِبْهم إلّا لِأجْلِ خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي عَدَّها نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وأشارَ إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْهَلاكِ لِأجْلِها لا أنَّهُ حِكايَةٌ لِنَفْسِ الإغْراقِ والإحْراقِ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ وإلّا لَأُخِرَ عَنْ حِكايَةِ دُعائِهِ هَذا قالَهُ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

.

وما قِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ عَلى لَمْ يَجِدُوا أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ ﴾ إلَخِ ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ بَلِ التَّشَفِّي وإظْهارُ الرِّضا بِما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ والمَعْرُوفُ أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ قَبْلَ هَلاكِهِمْ والدَّيّارُ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في النَّفْيِ العامِّ يُقالُ: ما بِالدّارِ دَيّارٌ أوْ دَيُّورٌ كَقَيّامٍ وقَيُّومٍ أيْ ما بِها أحَدٌ وهو فَيْعالٌ مِنَ الدّارِ أوْ مِنَ الدَّوْرِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ مَن يَسْكُنْ دارًا أوْ لا تَذَرْ عَلَيْها مِنهم مَن يَدُورُ ويَتَحَرَّكُ وأصْلُهُ دَيْوارٌ اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ ولَيْسَ بِفَعّالٍ وإلّا لَكانَ دَوّارًا إذْ لا داعِيَ لِلْقَلْبِ حِينَئِذٍ ( ومِنَ الكافِرِينَ ) حالٌ مِنهُ ولَوْ أُخِّرَ كانَ صِفَةً لَهُ والمُرادُ بِالكافِرِينَ قَوْمُهُ الَّذِينَ دَعاهم إلى الإيمانِ والطّاعَةِ فَلَمْ يُجِيبُوا فَإنْ كانَ النّاسُ مُنْتَشِرِينَ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها نَحْوَ انْتِشارِهِمُ اليَوْمَ وكانَتْ بِعْثَتُهُ لِبَعْضٍ مِنهم كَسُكّانِ جَزِيرَةِ العَرَبِ ومَن يَقْرُبُ مِنهم فَذاكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ مُنْتَشِرِينَ كَذَلِكَ بَلْ كانُوا في الجَزِيرَةِ وقَرِيبًا مِنها فَإنْ كانَتِ البِعْثَةُ لِبَعْضِهِمْ أيْضًا فَكَذَلِكَ وإنْ كانَتْ لِكُلِّهِمْ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عُمُومَ البِعْثَةِ.

وقَدْ قالُوا بِأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِنَبِيِّنا  وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ العُمُومَ لَيْسَ كَعُمُومِ بَعَثَتِهِ  بَلْ لِانْحِصارِ أهْلِ الأرْضِ في قِطْعَةٍ مِنها فَهو انْحِصارٌ ضَرُورِيٌّ ولَيْسَ عُمُومًا مِن كُلِّ وجْهٍ، وهَذا نَحْوَ ما يُقالُ في بِعْثَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى زَوْجَتِهِ وأوْلادِهِ فَإنَّهم حِينَئِذٍ لَيْسُوا إلّا كَأهْلِ بَيْتٍ واحِدٍ عَلى أنَّهُ قِيلٌ لا إشْكالَ ولَوْ قُلْنا بِانْتِشارِ النّاسِ إذْ ذاكَ كانْتِشارِهِمُ اليَوْمَ وإرْسالِهِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِأنَّ العُمُومَ المَخْصُوصَ بِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو العُمُومُ المُنْدَرِجُ فِيهِ الإنْسُ والجِنُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بَلِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ وبَلْ والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا لِجَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ وأنَّهُ ما آمَنَ مِنهم إلّا قَلِيلٌ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَذا الدُّعاءِ وعُمُومِ الطُّوفانِ وتُعَقِّبَ بِأنَّ الأرْضَ كَثِيرًا ما تُطْلَقُ عَلى قِطْعَةٍ مِنها فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هُنا كَذَلِكَ سَلَّمْنا إرادَةَ الجَمِيعِ لَكِنَّ الدُّعاءَ عَلى الكافِرِينَ وهم مِن بُعَثَ إلَيْهِمْ فَدَعاهم ولَمْ يُجِيبُوهُ وكَوْنُهم مَن عَدا أهْلَ السَّفِينَةِ أوَّلَ المَسْألَةِ والطُّوفانُ لا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ وإنَّ سُلِّمَ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ مَن غَرِقَ بِهِ مُكَلَّفًا بِالإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عاصِيًا بِتَرْكِهِ، فالبَلاءُ قَدْ يَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ لَكِنْ يَصْدُرُونَ مَصادِرَ شَتّى كَما ورَدَ في حَدِيثِ خَسْفِ البَيْداءِ ويُرْشِدُ إلى هَذا أنَّ أوْلادَهم قَدْ أُغْرِقُوا عَلى ما قِيلَ مَعَهم.

.

وقَدْ سُئِلَ الحَسَنُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى بَراءَتَهم فَأهْلَكَهم بِغَيْرِ عَذابٍ.

