الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة النحل
تفسيرُ سورةِ النحل كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 85 دقيقة قراءةسُورَةُ النَّحْلِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ نَزَلَتْ بَعْدَ قَتْلِ حَمْزَةَ بِأُحُدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: مَعْناهُ دَنا أمْرُ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَةِ إتْيانِهِ في ثُبُوتِهِ واسْتِقْرارِهِ.
وَفي ﴿ أمْرُ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إنْذارُ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ.
الثّانِي: أنَّهُ فَرائِضُهُ وأحْكامُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ وعِيدُ أهْلِ الشِّرْكِ ونُصْرَةُ الرَّسُولِ ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ القِيامَةُ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ رَفَعُوا رُءُوسَهم فَنَزَلَ ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ أيْ فَلا تَسْتَعْجِلُوا وُقُوعَهُ.
وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ «أنَّهُ لَمّا قَرَأ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أتى أمْرُ اللَّهِ ﴾ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ خَوْفًا مِن حُضُورِها حَتّى قَرَأ ﴿ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ » ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَلا تَسْتَعْجِلُوا التَّكْذِيبَ فَإنَّهُ لَنْ يَتَأخَّرَ.
الثّانِي: فَلا تَسْتَعْجِلُوا أنْ يَتَقَدَّمَ قَبْلَ وقْتِهِ، فَإنَّهُ لَنْ يَتَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرُّوحَ ها هُنا الوَحْيُ، وهو النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى وهو القُرْآنُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَيانُ الحَقِّ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: أنَّها أرْواحُ الخَلْقِ.
قالَ مُجاهِدٌ: لا يَنْزِلُ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ رُوحٌ.
الخامِسُ: أنَّ الرُّوحَ الرَّحْمَةُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا سادِسًا: أنْ يَكُونَ الرُّوحُ الهِدايَةَ؛ لِأنَّها تَحْيا بِها القُلُوبُ كَما تُحْيِي الرُّوحُ الأبْدانَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ الخَصِيمُ المُحْتَجُّ في الخُصُومَةِ، والمُبِينُ هو المُفْصِحُ عَمّا في ضَمِيرِهِ.
وَفي صِفَتِهِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَعْرِيفُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إخْراجِهِ مِنَ النُّطْفَةِ المَهِينَةِ إلى أنْ صارَ بِهَذِهِ الحالِ في البَيانِ والمُكْنَةِ.
الثّانِي: لِيُعَرِّفَهُ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في إخْراجِهِ إلى هَذِهِ الحالِ بَعْدَما خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ مَهِينَةٍ.
الثّالِثُ: يُعَرِّفُهُ فاحْشَ ما ارْتَكَبَ مِن تَضْيِيعِ النِّعْمَةِ بِالخُصُومَةِ في الكُفْرِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ حِينَ أخَذَ عِظامًا نَخِرَةً فَذَراها وقالَ: أنُعادُ إذا صِرْنا هَكَذا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ ﴿ وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اللِّباسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما سَتُدْفِئُ بِهِ مِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ الدِّفْءَ صِغارُ أوْلادِها الَّتِي لا تُرْكَبُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَمَنافِعُ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: النَّسْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَعْنِي الرُّكُوبَ والعَمَلَ.
﴿ وَمِنها تَأْكُلُونَ ﴾ يَعْنِي اللَّبَنَ واللَّحْمَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّواحَ مِنَ المَراعِي إلى الأفْنِيَةِ، والسَّراحُ انْتِشارُها مِنَ الأفْنِيَةِ إلى المَراعِي.
الثّانِي: أنَّهُ عَلى عُمُومِ الأحْوالِ في خُرُوجِها وُعَوْدِها مِن مَرْعًى أوْ عَمَلٍ أوْ رُكُوبٍ وفي الجَمالِ بِها وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوْلُ الحَسَنِ إذا رَأوْها: هَذِهِ نَعَمُ فُلانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: تَوَجُّهُ الأنْظارِ إلَيْها، وهو مُحْتَمَلٌ.
وَقَدْ قَدَّمَ الرَّواحَ عَلى السَّراحِ وإنْ كانَ بَعْدَهُ لِتَكامُلِ دَرِّها ولِأنَّ النَّفْسَ بِهِ أسَرُّ.
﴿ وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ ﴾ في البَلَدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَكَّةُ لِأنَّها مِن بِلادِ الفَلَواتِ.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى العُمُومِ في كُلِّ بَلَدٍ مَسْلَكُهُ عَلى الظَّهْرِ.
﴿ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّكم لَوْلاها ما بَلَغْتُمُوهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.
الثّانِي: أنَّكم مَعَ رُكُوبِها لا تَبْلُغُونَهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ، فَكَيْفَ بِكم لَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَفي شِقِّ الأنْفُسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَهْدُ النَّفْسِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المَشَقَّةِ.
الثّانِي: أنَّ الشِّقَّ النِّصْفُ فَكَأنَّهُ يَذْهَبُ بِنِصْفِ النَّفْسِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الخَلْقِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: في عَيْنٍ تَحْتَ العَرْشِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّها أرْضٌ بَيْضاءُ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ ثَلاثِينَ يَوْمًا.
مَشْحُونَةٌ خَلْقًا لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُعْصى في الأرْضِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَأيْنَ إبْلِيسُ عَنْهُمْ؟
قالَ (لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ إبْلِيسَ) ثُمَّ تَلا ﴿ وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
﴿ وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وعَلى اللَّهِ قَصْدُ الحَقِّ في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِهِ ومِنهم جائِرٌ عَنِ الحَقِّ في حُكْمِهِ.
الثّانِي: وعَلى اللَّهِ أنْ يَهْدِيَ إلى قَصْدِ الحَقِّ في بَيانِ السَّبِيلِ، ومِنهم جائِرٌ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، أيْ عادِلٌ عَنْهُ لا يَهْتَدِي إلَيْهِ.
وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الأهْواءِ المُخْتَلِفَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِلَلُ الكُفْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَواخِرَ المَواقِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها الَّتِي تَجْرِي فِيهِ مُعْتَرِضَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّها تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ لِأنَّ المَخْرَ في كَلامِهِمْ هُبُوبُ الرِّيحِ.
الرّابِعُ: أنَّها تَجْرِي بِرِيحٍ واحِدَةٍ مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّها الَّتِي تَشُقُّ الماءَ مِن عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ؛ لِأنَّ المَخْرَ في كَلامِهِمْ شَقُّ الماءِ وتَحْرِيكُهُ قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالتِّجارَةِ فِيهِ.
الثّانِي: بِما تَسْتَخْرِجُونَ مِن حِلْيَتِهِ، وتَأْكُلُونَهُ مِن لُحُومِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلاماتٍ وبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ في العَلاماتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَعالِمُ الطَّرِيقِ بِالنَّهارِ، وبِالنُّجُومِ يَهْتَدُونَ بِاللَّيْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها النُّجُومُ أيْضًا لِأنَّ مِنَ النُّجُومِ ما يُهْتَدى بِها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والنَّخَعِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ العَلاماتِ الجِبالُ.
وَفي ﴿ النَّجْمُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ النُّجُومَ الثّابِتَةَ، فَعَبَّرَ عَنْها بِالنَّجْمِ الواحِدِ إشارَةً إلى الجِنْسِ.
الثّانِي: أنَّهُ الجَدْيُ وحْدَهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ النُّجُومِ كُلِّها في مَرْكَزِهِ.
وَفي المُرادِ بِالِاهْتِداءِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الِاهْتِداءَ بِها في جَمِيعِ الأسْفارِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ الِاهْتِداءَ بِهِ في القِبْلَةِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ ﴾ قالَ: (هُوَ الجَدْيُ يا ابْنَ عَبّاسٍ عَلَيْهِ قِبْلَتُكم، وبِهِ تَهْتَدُونَ في بَرِّكم وبَحْرِكُمْ)» .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَحْفَظُوها، قالَ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: لا تَشْكُرُوها وهو مَأْثُورٌ.
وَيَحْتَمِلُ المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ تَكْثِيرًا لِنِعْمَتِهِ أنْ تُحْصى.
الثّانِي: أنَّهُ تَكْثِيرٌ لِشُكْرِهِ أنْ يُؤَدّى.
فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ خارِجًا مَخْرَجَ الِامْتِنانِ.
وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي خارِجًا مَخْرَجَ الغُفْرانِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَعْنِي: وإذا قِيلَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ وقُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ بِالبَعْثِ.
﴿ ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ القائِلُ ذَلِكَ لَهم وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُ بَعْضٍ لِبَعْضٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ ماذا نُسِبَ إلى إنْزالِ رَبِّكم؛ لِأنَّهم مُنْكِرُونَ لِنُزُولِهِ مِن رَبِّهِمْ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ، اخْتِبارًا لَهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَةِ نُزُولِهِ مِنهُ.
﴿ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وهَذا جَوابُهم عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ اسْتِرْذالًا لَهُ واسْتِهْزاءً بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ ما جاءَ بِهِ الأوَّلُونَ، تَكْذِيبًا لَهُ ولِجَمِيعِ الرُّسُلِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهُمْ ﴾ أيْ أثْقالَ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ.
﴿ كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ.
الثّانِي: أنَّها لَمْ تُخَفَّفْ بِالمَصائِبِ.
﴿ وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِما حَمَلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ ما يَتَحَمَّلُونَهُ مِن أوْزارِ مَن أضَلُّوهم.
وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُضِلَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ الضّالِّ بِإغْوائِهِ.
الثّانِي: أنَّ الضّالَّ يَتَحَمَّلُ أوْزارَ المُضِلِّ بِنُصْرَتِهِ وطاعَتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِغَيْرِ عِلْمِ المُضِلِّ بِما دَعا إلَيْهِ.
الثّانِي: بِغَيْرِ عِلْمِ الضّالِّ بِما أجابَ إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِالعِلْمِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ لِأنَّهُ تَقْلِيدٌ بِغَيْرِ اسْتِدْلالٍ ولا شُبْهَةٍ.
الثّانِي: أرادَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم.
﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ سُوءَ أوْزارِهِمْ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ يَسُوءُهم ما تَحَمَّلُوهُ مِن أوْزارِهِمْ.
فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ هَدَمَ بُنْيانَهم مِن قَواعِدِها وهي الأساسُ.
الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِاسْتِئْصالِهِمْ.
﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَخَرَّ أعالِي بُيُوتِهِمْ وهم تَحْتَها، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ وإنْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّ السَّقْفَ عالٍ إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ فَوْقَهم إذْ لَمْ يَكُونُوا تَحْتَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّ العَذابَ أتاهم مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي فَوْقَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَفي الَّذِينَ خَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ وقَوْمُهُ حِينَ أرادَ صُعُودَ السَّماءِ وبَنى الصَّرْحَ.
فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ وأصْحابُهُ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
الثّالِثُ: يَعْنِي المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ قال عِكَرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ أسْلَمُوا بِمَكَّةَ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَأخْرَجَتْهم قُرَيْشٌ إلى بَدْرٍ كَرْهًا، فَقُتِلُوا، فَقالَ اللَّهُ ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَعْنِي بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ ﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ في مَقامِهِمْ بِمَكَّةَ وتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ.
﴿ فَألْقَوُا السَّلَمَ ﴾ يَعْنِي في خُرُوجِهِمْ مَعَهُمْ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الصُّلْحُ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: الِاسْتِسْلامُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّالِثُ: الخُضُوعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾ يَعْنِي مِن كُفْرٍ.
﴿ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي إنَّ أعْمالَهم أعْمالُ الكُفّارِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ النّارِ، وهَذا وإنْ كانَ مَعْلُومًا فالمُرادُ بِهِ تَبْشِيرُهم بِالخَلاصِ مِنها: الثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِن دارِ الدُّنْيا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
﴿ وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الآخِرَةُ.
الثّانِي: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ الدُّنْيا، قالَ الحَسَنُ: لِأنَّهم نالُوا بِالعَمَلِ فِيها ثَوابَ الآخِرَةِ ودُخُولَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ صالِحِينَ.
وَيَحْتَمِلُ طَيِّبِي الأنْفُسِ ثِقَةً بِما يَلْقَوْنَهُ مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى.
وَيَحْتَمِلُ - وجْهًا ثالِثًا - أنْ تَكُونَ وفاتُهم وفاةً طَيِّبَةً سَهْلَةً لا صُعُوبَةَ فِيها ولا ألَمَ بِخِلافِ ما تُقْبَضُ عَلَيْهِ رُوحُ الكافِرِ.
﴿ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ إنْذارًا لَهم بِالوَفاةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ تَبْشِيرًا لَهم بِالجَنَّةِ؛ لِأنَّ السَّلامَ أمانٌ.
﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أبْشِرُوا بِدُخُولِ الجَنَّةِ.
الثّانِي: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَهم في الآخِرَةِ.
﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِنَ الصّالِحاتِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما ظَلَمَهم أهْلُ مَكَّةَ حِينَ أخْرَجُوهم إلى الحَبَشَةِ بَعْدَ العَذابِ والإبْعادِ.
﴿ لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُزُولُ المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الرِّزْقُ الحَسَنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ لِسانُ صِدْقٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِن فُتُوحِ البِلادِ وصارَ لَهم فِيها مِنَ الوِلاياتِ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا سادِسًا: أنَّهُ ما بَقِيَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ الثَّناءِ، وما صارَ فِيها لِأوْلادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ.
وَقالَ داوُدُ بْنُ إبْراهِيمَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَنْدَلِ بْنِ سَهْلٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ حَتّى قالُوا لَهم ما أرادُوا في الدُّنْيا، فَلَمّا خَلَّوْهم هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ.
وَرُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ إذا دَفَعَ إلى المُهاجِرِينَ العَطاءَ قالَ: هَذا ما وعَدَكُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما خَوَّلَكم في الآخِرَةِ أكْثَرُ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ هَذا خِطابٌ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
﴿ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أهْلَ الذِّكْرِ العُلَماءُ بِأخْبارِ مَن سَلَفَ مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما بَعَثَ رَسُولًا إلّا مِن رِجالِ الأُمَّةِ، وما بَعَثَ إلَيْهِمْ مَلَكًا.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى بِأهْلِ الذِّكْرِ أهْلَ الكِتابِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ.
الثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: في إقْبالِهِمْ وإدْبارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: في اخْتِلافِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الرّابِعُ: في سَفَرِهِمْ.
﴿ أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَلى تَنْقُّصٍ بِأنْ يَهْلِكَ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ فَيَخافُونَ الفَناءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: عَلى تَقْرِيعٍ بِما قَدَّمُوهُ مِن ذُنُوبِهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الثّالِثُ: عَلى عَجَلٍ، وهَذا قَوْلُ اللَّيْثِ.
الرّابِعُ: أنْ يُهْلِكَ القَرْيَةَ فَتَخافُ القَرْيَةُ الأُخْرى، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنْ يُعاقِبَهم بِالنَّقْصِ مِن أمْوالِهِمْ وثِمارِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ لا يُعاجِلُ بَلْ يُمْهِلُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُ ظِلالُهُ؛ لِأنَّ الفَيْءَ الرُّجُوعُ؛ ولِذَلِكَ كانَ اسْمًا لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَّوالِ لِرُجُوعِهِ.
الثّانِي: مَعْناهُ تَمِيلُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: تَدُورُ ظِلالُهُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: تَتَحَوَّلُ ظِلالُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تارَةً إلى جِهَةِ اليَمِينِ، وتارَةً إلى جِهَةِ الشِّمالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُ الشَّمْسَ حَيْثُ دارَتْ.
الثّانِي: أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ النَّهارِ، والشِّمالَ آخِرُ النَّهارِ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.
﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ سُجُودُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ سُجُودُ أشْخاصِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ الظِّلالِ كَسُجُودِ الأشْخاصِ تَسْجُدُ لِلَّهِ خاضِعَةً، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
وَقالَ الحَسَنُ: أمّا ظِلُّكَ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ، وأمّا أنْتَ فَلا تَسْجُدُ لِلَّهِ، فَبِئْسَ واللَّهِ ما صَنَعْتَ.
﴿ وَهم داخِرُونَ ﴾ أيْ صاغِرُونَ خاضِعُونَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ومُنْحَجِرٌ في غَيْرِ أرْضِكَ حُجَّرُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ ﴾ أمّا سُجُودُ ما في السَّماواتِ فَسُجُودُ خُضُوعٍ وتَعَبُّدٍ، وأمّا سُجُودُ ما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ سُجُودَهُ خُضُوعُهُ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنَّ ظُهُورَ ما فِيهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ يُوجِبُ عَلى العِبادِ السُّجُودَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
وَفِي تَخْصِيصِ المَلائِكَةِ بِالذِّكْرِ، وإنْ دَخَلُوا في جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِشَرَفِ المَنزِلَةِ فَمَيَّزَهم مِنَ الجُمْلَةِ بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلُوا فِيها.
الثّانِي: لِخُرُوجِهِمْ مِن جُمْلَةِ مَن يَدِبُّ، لِما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهم مِنَ الأجْنِحَةِ فَلَمْ يَدْخُلُوا في الجُمْلَةِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرُوا.
وَجَوابٌ ثالِثٌ: أنَّ في الأرْضِ مَلائِكَةً يَكْتُبُونَ أعْمالَ العِبادِ لَمْ يَدْخُلُوا في جُمْلَةِ مَلائِكَةِ السَّماءِ فَلِذَلِكَ أفْرَدَهم بِالذِّكْرِ.
﴿ وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى.
الثّانِي: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الخُضُوعِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ.
﴿ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ العَذابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ.
الثّانِي: يَخافُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ الَّتِي هي فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ وهي في جَمِيعِ الجِهاتِ.
﴿ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ العِبادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مِنَ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا ﴾ في ﴿ الدِّينُ ﴾ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصِبًا ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: واجِبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: خالِصًا، حَكاهُ الفَرّاءُ والكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مُتْعِبًا، والوَصَبُ: التَّعَبُ والإعْياءُ، قالَ الشّاعِرُ: لا يَشْتَكِي السّاقُ مِن أيْنٍ ولا وصَبٍ ولا يَزالُ أمامَ القَوْمِ يَقْتَفِرُ الرّابِعُ: دائِمًا، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ ﴾ أيْ دائِمٌ، وقالَ الدُّؤَلِيُّ: لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلُ بَقاؤُهُ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْرِ أجْمَعَ واصِبا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ في ﴿ الضُّرُّ ﴾ ها هُنا ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَحْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: السُّقْمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَضِجُّونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّانِي: تَسْتَغِيثُونَ.
الثّالِثُ: تَضَرَّعُونَ بِالدُّعاءِ، وهو في اللُّغَةِ الصِّياحُ مَأْخُوذٌ مِن جُؤارِ الثَّوْرِ وهو صِياحُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ مُسْوَدًّا ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُسْوَدُّ اللَّوْنِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ بِسَوادٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحُزْنًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَمِنهُ: سَوَّدْتَ وجْهَ فُلانٍ، إذا سُؤْتَهُ.
﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَظِيمَ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْظِمُ غَيْظَهُ فَلا يَظْهَرُ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَغْمُومُ الَّذِي يُطْبِقُ فاهُ فَلا يَتَكَلَّمُ مِنَ الفَمِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الكِظامَةِ وهو سَدُّ فَمِ القِرْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
الثّانِي: هو القَلِيلُ بِلُغَةِ تَمِيمٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: هو البَلاءُ والمَشَقَّةُ، قالَهُ الكِسائِيُّ.
قالَتِ الخَنْساءُ: نُهِينُ النُّفُوسَ وهَوْنُ النُّفُو سِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أبْقى لَها ﴿ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَوْءُودَةُ الَّتِي تُدَسُّ في التُّرابِ قَتْلًا لَها.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى إخْفائِهِ عَنِ النّاسِ حَتّى لا يَعْرِفُوهُ كالمَدْسُوسِ في التُّرابِ لِخَفائِهِ عَنِ الأبْصارِ.
وَهو مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صِفَةُ السَّوْءِ مِنَ الجَهْلِ والكُفْرِ.
الثّانِي: وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسَّوْءِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.
﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الصِّفَةُ العُلْيا بِأنَّهُ خالِقٌ ورَزّاقٌ وقادِرٌ ومُجازٍ.
الثّانِي: الإخْلاصُ والتَّوْحِيدُ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا بِالِانْتِقامِ لِأنَّهُ يُمْهِلُهم في الأغْلَبِ مِن أحْوالِهِمْ.
﴿ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ ﴾ يَعْنِي بِهَلاكِهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ مِن أخْذِهِ لَهم بِظُلْمِهِمْ.
﴿ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: تَعْجِيلُهُ في الدُّنْيا.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَعُمُّهم بِالهَلاكِ مَعَ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظالِمٍ؟
فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَجْعَلُ هَلاكَ الظّالِمِ انْتِقامًا وجَزاءً، وهَلاكَ المُؤْمِنِ مُعَوَّضًا بِثَوابِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ مِن أهْلِ الظُّلْمِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي أنَّهُ لَوْ أهْلَكَ الآباءَ بِالكُفْرِ لَمْ يَكُنِ الأبْناءُ ولانَقْطَعَ النَّسْلُ فَلَمْ يُولَدْ مُؤْمِنٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ البَناتِ.
﴿ وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُمُ البَنِينَ مَعَ جَعْلِهِمْ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ مِنَ البَناتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ الجَزاءَ الحَسَنَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: مَعْناهُ حَقًّا أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الثّانِي: مَعْناهُ قَطْعًا أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الثّالِثُ: اقْتَضى فِعْلُهم أنَّ لَهُمُ النّارَ.
الرّابِعُ: مَعْناهُ بَلى إنَّ لَهُمُ النّارَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَأنَّهم مُفْرَطُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ مَنسِيُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مُضَيِّعُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُبْعَدُونَ في النّارِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: مَتْرُوكُونَ في النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « (أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ)» أيْ مُتَقَدِّمُكم، وقالَ القَطامِيُّ: فاسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِن صَحابَتِنا كَما تَعَجَّلَ فُرّاطٌ لِوُرّادِ والفُرّاطُ: المُتَقَدِّمُونَ في طَلَبِ الماءِ، والوُرّادُ: المُتَأخِّرُونَ.
وَقَرَأ نافِعٌ: ﴿ مُفْرَطُونَ ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِها، ومَعْناهُ مُسْرِفُونَ في الذُّنُوبِ، مِنَ الإفْراطِ فِيها.
وَقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ مُفْرِطُونَ أيْ مُعَجَّلُونَ إلى النّارِ مَتْرُوكُونَ فِيها.
وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ: (مُفَرِّطُونَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وتَشْدِيدِها، ومَعْناهُ مِنَ التَّفْرِيطِ في الواجِبِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ ﴾ أيْ نُبِيحُ لَكم شُرْبَ ما في بُطُونِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الإباحَةِ بِالسَّقْيِ.
﴿ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خالِصًا مِنَ الفَرْثِ والدَّمِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الخالِصِ هُنا الأبْيَضُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمُها نَعِيمُها بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ فَخالِصَةُ الأرْدانِ أيْ بِيضُ الأكْمامِ، وخُضْرُ المَناكِبِ يَعْنِي مِن حَمائِلِ السُّيُوفِ.
﴿ سائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَلالٌ لِلشّارِبِينَ.
الثّانِي: مَعْناهُ لا تَعافُهُ النَّفْسُ.
وَقِيلَ: إنَّهُ لا يُغَصُّ أحَدٌ بِاللَّبَنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ السَّكَرَ الخَمْرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والرُّطَبُ والزَّبِيبُ.
وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ ثُمَّ حُرِّمَتْ مِن بَعْدُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَّكَرُ ما حُرِّمَ مِن شَرابِهِ، والرِّزْقُ الحَسَنُ ما حَلَّ مِن ثَمَرَتِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأخْطَلِ: بِئْسَ الصُّحاةُ وبِئْسَ الشُّرْبُ شُرْبُهُمُ ∗∗∗ إذا جَرى فِيهِمُ المُزّاءُ والسُّكْرُ والسُّكْرُ: الخَمْرُ، والمُزّاءُ: نَوْعٌ مِنَ النَّبِيذِ المُسْكِرِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا؛ هَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ أوْ مَخْرَجَ الخَبَرِ ؟
عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الإباحَةِ ثُمَّ نُسِخَ.
قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ أنَّهم يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَحِلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ السَّكَرَ: النَّبِيذُ المُسْكِرُ، والرِّزْقَ الحَسَنَ التَّمْرُ والزَّبِيبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ والسُّدِّيُّ.
وَجَعَلَها أهْلُ العِراقِ دَلِيلًا عَلى إباحَةِ النَّبِيذِ.
الثّالِثُ: أنَّ السَّكَرَ الخَلُّ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، والرِّزْقَ الحَسَنَ الطَّعامُ.
الرّابِعُ: أنَّ السَّكَرَ ما طُعِمَ مِنَ الطَّعامِ وحَلَّ شُرْبُهُ مِن ثِمارِ النَّخِيلِ والأعْنابِ وهو الرِّزْقُ الحَسَنُ، وبِهِ قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ وجَعَلْتُ عَيْبَ الأكْرَمِينَ سَكَرا <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الوَحْيَ إلَيْها هو إلْهامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ سَخَّرَها، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ في غَرائِزِها بِما يَخْفى مِثْلُهُ عَلى غَيْرِها، قالَهُ الحَسَنُ.
﴿ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ فَذَكَرَ بُيُوتَها لِما ألْهَمَها وأوْدَعَهُ في غَرائِزِها مِن صِحَّةِ القِسْمَةِ وحُسْنِ المَنَعَةِ.
﴿ وَمِمّا يَعْرِشُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَرْمُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: ما يَبْنُونَ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
﴿ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ أيْ طُرُقَ رَبِّكِ.
﴿ ذُلُلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُذَلَّلَةً، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: مُطِيعَةً، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أيْ لا يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ تَسْلُكُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّ الذُّلُلَ مِن صِفاتِ النَّحْلِ وأنَّها تَنْقادُ وتَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ صاحِبُها لِأنَّها تَتْبَعُ أصْحابَها حَيْثُ ذَهَبُوا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ ﴾ يَعْنِي العَسَلَ.
﴿ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ ﴾ لِاخْتِلافِ أغْذِيَتِها.
﴿ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، وأنَّ في القُرْآنِ شِفاءً لِلنّاسِ أيْ بَيانًا لِلنّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى الِاعْتِبارِ بِها أنَّ فِيهِ هُدًى لِلنّاسِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى العَسَلِ، وأنَّ في العَسَلِ شِفاءً لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.
رَوى قَتادَةُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَذَكَرَ أنَّ أخاهُ اشْتَكى بَطْنَهُ.
فَقالَ النَّبِيُّ : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا) ثُمَّ جاءَ فَقالَ: ما زادَهُ إلّا شِدَّةً.
فَقالَ النَّبِيُّ : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا) .
ثُمَّ جاءَ فَقالَ لَهُ: ما زادَهُ إلّا شِدَّةً، فَقالَ النَّبِيُّ : (اذْهَبْ فاسْقِ أخاكَ عَسَلًا، صَدَقَ اللَّهُ وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ)، فَسَقاهُ فَكَأنَّهُ نَشِطَ مِن عِقالٍ.
» <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أوَضَعَهُ وأنْقَصَهُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
الثّانِي: أنَّهُ الهَرِمُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، حَكاهُ قُطْرُبٌ.
الرّابِعُ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي أنَّهُ يَعُودُ جاهِلًا لا يَعْلَمُ شَيْئًا كَما كانَ في حالِ صِغَرِهِ.
أوْ لِأنَّهُ قَدْ نَسِيَ ما كانَ يَعْلَمُ، ولا يَسْتَفِيدُ ما لا يَعْلَمُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ لِكَيْ لا يَعْمَلَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا، فَعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ بِالعِلْمِ لِافْتِقارِهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الكِبَرِ في عَمَلِهِ أبْلَغُ مِن تَأْثِيرِهِ في عِلْمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أغْنى وأفْقَرَ، ووَسَّعَ وضَيَّقَ.
الثّانِي: في القَناعَةِ والرَّغْبَةِ.
الثّالِثُ: في العِلْمِ والجَهْلِ.
قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: أجَلُّ ما رُزِقَ الإنْسانُ مَعْرِفَةٌ تَدُلُّهُ عَلى رَبِّهِ، وعَقْلٌ يَدُلُّهُ عَلى رُشْدِهِ.
وَفي التَّفْضِيلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَضَّلَ السّادَةَ عَلى العَبِيدِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ومَن يَرى أنَّ التَّفْضِيلَ في المالِ.
الثّانِي: أنَّهُ فَضَّلَ الأحْرارَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
﴿ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ عَبِيدَهم لَمّا لَمْ يُشْرِكُوهم في أمْوالِهِمْ لَمْ يَجُزْ لَهم أنْ يُشارِكُوا اللَّهَ تَعالى في مُلْكِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ.
الثّانِي: أنَّهم وعَبِيدَهم سَواءٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى رَزَقَ جَمِيعَهم، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رِزْقِ عَبْدِهِ إلّا أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ كَما لا يَقْدِرُ أنْ يَرْزُقَ نَفْسَهُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ورِزْقِهِ يُنْكِرُونَ.
الثّانِي: بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن حُجَجِهِ وهِدايَتِهِ يَضِلُّونَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي جَعَلَ لَكم مِن جِنْسِكم مِثْلَكم، فَضَرَبَ المَثَلَ مِن أنْفُسِكم، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: يَعْنِي آدَمُ خَلَقَ مِنهُ حَوّاءَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً ﴾ وفي الحَفَدَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأصْهارُ أُخْتانِ الرَّجُلِ عَلى بَناتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو الضُّحى وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ ∗∗∗ ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ الثّانِي: أنَّهم أوْلادُ الأوْلادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ الأعْوانُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهُمُ الخَدَمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطاوُسٌ، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهم وأسْلَمَتْ ∗∗∗ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةُ الأجْمالِ وَقالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: يَحْفِدُونَ الضَّيْفَ في أبْياتِهِمْ ∗∗∗ كَرَمًا ذَلِكَ مِنهم غَيْرَ ذُلٍّ وَأصْلُ الحَفْدِ الإسْراعُ، والحَفَدَةُ جَمْعُ حافِدٍ، والحافِدُ هو المُسْرِعُ في العَمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهم في القُنُوتِ وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ نُسْرِعُ إلى العَمَلِ بِطاعَتِكَ، مِنهُ قَوْلُ الرّاعِي: كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا ثَمانِيَةً ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ بَنِينَ وحَفَدَةً ﴾ البَنِينُ الصِّغارُ والحَفَدَةُ الكِبارُ.
﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الفَيْئِ والغَنِيمَةِ.
الثّانِي: مِنَ المُباحاتِ في البَوادِي.
الثّالِثُ: ما أُوتِيَهُ عَفْوًا مِن غَيْرِ طَلَبٍ ولا تَعَبٍ.
﴿ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالأصْنامِ.
الثّانِي: يَجْحَدُونَ البَعْثَ والجَزاءَ.
﴿ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالإسْلامِ.
الثّانِي: بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَلالِ آفَةً مِن أصْنامِهِمْ.
حَكاهُ الكَلْبِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَمْلِكُ ما لَمْ يُؤْذَنْ وإنْ كانَ باقِيًا مَعَهُ.
الثّانِي: أنَّ لِسَيِّدِهِ انْتِزاعَهُ مِن يَدِهِ وإنْ كانَ مالِكًا لَهُ.
﴿ وَمَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾ يَعْنِي الحُرَّ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَلَّكَهُ ما بِيَدِهِ.
الثّانِي: تَصَرُّفُهُ في الِاكْتِسابِ عَلى اخْتِيارِهِ.
وَفِي هَذا المَثَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ لِأنَّهُ لا خَيْرَ عِنْدَهُ، ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا هو المُؤْمِنُ، لِما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ والأوْثانِ؛ لِأنَّها لا تَمْلِكُ شَيْئًا، وأنَّهم عَدَلُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المَثَلِ المَضْرُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ ولِلْوَثَنِ، فالأبْكَمُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ هو الوَثَنُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ هو اللَّهُ تَعالى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فالأبْكَمُ: الكافِرُ، والَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الأبْكَمَ: عَبْدٌ كانَ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الإسْلامَ فَيَأْبى.
وَمَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: عُثْمانُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالغَيْبِ إيجادُ المَعْدُوماتِ وإعْدامُ المَوْجُوداتِ.
الثّالِثُ: يَعْنِي فِعْلُ ما كانَ وما يَكُونُ، وأمّا الكائِنُ في الحالِ فَمَعْلُومٌ.
الرّابِعُ: أنَّ غَيْبَ السَّماءِ الجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
وَغَيْبَ الأرْضِ القَضاءُ بِالأرْزاقِ والآجالِ.
﴿ وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ ﴾ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وإنَّما سَمّاها ساعَةً لِأنَّها جُزْءٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأجْزاءُ اليَوْمِ ساعاتُهُ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: أنَّ غَيْبَ السَّماواتِ هو قِيامُ السّاعَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ قِيامِ السّاعَةِ اسْتِهْزاءً بِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البُيُوتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ الأكْنانُ: جَمْعُ كِنٍّ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَكَنَّ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ ظِلُّ الجِبالِ.
الثّانِي: أنَّهُ ما فِيها مِن غارٍ أوْ شَرَفٍ.
﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ يَعْنِي ثِيابَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ.
﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّرُوعَ الَّتِي تَقِي البَأْسَ، وهي الحَرْبُ.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لُبِسَ مِن قَمِيصٍ ودُرُوعٍ فَهو سِرْبالٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ السَّهْلَ وقالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ؟
فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ جِبالٍ ولَمْ يَكُونُوا أصْحابَ سَهْلٍ، وكانُوا أهْلَ حَرٍّ ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ بَرْدٍ، فَذَكَرَ لَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ مِمّا هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا اتَّخَذَ مِنَ السَّهْلِ، والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي الحَرَّ تَقِي البَرْدَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي.
فَكَنّى عَنِ الشَّرِّ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الجِبالَ لِأنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَ السَّهْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ وذَكَرَ الحَرَّ دُونَ البَرْدِ تَحْذِيرًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وتَوَقِّيًا لِاسْتِحْقاقِها بِالكَفِّ عَنِ المَعاصِي.
﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ أيْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إذا عَرَفْتُمْ نِعَمَهُ عَلَيْكم.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ لَعَلَّكم تُسَلِّمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَسْلَمُونَ مِنَ الضَّرَرِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ عَنى ضَرَرَ الحَرِّ والبَرْدِ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ضَرَرَ القِتالِ والقَتْلِ، واحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ ضَرَرَ العَذابِ في الآخِرَةِ إنِ اعْتَبَرْتُمْ وآمَنتُمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى النَّبِيَّ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويُكَذِّبُونَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهم يَعْرِفُونَ ما عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ ويُنْكِرُونَها بِقَوْلِهِمْ أنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْ آبائِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّ إنْكارَها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ ما كانَ كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ ما أصَبْتُ كَذا، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
الرّابِعُ: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِالنِّعْمَةِ إقْرارُهم بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، وإنْكارَهم قَوْلُهُمْ: رُزِقْنا ذَلِكَ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا.
الخامِسُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِتَقَلُّبِهِمْ فِيها، ويُنْكِرُونَها بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ويُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا يَعْرِفُونَها بِأقْوالِهِمْ، ويُنْكِرُونَها بِأفْعالِهِمْ.
قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمِ؛ لِما ذَكَرَ اللَّهُ فِيها مِن كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ.
﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَمِيعُهم كافِرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِالأكْثَرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِأنَّ فِيهِمْ مَن جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ الكُفْرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كالصِّبْيانِ والمَجانِينِ، فَتَوَجَّهُ الذِّكْرُ إلى المُكَلَّفِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اسْتِسْلامُهم لِعَذابِهِ، وخُضُوعُهم لِعِزِّهِ.
الثّانِي: إقْرارُهم بِما كانُوا يُنْكِرُونَ مِن طاعَتِهِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وبَطَلَ ما كانُوا يَأْمَلُونَ.
الثّانِي: خَذَلَهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَنْصِرُونَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزِّيادَةَ هي عَذابُ الدُّنْيا مَعَ ما يُسْتَحَقُّ مِن عَذابِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: أنَّ أحَدَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ، والعَذابَ الآخَرَ عَلى صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومَنعِهِمْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الإيمانِ.
﴿ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ في الدُّنْيا بِالمَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ شُهَداءُ عَلى أُمَمِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وفي كُلِّ زَمانٍ شَهِيدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.
وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أئِمَّةُ الهُدى الَّذِينَ هم خُلَفاءُ الأنْبِياءِ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العُلَماءُ الَّذِينَ حَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ شَرائِعَ أنْبِيائِهِ.
﴿ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ ﴾ الآيَةِ.
في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ العَدْلَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: الصَّبْرُ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ وطاعَةُ اللَّهِ في سِرِّهِ وجَهْرِهِ ﴿ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى ﴾ صِلَةُ الرَّحِمِ، ﴿ وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ﴾ يَعْنِي الزِّنا، ﴿ والمُنْكَرِ ﴾ القَبائِحُ.
﴿ والبَغْيِ ﴾ الكِبْرُ والظُّلْمُ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
الثّانِي: أنَّ العَدْلَ: القَضاءُ بِالحَقِّ، والإحْسانَ: التَّفَضُّلُ بِالإنْعامِ، وإيتاءُ ذِي القُرْبى: ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ النَّفَقاتِ.
وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ ما يُسْتَسَرُّ بِفِعْلِهِ مِنَ القَبائِحِ.
والمُنْكَرُ: ما يُتَظاهَرُ بِهِ مِنها فَيُنْكَرُ.
والبَغْيُ: ما يُتَطاوَلُ بِهِ مِن ظُلْمٍ وغَيْرِهِ، وهَذا مَعْنى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ العَدْلَ ها هُنا اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ لِلَّهِ.
والإحْسانَ أنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ أحْسَنَ مِن عَلانِيَتِهِ.
والفَحْشاءَ والمُنْكَرَ: أنْ تَكُونَ عَلانِيَتُهُ أحْسَنَ مِن سَرِيرَتِهِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
فَأمَرَ بِثَلاثٍ ونَهى عَنْ ثَلاثٍ.
﴿ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَتَذَكَّرُونَ ما أمَرَكم بِهِ وما نَهاكم عَنْهُ.
الثّانِي: تَتَذَكَّرُونَ ما أعَدَّهُ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ وعِقابِ مَعْصِيَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّذُورُ.
الثّانِي: ما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِن عَهْدٍ في طاعَةِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التِزامُ أحْكامِ الدِّينِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ.
﴿ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تَنْقُضُوها بِالِامْتِناعِ بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالِالتِزامِ.
الثّانِي: لا تَنْقُضُوها بِالعُذْرِ بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالوَفاءِ.
الثّالِثُ: لا تَنْقُضُوها بِالحِنْثِ بَعْدَ تَوْكِيدِها بِالبِرِّ.
وَفي هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَيْعَةِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحِلْفِ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ أهْلِ الشِّرْكِ، فَجاءَ الإسْلامُ بِالوَفاءِ بِهِ.
الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ عَقْدِ يَمِينٍ عَقَدَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ مُخْتارًا يَجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِهِ ما لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلى حَلِّهِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ : « (فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الضَّرُورَةِ دُونَ المُباحِ.
وَأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ.
وَكَّدْتُ هَذِهِ اليَمِينَ تَوْكِيدًا، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ أكَّدْتُها تَأْكِيدًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن نَقَضَ عَهْدَهُ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى الحَبْلَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالغَزْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ عَنى الغَزْلَ حَقِيقَةً.
﴿ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ إبْرامٍ.
قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ القُوَّةَ ما غُزِلَ عَلى طاقٍ ولَمْ يُثْنَ.
﴿ أنْكاثًا ﴾ يَعْنِي أنْقاضًا، واحِدُهُ نَكْثٌ، وكُلُّ شَيْءٍ نُقِضَ بَعْدَ الفَتْلِ أنْكاثٌ.
وَقِيلَ أنَّ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ امْرَأةٌ بِمَكَّةَ حَمْقاءُ، قالَ الفَرّاءُ: إنَّها رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، سُمِّيَتْ جَعْدَةَ لِحُمْقِها، كانَتْ تَغْزِلُ الصُّوفَ ثُمَّ تَنْقُضُهُ بَعْدَما تُبْرِمُهُ، فَلَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لَوْ فَعَلْتُمُوهُ سَفَهًا تُنْكِرُونَهُ كَذَلِكَ نَقْضُ العَهْدِ الَّذِي لا تُنْكِرُونَهُ.
﴿ تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الدَّخَلَ الغُرُورُ.
الثّانِي: أنَّ الدَّخَلَ الخَدِيعَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الغِلُّ والغِشُّ.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ داخِلُ القَلْبِ مِنَ الغَدْرِ غَيْرَ ما في الظّاهِرِ مِن لُزُومِ الوَفاءِ.
الخامِسُ: أنَّهُ الغَدْرُ والخِيانَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
السّادِسُ: أنَّهُ الحِنْثُ في الأيْمانِ المُؤَكَّدَةِ.
﴿ أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ ﴾ أنَّ أكْثَرَ عَدَدًا وأزْيَدَ مَدَدًا، فَتَطْلُبُ بِالكَثْرَةِ أنْ تَغْدِرَ بِالأقَلِّ بِأنْ تَسْتَبْدِلَ بِعَهْدِ الأقَلِّ عَهْدَ الأكْثَرِ.
وَأرْبى: أفْعَلُ الرِّبا، قالَ الشّاعِرُ: ؎ وأسْمَرَ خَطِّيًّا كَأنَّ كُعُوبَهُ نَوى القَسْبِ أوْ أرْبى ذِراعًا عَلى عَشْرِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ بِهِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ، والآخِرَةَ باقِيَةٌ.
الثّانِي: أنَّ طاعَتَكم تَفْنى وثَوابَها يَبْقى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾ فِيها خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الرِّزْقُ الحَلالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها القَناعَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والحَسَنُ البَصْرِيُّ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عامِلًا بِطاعَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: أنَّها السَّعادَةُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الخامِسُ: أنَّها الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ تَكُونَ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ العافِيَةَ والكِفايَةَ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: أنَّها الرِّضا بِالقَضاءِ.
﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُجازى عَلى أحْسَنِ الأعْمالِ وهي الطّاعَةُ، دُونَ المُباحِ مِنها.
الثّانِي: مُضاعَفَةُ الجَزاءِ وهو الأحْسَنُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: فَإذا كُنْتَ قارِئًا فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ مُقَدَّمٌ، وتَقْدِيرُهُ: فَإذا اسْتَعَذْتَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فاقْرَأِ القُرْآنَ.
والِاسْتِعاذَةُ هي اسْتِدْفاعُ الأذى بِالأعْلى مِن وجْهِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ، والمَعْنى: فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ عِنْدَ قِراءَتِكَ لِتَسْلَمَ في التِّلاوَةِ مِنَ الزَّلَلِ، وفي التَّأْوِيلِ مِنَ الخَطَأِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا في صَدْرِ الكِتابِ مَعْنى الرَّجِيمِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى أنْ يَحْمِلَهم عَلى ذَنْبٍ لا يُغْفَرُ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّانِي: لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ المَعاصِي، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ لِاسْتِعاذَتِهِمْ بِاللَّهِ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِحالٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَ سُلْطانَهُ عَنْهم حِينَ قالَ عَدُوُّ اللَّهِ إبْلِيسُ: ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ وفي مَعْنى السُّلْطانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَّةُ، ومِنهُ سُمِّيَ الوالِي سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ.
الثّانِي: أنَّها القُدْرَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السُّلْطَةِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَ السُّلْطانُ سُلْطانًا لِقُدْرَتِهِ.
﴿ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ يَعْنِي يَتَّبِعُونَهُ.
﴿ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: والَّذِينَ هم بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: والَّذِينَ أشْرَكُوا الشَّيْطانَ في أعْمالِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الثّالِثُ: والَّذِينَ هم لِأجْلِ الشَّيْطانِ وطاعَتِهِ مُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَرِيعَةٌ تَقَدَّمَتْ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَأْنِفَةٍ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أيْ نَسَخْنا آيَةً بِآيَةٍ، إمّا نَسْخُ الحُكْمِ والتِّلاوَةِ وإمّا نَسْخُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ التِّلاوَةِ.
﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ﴾ يَعْنِي أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ فِيهِ يُنَزِّلُهُ ناسِخًا ويَرْفَعُهُ مَنسُوخًا.
﴿ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ أيْ كاذِبٌ.
﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ جَوازَ النَّسْخِ.
الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ سَبَبَ وُرُودِ النَّسْخِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ اخْتُلِفَ في اسْمِ مَن أرادَهُ المُشْرِكُونَ فِيما ذَكَرُوهُ مِن تَعْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِلْعامُ وكانَ قَيْنًا بِمَكَّةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ يُعَلِّمُهُ، فاتَّهَمَتْهُ قُرَيْشٌ أنَّهُ كانَ يَتَعَلَّمُ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا أعْجَمِيًّا لِامْرَأةٍ بِمَكَّةَ، يُقالُ لَهُ أبُو فَكِيهَةَ، كانَ يَغْشى رَسُولَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ ويَتَعَلَّمُ مِنهُ، فَقالُوا لِمَوْلاتِهِ احْبِسِيهِ فَحَبَسَتْهُ، وقالَتْ لَهُ: اكْنِسِ البَيْتَ وكُلْ كِناسَتَهُ، فَفَعَلَ وقالَ: واللَّهِ ما أكَلْتُ أطْيَبَ مِنهُ ولا أحْلى، وكانَ يَسْألُ مَوْلاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَحْبِسَهُ فَلا تَفْعَلُ.
الثّالِثُ: أنَّهُما غُلامانِ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ، وكانا مِن أهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ صَيْقَلَيْنِ يَعْمَلانِ السُّيُوفَ اسْمُ أحَدِهِما يَسارٌ، والآخَرُ جَبْرٌ، وكانا يَقْرَآنِ التَّوْراةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ رُبَّما جَلَسَ إلَيْهِما، قالَهُ حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ ﴾ في يُلْحِدُونَ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَمِيلُونَ إلَيْهِ.
الثّانِي: يَعْتَرِضُونَ بِهِ، يَعْنِي أنَّ لِسانَ مَن نَسَبُوا رَسُولَ اللَّهِ إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ أعْجَمِيٌّ.
﴿ وَهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ يَعْنِي بِاللِّسانِ القُرْآنَ لِأنَّهُ يُقْرَأُ بِاللِّسانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا لِسانُ فُلانٍ، تُرِيدُ كَلامَهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ لِسانُ السُّوءِ تُهْدِيها إلَيْنا وخُنْتَ وما حَسِبْتُكَ أنْ تَخُونا <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ ﴾ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ومِقْيَسِ بْنِ صَبابَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَ ذَلِكَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبَوَيْهِ ياسِرٍ وسُمَيَّةَ وبِلالٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ، أظْهَرُوا الكُفْرَ بِالإكْراهِ وقُلُوبُهم مُطْمَئِنَّةٌ بِالإيمانِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ وهم مِن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَإذا أُكْرِهَ عَلى الكُفْرِ فَأظْهَرَهُ بِلِسانِهِ وهو مُعْتَقِدٌ الإيمانَ بِقَلْبِهِ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِما أظْهَرَ، ويَحْفَظَ دِينَهُ بِما أضْمَرَ فَهو عَلى إيمانِهِ، ولَوْ لَمْ يُضْمِرْهُ لَكانَ كافِرًا.
وَقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّما يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ إظْهارُ الكُفْرِ عَلَّ وجْهَ التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ الباتِّ.
لِقُبْحِ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ وخَطَرِهِ في العُرْفِ والشَّرْعِ، كَقَوْلِهِ إنَّ مُحَمَّدًا كاذِبٌ في اعْتِقادِكم، أوْ يُشِيرُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُوافِقُ اسْمُهُ لِاسْمِهِ إذا عَرَفَ مِنهُ الكَذِبَ، وهَذا لَعَمْرِي أوْلى الأمْرَيْنِ، ولَمْ يَصِرِ المُكْرَهُ بِالتَّصْرِيحِ كافِرًا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ﴾ يُرِيدُ بِالقَرْيَةِ أهْلَها ﴿ آمِنَةً ﴾ يَعْنِي مِنَ الخَوْفِ.
﴿ مُطْمَئِنَّةً ﴾ بِالخِصْبِ والدَّعَةِ.
﴿ يَأْتِيها رِزْقُها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أقْواتُها.
الثّانِي: مُرادُها.
﴿ رَغَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: طَيِّبًا.
الثّانِي: هَنِيئًا.
﴿ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ يَعْنِي مِنها بِالزِّراعَةِ، ومِن غَيْرِها بِالتِّجارَةِ، لِيَكُونَ اجْتِماعُ الأمْرَيْنِ لَهم أوْفَرَ لِسَكَنِهِمْ وأعَمَّ في النِّعْمَةِ عَلَيْها.
﴿ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: بِتَرْكِ شُكْرِهِ وطاعَتِهِ.
الثّانِي: بِأنْ لا يُؤَدُّوا حَقَّها مِن مُواساةِ الفُقَراءِ وإسْعافِ ذَوِي الحاجاتِ.
وَفي هَذِهِ القَرْيَةِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى مَثَلًا أقاوِيلُ: أحَدُها: أنَّها مَكَّةُ، كانَ أمْنُها أنَّ أهْلَها آمِنُونَ لا يَتَفاوَزُونَ كالبَوادِي.
﴿ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ ﴾ وسَمّاهُ لِباسًا لِأنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الهُزالِ وشُحُوبَةِ اللَّوْنِ وسُوءِ الحالِ ما هو كاللِّباسِ، وقِيلَ إنَّ القَحْطَ بَلَغَ بِهِمْ إلى أنْ أكَلُوا القَدَّ والعِلْهِزَ وهو الوَبَرُ يُخْلَطُ بِالدَّمِ، والقَدُّ أدِيمٌ يُؤْكَلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها المَدِينَةُ آمَنَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ، ثُمَّ كَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ بِقَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وما حَدَثَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِها مِنَ الفِتَنِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ بِأيِّ قَرْيَةٍ كانَتْ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِن سائِرِ القُرى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجَهالَةِ أنَّها سُوءٌ.
الثّانِي: بِجَهالَةٍ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ العِلْمِ بِأنَّها سُوءٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالثًا: أنَّهُ الَّذِي يُعَجِّلُ بِالإقْدامِ عَلَيْها ويَعِدُ نَفْسَهُ بِالتَّوْبَةِ.
﴿ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا ﴾ لِأنَّهُ مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنَ السّالِفِ إذا لَمْ يُصْلِحْ عَمَلَهُ في المُسْتَأْنَفِ لا يَسْتَحِقُّ ولا يَسْتَوْجِبُ الثَّوابَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْلَمُ الخَيْرَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
قالَ زُهَيْرٌ: فَأكْرَمَهُ الأقْوامُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ كِرامٍ فَإنْ كَذَّبْتَنِي فاسْألِ الأُمَمْ يَعْنِي العُلَماءَ.
الثّانِي: أُمَّةٌ يُقْتَدى بِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَسُمِّيَ أُمَّةً لِقِيامِ الأُمَّةِ بِهِ.
الثّالِثُ: إمامٌ يُؤْتَمُّ بِهِ، قالَهُ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ قانِتًا لِلَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُطِيعًا لِلَّهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
الثّانِي: إنَّ القانِتَ هو الَّذِي يَدُومُ عَلى العِبادَةِ لِلَّهِ.
الثّالِثُ: كَثِيرُ الدُّعاءِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُخْلِصٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: حاجًّا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المُسْتَقِيمُ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ.
الثّانِي: لَمْ يَكُ يَرى المَنعَ والعَطاءَ إلّا مِنَ اللَّهِ.
﴿ وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ النُّبُوَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لِسانُ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يَتَوَلَّوْنَهُ ويَرْضَوْنَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّها تَنْوِيهُ اللَّهِ بِذِكْرِهِ في الدُّنْيا بِطاعَتِهِ لِرَبِّهِ.
حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ بَقاءُ ضِيافَتِهِ وزِيارَةُ الأُمَمِ لِقَبْرِهِ.
﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في مَنازِلِ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ.
الثّانِي: مِنَ الرُّسُلِ المُقَرَّبِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اتِّباعُهُ في جَمِيعِ مِلَّتِهِ إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اتِّباعِ الأفْضَلِ لِلْمَفْضُولِ لِأنَّ النَّبِيَّ أفْضَلُ الأنْبِياءِ.
الثّانِي: اتِّباعُهُ في التَّبَرُّؤِ مِنَ الأوْثانِ والتَّدَيُّنِ بِالإسْلامِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وهُمُ اليَهُودُ وفي اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَعْضَهم جَعَلَهُ أعْظَمَ الأيّامِ حُرْمَةً لِأنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِن خَلْقِ الأشْياءِ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ بَعْضَهم جَعَلَ الأحَدَ أعْظَمَ حُرْمَةً مِنهُ لِأنَّ اللَّهَ ابْتَدَأ خَلْقَ الأشْياءِ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهم عَدَلُوا عَمّا أُمِرُوا بِهِ مِن تَعْظِيمِ الجُمُعَةِ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ السَّبْتِ والأحَدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي إلى دِينِ رَبِّكَ وهو الإسْلامُ.
﴿ بِالحِكْمَةِ ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِالنُّبُوَّةِ، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالقُرْآنِ في لِينٍ مِنَ القَوْلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: بِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالعَفْوِ.
الثّانِي: بِأنْ تُوقِظَ القُلُوبَ ولا تُسَفِّهَ العُقُولَ.
الثّالِثُ: بِأنْ تُرْشِدَ الخَلَفَ ولا تَذُمَّ السَّلَفَ.
الرّابِعُ: عَلى قَدْرِ ما يَحْتَمِلُونَ.
رَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (أُمِرْنا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أنْ نُكَلِّمَ النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ)» .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ حِينَ مَثَّلَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ.
واخْتَلَفَ قائِلُ ذَلِكَ في نَسْخِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ الثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ فَهَذا أحَدُ القَوْلَيْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَظْلُومٍ أنْ يَقْتَصَّ مِن ظالِمِهِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ ﴿ واصْبِرْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِنَ الأذى، وهو مُحْتَمَلٌ.
الثّانِي: واصْبِرْ بِالعَفْوِ عَنِ المُعاقَبَةِ بِمِثْلِ ما عاقَبُوا مِنَ المُثْلَةِ بِقَتْلى أُحُدٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: وما صَبْرُكَ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: وما صَبْرُكَ إلّا لِوَجْهِ اللَّهِ.
﴿ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ يَقْبَلُوا.
الثّانِي: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
﴿ وَلا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ ضَيْقٍ ﴾ بِالكَسْرِ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِالفَتْحِ ما قَلَّ، وبِالكَسْرِ ما كَثُرَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالفَتْحِ ما كانَ في الصَّدْرِ، وبِالكَسْرِ ما كانَ في المَوْضِعِ الَّذِي يَتَّسِعُ ويَضِيقُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ ﴾ اتَّقَوْا يَعْنِي فِيما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ فِيما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى، فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ اجْتِنابَ المَعاصِي وفِعْلَ الطّاعاتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أيْ ناصِرُ الَّذِينَ اتَّقَوْا.
وَقالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: مَنِ اتَّقى اللَّهَ في أفْعالِهِ أحْسَنَ إلَيْهِ في أحْوالِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.