الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة المعارج
تفسيرُ سورةِ المعارج كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 64 دقيقة قراءةسُورَةُ المَعارِجِ وتُسَمّى سُورَةَ المَواقِعِ وسُورَةَ سَألَ وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ عَلى ما قالَ القُرْطُبِيُّ وفي مَجْمَعِ البَيانِ عِنْدَ الحَسَنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ وآيُها ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ في الشّامِيِّ واثْنَتانِ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ وهي كالتَّتِمَّةِ لِسُورَةِ الحاقَّةِ في بَقِيَّةِ وصْفِ القِيامَةِ والنّارِ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّها نَزَلَتْ عَقِيبَ سُورَةِ الحاقَّةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ﴾ أيْ دَعا داعٍ بِهِ فالسُّؤالُ بِمَعْنى الدُّعاءِ ولِذا عُدِّيَ بِالباءِ تَعْدِيَتَهُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ ﴾ والمُرادُ اسْتِدْعاءُ العَذابِ وطَلَبُهُ ولَيْسَ مِنَ التَّضْمِينِ في شَيْءٍ.
وقِيلَ الفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ أوْ هو مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ فَلِذا عُدِّيَ بِالباءِ.
وقِيلَ إنَّ الباءَ زائِدَةٌ وقِيلَ إنَّها بِمَعْنى عَنْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ والسّائِلُ هو النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ كَما رَوى النِّسائِيُّ وجَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والسُّدِّيِّ والجُمْهُورِ حَيْثُ قالَ إنْكارًا واسْتِهْزاءً ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وقِيلَ هو أبُو جَهْلٍ حَيْثُ قالَ ﴿ فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ .
وقِيلَ هو الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ فَما لَبِثَ حَتّى رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِحَجَرٍ فَوَقَعَ عَلى دِماغِهِ فَخَرَجَ مِن أسْفَلِهِ فَهَلَكَ مِن ساعَتِهِ» .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كانَ في غَدِيرِ خُمٍّ وذَلِكَ في أواخِرِ سِنِي الهِجْرَةِ فَلا يَكُونُ ما نَزَلَ مَكِّيًّا عَلى المَشْهُورِ في تَفْسِيرِهِ.
وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ في مَكِّيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ وقِيلَ هو الرَّسُولُ اسْتَعْجَلَ عَذابَهم وقِيلَ هو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ عَذابَ قَوْمِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «سالَ» بِألْفٍ كَقالَ سايِلٌ بِياءٍ بَعْدَ الألْفِ فَقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أُبْدِلَتْ هَمْزَةُ الفِعْلِ ألِفًا وهو بَدَلٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وإنَّما قِياسُ هَذا بَيْنَ بَيْنَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ =سَلَتْ أسالَ حَكاها سِيبَوَيْهِ وفي الكَشّافِ هو مِنَ السُّؤالِ وهو لُغَةُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ =سَلَتْ تُسالُ وهُما يَتَسايَلانِ وأرادَ أنَّهُ مِنَ السُّؤالِ المَهْمُوزِ مَعْنًى لا اشْتِقاقًا بِدَلِيلِ وهُما يَتَسايَلانِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ أجْوَفُ يَأْتِي ولَيْسَ مِن تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ في شَيْءٍ.
وقِيلَ السُّؤالُ بِالواوِ الصَّرِيحَةِ مَعَ ضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها وقَوْلُهُ يَتَسايَلانِ صَوابُهُ يَتَساوَلانِ فَتَكُونُ ألِفُهُ مُنْقَلِبَةً عَنْ واوٍ كَما في قالَ وخافَ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ وذَكَرَ فِيها أنَّ أبا عُثْمانَ حَكى عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ هُما يَتَساوَلانِ ثُمَّ إنَّ في دَعْوى كَوْنِ سَلَتْ تُسالُ لُغَةَ قُرَيْشٍ تَرَدُّدًا والظّاهِرُ خِلافُ ذَلِكَ وأنْشَدُوا لِوُرُودٍ سالَ قَوْلَ حَسّانٍ يَهْجُو هُذَيْلًا لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ أنْ يُبِيحَ لَهُمُ الزِّنا: سالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ضَلَّتْ هُذَيْلُ بِما قالَتْ ولَمْ تُصِبْ وقَوْلَ آخَرَ: سالَتانِيَ الطَّلاقَ أنْ رَأتانِي ∗∗∗ قُلْ مالِيَ قَدْ جِئْتُمانِي بِنُكْرْ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سالَ مِنَ السَّيَلانِ وأيَّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ «سالَ سَيْلٌ» فَقَدْ قالَ ابْنُ جِنِّي السَّيْلُ هاهُنا الماءُ السّائِلُ وأصْلُهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِكَ سالَ الماءُ سَيْلًا إلّا أنَّهُ أُوقِعَ عَلى الفاعِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا ﴾ أيْ غائِرًا وقَدْ تُسُومِحَ في التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِالوادِي فَقِيلَ: المَعْنى انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ واقِعٍ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي قِيلَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ العَذابِ إمّا في الدُّنْيا وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ وقَدْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ النَّضِرُ وأبُو جَهْلٍ.
وإمّا في الآخِرَةِ وهو عَذابُ النّارِ وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ سائِلًا اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَحْتَمِلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أيْ كائِنٍ ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ أوْ صِلَةٌ لِواقِعٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوْ بِمَعْنى عَلى ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ( أُبَيٍّ ) «عَلى الكافِرِينَ» وإنْ صَحَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمّا خَوَّفَهم النَّبِيُّ بِعَذابٍ سَألُوا عَنْهُ عَلى ما يَنْزِلُ وبِمَن يَقَعُ فَنَزَلَتْ» كانَ هَذا ابْتِداءَ كَلامٍ جَوابًا لِلسّائِلِ أيْ هو لِلْكافِرِينَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِعَذابٍ أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ أوْ بِالعَمَلِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِعَذابٍ عَلى ما قِيلَ أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِهو ( لِلْكافِرِينَ ) عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِدافِعٍ ( ومِنَ ) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يَرُدُّهُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِ وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ فَقِيلَ إنَّما يَصِحُّ عَلى غَيْرِ قَوْلِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعَلَيْهِ يَلْزَمُ الفَصْلُ بِالأجْنَبِيِّ لِأنَّ ﴿ لِلْكافِرِينَ ﴾ عَلى ذَلِكَ جَوابُ سُؤالٍ ثُمَّ إنَّ التَّعَلُّقَ بِ ﴿ واقِعٍ ﴾ عَلى ما عَدا قَوْلَهُما إنْ جُعِلَ لِلْكافِرِينَ مِن صِلَتِهِ أيْضًا كانَ أظْهَرَ وإلّا لَزِمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْمُولِ وعامِلِهِ بِما لَيْسَ مِن تَتِمَّتِهِ لَكِنْ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ ﴿ ذِي المَعارِجِ ﴾ هي لُغَةُ الدَّرَجاتِ والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ السَّماواتُ تَعْرُجُ فِيها المَلائِكَةُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ ولَمْ يُعَيِّنْها بَعْضُهم فَقالَ أيْ ذِي المَصاعِدِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ بِالأوامِرِ والنَّواهِي وقِيلَ هي مَقاماتٌ مَعْنَوِيَّةٌ تَكُونُ فِيها الأعْمالُ والأذْكارُ أوْ مَراتِبُ في السُّلُوكِ كَذَلِكَ يَتَرَقّى فِيها المُؤْمِنُونَ السّالِكُونَ أوْ مَراتِبُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ تَفْسِيرَها بِالفَضائِلِ والنِّعَمِ ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي عَبّاسٍ وقِيلَ هي الغُرَفُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ في الجَنَّةِ والأنْسَبُ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنَ التَّهْوِيلِ ما هو أدَلُّ عَلى عِزِّهِ عَزَّ وجَلَّ وعِظَمِ مَلَكُوتِهِ تَعالى شَأْنُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِتَمَيُّزِهِ وفَضْلِهِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ المَلائِكَةِ.
وقِيلَ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيفِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلَهم بِناءً عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِنهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ ( الرُّوحُ ) مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ لِلْمَلائِكَةِ الحافِظِينَ لِبَنِي آدَمَ لا تَراهُمُ الحَفَظَةُ كَما لا نَرى نَحْنُ حَفَظَتَنا.
وقِيلَ خَلْقٌ هم حَفَظَةُ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا كَما أنَّ المَلائِكَةَ حَفَظَةُ النّاسِ وقِيلَ مَلَكٌ عَظِيمُ الحَلْقَةِ يَقُومُ وحْدَهُ يَوْمَ القِيامَةِ صَفًّا ويَقُومُ المَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا وقالَ أبُو صالِحٍ خَلْقٌ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا بِالنّاسِ.
وقالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: رُوحُ المَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ ولَعَلَّهُ أرادَ المَيِّتَ المُؤْمِنَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ «يَعْرُجُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ﴿ إلَيْهِ ﴾ قِيلَ أيْ إلى عَرْشِهِ تَعالى وحَيْثُ يَهْبِطُ مِنهُ أوْ أمْرِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ هو مِن قَبِيلِ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ أيْ إلى حَيْثُ أمَرَنِي عَزَّ وجَلَّ بِهِ.
وقِيلَ المُرادُ إلى مَحَلِّ بِرِّهِ وكَرامَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ وقِيلَ إلى المَكانِ المُنْتَهى إلَيْهِ الدّالِّ عَلَيْهِ السِّياقُ وفَسَّرَ بِمَحَلِّ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ ومُعْظَمُ السَّلَفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهِ مَعَ تَنْزِيهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ المَكانِ والجِسْمِيَّةِ واللَّوازِمِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِشَأْنِ الأُلُوهِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ أيْ مِن سِنِينِكُمُ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِتَعْرُجُ، واليَوْمَ بِمَعْنى الوَقْتِ والمُرادُ بِهِ مِقْدارُ ما يَقُومُ النّاسُ فِيهِ لِرَبِّ العالَمِينَ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ والَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ.
ويُشِيرُ إلى هَذا ما أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلاةِ مَكْتُوبَةً يُصَلِّيها في الدُّنْيا»» .
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهَذا التَّقْدِيرِ عَلى هَذا الوَجْهِ فَقِيلَ الإشارَةُ إلى اسْتِطالَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِشِدَّتِهِ لا أنَّهُ بِهَذا المِقْدارِ مِنَ العَدَدِ حَقِيقَةً ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والعَرَبُ تَصِفُ أوْقاتَ الشِّدَّةِ والحُزْنِ بِالطُّولِ وأوْقاتَ الرَّخاءِ والفَرَحِ بِالقِصَرِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: مِن قِصَرِ اللَّيْلِ إذا زُرْتِنِي أشْكُو وتَشْكِينَ مِنَ الطُّولِ وقَوْلُهُ: لَيْلِي ولَيْلى نَفى نَوْمِي اخْتِلافُهُما ∗∗∗ بِالطُّولِ والطُّولُ يا طُوبى لَوِ اعْتَدَلا يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّما بَخِلَتْ ∗∗∗ بِالطُّولِ لَيْلى وإنْ جادَتْ بِهِ بِخِلا وقَوْلُهُ: ويَوْمٍ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ∗∗∗ دَمُ الزَقِّ عَنّا واصْطِفاقُ المَزاهِرِ إلى ما لا يَكادُ يُحْصى وفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخَبَرِ السّابِقِ ««إنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أهْوَنَ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ»» إشارَةٌ إلى هَذا وكَذا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ: «يُوضَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَراسِيُّ مِن ذَهَبٍ ويُظَلَّلُ عَلَيْهِمُ الغَمامُ ويُقَصَّرُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ اليَوْمُ ويُهَوَّنُ حَتّى يَكُونَ كَيَوْمٍ مِن أيّامِكم هَذِهِ» .
ولْيُنْظَرْ عَلى هَذا القَوْلِ ما حِكْمَةُ التَّنْصِيصِ عَلى العَدَدِ المَذْكُورِ وقِيلَ هو عَلى ظاهِرِهِ وحَقِيقَتِهِ وإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ خَمْسِينَ مَوْطِنًا كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا أيْ حَقِيقَةً.
وقِيلَ الخَمْسُونَ عَلى حَقِيقَتِها إلّا أنَّ المَعْنى مِقْدارُ ما يَقْضِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ قَدْرُ ما يَقْضِي بِالعَدْلِ في خَمْسِينَ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ.
وأشارَ بَعْضُهم إلى أنَّ المِقْدارَ المَذْكُورَ عَلَيْهِ مَجازٌ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن كَثْرَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُحاسَباتِ أوْ كِنايَةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ في يَوْمٍ يَكْثُرُ فِيهِ الحِسابُ ويَطُولُ بِحَيْثُ لَوْ وقَعَ مِن غَيْرِ أسْرَعِ الحاسِبِينَ وفي الدُّنْيا طالَ إلى خَمْسِينَ ألْفِ سَنَةٍ وتَخْصِيصُ عُرُوجِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ بِذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ أنَّ عُرُوجَهم مُتَحَقِّقٌ في غَيْرِهِ أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ هَوْلِهِ وانْقِطاعِ الخَلْقِ فِيهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وانْتِظارِهِمْ أمْرَهُ سُبْحانَهُ فِيهِمْ أوْ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ الهَوْلِ عَلى وجْهٍ آخَرَ وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ.
وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ وقِيلَ بِدافِعٍ وقِيلَ بِسالٍ إذا جُعِلَ مِنَ السَّيَلانِ لا بِهِ مِنَ السُّؤالِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ.
والمُرادُ بِاليَوْمِ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ ما أُرِيدَ بِهِ فِيما سَبَقَ ( وتَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ) إلَيْهِ مُسْتَطْرِدٌ عِنْدَ وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِذِي المَعارِجِ وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِتَعْرُجُ كَما هو الظّاهِرُ إلّا أنَّ العُرُوجَ في الدُّنْيا والمَعْنى تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلى عَرْشِهِ تَعالى ويَقْطَعُونَ في يَوْمٍ مِن أيّامِكم ما يَقْطَعُهُ الإنْسانُ في خَمْسِينَ ألْفِ سَنَةٍ لَوْ فُرِضَ سَيْرُهُ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ ومُجاهِدُ وجَماعَةٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا واخْتُلِفَ في تَحْدِيدِ المَسافَةِ فَقِيلَ هي مِن وجْهِ الأرْضِ إلى مُنْتَهى العَرْشِ.
وقِيلَ مِن قَعْرِ الأرْضِ السّابِعَةِ السُّفْلى إلى العَرْشِ وفُصِّلَ بِأنَّ ثِخَنَ كُلِّ أرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عامٍ وبَيْنَ كُلِّ أرْضِينَ خَمْسُمِائَةِ عامٍ وبَيْنَ الأرْضِ العُلْيا والسَّماءِ الدُّنْيا خَمْسُمِائَةِ عامٍ وثِخَنَ كُلِّ سَماءٍ كَذَلِكَ وما بَيْنَ كُلِّ سَماءَيْنِ كَذَلِكَ وما بَيْنَ السَّماءِ العُلْيا ومُقَعَّرِ الكُرْسِيِّ كَذَلِكَ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ أرْبَعَةُ عَشَرَ ألْفَ عامٍ ومِن مُقَعَّرِ الكُرْسِيِّ إلى العَرْشِ مَسِيرَةُ سِتٍّ وثَلاثِينَ ألْفَ عامٍ فالمَجْمُوعُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ.
وفِي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ وإنْ لَمْ تَبْعُدْ هَذِهِ السُّرْعَةُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ مَن وقَفَ عَلى سُرْعَةِ حَرَكَةِ الأضْواءِ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ هَذِهِ المُدَّةَ مِنَ الأرْضِ إلى العَرْشِ عُرُوجًا وهُبُوطًا واعْتَبَرَها كَذَلِكَ مِنَ الأرْضِ إلى مُقَعَّرِ السَّماءِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ومَن يَعْتَبِرُ أحَدَ الأمْرَيْنِ يَعْتَبِرُ هُنا مُحَدَّبَ السَّماءِ الدُّنْيا والأرْضِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لِلْمُتَصَوِّفَةِ في ذَلِكَ.
وقِيلَ الكَلامُ بَيانٌ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ.
والمُرادُ أنَّها في غايَةِ البُعْدِ والِارْتِفاعِ المَعْنَوِيِّ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ في المَعارِجِ أوِ الحِسِّيِّ كَما في بَعْضٍ آخَرَ.
ولَيْسَ المُرادُ التَّحْدِيدَ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ هي مُدَّةُ الدُّنْيا مُنْذُ خُلِقَتْ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ إلى أنَّهُ لا يَدْرِي أحَدٌ ما مَضى مِنها وما بَقِيَ أيْ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ إلَيْهِ في مُدَّةِ الدُّنْيا وبَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِالدُّنْيا ما يُقابِلُ الأُخْرى ويَشْمَلُ العَرْشَ ونَحْوَهُ ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ما ورَدَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ جَوابًا لِمَن سَألَهُ مَتى خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ يُكَذِّبُهُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَضى مِن أوَّلِ زَمَنِ خَلْقِهِ إلى اليَوْمِ يَزِيدُ عَلى خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ بِأُلُوفِ أُلُوفِ سِنِينَ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولَعَلَّهُ أوْلى بِالقَبُولِ مِمّا قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والحَقُّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ مَبْدَأ الخَلْقِ ولا مُدَّةَ بَقاءِ هَذِهِ البِنْيَةِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْدَ أنّا نَعْلَمُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى أنَّ هَذا العالَمَ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا وأنَّهُ سَتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتِ وتَبْرُزُ الخَلائِقُ لِلَّهِ تَعالى الواحِدِ القَهّارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ ومُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا لِأنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ اسْتِهْزاءٍ وتَعَنُّتٍ وتَكْذِيبٍ بِناءً عَلى أنَّ السّائِلَ النَّضِرُ وأضْرابُهُ وذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كانَ عَنْ تَضَجُّرٍ واسْتِبْطاءٍ لِلنَّصْرِ بِناءً عَلى أنَّهُ هو السّائِلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ ولا تَسْتَعْجِلْ فَإنَّ المَوْعُودَ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
والمَعْنى عَلى هَذا أيْضًا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ «سالَ سائِلٌ» مِنَ السَّيَلانِ كَقِراءَةِ «سالَ سَيْلٌ» ولا يَظْهَرُ تَفَرُّعُهُ عَلى سَألَ مِنَ السُّؤالِ إنْ كانَ السّائِلُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما لا شَكْوى فِيهِ إلى أحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وأُخْرِجَ عَنْ عَبْدِ الأعْلى بْنِ الحَجّاجِ أنَّهُ ما يَكُونُ مَعَهُ صاحِبُ المُصِيبَةِ في القَوْمِ بِحَيْثُ لا يُدْرى مَن هو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهم يَرَوْنَهُ ﴾ أيِ العَذابَ الواقِعَ أوِ اليَوْمَ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ﴾ إلَخِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ الحِسابِ مُتَعَلِّقًا بِتَعْرُجُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أوْ بِدافِعٍ أوْ بِواقِعٍ أوْ بِسالَ مِنَ السَّيَلانِ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِواقِعٍ عَلى وجْهٍ فَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ مِن تَخْصِيصِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِما إذا كانَ ﴿ فِي يَوْمٍ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِواقِعٍ فِيهِ بَحْثٌ ومَعْنًى ﴿ يَرَوْنَهُ ﴾ يَعْتَقِدُونَهُ ﴿ بَعِيدًا ﴾ أيْ مِنَ الإمْكانِ والمُرادُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُحالٌ أوْ مِنَ الوُقُوعِ والمُرادُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لا يَقَعُ أصْلًا وإنْ كانَ مُمْكِنًا ذاتًا وكَلامُ كَفّارِ أهْلِ مَكَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والحِسابِ مُحْتَمِلٌ لِلْأمْرَيْنِ بَلْ رُبَّما تَسْمَعُهم يَتَكَلَّمُونَ بِما يَكادُ يُشْعِرُ بِوُقُوعِهِ حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم فَهم مُتَلَوِّنُونَ في أمْرِهِ تَلَوُّنَ الحِرْباءِ والعَذابُ إنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ فَهو كَيَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَهم أوْ أنَّهُ لا يَقَعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا لِزَعْمِهِمْ دَفْعَ آلِهَتِهِمْ إيّاهُ عَنْهم وإنْ أُرِيدَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا فالظّاهِرُ أنَّهم لا يَنْفُونَ إمْكانَهُ وإنَّما يَنْفُونَ وُقُوعَهُ ولا تَكادُ تَتِمُّ دَعْوى أنَّهم يَنْفُونَ إمْكانَهُ الذّاتِيَّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ونَراهُ قَرِيبًا ﴾ أيْ مِنَ الإمْكانِ والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ كَما قِيلَ بِها في ( نَراهُ ) إذْ هو مُمْكِنٌ ولا مَعْنى لِوَصْفِ المُمْكِنِ بِالقُرْبِ مِنَ الإمْكانِ لِدُخُولِهِ في حَيِّزِهِ والمُرادُ وصْفُهُ بِالإمْكانِ أيْ ونَراهُ مُمْكِنًا وهَذا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ في ﴿ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ أوْ ( نَراهُ قَرِيبًا ) مِنَ الوُقُوعِ وهَذا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فِيهِ وقَدْ يُقالُ كَذَلِكَ عَلى الأوَّلِ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّهم ﴿ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴾ مِنَ الإمْكانِ ونَحْنُ نَراهُ قَرِيبًا مِنَ الوُقُوعِ فَضْلًا عَنِ الإمْكانِ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن تَقْدِيرِ الإمْكانِ في الجُمْلَتَيْنِ وجُمْلَةُ ﴿ إنَّهُمْ ﴾ إلَخِ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ وقِيلَ إنْ كانَ المُسْتَعْجَلُ هو النَّضِرُ وأضْرابُهُ فَهي مُسْتَأْنِفَةٌ بَيانًا لِشُبْهَةِ اسْتِهْزائِهِمْ وجَوابًا عَنْهُ وإنْ كانَ النَّبِيُّ فَهي تَعْلِيلٌ لِما ضَمِنَ الأمْرُ بِالصَّبْرِ مِن تَرْكِ الِاسْتِعْجالِ بِأنَّ رُؤْيَتَنا ذَلِكَ قَرِيبًا تُوجِبُ الوُثُوقَ وتَرْكَ الِاسْتِعْجالِ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَرِيبًا أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ واقِعٍ ﴾ وهو يَقَعُ أوْ بَدَلٌ عَنْ ﴿ فِي يَوْمٍ ﴾ إنْ عُلِّلَ بِهِ دُونَ ﴿ تَعْرُجُ ﴾ والنَّصْبُ بِاعْتِبارِ أنَّ مَحَلَّ الجارِّ والمَجْرُورِ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ بَدَلًا عَنِ المَجْرُورِ وحْدَهُ فاشْتِراطُ أبِي حَيّانٍ لِمُراعاةِ المَحَلِّ كَوْنَ الجارِّ زائِدًا.
أوْ شِبْهَهُ كَرُبَّ غَيْرُ صَحِيحٍ ولا يَحْتاجُ تَصْحِيحُ البَدَلِيَّةِ إلى التِزامِ كَوْنِ حَرَكَةِ يَوْمَ بِنائِيَةً بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لِذَلِكَ وإنْ أُضِيفَ لِمُعْرَبٍ وذُكِرَ أنَّهُ عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ الثَّلاثِ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابُ القِيامَةِ وأمّا إذا أُرِيدَ عَذابُ الدُّنْيا فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ يَكُونُ كَيْتَ وكَيْتَ وكَأنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا العَذابَ أُجِيبُوا بِأزَفِ الوُقُوعِ ثُمَّ قِيلَ لِيَهُنْ ذَلِكَ في جَنْبِ ما أُعِدَّ لَكم ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ العَذابُ الَّذِي هو العَذابُ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ البِدايَةَ مُمْكِنَةٌ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ ( في يَوْمٍ ) بِتَعْرُجُ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ أيْضًا كَما قَدَّمْنا وأنَّ الأوْلى عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِقَرِيبًا أنْ لا يُرادُ مِنَ القُرْبِ مِنَ الإمْكانِ الإمْكانُ الذّاتِيُّ لِما في تَقْيِيدِهِ بِاليَوْمِ نَوْعُ إيهامٍ.
وأنَّ ضَمِيرَيْ ( يَرَوْنَهُ ونَراهُ ) إذا كانا لِيَوْمِ القِيامَةِ يَلْزَمُ وُقُوعُ الزَّمانِ في الزَّمانِ في قَوْلِنا يَقَعُ يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمَ تَكُونُ كالمَهْلِ ويُجابُ بِما لا يَخْفى.
وجَوَّزَ في البَحْرِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( نَراهُ ) إذا كانَ عائِدًا عَلى يَوْمِ القِيامَةِ وفي الإرْشادِ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِلَيْسَ لَهُ دافَعٌ وبَعْضُهم كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ لا ذَكَرَ مَحْذُوفًا وتَعَلُّقُهُ بِنَراهُ كَما قالَهُ مَكِّيٌّ لا نَراهُ وكَذا تَعَلُّقُهُ بِيُبَصَّرُونَهم كَما حَكاهُ ومِثْلُهُ ما عَسى أنْ يُقالَ مُتَعَلِّقُهُ بِيَوَدُّ الآتِي بَعْدُ فَتَأمَّلْ والمُهْلُ أخْرَجَ أحْمَدُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وهو ما يَكُونُ في قَعْرِهِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُهْلُ ما أُذِيبَ عَلى مُهْلٍ مِنَ الفِلِزّاتِ والمُرادُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ واهِيَةً وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ أنَّ السَّماءَ الآنَ خَضْراءُ وأنَّها تُحَوَّلُ يَوْمَ القِيامَةِ لَوْنًا آخَرَ إلى الحُمْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ ﴾ كالصُّوفِ دُونَ تَقْيِيدٍ أوِ الأحْمَرِ أوِ المَصْبُوغِ ألْوانًا أقْوالٌ واخْتارَ جَمْعٌ الأخِيرَ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ ألْوانِ الجِبالِ فَمِنها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ وغَرابِيبُ سُودٌ فَإذا بُسَّتِ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ أيِ المَنفُوشَ كَما في القارِعَةِ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ وعَنِ الحَسَنِ تَسِيرُ الجِبالُ مَعَ الرِّياحِ ثُمَّ يَنْهَدُّ ثُمَّ تَصِيرُ كالعِهْنِ ثُمَّ تُنْسَفُ فَتَصِيرُ هَباءً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ أيْ لا يَسْألُ قَرِيبٌ مُشْفِقٌ قَرِيبًا مُشْفِقًا عَنْ حالِهِ ولا يُكَلِّمُهُ لِابْتِلاءِ كُلٍّ مِنهم بِما يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ لا يَسْألُهُ عَنْ حالِهِ لِأنَّها ظاهِرَةٌ وقِيلَ لا يَسْألُهُ أنْ يَحْمِلَ عَنْهُ أوْزارَهُ شَيْئًا لِيَأْسِهِ عَنْ ذَلِكَ وقِيلَ لا يَسْألُهُ شَفاعَةً وفي البَحْرِ لا يَسْألُهُ نَصْرَهُ ولا مَنفَعَتَهُ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَهُ.
ولَعَلَّ الأوَّلَ أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ وأيًّا ما كانَ فَمَفْعُولُ ( يَسْألُ ) الثّانِي مَحْذُوفٌ وقِيلَ ﴿ حَمِيمًا ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ لا يَسْألُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والبَزِّيُّ بِخِلافٍ عَنْ ثُلاثَتِهِمْ «ولا يُسْألُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ لا يُطْلَبُ مِن حَمِيمٍ حَمِيمٌ ولا يُكَلَّفُ إحْضارَهُ أوْ لا يُسْألُ مِنهُ حالُهُ وقِيلَ لا يُسْألُ ذُنُوبَ حَمِيمِهِ لِيُؤْخَذَ بِها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ أيْ يُبَصَّرُ الأحْماءُ الأحْماءَ فَلا يُخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا اشْتِغالُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ وقِيلَ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ ولا يَخْفى حالُهُ ويُبَصَّرُونَهم قِيلَ مِن بَصَّرْتُهُ بِالشَّيْءِ إذا أوْضَحْتُهُ لَهُ حَتّى يُبْصِرَهُ ثُمَّ ضَمِنَ مَعْنى التَّعْرِيفِ أوْ حَذَفُ الصِّلَةِ إيصالًا وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ لا ( يُسْألُ ) إلَخِ قِيلَ لَعَلَّهُ لا يُبْصِرُهُ فَقِيلَ ﴿ يُبَصَّرُونَهُمْ ﴾ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً أيْ ﴿ حَمِيمًا ﴾ مُبْصِرِينَ مُعَرِّفِينَ إيّاهم وأنْ تَكُونَ حالًا إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ أوْ مِن كِلَيْهِما ولا يَضُرُّ التَّنْكِيرُ لِمَكانِ العُمُومِ وهو مُسَوِّغٌ لِلْحالِيَّةِ ورُجِّحَتْ عَلى الوَصْفِيَّةِ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالوَصْفِ في مَقامِ الإطْلاقِ والتَّعْمِيمُ غَيْرُ مُناسِبٍ ولَيْسَ فِيها ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ.
وقَرَأ قَتادَةُ «يُبَصَّرُونَهُمْ» مُخَفَّفًا مَعَ كَسْرِ الصّادِ أيْ يُشاهِدُونَهم ﴿ يَوَدُّ المُجْرِمُ ﴾ أيْ يَتَمَنّى الكافِرُ وقِيلَ كُلُّ مُذْنِبٍ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ ﴾ أيِ العَذابِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿ بِبَنِيهِ ﴾ ﴿ وصاحِبَتِهِ وأخِيهِ ﴾ حِكايَةً لِوِدادَتِهِمْ ( ولَوْ ) في مَعْنى التَّمَنِّي وقِيلَ هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةِ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ والتَّقْدِيرُ ﴿ يَوَدُّ ﴾ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ إلَخِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَّ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ هو السّائِلَ فَإنْ فُرِضَ أنَّ السّائِلَ المَفْعُولُ فَهي حالٌ مِن ضَمِيرِهِ وقِيلَ الظّاهِرُ جَعْلُها حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ لِأنَّهُ المُتَمَنِّي.
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿ يَوَدُّ المُجْرِمُ ﴾ مِنهم وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ كَما في أنْوارِ التَّنْزِيلِ والأعْرَجُ «يَوْمَئِذٍ» بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ كَذَلِكَ وبِتَنْوِينِ «عَذابٍ» فَيَوْمَئِذٍ حِينَئِذٍ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ ﴿ وفَصِيلَتِهِ ﴾ أيْ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ فُصِلَ عَنْهم كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَعَلَّهُ أوْلى مِن قَوْلِ الرّاغِبِ عَشِيرَتِهِ المُنْفَصِلَةِ عَنْهُ وقالَ ثَعْلَبٌ ( فَصِيلَتِهِ ) آباؤُهُ الأدْنَوْنَ وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ الفَصِيلَةَ بِالفَخْذِ ﴿ الَّتِي تُؤْوِيهِ ﴾ أيْ تُضَمِّنُهُ انْتِماءً إلَيْها لِياذًا بِها في النَّوائِبِ ﴿ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الإنْسِ والجِنِّ أوِ الخَلائِقِ الشّامِلَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ ومِن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يَفْتَدِي ﴾ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي في ضِمْنِ الفِعْلِ أيْ يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الِافْتِداءُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانٍ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ والزَّمَخْشَرِيُّ عَوَّدَهُ إلى ( مَن في الأرْضِ ) وثُمَّ الِاسْتِبْعادُ الإنْجاءُ يَعْنِي يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ وقَرَأ الزُّهْرِيُّ «تُؤْوِيهِ» و«يُنْجِيهِ» بِضَمِّ الهاءَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنِ الوِدادَةِ وتَصْرِيحٌ بِامْتِناعِ الإنْجاءِ وضَمِيرُ ﴿ إنَّها ﴾ لِلنّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ العَذابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَظى ﴾ خَبَرُ إنَّ وهي عَلَمٌ لِجَهَنَّمَ أوْ لِلدَّرَكَةِ الثّانِيَةِ مِن دَرَكاتِها مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى بِمَعْنى اللَّهَبِ الخالِصِ ومَنعُ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ اللَّهَبُ عَلى المُبالَغَةِ كَأنَّ كُلَّها لَهَبٌ خالِصٌ وحَذْفُ التَّنْوِينِ إمّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ أوْ لِأنَّهُ عَلَمُ جِنْسٍ مَعْدُولٌ عَمّا فِيهِ اللّامُ كَسِحْرٍ إذا أرَدْتَ سِحْرًا بِعَيْنِهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ نَزّاعَةً لِلشَّوى ﴾ أيِ الأطْرافِ كاليَدِ والرَّجُلِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ وقالَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وقِيلَ الأعْضاءُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَقْتَلٍ ولِذا يُقالُ رَمى فَأشْوى إذا لَمْ يَقْتُلْ أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهي جِلْدَةُ الرَّأْسِ وأنْشَدُوا قَوْلَ الأعْشى: قالَتْ =قَتِيلَةُ ما لَهُ قَدْ جَلَلَتْ شَيْبًا شَواتُهُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وقُرَّةَ بْنِ خالِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وأخْرَجَ هو عَنْ أبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرَها بِلَحْمِ السّاقَيْنِ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ العَصَبُ والعَقِبُ وعَنْ أبِي العالِيَةِ مَحاسِنُ الوَجْهِ وفَسَّرَ نَزْعَها لِذَلِكَ بِأكْلِها لَهُ فَتَأْكُلُهُ ثُمَّ يَعُودُ وهَكَذا نَصَبَ بِتَقْدِيرٍ أعْنِي أوْ أخَصُّ وهو مُرادُ مَن قالَ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا والعامِلُ فِيها ﴿ لَظى ﴾ وإنْ كانَ عَلَمًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّلَظِّي كَما عَمِلَ العَلَمُ في الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: أنا أبُو المِنهالِ بَعْضَ الأحْيانِ أيِ المَشْهُورُ بَعْضَ الأحْيانِ قالَهُ أبُو حَيّانٍ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الكَشْفِ وقالَ الخَفاجِيُّ ﴿ لَظى ﴾ بِمَعْنى مُتَلَظِّيَةٍ والحالُ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيها لا مِنها بِالمَعْنى السّابِقِ لِأنَّها نَكِرَةٌ أوْ خَبَرٌ.
وفي مَجِيءِ الحالِ مِن مِثْلِهِ ما فِيهِ وقِيلَ هو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لِلنّاسِ مِن عارِ والعامِلُ أحَقَّهُ أوِ الخَبَرُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُسَمّى أوِ المُبْتَدَأِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّنْبِيهِ أوْ مَعْنى الجُمْلَةِ وارْتِضاءُ الرَّضِيِّ وقِيلَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَدْعُو قُدِّمَ عَلَيْهِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ إنَّها مُبْهَمًا تَرْجَمَ عَنْهُ الخَبَرُ أعْنِي ﴿ لَظى ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بِما رَدَّهُ المُحَقِّقُونَ وقَرَأ الأكْثَرُونَ نَزّاعَةٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ أوْ صِفَةٌ لِلَظى وهو ظاهِرٌ عَلى اعْتِبارِ كَوْنِها نَكِرَةً وكَذا عَلى كَوْنِها عَلَمَ جِنْسٍ لِأنَّهُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ في إجْرائِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ أوْ هو الخَبَرُ ( ولَظى ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ وإنِ اعْتُبِرَتْ نَكِرَةً بِناءً عَلى أنَّ إبْدالَ النَّكِرَةِ غَيْرَ مَنعُوتَةٍ مِنَ المَعْرِفَةِ قَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ إذا تَضَمَّنَ فائِدَةً كَما هُنا.
وجَوَّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ إنَّها ﴾ لِلْقِصَّةِ ( ولَظى ) مُبْتَدَأٌ بِناءً عَلى أنَّهُ مَعْرِفَةٌ ونَزّاعَةٌ خَبَرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ تَدْعُوَ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أوْ حالٌ مُتَداخِلَةٌ أوْ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُفْرَدَةٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَلا تَغْفُلْ والدُّعاءُ عَلى حَقِيقَتِهِ وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى فِيها القُدْرَةَ عَلى الكَلامِ كَما يَخْلُقُهُ في جُلُودِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ فَتُنادِيهِمْ بِأسْمائِهِمْ وأسْماءِ آبائِهِمْ ورُوِيَ أنَّها تَقُولُ لَهم ( إلَيَّ إلَيَّ ) يا كافِرُ يا مُنافِقُ.
وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الجَذْبُ والإحْضارُ كَما في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ: أمْسى بِوَهْبَيْنِ مُجْتازًا لِمَرْتَعِهِ مِن ذِي الفَوارِسِ تَدْعُو أنْفَهُ الرَّبَبَ ونَحْوُهُ قَوْلُهُ أيْضًا: لَيالِي اللَّهْوِ يُطْبِينِي فَأتْبَعُهُ ∗∗∗ كَأنَّنِي ضارِبٌ في غَمْرَةِ لَعِبِ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ شَبَّهَ لِياقَتَها لَهم أوِ اسْتِحْقاقَهم لَها عَلى ما قِيلَ بِدُعائِها لَهم فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.
وقالَ ثَعْلَبٌ تَدْعُو تَهْلِكُ مِن قَوْلِ العَرَبِ دَعاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أهْلَكَكَ وحَكاهُ الخَلِيلُ عَنْهم.
وفِي الأساسِ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى بِما يَكْرَهُ أنْزَلَهُ بِهِ وأصابَتْهم دَواعِي الدَّهْرِ صُرُوفُهُ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: دَعاكَ اللَّهُ مِن رَجُلٍ بِأفْعى ∗∗∗ إذا نامَ العُيُونُ سَرَتْ عَلَيْكا واسْتَظْهَرَ أنَّهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلدُّعاءِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ لِزَبانِيَتِها وأُسْنِدَ إلَيْها مَجازًا أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تَدْعُو زَبانِيَتَها ﴿ مَن أدْبَرَ ﴾ في الدُّنْيا عَنِ الحَقِّ ﴿ وتَوَلّى ﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ ﴿ وجَمَعَ فَأوْعى ﴾ أيْ جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءِ وكَنَزَهُ ولَمْ يُؤَدِّ حُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ زَهًّا بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا وهَذا إشارَةٌ إلى كُفّارٍ أغْنِياءَ وما أخْوَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّهُ قالَ كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ لا يَرْبُطُ كِيسَهُ ويَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ ﴿ وجَمَعَ فَأوْعى ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾ الهَلَعُ سُرْعَةُ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ مِن قَوْلِهِمْ ناقَةٌ هَلُوعُ سَرِيعَةُ السَّيْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الهَلُوعِ فَقالَ هو كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إذا مَسَّهُ الشَّرُّ ﴾ إلَخِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا فَقَرَأ الآيَةَ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ ثَعْلَبٍ قالَ قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طاهِرٍ: ما الهَلَعُ؟
فَقُلْتُ: قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ولا يَكُونُ تَفْسِيرٌ أبْيَنَ مِن تَفْسِيرِهِ سُبْحانَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ إذا مَسَّهُ ﴾ الآيَةَ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها ( والإنْسانَ ) الجِنْسَ أوِ الكافِرَ قَوْلانِ أيَّدَ ثانِيَهُما بِما رَوى الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ ولا يَأْبى ذاكَ إرادَةُ الجِنْسِ والشَّرُّ الفَقْرُ والمَرَضُ ونَحْوُهُما وألْ لِلْجِنْسِ أيْ إذا مَسَّهُ جِنْسُ الشَّرِّ ﴿ جَزُوعًا ﴾ أيْ مُبالِغًا في الجَزَعِ مُكْثِرًا مِنهُ.
والجَزَعُ قالَ الرّاغِبُ أبْلَغُ مِنَ الحُزْنِ فَإنَّ الحُزْنَ عامٌّ والجَزَعَ حُزْنٌ يَصْرِفُ الإنْسانَ عَمّا هو بِصَدَدِهِ ويَقْطَعُهُ عَنْهُ.
وأصْلُهُ قَطْعُ الحَبْلِ مِن نَصِفِهِ يُقالُ: جَزَعُهُ فانْجَزَعَ ولِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ فِيهِ قِيلَ جَزِعَ الوادِي لِمُنْقَطَعِهِ والِانْقِطاعُ اللَّوْنُ بِتَغَيُّرِهِ قِيلَ لِلْخَرَزِ المُتَلَوِّنِ جَزَعٌ وعَنْهُ اسْتُعِيرَ قَوْلُهم لَحْمٌ مُجَزَّعٌ إذْ كانَ ذا لَوْنَيْنِ وقِيلَ لِلْبُسْرَةِ إذا بَلَغَ الإرْطابُ نِصْفَها مُجَزَّعَةً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ ﴾ المالُ والغِنى أوِ الصِّحَّةُ ﴿ مَنُوعًا ﴾ مُبالِغًا في المَنعِ والإمْساكِ ( وإذا ) الأُولى ظَرْفٌ لَجَزُوعًا والثّانِيَةُ ظَرْفٌ لَمَنُوعًا والوَصْفانِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ صِفَتانِ كاشِفَتانِ لَهَلُوعًا الواقِعِ حالًا كَما هو الأنْسَبُ بِما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ أحْوالٌ فَقِيلَ مُقَدِّرَةٌ إنْ أُرِيدَ اتِّصافُ الإنْسانِ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ فَإنَّهُ في حالِ الخَلْقِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وإنَّما حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ عَقْلِهِ ودُخُولِهِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، ومُحَقَّقَةٌ إنْ أُرِيدَ اتِّصافُهُ بِمَبْدَأِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنَ الأُمُورِ الجِبِلِيَّةِ والطَّبائِعِ الكُلِّيَّةِ المُنْدَرِجَةِ فِيها تِلْكَ الصِّفاتُ بِالقُوَّةِ ولا مانِعَ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ مِن خَلْقِهِ تَعالى الإنْسانَ وطَبْعِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ عَلى ذَلِكَ وفي زَوالِها بَعْدُ خِلافٌ فَقِيلَ إنَّها تَزُولُ بِالمُعالَجَةِ ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَنعِ مِنها والنَّهْيِ عَنْها فائِدَةٌ وهي لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ الماهِيَّةِ فاللَّهُ تَعالى كَما خَلَقَها يُزِيلُها وقِيلَ: إنَّها لا تَزُولُ وإنَّما تُسْتَرُ ويُمْنَعُ المَرْءُ عَنْ آثارِها الظّاهِرَةِ كَما قِيلَ: والطَّبْعُ في الإنْسانِ لا يَتَغَيَّرُ وهَذا الخِلافُ جارٍ في جَمِيعِ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وقالَ بَعْضُهُمْ: الأُمُورُ التّابِعَةُ مِنها لِأصْلِ المِزاجِ لا تَتَغَيَّرُ والتّابِعَةُ لِعَرَضِهِ قَدْ تَتَغَيَّرُ.
وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً فَقالَ: المَعْنى أنَّ الإنْسانَ لِإيثارِهِ الجَزَعَ والمَنعَ وتَمَكُّنِهِما مِنهُ ورُسُوخِهِما فِيهِ كَأنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَيْهِما مَطْبُوعٌ وكَأنَّهُ أمْرٌ خِلْقِيٌّ وضَرُورِيٌّ غَيْرُ اخْتِيارِيٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ ﴾ لِأنَّهُ في البَطْنِ والمَهْدِ لَمْ يَكُنْ بِهِ هَلَعٌ ولِأنَّهُ ذَمٌّ واللَّهُ تَعالى لا يَذُمُّ فِعْلَهُ سُبْحانَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ اسْتِثْناءُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جاهَدُوا أنْفُسَهم وحَمَلُوها عَلى المَكارِهِ وطَلَّقُوها مِنَ الشَّهَواتِ حَتّى لَمْ يَكُونُوا جازِعِينَ ولا مانِعِينَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في المَهْدِ أهَلَعُ وأهْلَعُ فَيُسْرِعُ إلى الثَّدْيِ ويَحْرِصُ عَلى الرِّضاعِ وإنَّ مَسَّهُ ألَمٌ جَزِعَ وبَكى وإنَّ تَمَسَّكَ بِشَيْءٍ فَزُوحِمَ عَلَيْهِ مَنَعَ بِما في قُدْرَتِهِ مِنِ اضْطِرابٍ وبُكاءٍ وفي البَطْنِ لا يُعْلَمُ حالُهُ وأيْضًا الِاسْمُ يَقَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الوَضْعِ فَما بَعْدَهُ هو المُعْتَبَرُ وإنَّ الذَّمَّ مِن حَيْثُ القِيامُ بِالعَبْدِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وإنَّ الِاسْتِثْناءَ إمّا مُنْقَطِعٌ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ مَن أدْبَرَ وتَوَلّى مُعَلِّلًا بِهَلَعِهِ وجَزَعِهِ قالَ تَعالى لَكِنَّ المُصَلِّينَ في مُقابَلَتِهِمْ ﴿ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ ﴾ ثُمَّ كَرَّ عَلى السّابِقِ وقالَ ﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالفاءِ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ ورَجَعا إلى بَدْءٍ لِأنَّهم مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ افْتَتَحَ السُّورَةَ بِذِكْرِ سُؤالِهِمْ أوْ مُتَّصِلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَسْتَمِرَّ خَلْقُهم عَلى الهَلَعِ فَإنَّ الأوَّلَ لَمّا كانَ تَعْلِيلًا كانَ مَعْناهُ خَلْقًا مُسْتَمِرًّا عَلى الهَلَعِ والجَزَعِ ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَمِرَّ خَلْقُهم عَلى ذَلِكَ فَلا يَرِدُ أنَّ الهَلَعَ الَّذِي في المَهْدِ لَوْ كانَ مُرادًا لَما صَحَّ اسْتِثْناءُ المُصَلِّينَ لِأنَّهم كَغَيْرِهِمْ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ انْتَهى وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ إلَخِ وقَدْ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِما يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ تَنَزُّهِهِمْ عَنِ الهَلَعِ مِنَ الاسْتِغْراقِ في طاعَةِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ والإشْفاقِ عَلى الخَلْقِ والإيمانِ بِالجَزاءِ والخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ وكَسْرِ الشَّهْوَةِ وإيثارِ الآجِلِ عَلى العاجِلِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ أيْ مُواظِبُونَ عَلى أدائِها لا يُخِلُّونَ بِها ولا يَشْتَغِلُونَ عَنْها بِشَيْءٍ مِنَ الشَّواغِلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى فَضْلِ المُداوِمَةِ عَلى العِبادَةِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حِبّانٍ عَنْ أبِي سَلَمَةٍ قالَ حَدَّثَتْنِي عائِشَةُ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «خُذُوا مِنَ العَمَلِ ما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا قالَتْ فَكانَ أحَبُّ الأعْمالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ما دامَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّ، وكانَ إذا صَلّى صَلاةً دامَ عَلَيْها» .
وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كانَ عَمَلُهُ دِيمَةً» قالَ جارُ اللَّهِ أيْ ما فَعَلَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ إلّا وقَدِ اعْتادَ ذَلِكَ ويَفْعَلُهُ كُلَّما جاءَ وقْتُهُ ووُجِهَ بِأنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ ثُمَّ في جَعْلِهِ نَفْسَ الحالَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كانَ مَلَكَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ ﴿ دائِمُونَ ﴾ أيْ لا يَلْتَفِتُونَ فِيها ومِنهُ الماءُ الدّائِمُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرانِ بْنِ حُصَيْنٍ وكَذا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الخَيْرِ أنَّ عُقْبَةَ قالَ لَهُمْ: مَنِ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ؟
قالَ: قُلْنا الَّذِينَ لا يَزالُونَ يُصَلُّونَ، فَقالَ: لا ولَكِنِ الَّذِينَ إذا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا عَنْ يَمِينٍ ولا شِمالٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ فَتُشْعِرُ الآيَةُ بِذَمِّ الِالتِفاتِ في الصَّلاةِ وقَدْ نَطَقَتِ الأخْبارُ بِذَلِكَ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِها عَلى أنَّهُ كَبِيرَةٌ وتَحْقِيقُهُ في الزَّواجِرِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ أنَّ دَوامَها أداؤُها في مَواقِيتِها وهو كَما تَرى ولَعَلَّ تَرْكَ الِالتِفاتِ والأداءَ في الوَقْتِ يَتَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي مِنَ المُحافَظَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والمُرادُ بِالصَّلاةِ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ وعَنِ الإمامِ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِها النّافِلَةُ.
وقِيلَ ما أُمِرُوا بِهِ مُطْلَقًا مِنها وقَرَأ الحَسَنُ «صَلَواتِهِمْ» بِالجَمْعِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ أيْ نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى وإشْفاقًا عَلى النّاسِ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما يُوَظِّفُهُ الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ يُؤَدِّيهِ في كُلِّ جُمْعَةٍ أوْ كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا.
وقِيلَ هو الزَّكاةُ لِأنَّها مُقَدَّرَةٌ مَعْلُومَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والزَّكاةُ إنَّما فُرِضَتْ ( وعُيِّنَّ ) مِقْدارُها في المَدِينَةِ وقَبْلَ ذَلِكَ كانَتْ مَفْرُوضَةً مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ ﴿ لِلسّائِلِ ﴾ الَّذِي يَسْألُ ﴿ والمَحْرُومِ ﴾ الَّذِي لا يَسْألُ فَيُظَنُّ أنَّهُ غَنِيٌّ فَيُحْرَمُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ ولا يَصِحُّ أنْ تُرادَ بِهِ مَن يَحْرِمُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ لِلُزُومِ التَّناقُضِ كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ المُرادُ التَّصْدِيقُ بِهِ بِالأعْمالِ حَيْثُ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ طَمَعًا في المَثُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ لِأنَّ التَّصْدِيقَ القَلْبِيَّ عامٌّ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لا امْتِيازَ فِيهِ لِأحَدٍ مِنهم وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ والأعْمالَ تَتَجَدَّدُ مِنهم آنًا فَآنًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ خائِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الفاضِلَةِ اسْتِقْصارًا لَها واسْتِعْظامًا لِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴾ اعْتِراضٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَ عَذابَهُ عَزَّ وجَلَّ وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ كَهَؤُلاءِ ولِذا كانَ السَّلَفُ الصّالِحُ وهم هم خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى قالَ بَعْضُهم يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ وآخَرُ لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ عَلى وجْهٍ مُسْتَوْفًى فَتَذَكَّرْهُ ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها وكَأنَّهُ لِكَثْرَةِ الأمانَةِ جُمِعَتْ ولَمْ يُجْمَعِ العَهْدُ قَبْلُ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ كالأمانَةِ كَثْرَةً وقِيلَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ ويَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الأمانَةِ ما رَوى الكَلْبِيُّ: كُلُّ أحَدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما افْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ والأقْوالِ والأحْوالِ والأفْعالِ ومِنَ الحُقُوقِ في الأمْوالِ وحُقُوقِ الأهْلِ والعِيالِ وسائِرِ الأقارِبِ والمَمْلُوكِينَ والجارِ وسائِرِ المُسْلِمِينَ.
وقالَ السُّدِّيُّ إنَّ حُقُوقَ الشَّرْعِ كُلَّها أماناتٌ قَدْ قَبِلَها المُؤْمِنُ وضِمِنَ أداءَها بِقَبُولِ الإيمانِ وقِيلَ كُلُّ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِلْعَبْدِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِها أمانَةٌ عِنْدَهُ فَمَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أعْطاهُ لِأجْلِهِ وأذِنَ سُبْحانَهُ لَهُ بِهِ فَقَدْ خانَ الأمانَةَ والخِيانَةُ فِيها وكَذا الغَدْرُ بِالعَهْدِ مِنَ الكَبائِرِ عَلى ما نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا ومَن كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنهُنَّ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتّى يَدَعَها: إذا اؤْتُمِنُ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ إلّا قالَ: لا إيمانَ لِمَن لا أمانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَن لا عَهْدَ لَهُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «لِأمانَتِهِمْ» بِالإفْرادِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ﴾ مُقِيمُونَ لَها بِالعَدْلِ غَيْرُ مُنْكِرِينَ لَها أوْ لِشَيْءٍ مِنها ولا مُخْفِينَ إحْياءً لِحُقُوقِ النّاسِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها وتَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ سُبْحانَهُ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الشَّهادَةَ بِما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ العِبادِ وذَكَرَ أنَّها مُنْدَرِجَةٌ في الأماناتِ إلّا أنَّها خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِإبانَةِ فَضْلِها وجَمْعُها لِاخْتِلافِ الأنْواعِ ولَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ أُفْرِدَ عَلى ما قِيلَ لِأنَّها مَصْدَرٌ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإفْرادِ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ أيْ يُراعُونَ شَرائِطَها ويُكْمِلُونَ فَرائِضَها وسُنَنَها ومُسْتَحَبّاتِها بِاسْتِعارَةِ الحِفْظِ مِنَ الضَّياعِ لِلْإتْمامِ والتَّكْمِيلِ وهَذا غَيْرُ الدَّوامِ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى أنْفُسِ الصَّلَواتِ وهَذا يَرْجِعُ إلى أحْوالِها فَلا يَتَكَرَّرُ مَعَ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ وكَأنَّهُ لَمّا كانَ ما يُراعى في إتْمامِ الصَّلاةِ وتَكْمِيلِها مِمّا يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ الأوْقاتِ جِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ كَذا قِيلَ.
وقِيلَ إنَّ الإتْيانَ بِهِ مَعَ تَقْدِيمِ هم لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهَذا الحُكْمِ لِما أنَّ أمْرَ التَّقْوى في مِثْلِ ذَلِكَ أقْوى مِنهُ في مِثْلِ هم مُحافِظُونَ واعْتُبِرَ هَذا هُنا دُونَ ما في الصَّدْرِ لِأنَّ المُراعاةَ المَذْكُورَةَ كَثِيرًا ما يُغْفَلُ عَنْها.
وفي افْتِتاحِ الأوْصافِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالصَّلاةِ واخْتِتامِها بِهِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِها وعُلُوِّ قَدْرِها لِأنَّها مِعْراجُ المُؤْمِنِينَ ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ ولِذا جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وعَلى آلِهِ وصَحِبِهِ أجْمَعِينَ وتَكْرِيرُ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ إيذانًا بِأنْ كانَ واحِدٌ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ مُسْتَتْبَعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ ولا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنها تَتِمَّةً لِلْآخَرِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِمْ إمّا في الفَضْلِ أوْ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ مَبْدَأِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فِي جَنّاتٍ ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في جَنّاتٍ لا يُقادِرُ قَدْرَها ولا يُدْرَكُ كُنْهُها وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ مُكْرَمُونَ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ هو الخَبَرُ ( وفي جَنّاتٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ أيْ مُكْرَمُونَ كائِنِينَ في جَنّاتٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ ﴾ أيْ في الجِهَةِ الَّتِي تَلِيكَ ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْكَ مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ لِيَظْفَرُوا بِما يَجْعَلُونَهُ هُزُؤًا ﴿ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ﴾ جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدُوا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: فَجاؤُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ حَتّى يَكُونُوا حَوْلَ مِنبَرِهِ عِزِينا وخَصَّ بَعْضُهم كُلَّ جَماعَةٍ بِنَحْوِ ثَلاثَةِ أشْخاصٍ أوْ أرْبَعَةٍ جَمْعُ عِزَةٍ وأصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العِزِّ ولِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي وتَنْتَسِبُ إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى فَلامُها واوٌ وقِيلَ لامُها هاءٌ والأصْلُ عِزْهَةٌ وجُمِعَتْ بِالواوِ والنُّونِ كَما جُمِعَتْ سَنَةٌ وأخَواتُها وتَكْسَرُ العَيْنُ في الجَمْعِ وتُضَمُّ.
وقالُوا: عِزْيٍ عَلى فِعْلٍ ولَمْ يَقُولُوا عِزاتٍ ونُصِبَ عِزِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ عَلى التَّداخُلِ ( وعَنِ اليَمِينِ ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى مُتَفَرِّقِينَ أوْ بِمُهْطِعِينَ أيْ مُسْرِعِينَ عَنِ الجِهَتَيْنِ أوْ هو حالٌ أيْ كائِنِينَ عَنِ اليَمِينِ.
رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَكانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ حِلَقًا حِلَقًا وفِرَقًا يَسْتَمِعُونَ ويَسْتَهْزِئُونَ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَقُولُونَ إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلْنَدْخُلْها قَبْلَهم فَنَزَلَتْ» .
وفِي بَعْضِ الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ الأوْلى أنْ لا يَجْلِسَ المُؤْمِنُونَ عِزِينَ لِأنَّهُ مِن عادَةِ الجاهِلِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴾ أيْ بِلا إيمانٍ وهو إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ إلَخِ وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطَلْحَةُ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «يَدْخُلَ» بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفارِغِ ﴿ إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ ﴾ قِيلَ هو تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ والمَعْنى إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ وهو تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَمَن لَمْ يَسْتَكْمِلْها بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَتَبَوَّأ مُتَبَوَّأ الكامِلِينَ فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَطْمَعُوا في دُخُولِ الجَنَّةِ وهم مُكِبُّونَ عَلى الكُفْرِ والفُسُوقِ وإنْكارِ البَعْثِ وكَوْنُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهم بِاعْتِبارِ سَماعِهِمْ إيّاهُ مِنَ النَّبِيِّ وقِيلَ مَنِ ابْتِدائِيَّةٌ والمَعْنى أنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لا تُناسِبُ عالَمَ القُدْسِ فَمَتى لَمْ تَسْتَكْمِلْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ولَمْ تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمْ تَسْتَعِدَّ لِدُخُولِها وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى وقالَ مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ إنَّ الأقْرَبَ كَوْنُهُ كَلامًا مُسْتَأْنِفًا قَدْ سِيقَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنْ يُهْلِكَهم لِكُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ واسْتِهْزائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ وبِما نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الوَحْيِ وادِّعائِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ ويُنْشِئُ بَدَلَهم قَوْمًا آخَرِينَ فَإنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى ما يَعْلَمُونَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى ذَلِكَ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ في قَوْلِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْنا مِن أنَّ خَلْقَهم مِمّا يَعْلَمُونَ وهو النُّطْفَةُ القَذِرَةُ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ ﴾ أيْ نُهْلِكُهم بِالمَرَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهم ونَأْتِي بَدَلَهم بِخَلْقٍ آخَرِينَ.
لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ ﴿ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ أيْ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ لَكِنَّ مَشِيئَتَنا المَبْنِيَّةَ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عُقُوباتِهِمْ وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ ولَعَلَّ الأقْرَبَ كَوْنُهُ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لَكِنْ عَلى وجْهٍ قَرَّرَ بِهِ صاحِبُ الكَشْفِ كَلامَ الكَشّافِ فَقالَ أرادَ أنَّهُ رَدْعٌ عَنِ الطَّمَعِ مُعَلِّلٌ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مِن حَيْثُ إنَّ ذِكْرَ دَلِيلِهِ إنَّما يَكُونُ مَعَ المُنْكِرِ فَأُقِيمَ عِلَّةُ العِلَّةِ مَقامَ العِلَّةِ مُبالَغَةً لَمّا حُكِيَ عَنْهم طَمَعُ دُخُولِ الجَنَّةِ.
ومِنَ البَدِيهِيِّ أنَّهُ يُنافِي حالَ مَن لا يُثْبِتُها فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يُنْكِرُ البَعْثَ ( فَأنّى ) يَتَّجِهُ طَمَعُهُ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ أوَّلًا وبِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِمْ ثانِيًا وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى مَكانِ مُناقَضَتِهِمْ فَإنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِالسّاعَةِ والطَّمَعَ في دُخُولِ الجَنَّةِ مِمّا يَتَنافَيانِ ووَجْهُ أقْرَبِيَّتِهِ قُوَّةُ الِارْتِباطِ بِما سَبَقَ عَلَيْهِ وهو في الحَقِيقَةِ أبْعَدُ مَغْزًى ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ ﴾ إلَخِ أنَّ مَعْناهُ ﴿ إنّا لَقادِرُونَ ﴾ عَلى أنْ نُعْطِيَ مُحَمَّدًا مَن هو خَيْرٌ مِنهم وهُمُ الأنْصارُ لَيْسَ بِذاكَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْ مادَّةِ خَلْقِهِمْ بِما يَعْلَمُونَ مِمّا يَكْسِرُ سَوْرَةَ المُتَكَبِّرِينَ ما لا يَخْفى والمُرادُ بِالمَشارِقِ والمَغارِبِ مَشارِقُ الشَّمْسِ المِائَةُ والثَّمانُونَ ومَغارِبُها كَذَلِكَ أوْ مَشارِقُ ومَغارِبُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ مَشارِقُ الكَواكِبِ ومَغارِبُها مُطْلَقًا كَما قِيلَ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ رَبُّ المَخْلُوقاتِ بِأسْرِها والكَلامُ فِي ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ وقَرَأ قَوْمٌ «فَلا قَسَمَ» بَلاءٍ دُونَ ألْفٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ «المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» مُفْرَدَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ فَخَلِّهِمْ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ ﴿ يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما حُكِيَ عَنْهم ﴿ ويَلْعَبُوا ﴾ في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ هو يَوْمُ البَعْثِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ ﴾ أيِ القُبُورِ فَإنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَهُمُ ﴾ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِيُلاقُوا، وتَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ مَوْتِهِمْ أوْ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى وجَعَلَ ( يَوْمَ ) مَفْعُولًا بِهِ لِمَحْذُوفٍ كاذْكُرْ أوْ مُتَعَلِّقًا بِ ﴿ تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ وما في الآيَةِ مِن مَعْنى المُهادَنَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «يُلْقُوا» مُضارِعُ لَقِيَ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ «يُخْرَجُونَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ ﴿ سِراعًا ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ وهو حالٌ مِن مَرْفُوعِ ﴿ يَخْرُجُونَ ﴾ وهو جَمْعُ سَرِيعٍ كَظَرِيفٍ وظِرافٍ ﴿ كَأنَّهم إلى نُصُبٍ ﴾ وهو ما نُصِبَ فَعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَدَّهُ غَيْرُ واحِدٍ مُفْرَدًا وأنْشَدَ قَوْلُ الأعْشى: وذا النَّصْبِ المَنصُوبِ لا تَنْسُكَنَّهُ لِعاقِبَةٍ واللَّهَ رَبَّكَ فاعْبُدا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ نِصابِ كَكِتابٍ وكُتُبٍ وقالَ الأخْفَشُ جَمْعُ نَصْبٍ كَرَهْنٍ ورُهُنٍ والأنْصابُ جَمْعُ الجَمْعِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ «نَصْبٍ» بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ فَقِيلَ الصَّنَمُ المَنصُوبُ لِلْعِبادَةِ أوِ العَلَمُ المَنصُوبُ عَلى الطَّرِيقِ لِيَهْتَدِيَ بِهِ السّالِكُ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو: هو شَبَكَةٌ يَقَعُ فِيها الصَّيْدُ فَيُسارِعُ إلَيْها صاحِبُها مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ الصَّيْدُ.
وقِيلَ: ما يُنْصَبُ عَلامَةً لِنُزُولِ المَلِكِ وسَيْرِهِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الحُوفِيُّ ومُجاهِدٌ «نَصَبٍ» بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ فَعَلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ «نُصْبٍ» بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفُ «نُصُبٍ» بِضَمَّتَيْنِ أوْ جَمْعُ نَصَبٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَوَلَدٍ ووُلُدٍ ﴿ يُوفِضُونَ ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ وأصْلُ الإيفاضِ كَما قالَ الرّاغِبُ أنْ يَعْدُوَ مَن عَلَيْهِ الوَفَضَةُ وهي الكِنانَةُ فَتُخَشْخِشُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإسْراعِ وقِيلَ هو مُطْلَقُ الِانْطِلاقِ.
ورُوِيَ عَنِ الضَّحاكِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ والمُرادُ أنَّهم يَخْرُجُونَ مُسارِعِينَ إلى الدّاعِي يَسْبِقُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والإسْراعُ في السَّيْرِ إلى المَعْبُوداتِ الباطِلَةِ كانَ عادَةً لِلْمُشْرِكِينَ وقَدْ رَأيْنا كَثِيرًا مِن إخْوانِهِمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ تَوابِيتَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَذَلِكَ وكَذا عادَةُ مَن ضَلَّ الطَّرِيقَ أنْ يُسْرِعَ إلى أعْلامِها وعادَةُ الجُنْدِ أنْ يُسْرِعُوا نَحْوَ مَنزِلِ المَلِكِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ ﴾ لِعَظَمِ ما تَحَقَّقُوهُ ووُصِفَتْ أبْصارُهم بِالخُشُوعِ مَعَ أنَّهُ وصْفُ الكُلِّ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِهِ فِيها ﴿ تَرْهَقُهُمْ ﴾ تَغْشاهم ﴿ ذِلَّةٌ ﴾ شَدِيدَةٌ ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذَكَرَ ما سَيَقَعُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ ﴿ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا.
.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ( واليَوْمُ ) خَبَرٌ والمَوْصُولُ صِفَتُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُوعَدُونَهُ وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خِلاذٍ عَنْ داوُدَ بْنِ سالِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ والحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ التَّمّارِ «( ذِلَّةِ)» بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مُضافًا إلى ( ذَلِكَ اليَوْمِ ) بِالجَرِّ هَذا واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ المُتَصَوِّفَةِ في هَذا الزَّمانِ ذَكَرَ في شَأْنِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ أنَّ المَراتِبَ أرْبَعٌ: المُلْكُ والمَلَكُوتُ والجَبَرُوتُ واللّاهُوتُ وكُلُّ مَرْتَبَةٍ عُلْيا مُحِيطَةٌ بِالسُّفْلى وأعْلى مِنها بِعَشْرِ دَرَجاتٍ لِأنَّها تَمامُ المَرْتَبَةِ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأشْياءَ مِن عَشْرِ قَبَضاتٍ يَعْنِي مِن سِرِّ عَشْرِ مَراتِبِ الأفْلاكِ التِّسْعَةِ والعَناصِرِ في كُلِّ عالَمٍ بِحَسْبِهِ ولِذا تَرَتَّبَتْ مَراتِبُ الأعْدادِ عَلى الأرْبَعِ والألْفُ مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ.
ولَمّا كانَتِ النِّسْبَةُ إلى الرَّبِّ أيْ إلى وُجْهَةِ الحَقِّ هي الغايَةُ القُصْوى بِالنِّسْبَةِ إلى ما عَداها ( أنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ) [النَّجْمِ: 42] كانَ اليَوْمُ الواحِدُ المَنسُوبُ إلَيْهِ ألْفًا ولِذا كانَ اليَوْمُ الرُّبُوبِيُّ ألْفَ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ فَإذا تَرَقّى الكَوْنُ واقْتَضَتِ الحِكْمَةُ ظُهُورَ النَّشْأةِ الأُخْرى وبُرُوزَ آثارِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ في رُتْبَةِ الجامِعِ ظَهَرَ الكَوْنُ والأكْوانُ والمُكَوِّناتُ في مَحْشَرٍ واحِدٍ عَلى مَراتِبِها في الأعْيانِ فَظَهَرَ سِرُّ النُّونِ مِن كَلِمَةِ ﴿ كُنْ ﴾ لِظُهُورِ فَيَكُونُ فَظَهَرَ الخَمْسُونَ في العَوْدِ كَما نَزَلَ في البَدْءِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ ﴾ فَكانَ اليَوْمُ الواحِدُ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في الجِهَةِ الجامِعَةِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فالألْفُ لِتَرَقِّي الواحِدِ ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ خَمْسِينَ كانَ خَمْسِينَ ألْفًا والخَمْسُونَ تَفاصِيلُ ظُهُورِ اسْمِ الرَّبِّ عِنْدَ ظُهُورِ اسْمِ اللَّهِ في عالَمِ الأمْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَراتِبِ التَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى ( كُنْ ) وكانَ أوَّلُ ظُهُورِ التَّفْصِيلِ خَمْسِينَ لِأنَّ التَّوْحِيدَ الظّاهِرَ في النُّقْطَةِ والألِفِ والحُرُوفِ والكَلِمَةِ التّامَّةِ والدَّلالَةِ الَّتِي هي تَمامُ الخَمْسَةِ إنَّما كانَتْ فِي عَشَرَةِ عَوالِمِ المَراتِبِ التَّعَيُّناتِ أوْ لِأنَّ الطَّبائِعَ الأرْبَعَ مَعَ حُصُولِ المِزاجِ بِظُهُورِ طَبِيعَةٍ خامِسَةٍ وبِها تَمامُ الخَمْسَةِ إنَّما كانَتْ في عَشَرَةِ عَوالِمَ يَحْسَبُها فَكانَ المَجْمُوعُ خَمْسِينَ والعَوالِمُ العَشْرَةُ هي عالَمُ الإمْكانِ وعالَمُ الفُؤادِ وعالَمُ القَلْبِ وعالَمُ العَقْلِ وعالَمُ الرُّوحِ وعالَمُ النَّفْسِ وعالَمُ الطَّبِيعَةِ وعالَمُ المادَّةِ وعالَمُ المِثالِ وعالَمُ الأجْسامِ.
والخَمْسُونَ في وجْهِ الرَّبِّ ووُجْهَةِ الحَقِّ في العالَمِ الأوَّلِ الَّذِي هو الآخِرُ تَكُونُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ انْتَهى فَإنْ فَهِمْتَ مِنهُ مَعْنًى صَحِيحًا تَقَبَّلَهُ ذَوُو العُقُولِ ولا يَأْباهُ المَنقُولُ فَذاكَ وإلّا فاحْمَدِ اللَّهَ تَعالى عَلى العافِيَةِ واسْألْهُ عَزَّ وجَلَّ التَّوْفِيقَ لِلْوُصُولِ إلى مَعالِمِ التَّحْقِيقِ ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا كَلامٌ في هَذا المَقامِ فَمَن أرادَهُ فَلْيَتَتَبَّعْ كُتُبَهُ ولِيَسْألِ اللَّهَ تَعالى الفُتُوحاتِ وهو سُبْحانُهُ ولِيُّ الهِباتِ.