تفسير سورة الكهف الآية ٢٢ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 18 الكهف > الآية ٢٢

سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ٢٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ الآية.

قال المفسرون: (إن نصارى نجران (١)  -، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية (٢) (٣) (٤) ونظم الآية يوجب أن يكون هذا التنازع بعد نزول الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ ، وهذه السين للتأخير، فالآية تكون نازلة قبل هذا التنازع، أخبر الله فيها أنه سيقع نزاع في عددهم، ثم وقع ذلك على ما في الآية، يدل على هذا أن السورة مكية ووفد نجران إنما أتوا النبي -  - بعد الهجرة.

واختلف النحويون في نظم هذه الآية وسقوط الواو من قولهم: رابعهم وسادسهم، ودخولها في ثامنهم، بعد اجتماعهم على أن قوله: ﴿ ثَلَاثَةٌ ﴾ مرفوع بالابتداء محذوف على تقدير: هم ثلاثة (٥) فقال صاحب النظم: ( ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ ابتداء و ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ خبره، وهو جملة في موضع الحال لقوله: ﴿ ثلاثةٌ ﴾ (٦) ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ توقيتًا للآية وحالاً لهم، وكذلك قوله: ﴿ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ ﴾ ، قال أبو الفتح الموصلي: (لا يجوز أن تكون الجملة حالاً لثلاثة؛ لأنك لو فعلت ذلك لم يجد الحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس في قولك: هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب الحال) (٧) وقال آخرون: ( ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ وصف لثلاثة، على أن يكون ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ رفع برابع، كما تقول: عندي غُلامٌ ضاربه زيد، فيرفع ضاربه؛ لأنه وهف لغلام، وترفع زيد بفعله، وهو الضرب) (¬2).

قال أبو الفتح: (وهذا الوجه أيضًا غير جائز، من قبل أن رابعهم في هذا الموضع، وإن كان اسم فاعل، فإنه أراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيًا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعًا ولا نصبًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعل، وتجعل الغلام فعلا له؛ لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام ورجل وفرس وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرتفع ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ بما في ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ من معنى الفعل) (¬3).

وقد ذكرنا هذا الفصل عند قوله: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ  ﴾ ، من كلام أبي علي.

وقال بعضهم: ( ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة وصف لثلاثة، كما تقول: هؤلاء ثلاثة غُلامهم رابعهم) (¬4).

قال أبو الفتح: (وهذا الوجه غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا.

والذي منع من إجازته هاهنا وضعفها أن الجملة التي في آخر الكلام [فيها واو العطف، وهو قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، فكما ظهرت الواو في آخر الكلام] (٨) (٩) ونحو هذا قال أبو علي في هذه الآية فقال: (قوله: ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ و ﴿ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿ ثلاثةٌ ﴾ ، والتقدير: هم ثلاثة) (١٠) ﴿ وَثَامِنُهُمْ ﴾ وإخراجها من الأول واحد) (١١) ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ عطف على خبر الابتداء الذي هو ثلاثة، كما تقول: هو حلو وحامض.

و ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ مرفوع على أنه نعت لقوله: ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾ الرجم: القول بالظن والحَدْس (١٢) ومنه قول زهير (١٣) وما هو عنها بالحديث المرجَّم وذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء.

قال أبو إسحاق: (أي تقولون ذلك رجما، أي ظنًّا وتخرصًا) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ الباء هاهنا ظرف للرجم، والتأويل: يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وتلخيصه: بالمكان الغائب عنهم، كما تقول: هو يحسن القول فيك بالغيب، ويظهر الغيب، والمعنى: أنهم يقولون هذا القول من غير مشاهدة.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: (حين وقعت الواو وانقطعت العدة) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ ، أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس.

قال ابن عباس: (أنا من ذلك القليل) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ ، يعني أهل الكتاب) (٢٢) وروى السدي عن ابن عباس قال: (أرجو أن أكون من القليل، أظن القوم كانوا ثلاثة، يقول واحد منهم: كم لبثتم؟

فقال الثاني: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ﴾ قال السدي: (يقول بما أوحى إليك من القرآن) (٢٤) وقال سفيان: (إلا بما قصصنا عليك في القرآن) (٢٥) وروي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك في قوله: ﴿ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ﴾ (حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو إسحاق: (أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أفت في قصتهم بالظاهر الذي أنزل عليك) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ ﴾ ، أي: في أصحاب الكهف ﴿ مِنْهُمْ ﴾ ، أي: من اليهود وأهل الكتاب.

قال الفراء: (هم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونسطوري، فسألهم النبي -  - عن عددهم فَنُهي) (٣٠) (٣١) (١) نَجْرَان: بفتح النون وإسكان الجيم: بين مكة واليمن، قيل: أول من عمرها نجران بن زيدان بن سبأ بن قحطان، وكان أهلها يدينون بالنصرانية، حتى فتحت سنة عشر صلحًا، وهي الآن مدينة من مدن المملكة العربية السعودية.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 266، و"معجم ما استعجم" (1298)، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 176.

(٢) اليعقوبية: فرقة من النصارى، منسوبون إلى يعقوب البرذعاني وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إن المسيح هو الله نفسه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- وإنه تعالى مات، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وإنه عاد محدثًا وأن المحدث عاد قديمًا.

انظر: "الملل والنحل" ص 226 - 227، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.

(٣) النسطورية: فرقة من فرق النصارى، منسوبون إلى نسطور، وكان بالقسطنطينة، قالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وإن الله تعالى لم يلد الإنسان == وإنما ولد الإله -تعالى الله عما يقولون- انظر: "الملل والنحل" ص 225، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.

(٤) "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، و"بحر العلوم" 2/ 295، و"معالم التنزيل" 5/ 161، و"الكشاف" 2/ 385، و"زاد المسير" 5/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 382.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 271.

(٦) ذكر نحوه بلا نسبة "البحر المحيط" 6/ 114، و"الدر المصون" 7/ 466، و"روح المعاني" 15/ 240.

وقال العكبري في "إملاء ما من به الرحمن" ص 396: رابعهم مبتدأ وكلبهم خبره، ولا يعمل اسم الفاعل هنا لأنه ماض والجملة صفة لثلاثة وليس حالاً، إذ لا عامل لها؛ لأن التقدير: هم ثلاثة، وهم لا يعمل ولا يصح أن يقدر هؤلاء لأنها إشارة إلى حاضر ولم يشيروا إلى الحاضر.

(٧) و (¬2) و (¬3) و (¬4) "سر صناعة الإعراب" 2/ 643 (٨) ما بين المعاقوفين مكرر في نسخة (س).

(٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 644.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 1/ 28.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 227.

(١٢) الحَدَس: التوهم في معاني الكلام والأمور.

انظر: "تهذيب اللغة" (حدس) 1/ 764، و"مقاييس اللغة" (حدس) 2/ 33، و"القاموس المحيط" (الحدس) ص 537، و"الصحاح" (حدس) 3/ 915، و"لسان العرب" (حدس) 2/ 805.

(١٣) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى.

وصدره: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم انظر: "ديوانه" ص 81، و"تهذيب اللغة" (رجم) 2/ 1375، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي ص140، و"خزانة الأدب" 3/ 10، و"لسان العرب" (رجم) 3/ 1602، و"همع الهوامع" 2/ 92، و"الدر المصون" 7/ 467.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.

(١٥) "الكشاف" 2/ 385، و"روح المعاني" 15/ 242.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.

(١٧) من قوله: (يعرفون ملأتني ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).

(١٨) "جامع البيان" 15/ 226، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"الكشاف" 2/ 385، و"الدر المنثور" 4/ 393.

(١٩) "معالم التنزيل" 5/ 162، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384، و"الدر المنثور" 4/ 393.

(٢٠) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 456، و"جامع البيان" 15/ 226، و"النكت والعيون" 3/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 275.

(٢١) ذكره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 75 ونسبه لابن جريج.

(٢٢) "جامع البيان" 226/ 15، و"الكشف والبيان" 389/ 3، و"الكشاف" 2/ 385.

(٢٣) "بحر العلوم" 395/ 2، و"المحرر الوجيز" 9/ 275، و"معالم التنزيل" 162/ 5.

(٢٤) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" بلا نسبة 9/ 275، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.

(٢٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 227، و"النكت والعيون" 3/ 238، و"زاد المسير" 5/ 127، و"لباب التأويل" 4/ 207.

(٢٦) "جامع البيان" 15/ 227، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"النكت والعيون" 3/ 298، و"زاد المسير" 5/ 127، و"الدر المنثور" 4/ 393.

(٢٧) "جامع البيان" 15/ 227، و"زاد المسير" 5/ 127.

(٢٨) المِرَاء: المماراة والجدل، وأصله في اللغة: الجدال وأن يستخرج الرجل من مناظرة كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها.

انظر: "تهذيب اللغة" (مرى) 4/ 3383، و"مقاييس اللغة" (مرى) 5/ 314، و"مختار الصحاح" (مرا) (260)، و"المصباح المنير" (المرئ) ص 217.

(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 277/ 3 (٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 138.

(٣١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله