الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 16 النحل > الآية ٤٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ قراءة العامة بالياء (١) ﴿ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ ، ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ ﴾ كذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ ، وكان النبيّ - - وأصحابه قد رأوا ذلك وتيقنوه فلا يحسن أن يقال لهم: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ .
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ تَرَوا ﴾ بالتاء (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم (٤) وقوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) إخبار عن قوله: ﴿ شَيْءٍ ﴾ ، وليس بوصف له، و ﴿ يَتَفَيَّأُ ﴾ : يتفعل من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئًا، إذا رجعَ وعادَ بعد ما كان ضياءُ الشمس نسخَه، وأصلُ الفيء الرجوع (٥) (٦) ﴿ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وكذلك فيءُ المسلمين؛ لِمَا يعود على المسلمين من مال مَنْ خالف دينهم بلا قتال (٧) ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ إن شاء الله.
وأصلُ هذا كله من الرجوع، فإذا عُدِّي (فَاءَ) عُدّي بزيادة الهمزة أو تضعيف العين، فمِمَّا عُدّي بنقل الهمزة قوله: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ ﴾ ، وبالتضعيف فاءَ الظلُّ، وفَيّأه الله فتفيّأ، وتَفيَّأ مطاوع فَيَّأَ (٨) قال الأزهري: وتفيؤ الظلال رُجوعها بعد انتصاف النهار وانتعال الأشياء (٩) (١٠) فلا الظلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعُهُ ...
ولا الفيءَ من بردِ العشيِّ تذَوُق (١١) وقال أبو علي الفارسي: الظل ما كان قائمًا لم تنسخه الشمس، فإذا نسخته الشمس ثم زال ضياء الشمس الناسخ للظل فاء الظل، أي رجع كما كان أولاً (١٢) قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كُلُّ ما كانت عليه الشمسُ فزالت عنه فهو فيءٌ وظلٌّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظِلٌّ (١٣) (١٤) (١٥) فهذا الشعر قد أوقع فيه الفيء على ما لم تنسخه الشمس، وجمعه على فيوء؛ مثل بيت وبيوت؛ لأن ما في الجنة يكون ظلًّا ولا يكون فيئًا؛ لأن ضياء الشمس لم تنسخه، ففاء بعد النسخ، وأكثر ما تقول العرب في جمعٍ (١٦) وقوله تعالى: ﴿ ظِلَالُهُ ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال؛ لأن الذي يعود إليه الضمير واحدٌ يدل على الكثرة، وهو قوله: ﴿ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ ﴾ ، وهذا مثل: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾ ، فأضاف الظهور، وهو جمع، إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحدٍ يُرادُ به الكثرة، وهو قوله: ﴿ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ (١٧) وأما قول المفسرين في: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) قال ابن عباس: يتميل (١٨) ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ صار المعنى: أنه يتميل عن الجوانب، ومعنى تفيؤ الظلال: أن يعود الظل بعد نسخ الشمس إياه، وأما معنى تفيؤها عن اليمين والشمائل (فهو أن يكون للأشجار فيء عن اليمين والشمائل) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ وقول الفرزدق: بِفي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ...
رَزيَّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضَّراغمِ (٢٣) (٢٤) وقال الفراء: كأنه إذا وَحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها (٢٥) ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ لفظه واحد ومعناه الجمع على ما بينا، فيحمل كلا الأمرين.
وقوله تعالى: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ قال المفسرون: ميلانها سجودها، (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ ، أي يستسلِمَان لله بالتسخير (٢٩) ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ ، وقد مر بيانه وشرحه.
وقوله تعالي: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ، أي: صاغرون، وهذا لفظ المفسرين (٣٠) (٣١) قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة (٣٢) وقال الأخفش في قوله: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ) (٣٣) (٣٤) (١) وهم: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر.
انظر: "السبعة" ص 373، و"علل القراءات" 1/ 305، و"الحجة للقراء" 5/ 66، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 138، و"شرح الهداية" 2/ 380، و"تلخيص العبارات" ص 111.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) "الحجة للقراء" 5/ 67، بتصرف يسير.
(٤) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه، و"تفسير الطبري" 14/ 114 - 116، بنحوه، والثعلبي 2/ 157 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 387، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 21، وابن الجوزي 4/ 452، والفخر الرازي 20/ 40، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، ونسبه إلى ابن عباس، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 496.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، و"مجمل اللغة" (في) 2/ 701، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، و"عمدة الحفاظ" 3/ 308.
(٦) هو الذي يحلف أن لا يجامع زوجته، وقد حدد الشارع مدة الإيلاء بأربعة أشهر؛ إما أن يطلق وإما أن يفي.
انظر: "تفسير الجصاص" 1/ 355، والكيا الهراسي 1/ 216 - 219، وابن العربي 1/ 178، و"تفسير القرطبي" 3/ 103.
(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (فيأ) 3/ 2711، بنحوه، وانظر: "التعريفات" ص 170، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40.
(٨) "الحجة للقراء" 5/ 67، بنصه، وانظر.
"اللسان" (فيأ) 6/ 3496، و"معجم الألفاظ المتعدية بحرف" ص 282.
(٩) "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه، وفي المصدر: وانتعال الأشياءِ ظلالَها.
قلت ومعناه: صار ظلها تحتها.
(١٠) هو حميد بن ثور.
تقدمت ترجمته.
(١١) ديوانه ص 70، وورد في "إصلاح المنطق" ص 320، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، (بعد) بدل (برد) الثانية، و"تفسير ابن عطية" 8/ 430، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495، وورد غير منسوب في "الحجة للقراء" 5/ 68، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، وأبي حيان 5/ 496، والبيت قاله يصف سَرْحَة شجر عظام طوال وكنَّى بها امرأة.
والشاهد: أنه جعل الظلَّ وقت الضحى؛ لأن الشمس لم تنسخْه في ذلك الوقت.
وكلام الأزهري في "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه.
(١٢) ولخصه ابن السِّكِّيت فقال: الظلُّ: ما نسخته الشمسُ، والفيءُ: ما نسخ الشمسَ.
"إصلاح المنطق" ص 320.
(١٣) "الحجة للقراء" 5/ 70، بخصه، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 64، بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 432، والفخر الرازي 20/ 40 ، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495 ، و"تفسير أبى حيان" 5/ 496.
(١٤) في جميع النسخ: بعد، والصحيح المثبت لموافقته للمصادر وإفادته للمعنى.
(١٥) "شعر النابغة" الجعدي ص 231، وورد في "النوادر في اللغة" ص220، و"تفسير ابن عطية" 8/ 431، والفخر الرازي 20/ 41، و"اللسان" (ظلل) 5/ 2753.
(١٦) الأولى (في الجمع)، أو (في جمع فيء) ولعل (فيء) ساقطة.
(١٧) "الحجة للقراء" 5/ 67 - 70 نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة، والتقديم والتأخير، والتهذيب والاختصار، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، نقله بطوله عن الواحدي بتصرف يسير مع نسبته.
(١٨) ورد في "تفسير الطوسى" 6/ 387، بلفظه.
(١٩) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).
(٢٠) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه.
(٢١) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 356) بنصه عن قتادة، والطبري 14/ 115 بنصه عن قتادة من طريقين، وبمعناه عن الضحاك وابن جريج من طريقين، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنصه عن الضحاك وقتادة، و"تفسير الماوردي" 3/ 191، والطوسي 6/ 387، عنهم، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، عن قتادة والضحاك، وابن عطية 8/ 433، عن قتادة وابن جريج، والخازن 3/ 117، عن الضحاك، وأبي حيان 5/ 497، عن قتادة وابن جريج.
(٢٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن الجوزي 4/ 452، وأبي حيان 5/ 498، ورد في الأخيرين بلا نسبة.
(٢٣) "ديوانه" 2/ 206، وورد في "تفسير الطبري" 14/ 117، والثعلبي 2/ 157 ب، والطوسي 6/ 388، و"الأساس" ص 154، وابن عطية 8/ 433، (الشامتين) == جمع شامت؛ وهو الذي يفرح في بلية الإنسان، (هدني): أوهن أركاني، (المُخدر): الأسد، وكذلك (الضرغام)، يعني أنه يَتَجَلَّد وَيتَحَمَّل مصيبته في فقد ولديه حتى لا يشمت فيه الشامتون الحاقدون.
والشاهد: كما قال الطبري: فقال بقي الشامتين، ولم يقل: بأفواه، وهو الشاهد.
والبيت يرثي فيه ابنين له.
(٢٤) لم أقف عليه في معاني الأخفش، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 452، بلا نسبة.
(٢٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 152، بمعناه.
(٢٦) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 114 - 115، بلفظه واختاره، والسمرقندي 2/ 237، بنحوه، والثعلبي 2/ 157ب بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 435، و"القرطبى" 10/ 111، وأبي حيان 5/ 498، وابن كثير 2/ 630.
(٢٧) ذكره الميداني في المجمع، ونصه: اسْجُدْ لقرْد السُّوء في زمانه.
انظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 357.
(٢٨) في المصدر: إلا ما.
(٢٩) تأويل مشكل القرآن (ص 416 - 418)، وهو نقل طويل تصرف فيه واختصر.
(٣٠) "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 356 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 116 بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكل منهما، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 373، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 70، و"تفسير السمرقندي" 2/ 237، والثعلبي 2/ 157 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 190، والطوسي 6/ 388، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 436، وابن الجوزي 4/ 453، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، والخازن 3/ 118، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.
(٣١) ورد في "تهذيب اللغة" (دخر) 2/ 1158، بنصه.
(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.
(٣٣) ما بين القوسين ساقط من (د).
(٣٤) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 453.
<div class="verse-tafsir"