نَعَمُ الحِكْمَةُ في إهْلاكِ هَؤُلاءِ زِيادَةُ عَذابٍ في آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ إذا أبْصَرُوا أطْفالَهم يَغْرَقُونَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى أعَقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ وأيْبَسَ أصْلابَ رِجالِهِمْ قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَكُنْ مَعَهم صَبِيٌّ حِينَ أُغْرِقُوا ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ وحِكَمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُحْصى فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا۟ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓا۟ إِلَّا فَاجِرًۭا كَفَّارًۭا ٢٧

﴿ إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ ﴾ أيْ عَلى الأرْضِ كُلًّا أوْ بَعْضًا ﴿ يُضِلُّوا عِبادَكَ ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِإضْلالِهِمْ إيّاهم رَدَّهم إلى الكُفْرِ بِنَوْعٍ مِنَ المَكْرِ أوِ المُرادُ بِهِمْ مَن وُلِدَ مِنهم ولَمْ يَبْلُغْ زَمَنَ التَّكْلِيفِ أوْ مَن يُولَدُ مِن أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ ويُدْعى إلى الإيمانِ، وبِإضْلالِهِمْ إيّاهم صَدَّهم عَنِ الإيمانِ وفي بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ يَأْتِي بِابْنِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقُولُ: احْذَرْ هَذا فَإنَّهُ كَذّابٌ وإنَّ أبِي أوْصانِي بِمِثْلِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ فَيَمُوتُ الكَبِيرُ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى ذَلِكَ قِيلَ ومِن هُنا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا ﴾ أيْ مِن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ فَوَصَفَهم بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ لِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِما حَصَلَ لَهُ مِنَ التَّجْرِبَةِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا ومِثْلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ﴾ وقِيلَ أرادَ مِن جَبَلٍ عَلى الفُجُورِ والكُفْرِ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذَلِكَ بِوَحْيٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ وعَنْ قَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما دَعا عَلَيْهِمْ إلّا بَعْدَ أنْ أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُؤْمِنٍ مِنَ الأصْلابِ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ ﴿ إنَّكَ ﴾ إلَخِ اعْتِذارٌ مِمّا عَسى أنْ يُقالَ مِن أنَّ الدُّعاءَ بِالِاسْتِئْصالِ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِن أخْلافِهِمْ مَن يُؤْمِنُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًۭا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًۢا ٢٨

﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ﴾ أرادَ أباهُ لَمْكَ بْنَ مَتُّوشَلَخَ وقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ ذَلِكَ وأمَّهُ شَمْخى بِالشِّينِ والخاءِ المُعْجَمَتَيْنِ بِوَزْنِ سَكْرى بِنْتَ أُنُوشٍ بِالإعْجامِ بِوَزْنِ أُصُولٍ وكانا مُؤْمِنَيْنِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الدُّعاءُ لَهُما بِالمَغْفِرَةِ وقِيلَ أرادَ بِهِما آدَمَ وحَوّاءَ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ والجَحْدَرِيُّ «ولِوالِدِي» بِكَسْرِ الدّالِّ وإسْكانِ الياءِ فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ خَصَّ أباهُ الأقْرَبَ أوْ أرادَ جَمِيعَ مَن ولَدُوهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكْفُرْ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِنُوحٍ أبٌ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجَهَهُما ورَضِيَ عَنْهُما وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ والنَّخْعِيُّ والزُّهْرِيُّ «( ولِوَلَدَيَّ)» تَثْنِيَةُ ولَدٍ يَعْنِي سامًا وحامًا عَلى ما قِيلَ وفي رِوايَةٍ أنَّ سامًا كانَ نَبِيًّا ﴿ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ ﴾ قِيلَ أرادَ مَنزِلَهُ وقِيلَ سَفِينَتَهُ وقالَ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ مَسْجِدَهُ وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ أرادَ شَرِيعَتَهُ اسْتَعارَ لَها اسْمَ البَيْتِ كَما قالُوا قُبَّةُ الإسْلامِ وفُسْطاطُ الدِّينِ والمُتَبادَرُ المَنزِلُ وتَخْرُجُ امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ بِقَوْلِهِ ﴿ مُؤْمِنًا ﴾ وقِيلَ يُمْكِنُ أنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِخُرُوجِ كَنْعانَ إلّا بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴿ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ﴾ أيْ مِن كُلِّ أُمَّةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وحُبًّا لِلْمُسْتَغْفِرِ لَهم مِن والِدَيْهِ والمُؤْمِنِينَ وقِيلَ إنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَمّا دَعا عَلى الكافِرِينَ لِأنَّهُ انْتِقامٌ مِنهم ولا يَخْفى أنَّ السِّياقَ يَأْباهُ وكَذا قَوْلُهُ ﴿ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا تَبارًا ﴾ أيْ هَلاكًا.

وقالَ مُجاهِدٌ خَسارًا والأوَّلُ أظْهَرُ وقَدْ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ دَعْوَتَيْنِ دَعْوَةً عَلى الكافِرِينَ ودَعْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وحَيْثُ اسْتُجِيبَتْ لَهُ الأُولى فَلا يَبْعُدُ أنَّ تُسْتَجابَ لَهُ الثّانِيَةُ واللَّهُ تَعالى أكْرَمُ الأكْرَمِينَ ومُعْظَمُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وغَيْرِها نَصَّ في أنَّ القَوْمَ كَفَرَةٌ هالِكُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فالحُكْمُ بِنَجاتِهِمْ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في فُصُوصِهِ مِمّا يَبْرَأُ إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ كَزَعْمٍ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدَعْهم عَلى وجْهٍ يَقْتَضِي إيمانَهم مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ  ﴾ وقُصارى ما أقُولُ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدِي ولِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر