الآية ٤٨ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٤٨ من سورة النحل

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَـٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًۭا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها : جمادها وحيواناتها ، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة ، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال ، أي : بكرة وعشيا ، فإنه ساجد بظله لله تعالى .

قال مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله - عز وجل - .

وكذا قال قتادة ، والضحاك ، وغيرهم .

وقوله : ( وهم داخرون ) أي : صاغرون .

وقال مجاهد أيضا : سجود كل شيء فيه .

وذكر الجبال قال : سجودها فيها .

وقال أبو غالب الشيباني : أمواج البحر صلاته .

ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة ( أَوَلَمْ يَرَوْا ) بالياء على الخبر عن الذين مكروا السيئات ، وقرأ ذلك بعض قراء الكوفيين " أوَلم تَرَوا " بالتاء على الخطاب.

وأولى القراءتين عندي بالصواب قراءة من قرأ بالياء على وجه الخبر عن الذين مكروا السيئات ، لأن ذلك في سياق قَصَصِهم ، والخبر عنهم، ثم عقب ذلك الخبر عن ذهابهم عن حجة الله عليهم ، وتركهم النظر في أدلته والاعتبار بها ، فتأويل الكلام إذن: أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات ، إلى ما خلق الله من جسم قائم ، شجر أو جبل أو غير ذلك ، يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل ، يقول: يرجع من موضع إلى موضع، فهو في أوّل النهار على حال، ثم يتقلَّص، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار.

وكان جماعة من أهل التأويل يقولون في اليمين والشمائل ما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ) أما اليمين: فأوّل النهار ، وأما الشمال: فآخر النهار.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ) قال: الغدوّ والآصال، إذا فاءت الظِّلال ، ظلال كلّ شيء بالغدوّ سجدت لله، وإذا فاءت بالعشيّ سجدت لله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ) يعني: بالغدو والآصال، تسجد الظلال لله غدوة إلى أن يفئ الظلّ، ثم تسجد لله إلى الليل، يعني: ظلّ كلّ شَيء.

وكان ابن عباس يقوله في قوله ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) ما حدثنا المثنى، قال: أخبرنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) يقول: تتميل.

واختلف في معنى قوله ( سُجَّدًا لِلَّهِ ) فقال بعضهم: ظلّ كلّ شيء سجوده.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) قال: ظلّ كلّ شيء سجوده.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الرازيّ، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) قال: سجد ظلّ المؤمن طوعا، وظلّ الكافر كَرْها.

وقال آخرون: بل عنى بقوله ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) كلا عن اليمين والشمائل في حال سجودها، قالوا: وسجود الأشياء غير ظلالها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأوّديّ، قالا ثنا حَكَّام، عن أبي سنان، عن ثابت عن الضحاك، في قول الله ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) قال: إذا فاء الفيء توجه كلّ شيء ساجدا قبل القبلة ، من نبت أو شجر، قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك.

حدثني المثنى، قال: أخبرنا الحمَّانيّ، قال: ثنا يحيى بن يمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله ( يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) قال: إذا زالت الشمس سجد كلّ شيء لله عزّ وجلّ.

وقال آخرون: بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) قال: هو سجود الظلال، ظلال كلّ شيء ما في السموات وما في الأرض من دابة، قال: سجود ظلال الدواب، وظلال كلّ شيء.

حدثني محمد بن سعد ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) ما خلق من كلّ شيء عن يمينه وشمائله، فلفظ ما لفظ عن اليمين والشمائل، قال: ألم تر أنك إذا صليت الفجر ، كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ثم بعث الله عليه الشمس دليلا وقبض الله الظلّ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلى جانب ، وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس يقال من ذلك: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميل للركوب.

وقد بيَّنا معنى السجود في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.

وقوله ( وَهُمْ دَاخِرُونَ ) يعني: وهم صاغرون، يقال منه: دخر فلان لله يدخر دخرا ودخورا: إذا ذلّ له وخضع ومنه قول ذي الرُّمَّة: فَلَــمْ يَبْـقَ إلا داخِـرٌ فِـي مُخَـيَّسٍ ومُنْجَحِـرٌ فِـي غيرِ أرْضِكَ في جُحْرِ (6) وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَهُمْ دَاخِرُونَ ) صاغرون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَهُمْ دَاخِرُونَ ) : أي صاغرون.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله.

وأما توحيد اليمين في قوله ( عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ) فجمعها، فإن ذلك إنما جاء كذلك، لأن معنى الكلام: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلال ما خلق من شيء عن يمينه: أي ما خلق، وشمائله ، فلفظ " ما " لفظ واحد، ومعناه معنى الجمع، فقال: عن اليمين بمعنى: عن يمين ما خلق، ثم رجع إلى معناه في الشمائل ، وكان بعض أهل العربية يقول: إنما تفعل العرب ذلك، لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد، فيقال للرجل: خذ عن يمينك، قال: فكأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من القوم، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فيه، واستشهد لفعل العرب ذلك بقول الشاعر: بِفـي الشَّـامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كان هَدَّني رَزِيَّـةُ شِـبْلَيْ مُخْـدِرٍ فـي الضَّراغمِ (7) فقال: بِفي الشامتين، ولم يقل: بأفواه ، وقول الآخر: الــوَارِدُونَ وتَيْــمٌ فــي ذَرَا سَـبإ قـد عَـضَّ أعْنـاقَهُمْ جِـلْدُ الجَوَامِيسِ (8) ولم يقل: جلود.

------------------- الهوامش : (6) البيت شاهد على أن معنى الداخر: الصاغر.

قال أبو عبيدة في مجاز القرآن: وهم داخرون: أي صاغرون يقال: فلان دخر لله: أي ذل وخضع.

و ( في اللسان: دخر): دخر الرجل بالفتح يدخر دخورا، فهو داخر، ودخر دخرا: ( كفرح ) ذل وصغر يصغر صغارًا ، وهو الذي يفعل ما يؤمر به ، شاء أو أبى، صاغرا قميئا.

وفي (اللسان: خيس): وكل سجن: مخيس ومخيس (بتشديد الياء مفتوحة ومكسورة ).

وأنشد البيت ونسبه إلى الفرزدق.

والمنجحر: الداخل في الجحر، يقال: أجحره فانجحر: أدخله الجحر، فدخله.

والجحر: كل شيء تحتقره الهوام والسباع لأنفسها.

والجمع: أجحار وجحرة .

(7) هذا البيت من شواهد الفراء في (معاني القرآن 1: 172) استشهد به عند قوله تعالى: (يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل) قال: الظن يرجع على كل شيء من جوانبه، فذلك تفيؤه، ثم فسر فقال: عن اليمين والشمائل، وكل ذلك جائز في العربية، قال الشاعر: "بفي الشامتين ...الخ البيت".

قال ولم يقل: بأفواه الشامتين.

قلت: يريد أن جمع الشمائل وإفراد اليمين، جائز في العربية، واستشهد عليه بالبيت.

وقد وجه المؤلف في التفسير توجيهاً حسناً.

(8) وهذا البيت أيضاً كالشاهد قبله من شواهد الفراء ، في ( معاني القرآن، بعد سابقه 1: 172) على أن الشاعر قال: جلد الجواميس بالإفراد، ولم يقل: جلود الجواميس، في مقابلة أعناقهم ولم نقف على البيت في المراجع، ولا على قائله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش " تروا " بالتاء ، على أن الخطاب لجميع الناس .

الباقون بالياء خبرا عن الذين يمكرون السيئات ; وهو الاختيار .إلى ما خلق الله من شيء من شيء يعني من جسم قائم له ظل من شجرة أو جبل ; قاله ابن عباس .

وإن كانت الأشياء كلها سميعة مطيعة لله - تعالى - .يتفيأ ظلاله قرأ أبو عمرو ويعقوب وغيرهما بالتاء لتأنيث الظلال .

الباقون بالياء ، واختاره أبو عبيد .

أي يميل من جانب إلى جانب ، ويكون أول النهار على حال ويتقلص ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى ; فدورانها وميلانها من موضع إلى موضع سجودها ; ومنه قيل للظل بالعشي : فيء ; لأنه فاء من المغرب إلى المشرق ، أي رجع .

والفيء الرجوع ; ومنه حتى تفيء إلى أمر الله .

روي معنى هذا القول عن الضحاك وقتادة وغيرهما ، وقد مضى هذا المعنى في سورة " الرعد " وقال الزجاج : يعني سجود الجسم ، وسجوده انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة ، وهذا عام في كل جسم .ووحد اليمين في قوله : عن اليمين وجمع الشمال ; لأن معنى اليمين وإن كان واحدا الجمع .

ولو قال : عن الأيمان والشمائل ، أو اليمين والشمائل ، أو اليمين والشمال ، أو الأيمان والشمال لجاز ; لأن المعنى للكثرة .

وأيضا فمن شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن تجمع إحداهما وتفرد الأخرى ; كقوله - تعالى - : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم [ ص: 101 ] وكقوله : ويخرجهم من الظلمات إلى النور ولو قال على أسماعهم وإلى الأنوار لجاز .

ويجوز أن يكون رد اليمين على لفظ ما والشمال على معناها .

ومثل هذا في الكلام كثير .

قال الشاعر :الواردون وتيم في ذرا سبإ قد عض أعناقهم جلد الجواميسولم يقل جلود .

وقيل : وحد اليمين لأن الشمس إذا طلعت وأنت متوجه إلى القبلة انبسط الظل عن اليمين ثم في حال يميل إلى جهة الشمال ثم حالات ، فسماها شمائل .وهم داخرون أي خاضعون صاغرون .

والدخور : الصغار والذل .

يقال : دخر الرجل - بالفتح - فهو داخر ، وأدخره الله .

وقال ذو الرمة :فلم يبق إلا داخر في مخيس ومنجحر في غير أرضك في جحركذا نسبه الماوردي لذي الرمة ، ونسبه الجوهري للفرزدق وقال : المخيس اسم سجن كان بالعراق ; أي موضع التذلل ، وقال :أما تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا ْ} أي: الشاكون في توحيد ربهم وعظمته وكماله، { إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ْ} أي: إلى جميع مخلوقاته وكيف تتفيأ أظلتها، { عَن الْيَمِينِ ْ} وعن { الشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ْ} أي: كلها ساجدة لربها خاضعة لعظمته وجلاله، { وَهُمْ دَاخِرُونَ ْ} أي: ذليلون تحت التسخير والتدبير والقهر، ما منهم أحد إلا وناصيته بيد الله وتدبيره عنده.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء ) - قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب ، وكذلك في سورة العنكبوت ، والآخرون بالياء ، خبرا عن الذين مكروا السيئات - إلى ما خلق الله من شيء من جسم قائم ، له ظل ، ( يتفيأ ) قرأ أبو عمرو ، ويعقوب بالتاء والآخرون بالياء .

( ظلاله ) أي : تميل وتدور من جانب إلى جانب ، فهي في أول النهار على حال ، ثم تتقلص ، ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى سجدا لله ، فميلانها ودورانها : سجودها لله عز وجل .

ويقال للظل بالعشي : فيء; لأنه فاء ، أي رجع من المغرب إلى المشرق ، فالفيء الرجوع .

والسجود الميل .

ويقال : سجدت النخلة إذا مالت .

قوله عز وجل : ( عن اليمين والشمائل سجدا لله ) قال قتادة والضحاك : أما اليمين : فأول النهار ، والشمال : آخر النهار ، تسجد الظلال لله .

وقال الكلبي : الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك ، وكذلك إذا غابت ، فإذا طلعت كان من قدامك ، وإذا ارتفعت كان عن يمينك ، ثم بعده كان خلفك ، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك ، فهذا تفيؤه ، وتقلبه ، وهو سجوده .

وقال مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله .

وقيل : المراد من الظلال : سجود الأشخاص .

فإن قيل لم وحد اليمين وجمع الشمائل؟

قيل من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة ، كقوله تعالى : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " ( البقرة - 7 ) وقوله : " يخرجهم من الظلمات إلى النور " ( البقرة - 257 ) .

وقيل : اليمين يرجع إلى قوله : " ما خلق الله " .

ولفظ " ما " واحد ، والشمائل : يرجع إلى المعنى .

( وهم داخرون ) صاغرون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولم يروْا إلى ما خلق الله من شيء» له ظل كشجرة وجبل «تتفيَّؤ» تتميل «ظلاله عن اليمين والشمائل» جمع شمال أي عن جانبيهما أول النهار وآخره «سجداً لله» حال أي خاضعين له بما يراد منهم «وهم» أي الظلال «داخرون» صاغرون نزلوا منزلة العقلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أَعَمِيَ هؤلاء الكفار، فلم ينظروا إلى ما خلق الله من شيء له ظل، كالجبال والأشجار، تميل ظلالها تارة يمينًا وتارة شمالا تبعًا لحركة الشمس نهارًا والقمر ليلا كلها خاضعة لعظمة ربها وجلاله، وهي تحت تسخيره وتدبيره وقهره؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قرأ جمهور القراء ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ .

.

) وقرأ حمزة والكسائى : ( أو لم تروا ) بالتاء ، على الخطاب ، على طريقة الالتفات .وقوله ( من شئ ) بيان للإِبهام الذى فى " ما " الموصولة فى قوله ( إلى مَا خَلَقَ الله ) .وقوله ( يتفيؤ ) من التفيؤ ، بمعنى الرجوع .

يقال : فاء فلان يفئ إذا رجع وفاء الظل فيئا ، إذا عاد بعد إزالة ضوء الشمس له .

وتفيؤ الظلال : تنقلها من جهة إلى أخرى بعد شروق الشمس ، وبعد زوالها .والظلال : جمع ظل ، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور .و ( داخرون ) من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع ، يقال : دخر فلان يدخر دخورا ، ودخر - بزنة فرح - يدخر دخرا ، إذا انقاد لغيره وذل له .والمعنى : أعمى هؤلاء المشركون الذين مكروا السيئات ، ولم يروا ما خلق الله - تعالى - من الأشياء ذوات الظلال - كالجبال والأشجار وغيرها - وهى تتنقل ظلالها .

من جانب إلى جانب ، ومن جهة إلى جهة ، باختلاف الأوقات وهى فى كل الأحوال والأوقات منقادة لأمر الله - تعالى - جارية على ما أراده لها من امتداد وتقلص وغير ذلك ، خاضعة كل الخضوع لما سخرت له .قال ابن كثير - رحمه الله - : يخبر - تعالى - عن عظمته وجلاله ، الذى خضع له كل شئ ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها ، جمادها وحيواناتها ومكلفوها من الإِنس والجن والملائكة ، فأخبر أن كل ماله ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال - أى بكرة وعشيا - ، فإنه ساجد بظله لله - تعالى - .والاستفهام فى قوله - تعالى - ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ .

.

) للإنكار والتوبيخ ، والرؤية بصرية .أى : قد رأوا كل ذلك ، ولكنهم لم ينتفعوا بما رأوا ، ولم يتعظوا بما شاهدوا .والمراد بقوله : ( عَنِ اليمين والشمآئل ) جهتهما ، وليس المراد التقييد بذلك ، إذ أن الظل أحيانا يكون أمام الإِنسان وأحيانا يكون خلفه .

وإنما ذكر اليمين والشمائل اختصارا للكلام .وأفرد اليمين ، لأن المراد به جنس الجهة ، كما يقال : المشرق ، أى جهة المشرق ، وجمع ( الشمائل ) - مفرده شمال - ، لأن المقصود تعدد هذه الجهة باعتبار تعدد أصحابها .قال الشوكانى : قال الفراء : وحد اليمين ، لأنه أراد واحدا من ذوات الأظلال ، وجمع الشمائل ، لأنه أراد كلها .وقال الواحدى : وحد اليمين والمراد به الجميع إيجازا فى اللفظ ، كقوله ( ويولون الدبر ) ودلت الشمائل على أن المراد به الجمع .

وقيل : إن العرب إذا ذكرت صيغتى جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد ، كما فى قوله - تعالى - ( وَجَعَلَ الظلمات والنور .

.

.

) وقوله - سبحانه - : ( سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) .

حال من ( ظلاله ) أى : حال كون هذه الأشياء وظلالها سجدا لله - تعالى - ، وحال كون الجميع لا يمتنع عن أمر الله - تعالى - ، بل الكل خاضع له - سبحانه - كل الخضوع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ أَوَ لَمْ تَرَوْاْ ﴾ بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت: ﴿ أَوَ لَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ  ﴾ بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء فيهما كناية عن الذين مكروا السيئات، وأيضاً أن ما قبله غيبة وهو قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ  أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ  ﴾ فكذا قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ ﴾ وقرأ أبو عمرو وحده: ﴿ تتفيؤ ﴾ بالتاء والباقون بالياء، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله ﴾ لما كانت الرؤية هاهنا بمعنى النظر وصلت بإلى، لأن المراد به الاعتبار والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله، وقوله: ﴿ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْء ﴾ قال أهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد، لأن قوله: ﴿ مِن شَيْء يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على الأرض.

وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله ﴾ إخبار عن قوله: ﴿ شَيْء ﴾ وليس بوصف له، ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال: فاء الظل يفيء فيئاً إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس، وأصل الفيء الرجوع، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ فَإِن فاؤا فإن الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وكذلك فيء المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ  ﴾ وأصل هذا كله من الرجوع.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف العين.

أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله: ﴿ مَّا أَفَاء الله ﴾ وأما بتضعيف العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ.

قال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال الشاعر: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل، ومنهم من أنكر ذلك، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي: فسلام الإله يغدو عليهم *** وفيوء الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون، وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال، وإنما حسن هذا، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحداً في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله، إلا أنه كثير في المعنى، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ  ﴾ فأضاف الظهور وهو جمع، إلى ضمير مفرد، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله: ﴿ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن.

أما قوله: ﴿ عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد باليمين والشمائل قولان: القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله.

إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس، وعلى هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض.

القول الثاني: أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس.

هذا ما حصلته في هذا الباب، وكلام المفسرين فيه غير ملخص.

البحث الثاني: لقائل أن يقول: ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد، والشمائل بصيغة الجمع؟

وأجيب عنه بأشياء: أحدها: أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في اللفظ على الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدبر  ﴾ .

وثانيها: قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها، وذلك لأن قوله: ﴿ مَا خَلَقَ الله مِن شَيء ﴾ لفظه واحد، ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين.

وثالثها: أن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ وقوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ  ﴾ .

ورابعها: أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها، فكانت اليمين واحدة.

وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة، فلذلك عبر الله تعالى عنها بصيغة الجمع، والله أعلم.

المسألة الرابعة: أما قوله: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ ففيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: أسجد لقرد السوء في زمانه، أي أخضع له قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجداً للحوافر *** أي متواضعة، إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى دبر النيرات الفلكية، والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة.

ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا على وفق تدبير الله تعالى وتقديره، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض، ثم كلما ازدادت الشمس طلوعاً وارتفاعاً، ازدادت تلك الأظلال تقلصاً وانتقاصاً إلى الجانب الشرقي إلى أن تصل الشمس إلى وسط الفلك، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي، وكلما ازدادت الشمس انحداراً ازدادت الأظلال تمدداً وتزايداً في الجانب الشرقي.

وكما أنا نشاهد هذه الحالة في اليوم الواحد، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في طول السنة، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية الواقعة في شرق الأرض وغربها، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في يمين الفلك ويساره، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين، علمنا أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره، فكانت السجدة عبارة عن هذه الحالة.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير النير الأعظم الذي هو الشمس، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره؟

قلنا: قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته، إذ لو كانت ذاته علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته، ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا سكوناً لا حركة، فالقول بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب القول بكونه ساكناً لذاته وأنه محال، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركاً لذاته، وأيضاً فقد دللنا على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية المعينة لابد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم.

إذا ثبت هذا فنقول: هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات الشمس، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله سبحانه كان هذا دليلاً على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله تعالى وتخليقه، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع، ونظيره قوله: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ  ﴾ وقوله: ﴿ وظلالهم بالغدو والأصال  ﴾ قد مر بيانه وشرحه.

والقول الثاني: في تفسير هذا السجود، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد.

قال أبو العلاء المعري في صفة واد: بحرف يطيل الجنح فيه سجوده *** وللأرض زي الراهب المتعبد فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين أطلق الله عليها هذا اللفظ، وكان الحسن يقول: أما ظلك فسجد لربك، وأما أنت فلا تسجد له بئسما صنعت، وقال مجاهد: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي، وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجداً أم لا.

واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية، والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة.

المسألة الخامسة: وقوله: ﴿ سُجَّدًا ﴾ حال من الظلال وقوله: ﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ أي صاغرون، يقال: دخر يدخر دخوراً، أي صغر يصغر صغاراً، وهو الذي يفعل ما تأمره شاء أم أبى، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى وتدبيره وقوله: ﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ حال أيضاً من الظلال.

فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟

قلنا: لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله تعالى، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في نفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح.

إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد بالسجود المذكور في هذه الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد، والدليل عليه أن اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال: المراد بالسجود هاهنا هو المعنى الأول، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات، ومنهم من قال: السجود لفظ مشترك بين المعنيين، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه جائز، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معاً، أما في حق الدابة فبمعنى التواضع، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى، وهذا القول ضعيف، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته معاً غير جائز.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن دَابَّةٍ ﴾ قال الأخفش: يريد من الدواب وأخبر بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله، وما أتاني من الرجال مثله، وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما الوجه في تخصيص الدواب والملائكة بالذكر؟

فنقول فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى.

والوجه الثاني: قال حكماء الإسلام: الدابة اشتقاقها من الدبيب، والدبيب عبارة عن الحركة الجسمانية، فالدابة اسم لكل حيوان جسماني يتحرك ويدب، فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ليست مما يدب، بل هي أرواح محضة مجردة، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  ﴾ ، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب، لأن قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر من الأمور، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ وأما قوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ فهذا أيضاً يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا مأمورين به، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب.

فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

قلنا: لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه، وحينئذ يدخل في اللفظ، وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب، وثبت أن إبليس ما كان معصوماً من الذنوب بل كان كافراً، لزم القطع بأن إبليس ما كان من الملائكة.

والوجه الثاني: في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ثم قال لإبليس: ﴿ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين  ﴾ وقال أيضاً له: ﴿ فاهبط مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا  ﴾ فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا يكون من الملائكة وأيضاً لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة، ثبت أن القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل، فإن الله تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم عن كل ذنب، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة، والله أعلم.

واحتج الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى وصفهم بالخوف، ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل الخوف.

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ وهم لهذا الخوف يتركون الذنب.

والثاني: وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ وهذا يدل على أنه كلما كانت معرفة الله تعالى أتم، كان الخوف منه أعظم، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف الإجلال والكبرياء، والله أعلم.

المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات.

واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ  ﴾ والذي نزيده هاهنا أن قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم، وإذا كان اللفظ محتملاً لهذا المعنى سقط قولهم، وأيضاً يجب حمل هذه الفوقية على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون  ﴾ والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وجب أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف.

إذا ثبت هذا فنقول: هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف، أما الفوقية بالجهة والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة.

المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين، ومتى كانوا كذلك وجب أن يكونوا قادرين على الخير والشر.

المسألة الرابعة: تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشرمن وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض مَن دَآبَّةٍ والملئكة ﴾ وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن إذا كان أحد الطرفين أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر هذين الطرفين منبهاً على الباقي، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف خلق الله تعالى.

الوجه الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يدل على أنه ليس في قلوبهم تكبر وترفع وقوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ يدل على أن أعمالهم خالية عن الذنب والمعصية، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة، وأما البشر فليسوا كذلك.

ويدل عليه القرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ  ﴾ وهذا الحكم عام في الإنسان، وأقل مراتبه أن تكون طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة، وأما الخبر فقوله عليه السلام: «ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا» ومن المعلوم بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها.

الوجه الثالث: أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار متطاولة وأزمان ممتدة، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه المدة، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين: الأول: قوله عليه السلام: «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» فضل الشيخ على الشاب، وما ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل.

والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة، وهي طاعة الخالق القديم الرحيم، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم، فوجب بمقتضى هذا الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم.

الوجه الرابع: في دلالة الآية على هذا المعنى قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف والقدرة والقوة، فظاهر الآية يدل على أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة إلا الله تعالى، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ أو لم يروا ﴾ و ﴿ يتفيؤا ﴾ بالياء والتاء.

و ﴿ مَا ﴾ موصولة بخلق الله، وهو مبهم بيانه ﴿ مِن شَيْء يَتَفَيَّؤُاْ ظلاله ﴾ واليمين، بمعنى الأيمان.

و ﴿ سُجَّدًا ﴾ حال من الظلال.

﴿ وَهُمْ داخرون ﴾ حال من الضمير في ظلاله، لأنه في معنى الجمع وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل، وجمع بالواو، لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب.

والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن إيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها.

وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، لا تمتنع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ أيْ قَدْ رَأوْا أمْثالَ هَذِهِ الصَّنائِعِ فَما بالُهم لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيها لِيَظْهَرَ لَهم كَمالُ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ فَيَخافُوا مِنهُ، وما مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ بَيانُها.

﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ أيْ أوَلَمْ يَنْظُرُوا إلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « تَرَوْا» بِالتّاءِ وأبُو عَمْرٍو « تَتَفَيَّأُ» بِالتّاءِ.

﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ عَنْ أيْمانِها وعَنْ شَمائِلِها أيْ عَنْ جانِبَيْ كُلٍّ واحِدٍ مِنها، اسْتِعارَةٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ، ولَعَلَّ تَوْحِيدَ اليَمِينِ وجَمْعَ الشَّمائِلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى كَتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ وجَمْعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ ﴾ وهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ في ظِلالِهِ، والمُرادُ مِنَ السُّجُودِ الِاسْتِسْلامُ سَواءٌ كانَ بِالطَّبْعِ أوِ الِاخْتِيارِ، يُقالُ سَجَدَتِ النَّخْلَةُ إذا مالَتْ لِكَثْرَةِ الحِمْلِ وسَجَدَ البَعِيرُ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ أوْ سُجَّدًا حالٌ مِنَ الظِّلالِ ﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ.

والمَعْنى يَرْجِعُ الظِّلالُ بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها، أوْ بِاخْتِلافِ مَشارِقِها ومَغارِبِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ مُنْقادَةً لِما قُدِّرَ لَها مِنَ التَّفَيُّؤِ، أوْ واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ مُلْتَصِقَةٌ بِها عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ والأجْرامُ في أنْفُسِها أيْضًا داخِرَةٌ أيْ صاغِرَةٌ مُنْقادَةٌ لِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى فِيها، وجَمْعُ ﴿ داخِرُونَ ﴾ بِالواوِ لِأنَّ مِن جُمْلَتِها مَن يَعْقِلُ، أوْ لِأنَّ الدُّخُورَ مِن أوْصافِ العُقَلاءِ.

وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ يَمِينُ الفَلَكِ وهو جانِبُهُ الشَّرْقِيُّ لِأنَّ الكَواكِبَ تَظْهَرُ مِنهُ آخِذَةً في الِارْتِفاعِ والسُّطُوعِ وشِمالُهُ هو الجانِبُ الغَرْبِيُّ المُقابِلُ لَهُ مِنَ الأرْضِ، فَإنَّ الظِّلالَ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِنَ المَشْرِقِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ، وعِنْدَ الزَّوالِ تَبْتَدِئُ مِنَ المَغْرِبِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أو لم يَرَوْاْ} وبالتاء حمزة وعلي وأبو بكر {إلى ما خلق الله} ما موصولة بخلق الله وهو مبهم بيانه {من شيء يتفيأ ظلاله} أي يرجع من موضع إلى موضع وبالتاء بصري {عَنِ اليمين} أي الأيمان {والشمآئل} جمع شمال {سُجَّدًا لِلَّهِ} حال من الظلال عن مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء {وهم داخرون} صاغرون وهو خال من الضمير في ظلاله لأنه في معنى الجمع وهو ما خلق الله من كل شيء له ظل وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب والمعنى أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها غير ممتنعة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ مُؤَدِّيَةٌ إلى التَّفَكُّرِ والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أيْ ألَمْ يَنْظُرْ هَؤُلاءِ الماكِرُونَ ولَمْ يَرَوْا مُتَوَجِّهِينَ ﴿ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ ﴾ .

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنّاسِ الشّامِلُ لِأُولَئِكَ وغَيْرِهِمْ والإنْكارُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وقَرَأ السُّلَمِيُّ والأعْرَجُ والأخَوانِ «أوْ لَمْ تَرَوْا» بِتاءِ الخِطابِ جَرْيًا عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ رَبَّكُمْ ﴾ كَمًّا أنَّ الجُمْهُورَ قَرَءُوا بِالياءِ جَرْيًا عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا ﴾ وذَكَرَ الخَفاجِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ قِراءَةَ التّاءِ عَلى الِالتِفاتِ أوْ تَقْدِيرِ قُلْ أوِ الخِطابُ فِيها عامٌّ لِلْخَلْقِ و«ما» مَوْصُولَةٌ مُبْهَمَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ بَيانٌ لَها لَكِنْ بِاعْتِبارِ صِفَتِهِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ فَهي المُبَيَّنَةُ في الحَقِيقَةِ والمَوْصُوفُ تَوْطِئَةٌ لَها وإلّا فَأيُّ بَيانٍ يَحْصُلُ بِهِ نَفْسُهُ، والتَّفَيُّؤُ تَفَعُّلٌ مِن فاءَ يَفِيءُ فَيْئًا إذا رَجَعَ وفاءَ لازِمٌ وإذا عُدِّيَ فَبِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ كَأفاءَهُ اللَّهُ تَعالى وفَيَأهُ فَتَفَيَّأ وتَفَيّا مُطاوِعٌ لَهُ لازِمٌ، وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أبُو تَمّامٍ مُتَعَدِّيًا في قَوْلِهِ مِن قَصِيدَةٍ يَمْدَحُ بِها خالِدَ بْنَ يَزِيدَ الشَّيْبانِيَّ: طَلَبْتَ رَبِيعَ رَبِيعِهِ المُمْهى لَها وتَفَيَّأتْ ظِلًّا لَهُ مَمْدُودًا ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، والظِّلالُ جَمْعُ ظِلٍّ وهو في قَوْلِ ما يَكُونُ بِالغَداةِ وهو ما لَمْ تَنَلْهُ الشَّمْسُ والفَيْءُ ما يَكُونُ بِالعَشِيِّ وهو ما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةَ وكَنّىبِها عَنِ امْرَأةٍ: فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذَوُّقُ ونَقَلَ ثَعْلَبٌ عَنْ رُؤْبَةَ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَهو ظِلٌّ فالظِّلُّ أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ، وقِيلَ: هُما مُتَرادِفانِ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى ما كانَ قَبْلَ الزَّوالِ وعَلى خِلافِهِ، وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذاتُ الضَّلالِ والمَشْهُورُ أنَّ الفَيْءَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الزَّوالِ، ومِن هُنا قالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ تَفَيُّؤَ الظِّلالِ رُجُوعُها بَعْدَ انْتِصافِ النَّهارِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الِاعْتِبارَ مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِهِ، وإضافَةُ الضَّلالِ إلى ضَمِيرِ المُفْرَدِ لِأنَّ مَرْجِعَهُ وإنْ كانَ مُفْرَدًا في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ كَثِيرٌ في المَعْنى، ونَظِيرُ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، والمَعْنى أوْ لَمْ يَرَوُا الأشْياءَ الَّتِي تَرْجِعُ وتَتَنَقَّلُ ظِلالُها ﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ والمُرادُ بِها الأشْياءُ الكَثِيفَةُ مِنَ الجِبالِ والأشْجارِ وغَيْرِها سَواءٌ كانَ جَمادًا أوْ إنْسانًا عَلى ما عَلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وخَصَّها بَعْضُهم بِالجَماداتِ الَّتِي لا يَظْهَرُ لِظِلالِها أثَرٌ سِوى التَّفَيُّؤِ بِواسِطَةِ الشَّمْسِ عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى دُونَ ما يَشْمَلُ الحَيَوانَ الَّذِي يَتَحَرَّكُ ظِلُّهُ بِتَحَرُّكِهِ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ( مِن ) بَيانِيَّةً كَما سَمِعْتَ وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى العُمُومِ لَكِنَّهُ جَعَلَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً- بِـ خَلَقَ- المُرادُ بِما خَلَقَهُ مِن شَيْءٍ عالَمُ الأجْسامِ المُقابِلُ لِعالَمِ الرُّوحِ والأمْرُ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ مِن شَيْءٍ بَلْ وُجِدَ بِأمْرِ ( كُنْ ) كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ  ﴾ ، ولا يَخْفى بَعْدُهُ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ السَّماواتِ والجِنَّ مِن عالَمِ الأجْسامِ والخَلْقِ ولا ظِلَّ لَها ومُقْتَضى عُمُومِ ما أنَّهُ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها عَنْهُ بِخِلافِ ما إذا جُعِلَتْ مِن بَيانِيَّةً و«يَتَفَيَّؤُ» صِفَةُ شَيْءٍ مُخَصِّصَةٌ لَهُ.

ورُدَّ بِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ يَتَفَيَّأُ ﴾ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ صِفَةً- لِشَيْءٍ- إذِ المُرادُ إثْباتُ ذَلِكَ لِما خَلَقَ مِن شَيْءٍ لِإلَهٍ ولَيْسَ صِفَةً- لِما- لِتَخالُفِهِما تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا بَلْ هي مُسْتَأْنِفَةٌ لِإثْباتِ أنَّ لَهُ ظِلالًا مُتَفَيِّئَةً وعُمُومُ «ما» لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِكُلٍّ مِنهُ هَذِهِ الصِّفَةُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّهُ لا يَقْتَضِي العُمُومَ ظاهِرًا فَمَمْنُوعٌ وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ يَحْتَمِلُ فَلا يُرَدُّ رَدًّا لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الظّاهِرِ المُتَبادَرِ، والمُرادُ بِاليَمِينِ والشَّمائِلِ عَلى ما قِيلَ جانِبا الشَّيْءِ اسْتِعارَةً مِن يَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ أوْ مَجازًا مِن إطْلاقِ المُقَيَّدِ عَلى المُطْلَقِ أيْ ألَمْ يَرَوُا الأشْياءَ الَّتِي لَها ظِلالٌ مُتَفَيِّئَةٌ عَنْ جانِبَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنها تَرْجِعُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وانْحِدارِها أوْ بِاخْتِلافِ مَشارِقِها ومَغارِبِها فَإنَّ لَها مَشارِقَ ومَغارِبَ بِحَسَبِ مَداراتِها اليَوْمِيَّةِ حالَ كَوْنِ الظِّلالِ ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ أيْ مُنْقادَةً لَهُ تَعالى جارِيَةً عَلى ما أرادَ مِنَ الامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ وغَيْرِهِما غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فِيما سَخَّرَها لَهُ وهو المُرادُ بِسُجُودِها، وقَدْ يُفَسَّرُ بِاللُّصُوقِ في الأرْضِ أيْ حالَ كَوْنِها لاصِقَةً بِالأرْضِ عَلى هَيْئَةِ السّاجِدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم داخِرُونَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ «ظِلالُهُ» الرّاجِعِ إلى شَيْءٍ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى وصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِأنَّهُ كالجُزْءِ، وإيرادُ الصِّيغَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ لِما أنَّ الدُّخُورَ مِن خَصائِصِهِمْ فَإنَّهُ التَّصاغُرُ والذُّلُّ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ∗∗∗ ومُنْحَجِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ في حَجَرِ فالكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ أوْ لِأنَّ في جُمْلَةِ ذَلِكَ مَن يَعْقِلُ فَغُلِّبَ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِهِمْ يُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ وجْهُهُ أوَّلًا ويُجْعَلَ ما بَعْدَهُ جارِيًا عَلى المُشاكَلَةِ لَهُ أيْ والحالُ أنَّ أصْحابَ تِلْكَ الظِّلالِ ذَلِيلَةٌ مُنْقادَةٌ لِحُكْمِهِ تَعالى، ووَصْفُها بِالدُّخُورِ مُغْنٍ عَنْ وصْفِ ظِلالِها بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ( سُجَّدًا ) والجُمْلَةُ حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ تَرْجِعُ ظِلالُ تِلْكَ الأجْرامِ حالَ كَوْنِ تِلْكَ الأجْرامِ مُنْقادَةً لَهُ تَعالى داخِرَةً فَوَصْفُها بِهِما مُغْنٍ عَنْ وصْفِ ظِلالِها بِهِما.

والمُرادُ بِالسُّجُودِ أيْضًا الِانْقِيادُ سَواءٌ كانَ بِالطَّبْعِ أوْ بِالقَسْرِ أوْ بِالإرادَةِ، فَلا يُرَدُّ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ما ( خَلَقَ ) شامِلًا لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كَيْفَ يَكُونُ ( سُجَّدًا ) حالًا مِن ضَمِيرِهِ وسُجُودُ العُقَلاءِ غَيْرُ سُجُودِ غَيْرِهِمْ.

وحاصِلُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ مِن عُمُومِ المَجازِ، والأمْرُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ مِن ذاكَ الجَماداتُ ظاهِرٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السُّجُودَ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا وهو الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ ويَسْتَدْعِي ذَلِكَ الحَياةَ والعِلْمَ لِتُقْصَدَ العِبادَةُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنْ قُلْنا عَلى هَذا الوَجْهِ: إنَّ الواوَ حالِيَّةٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فالحالانِ مُتَرادِفَتانِ، وتَعَدُّدُ الحالِ جائِزٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ جَعْلَ الثّانِيَةِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ كَما فَصَّلَهُ السَّمِينُ، وإنْ قُلْنا: إنَّها عاطِفَةٌ فَلا تَكُونُ الحالُ مُتَرادِفَةً بَلْ مُتَعاطِفَةٌ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ( سُجَّدًا ) حالٌ مِنَ الظِّلالِ ﴿ وهم داخِرُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( سُجَّدًا ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً مَعْطُوفَةً اهـ، وفِيهِ القَوْلُ بِالتَّداخُلِ وهو مُحْتَمَلٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ( سُجَّدًا ) حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ ظِلالُهُ ﴾ والوَجْهُ الأوَّلُ هو المُخْتارُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، ورَجَّحَهُ في الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ انْقِيادَ الظِّلِّ وذِي الظِّلِّ مَطْلُوبٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ  ﴾ فَجاعِلُهُما حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ ظِلالُهُ ﴾ مُقَصِّرٌ، وفِيهِ تَكْمِيلٌ حَسَنٌ لَمّا وصَفَ الظِّلالَ بِالسُّجُودِ وصَفَ أصْحابَها بِالدُّخُورِ الَّذِي هو أبْلَغُ لِأنَّهُ انْقِيادٌ قَهْرِيٌّ مَعَ صِفَةِ المُنْقادِ، ولَمْ يُجْعَلْ حالًا مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ في ( خَلَقَ اللَّهُ ) إذِ المَعْنى عَلى تَصْوِيرِ سُجُودِ الظِّلِّ وذِيهِ وتَقارُنُهُما في الوُجُودِ لا عَلى مُقارَنَةِ الخَلْقِ والدُّخُورِ، والعامِلُ في الحالِ الثّانِي ﴿ يَتَفَيَّأُ ﴾ عَلى ما قالَ ابْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ اهـ، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في إعْرابِ أبِي البَقاءِ.

نَعَمْ إنَّ في هَذا الوَجْهِ بُعْدًا لَفْظِيًّا والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وأمّا جَعْلُ ﴿ وهم داخِرُونَ ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ( يَرَوْا ) فَمِمّا لا يَصِحُّ بِحالٍ كَما لا يَخْفى.

هَذا وذَكَرَ الإمامُ في اليَمِينِ والشِّمالِ قَوْلَيْنِ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ.

الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِما المَشْرِقُ والمَغْرِبُ تَشْبِيهًا لَهُما بِيَمِينِ الإنْسانِ وشِمالِهِ فَإنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ وهَوَ أقْوى الجانِبَيْنِ فَهو اليَمِينُ والجانِبُ الآخَرُ الشِّمالُ فالظِّلالُ في أوَّلِ النَّهارِ تَبْتَدِئُ مِنَ الشَّرْقِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الغَرْبِيِّ مِنَ الأرْضِ وعِنْدَ الزَّوالِ تَبْتَدِئُ مِنَ الغَرْبِ واقِعَةً عَلى الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِنها.

والثّانِي يَمِينُ البَلَدِ وشِمالُهُ، وذَلِكَ أنَّ البَلْدَةَ الَّتِي يَكُونُ عَرْضُها أقَلَّ مِن مِقْدارِ المَيْلِ الكُلِّيِّ وهو «كَجَلْ يِزْ أوْ كَحْلَهْ» عَلى اخْتِلافِ الأرْصادِ فَإنَّ في الصَّيْفِ تَحْصُلُ الشَّمْسُ عَلى يَمِينِ تِلْكَ البَلْدَةِ وحِينَئِذٍ تَقَعُ الأظْلالُ عَلى يَسارِها وفي الشِّتاءِ بِالعَكْسِ، ولا يَخْفى ما في الثّانِي فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِقُطْرٍ مَخْصُوصٍ والكَلامُ ظاهِرٌ في العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ والشِّمالِ يَمِينُ مُسْتَقْبَلِ الجَنُوبِ وشِمالُهُ، ( وعَنِ ) كَما قالَ الحَوْفِيُّ مُتَعَلِّقَةٌ بِ ﴿ يَتَفَيَّأُ ﴾ وقالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، وقِيلَ: هي اسْمٌ بِمَعْنى جانِبٍ فَتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

ولَهم في تَوْحِيدِ (اليَمِينِ) وجَمْعِ (الشَّمائِلِ) - وهو جَمْعٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ- كَلامٌ طَوِيلٌ.

فَقِيلَ: إنَّ العَرَبَ إذا ذَكَرَتْ صِيغَتَيْ جَمْعٍ عَبَّرَتْ عَنْ إحْداهُما بِلَفْظِ المُفْرَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ  ﴾ و ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ  ﴾ وقِيلَ: إذا فَسَّرْنا اليَمِينَ بِالمَشْرِقِ كانَ النُّقْطَةُ الَّتِي هي مَشْرِقُ الشَّمْسِ واحِدَةً بِعَيْنِها فَكانَتِ اليَمِينُ واحِدَةً، وأمّا الشَّمائِلُ فَهي عِبارَةٌ عَنِ الِانْحِرافاتِ الواقِعَةِ في تِلْكَ الأظْلالِ بَعْدَ وُقُوعِها عَلى الأرْضِ وهي كَثِيرَةٌ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقِيلَ: اليَمِينُ مُفْرَدٌ لَفْظًا لَكِنَّهُ جَمْعٌ مَعْنًى فَيُطابِقُ الشَّمائِلَ مِن حَيْثُ المَعْنى، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا وجَمْعًا فَإنْ كانَ مُفْرَدًا ذُهِبَ إلى واحِدٍ مِن ذَواتِ الظِّلالِ وإنْ كانَ جَمْعًا ذُهِبَ إلى كُلِّها لِأنَّ ما خَلَقَ اللَّهُ لَفْظُهُ واحِدٌ ومَعْناهُ الجَمْعُ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالشَّمائِلِ الشِّمالُ والقُدّامُ والخَلْفُ لِأنَّ الظِّلَّ يَفِيءُ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها فَبَدَأ بِاليَمِينِ لِأنَّ ابْتِداءَ التَّفَيُّؤِ مِنها أوْ تَيَمُّنًا بِذِكْرِها، ثُمَّ جَمَعَ الباقِيَ عَلى لَفْظِ الشِّمالِ لِما بَيْنَ الشِّمالِ واليَمِينِ مِنَ التَّضادِّ، ونَزَّلَ الخَلْفَ والقُدّامَ مَنزِلَةَ الشِّمالِ لِما بَيْنَهُما وبَيْنَ اليَمِينِ مِنَ الخِلافِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ جَمْعَ اللَّفْظِ بِاعْتِبارِ حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ وفي صِحَّتِهِ مَقالٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِاليَمِينِ يَمِينُ الواقِفِ مُسْتَقْبِلَ المَشْرِقِ ويُسَمّى الجَنُوبَ وبِالشِّمالِ شَمالُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الجَنُوبِ إلى الشَّمالِ وعَنِ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ ولَمّا كانَ غالِبُ المَعْمُورَةِ شَمالِيَّ وظِلالُها كَذَلِكَ جَمَعَ الشِّمالَ ولَمْ يَجْمَعِ اليَمِينَ، وهو كَما تَرى، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنْ أُسْتاذِهِ أبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ الصّائِغِ أنَّهُ أفْرَدَ وجَمَعَ بِالنَّظَرِ إلى الغايَتَيْنِ لِأنَّ ظِلَّ الغَداةِ يَضْمَحِلُّ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ إلّا اليَسِيرُ فَكَأنَّهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهو في العَشِيِّ عَلى العَكْسِ لِاسْتِيلائِهِ عَلى جَمِيعِ الجِهاتِ فَلُحِظَتِ الغايَتانِ.

هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى وأمّا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ فَجَمَعَ الثّانِيَ لِيُطابِقَ ( سُجَّدًا ) المُجاوِرَ لَهُ شَمالًا كَما أفْرَدَ الأوَّلَ لِيُطابِقَ ضَمِيرَ ﴿ ظِلالُهُ ﴾ المُجاوِرَ لَهُ يَمِينًا، ولا يَخْفى ما في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ مِن حُسْنِ رِعايَةِ الأصْلِ والفَرْعِ أيْضًا.

فَحَصَلَ في الآيَةِ مُطابَقَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى جِهَةَ المَشْرِقِ وبِالشِّمالِ جِهَةَ المَغْرِبِ، وهو أنَّهُ لَمّا كانَتِ الجِهَةُ الأوْلى مَطْلَعَ النُّورِ والجِهَةُ الثّانِيَةُ مَغْرِبَهُ ومَظْهَرَ الظُّلْمَةِ أفْرَدَ ما يَدُلُّ عَلى الجِهَةِ الأُولى كَما أفْرَدَ ( النُّورِ ) في كُلِّ القُرْآنِ، وجَمَعَ ما يَدُلُّ عَلى الجِهَةِ الثّانِيَةِ كَما جَمَعَ الظُّلْمَةَ كَذَلِكَ وإفْرادُهُ النُّورَ وجَمْعُ الظُّلْمَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِما، وقَدْ يُقالُ: إنَّ جَمْعَ الظِّلالِ مَعَ إفْرادِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لِأنَّ الظِّلَّ ظُلْمَةٌ حاصِلَةٌ مِن حَجْبِ الكَثِيفِ الشَّمْسِ مَثَلًا عَنْ أنْ يَقَعَ ضَوْؤُها عَلى ما يُقابِلُهُ فَجُمِعَتِ الظِّلالُ كَما جُمِعَتِ الظُّلُماتُ، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا أنَّهُ جُمِعَتِ المَشارِقُ في القُرْآنِ كالمَغارِبِ إذْ كَثِيرًا ما يُرْتَكَبُ أمْرٌ لِنُكْتَةٍ في مَقامٍ ولا يُرْتَكَبُ لَها في مَقامٍ آخَرَ، وآخَرُ أيْضًا وهو أنَّهُ لَمّا كانَ اليَمِينُ عِبارَةً عَنْ جِهَةِ المَشْرِقِ وهو مَبْدَأُ الظِّلِّ وحْدَهُ مُناسَبَةً لِتَوْحِيدِ المَبْدَأِ الحَقِيقِيِّ وهو اللَّهُ تَعالى ولا كَذَلِكَ جِهَةُ المَغْرِبِ، ولا يُناسِبُ رِعايَةً نَحْوَ هَذا في الشِّمالِ كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ و««كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ»» ويُعِينُ عَلى مُلاحَظَةِ المَبْدَئِيَّةِ نِسْبَةُ الخَلْقِ إلَيْهِ تَعالى، وآخَرُ أيْضًا وهو أنَّ الظِّلَّ الجائِيَ مِن جِهَةِ المَشْرِقِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ أمْرٌ شَرْعِيٌّ والجائِي مِن جِهَةِ المَغْرِبِ يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ، فَإنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ يَدْخُلُ وقْتُها بِأوَّلِ حُدُوثِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ بِزَوالِ الشَّمْسِ عَنْ وسَطِ السَّماءِ، ووَقْتَ العَصْرِ بِصَيْرُورَتِهِ مِثْلَ الشّاخِصِ أوْ مِثْلَيْهِ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوالِ إنْ كانَ كَما في الآفاقِ المائِلَةِ، ووَقْتَ المَغْرِبِ بِشُمُولِهِ البَسِيطَةَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وما ألْطَفَ وُقُوعَ (سُجَّدًا) بَعْدَ (الشَّمائِلِ) عَلى هَذا وآخَرُ أيْضًا وهو أوْفَقُ بِبابِ الإشارَةِ وسَيَأْتِي فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الفَتّاحُ، وبَعْدَ لِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ فَتَأمَّلْ فَلَعَلَّ ما ذَكَرْتُهُ لا يُرْضِيكَ.

وقَدْ بَيَّنَ الإمامُ أنَّ اخْتِلافَ الظِّلالِ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِها مُنْقادَةً لِلَّهِ تَعالى خاضِعَةً لِتَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اخْتِلافُها مُعَلَّلٌ بِاخْتِلافِ الشَّمْسِ؟

قُلْنا: قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الجِسْمَ لا يَكُونُ مُتَحَرِّكًا لِذاتِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ تَحَرُّكُهُ مِن غَيْرِهِ ولا بُدَّ مِنَ الاسْتِنادِ بِالآخِرَةِ إلى واجِبِ الوُجُودِ جَلَّ شَأْنُهُ فَيَرْجِعُ أمْرُ اخْتِلافِ الظِّلالِ إلَيْهِ تَعالى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَرَدَّدَ في أنَّ السَّبَبَ الظّاهِرِيَّ لِلظِّلالِ هو الشَّمْسُ ونَحْوُها وكَثافَةُ الشّاخِصِ، نَعَمْ في كَوْنٍ ذَلِكَ مُسْتَنَدًا إلَيْهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ ابْتِداءً أوْ بِالواسِطَةِ خِلافٌ، ومَذْهَبُ السَّلَفِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ فَقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَتَذَكَّرْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلى ذِكْرٍ مِنكَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالظِّلالِ الظِّلالُ المَبْسُوطَةُ وتُسَمّى المُسْتَوِيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها ما يَشْمَلُ الظِّلالَ المَعْكُوسَةَ فَإنَّها أيْضًا تَتَفَيَّأُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ فاعْرِفْ ذَلِكَ ولا تَغْفُلْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى ويَعْقُوبُ «تَتَفَيَّأُ» بِالتّاءِ عَلى التَّأْنِيثِ، وأمْرُ التَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ في الفِعْلِ المُسْنَدِ لِمِثْلِ الجَمْعِ المَذْكُورِ ظاهِرٌ.

وقَرَأ عِيسى «ظُلَلُهُ» وهو جَمْعُ ظُلَّةٍ كَحُلَّةٍ وحُلَلٍ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: الظُّلَّةُ بِالضَّمِّ الغَيْمُ وأمّا بِالكَسْرِ فَهو الفَيْءُ والأوَّلُ جِسْمٌ والثّانِي عَرَضٌ، فَرَأى عِيسى أنَّ التَّفَيُّؤَ الَّذِي هو الرُّجُوعُ بِالأجْسامِ أوْلى، وأمّا في العامَّةِ فَعَلى الِاسْتِعارَةِ اهـ، ويَلُوحُ مِنهُ القَوْلُ بِالقِراءَةِ بِالرَّأْيِ، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الظِّلالَ في قِراءَةِ العامَّةِ بِالأشْخاصِ لِتَكُونَ عَلى نَحْوِ قِراءَةِ عِيسى، وأنْشَدُوا لِاسْتِعْمالِ الظِّلالِ في ذَلِكَ قَوْلَ عَبَدَةَ: إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَراجِيلُ فَإنَّهُ إنَّما تَنْصِبُ الأخْبِيَةَ لا الظِّلَّ الَّذِي هو الفَيْءُ، وقَوْلَ الآخَرِ: يَتْبَعُ أفْياءَ الظِّلالِ عَشِيَّةً فَإنَّهُ أرادَ أفْياءَ الأشْخاصِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ فِيما ذَكَرَ فَإنَّ قَوْلَهُ: رَفَعْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ مَعْناهُ رَفَعْنا الأخْبِيَةَ فَرَفَعْنا بِهِ ظِلَّها فَكَأنَّهُ رَفَعَ الظِّلَّ، وقَوْلُهُ: أفْياءُ الظِّلالِ فالظِّلالُ فِيهِ عامٌّ والفَيْءُ خاصٌّ والإضافَةُ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِنَ الظُّلَّةِ في قِراءَةِ عِيسى الظِّلُّ الَّذِي يُشَبِّهُ الظُّلَّةَ، والمُرادُ بِها شَيْءٌ كَهَيْئَةِ الصِّفَةِ في الِانْتِفاعِ بِهِ وقِيلَ: الكَلامُ في تِلْكَ القِراءَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ظِلالِ ظُلَلِهِ، وتُفَسَّرُ الظُّلَّةُ بِما هو كَهَيْئَةِ الصِّفَةِ، والمُتَبادَرُ مِنَ الظِّلِّ حِينَئِذٍ الظِّلُّ المَعْكُوسُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا قرأ حمزة والكسائي تَرَوْاْ بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون: بالياء على معنى المغايبة يعني: أو لم يعتبروا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ عند طلوع الشمس وعند غروبها يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ يعني: يدور ظلاله عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ قال القتبي: أصل الفيء الرجوع، وتفيؤ الظلال: رجوعها من جانب إلى جانب سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ أي: صاغرون ويقال: وهم مطيعون.

وأصل السجود التطأطؤ والميل.

يقال: سجد البعير إذا تطأطأ، وسجدت النخلة إذا مالت، ثم قد يستعار السجود ويوضع موضع الاستسلام والطاعة، ودوران الظل من جانب إلى جانب هو سجوده لأنه مستسلم، منقاد، مطيع.

فذلك قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ.

ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ أي: يستسلم مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي: يسجد لله جميع ما في الارض من دآبة وَالْمَلائِكَةُ يعني: وما على الأرض من الملائكة.

ويقال: فيه تقديم وتأخير، ومعناه: ما في السموات من الملائكة، وَمَا فِى الارض من دابة.

ويقال: معناه يسجد له جميع ما في السَّموات وما في الارض يعني: الدواب، والملائكة يعني: الذين هم في السموات والأرض.

وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ أي: لا يتعظمون عن السجود لله تعالى يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون الله تعالى.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «إن لله تَعَالَى مَلائِكَةً فِي السَّمَاءِ السّابعة سجودا مُذْ خَلَقَهُمُ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ الله تَعَالَى، فَإِذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَقَالُوا: ما عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أي: يخافون خوفا، معظمين، مجلّين.

ويقال: خوفهم بالقهر والغلبة والسلطان.

ويقال: معناه يخافون ربهم الذي على العرش كما وصف نفسه، والطريق الأول أصحّ كقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10] أي: بالقهر والغلبة والسلطان وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي: لا يعصون الله تعالى طرفة عين.

قرأ أبو عمرو: يَتَفَيَّؤُا بالتاء بلفظ التأنيث، وقرأ الباقون: بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تَخَّوَفَهُمْ حَتَّى أَذَلَّ سَرَاتَهُمْ ...

بِطَعْنِ ضِرَارٍ بَعْدَ فَتْحِ الصَّفائِحِ «١»

وهذا التنقُّص يتَّجه به الوعيدُ على معنيين:

أحدهما: أن يهلكهم ويخرج أرواحهم على تخَّوف، أي: أفذاذاً يتنقَّصهم بذلك الشيءَ بعد الشيءِ، ويصيِّرهم إِلى ما أعدَّ لهم من العذاب، وفي هذه الرتبةِ الثالثة مِنَ الوعيدِ رأْفَةٌ ورحمةٌ وإِمهال ليتوبَ التائِبُ، ويرجِعَ الرَّاجع، والثاني: ما قاله الضَّحَّاك: أنْ يأخذ بالعذابِ طائفةً أو قريةً، ويترك أخرى، ثم كذلك حتَّى يَهْلِكَ الكُلُّ «٢» .

وقالت فرقة: «التخُّوف» هنا: من الخْوف، أي: فيأخذهم بعد تخُّوف ينالهم/ يعذّبهم به.

وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ...

الآية: قوله: مِنْ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ في كلِّ شخصٍ وجرْمٍ له ظلٌّ كالجبال والشجر وغير ذلك، وفَاءَ الظِّلُّ رجَعَ، ولا يقالُ: الفيء إلاَّ مِنْ بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكنْ هذه الآية:

الاعتبار فيها من أول النَّهار إلى آخره فكأنَّ الآية جاريةٌ في بعْضٍ على تجوُّز كلام العرب واقتضائه، والرؤية، هنا: رؤيةُ القَلْبُ ولكنَّ الاعتبار برؤية القلب هنا إنما تكون في مرئيّات بالعين، وعَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ هنا: فيه تجوُّز وآتساعٌ، وذكَرَ «٣» الطبريُّ عن الضَّحِّاك، قال: إذا زالَتِ الشمْسُ، سَجَدَ كلّ شيء قِبَلَ القبْلة من نَبْت أو شجر «٤» ولذلك كان الصالحُونَ يستحبُّون الصلاة في ذلك الوقت.

قال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أربع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " أوْلَمَ يَرَوْا " بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَرَوْا " بِالتّاءِ، واخْتُلِفَ عَنْ عاصِمٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ أرادَ مِن شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ، مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ جِسْمٍ قائِمٍ " يَتَفَيَّأُ " قَرَأ الجَماعَةُ بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِالتّاءِ " ظِلالُهُ " وهو جَمْعُ ظِلٍّ، وإنَّما جُمِعَ وهو مُضافٌ إلى واحِدٍ، لِأنَّهُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ  ﴾ .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ: يَدُورُ ويَرْجِعُ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، والفَيْءُ: الرُّجُوعُ، ومِنهُ قِيلَ لِلظِّلِّ بِالعَشِيِّ: فَيْءٌ، لِأنَّهُ فاءَ عَنِ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلى القِبْلَةِ، كانَ الظِّلُّ قُدّامَكَ، فَإذا ارْتَفَعَتْ كانَ عَنْ يَمِينِكَ، فَإذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ كانَ خَلْفَكَ، وإذا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ كانَ عَلى يَسارِكَ، وإنَّما وحَّدَ اليَمِينَ، والمُرادُ بِهِ: الجَمْعُ، إيجازًا في اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ  ﴾ ، ودَلَّتِ " الشَّمائِلُ " عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الجَمِيعُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما وحَّدَ اليَمِينَ، وجَمَعَ الشَّمائِلَ، ولَمْ يَقُلِ الشِّمالَ، لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ، وأنْشَدَ: الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذَرى سَبَإٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ وَلَمْ يَقُلْ: جُلُودُ، ومِثْلُهُ: كُلُوا في نِصْفِ بَطْنِكم تَعِيشُوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ وَإنَّما جازَ التَّوْحِيدُ، لِأنَّ أكْثَرَ الكَلامِ يُواجَهُ بِهِ الواحِدُ.

وَقالَ غَيْرُهُ: اليَمِينُ راجِعَةٌ إلى لَفْظِ ما، وهو واحِدٌ، والشَّمائِلُ راجِعَةٌ إلى المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُسْتَسْلِمَةً، مُنْقادَةً، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ  ﴾ .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: والكُفّارُ صاغِرُونَ.

والثّانِي: وهَذِهِ الأشْياءُ داخِرَةٌ مَجْبُولَةٌ عَلى الطّاعَةِ.

قالَ الأخْفَشُ: إنَّما ذَكَّرَ مَن لَيْسَ مِنَ الإنْسِ، لِأنَّهُ لَمّا وصَفَهم بِالطّاعَةِ أشْبَهُوا الإنْسَ في الفِعْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ.

.

.

.

﴾ الآيَةُ.

السّاجِدُونَ عَلى ضَرْبَيْنِ: أحَدُهُما: مَن يَعْقِلُ، فَسُجُودُهُ عِبادَةٌ.

والثّانِي: مَن لا يَعْقِلُ، فَسُجُودُهُ بَيانُ أثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِ، والخُضُوعُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: بِجَيْشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَجَراتُهُ، أيْ: جَوانِبُهُ، يُرِيدُ أنَّ حَوافِرَ الخَيْلِ قَدْ قَلَعَتِ الأُكْمَ ووَطِئَتْها حَتّى خَشَعَتْ وانْخَفَضَتْ.

فَأمّا الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، فَألْحَقَها جَماعَةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: سُجُودُها حَقِيقَةٌ، ما مِنها غارِبٌ إلّا خَرَّ ساجِدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ لا يَنْصَرِفُ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُ، ويَشْهَدُ لِقَوْلِ أبِي العالِيَةِ، حَدِيثُ أبِي ذَرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في المَسْجِدِ حِينَ وجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ: " يا أبا ذَرٍّ !

تَدْرِي أيْنَ ذَهَبَتِ الشَّمْسُ " قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: " فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها عَزَّ وجَلَّ، فَتَسْتَأْذِنُ في الرُّجُوعِ، فَيُؤْذَنُ لَها، فَكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ إلى مَطْلَعِها فَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها  ﴾ "» .

أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.

وأمّا النَّباتُ والشَّجَرُ، فَلا يَخْلُو سُجُودُهُ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ سُجُودًا لا نَعْلَمُهُ، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ يُودِعُهُ فَهْمًا.

والثّانِي: أنَّهُ تَفَيُّؤُ ظِلالِهِ.

والثّالِثُ: بَيانُ الصَّنْعَةِ فِيهِ.

والرّابِعُ: الِانْقِيادُ لِما سُخِّرَ لَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ إنَّما أخْرَجَ المَلائِكَةَ مِنَ الدَّوابِّ، لِخُرُوجِهِمْ بِالأجْنِحَةِ عَنْ صِفَةِ الدَّبِيبِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن صِفَةِ المَلائِكَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَذْكُوراتِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ قَوْلانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، وتَلْخِيصُهُ: يَخافُونَ رَبَّهم عالِيًا رَفِيعًا عَظِيمًا.

والثّانِي: أنَّهُ حالٌ، وتَلْخِيصُهُ: يَخافُونَ رَبَّهم مُعَظِّمِينَ لَهُ عالِمِينَ بِعَظِيمِ سُلْطانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأرْضَ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ أو يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ﴿ أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ المُرادُ "الَّذِينَ" في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرَ، ونَصْبُ "السَيِّئاتِ" يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يُنْصَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَأمِنَ الَّذِينَ ﴾ ، وتَكُونُ السَيِّئاتُ -عَلى هَذا- العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ يَخْسِفَ ﴾ بَدَلًا مِنها، والوَجْهُ الثانِي أنْ تُنْصَبَ بِـ "مَكَرُوا"، وعْدِّي "مَكَرُوا" لِأنَّهُ بِمَعْنى "عَمِلُوا" أو "فَعَلُوا"، و"السَيِّئاتُ" -عَلى هَذا- مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم مِنَ الخَسْفِ، وهو أنْ تَبْتَلَعَ الأرْضُ المَخْسُوفَ بِهِ ويُقَعَدَ بِهِ إلى أسْفَلَ، وأسْنَدَ النَقاشُ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْمًا في هَذِهِ الأُمَّةِ أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَتَدافَعُوا الإمامَةَ وتَصَلَّفُوا في ذَلِكَ فَما زالُوا كَذَلِكَ حَتّى خُسِفَ بِهِمْ.

و"تَقَلُّبِهِمْ": سَفَرُهم ومُحاوَلَتُهُمُ المَعايِشَ بِالسَفَرِ وبِالرِعايَةِ وغَيْرِها، و"المُعْجِزُ": المُفْلِتُ هَرَبًا، كَأنَّهُ عَجَّزَ طالِبَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ ، أيْ: عَلى جِهَةِ التَخَوُّفِ، والتَخَوُّفُ: التَنَقُّصُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ ناقَةً: تَخَوُّفَ السَيْرَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَبْعَةِ السَفَنُ فالسَفَنُ: المِبْرَدُ، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى "التَخَوُّفِ" في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ الكُتُبَ إلى الأمْصارِ يَسْألُ عن ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ هَذا البَيْتِ، ويُرْوى أنَّهُ جاءَ فَتًى مِنَ العَرَبِ وهو قَدْ أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ لَفْظَةِ التَخَوُّفِ، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، إنْ أبِي يَتَخَوَّفَنِي مالِي، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اللهُ أكْبَرُ ﴿ أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: وجامِلٍ خَوَّفَ مِن نِيبِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ زُجْرُ المُعَلّى أُصُلًا والسَفِيحْ ويُرْوى: مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أُلامُ عَلى الهِجاءِ وكُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُلاقِينِي مِنَ الجِيرانِ غُولُ تَخَوُّفَ عَدُّوَهم مالِي وأهْدى ∗∗∗ ∗∗∗ سَلاسِلَ في الحُلُوقِ لَها صَلِيلُ يُرِيدُ الأهاجِي.

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: تَخَوُّفَهم حَتّى أذَلَّ سَراتِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِطَعْنٍ ضِرارٍ بَعْدَ نَفْحِ الصَفائِحِ وهَذا التَنْقِصُ يَتَّجِهُ الوَعِيدُ بِهِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُهْلِكَهم ويُخْرِجَ أرْواحَهم عَلى تَخَوُّفٍ، أيْ أفْذاذًا، يَتَنَقَّصُهم بِذَلِكَ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ، وهَذا لا يَدَّعِي أحَدٌ أنَّهُ يَأْمَنُهُ، وكَأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما يَكُونُ بِعَذابِ ما يُلْقُونَ بَعْدَ المَوْتِ، وإلّا فَهَكَذا تَهْلَكُ الأُمَمُ كُلُّها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، أيْ أنَّ هَذِهِ الرُتْبَةَ الثالِثَةَ مِنَ الوَعِيدِ فِيها رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ وإمْهالٌ لِيَتُوبَ التائِبُ ويَرْجِعَ الراجِعُ، والآخِرُ: ما قالَ الضَحاكُ: أنْ يُأْخَذَ بِالعَذابِ طائِفَةٌ أو قَرْيَةٌ ويُتْرَكُ أُخْرى، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى يَهْلَكَ الكُلُّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَخَوُّفُ هُنا مِنَ الخَوْفِ، أيْ: يَأْخُذُهم بَعْدَ تَخَوُّفٍ يَنالُهم فَيُعَذِّبُهم بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا تَكَلُّفٌ ما.

وقَوْلُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في العنكَبُوتِ، فَهي جارِيَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أو يَأْخُذَهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ أو يَأْتِيَهُمُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيٌّ: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في المَوْضِعَيْنِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وذاكَ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أو لَمْ تَرَوْا، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ ابْتَدَأ بِهِ القَوْلَ آنِفًا، وقَرَأ عاصِمٌ في النَحْلِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، واخْتَلَفَ عنهُ في العنكَبُوتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن شَيْءٍ  ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها ظِلٌّ، والرُؤْيَةُ هُنا هي رُؤْيَةُ القَلْبِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِرُؤْيَةِ القَلْبِ إنَّما تَكُونُ في مَرْئِيّاتٍ بِالعَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "تَتَفَيَّأُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى ويَعْقُوبٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَفَيَّأُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا تَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى مِثْلِ هَذا الجَمْعِ فالتَذْكِيرُ والتَأْنِيثُ فِيهِ حُسْنانِ.

و"فاءَ الظِلُّ": رَجَعَ بِعَكْسِ ما كانَ إلى الزَوالِ، وذَلِكَ أنَّ الشَمْسَ مِن وقْتِ طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَوالِ إنَّما هي في نَسْخِ الظِلِّ العامِّ قَبْلَ طُلُوعِها، فَإذا زالَتِ ابْتَدَأ رُجُوعُ الظِلِّ العامِّ، ولا يَزالُ يَنْمُو حَتّى تَغِيبَ الشَمْسُ فَيَعُمُّ، والظِلُّ المَمْدُودُ في الجَنَّةِ لَمْ يَذْكُرِ اللهُ فَيْئًا لِأنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: فَلا الظِلُّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذَوُقُ فَهُوَ عَلى المَهْيَعِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ: تَتَبُّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى طُرُقٍ كَأنَّهُنَّ سُيُوبُ وكَذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ وَأمّا النابِغَةُ الجَعْدِيِّ فَقالَ: فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذاتُ الظِلالِ فَتَجَوَّزَ في أنْ جَعَلَ الفَيْءَ حَيْثُ لا رُجُوعَ، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: يُقالُ بَعْدَ الزَوالِ: فَيْءٌ وظِلٌّ، ولا يُقالُ قَبْلَهُ إلّا ظِلٌّ فَقَطْ، ويُقالُ: فاءَ الظِلُّ إذا رَجَعَ مِنَ النُقْصانِ إلى الزِيادَةِ، ويُعَدّى "فاءَ" بِالهَمْزَةِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ  ﴾ ، ويُعَدّى بِالتَضْعِيفِ، فَيُقالُ: أفاءَهُ اللهُ وفَيَّأهُ، وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ، ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا مِن بَعْدِ الزَوالِ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الِاعْتِبارُ فِيها مِن أوَّلِ النَهارِ إلى آخِرِهِ، فَكَأنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ عَلى تَجَوُّزِ كَلامِ العَرَبِ واقْتِضائِهِ وضْعَ "تَتَفَيَّأُ" مَكانَ "تَتَنَقَّلُ" و"تَمِيلُ"، وأضافَ الظِلالَ إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما"، أو لَفْظِ "شَيْءٍ"، وهو بِالمَعْنى لِجَمِيعِ، وقَرَأ الثَقَفِيُّ: "ظُلَلُهُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وضَمِّ الظاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ ﴾ ، أفْرَدَ "اليَمِينَ" وهو يُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَكَأنَّهُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: عَنِ الأيْمانِ والشَمائِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ: الوارِدُونَ وثَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ قالَ الآخَرُ: بِفي الشامِتِينَ الصَخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ رَزِيَّةُ شِبْلَيْ مُخَدَرٍ في الضَراغِمِ والمَنصُوبُ لِلْعِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هو كُلُّ شَخْصٍ وجِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَمائِلِ هُنا هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ البَشَرِ، أيْ: تُقَدِّرُهُ ذا يَمِينٍ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ يَسْتَقْبِلُ أيَّ جِهَةٍ شِئْتَ ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشَمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُنْيا، فَهَذا وجْهٌ يُعَمِّمُ لَكَ ألْفاظَ الآيَةِ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينِ مِن غَدْوَةِ النَهارِ إلى الزَوالِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنَ الزَوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِمالِ، -وَهُوَ قَوْلُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ - فَإنَّما يَتَرَتَّبُ لَهُ ذَلِكَ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدِي إنَّما هو في مُسْتَقْبِلِ الجَنُوبِ، وما قالَ بَعْضُ الناسِ مِن "أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ دَفْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَوالِ، ثُمَّ الآخَرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَمائِلِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ الشَمائِلَ وأفْرَدَ اليَمِينَ" فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ يُبْطِلُ مِن جِهاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا فَأوَّلُ ذُرُورِ الشَمْسِ فالظِلُّ عن يَمِينٍ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو عَنِ الشَمائِلِ، لِأنَّها حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ وظِلالٌ مُقَطَّعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، وكانَ الظِلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفي هَذا القَوْلِ تَجَوُّزٌ في تَفَيَّأ، وعَلى ما قَدَّرْنا مِنَ اسْتِقْبالِ الجَنُوبِ يَكُونُ الظِلُّ أبَدًا مُنْدَفِعًا عَنِ اليَمِينِ إلى الزَوالِ، فَإذا تَحَرَّكَ بَعْدَ فارِقِ الأيْمانِ جُمْلَةً وصارَ انْدِفاعُهُ عَنِ الشَمائِلِ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الظِلالُ هُنا: الأشْخاصُ، وهي المُرادُ أنْفُسُها، والعَرَبُ تُعَبِّرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِلِّ، ومِنهُ قَوْلُ عَبَدَةَ بْنِ الطِيبِ: إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَحْمِ المَراجِيلُ وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: تَتَبَّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً أيْ أفْياءَ الأشْخاصِ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ قَرَّرَهُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا السُجُودِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو سُجُودُ عِبادَةٍ حَقِيقَةٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الضَحاكِ قالَ: إذا زالَتِ الشَمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ أو شَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِلالُ لا الأشْخاصُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الطَبَرِيُّ -: عَبَّرَ عَنِ الخُضُوعِ والطاعَةِ ومَيَلانِ الظِلالِ ودَوَرانِها بِالسُجُودِ، وكَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ نَحْوَ الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ و"الداخِرُ": المُتَصاغِرُ المُتَواضِعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ فِلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ومُنْجَحِرٍ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بعد أن نهضت براهين انفراده تعالى بالخلق بما ذكر من تعداد مخلوقاته العظيمة جاء الانتقال إلى دلالة من حال الأجسام التي على الأرض كلّها مشعرةٍ بخضوعها لله تعالى خضوعاً مقارناً لوجودها وتقلّبها آناً فَآناً علم بذلك من علمه وجهله من جهله.

وأنبأ عنه لسان الحال بالنسبة لِما لا علم له، وهو ما خلق الله عليه النظام الأرضي خلقاً ينطق لسان حاله بالعبودية لله تعالى، وذلك في أشدّ الأعراض مُلازمةً للذوات، ومطابَقَةً لأشكالها وهو الظلّ.

وقد مضى تفصيل هذا الاستدلال عند قوله تعالى: ﴿ وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ في سورة الرعد (15).

فالجملة معطوفة على الجُمل التي قبلها عطف القصّة على القصّة.

والاستفهام إنكاري، أي قد رأوا، والرؤية بصرية.

وقرأ الجمهور أولم يروا } بتحتية.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف ﴿ أولم تروا ﴾ بالمثناة الفوقية على الخطاب على طريقة الالتفات.

و ﴿ من شيء ﴾ بيانٌ للإبهام الذي في ﴿ ما ﴾ الموصولة، وإنما كان بياناً باعتبار ما جرى عليه من الوصف بجملة ﴿ يتفيؤا ظلاله ﴾ الآية.

والتفيُّؤُ: تفعّل من فاء الظلّ فيئاً، أي عاد بعد أن أزالَه ضوءُ الشمس.

لعلّ أصلهُ من فاء إذا رجع بعد مغادرة المكان، وتفيؤ الظلال تنقّلها من جهات بعد شروق الشمس وبعد زوالها.

وتقدم ذكر الظلال عند قوله: ﴿ وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ في سورة الرعد (15).

وقوله: عن اليمين والشمائل}، أي عن جهات اليمين وجهات الشمائل مقصود به إيضاح الحالة العجيبة للظلّ إذ يكون عن يمين الشخص مرّة وعن شماله أخرى، أي إذا استقبل جهة ما ثم استدبرها.

وليس المراد خصوص اليمين والشمال بل كذلك الأمام والخَلْف، فاختصر الكلام.

وأفرد اليمين، لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المَشرق.

وجمع ﴿ الشمائل ﴾ مراداً به تعدّد جنس جهة الشمال بتعدّد أصحابها، كما قال: ﴿ فلا أقسم برب المشارق ﴾ [سورة المعارج: 40].

فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنّن.

ومجيء فعل يتفيؤا } بتحتية في أوله على صيغة الإفراد جرى على أحد وجهين في الفعل إذا كان فاعله جمعا غير جمع تصحيح، وبذلك قرأ الجمهور.

وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿ تتفيأ ﴾ بفوقيتين على الوجه الآخر.

وأفرد الضمير المضاف إليه (ظلال) مراعاةً للفظ ﴿ شيء ﴾ وإن كان في المعنى متعدّداً، وباعتبار المعنى أضيف إليه الجمع.

و ﴿ سجداً ﴾ حال من ضمير ﴿ ظلاله ﴾ العائد إلى ﴿ من شيء ﴾ فهو قيد للتفيّؤ، أي أن ذلك التفيّؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه.

وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى: وجملة وهم داخرون } في موضع الحال من الضمير في ﴿ ظلاله ﴾ لأنه في معنى الجمع لرجوعه ﴿ ما خلق الله من شيء ﴾ .

وجُمع بصيغة الجمع الخاصة بالعقلاء تغليباً لأن في جملة الخلائق العقلاء وهم الجنس الأهمّ.

والدّاخر: الخاضع الذّليل، أي داخرون لعظمة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُ ظِلالُهُ؛ لِأنَّ الفَيْءَ الرُّجُوعُ؛ ولِذَلِكَ كانَ اسْمًا لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ لِرُجُوعِهِ.

الثّانِي: مَعْناهُ تَمِيلُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: تَدُورُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الرّابِعُ: تَتَحَوَّلُ ظِلالُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تارَةً إلى جِهَةِ اليَمِينِ، وتارَةً إلى جِهَةِ الشِّمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُ الشَّمْسَ حَيْثُ دارَتْ.

الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ النَّهارِ، والشِّمالَ آخِرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.

﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ سُجُودُ أشْخاصِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ كَسُجُودِ الأشْخاصِ تَسْجُدُ لِلَّهِ خاضِعَةً، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

وَقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لِلَّهِ، فَبِئْسَ واللَّهِ ما صَنَعْتَ.

﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ أيْ صاغِرُونَ خاضِعُونَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ومُنْحَجِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ حُجَّرُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ ﴾ أمّا سُجُودُ ما في السَّماواتِ فَسُجُودُ خُضُوعٍ وتَعَبُّدٍ، وأمّا سُجُودُ ما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ سُجُودَهُ خُضُوعُهُ لِلَّهِ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ ظُهُورَ ما فِيهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ يُوجِبُ عَلى العِبادِ السُّجُودَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.

وَفِي تَخْصِيصِ المَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ، وإنْ دَخَلُوا في جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِشَرَفِ المَنزِلَةِ فَمَيَّزَهم مِنَ الجُمْلَةِ بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلُوا فِيها.

الثّانِي: لِخُرُوجِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَدِبُّ، لِما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الأجْنِحَةِ فَلَمْ يَدْخُلُوا في الجُمْلَةِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا.

وَجَوابٌ ثالِثٌ: أنَّ في الأرْضِ مَلائِكَةً يَكْتُبُونَ أعْمالَ العِبادِ لَمْ يَدْخُلُوا في جُمْلَةِ مَلائِكَةِ السَّماءِ فَلِذَلِكَ أفْرَدَهم بِالذِّكْرِ.

﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.

الثّانِي: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الخُضُوعِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ.

﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ العَذابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.

الثّانِي: يَخافُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّتِي هي فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ وهي في جَمِيعِ الجِهاتِ.

﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِنَ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، ومن أنكر منهم قالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد.

فأنزل الله: ﴿ أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم ﴾ [ يونس: 2] وقال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ يعني فاسألوا أهل الذكر والكتب الماضية: أبشرا كانت الرسل الذين أتتهم أم ملائكة؟

فإن كانوا ملائكة أتتكم، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً.

ثم قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى ﴾ [ يوسف: 109] أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ قال: قالت العرب ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة ﴾ [ المائدة: 73] قال الله: ما أرسلت الرسل إلا بشراً ﴿ فاسألوا ﴾ يا معشر العرب ﴿ أهل الذكر ﴾ وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين جاءتهم قبلكم ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا بشراً مثله، فإنهم سيخبرونكم أنهم كانوا بشراً مثله.

وأخر الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ يعني مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فاسألوا أهل الذكر ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة، وكانوا أهل كتب يقول: فاسألوهم ﴿ إن كنتم لا تعلمون ﴾ أن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر، وأنه لمنافق.

قيل: يا رسول الله، بماذا دخل عليه النفاق؟

قال: يطعن على إمامه، وإمامه من قال الله في كتابه: ﴿ فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله.

وقد قال الله: ﴿ فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون ﴾ فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بالبينات ﴾ قال: الآيات ﴿ والزبر ﴾ قال: الكتب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ قال: ﴿ البينات ﴾ الحلال والحرام الذي كانت تجيء به الأنبياء ﴿ والزبر ﴾ كتب الأنبياء ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ قال: هو القرآن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ قال: ما أحل لهم وما حرم عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ قال: أرسله الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولعلهم يتفكرون ﴾ قال: يطيعون.

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً أخبرنا بما يكون إلى قيام الساعة، عقله منا من عقله ونسيه من نسيه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ قال: هو نمرود بن كنعان وقومه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي الشرك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ قال: تكذيبهم الرسل وأعمالهم بالمعاصي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: في اختلافهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: إن شئت أخذته في سفره.

وفي قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه.

وتخوف بذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ قال: في أسفارهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم ﴾ يعني على أي حال كانوا بالليل والنهار ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ يعني أن يأخذ بعضاً بالعذاب ويترك بعضاً، وذلك أنه كان يعذب القرية فيهلكها ويترك الأخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: ينقص من أعمالهم.

وأخرج ابن جرير من طريق عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قالوا: ما نرى إلا أنه عند تنقص ما نردده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله.

فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً فقال: يا فلان، ما فعل ربك.

فقال: قد تخيفته.

يعني تنقصته.

فرجع إلى عمر فأخبره فقال: قدر الله ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ قال: كان يقال: التخوف، هو التنقص...

تنقصهم من البلد والأطراف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله ﴾ قال: ظل كل شيء فيه، وظل كل شيء سجوده.

﴿ فاليمين ﴾ أول النهار ﴿ والشمائل ﴾ آخر النهار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله ﴾ قال: إذا فَاءَ الْفَيءُ توجه كل شيء ساجداً لله قِبَلَ القبلة من بيت أو شجر.

قال: فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك في الآية قال: إذا فاء الفيء، لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلين من صلاة السحر» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وليس من شيء إلا وهو يسبح الله تلك الساعة» ثم قرأ ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله...

﴾ الآية كلها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم قال: صلوا صلاة الآصال حتى يفيء الفيء قبل النداء بالظهر، من صلاها فكأنما تهجد بالليل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فيء كل شيء ظله، وسجود كل شيء فيه سجود الخيال فيها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية في قوله: ﴿ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل ﴾ قال: الغدو والآصال، إذا فاء ظل كل شيء.

أما الظل بالغداة فعن اليمين، وأما بالعشي فعن الشمائل.

إذا كان بالغداة سجدت لله، وإذا كان بالعشي سجدت له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الشيباني قال: أمواج البحر صلاته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ داخرون ﴾ قال: صاغرون.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم داخرون ﴾ قال: صاغرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ قراءة العامة بالياء (١) ﴿ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ ، ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ ﴾ كذلك: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ ، وكان النبيّ -  - وأصحابه قد رأوا ذلك وتيقنوه فلا يحسن أن يقال لهم: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾ .

وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ تَرَوا ﴾ بالتاء (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: أراد من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم (٤) وقوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) إخبار عن قوله: ﴿ شَيْءٍ ﴾ ، وليس بوصف له، و ﴿ يَتَفَيَّأُ ﴾ : يتفعل من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئًا، إذا رجعَ وعادَ بعد ما كان ضياءُ الشمس نسخَه، وأصلُ الفيء الرجوع (٥) (٦) ﴿ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، وكذلك فيءُ المسلمين؛ لِمَا يعود على المسلمين من مال مَنْ خالف دينهم بلا قتال (٧) ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ  ﴾ إن شاء الله.

وأصلُ هذا كله من الرجوع، فإذا عُدِّي (فَاءَ) عُدّي بزيادة الهمزة أو تضعيف العين، فمِمَّا عُدّي بنقل الهمزة قوله: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ ﴾ ، وبالتضعيف فاءَ الظلُّ، وفَيّأه الله فتفيّأ، وتَفيَّأ مطاوع فَيَّأَ (٨) قال الأزهري: وتفيؤ الظلال رُجوعها بعد انتصاف النهار وانتعال الأشياء (٩) (١٠) فلا الظلَّ من بَرْد الضُّحى تستطيعُهُ ...

ولا الفيءَ من بردِ العشيِّ تذَوُق (١١) وقال أبو علي الفارسي: الظل ما كان قائمًا لم تنسخه الشمس، فإذا نسخته الشمس ثم زال ضياء الشمس الناسخ للظل فاء الظل، أي رجع كما كان أولاً (١٢) قال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كُلُّ ما كانت عليه الشمسُ فزالت عنه فهو فيءٌ وظلٌّ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظِلٌّ (١٣) (١٤) (١٥) فهذا الشعر قد أوقع فيه الفيء على ما لم تنسخه الشمس، وجمعه على فيوء؛ مثل بيت وبيوت؛ لأن ما في الجنة يكون ظلًّا ولا يكون فيئًا؛ لأن ضياء الشمس لم تنسخه، ففاء بعد النسخ، وأكثر ما تقول العرب في جمعٍ (١٦) وقوله تعالى: ﴿ ظِلَالُهُ ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال؛ لأن الذي يعود إليه الضمير واحدٌ يدل على الكثرة، وهو قوله: ﴿ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ ﴾ ، وهذا مثل: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ  ﴾ ، فأضاف الظهور، وهو جمع، إلى ضمير مفرد؛ لأنه يعود إلى واحدٍ يُرادُ به الكثرة، وهو قوله: ﴿ مَا تَرْكَبُونَ ﴾ (١٧) وأما قول المفسرين في: (يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ) قال ابن عباس: يتميل (١٨) ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ صار المعنى: أنه يتميل عن الجوانب، ومعنى تفيؤ الظلال: أن يعود الظل بعد نسخ الشمس إياه، وأما معنى تفيؤها عن اليمين والشمائل (فهو أن يكون للأشجار فيء عن اليمين والشمائل) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ  ﴾ وقول الفرزدق: بِفي الشَّامِتِينَ الصَّخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ...

رَزيَّةُ شِبْلَيْ مُخْدِرٍ في الضَّراغمِ (٢٣) (٢٤) وقال الفراء: كأنه إذا وَحَّد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال، وإذا جمع ذهب إلى كلها (٢٥) ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ لفظه واحد ومعناه الجمع على ما بينا، فيحمل كلا الأمرين.

وقوله تعالى: ﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ قال المفسرون: ميلانها سجودها، (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، أي يستسلِمَان لله بالتسخير (٢٩) ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ  ﴾ ، وقد مر بيانه وشرحه.

وقوله تعالي: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ، أي: صاغرون، وهذا لفظ المفسرين (٣٠) (٣١) قال الزجاج: هذه الأشياء مجبولة على الطاعة (٣٢) وقال الأخفش في قوله: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ ) (٣٣) (٣٤) (١) وهم: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر.

انظر: "السبعة" ص 373، و"علل القراءات" 1/ 305، و"الحجة للقراء" 5/ 66، و"المبسوط في القراءات" ص 224، و"التيسير" ص 138، و"شرح الهداية" 2/ 380، و"تلخيص العبارات" ص 111.

(٢) انظر: المصادر السابقة.

(٣) "الحجة للقراء" 5/ 67، بتصرف يسير.

(٤) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه، و"تفسير الطبري" 14/ 114 - 116، بنحوه، والثعلبي 2/ 157 ب، بنحوه، والطوسي 6/ 387، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 21، وابن الجوزي 4/ 452، والفخر الرازي 20/ 40، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، ونسبه إلى ابن عباس، والخازن 3/ 117، وأبي حيان 5/ 496.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، و"مجمل اللغة" (في) 2/ 701، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، و"عمدة الحفاظ" 3/ 308.

(٦) هو الذي يحلف أن لا يجامع زوجته، وقد حدد الشارع مدة الإيلاء بأربعة أشهر؛ إما أن يطلق وإما أن يفي.

انظر: "تفسير الجصاص" 1/ 355، والكيا الهراسي 1/ 216 - 219، وابن العربي 1/ 178، و"تفسير القرطبي" 3/ 103.

(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (فيأ) 3/ 2711، بنحوه، وانظر: "التعريفات" ص 170، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40.

(٨) "الحجة للقراء" 5/ 67، بنصه، وانظر.

"اللسان" (فيأ) 6/ 3496، و"معجم الألفاظ المتعدية بحرف" ص 282.

(٩) "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه، وفي المصدر: وانتعال الأشياءِ ظلالَها.

قلت ومعناه: صار ظلها تحتها.

(١٠) هو حميد بن ثور.

تقدمت ترجمته.

(١١) ديوانه ص 70، وورد في "إصلاح المنطق" ص 320، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 63، (بعد) بدل (برد) الثانية، و"تفسير ابن عطية" 8/ 430، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495، وورد غير منسوب في "الحجة للقراء" 5/ 68، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، وأبي حيان 5/ 496، والبيت قاله يصف سَرْحَة شجر عظام طوال وكنَّى بها امرأة.

والشاهد: أنه جعل الظلَّ وقت الضحى؛ لأن الشمس لم تنسخْه في ذلك الوقت.

وكلام الأزهري في "تهذيب اللغة" (فاء) 3/ 2711، بنصه.

(١٢) ولخصه ابن السِّكِّيت فقال: الظلُّ: ما نسخته الشمسُ، والفيءُ: ما نسخ الشمسَ.

"إصلاح المنطق" ص 320.

(١٣) "الحجة للقراء" 5/ 70، بخصه، و"الصحاح" (فيأ) 1/ 64، بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 432، والفخر الرازي 20/ 40 ، و"اللسان" (فيأ) 6/ 3495 ، و"تفسير أبى حيان" 5/ 496.

(١٤) في جميع النسخ: بعد، والصحيح المثبت لموافقته للمصادر وإفادته للمعنى.

(١٥) "شعر النابغة" الجعدي ص 231، وورد في "النوادر في اللغة" ص220، و"تفسير ابن عطية" 8/ 431، والفخر الرازي 20/ 41، و"اللسان" (ظلل) 5/ 2753.

(١٦) الأولى (في الجمع)، أو (في جمع فيء) ولعل (فيء) ساقطة.

(١٧) "الحجة للقراء" 5/ 67 - 70 نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة، والتقديم والتأخير، والتهذيب والاختصار، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 40، نقله بطوله عن الواحدي بتصرف يسير مع نسبته.

(١٨) ورد في "تفسير الطوسى" 6/ 387، بلفظه.

(١٩) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).

(٢٠) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 72، بنصه.

(٢١) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 356) بنصه عن قتادة، والطبري 14/ 115 بنصه عن قتادة من طريقين، وبمعناه عن الضحاك وابن جريج من طريقين، ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنصه عن الضحاك وقتادة، و"تفسير الماوردي" 3/ 191، والطوسي 6/ 387، عنهم، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، عن قتادة والضحاك، وابن عطية 8/ 433، عن قتادة وابن جريج، والخازن 3/ 117، عن الضحاك، وأبي حيان 5/ 497، عن قتادة وابن جريج.

(٢٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 157 ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن الجوزي 4/ 452، وأبي حيان 5/ 498، ورد في الأخيرين بلا نسبة.

(٢٣) "ديوانه" 2/ 206، وورد في "تفسير الطبري" 14/ 117، والثعلبي 2/ 157 ب، والطوسي 6/ 388، و"الأساس" ص 154، وابن عطية 8/ 433، (الشامتين) == جمع شامت؛ وهو الذي يفرح في بلية الإنسان، (هدني): أوهن أركاني، (المُخدر): الأسد، وكذلك (الضرغام)، يعني أنه يَتَجَلَّد وَيتَحَمَّل مصيبته في فقد ولديه حتى لا يشمت فيه الشامتون الحاقدون.

والشاهد: كما قال الطبري: فقال بقي الشامتين، ولم يقل: بأفواه، وهو الشاهد.

والبيت يرثي فيه ابنين له.

(٢٤) لم أقف عليه في معاني الأخفش، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 452، بلا نسبة.

(٢٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 152، بمعناه.

(٢٦) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 114 - 115، بلفظه واختاره، والسمرقندي 2/ 237، بنحوه، والثعلبي 2/ 157ب بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 435، و"القرطبى" 10/ 111، وأبي حيان 5/ 498، وابن كثير 2/ 630.

(٢٧) ذكره الميداني في المجمع، ونصه: اسْجُدْ لقرْد السُّوء في زمانه.

انظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 357.

(٢٨) في المصدر: إلا ما.

(٢٩) تأويل مشكل القرآن (ص 416 - 418)، وهو نقل طويل تصرف فيه واختصر.

(٣٠) "تفسير مقاتل" 1/ 203 ب، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" 2/ 356 بلفظه عن قتادة، والطبري 14/ 116 بلفظه عن مجاهد وقتادة من طريقين لكل منهما، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 373، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 70، و"تفسير السمرقندي" 2/ 237، والثعلبي 2/ 157 ب، و"تفسير الماوردي" 3/ 190، والطوسي 6/ 388، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 22، وابن عطية 8/ 436، وابن الجوزي 4/ 453، و"تفسير القرطبي" 10/ 111، والخازن 3/ 118، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 223، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن قتادة.

(٣١) ورد في "تهذيب اللغة" (دخر) 2/ 1158، بنصه.

(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 202، بنصه.

(٣٣) ما بين القوسين ساقط من (د).

(٣٤) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 606، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 453.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ معنى الآية اعتبار بانتقال الظل، ويعني بقوله: ما خلق الله من شيء: الأجرام التي لها ظلال من الجبال والشجر والحيوان وغير ذلك، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال يكون ظلها إلى جهة، ومن الزوال إلى الليل إلى جهة أخرى، ثم يمتدّ الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس، وقوله: يتفيؤ من الفيء وهو الظل الذي يرجع، بعكس ما كان غدوة، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال ظل وفيء، ولا يقال قبله إلا ظل، ففي لفظه: يتفيؤ هنا تجوز ما لوقوع الخصوص في موضع العموم، لأن المقصود الاعتبار من أول النهار إلى آخره، فوضع يتفيؤ موضع ينتقل أو يميل، والضمير في ظلاله يعود على ما أو على شيء ﴿ عَنِ اليمين والشمآئل ﴾ يعني عن الجانبين أي يرجع الظل من جانب إلى جانب، واليمين بمعنى الأيمان والشمائل، واستعار هنا الأيمان والشمائل للأجرام، فإن اليمين والشمائل إنما هما في الحقيقة للإنسان ﴿ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ حال من الظلال، وقال الزمخشري حال من الضمير في ظلاله، إذ هو بمعنى الجمع لأنه يعود على قوله: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ ، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام، واختلف في معنى هذا السجود فقيل عبر به عن الخضوع والانقياد، وقيل هو سجود حقيقة ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ أي صاغرون وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.

الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه {  } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و {  } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.

﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب  بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.

وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل  كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه  رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.

وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.

واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.

وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.

أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.

ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.

ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.

وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.

وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.

وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.

وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.

وأهل الذكر أهل التوراة.

كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  ﴾ يعني التوراة.

وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.

ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.

وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.

وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.

قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.

ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول  وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه  يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.

ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.

والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].

﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.

عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟

فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.

قالوا: وما ديواننا؟

قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ .

ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.

ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.

وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.

فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.

وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره  ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.

قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.

وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.

وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.

ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.

أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.

وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.

وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.

وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله  .

وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.

والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.

ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.

قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.

وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.

ثم شرع  في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.

وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.

وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه  وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله  : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.

وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.

وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.

وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وقال  : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً  "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.

وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.

ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟

وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.

ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.

ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.

وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.

ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.

ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.

ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.

وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق  ، فإن طاعته واجبة أبداً.

ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.

وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.

وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.

ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.

وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.

وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.

والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.

ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد  ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.

والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.

ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا  ﴾ بالعطف على القياس.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.

وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.

والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.

ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.

ومتى يكون هذا السؤال؟

قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.

والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  ﴾ في الأمم عامة.

قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.

قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.

{  } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.

ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.

وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.

فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".

ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله  فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.

قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.

والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.

وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.

والدس إخفاء الشيء في الشيء.

وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.

كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.

وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.

روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.

فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.

فقال  : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.

ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.

قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.

وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.

ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله  وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله  فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله  فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.

التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.

ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.

وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله  : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال  : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم وثبت أن كل شيء يسجد لله ويخضع له، فقال ذلك لهم على العتاب: إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل، ولم يجعل فيه الفهم والسمع يخضع لله ويسبح له، فأنتم لا تخضعون له مع ما ركب فيكم العقول وجعل فيكم الأفهام وغيرها.

والثاني: على الأمر؛ أي: اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد له ويخضع، وقد أقام عليهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع ويسبح، وإلا ظاهر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ أن يقولوا: لم تر أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل، لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرتهما، ويشبه أن يكون ذكر قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك الكفرة الأصنام، وعظيم ما قالوا في الله ما قالوا، فقال لذلك: أولم يروا إلى كذا.

وقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ﴾ .

قال بعضهم: يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص، كما يقال: رأيت ظل فلان؛ أي: شخصه.

وقال بعضهم: أراد بالظل الظلَّ نفسه، لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر.

وعلى تأويل من يجعل الظل كناية من الشخص يجعل كل نفس تفيء خضوعاً وسجوداً.

ثم معنى سجود: هذه الأشياء الموات وخضوعهن، من نحو قوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ ﴾ .

ومن نحو قوله: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ  ﴾ وقوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ  ﴾ وأمثاله.

يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يجعل الله - عز وجل - بلطفه في سرية هذه الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له، وهو كما ذكر في الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله.

وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

أخبر أنها تشهد وتنطق، ولو [لا] أنها تفهم وتعلم الخطاب؛ وإلا ما خوطبت، وإن كانت مواتاً فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سرية هذه الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح وتفهمه.

والثاني: يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير، جعلها مسخرات لذلك، وإن لم تعلم هي ذلك ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك.

والثالث: أنه جعل [خلقة] هذه الأشياء دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، فهن مسبحات لله وساجدات وخاضعات له؛ بالخلقة التي جعلها دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته، هذا - والله أعلم - معنى سجودهن وخضوعهن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ .

وقوله - صاغرون ذليلون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - أنه يسجد له أعلى الخلائق وأعلمهم وهم الملائكة، ويسجد له أشد الخلق وأصلبه وهو الجبال والسماوات والأرض، ويسجد له أيضاً ويخضع أسفه الخلق وأجهله وهو الدواب وغيرها، وأنتم أبيتم [السجود له] والخضوع، واستكبرتم عن عبادته، فهؤلاء الذين ذكرهم يسجدون، يخبر عن سفه أولئك في إبائهم السجود له والخضوع، واستكبارهم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: خوف الملائكة والرسل خوف هيبة الله وجلاله لا خوف نزول شيء من نقمته عليهم، وخوف غيرهم من البشر خوف نزول شيء يضر بهم، وكذلك رجاؤهم وطمعهم رجاء نفع يصل إليهم، ورجاء الملائكة والرسل، وطمعهم رجاء رضاء الله عنهم لا رجاء نفع يصل إليهم.

وقال بعضهم: يخافون خوف العقوبة والانتقام؛ لأنهم ممتحنون، وكل ممتحن يخاف عذاب الله ونقمته، ألا ترى أنه كيف أوعدهم الوعيد الشديد وقال: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29] وقال إبراهيم  : ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ خاف عبادة غير الله، ومن خاف ذلك يخاف وعيده وعذابه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ﴾ .

الفوق، والتحت، والأسفل، ونحوه في الأمكنة والمجلس ليس فيه فضل عز وشرف ومرتبة؛ لما يجوز أن يكون الذي كان فوق هذا في المكان والمجلس تحته وأسفل منه؛ فلا يزداد لهذا بما صار فوقه عز وشرف ومرتبة، ولا لهذا بما كان تحته ذل، وهوان؛ لأنه لا يفهم من فوقه: فوق المكان ولا تحته؛ لأن من صعد الجبال والأمكنة المرتفعة لا يوصف بالعلو والعظمة، وإذا قيل: فلان أمير على العراق أو على خراسان كان في ذلك تعظيم؛ لأنه ذكر بالقدرة والسلطان ونفاذ أمره ومشيئته وقدرته وسلطانه فيهم، أو اطلاعه على جميع ما يسرّون [ويضمرون، ويعلنون] ويظهرون، وعلمه على جميع أفعالهم على هذا يجوز أن يتناول الفوق، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ .

وصفهم الله - عز وجل - بفضل خضوعهم له وطاعتهم إياه، وهو ما قال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ وهو ما قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، ومثله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أَوَلم ينظر هؤلاء المكذبون نظر تأمل إلى مخلوقاته، تميل ظلالها يمينًا وشمالًا تبعًا لحركة الشمس وسيرها نهارًا وللقمر ليلًا، خاضعة لربها ساجدة له سجودًا حقيقيًّا، وهي ذليلة.

<div class="verse-tafsir" id="91.g1X3w"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر