الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 17 الإسراء > الآية ١١٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ ﴾ الآية.
قال ابن عباس: إن رسول الله - - قال وهو ساجد ذات ليلة: يا رحمن، فسمعه أبوجهل -وهم لا يعرفون الرحمن-، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ ﴾ (١) (٢) ﴿ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن.
﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا ﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ (٣) وقال المبرد: يقول إذا دعوتم الله الرحمن فإنما تدعون واحداً، يعني أن تَخْيِيره (٤) ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ (٥) (٦) ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾ إن شاء الله، وإذا كانت خبرًا احتاجت إلى صلة نحو صلة الذي، ويعمل فيها ما قبلها وما بعدها سوى صلتها؛ كقولك: لأضربن أيهم في الدار.
قال الفراء: العرب تقول: أيّ وأيّان وأيّون، إذا أفردوا (أيًّا) أنَّثُوها وجمعوها، وأنَّثُوها فقالوا: أيّة وأيّتان وأيّات، وإذا أضافوها إلى ظاهر أفردوها، وذكّروا فقالوا: أيّ الرجلين؟
وأيّ المرأتين؟
وأيّ الرجال؟
وأيّ النساء؟
وإذا أضافوا إلى مُكَنّى المؤنث أنثوا وإلى مُكَنّى المذكر ذَكّروا، فقالوا: أيّهما وأيّتهما للمرأتين، قال الله -عز وجل-: ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا ﴾ ، وقال زهير في لُغة من أَنّث: وزوَّدُوكَ (٧) (٨) يُرادُ أَيّةُ وجْهة، فانَّثها حين لم يُضِفْها؛ ولو قال: أيًّا سلكوا، بمعنى: أيّ وجهة، كان جائزًا، ويقول لك قائل: رأيتُ رجلا، فتجيبه: أيًّا؟
ويقول: رجلين، فتقول: أَيَّيْن؟
وفي الرجال: أَيّون؟
وفي المرأة: أيّة؟
وفي النساء: أيّات؟
(٩) ﴿ أَيًّا مَا ﴾ صلة، كقوله: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} [ص: 11] ، و ﴿ عَمَّا قَلِيلٍ ﴾ ، و ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ﴾ ، و ﴿ تَدْعُونَ ﴾ في موضع جزم بأي؛ لأنه من حروف الشرط والجزاء، يقول: أيّهم يعط أعط، وعلامة الجزم في تدعوا سقوط النون التي تثبت للرفع في يفعلون، وجواب الشرط (الفاء) في قوله: ﴿ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رسول الله - - يرفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سَبُّوه وسَبُّوا من جاء به، فأوحى الله إليه: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوه، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ فلا يسمع أصحابك، ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ ، أي: أسمعهم القرآن أحيانًا يأخذوا عنك) (١٠) (١١) وكان النبيّ - - إذا جهر بالقرآن سبّ المشركون القرآن، فأمر الله أن لا يعرّض القرآن لسبهم، وأن لا يخافت مخافتةً لا يسمعها من يصلي خلفه من أصحابه فقال: ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ ، أي اسلك طريقًا بين الجهر والمخافتة (١٢) (١٣) ولَسْتُ وإنْ عَزُّوا عليّ بِهَالِكٍ ...
خُفاتًا ولا مُسْتَهْزِمٍ ذاهبِ العَقْلِ (١٤) يقول: لست أهلك خفاتًا أي ضعفًا لمصاب من أُصبت به منهم، وإن كانوا أعزة، ولكني أتصبَّر وأتجلَّد، هذا الذي ذكرنا في الجهر والمخافتة بالصلاة مذهب أكثر المفسرين (١٥) ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ ، وقد مرّ.
وفي الآية قول ثان؛ وهو أن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول أبي هريرة وعائشة ومجاهد (١٦) قال أبو هريرة في الآية: يعني بذلك الدعاء والمسألة (١٧) وقالت عائشة: هي في الدعاء (١٨) - قال في هذه الآية: "إنما ذلك في الدعاء لا ترفع صوتك، فتكثر ذنوبك، فيُسمع منك، فتُعيَّر به" (١٩) (٢٠) - قال: كنا مع النبي - - في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي - -: "أيها الناس اربعوا [أي: ارفقوا] على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" أخرجه البخاري (2992) كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ومسلم (2704) كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر واللفظ له.]]؛ كما روي عن ابن مسعود أنه قال: لم يخافت من أسمع أذنيه (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) أخرجه "الطبري" 15/ 182، بنحوه من طريق أبي الجوزاء (ضعيفة)، وورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 533، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 302، بنحوه بلا سند، وأورده السيوطي في "الدر" و"اللباب" 5/ 348، ص 142 وعزاه إلى ابن مردويه.
(٢) في جميع النسخ: (يا معشر المؤمنين)، والصواب ما أثبته، كما في "الطبري" 15/ 182، و"ابن كثير" 3/ 77، وسياق الكلام يدل عليه.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 264، بنصه (٤) في (أ)، (د)، (ش): (يختبره)، والمثبت من (ع).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ذكر في "الأزهية" أنها تأتي على سنة أوجه: تكون جزاءً، واستفهامًا، وخبرًا، وتعجبًا، ونداءً، ونعتًا فيه معنى المدح، انظر:"حروف المعاني" للزجاجي ص 62، و"الأزهية" ص 106، و"مغني اللبيب" ص 107.
(٧) في (أ)، (د)، (ش): (زودك)، والمثبت من (ع) وهو موافق للديوان.
(٨) وصدره: بانَ الخليطُ ولم يأْوُوا لمَن ترَكوا "شرح ديوان زهير" ص 164، وورد في "الخزانة" 5/ 453 ، (الخليط): المجاور لك في الدار، (ولم يأوُوا):لم يرحموا، (وأيَّةً سلكوا):أيّ جهةٍ سلكوا فأنت مشتاق.
(٩) ورد في "تهذيب اللغة" (أي) 1/ 241 نقل طويل مع تصرف يسير.
(١٠) أخرجه بنحوه من طريق سعيد: أحمد 1/ 23، والبخاري (4722) كتاب التفسير، باب ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، ومسلم (446) في الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية، و"الطبري" 15/ 184 من طرق، والطبراني في "الكبير" 12/ 55، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 207، و"تفسير الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 303، بنحوه.
(١١) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 392، بنحوه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 186، بنحوه من طريقين عن قتادة.
(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 265، بنصه تقريبًا.
(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (خفت) 1/ 1064، بنحوه، انظر: (خفت) في "المحيط في اللغة" 4/ 313، و"الصحاح" 1/ 248، و"اللسان" 2/ 1208.
(١٤) "شعر النابغة الجعدي" ص 225، وورد في "تهذيب اللغة" (خفت) 1/ 1064، و"اللسان" (خفت) 2/ 1208، (خفاتًا): ضعفًا وتذَلُّلاً، (مستهزم): جزوع.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 221 أ، و"الطبري" 15/ 184، و"السمرقندي" 2/ 287، و"الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534، وقد رجحه الطبري لصحة الإسناد الذي روي به عن صحابي وهو ابن عباس من طريق سعيد، ولآنه أشبه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل.
(١٦) "تفسير مجاهد" 1/ 372 بلفظه، أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه، و"الطبري" 15/ 184 بلفظه من طرق عن مجاهد، وورد بلفظه في تفسير الثعلبي 7/ 124 أ، و"الطوسي" 6/ 534.
(١٧) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 71، و"ابن الجوزي" 5/ 101.
(١٨) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه، و"الطبري" 15/ 183 بلفظه من طرق، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 207، و"تفسير الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 304 بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 375 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(١٩) لم أقف عليه مسندًا، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 124، بنحوه، و"الفخر الرازي" 21/ 71 بنصه.
(٢٠) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه عن ابن عباس من طريق عكرمة (حسنة)، وعن عطاء 6/ 97، و"الطبري" 1/ 1845 بلفظه عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن عطاء، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 534 بلفظه عن ابن عباس وعطاء، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 137، و"الخازن" 3/ 184 فيهما عن إبراهيم.
(٢١) أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بنصه، و"الطبري" 15/ 188 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 376.
(٢٢) في جميع النسخ (مغيرة)، والصواب ما أثبته من تفسير عبد الرزاق والطبري.
(٢٣) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 393، بنحوه من طريق معمر، و"الطبري" 15/ 187 بنصه من طريق منصور ومعمر وعوف، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أ، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534.
(٢٤) أخرجه "الطبري" 15/ 187 بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والطبراني في "الكبير" 12/ 256، بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أ، بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 375 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"