الآية ٢٢ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٢ من سورة الكهف

سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌۭ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌۭ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌۭ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌۭ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءًۭ ظَـٰهِرًۭا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًۭا ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 187 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف ، فحكى ثلاثة أقوال ، فدل على أنه لا قائل برابع ، ولما ضعف القولين الأولين بقوله : ( رجما بالغيب ) أي : قولا بلا علم ، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه ، فإنه لا يكاد يصيب ، وإن أصاب فبلا قصد ، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله : ( وثامنهم كلبهم ) فدل على صحته ، وأنه هو الواقع في نفس الأمر .

وقوله : ( قل ربي أعلم بعدتهم ) إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى ؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم ، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به ، وإلا وقفنا حيث وقفنا .

وقوله : ( ما يعلمهم إلا قليل ) أي : من الناس .

قال قتادة : قال ابن عباس : أنا من القليل الذي استثنى الله - عز وجل - كانوا سبعة .

وكذا روى ابن جريج ، عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول : أنا ممن استثنى الله ، ويقول : عدتهم سبعة .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( ما يعلمهم إلا قليل ) قال : أنا من القليل ، كانوا سبعة .

فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس : أنهم كانوا سبعة ، وهو موافق لما قدمناه .

وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق .

قال ابن عباس : فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله ، يبكون ويستغيثون بالله ، وكانوا ثمانية نفر : مكسلمينا وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم ، و مجسيميلنينا وتمليخا ومرطونس ، وكشطونس ، وبيرونس ، وديموس ، ويطونس وقالوش .

هكذا وقع في هذه الرواية ، ويحتمل هذا من كلام ابن إسحاق ، ومن بينه وبينه ، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة ، وهو ظاهر الآية .

وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران ، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته ، والله أعلم ؛ فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب ، وقد قال تعالى : ( فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ) أي : سهلا هينا ؛ فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة ( ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) أي : فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب ، أي من غير استناد إلى كلام معصوم ، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية ، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) يقول تعالى ذكره:سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية من أصحاب الكهف، هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول بعضهم: هم خمسة سادسهم كلبهم (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) : يقول: قذفا بالظنّ غير يقين علم، كما قال الشاعر: وأجْعَلُ مِنِّي الحَقَّ غَيْبا مُرَجَّمَا (1) وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) : أي قذفا بالغيب.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ) قال: قذفا بالظنّ.

وقوله (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) يقول: ويقول بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم.

(قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لقائلي هذه الأقوال في عدد الفتية من أصحاب الكهف رجما منهم بالغيب: (رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ) يقول: ما يعلم عددهم (إِلا قَلِيلٌ) من خلقه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) يقول: قليل من الناس.

وقال آخرون: بل عنى بالقليل: أهل الكتاب.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) قال: يعني أهل الكتاب ، وكان ابن عباس يقول: أنا ممن استثناه الله، ويقول: عدتهم سبعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) قال: أنا من القليل، كانوا سبعة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: أنا من أولئك القليل الذين استثنى الله، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، وأنا ممن استثنى الله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) قال: كان ابن عباس يقول: أنا من القليل، هم سبعة وثامنهم كلبهم.

وقوله: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا تمار يا محمد: يقول: لا تجادل أهل الكتاب فيهم، يعني في عدة أهل الكهف، وحُذِفت العِدّة اكتفاء بذكرهم فيها لمعرفة السامعين بالمراد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ) قال: لا تمار في عدتهم.

وقوله: (إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) اختلف أهل التأويل في معنى المراء الظاهر الذي استثناه الله، ورخص فيه لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو ما قصّ الله في كتابه أبيح له أن يتلوه عليهم، ولا يماريهم بغير ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) يقول: حسبك ما قصصت عليك فلا تمار فيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) يقول: إلا بما قد أظهرنا لك من أمرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ، قوله (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) : أي حَسْبُك ما قصصنا عليك من شأنهم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ) قال: حَسْبُك ما قصصنا عليك من شأنهم.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) يقول: حَسْبُك ما قصصنا عليك.

وقال آخرون: المِراء الظاهر هو أن يقول ليس كما تقولون، ونحو هذا من القول.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) قال: أن يقول لهم: ليس كما تقولون ، ليس تعلمون عدتهم إن قالوا كذا وكذا فقل ليس كذلك، فإنهم لا يعلمون عدّتهم، وقرأ (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) حتى بلغ (رَجْمًا بِالْغَيْبِ).

وقوله: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) يقول تعالى ذكره: ولا تستفت في عدّة الفتية من أصحاب الكهف منهم، يعني من أهل الكتاب أحدا، لأنهم لا يعلمون عدتهم، وإنما يقولون فيهم رجما بالغيب، لا يقينا من القول.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) قال: هم أهل الكتاب.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) من يهود.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) : من يهود، قال: ولا تسأل يهودَ عن أمر أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) : من أهل الكتاب.

كنا نحدّث أنهم كانوا بني الركنا (2) والركنا: ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على أصمختهم، فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمَّتهم وجاءت أمَّة مسلمة بعدهم، وكان ملكهم مسلما.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) هذا عجز بيت لم أقف على قائله .

وهو شاهد على أن معنى الرجم معناه: القول بالظن على غير يقين علم .

قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 398 ) : " رجما بالغيب " : الرجم ما لا تستيقنه .

قال : ظن مرجم : لا يدرى : أحق هو أم باطل ؟

قال زهير : وَمَـا الحَـرْبُ إلا مـا رأيْتُـمْ وَذُقْتُـمُ وَمَـا هُـوَ عَنْهـا بـالحَدِيثِ المُرَجَّـمِ ( وفي اللسان : رجم ) والرجم : القول بالظن والحدس.

(2) الركنا : كذا بالقصر ، ولعله أصله الركنا بالمد ، جمع ركين ، وهو من الرجال : الوقور الرزين أو القوي بعشيرته وكثرتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا[ ص: 343 ] قوله تعالى : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم الضمير في سيقولون يراد به أهل التوراة ومعاصري محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهل الكهف هذا الاختلاف المنصوص .

وقيل : المراد به النصارى ; فإن قوما منهم حضروا النبي - صلى الله عليه وسلم - من نجران فجرى ذكر أصحاب الكهف فقالت اليعقوبية : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم .

وقالت النسطورية : كانوا خمسة سادسهم كلبهم .

وقال المسلمون : كانوا سبعة ثامنهم كلبهم .

وقيل : هو إخبار عن اليهود الذين أمروا المشركين بمسألة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أصحاب الكهف .

والواو في قوله وثامنهم كلبهم طريق النحويين أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم ; لتفصل أمرهم ، وتدل على أن هذا غاية ما قيل ، ولو سقطت لصح الكلام .

وقالت فرقة منها ابن خالويه : هي واو الثمانية .

وحكى الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أن قريشا كانت تقول في عددها ستة سبعة وثمانية ; فتدخل الواو في الثمانية .

وحكى نحوه القفال ، فقال : إن قوما قالوا العدد ينتهي عند العرب إلى سبعة ، فإذا احتيج إلى الزيادة عليها استؤنف خبر آخر بإدخال الواو ، كقوله التائبون العابدون - ثم قال - والناهون عن المنكر والحافظون .

يدل عليه أنه لما ذكر أبواب جهنم حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها بلا واو ، ولما ذكر الجنة قال : وفتحت أبوابها بالواو .

وقال خيرا منكن مسلمات ثم قال وأبكارا فالسبعة نهاية العدد عندهم كالعشرة الآن عندنا .

قال القشيري أبو نصر : ومثل هذا الكلام تحكم ، ومن أين السبعة نهاية عندهم ثم هو منقوض بقوله - تعالى - : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ولم يذكر الاسم الثامن بالواو .

وقال قوم ممن صار إلى أن عددهم سبعة : إنما ذكر الواو في قوله سبعة وثامنهم لينبه على أن هذا العدد هو الحق ، وأنه مباين للأعداد الأخر التي قال فيها أهل الكتاب ; ولهذا قال - تعالى - في الجملتين المتقدمتين رجما بالغيب ولم يذكره في الجملة الثالثة ولم يقدح فيها بشيء ; فكأنه قال لنبيه هم سبعة وثامنهم كلبهم .

والرجم : القول بالظن ; يقال لكل ما يخرص : رجم فيه ومرجوم ومرجم ; كما قال :وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجمقلت : قد ذكر الماوردي والغزنوي : وقال ابن جريج ومحمد بن إسحاق كانوا ثمانية ، [ ص: 344 ] وجعلا قوله - تعالى - وثامنهم كلبهم أي صاحب كلبهم .

وهذا مما يقوي طريق النحويين في الواو ، وأنها كما قالوا .

وقال القشيري : لم يذكر الواو في قوله : رابعهم سادسهم ، ولو كان بالعكس لكان جائزا ، فطلب الحكمة والعلة في مثل هذه الواو تكلف بعيد ، وهو كقوله في موضع آخر وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم .

وفي موضع آخر : إلا لها منذرون ذكرى .قوله تعالى : قل ربي أعلم بعدتهم أمر الله - تعالى - نبيه - عليه السلام - في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه - عز وجل - .

ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل .

والمراد به قوم من أهل الكتاب ; في قول عطاء .

وكان ابن عباس يقول : أنا من ذلك القليل ، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، ثم ذكر السبعة بأسمائهم ، والكلب اسمه قطمير كلب أنمر ، فوق القلطي ودون الكردي .

وقال محمد بن سعيد بن المسيب : هو كلب صيني .

والصحيح أنه زبيري .

وقال : ما بقي بنيسابور محدث إلا كتب عني هذا الحديث إلا من لم يقدر له .

قال : وكتبه أبو عمرو الحيري عني .قوله تعالى : فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا أي لا تجادل في أصحاب الكهف إلا بما أوحيناه إليك ; وهو رد علم عدتهم إلى الله - تعالى - .

وقيل : معنى المراء الظاهر أن تقول : ليس كما تقولون ، ونحو هذا ، ولا تحتج على أمر مقدر في ذلك .

وفي هذا دليل على أن الله - تعالى - لم يبين لأحد عددهم فلهذا قال إلا مراء ظاهرا أي ذاهبا ; كما قال :وتلك شكاة ظاهر عنك عارهاولم يبح له في هذه الآية أن يماري ; ولكن قوله إلا مراء استعارة من حيث يماريه أهل الكتاب .

سميت مراجعته لهم مراء ثم قيد بأنه ظاهر ; ففارق المراء الحقيقي المذموم .

والضمير في قوله فيهم عائد على أهل الكهف .

وقوله : فلا تمار فيهم يعني في عدتهم ; وحذفت العدة لدلالة ظاهر القول عليها .قوله تعالى : ولا تستفت فيهم منهم أحدا روي أنه - عليه السلام - سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السؤال .

والضمير في قوله منهم عائد على أهل الكتاب المعارضين .

وفي هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب في شيء من العلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف، اختلافا صادرا عن رجمهم بالغيب، وتقولهم بما لا يعلمون، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم: من يقول: ثلاثة، رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة، سادسهم كلبهم.

وهذان القولان، ذكر الله بعدهما، أن هذا رجم منهم بالغيب، فدل على بطلانهما.

ومنهم من يقول: سبعة، وثامنهم كلبهم، وهذا -والله أعلم- الصواب، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله، فدل على صحته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس، دينية ولا دنيوية، ولهذا قال تعالى: ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ ) وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم.

( فَلا تُمَارِ ) أي: تجادل وتحاج ( فيهم إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا ) أي: مبنيا على العلم واليقين، ويكون أيضا فيه فائدة، وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، إما أن يكون الخصم معاندا، أو تكون المسألة لا أهمية فيها، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك، فإن في كثرة المناقشات فيها، والبحوث المتسلسلة، تضييعا للزمان، وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة.

( وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ ) أي: في شأن أهل الكهف ( مِنْهُمْ ) أي: من أهل الكتاب ( أَحَدًا ) وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يحجزه، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس، فنهيه هو عن الفتوى، من باب أولى وأحرى.

وفي الآية أيضا، دليل على أن الشخص، قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء، دون آخر.

فيستفتى فيما هو أهل له، بخلاف غيره، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف، وما أشبهها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ) روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد - وكان يعقوبيا - : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم وقال العاقب - وكان نسطوريا - : كانوا خمسة سادسهم كلبهم وقال المسلمون : كانوا سبعة ثامنهم كلبهم فحقق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى فقال : ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ) أي : ظنا وحدسا من غير يقين ولم يقل هذا في حق السبعة فقال : ( ويقولون ) يعني : المسلمين ( سبعة وثامنهم كلبهم ) اختلفوا في الواو في قوله : ( وثامنهم ) قيل : تركها وذكرها سواء .

وقيل : هي واو الحكم والتحقيق كأنه حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حقق هذا القول بقوله ( وثامنهم كلبهم ) والثامن لا يكون إلا بعد السابع .

وقيل : هذه واو الثمانية وذلك أن العرب تعد فتقول واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة نظيره قوله تعالى " التائبون العابدون الحامدون " إلى قوله : " والناهون عن المنكر " ( التوبة - 112 ) وقال في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم " عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا " ( التحريم - 5 ) .

( قل ربي أعلم بعدتهم ) أي : بعددهم ( ما يعلمهم إلا قليل ) أي : إلا قليل من الناس .

قال ابن عباس : أنا من القليل كانوا سبعة .

وقال محمد بن إسحاق : كانوا ثمانية قرأ : ( وثامنهم كلبهم ) أي : حافظهم والصحيح هو الأول .

وروي عن ابن عباس أنه قال : هم مكسلمينا ويمليخا ومرطونس وبينونس وسارينونس وذو نوانس وكشفيططنونس وهو الراعي والكلب قطمير .

( فلا تمار فيهم ) أي : لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم ( إلا مراء ظاهرا ) إلا بظاهر ما قصصنا عليك يقول : حسبك ما قصصت عليك فلا تزد عليه وقف عنده ( ولا تستفت فيهم منهم ) من أهل الكتاب ( أحدا ) أي : لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سيقولون» أي المتنازعون في عدد الفتية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي يقول بعضهم هم «ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون» أي بعضهم «خمسة سادسهم كلبهم» والقولان لنصارى نجران «رجما بالغيب» أي ظنا في الغيبة عنهم وهو راجع إلى القولين معا ونصبه على المفعول له أي لظنهم ذلك «ويقولون» أي المؤمنون «سبعة وثامنهم كلبهم» الجملة من المبتدأ وخبره صفة سبعة بزيادة الواو، وقيل تأكيد أو دلالة على لصوق الصفة بالموصوف ووصف الأولين بالرجم دون الثالث دليل على أنه مرضي وصحيح «قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل» قال ابن عباس أنا من القليل وذكرهم سبعة «فلا تمار» تجادل «فيهم إلا مراءً ظاهرا» بما أنزل عليك «ولا تستفت فيهم» تطلب الفتيا «منهم» من أهل الكتاب اليهود «أحدا» وسأله أهل مكة عن خبر أهل الكهف فقال أخبركم به غدا ولم يقل إن شاء الله فنزل:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سيقول بعض الخائضين في شأنهم من أهل الكتاب: هم ثلاثةٌ، رابعهم كلبهم، ويقول فريق آخر: هم خمسة، سادسهم كلبهم، وكلام الفريقين قول بالظن من غير دليل، وتقول جماعة ثالثة: هم سبعة، وثامنهم كلبهم، قل -أيها الرسول-: ربي هو الأعلم بعددهم، ما يعلم عددهم إلا قليل من خلقه.

فلا تجادل أهل الكتاب في عددهم إلا جدالا ظاهرًا لا عمق فيه، بأن تَقُصَّ عليهم ما أخبرك به الوحي فحسب، ولا تسألهم عن عددهم وأحوالهم؛ فإنهم لا يعلمون ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى : سيختلف - الناس فى عدة أصحاب الكهف - أيها الرسول الكريم - فمن الناس من سيقول إن عدتهم ثلاثة رابعهم كلبهم ، ومنهم من يقول : إنهم خمسة سادسهم كلبهم .فالضمير فى قوله ( سيقولون ) وفى الفعلين بعده .

يعود لأولئك الخائضين فى قصة أصحاب الكهف وفى عددهم ، على عهد النبى صلى الله عليه وسلم .قال الجمل : قيل إنما أتى بالسين فى هذا لأن فى الكلام طيا وإدماجا تقديره : فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف ، فسلهم عن عددهم فإنهم سيقولون ثلاثة .ولم يأت بها فى بقية الأفعال ، لأنها معطوفة على ما فيه السين فأعطيت حكمه من الاستقبال .وقال صاحب الكشاف ، فإن قلت : لماذا جاء بسين الاستقبال فى الأول دون الآخرين؟

.قلت : فيه وجهان : أن تدخل الآخرين فى حكم السين ، كما تقول : قد أكرم وأنعم .تريد معنى التوقع فى الفعلين جميعا ، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذى هو صالح له .وقوله ، ثلاثة .

خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هم ثلاثة .وقوله - تعالى - : ( رجما بالغيب ) رد على القائلين بأنهم ثلاثة رابعهم كلبهم ، وعلى القائلين بأنهم خمسة سادسهم كلبهم .وأصل الرجم : الرمى بالحجارة ، والمراد به هنا : القول بالظن والحدس والتخمين بدون دليل أو برهان .قال صاحب الكشاف قوله : " ( رجما بالغيب ) ، أى : رميا بالخبر الخفى وإتيانا به .

كقوله ( وَيَقْذِفُونَ بالغيب مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) أى : يأتون به .

أو وضع الرجم ، موضع الظن فكأنه قيل ظنا بالغيب .

لأنهم أكثروا أن يقولوا : رجم بالظن ، مكان قولهم : ظن .

حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين .

ألا ترى إلى قول زهير : وما هو عنها بالحديث المرجم .

.

أى : المظنون " .وقوله : ( رجما ) منصوب بفعل مقدر .

والباء فى ( بالغيب ) للتعدية .أى : يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم ، والذى لا اطلاع لهم على حقيقته ، شأنهم فى ذلك شأن من يرمى بالحجارة التى لا تصيب المرمى المقصود .ثم حكى - سبحانه - القول الذى هو أقرب الأقوال إلى الصواب فقال : ( وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) .أى : وبعض الناس - وهم المؤمنون - يقولون إن عدد أصحاب الكهف سبعة أفراد وثامنهم كلبهم .قال ابن كثير : - يقول - تعالى - مخبرا عن اختلاف الناس فى عدة أصحاب الكهف .

فحكى ثلاثة أقوال ، فدل على أنه لا قائل برابع .

ولما ضعف القولين الأولين بقوله : ( رجما بالغيب ) .أى : قول بلا علم ، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه ، فإنه لا يكاد يصيب .

وإذا أصاب فبلا قصد ، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله : ( وثامنهم كلبهم ) دل على صحته ، وأنه هو الواقع فى نفس الأمر .وقال الآلوسى ما ملخصه : والجملة الواقعة بعد العدد فى قوله - تعالى - : ( وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) فى موضع الصفة له ، والواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة ، كما تدخل فى الواقعة حالا عن المعرفة فى قولك : جاءنى رجل ومعه آخر ، ومررت بزيد وفى يده سيف ، ومنه قوله - تعالى - :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة، فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالوا: إن أصل هذا أن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه، فكان العثار سبباً لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين: الأول: أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولاً خارجاً عن العادة.

والثاني: أن ذلك الرجل لما دخل إلى السوق ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام: هذه النقود غير موجودة في هذا اليوم.

وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزاً، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم؟

فقال: بعت بها أمس شيئاً من التمر، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى: ﴿ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ يعني أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك، وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً، وقال آخرون: الروح تبعث، وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف.

فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله: ﴿ إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ ﴾ متعلق بأعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم.

واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها، وقيل: إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا.

والقول الثالث: أن بعضهم قال: الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان.

وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.

والقول الرابع: أن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنياناً، والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً.

والقول الخامس: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم.

والسادس: أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم، ثم قال تعالى: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ وهذا فيه وجهان.

أحدهما: أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم.

الثاني: أن هذا من كلام الله تعالى ذكره رداً للخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ ﴾ قيل المراد به الملك المسلم، وقيل: أولياء أصحاب الكهف، وقيل: رؤساء البلد: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ﴾ نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد، ثم قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ عائد إلى المتنازعين.

روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وكان نسطورياً كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه: الأول: أن الواو في قوله: ﴿ وَثَامِنُهُمْ ﴾ هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ  ﴾ وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وأنهم قالوا قولاً متقرراً متحققاً عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس.

الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صوناً للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح.

الوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً لهما في كونهما رجماً بالظن.

والوجه الرابع: أنه تعالى لما حكى قولهم: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ قال بعده: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ فاتباع القولين الأولين بكونهما رجماً بالغيب واتباع هذا القول الثالث بقوله: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة.

والوجه الخامس: أنه تعالى قال: ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل وكل من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول.

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: كانوا سبعة وأسماؤهم هذا: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوس، ودبرنوس، وسادنوس، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في مهماته، والسابع هو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم كلبهم قطمير، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أنا من ذلك العدد القليل، وكان يقول: إنهم سبعة وثامنهم كلبهم.

الوجه السادس: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق.

فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث.

الوجه السابع: أنه تعالى قال لرسوله؛ ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً ﴾ فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم وعن استفتائهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضاً أنه تعالى قال: ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي عليه السلام، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي، لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام، والله أعلم.

بقي في الآية مباحث.

البحث الأول: في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه.

البحث الثاني: خص القول الأول بسين الاستقبال، وهو قوله سيقولون، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه.

البحث الثالث: الرجم هو الرمي، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة، يقال فلان يرمي بالكلام رمياً، أي يتكلم من غير تدبر.

البحث الرابع: ذكروا في فائدة الواو في قوله: ﴿ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ وجوهاً الوجه الأول: ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال.

وثانيها: أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً  ﴾ وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف، فقالوا وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات، وهي قوله: ﴿ والناهون عَنِ المنكر  ﴾ لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها  ﴾ لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة، وقوله: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً  ﴾ هو العدد الثامن مما تقدم، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية، ومعناه ما ذكرناه، قال القفال: وهذا ليس بشيء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ ولم يذكر الواو في النعت الثامن، ثم قال تعالى: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ وهذا هو الحق، لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند الله تعالى، وإلا عند من أخبره الله عنها، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل، قال القاضي: إن كان قد عرفه ببيان الرسول صح، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف، ويمكن أن يقال: الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهى رسوله عن شيئين، عن المراء والاستفتاء، أما النهي عن المراء، فقوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا ﴾ والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول: هذا التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف وترك القطع.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وأما النهي عن الاستفتاء فقوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً ﴾ ، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ وضع الرجم فيه موضع الظن فكأنه قيل: ظناً بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظن مكان قولهم ظن، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، ألا ترى إلى قوله: وما هو عنها بالحديث المرجم *** أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء الظانين، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله، وجواب مثبتي القياس عنه قد ذكرناه مراراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخباراً بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم، وأنّ المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم.

قال ابن عباس رضي الله عنه: أنا من أولئك القليل.

وروي أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبياً: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم.

وقال العاقب وكان نسطورياً: كانوا خمسة سادسهم كلبهم.

وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين.

وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لسان جبريل عليه السلام.

وعن عليّ رضي الله عنه: هم سبعة نفر أسماؤهم: يمليخاً، ومكشليتيا، ومشلينيا: هؤلاء أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره والسابع: الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس.

واسم مدينتهم: أفسوس.

واسم كلبهم: قطمير.

فإن قلت: لم جاء بسين الاستقبال في الأوّل دون الآخرين؟

قلت: فيه وجهان: أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما تقول: قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعاً، وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذي هو صالح له ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ رمياً بالخبر الخفي وإتياناً به كقوله ﴿ وَيَقْذِفُونَ بالغيب ﴾ [سبأ: 53] أي يأتون به.

أو وضع الرجم موضع الظنّ، فكأنه قيل: ظناً بالغيب؛ لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظنّ مكان قولهم ظنّ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، ألا ترى إلى قول زهير: وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المُرَجَّمِ أي المظنون.

وقرئ ﴿ ثلاثّ رابعهم ﴾ بإدغام الثاء في تاء التأنيث.

و ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلاثة.

وكذلك ﴿ خَمْسَةٌ ﴾ و ﴿ سَبْعَةٌ ﴾ و ﴿ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ جملة من مبتدأ وخبر واقعة صفة لثلاثة، وكذلك ﴿ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، ﴿ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ .

فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوّلين؟

قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل ومعه آخر.

ومررت بزيد وفي يده سيف.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ [الحجر: 4] وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة وثامنهم كلبهم، قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما غيرهم.

والدليل عليه أنّ الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ وأتبع القول الثالث قوله ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ وقال ابن عباس رضي الله عنه: حين وقعت الواو انقطعت العدّة، أي: لم يبق بعدها عدّة عادّ يلتفت إليها.

وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات.

وقيل: إلا قليل من أهل الكتاب.

والضمير في ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي: سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظنّ وتخمين ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ ﴾ فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم ولا تعنيف بهم في الردّ عليهم، كما قال ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125] .

﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ ﴾ ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال متعنت له، حتى يقول شيئاً فتردّه عليه وتزيف ما عنده؛ لأن ذلك خلاف ما وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد؛ لأن الله قد أرشدك بأن أوحى إليك قصتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ أيِ الخائِضُونَ في قِصَّتِهِمْ في عَهْدِ الرَّسُولِ  مِن أهْلِ الكِتابِ والمُؤْمِنِينَ.

﴿ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ ﴾ أيْ هم ثَلاثَةُ رِجالٍ يُرَبِّعُهم كَلْبُهم بِانْضِمامِهِ إلَيْهِمْ.

قِيلَ هو قَوْلُ اليَهُودِ وقِيلَ هو قَوْلُ السَّيِّدِ مِن نَصارى نَجْرانَ وكانَ يَعْقُوبِيًّا.

﴿ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ ﴾ قالَهُ النَّصارى أوِ العاقِبُ مِنهم وكانَ نَسْطُورِيًّا.

﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ يَرْمُونَ رَمْيًا بِالخَبَرِ الخَفِيِّ الَّذِي لا مَطْلَعَ لَهم عَلَيْهِ وإتْيانًا بِهِ، أوْ ظَنًّا بِالغَيْبِ مِن قَوْلِهِمْ رَجَمَ بِالظَّنِّ إذا ظَنَّ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ بِالسِّينِ اكْتِفاءً بِعَطْفِهِ عَلى ما هو فِيهِ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ إنَّما قالَهُ المُسْلِمُونَ بِإخْبارِ الرَّسُولِ لَهم عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وإيماءِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ بِأنْ أتْبَعَهُ قَوْلُهُ ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ ﴾ وأتْبَعَ الأوَّلَيْنِ قَوْلُهُ ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ وبِأنْ أثْبَتَ العِلْمَ بِهِمْ لِطائِفَةٍ بَعْدَ ما حَصَرَ أقْوالَ الطَّوائِفِ في الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ عَدَمَ إيرادِ رابِعٍ في نَحْوِ هَذا المَحَلِّ دَلِيلُ العَدَمِ مَعَ أنَّ الأصْلَ يَنْفِيهِ، ثُمَّ رَدَّ الأوَّلَيْنِ بِأنْ أتْبَعَهُما قَوْلُهُ ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ لِيَتَعَيَّنَ الثّالِثُ وبِأنْ أدْخَلَ فِيهِ الواوَ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ تَشْبِيهًا لَها بِالواقِعَةِ حالًا مِنَ المَعْرِفَةِ، لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم وأسْماؤُهم: يَمْلِيخا ومَكْشَلِينِيا وَمَشْلِينِيا هَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ، ومَرْنُوشُ ودَبْرَنُوشُ وشاذَنُوشُ أصْحابُ يَسارِهِ وكانَ يَسْتَشِيرُهم، والسّابِعُ الرّاعِي الَّذِي وافَقَهم واسْمُ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرُ واسْمُ مَدْيَنَتِهِمْ أفْسُوسُ.

وَقِيلَ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ لِأهْلِ الكِتابِ والقَلِيلِ مِنهم.

﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ فَلا تُجادِلْ في شَأْنِ الفِتْيَةِ إلّا جِدالًا ظاهِرًا غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ، وهو أنْ تَقُصٍّ عَلَيْهِمْ ما في القُرْآنِ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لَهم والرَّدِّ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا ﴾ ولا تَسْألْ أحَدًا مِنهم عَنْ قِصَّتِهِمْ سُؤالَ مُسْتَرْشِدٍ فَإنَّ فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ لَمَندُوحَةً مِن غَيْرِهِ، مَعَ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِها ولا سُؤالَ مُتَعَنِّتٍ تُرِيدُ تَفْضِيحَ المَسْؤُولِ وتَزْيِيفَ ما عِنْدَهُ فَإنَّهُ مُخِلٌّ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} الضمير في سيقولون لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤمنين وأهل الكتاب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم فنزلت إخباراً بما سيجري بينهم من اختلافهم في عددهم وأن المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم ويُروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم وقال العاقب وكان نسطوريا كانوا خمسة سادسهم كلبهم وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فحفق الله قول المسلمين وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما ذكرنا من قبل وعن علي رضي الله عنه هم سبعة نفر أسماؤهم بمليخا ومكشلينا ومشليينا هؤلاء أصحاب يمين الملك وكان عن بساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس واسم مدينتهم أفسوس واسم كلبهم قطمير وسين الاستقبال وإن دخل في الأول دون الآخرين فهما داخلان في حكم السين كقولك قد أكرم وأنعم تريد معنى التوقع في الفعلين جميعاً أو أريد بيفعل

معنى الاستقبال الذي هو صالح له ثلاثة خبر متبدأ محذوف أي هم ثلاثة وكذلك خمسة وسبعة ورابعهم كلبهم جملة من مبتدأ وخبر واقعة صفة لثلاثة وكذلك سادسهم كلبهم وثامنهم كلبهم رجما

الكهف (٢٤ - ٢٢)

بالغيب رمياً بالخبر الخفي وإتيانا به كقوله ويقذفون بالغيب أي يأتون به أووضع الرجم موضع الظن مكانه قيل ظنا بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظن مكان قولهم ظن حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين والواو الداخلة على الجملة الثالثة هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر وهذه الواو التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم دليله أن الله تعالى أتبع القولين الأولين قوله رجماً بالغيب وأتبع القول الثالث قوله {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} أي قل ربي أعلم بعدّتهم وقد أخبركم بها بقوله سبعة وثامنهم كلبهم {مَّا يعلمهم إلا قليل} قال ابن عباس رضي الله عنهما أنا من ذلك القليل وقيل إلا قليل من أهل الكتاب والضمير في سيقولون على هذا الأهل الكتاب خاصة أي سيقولون أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وأكثرهم على ظن وتخمين {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف {إِلاَّ مراء ظاهرا} إلا جد الا ظاهراً غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل لهم أو بمشهد من الناس ليظهر صدقك {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً} ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال متعنت له حتى يقول شيئاً فترده عليه وتزيف ما عنده ولا سؤال مسترشد لأن الله تعالى قد ارشد بأن أوحى إليك قصتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ وفي الفِعْلَيْنِ بَعْدُ كَما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لَهُ  الخائِضِينَ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وأُيِّدَ بِذَلِكَ قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ بَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِدَلالَتِهِ أنَّ لَهم عِلْمًا في الجُمْلَةِ بِأحْوالِهِمْ وهو يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرٌ في التَّوْراةِ وفِيهِ ما فِيهِ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا إخْبارٌ بِما لَمْ يَكُنْ واقِعًا بَعْدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَيَقُولُونَ إذا قَصَصْتَ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ أوْ إذا سُئِلُوا عَنْ عِدَّتِهِمْ هُمْ: ﴿ ثَلاثَةٌ ﴾ أيْ: ثَلاثَةُ أشْخاصٍ ﴿ رابِعُهُمْ ﴾ أيْ: جاعِلُهم أرْبَعَةً بِانْضِمامِهِ إلَيْهِمْ ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ فَثَلاثَةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و ﴿ رابِعُهم كَلْبُهُمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ولا عَمَلَ لِاسْمِ الفاعِلِ لِأنَّهُ ماضٍ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِ «ثَلاثَةٌ»، والضَّمِيرانِ لَها لا لِلْمُبْتَدَأِ، ومِن ثَمَّ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالحَذْفِ وإلّا كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: هم ثَلاثَةٌ وكَلْبٌ، لَكِنْ بِما أُرِيدَ اخْتِصاصُها بِحُكْمٍ بَدِيعِ الشَّأْنِ عَدَلَ إلى ما ذُكِرَ لِيُنَبِّهَ بِالنَّعْتِ الدّالِّ عَلى التَّفَضُّلَةِ والتَّمْيِيزِ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الفِتْيَةَ لَيْسُوا مِثْلَ كُلِّ ثَلاثَةٍ اصْطَحَبُوا، ومِن ثَمَّ قَرَنَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ أخَسَّ الحَيَواناتِ بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِمْ مَعَ زُمْرَةِ المُتَبَتِّلِينَ إلَيْهِ المُعْتَكِفِينَ في جِوارِهِ سُبْحانَهُ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ، وإلى هَذا الإعْرابِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ واخْتارَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وهو الَّذِي أشارَ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ النُّكْتَةِ ونَظَمَ في سِلْكِها مَعَ الآيَةِ حَدِيثَ: ««ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ تَعالى ثالِثُهُما»».

فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ شَنَّعَ بَعْضُ أجِلَّةِ الأفاضِلِ عَلَيْهِ حَتّى أوْصَلَهُ إلى الكُفْرِ ونَسَبَهُ إلَيْهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ ظَلَمَهُ وخَفِيَ عَلَيْهِ مُرادُهُ فَلَمْ يَفْهَمْهُ، ولَمْ يُجَوِّزِ ابْنُ الحاجِبِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ النَّعْتِ كَما لَمْ يُجَوِّزْ هو ولا غَيْرُهُ كَأبِي البَقاءِ جَعْلَها حالًا وجَعَلَها خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

وتَقْدِيرُ تَمْيِيزِ العَدَدِ أشْخاصٌ أوْلى مِن تَقْدِيرِهِ رِجالٌ؛ لِأنَّهُ لا تَصِيرُ الثَّلاثَةُ الرِّجالِ أرْبَعَةً بِكَلْبِهِمْ لِاخْتِلافِ الجِنْسَيْنِ، وعَدَمُ اشْتِراطِ اتِّحادِ الجِنْسِ في مِثْلِ ذَلِكَ يَأْباهُ الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافُ ما ذَكَرَهُ النُّحاةُ.

والقَوْلُ بِأنَّ الكَلْبَ بِشَرَفِ صُحْبَتِهِمْ أُلْحِقَ بِالعُقَلاءِ تَخَيُّلٌ شِعْرِيٌّ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «ثَلاتٌ» بِإدْغامِ الثّاءِ في التّاءِ تَقُولُ: ابْعَثْ تِّلْكَ، وحَسُنَ ذَلِكَ لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وكَوْنِهِما مَهْمُوسَيْنِ.

﴿ ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ والمُضارِعُ وإنْ كانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ هُنا الثّانِي بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ فَلِذا اكْتُفِيَ عَنِ السِّينِ فِيهِ، وإذا عَطَفْتَهُ عَلى مَدْخُولِ السِّينِ دَخَلَ مَعَهُ في حُكْمِها واخْتُصَّ بِالِاسْتِقْبالِ بِواسِطَتِها لَكِنْ قِيلَ: إنَّ العَطْفَ عَلى ذَلِكَ تَكَلُّفٌ.

وقَرَأ شِبْلُ بْنُ عَبّادٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: «خَمَسَةٌ» بِفَتْحِ المِيمِ وهو كالسُّكُونِ لُغَةٌ فِيها، نَظِيرَ الفَتْحِ والسُّكُونِ في العَشَرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ وبِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ وعَنْهُ أيْضًا إدْغامُ التَّنْوِينِ في السِّينِ بِغَيْرِ غُنَّةٍ.

﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: رَمْيًا بِالخَبَرِ الغائِبِ الخَفِيِّ عَنْهُمُ الَّذِي لا مَطْلَعَ لَهم عَلَيْهِ وإتْيانًا بِهِ أوْ ظَنًّا بِذَلِكَ، وعَلى الأوَّلِ اسْتُعِيرَ الرَّجْمُ وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ الَّتِي لا تُصِيبُ غَرَضًا ومَرْمًى لِلْمُتَكَلِّمِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ ومُلاحَظَةٍ بَعْدَ تَشْبِيهِهِ بِهِ.

وفي الكَشْفِ أنَّهُ جَعَلَ الكَلامَ الغائِبَ عَنْهم عِلْمَهُ بِمَنزِلَةِ الرِّجامِ المَرْمِيِّ بِهِ لا يُقْصَدُ بِهِ مُخاطَبٌ مُعَيَّنٌ ولَوْ قُصِدَ لَأخْطَأ لِعَدَمِ بِنائِهِ عَلى اليَقِينِ كَما أنَّ الرِّجامَ قَلَّما يُصِيبُ المَرْجُومَ عَلى السَّدادِ بِخِلافِ السَّهْمِ ونَحْوِهِ ولِهَذا قالُوا: قَذْفًا بِالغَيْبِ ورَجْمًا بِهِ ولَمْ يَقُولُوا: رَمْيًا بِهِ، وأمّا الرَّمْيُ في السَّبِّ ونَحْوِهِ فالنَّظَرُ إلى تَأْثِيرِهِ في عَرْضِ المَرْمِيِّ تَأْثِيرُ السَّهْمِ في الرَّمِيَّةِ.

انْتَهى.

وعَلى الثّانِي شُبِّهَ ذِكْرُ أمْرٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ واطْمِئْنانِ قَلْبٍ بِقَذْفِ الحَجَرِ الَّذِي لا فائِدَةَ في قَذْفِهِ ولا يُصِيبُ مَرْماهُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَهُ وضْعُ الرَّجْمِ مَوْضِعَ الظَّنِّ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ.

وفي الكَشْفِ أيْضًا أنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِمْ: رَجْمًا بِالظَّنِّ فَهِمُوا مِنَ المَصْدَرِ مَعْناهُ دُونَ النَّظَرِ إلى المُتَعَلِّقِ فَقالُوا: رَجْمًا بِالغَيْبِ؛ أيْ: ظَنًّا بِهِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ حَيْثُ أرادَ المَظْنُونَ، وانْتِصابُ ﴿ رَجْمًا ﴾ هُنا عَلى الوَجْهَيْنِ؛ إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ أيْ راجِمِينَ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِنهُما فَإنَّ الرَّجْمَ والقَوْلَ واحِدٌ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ ضَمَّنَ القَوْلَ مَعْنى الرَّجْمِ أوْ مِن مَحْذُوفٍ مُسْتَأْنَفٍ أوْ واقِعٍ مَوْقِعَ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلَيْنِ مَعًا أيْ: يَرْجُمُونَ رَجْمًا، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَمْيِهِمْ بِالغَيْبِ أوْ لِظَنِّهِمْ بِذَلِكَ؛ أيِ الحامِلُ لَهم عَلى القَوْلِ هو الرَّجْمُ بِالغَيْبِ، وهو كَما تَرى.

﴿ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ المُرادُ الِاسْتِقْبالُ أيْضًا، والكَلامُ في عَطْفِهِ كالكَلامِ في عَطْفِ سابِقِهِ، والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ العَدَدِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ كالجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَمْ يَجْعَلِ الواوَ مانِعَةً عَنْ ذَلِكَ بَلْ ذَكَرَ أنَّها الواوُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ كَما تَدْخُلُ عَلى الواقِعَةِ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ في قَوْلِكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ، ومَرَّرَتْ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ وفائِدَتُها تَوْكِيدُ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ وهي الَّتِي أذِنَتْ هُنا بِأنَّ قائِلِي ما ذُكِرَ قالُوهُ عَنْ ثَباتِ عِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ ولَمْ يَرْجُمُوا بِالظَّنِّ كَما رَجَمَ غَيْرُهم فَهو الحَقُّ دُونَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أتْبَعَهُما قَوْلَهُ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ وأتْبَعَ هَذا قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ أيْ: أقْوى وأقْدَمُ في العِلْمِ بِها ﴿ ما يَعْلَمُهُمْ ﴾ أيْ: ما يَعْلَمُ عِدَّتَهم عَلى ما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ نَظَرًا إلى المَقامِ ﴿ إلا قَلِيلٌ ﴾ وعَلى إيذانِ الواوِ بِما ذُكِرَ يَدُلُّ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العِدَّةُ أيْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَها عِدَّةٌ عادَ يُلْتَفَتُ إلَيْها، وثَبَتَ أنَّهم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم عَلى القِطَعِ والبَتاتِ.

وقَدْ نَصَّ عَطاءٌ عَلى أنَّ هَذا القَلِيلَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن طُرُقٍ شَتّى، وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ إلّا قَلِيلٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَرْتَضِيهِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ، والمُثْبَتِ في هَذا الِاسْتِثْناءِ هو العالِمِيَّةُ وذَلِكَ لا يَضُرُّ في كَوْنِ الأعْلَمِيَّةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذا وإلى كَوْنِ الواوِ كَما ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَهَبَ ابْنُ المُنَيِّرِ وقالَ بَعْدَ نَقْلِهِ: وهو الصَّوابُ لا كالقَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَّمانِيَةِ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَسْتَقِرُّ لِمُثْبِتِهِ قَدَمٌ، ورَدَّ ما ذَكَرُوهُ مِن ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَوْضِعِهِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: الجُمْلَةُ إذا وقَعَتْ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ جازَ أنْ يَدْخَلَها الواوُ وهَذا هو الصَّحِيحُ في إدْخالِ الواوِ في ثامِنِهِمْ واعْتَرَضَ عَلى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ فَقالَ أبُو حَيّانَ: كَوْنُ الواوِ تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً دالَّةً عَلى لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ وعَلى ثُبُوتِ اتِّصالِهِ بِها شَيْءٌ لا يَعْرِفُهُ النَّحْوِيُّونَ بَلْ قَرَّرُوا أنَّهُ لا تُعْطَفُ الصِّفَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِجُمْلَةٍ عَلى صِفَةٍ أُخْرى إلّا إذا اخْتَلَفَتِ المَعانِي حَتّى يَكُونَ العَطْفُ دالًّا عَلى المُغايَرَةِ، وأمّا إذا لَمْ تَخْتَلِفْ فَلا يَجُوزُ العَطْفُ، هَذا في الأسْماءِ المُفْرَدَةِ، وأمّا الجُمَلُ الَّتِي تَقَعُ صِفَةً فَهي أبْعَدُ مِن أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِيها.

وقَدْ رَدُّوا عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ: وأمّا ما جاءَ بِالمَعْنى ولَيْسَ بِاسْمٍ ولا فِعْلٍ إلى أنَّ: «ولَيْسَ بِاسْمٍ إلَخْ» صِفَةٌ لِمَعْنًى، وأنَّ الواوَ دَخَلَتْ في الجُمْلَةِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ ولَيْسَ مِن كَلامِهِمْ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ويَأْكُلُ؛ عَلى تَقْدِيرِ الصِّفَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ فالجُمْلَةُ فِيهِ حالِيَّةٌ ويَكْفِي رَدًّا لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: أنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن عُلَماءِ النَّحْوِ ذَهَبَ إلَيْهِ اه.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: دُخُولُ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِاتِّحادِ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ ذاتًا وحُكْمًا وتَأْكِيدًا لِلُصُوقٍ يَقْتَضِي الِاثْنِينِيَّةَ مَعَ أنّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الواوَ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وشِدَّةُ اللُّصُوقِ غايَةُ ما في البابِ أنَّها تُفِيدُ الجَمْعَ والجَمْعُ يُنْبِئُ عَنِ الِاثْنِينِيَّةِ، واجْتِماعُ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ يُنْبِئُ عَنِ الِاتِّحادِ بِالنَّظَرِ إلى الذّاتِ.

وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ داخِلَةٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ سَهْوٌ مِنهُ، وإنَّما هي واوُ الحالِ، وذُو الحالِ ( قَرْيَةً ) وهي مَوْصُوفَةٌ أيْ: وما أهْلَكْنا قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا ولَها...

إلَخْ، وأمّا جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ جُمْلَتَيْنِ مُتَعاطِفَتَيْنِ وثانِيهِما أنْ يَكُونَ آخَرُ مَعْطُوفًا عَلى رَجُلٍ؛ أيْ: جاءَنِي رَجُلٌ ورَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ، وعُدِلَ عَنْ جاءَنِي رَجُلانِ لِيُفْهَمَ أنَّهُما جاءا مُصاحِبَيْنِ، وأمّا الواوُ في مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، فَإنَّما جازَ دُخُولُها بَيْنَ الحالِ وذِيها لِكَوْنِ الحالِ في حُكْمِ جُمْلَةٍ بِخِلافِ الصِّفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَوْصُوفِ، فَإنَّ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا في حُكْمِ: جاءَ وهو راكِبٌ، بِخِلافِ: جاءَ زَيْدٌ الرّاكِبُ.

فافْهَمْهُ.

سَلَّمْنا أنَّها داخِلَةٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ لَكِنَّ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وأيْنَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟

وكَوْنُ الواوِ هي الَّتِي آذَنَتْ بِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ عَنْ ثَباتِ عِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ في غايَةِ البُعْدِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاتِّباعَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إنْ أُرِيدَ مِنهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى إيذانِ الواوِ بِما ذُكِرَ فَبُطْلانُهُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ مِنهُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ قائِلِي القَوْلِ الأخِيرِ وعَدَمِ صِدْقِ قائِلِي القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَمُسَلَّمٌ أنَّ اتِّباعَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِ «رَجْمًا بِالغَيْبِ» يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الصِّدْقِ دَلالَةً لا شُبْهَةَ فِيها، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ عَدَمَ اتِّباعِ القَوْلِ الأخِيرِ بِهِ واتِّباعَهُ بِما اتُّبِعَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وإنْ سَلَّمْنا فَهو يَدُلُّ دَلالَةً ضَعِيفَةً، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا دَلالَةَ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما ذُكِرَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عُلِمَ أنَّ القَوْلَ الأخِيرَ صادِقٌ مِنَ الصّادِقِ المَصْدُوقِ  ، وأنَّ مُرادَهُ مِن قَوْلِهِ: حِينَ وقَعَتِ الواوُ انْقَطَعَتِ العِدَّةُ أنَّ الَّذِي هو صِدْقٌ ما وقَعَتِ الواوُ فِيهِ وانْقَطَعَتِ العِدَّةُ بِهِ، فالحَقُّ أنَّ الواوَ واوُ عَطْفٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ.

وانْتَصَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ لِلزَّمَخْشَرِيِّ وأجابَ عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ في الجَوابِ مِن تَبْيِينِ المَقْصُودِ تَحْرِيرًا لِلْبَحْثِ؛ فالواوُ هُنا لَيْسَتْ عَلى الحَقِيقَةِ ولا يُعْتَبَرُ في المَجازِ النَّقْلُ الخُصُوصِيُّ بَلِ المُعْتَبَرُ فِيهِ اعْتِبارُ نَوْعِ العَلاقَةِ، وذَكَرُوا أنَّ المَجازَ في عُرْفِ البَلاغَةِ أوْلى مِنَ الحَقِيقَةِ وأبْلَغُ وأنَّ مَدارَ عِلْمِ البَيانِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ الَّذِي هو أنْفَعُ مِن ذَوْقِ التَّعْلِيمِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى التَّوْقِيفِ ولَيْسَ ذَلِكَ كَعِلْمِ النَّحْوِ، والمَجازُ لا يَخْتَصُّ بِالِاسْمِ والفِعْلِ بَلْ قَدْ يَقَعُ في الحُرُوفِ.

وقَدْ نَقَلَ شارِحُ اللُّبابِ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاةَ ودِرْهَمًا؛ بِمَعْنى الباءِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ والباءَ لِلْإلْصاقِ، وهُما مِن وادٍ واحِدٍ، فَسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ الِاسْتِعارَةِ وكَمْ وكَمْ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ فَلْيُعْلَمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: فائِدَتُها تَوْكِيدُ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ أنَّ لِلصِّفَةِ نَوْعَ اتِّصالٍ بِالمَوْصُوفِ، فَإذا أُرِيدَ تَوْكِيدُ اللُّصُوقِ وسَّطَ بَيْنِهِما الواوَ لِيُؤْذَنَ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ غَيْرُ مُنْفَكَّةٍ عَنِ المَوْصُوفِ وإلَيْهِ الإشارَةُ فِيما بَعْدُ مِن كَلامِهِ، وأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ صِفَةٌ لا فَرْقَ إلّا بِالِاعْتِبارِ، ألا تَرى أنَّ صِفَةَ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها وهي بِعَيْنِها تَصِيرُ حالًا ولَوْ لَمْ يَكُونا مُتَّحِدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ وقَوْلَكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ومَعَهُ آخَرُ لَمّا كانا سَواءً في الصُّورَةِ اللَّهُمَّ إلّا في اعْتِبارِ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ كانَ حُكْمُهُما سَواءً في الواوِ وهو مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن إيرادِ المِثالَيْنِ لا كَما فَهِمَ بَعْضُهُمْ، وأمّا قَوْلُ الفَراهِيدِيِّ في تَعْلِيلِ امْتِناعِ دُخُولِ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لِاتِّحادِهِما ذاتًا وحُكْمًا وهو مُنافٍ لِما يَقْتَضِيهِ دُخُولُ الواوِ مِنَ المُغايَرَةِ فَمَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ لِأنَّها هي الَّتِي تَقْتَضِي المُغايَرَةَ كَما قالَ السَّكّاكِيُّ وقَدْ بَيَّنَ وجْهَ مَجازِهِ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ.

وأمّا قَوْلُهُ فِي: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ إنَّهُ جُمْلَتانِ فَهو كَما تَراهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ: «جاءَ زَيْدٌ راكِبًا» في حُكْمِ: «جاءَ زَيْدٌ وهو راكِبٌ» فَمِنَ المَعْكُوسِ فَإنَّ الأصْلَ في الحالِ الإفْرادُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ الحاجِبِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْيانِ، وأمّا تَسْلِيمُهُ الدُّخُولَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ ومِنهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الِاتِّصافَ أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ فَمِنَ العَجائِبِ فَكَيْفَ يُسَلَّمُ التَّأْكِيدُ ولا يُسَلَّمُ فائِدَتُهُ، ويَدْفَعُ الِاعْتِراضاتِ الباقِيَةَ أنَّ ما اسْتَنَدَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ مِن بابِ الأدِلَّةِ اليَقِينِيَّةِ بَلْ هي مِن بابِ الأماراتِ وتَكْفِي في هَذِهِ المَقاماتِ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿ رابِعُهم كَلْبُهُمْ ﴾ و ﴿ سادِسُهم كَلْبُهُمْ ﴾ صِفَةً لِما قَبْلُ ولا حالًا لِعَدَمِ العامِلِ مَعَ عَدَمِ الواوِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، والأخْبارُ إذا تَعَدَّدَتْ جازَ في الثّانِي مِنها الِاقْتِرانُ بِالواوِ وعَدَمُهُ، وهَذا إنْ سُلِّمَ أنَّ المَعْنى في الجُمَلِ واحِدٌ، أمّا إذا قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لا حِكايَةً عَنْهم فَيُفْهَمُ أنَّ القائِلِينَ سَبْعَةٌ أصابُوا ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويُقَوِّيهِ ذِكْرٌ ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ قَبْلَ الثّالِثَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّها مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها في الرَّجْمِ بِالغَيْبِ فَتَكُونُ صِدْقًا البَتَّةَ إلّا أنَّ هَذا الوَجْهَ يَضْعُفُ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ ﴾ فَلَوْ جُعِلَ: ﴿ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ تَصْدِيقًا مِنهُ تَعالى لِمَن قالَ سَبْعَةٌ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العالِمُ بِذَلِكَ كَثِيرًا، فَإنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ مِنهم أحَدٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ كُلُّها مُتَساوِيَةً في المَعْنى، وقَدْ تَعَذَّرَ أنْ تَكُونَ الأخِيرَةُ وصْفًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ كَذَلِكَ انْتَهى.

ويُفْهَمُ أنَّ الواوَ هي المانِعَةُ مِنَ الوَصْفِيَّةِ والدّاءُ هو الدّاءُ فالدَّواءُ هو الدَّواءُ.

وقَوْلُهُ: وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ إلَخْ؛ كَلامٌ بِمَراحِلَ عَنْ مُقْتَضى البَلاغَةِ لِأنَّ في كُلِّ اخْتِلافٍ فَوائِدَ، والبَلِيغُ مَن يَنْظُرُ إلى تِلْكَ الفَوائِدِ لا مَن يَرُدُّهُ إلى التَّطْوِيلِ والحَشْوِ في الكَلامِ، وأيْضًا لا بُدَّ مِن قَوْلٍ صادِقٍ مِنَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ لِيَنْطَبِقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ لِأنَّهُ قَدِ انْدَفَعَ بِهِ القَوْلانِ الأوَّلانِ فَيَكُونُ الصّادِقُ هَذا.

وتَعْقِيبُهُ بِهِ أمارَةٌ عَلى صِدْقِهِ وذَلِكَ مَفْقُودٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السّائِلُ، ومَعَ هَذا أيْنَ طَلاوَةُ الكَلامِ وأيْنَ اللُّطْفُ الَّذِي تَسْتَلِذُّهُ الأفْهامُ.

وما ذَكَرَهُ مِن لُزُومِ كَوْنِ العالِمِ بِذَلِكَ كَثِيرًا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ: ﴿ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ اسْتِئْنافًا مِنهُ تَعالى لِأنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى صِدْقٌ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ؛ لِأنَّ المُصَدِّقَ حِينَئِذٍ هُمُ المُسْلِمُونَ وهم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ، ولا اخْتِصاصَ لِلْقَلِيلِ بِما دُونَ العَشَرَةِ، وإنْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ قَلِيلٍ في القُرْآنِ فَهو دُونَ العَشَرَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في حَيِّزِ المَنعِ ودُونَ إثْباتِهِ التَّعَبُ الكَثِيرُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ قِلَّةُ العالِمِينَ بِذَلِكَ قَبْلَ تَصْدِيقِهِ تَعالى، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا قَلِيلِينَ في حَدِّ أنْفُسِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ مِنهُما، نَعَمْ القَوْلُ بِالِاسْتِئْنافِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

هَذا ووافَقَ في الِانْتِصارِ جَماعَةٌ مِنهم سَيِّدُ المُحَقِّقِينَ وسَنَدُ المُدَقِّقِينَ فَقالَ: الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ صِفَةٌ لِسَبْعَةٍ كَما يَشْهَدُ بِهِ أخَواهُ، وأيْضًا لَيْسَ سَبْعَةٌ في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ كَما قِيلَ في قَرْيَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ﴾ حَتّى يَصِحَّ الحَمْلُ عَلى الحالِ اتِّفاقًا، ولا شَكَّ أنَّ مَعْنى الجَمْعِ يُناسِبُ مَعْنى اللُّصُوقِ، وبابُ المَجازِ مَفْتُوحٌ فَلْتُحْمَلْ هَذِهِ الواوُ عَلَيْهِ تَأْكِيدًا لِلُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ فَتَكُونُ هَذِهِ أيْضًا فَرْعًا لِلْعاطِفَةِ كالَّتِي بِمَعْنى مَعَ والحالِيَّةِ والِاعْتِراضِيَّةِ.

وأُيِّدَ ذَلِكَ أيْضًا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأُورِدَ عَلى تَعْلِيلِ مَنعِهِ لِلْحالِيَّةِ بِعَدَمِ كَوْنِ النَّكِرَةِ في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ أنَّهُ لا يَنْحَصِرُ مُسَوِّغُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ في كَوْنِها مَوْصُوفَةً أوْ في حُكْمِ المَوْصُوفَةِ كَما في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها فَقَدْ ذَكَرَ في المُغْنِي أنَّ مِنَ المُسَوِّغاتِ اقْتِرانَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ بِالواوِ فَلْيُحْفَظْ.

وقَدْ وافَقَ ابْنُ مالِكٍ الرّادِّينَ لَهُ فَقالَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ مِن تَوَسُّطِ الواوِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ فاسِدٌ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قاسَ في ذَلِكَ الصِّفَةَ عَلى الحالِ وبَيْنَهُما فُرُوقٌ كَثِيرَةٌ؛ لِجَوازِ تَقَدُّمِ الحالِ عَلى صاحِبِها وجَوازِ تَخالُفِهِما في الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ، وجَوازِ إغْناءِ الواوِ عَنِ الضَّمِيرِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ وامْتِناعِ ذَلِكَ في الواقِعَةِ نَعْتًا فَكَما ثَبَتَ مُخالَفَةُ الحالِ الصِّفَةَ في هَذِهِ الأشْياءِ ثَبَتَتْ مُخالَفَتُها إيّاها بِمُقارَنَةِ الواوِ الجُمْلَةَ الحالِيَّةَ وامْتِناعِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ النَّعْتِيَّةِ، الثّانِي: أنَّ مَذْهَبَهُ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يُعْرَفُ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، الثّالِثُ: أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما لا يُناسِبُ؛ وذَلِكَ أنَّ الواوَ تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَغايُرِهِما وهو ضِدٌّ لِما يُرادُ مِنَ التَّوْكِيدِ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لِعاطِفٍ مُؤَكِّدٍ، الرّابِعُ: أنَّ الواوَ فَصَلَتِ الأوَّلَ مِنَ الثّانِي ولَوْلاها لَتَلاصَقا فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها أكَّدَتْ لُصُوقَها، الخامِسُ: أنَّ الواوَ لَوْ صَلَحَتْ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ لَكانَ أوْلى المَواضِعِ بِها مَوْضِعًا لا يَصْلُحُ لِلْحالِ بِخِلافِ جُمْلَةٍ تَصْلُحُ في مَوْضِعِها الحالُ اه، ويُعْلَمُ ما فِيهِ بِالتَّأمُّلِ الصّادِقِ فِيما تَقَدَّمَ.

والعَجَبُ مِمّا ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ فَهو تَوَهُّمٌ يُسْتَغْرَبُ مِنَ الأطْفالِ فَضْلًا عَنْ فُحُولِ الرِّجالِ؛ فَتَأمَّلْ ذاكَ.

واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ضَمائِرَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِلْخائِضِينَ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ في عَهْدِ النَّبِيِّ  مِن أهْلِ الكِتابِ والمُسْلِمِينَ لا عَلى وجْهِ إسْنادِ كُلٍّ مِنَ الأفْعالِ إلى كُلِّهِمْ بَلْ إلى بَعْضِهِمْ، فالقَوْلُ الأوَّلُ لِلْيَهُودِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: لِسَيِّدٍ مِن ساداتِ نَصارى العَرَبِ النَّجْرانِيِّينَ وكانَ يَعْقُوبِيًّا، وكانَ قَدْ وفَدَ مَعَ جَماعَةٍ مِنهم إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَجَرى ذِكْرُ أصْحابِ الكَهْفِ فَذَكَرَ مِن عِدَّتِهِمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِمُوافَقَةِ مَن مَعَهُ إيّاهُ في ذَلِكَ، والقَوْلُ الثّانِي عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أيْضًا النَّصارى ولَمْ يُقَيِّدْهُمْ، وقِيلَ: العاقِبُ ومَن مَعَهُ مِن نَصارى نَجْرانَ وكانُوا وافِدِينَ أيْضًا وكانَ نَسْطُورِيًّا، والقَوْلُ الثّالِثُ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ، وكَأنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَمّا حَكى الأقْوالَ قَبْلَ أنْ تُقالَ عَلى ذَلِكَ لَقَّنَهُمُ الحَقُّ وأرْشَدَهم إلَيْهِ بِعَدَمِ نَظْمِ ذَلِكَ القَوْلِ في سِلْكِ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ كَما فَعَلَ بِأخَوَيْهِ وتَغْيِيرِ سَبْكِهِ بِإقْحامِ الواوِ وتَعْقِيبِهِ بِما عَقَّبَهُ بِهِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن كَوْنِ ذَلِكَ أمارَةً عَلى الحَقِّيَّةِ، والمُرادُ بِالقَلِيلِ عَلى هَذا مَن وقَفَهُ اللَّهُ تَعالى لِلِاسْتِرْشادِ بِهَذِهِ الأماراتِ كابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ مَرَّ غَيْرَ بَعِيدٍ أنَّهُ عُدَّ مِن ذَلِكَ وذَكَرَ ما ظاهِرُهُ الِاسْتِشْهادُ بِالواوِ.

وقِيلَ: إنَّهم عَلِمُوا تِلْكَ العِدَّةَ مِن وحْيٍ غَيْرِ ما ذُكِرَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أخْبَرَهم  بِذَلِكَ عَنْ إعْلامِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِهِ.

وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما خَفِيَ عَلى الحَبْرِ ولَما احْتاجَ إلى الِاسْتِشْهادِ، ولَكانَ المُسْلِمُونَ أُسْوَةً لَهُ في العِلْمِ بِذَلِكَ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن وُقُوفِ الحَبْرِ عَلى الخَبَرِ مَعَ جَماعَةٍ قَلِيلَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولا يَلْزَمُ مِن إخْبارِهِ  بِشَيْءٍ وُقُوفُ جَمِيعِ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِن خَبَرٍ تَضَمَّنَ حُكْمًا شَرْعِيًّا تَفَرَّدَ بِرِوايَتِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واحِدٌ مِنهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَما ظَنُّكَ بِما هو مِن بابِ القَصَصِ الَّتِي لَمْ تَتَضَمَّنْ ذَلِكَ، واسْتِشْهادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصًّا لا يُنافِي الوُقُوفَ بَلْ قَدْ يُجامِعُهُ بِناءً عَلى ما وقَفْتَ عَلَيْهِ آنِفًا؛ فَهو لَيْسَ نَصًّا في عَدَمِ الوُقُوفِ.

وقَدْ أُورِدَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ مَنشَأ العِلْمِ التَّلَقُّنُ مِن هَذا الوَحْيِ لِما تَضَمَّنَ مِنَ الإماراتِ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الصَّحابَةِ السّامِعِينَ لِلْآيَةِ أُسْوَةً لِابْنِ عَبّاسٍ في العِلْمِ نَحْوَ ما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ بَلْ لِأنَّهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ أُرْضِعُوا ثَدْيَ البَلاغَةِ في مَهْدِ الفَصاحَةِ وأشْرَقَتْ عَلى آفاقِ قُلُوبِهِمْ وصَفَحاتِ أذْهانِهِمْ مِن مَطالِعِ إيمانِهِمُ الِاسْتِوائِيَّةِ أنْوارُ النُّبُوَّةِ المُفاضَةُ مَن شَمْسِ الحَضْرَةِ الأحَدِيَّةِ، وقَلَّما تَنْزِلُ آيَةٌ ولا تُلْقِي عَصاها في رِباعِ أسْماعِهِمْ لِوُفُورِ رَغْبَتِهِمْ في الِاسْتِماعِ ومَزِيدِ حِرْصِهِ  عَلى إسْماعِهِمْ، ومَتى فَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وأضْرابُهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما فَهِمُوا فَلِمَ لَمْ يَفْهَمْ أصْحابُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ وهم هُمْ، أيَخْطُرُ بِبالِ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ أنَّ الأعْجامَ شَعَرُوا وأكْثَرُ أُولَئِكَ العَرَبِ لَمْ يَشْعُرُوا؟

أمْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَجَلِّي أسْرارِ بَلاغَةِ القُرْآنِ لِمَن لا يَعْرِفُ إعْجازَهُ إلّا بَعْدَ المَشَقَّةِ وتُحْجَبُ عَمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ السَّلِيقَةِ؟

ولا يَكادُ يُدْفَعُ هَذا الإيرادُ إلّا بِالتِزامِ أنَّ السّامِعِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ قَلِيلُونَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ في مَكَّةَ وفي المُسْلِمِينَ هُناكَ قِلَّةٌ مَعَ عَدَمِ تَيَسُّرِ الِاجْتِماعِ لَهم بِرَسُولِ اللَّهِ  ، وكَذا اجْتِماعُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ نَحْوَ تَيَسُّرِ ذَلِكَ في المَدِينَةِ أوْ بِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ المُلْتَفِتِينَ إلى ما فِيها مِنَ الشَّواهِدِ كانُوا قَلِيلِينَ وهَذا كَما تَرى.

وقِيلَ: إنَّ الضَّمائِرَ لِنَصارى نَجْرانَ تَناظَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في عَدَدِ أصْحابِ الكَهْفِ فَقالَتِ المَلَكانِيَّةُ الجُمْلَةَ الأُولى، واليَعْقُوبِيَّةُ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، والنَّسْطُورِيَّةُ الجُمْلَةَ الثّالِثَةَ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو أوْلى مِنَ القَوْلِ السّابِقِ المَحْكِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ.

وقالَ الماوَرْدِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ: إنَّ الضَّمائِرَ لِلْمُتَنازِعِينَ في حَدِيثِهِمْ قَبْلَ ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ  بِما كانَ مِنَ اخْتِلافِ قَوْمِهِمْ في عَدَدِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ هَذا القَوْلُ مِن حِكايَةِ تِلْكَ الأقْوالِ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ تَعْقِيبِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ رِوايَةُ أنَّ القَوْمَ حِينَ أتَوْا بابَ الكَهْفِ مَعَ المَبْعُوثِ لِاشْتِراءِ الطَّعامِ قالَ: دَعُونِي أدْخُلْ إلى أصْحابِي قَبْلَكم فَدَخَلَ وعُمِّيَ عَلى القَوْمِ أثَرُهُمْ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم كُلَّما أرادَ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ مِنهم رُعِبُوا فَتُرِكُوا وبُنِيَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، فَلَوْ قِيلَ عَلى هَذا: إنَّ الضَّمائِرَ لِلْمُعْثِرِينَ اخْتَلَفُوا في عَدَدِهِمْ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِن رُؤْيَتِهِمْ والِاجْتِماعِ مَعَهم فَقالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم ما قالَتْ، ولَعَلَّ الطّائِفَةَ الأخِيرَةَ اسْتَخْبَرَتِ الفَتى فَأخْبَرَها بِتِلْكَ العِدَّةِ فَصَدَّقَتْهُ وأخَذَتْ كَلامَهُ بِالقَبُولِ وتَأيَّدَ بِما عِنْدَهم مِن أخْبارِ أسْلافِهِمْ، فَقالَتْ ذَلِكَ عَنْ يَقِينٍ ورَجَمَتِ الطّائِفَتانِ المُتَقَدِّمَتانِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ما يُفِيدُ العِلْمَ عِنْدَهُما ولَعَلَّهُما كانَتا كافِرَتَيْنِ لَمْ يَبْعُدْ بَعْدُ ما نُقِلَ عَنِ الماوَرْدِيِّ فَتَدَبَّرْ.

ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ فِي: ( يَقُولُونَ سَبْعَةٌ ) لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ.

وأسْماؤُهم عَلى ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَكْسِلْمِينا ويَمْلِيخا ومَرْطُولُسُ وثِبْيُونُسُ ودِرْدُونُسُ وكَفاشِيطِيطُوسُ ومِنطُنْواسِيسُ وهو الرّاعِي والكَلْبُ اسْمُهُ قِطْمِيرٌ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ أسْماءَهم يَمْلِيخا ومِكِشِيلِينْيا ومِثِلِينْيا وهَؤُلاءِ أصْحابُ يَمِينِ المَلِكِ ومَرْنُوشُ ودِبَرْنُوشُ وشاذْنُوشُ وهَؤُلاءِ أصْحابُ يَسارِهِ، وكانَ يَسْتَشِيرُ السِّتَّةَ، والسّابِعُ الرّاعِي، ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الرِّوايَةِ اسْمُهُ، وذُكِرَ فِيها أنَّ اسْمَ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرٌ.

وفِي صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَقالٌ، وذَكَرَ العَلّامَةُ السُّيُوطِيُّ في حَواشِي البَيْضاوِيِّ أنَّ الطَّبَرانِيَّ رَوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مُعْجَمِهِ الأوْسَطِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ.

والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ رِوايَةُ الطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ ما قَدَّمْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَدْ سُمُّوا في بَعْضِ الرِّواياتِ بِغَيْرِ هَذِهِ الأسْماءِ، وذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ البُخارِيِّ أنَّ في النُّطْقِ بِأسْمائِهِمُ اخْتِلافًا كَثِيرًا ولا يَقَعُ الوُثُوقُ مِن ضَبْطِها.

وفي البَحْرِ: أنَّ أسْماءَ أصْحابِ الكَهْفِ أعْجَمِيَّةٌ لا تَنْضَبِطُ بِشَكْلٍ ولا نَقْطٍ، والسَّنَدُ في مَعْرِفَتِها ضَعِيفٌ، وذَكَرُوا لَها خَواصَّ فَقالَ النَّيْسابُورِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أسْماءَ أصْحابِ الكَهْفِ تَصْلُحُ لِلطَّلَبِ والهَرَبِ وإطْفاءِ الحَرِيقِ تُكْتَبُ في خِرْقَةٍ ويُرْمى بِها في وسَطِ النّارِ ولِبُكاءِ الطِّفْلِ تُكْتَبُ وتُوضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ في المَهْدِ ولِلْحَرْثِ تُكْتَبُ عَلى القِرْطاسِ ويُرْفَعُ عَلى خَشَبٍ مَنصُوبٍ في وسَطِ الزَّرْعِ ولِلضِّرْبانِ ولِلْحُمّى المُثَلَّثَةِ والصُّداعِ والغِنى والجاهِ والدُّخُولِ عَلى السَّلاطِينِ تُشَدُّ عَلى الفَخِذِ اليُمْنى ولِعُسْرِ الوِلادَةِ تُشَدُّ عَلى الفَخِذِ الأيْسَرِ، ولِحِفْظِ المالِ والرُّكُوبِ في البَحْرِ والنَّجاةِ مِنَ القَتْلِ.

انْتَهى، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ، ولَعَلَّهُ شَيْءٌ افْتَراهُ المُتَزَيُّونَ بِزِيِّ المَشايِخِ لِأخْذِ الدَّراهِمِ مِنَ النِّساءِ وسَخَفَةِ العُقُولِ، وأنا أعُدُّ هَذا مِن خَواصِّ أسْمائِهِمْ فَإنَّهُ صَحِيحٌ مُجَرَّبٌ.

وقُرِئَ «وثامِنُهم كالِبُهُمْ» أيْ: صاحِبُ كَلْبِهِمْ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّهم ثَمانِيَةُ رِجالٍ، وأوَّلَ القِراءَةَ المُواتَرَةَ بِأنَّها عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: وصاحِبُ كَلْبِهِمْ وهو كَما تَرى.

﴿ فَلا تُمارِ ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ النَّهْيِ عَلى ما قَبْلَهُ، والمُماراةُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ المُحاجَّةُ فِيما فِيهِ مِرْيَةٌ؛ أيْ: تَرَدُّدٌ، وأصْلُ ذَلِكَ مِن مَرَيْتُ النّاقَةَ إذا مَسَحْتَ ضَرْعَها لِلْحَلْبِ، وفَسَّرَها غَيْرُ واحِدٍ بِالمُجادَلَةِ وهي المُحاجَّةُ مُطْلَقًا؛ أيْ: إذا قَدْ وقَفْتَ عَلى أنَّ في الخائِضِينَ مُخْطِئًا ومُصِيبًا فَلا تُجادِلْهم ﴿ فِيهِمْ ﴾ أيْ: في شَأْنِ الفِتْيَةِ ﴿ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ غَيْرَ مُتَعَمِّقٍ فِيهِ وذَلِكَ بِالِاقْتِصارِ عَلى ما تَعَرَّضَ لَهُ الوَحْيُ المُبِينُ مِن غَيْرِ تَجْهِيلٍ لِجَمِيعِهِمْ؛ فَإنَّ فِيهِمْ مُصِيبًا وإنْ قَلَّ ولا تَفْضِيحَ وتَعْنِيفَ لِلْجاهِلِ مِنهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي بُعِثْتَ لِإتْمامِها.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ الظّاهِرُ القَوْلُ لَهم لَيْسَ كَما تَعْلَمُونَ.

وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ المِراءَ الظّاهِرَ ما كانَ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو جِدالُ العالِمِ المُتَيَقِّنِ بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: هو ما يَشْهَدُهُ النّاسُ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: المُرادُ مِنَ الظّاهِرِ الذّاهِبُ بِحُجَّةِ الخَصْمِ يُقالُ: ظَهَرَ إذا ذَهَبَ، وأنْشَدَ: وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها أيْ: ذاهِبٌ.

﴿ ولا تَسْتَفْتِ ﴾ ولا تَطْلُبِ الفُتْيا ﴿ فِيهِمْ ﴾ في شَأْنِهِمْ ﴿ مِنهُمْ ﴾ مِنَ الخائِضِينَ ﴿ أحَدًا ﴾ فَإنَّ فِيما أفْتَيْناكَ غِنًى عَنِ الِاسْتِفْتاءِ فَيُحْمَلُ عَلى التَفَتِّي المُنافِي لِمَكارِمِ الأخْلاقِ؛ إذِ الحالُ لا تَقْتَضِي تَطَيُّبَ الخَواطِرِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تَرْجِعْ إلَيْهِمْ في شَأْنِ الفِتْيَةِ ولا تُصَدِّقِ القَوْلَ الثّالِثَ مِن حَيْثُ صُدُورُهُ مِنهم بَلْ مِن حَيْثُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ، وقِيلَ: المَعْنى: إذْ قَدْ عَرَفْتَ جَهْلَ أصْحابِ القَوْلَيْنِ فَلا تُجادِلْهم في شَأْنِهِمْ إلّا جِدالًا ظاهِرًا قَدْرَ ما تَعَرَّضَ لَهُ الوَحْيُ مِن وصْفِهِمْ بِالرَّجْمِ بِالغَيْبِ ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِن أُولَئِكَ الطّائِفَتَيْنِ أحَدًا لِاسْتِغْنائِكَ بِما أُوتِيتَ مَعَ أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ قال بعضهم: اختلفوا في أمرهم ويقال: هذا الاختلاف في زمن النبيّ  .

فاختلفوا وذلك أن أهل نجران: السيد والعاقب ومن معهما، قدموا على رسول الله  ، فكان السيد صارماً يعقوبياً، والعاقب نسطورياً، وصنف منهم ملكانيا فسألهم النبيّ  عن عدة أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ، أي العاقب وأصحابه: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، أي ظنا بالغيب.

وَيَقُولُونَ، أي صنف منهم: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.

قال الله تعالى للنبي  : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وهذا إخبار من الله تعالى أن عدتهم سبعة.

قال ابن عباس وفي رواية أُخرى أنه قال: «أظن القوم كانوا ثلاثة.

قال واحد منهم: كم لبثتم؟

فقال الثاني: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يوم.

فقال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: «إنهم سبعة وذكر أسماءهم فقال: مكسلمينا وهو أكبرهم، وتمليخاً، ومطرونس، وسارينوس، ونوانس، وكفاشطهواس، وبطنبورسوس» .

وذكر في رواية وهب أسماؤهم بخلاف هذا إلا تمليخا، فقد اتفقوا على اسمه.

وقال ابن عباس: «كان اسم الكلب قطمير» وقال سعيد بن جبير: كان اسمه فرفدين ويقال: كان لونه خليج، ويقال: كان لونه غلبة بالفارسية ومعناه بالعربية أبلق، وقال بعض المحدثين: إن كلب أهل الكهف يكون معهم في الجنة، وقال بعضهم: يصير تراباً مثل سائر الحيوانات.

وإنما الجنة للمؤمنين خاصة.

ثم قال عز وجل: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً قال قتادة: فَلا تُمارِ يقول: حسبك ما أعلمناك من خبرهم.

وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً، أي لا تَسألْ عن أصحاب الكهف من النصارى أحداً.

وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أردت أن أفعله إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء الله.

وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، يعني: إذا نسيت الاستثناء، فاذكرها بعد ما ذكرت واستثن، وهذا في غير اليمين.

وأما في اليمين، فاتفق الفقهاء من أهل الفتوى أن الاستثناء لا يكون موصولاً إلا رواية عن ابن عباس، روى عنه مجاهد قال: «يستثني الرجل في يمينه متى ذكر» .

ثم قرأ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وهذه الرواية غير مأخوذة.

وروى أبو هريرة، عن رسول الله  أنه قال: «كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ مِائةُ امْرأَة، فَقَالَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَأْتِي بِغُلاَمٍ يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ الله، وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشَيْءٍ، إِلاَّ امْرأَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِشِقِّ غُلامٍ.

فَقَالَ النَّبِيُّ  : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَوُلِدَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَركاً له فِيْ حَاجَتِهِ» .

ثم قال تعالى: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي، أي: يرشدني لِأَقْرَبَ، أي: لأسرع مِنْ هذا الميعاد الذي وعدت لكم، رَشَداً أي صواباً، وهذا قول مقاتل.

وقال الزجاج: معناه عسى ربي أن يعطيني من الآيات والدلائل على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل على قصة أصحاب الكهف.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَنْ يَهْدِيَنِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بحذف الياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَزْكى معناه: أكثر فيما ذكر عكرمة «١» ، وقال ابن جُبَيْر: المراد أحَلّ «٢» ، وقولهم: يَرْجُمُوكُمْ قال الزجاج: بالحجارة، وهو الأصح وقال حَجَّاج: «يرجموكم» معناه: بالقول وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ: الإِشارة في قوله: وَكَذلِكَ إلى بعثهم ليتساءلوا، أي: كما بعثناهم، أعثرنا عليهم، والضمير في قوله: لِيَعْلَمُوا يحتمل أن يعود على الأمَّة المسلمة الذين بُعِثَ أهّل الكهف على عهدهم، وإلى هذا ذهب الطبريُّ «٣» وذلك أنهم فيما روي دخلتهم حينئذٍ فتنةٌ في أمْرِ الحَشْر وبَعْثِ الأجساد من القبور، فشَكَّ في ذلك بعضُ الناس، واستبعدوه، وقالوا: إِنما تُحْشَر الأرواح، فشَقَّ ذلك على مَلِكهم، وبقي حَيرَان لا يَدْرِي كيف يبيِّن أمره لهم، حتى لَبَس المُسُوح، وقعد على الرَّمَادَّ وتضرَّع إلى اللَّه في حُجَّة وبيانٍ، فأعثرهم اللَّه على أَهْل الكهف، فلما/ بعثهم اللَّه، وتبيَّن الناس أمرهم سُرَّ الملِكُ، ورَجَعَ مَنْ كان شَكَّ في بعث الأجساد إلى اليقين به، وإلى هذا وقعت الإِشارة بقوله: إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ على هذا التأويل، ويحتمل أن يعود الضميرُ في لِيَعْلَمُوا على أصحاب الكهف، وقوله: إِذْ يَتَنازَعُونَ على هذا التأويل: ابتداءُ خبرٍ عن القوم الذين بُعِثُوا على عهدهم، والتنازع على هذا التأويل إِنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة، وقد قيل: والتنازع إِنما هو في أنْ اطلعوا عَليْهم، فقال بعضهم: هم أمواتٌ، وبعضٌ: هم أحياء، وروي أنَّ بعض القومِ ذهبوا إلى طمس الكَهْف عليهم، وترْكِهِم فيه مغيِّبين، فقالت الطائفة الغالبة على الأمر: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً، فاتخذوه، قال قتادة: الَّذِينَ غَلَبُوا هم الولاة «٤» .

وقوله سبحانه: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ...

الآية: الضميرُ في سَيَقُولُونَ يراد به أهْل التوراةِ من معاصري نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنهم اختلفوا في عدد أهْل الكهف.

وقوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ: معناه ظَنًّا وهو مستعارٌ من الرجْمِ، كأن الإِنسان يرمي الموضع المُشْكِلَ المجهول عنده بظنه المرةَ بعد المَرَّة يرجُمُه به، عَسَى أن يصيبه، والواو في قوله: وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ: طريق النحاة فيها أنها واو عَطْفٍ دخلَتْ في آخر الكلام إخباراً عن عددهم، لتفصِّل أمرهم، وتدلَّ على أن هذا نهايةُ ما قيل، ولو سقطَتْ، لصح الكلام، وتقول فرقةٌ منهم ابنُ خالَوَيْهِ: هي «١» واو الثمَانِيَةِ، وذكر ذلك الثعلبيُّ عن أبي بكر بن عَيِّاشٍ وأن قريشاً كانت تقول في عددها: ستة، سبعة وثمانية تسعةٌ، فتدخل الواو في الثمانية «٢» .

قال ع «٣» : وهي في القرآن في قوله: وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: ١١٢] وفي قوله: وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: ٧٣] وأما قوله: وَأَبْكاراً [التحريم: ٥] وقوله:

وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة: ٧] فليستْ بواو الثمانيةِ بل هي لازمة إِذ لا يستغني الكلامُ عنها، وقد أمر اللَّه سبحانه نبيَّه في هذه الآية، أنْ يرد علْمَ عدَّتهم إِليه، ثم قال: مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ يعني: مِنْ أهل الكتاب، وكان ابن عبَّاس يقولُ: أنا من ذلك القليل «٤» ، وكانوا سبعة، وثامنهم كلبهم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ثَلاثَةٌ ﴾ مَرْفُوعٌ بِخَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: سَيَقُولُ الَّذِينَ تَنازَعُوا في أمْرِهِمْ: [ هم ] ثَلاثَةٌ.

وفي هَؤُلاءِ القائِلِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم نَصارى نَجْرانَ، ناظَرُوا رَسُولَ اللهِ  في عِدَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، فَقالَتِ المَلَكِيَّةُ: هم ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هم خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ، وقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: هم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ مَدِينَتِهِمْ قَبْلَ ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: ظَنًّا غَيْرَ يَقِينٍ، قالَ زُهَيْرٌ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ فَأمّا دُخُولُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، ولَمْ تَدْخُلْ فِيما قَبْلَ هَذا، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ دُخُولَها وخُرُوجَها واحِدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ ظُهُورَ الواوِ في الجُمْلَةِ الثّامِنَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُرادَةٌ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِها هاهُنا أنَّها مُرادَةٌ فِيما قَبْلُ، وإنَّما حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، ذَكَرَهُ أبُو نَصْرٍ في " شَرْحِ اللُّمَعِ " .

والثّالِثُ: أنَّ دُخُولَها يَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ القِصَّةِ وأنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، فَإنَّ الواوَ تَدُلُّ عَلى تَمامِ الكَلامِ قَبْلَها واسْتِئْنافِ ما بَعْدَها، قالَ الثَّعْلَبِيُّ: فَهَذِهِ واوُ الحُكْمِ والتَّحْقِيقِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى اخْتِلافَهُمْ، فَتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ ﴾ ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ ثامِنَهم كَلْبُهم.

وجاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا عِنْدَ اخْتِلافِ النَّصارى: هم سَبْعَةٌ، فَحَقَّقَ اللَّهُ قَوْلَ المُسْلِمِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ العَرَبَ تَعْطِفُ بِالواوِ عَلى السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ: سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ؛ لِأنَّ العَقْدَ عِنْدَهم سَبْعَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ.

.

.

﴾ إلى أنْ قالَ في الصِّفَةِ الثّامِنَةِ: ﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وفي صِفَةِ النّارِ: ﴿ فُتِحَتْ أبْوابُها  ﴾ ؛ لِأنَّ أبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ، وأبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في عَدَدِهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ : صاحِبُ كَلْبِهِمْ، كَما يُقالُ: السَّخاءُ حاتِمٌ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ؛ أيِ: السَّخاءُ سَخاءُ حاتِمٍ، والشِّعْرُ شِعْرُ زُهَيْرٍ.

وأمّا أسْماؤُهم؛ فَقالَ هَشِيمٌ: مَكْسِلِمِينا، ويَمْلِيخا، وطُرْيَنُوسُ، وسَدْيُنُوسُ، وسَرْيُنُوسُ، ونَواسُسُ، ويَرانُوسُ، وفي التَّفْسِيرِ خِلافٌ في أسْمائِهِمْ فَلَمْ أُطِلْ بِهِ.

واخْتَلَفُوا في كَلْبِهِمْ لِمَن كانَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِراعٍ مَرُّوا بِهِ، فَتَبِعَهُمُ الرّاعِي والكَلْبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَهم يَتَصَيَّدُونَ عَلَيْهِ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم مَرُّوا بِكَلْبٍ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ، فَعادَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ مِرارًا، فَقالَ لَهُمُ الكَلْبُ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي ؟

لا تَخْشَوْا جانِبِي أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ، فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكُمْ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

وَفِي اسْمِ كَلْبِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قِطْمِيرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اسْمُهُ الرَّقِيمُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: قَطْمُورُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ.

والرّابِعُ: حِمِرانُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.

وفي صِفَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أحْمَرُ، حَكاهُ الثَّوْرِيُّ.

والثّانِي: أصْفَرُ، حَكاهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: أحْمَرُ الرَّأْسِ، أسْوَدُ الظَّهْرِ، أبْيَضُ البَطْنِ، أبْلَقُ الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ حَرَّكَ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأسْكَنَها الباقُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ ﴾ ؛ أيْ: ما يَعْلَمُ عَدَدَهُمُ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ.

قالَ عَطاءٌ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ: أهْلُ الكِتابِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، هم سَبْعَةٌ، إنَّ اللَّهَ عَدَّهم حَتّى انْتَهى إلى السَّبْعَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: لا تُمارِ أحَدًا، حَسْبُكَ ما قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِن أمْرِهِمْ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُمارِ في عِدَّتِهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا أنْ تَقُولَ لَهُمْ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، لَيْسَ كَما تَعْلَمُونَ.

وقِيلَ: ﴿ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والمِراءُ في اللُّغَةِ: الجِدالُ، يُقالُ: مارى يُمارِي مُماراةً ومِراءً؛ أيْ: جادَلَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: لا تُجادِلُ إلّا جِدالَ مُتَيَقِّنٍ عالِمٍ بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ؛ إذِ اللَّهُ تَعالى ألْقى إلَيْكَ ما لا يَشُوبُهُ باطِلٌ.

وتَفْسِيرُ المِراءِ في اللُّغَةِ: اسْتِخْراجُ غَضَبِ المُجادِلِ، من قَوْلِهِمْ: مَرَيْتُ الشّاةَ: إذا اسْتَخْرَجْتَ لَبَنَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: في أصْحابِ الكَهْفِ، ﴿ مِنهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: مِن أهْلِ الكِتابِ.

قالَ الفَرّاءُ: أتاهُ فَرِيقانِ مِنَ النَّصارى: نَسْطُورِي ويَعْقُوبِي، فَسَألَهُمُ النَّبِيُّ  عَنْ عَدَدِهِمْ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا النَّبِيَّ  عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنِ الرُّوحِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم بِذَلِكَ "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِتَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومَعْنى الكَلامِ: ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ: إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إلّا أنْ تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَحَذَفَ القَوْلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: واذْكُرْ رَبَّكَ بَعْدَ تَقَضِّي النِّسْيانَ، كَما تَقُولُ: اذْكُرْ لِعَبْدِ اللَّهِ - إذا صَلّى - حاجَتَكَ؛ أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الصَّلاةِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ ذَكَرْتَ، فَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ولَوْ كانَ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ إذا نَسِيتَ ﴾ : إذا غَضِبْتَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأنَّ الغَضَبَ يُنْتِجُ النِّسْيانَ.

والثّالِثُ: إذا نَسِيتَ الشَّيْءَ فاذْكُرِ اللَّهَ لِيُذَكِّرَكَ إيّاهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

* فَصْلٌ وَفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ أنْ يَخْرُجَ الحالِفُ مِنَ الكَذِبِ إذا لَمْ يَفْعَلْ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ مُوسى: ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا  ﴾ ، ولَمْ يَصْبِرْ، فَسَلِمَ مِنَ الكَذِبِ لِوُجُودِ الِاسْتِثْناءِ في حَقِّهِ.

ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ في الطَّلاقِ والعَتاقِ، وأنَّهُ إذا قالَ: أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأنْتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يَقَعُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

وأمّا اليَمِينُ بِاللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيها يَصِحُّ، بِخِلافِ الطَّلاقِ، وكَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ في كُلِّ ما يُكَفِّرُ، كالظِّهارِ والنَّذْرِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ والعِتاقَ لَفْظُهُ لَفْظُ إيقاعٍ، وإذا عَلَّقَ بِهِ المَشِيئَةَ عَلِمْنا وجُودَها، لِوُجُودِ لَفْظِ الإيقاعِ مِن جِهَتِهِ، بِخِلافِ سائِرِ الأيْمانِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِمُوجِباتٍ لِلْحُكْمِ، وإنَّما تَتَعَلَّقُ بِأفْعالٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ إلّا مَوْصُولًا بِالكَلامِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ نَحْوَ هَذا، وبِهِ قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ ما دامَ في المَجْلِسِ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ، وعَنْ أحْمَدَ نَحْوُهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَوِ اسْتَثْنى بَعْدَ سَنَةٍ جازَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الصَّوابُ لِلْإنْسانِ أنْ يَسْتَثْنِيَ ولَوْ بَعْدَ حِنْثِهِ في يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِمّا ألْزَمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الحَرَجُ، فَأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عَنْهُ بِحالٍ، إلّا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مَوْصُولًا بِيَمِينِهِ، ومَن قالَ: لَهُ ثُنْياهُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، أرادَ سُقُوطَ الحَرَجِ الَّذِي يُلْزِمُهُ بِتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ دُونَ الكَفّارَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: ( يَهْدِيَنِي رَبِّي ) بِياءٍ في الوَصْلِ [ دُونَ ] الوَقْفِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ في الحالَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَسى أنْ يُعْطِيَنِي رَبِّي مِنَ الآَياتِ والدَّلالاتِ عَلى النُّبُوَّةِ ما يَكُونُ أقْرَبُ في الرُّشْدِ، وأدَلَّ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَفَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وآَتاهُ مِن عَلْمِ غُيُوبِ المُرْسَلِينَ ما هو أوْضَحُ في الحُجَّةِ وأقْرَبُ إلى الرُّشْدِ مِن خَبَرِ أصْحابِ الكَهْفِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ  أنْ يُخْبِرَهم خَبَرَ أصْحابِ الكَهْفِ، قالَ: " غَدًا أُخْبِرَكم "، كَما شَرَحْنا في سَبَبِ نُزُولِ الآَيَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ ؛ أيْ: عَسى أنْ يَعْرِفَنِي جَوابَ مَسائِلِكم قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكُمْ، ويُعَجِّلَ لِي مِن جِهَتِهِ الرَّشادَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا ﴾ ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَيَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلُ التَوْراةِ مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ هَذا الِاخْتِلافَ المَنصُوصَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَةٌ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثَلاثٌ" بِإدْغامِ التاءِ في الثاءِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "خَمْسَةَ" بِفَتْحِ المِيمِ اتِّباعًا لِعَشَرَةَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (خِمِسَةَ) بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ مَعْناهُ: ظَنًّا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الرَجْمِ، كَأنَّ الإنْسانَ يَرْمِي المَوْضِعَ المُشْكَلَ المَجْهُولَ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، يَرْجُمُهُ بِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ، ومِن هَذا: التُرْجُمانُ، وتَرْجَمَةُ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ∗∗∗ وما هو عنها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ طَرِيقُ النَحْوِيِّينَ فِيها أنَّها واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ في آخِرِ إخْبارٍ عن عَدَدِهِمْ، لِتَفْصِلَ أمْرَهُمْ، وتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا نِهايَةُ ما قِيلَ، ولَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الكَلامُ،[ ولَوْ كانَتْ فِيما قَبْلَ مِن قَوْلِهِ: "رابِعُهُمْ" و"سادِسُهُمْ" لَصَحَّ الكَلامُ]، وتَقُولُ فِرْقَةٌ مِنها ابْنُ خالَوَيْهَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، أنَّ قُرَيْشًا كانْتْ تَقُولُ في عَدَدِها: سِتَّةً، سَبْعَةً، وثَمانِيَةً، تِسْعَةً، فَتَدْخُلُ الواوُ في الثَمانِيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ  ﴾ ،وَقَوْلُهُ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها  ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ  ﴾ فَتَوُهِّمَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّها واوُ الثَمانِيَةِ ولَيْسَتْ بِها، بَلْ هي لازِمَةٌ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عنها.

وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ أنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عالِمَ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ قَلِيلٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: "أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وكانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُسْتَدَلُّ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ لَمّا حَكى قَوْلَ مَن قالَ ثَلاثَةً وخَمْسَةً قَرَنَ بِالقَوْلِ أنَّهُ رَجَمَ بِالغَيْبِ، فَقَدَحَ ذَلِكَ فِيهِما، ثُمَّ حَكى هَذِهِ المَقالَةَ ولَمْ يَقْدَحْ فِيها بِشَيْءٍ، بَلْ تَرَكَها مُسَجَّلَةً، وأيْضًا فَيُقَوِّي ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَمانِيَةِ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ حَيْثُ عَدَدُ الثَمانِيَةِ صَحِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، أيْ: بِظاهِرِ ما أوحَيْناهُ إلَيْكَ وهو رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: مَعْنى الظاهِرِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، ونَحْوَ هَذا، ولا يَحْتَجُّ هو عَلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِراءً في باطِنٍ مِنَ الأمْرِ، وقالَ التَبْرِيزِيُّ: "ظاهِرًا" مَعْناهُ: ذاهِبًا، وأنْشَدَ: وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنكَ عارُها.

ولَمْ يُبِحْ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُمارِيَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا مِراءً ﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ يُمارِيهِ أهْلُ الكِتابِ سُمِّيَتْ مُراجَعَتُهُ لَهم مِراءً، ثُمَّ قَيَّدَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ فَفارَقَ المِراءَ الحَقِيقِيَّ المَذْمُومَ.

و"المِراءُ" مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهو الشَكُّ، فَكَأنَّهُ المُشاكَكَةُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ ﴾ يَعْنِي: في عِدَّتِهِمْ، وحُذِفَتِ العُدَّةُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ﴾ الآيَةَ.

عاتَبَ اللهُ تَعالى فِيها نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ لِلْكُفّارِ: غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ أسْئِلَتِكُمْ، ولِمَ يَسْتَثْنِي في ذَلِكَ، فاحْتَبَسَ عنهُ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأرْجَفَ الكَفّارُ بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ مُفَرِّجَةً، وأُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يَقُولَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ: إنِّي أفْعَلُ غَدًا كَذا وكَذا إلّا وأنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِشَيْءٍ" بِمَنزِلَةِ "فِي"، أو كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ ، في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ "إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، أو إلّا أنْ تَقُولَ "إنْ شاءَ اللهُ".

فالمَعْنى: إلّا أنْ تَذْكُرَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَلَيْسَ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ مِنَ القَوْلِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلا تَقُولَنَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ورَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ ألّا يُحْكى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ والإشارَةُ بِهِ إلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ولْتَسْتَثْنِ بَعْدَ مُدَّةٍ إذا نَسِيَتِ الِاسْتِثْناءَ أوَّلًا لِتَخْرُجَ مِن جُمْلَةِ مَن لَمْ يُعَلِّقْ فِعْلَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَكَلَّمَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ، والآيَةُ لَيْسَتْ في الأيْمانِ، وإنَّما هي في سُنَّةِ الِاسْتِثْناءِ في غَيْرِ اليَمِينِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها يَنْبَغِي أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَمِيعُ أصْحابِهِ -فِيما عَلِمْتُ- وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَيَقُولُونَ: لا يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ويُسْقِطُ الكَفّارَةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ.

وقالَ عَطاءٌ: لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ في قَدْرِ حَلْبِ الناقَةِ الغَزِيرَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: إنِ اسْتَثْنى قَبْلَ أنْ يَقُومَ فَلَهُ ثَنَياهُ.

وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ في ذَلِكَ الأمْرِ، وقالَهُ ابْنُ راهَوَيْهَ.

وقالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ الحالِفُ في مَجْلِسِهِ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَقَطْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَنْفَعُ أبَدًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الناسُ في التَأْوِيلِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَقالَ الطَبَرِيٌّ وغَيْرِهِ: إنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْفَعُ في أنْ يَجْعَلَ الحالِفَ في رُتْبَةِ المُسْتَثْنِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِن حَلِفِهِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عنهُ، قالَ الطَبَرِيٌّ: ولا أعْلَمَ أحَدًا يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) يَقُولُ بِسُقُوطِ الكَفّارَةِ، قالَ ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن حِلَفَ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ رَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ يُسْقِطُ الكَفّارَةَ لَكانَ أخَفَّ عَلى الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الكَفّارَةِ فائِدَةٌ.

وقالَ الزَهْراوِيُّ: إنَّما تَكَلَّمَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بَعْدَ سَنَةٍ لِمَن قالَ: أنا أفْعَلُ كَذا، لا لِحالِفٍ أرادَ حَلَّ يَمِينِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَتْ فِرْقَةُ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سُقُوطُ الكَفّارَةِ، وألْزَمُوا كُلَّ مَن يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) إسْقاطَ الكَفّارَةِ، ورَدُّوا عَلى القَوْلِ بَعْدَمِ إلْزامِهِ، ولَيْسَ الِاسْتِثْناءُ إلّا في اليَمِينِ بِاللهِ، لا يَكُونُ في طَلاقٍ ونَحْوِهِ، ولا في مَشْيٍ إلى مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٌ.

وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وطاوُسٌ وحَمّادٌ: الِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ جائِزٌ، ولَيْسَ في اليَمِينِ الغَمُوسِ اسْتِثْناءٌ يَنْفَعُ، ولا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ بِالقَلْبِ، وإنَّما يَكُونُ قَوْلًا ونُطْقًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ الآيَةَ.

قالَ مُحَمَّدٌ الكُوفِيُّ المُفَسِّرُ: إنَّها بِألْفاظِها مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَها كُلٌّ مَن لَمْ يَسْتَثْنِ، وإنَّها كَفّارَةٌ لِنِسْيانِ الِاسْتِثْناءِ.

وقالَ الجُمْهُورُ: هو دُعاءٌ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ هَذا التَخْصِيصِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَهْدِينِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَهْدِينَ" دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.

والإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَقَعُ مِن ناسِي الِاسْتِثْناءُ وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: عَسى أنْ يُيَسِّرَ اللهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِي أقْرَبَ مِن دَلِيلِ أصْحابِ الكَهْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما قَدَّمْتُهُ أصْوَبُ، أيْ: عَسى أنْ يُرْشِدَنِي فِيما اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِي.

وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَدَّدُ الناسُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، واللهُ المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بالغيب وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل ربى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .

لما شاعت قصة أهل الكهف حين نزل بها القرآن صارت حديث النوادي، فكانت مثار تخرصات في معرفة عددهم، وحصر مدة مكثهم في كهفهم، وربما أملى عليهم المتنصرة من العرب في ذلك قصصاً، وقد نبههم القرآن إلى ذلك وأبهم على عموم الناس الإعلام بذلك لحكمة، وهي أن تتعود الأمة بترك الاشتغال فيما ليست منه فائدة للدين أو للناس، ودل عَلَم الاستقبال على أن الناس لا يزالون يخوضون في ذلك.

وضمير «يقولون» عائد إلى غير مذكور لأنه معلوم من المقام، أي يقول الناس أو المسلمون، إذ ليس في هذا القول حرج ولكنهم نُبّهوا إلى أن جميعه لا حجة لهم فيه.

ومعنى سين الاستقبال سارٍ إلى الفعلين المعطوفين على الفعل المقترن بالسين، وليس في الانتهاء إلى عدد الثمانية إيماء إلى أنه العدة في نفس الأمر.

وقد أعلم الله أن قليلاً من الخلق يعلمون عدتهم وهم من أطلعهم الله على ذلك.

وفي مقدمتهم محمد صلى الله عليه وسلم لأن قصتهم جاءت على لسانه فلا شك أن الله أطلعه على عدتهم.

وروي أن ابن عباس قال: أنا من القليل.

وكأن أقوال الناس تمالأت على أن عدتهم فردية تيمناً بعدد المفرد، وإلا فلا دليل على ذلك دون غيره، وقد سمى الله قولهم ذلك رجماً بالغيب.

والرجم حقيقته: الرمي بحجر ونحوه.

واستعير هنا لرمي الكلام من غير روية ولا تثبت، قال زهير: وما هو عنها بالحديث المرجم والباء في ﴿ بالغيب ﴾ للتعدية، كأنهم لما تكلموا عن أمر غائب كانوا يرجمون به.

وكل من جملة ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ وجملة ﴿ سادسهم كلبهم ﴾ في موضع الصفة لاسم العدد الذي قبلها، أو موضع الخبر الثاني عن المبتدأ المحذوف.

وجملة ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ الواو فيها واو الحال، وهي في موضع الحال من المبتدأ المحذوف، أو من اسم العدد الذي هو خبر المبتدأ، وهو وإن كان نكرة فإن وقوعه خبراً عن معرفةٍ أكسبه تعريفاً.

على أن وقوع الحال جملة مقترنة بالواو قد عد من مسوغات مجيء الحال من النكرة.

ولا وجه لجعل الواو فيه داخلة على جملة هي صفة للنكرة لقصد تأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما ذهب إليه في «الكشاف» لأنه غير معروف في فصيح الكلام: وقد رده السكاكي في المفتاح وغير واحد.

ومن غرائب فتن الابتكار في معاني القرآن قول من زعم: إن هذه الواو واو الثمانية، وهو منسوب في كتب العربية إلى بعض ضعَفة النحاة ولم يُعين مبتكره.

وقد عد ابن هشام في «مغني اللبيب» من القائلين بذلك الحريري وبعض ضعفة النحاة كابن خالويه والثعلبي من المفسرين.

قلت: أقدمُ هؤلاء هو ابن خالويه النحوي المتوفى سنة 370 فهو المقصود ببعض ضعفة النحاة.

وأحسب وصفه بهذا الوصف أخذه ابن هشام من كلام ابن المنير في «الانتصاف على الكشاف» من سورة التحريم إذ روى عن ابن الحاجب: أن القاضي الفاضل كان يعتقد أن الواو في قوله تعالى: ﴿ ثيبات وأبكارا ﴾ في سورة التحريم (5) هي الواو التي سماها بعض ضعفة النحاة واو الثمانية.

وكان القاضي يتبجح باستخراجها زائدة على المواضع الثلاثة المشهورة، أحدها: التي في الصفة الثامنة في قوله تعالى: ﴿ والناهون عن المنكر ﴾ في سورة براءة (112).

والثانية: في قوله: وثامنهم كلبهم } .

والثالثة: في قوله: ﴿ وفُتِّحَتْ أبوابها ﴾ في الزمر (73).

قال ابن الحاجب ولم يزل الفاضل يستحسن ذلك من نفسه إلى أن ذكَره يوماً بحَضرة أبي الجُود النحوي المُقْري؛ فبين له أنه واهم في عدها من ذلك القبيل وأحال البيان على المعنى الذي ذكره الزمخشري من دعاء الضرورة إلى الإتيان بالواو هنا لامتناع اجتماع الصفتين في موصوف واحد إلى آخره.

وقال في المغني } : سبق الثعلبي الفاضلَ إلى عدها من المواضع في تفسيره.

وأقول: لعل الفاضل لم يطلع عليه.

وزاد الثعلبي قوله تعالى: ﴿ سبع ليال وثمانية أيام حسوما ﴾ في سورة الحاقة (7) حيث قرن اسم عدد (ثمانية) بحرف الواو.

ومن غريب الاتفاق أن كان لحقيقة الثمانية اعتلاقٌ بالمواضع الخمسة المذكورة من القرآن إما بلفظه كما هنا وآية الحاقة، وإما بالانتهاء إليه كما في آية براءة وآية التحريم، وإما بكون مسماه معدوداً بعدد الثمانية كما في آية الزمر.

ولقد يعدُّ الانتباه إلى ذلك من اللطائف، ولا يبلغ أن يكون من المعارف.

وإذا كانت كذلك ولم يكن لها ضابط مضبوط فليس من البعيد عد القاضي الفاضللِ منها آية سورة التحريم لأنها صادفت الثامنة في الذكر وإن لم تكن ثامنة في صفات الموصُوفين، وكذلك لعد الثعلبي آية سورة الحاقة؛ ومثل هذه اللطائف كالزهرةُ تُشم ولا تحك.

وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ والناهون عن المنكر ﴾ في سورة براءة (112).

وجملة قل ربي أعلم بعدتهم } مستأنفة استئنافاً بيانياً لما تثيره جملة ﴿ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ إلى آخرها من ترقب تعيين ما يعتمد عليه من أمر عدتهم.

فأجيب بأن يحال العلم بذلك على علام الغيوب.

وإسناد اسم التفضيل إلى الله تعالى يفيد أن علم الله بعدتهم هو العلم الكامل وأن علم غيره مجرد ظن وحدس قد يصادف الواقع وقد لا يصادفه.

وجملة ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ كذلك مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن الإخبار عن الله بأنه الأعلم يثير في نفوس السامعين أن يسألوا: هل يكون بعض الناس عالماً بعدتهم علماً غير كامل، فأجيب بأن قليلاً من الناس يعلمون ذلك ولا محالة هم من أطلعهم الله على ذلك بوحي وعلى كلّ حال فهم لا يوصفون بالأعلمية لأن علمهم مكتسب من جهة الله الأعلم بذلك.

تفريع على الاختلاف في عدد أهل الكهف، أي إذا أراد بعض المشركين المماراة في عدة أهل الكهف لأخبار تلقوها من أهل الكتاب أو لأجل طلب تحقيق عدتهم فلا تمارهم إذ هو اشتغال بما ليس فيه جدوى.

وهذا التفريع وما عطف عليه مُعترض في أثناء القصة.

والتماري: تفاعل مشتق من المرية، وهي الشك.

واشتقاق المفاعلة يدل على أنها إيقاع من الجانبين في الشك، فيؤول إلى معنى المجادلة في المعتقد لإبطاله وهو يفضي إلى الشك فيه، فأطلق المراء على المجادلة بطريق المجاز، ثم شاع فصار حقيقة لما ساوى الحقيقة.

والمراد بالمراء فيهم: المراء في عدتهم كما هو مقتضى التفريع.

والمراء الظاهر: هو الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا يطول الخوض فيه.

وذلك مثل قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ وقوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ، فإن هذا مما لا سبيل إلى إنكاره وإبايتهِ لوضوح حجّته وما وراء ذلك محتاج إلى الحجة فلا ينبغي الاشتغال به لقلة جدواه.

والاستفتاء: طلب الفتوى، وهي الخبر عن أمر علمي مما لا يعلمه كل أحد.

ومعنى ﴿ فيهم ﴾ أي في أمرهم، أي أمر أهل الكهف.

والمراد من النهي عن استفتائهم الكناية عن جهلهم بأمر أهل الكهف، فضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ سيقولون ثلاثة ﴾ ، وهم أهل مكة الذين سألوا عن أمر أهل الكهف.

أو يكون كناية رمزية عن حصول علم النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة أمرهم بحيث هو غني عن استفتاء أحد، وأنه لا يُعلم المشركين بما علمه الله من شأن أهل الكهف، وتكون (من) تعليلية، والضمير المجرور بها عائداً إلى السائلين المتعنتين، أي لا تسأل علم ذلك من أجل حرص السائلين على أن تعلمهم بيقين أمر أهل الكهف فإنك علِمته ولم تؤمر بتعليمهم إياه، ولو لم يحمل النهي على هذا المعنى لم يتضح له وجه.

وفي التقييد ب ﴿ منهم ﴾ مُحترز ولا يستقيم جعل ضمير ﴿ منهم ﴾ عائداً إلى أهل الكتاب، لأن هذه الآيات مكية باتفاق الرواة والمفسرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ فَأدْخَلَ الواوَ عَلى انْقِطاعِ القِصَّةِ لِأنَّ الخَبَرَ قَدْ تَمَّ.

﴿ قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ ﴾ في المُخْتَلِفِينَ في عَدَدِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ المَدِينَةِ قَبْلَ الظُّهُورِ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ بَعْدَ طُولِ العَهْدِ بِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ قالَ قَتادَةُ قَذْفًا بِالظَّنِّ، قالَ زُهَيْرٌ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِنَ القَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى: كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم.

وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانُوا ثَمانِيَةً، وجَعَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ أيْ صاحِبُ كَلْبِهِمْ.

وَكَتَبَ قَوْمُهم أسْماءَهم حِينَ غابُوا، فَلَمّا بانَ أمْرُهم كُتِبَتْ أسْماؤُهم عَلى بابِ الكَهْفِ.

قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أسْماؤُهم مِكْسِلْمِينا ويِمْلِيخا وهو الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ يَشْتَرِي بِهِ الطَّعامَ، ومَطْرُونَسُ، ومِحْسِيمِيلْنِينا، وكَشُوطُوشُ، وبَطْلَنُوسً ويُوطُونَسُ وبِيرُونَسُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ الكَلْبُ لِمِكْسِلْمِينا وكانَ أسَنَّهم وكانَ صاحِبَ غَنَمٍ.

﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا ما قَدْ أظْهَرْنا لَكَ مِن أمْرِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: حَسْبُكَ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن شَأْنِهِمْ، فَلا تَسْألْنِي عَنْ إظْهارِ غَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: إلّا مِراءً ظاهِرًا يَعْنِي بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ وخَبَرٍ صادِقٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: لا تُجادِلْ فِيهِمْ أحَدًا إلّا أنْ تُحَدِّثَهم بِهِ حَدِيثًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: هو أنْ تُشْهِدَ النّاسَ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولا تَسْتَفْتِ يا مُحَمَّدُ فِيهِمْ أحَدًا مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ونَهْيٌ لِأُمَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ سيقولون ثلاثة ﴾ قال: اليهود ﴿ ويقولون خمسة ﴾ قال: النصارى.

وأخرج ابن أبي حاتم وعبد الرزاق، عن قتادة في قوله: ﴿ رجما بالغيب ﴾ قال: قذفا بالظن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ قال: إنا من القليل، كانوا سبعة.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ قال: إنا من القليل، كانوا سبعة.

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ قال: أنا من القليل، مكسلمينا وتمليخا، وهو المبعوث بالورق إلى المدينة، ومرطوس ونينونس ودردوتس وكفاشطهواس ومنطفوا سيسوس، وهو الراعي.

والكلب اسمه قطمير، دون الكردي وفوق القبطي الألطم فوق القبطي.

قال أبو عبد الرحمن: بلغني أن من كتب هذه الأسماء في شيء وطرحه في حريق سكن الحريق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: كل شي في القرآن قليل، وإلا قليل فهو دون العشرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تمار فيهم ﴾ يقول: حسبك ما قصصت عليك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً ﴾ قال: يقول: إلا ما أظهرنا لك من أمرهم ﴿ ولا تستفت فيهم منهم أحداً ﴾ قال: يقول لا تسأل اليهود عن أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرناك من أمرهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فلا تُمارِ فيهم ﴾ الآية.

قال: حسبك ما قصصنا عليك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تستفت فيهم منهم أحداً ﴾ قال: اليهود.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ الآية.

قال المفسرون: (إن نصارى نجران (١)  -، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية (٢) (٣) (٤) ونظم الآية يوجب أن يكون هذا التنازع بعد نزول الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ ، وهذه السين للتأخير، فالآية تكون نازلة قبل هذا التنازع، أخبر الله فيها أنه سيقع نزاع في عددهم، ثم وقع ذلك على ما في الآية، يدل على هذا أن السورة مكية ووفد نجران إنما أتوا النبي -  - بعد الهجرة.

واختلف النحويون في نظم هذه الآية وسقوط الواو من قولهم: رابعهم وسادسهم، ودخولها في ثامنهم، بعد اجتماعهم على أن قوله: ﴿ ثَلَاثَةٌ ﴾ مرفوع بالابتداء محذوف على تقدير: هم ثلاثة (٥) فقال صاحب النظم: ( ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ ابتداء و ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ خبره، وهو جملة في موضع الحال لقوله: ﴿ ثلاثةٌ ﴾ (٦) ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ توقيتًا للآية وحالاً لهم، وكذلك قوله: ﴿ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ ﴾ ، قال أبو الفتح الموصلي: (لا يجوز أن تكون الجملة حالاً لثلاثة؛ لأنك لو فعلت ذلك لم يجد الحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس في قولك: هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب الحال) (٧) وقال آخرون: ( ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ وصف لثلاثة، على أن يكون ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ رفع برابع، كما تقول: عندي غُلامٌ ضاربه زيد، فيرفع ضاربه؛ لأنه وهف لغلام، وترفع زيد بفعله، وهو الضرب) (¬2).

قال أبو الفتح: (وهذا الوجه أيضًا غير جائز، من قبل أن رابعهم في هذا الموضع، وإن كان اسم فاعل، فإنه أراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيًا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعًا ولا نصبًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعل، وتجعل الغلام فعلا له؛ لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام ورجل وفرس وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرتفع ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ بما في ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ من معنى الفعل) (¬3).

وقد ذكرنا هذا الفصل عند قوله: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ  ﴾ ، من كلام أبي علي.

وقال بعضهم: ( ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة وصف لثلاثة، كما تقول: هؤلاء ثلاثة غُلامهم رابعهم) (¬4).

قال أبو الفتح: (وهذا الوجه غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا.

والذي منع من إجازته هاهنا وضعفها أن الجملة التي في آخر الكلام [فيها واو العطف، وهو قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، فكما ظهرت الواو في آخر الكلام] (٨) (٩) ونحو هذا قال أبو علي في هذه الآية فقال: (قوله: ﴿ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ و ﴿ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿ ثلاثةٌ ﴾ ، والتقدير: هم ثلاثة) (١٠) ﴿ وَثَامِنُهُمْ ﴾ وإخراجها من الأول واحد) (١١) ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ عطف على خبر الابتداء الذي هو ثلاثة، كما تقول: هو حلو وحامض.

و ﴿ كَلْبُهُمْ ﴾ مرفوع على أنه نعت لقوله: ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾ الرجم: القول بالظن والحَدْس (١٢) ومنه قول زهير (١٣) وما هو عنها بالحديث المرجَّم وذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء.

قال أبو إسحاق: (أي تقولون ذلك رجما، أي ظنًّا وتخرصًا) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ الباء هاهنا ظرف للرجم، والتأويل: يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وتلخيصه: بالمكان الغائب عنهم، كما تقول: هو يحسن القول فيك بالغيب، ويظهر الغيب، والمعنى: أنهم يقولون هذا القول من غير مشاهدة.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: (حين وقعت الواو وانقطعت العدة) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ ، أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس.

قال ابن عباس: (أنا من ذلك القليل) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ ، يعني أهل الكتاب) (٢٢) وروى السدي عن ابن عباس قال: (أرجو أن أكون من القليل، أظن القوم كانوا ثلاثة، يقول واحد منهم: كم لبثتم؟

فقال الثاني: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ﴾ قال السدي: (يقول بما أوحى إليك من القرآن) (٢٤) وقال سفيان: (إلا بما قصصنا عليك في القرآن) (٢٥) وروي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك في قوله: ﴿ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ﴾ (حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال أبو إسحاق: (أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أفت في قصتهم بالظاهر الذي أنزل عليك) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ ﴾ ، أي: في أصحاب الكهف ﴿ مِنْهُمْ ﴾ ، أي: من اليهود وأهل الكتاب.

قال الفراء: (هم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونسطوري، فسألهم النبي -  - عن عددهم فَنُهي) (٣٠) (٣١) (١) نَجْرَان: بفتح النون وإسكان الجيم: بين مكة واليمن، قيل: أول من عمرها نجران بن زيدان بن سبأ بن قحطان، وكان أهلها يدينون بالنصرانية، حتى فتحت سنة عشر صلحًا، وهي الآن مدينة من مدن المملكة العربية السعودية.

انظر: "معجم البلدان" 5/ 266، و"معجم ما استعجم" (1298)، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 176.

(٢) اليعقوبية: فرقة من النصارى، منسوبون إلى يعقوب البرذعاني وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إن المسيح هو الله نفسه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- وإنه تعالى مات، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وإنه عاد محدثًا وأن المحدث عاد قديمًا.

انظر: "الملل والنحل" ص 226 - 227، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.

(٣) النسطورية: فرقة من فرق النصارى، منسوبون إلى نسطور، وكان بالقسطنطينة، قالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وإن الله تعالى لم يلد الإنسان == وإنما ولد الإله -تعالى الله عما يقولون- انظر: "الملل والنحل" ص 225، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.

(٤) "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، و"بحر العلوم" 2/ 295، و"معالم التنزيل" 5/ 161، و"الكشاف" 2/ 385، و"زاد المسير" 5/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 382.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 271.

(٦) ذكر نحوه بلا نسبة "البحر المحيط" 6/ 114، و"الدر المصون" 7/ 466، و"روح المعاني" 15/ 240.

وقال العكبري في "إملاء ما من به الرحمن" ص 396: رابعهم مبتدأ وكلبهم خبره، ولا يعمل اسم الفاعل هنا لأنه ماض والجملة صفة لثلاثة وليس حالاً، إذ لا عامل لها؛ لأن التقدير: هم ثلاثة، وهم لا يعمل ولا يصح أن يقدر هؤلاء لأنها إشارة إلى حاضر ولم يشيروا إلى الحاضر.

(٧) و (¬2) و (¬3) و (¬4) "سر صناعة الإعراب" 2/ 643 (٨) ما بين المعاقوفين مكرر في نسخة (س).

(٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 644.

(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 1/ 28.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 227.

(١٢) الحَدَس: التوهم في معاني الكلام والأمور.

انظر: "تهذيب اللغة" (حدس) 1/ 764، و"مقاييس اللغة" (حدس) 2/ 33، و"القاموس المحيط" (الحدس) ص 537، و"الصحاح" (حدس) 3/ 915، و"لسان العرب" (حدس) 2/ 805.

(١٣) هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى.

وصدره: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم انظر: "ديوانه" ص 81، و"تهذيب اللغة" (رجم) 2/ 1375، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي ص140، و"خزانة الأدب" 3/ 10، و"لسان العرب" (رجم) 3/ 1602، و"همع الهوامع" 2/ 92، و"الدر المصون" 7/ 467.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.

(١٥) "الكشاف" 2/ 385، و"روح المعاني" 15/ 242.

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.

(١٧) من قوله: (يعرفون ملأتني ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).

(١٨) "جامع البيان" 15/ 226، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"الكشاف" 2/ 385، و"الدر المنثور" 4/ 393.

(١٩) "معالم التنزيل" 5/ 162، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384، و"الدر المنثور" 4/ 393.

(٢٠) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 456، و"جامع البيان" 15/ 226، و"النكت والعيون" 3/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 275.

(٢١) ذكره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 75 ونسبه لابن جريج.

(٢٢) "جامع البيان" 226/ 15، و"الكشف والبيان" 389/ 3، و"الكشاف" 2/ 385.

(٢٣) "بحر العلوم" 395/ 2، و"المحرر الوجيز" 9/ 275، و"معالم التنزيل" 162/ 5.

(٢٤) ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" بلا نسبة 9/ 275، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.

(٢٥) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 227، و"النكت والعيون" 3/ 238، و"زاد المسير" 5/ 127، و"لباب التأويل" 4/ 207.

(٢٦) "جامع البيان" 15/ 227، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"النكت والعيون" 3/ 298، و"زاد المسير" 5/ 127، و"الدر المنثور" 4/ 393.

(٢٧) "جامع البيان" 15/ 227، و"زاد المسير" 5/ 127.

(٢٨) المِرَاء: المماراة والجدل، وأصله في اللغة: الجدال وأن يستخرج الرجل من مناظرة كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها.

انظر: "تهذيب اللغة" (مرى) 4/ 3383، و"مقاييس اللغة" (مرى) 5/ 314، و"مختار الصحاح" (مرا) (260)، و"المصباح المنير" (المرئ) ص 217.

(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 277/ 3 (٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 138.

(٣١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ الضمير لمن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود أو غيرهم ممن تكلم في أصحاب الكهف ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ أي ظنا وهو مستعار من الرجم بمعنى الرمي ﴿ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ قال قوم: إن الواو واو الثمانية لدخولها هنا وفي قوله: سبع ليال وثمانية أيام، وفي قوله في أهل الجنة: ﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ [الزمر: 73] وفي قوله في براءة ﴿ والناهون عَنِ المنكر ﴾ [التوبة: 112] وقال البصريون: لا تثبت واو الثمانية وإنما الواو هنا كقوله: جاء زيد وفي يده سيف.

قال الزمخشري: وفائدتها التوكيد.

والدلالة على أن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم صدقوا وأخبروا بحق، بخلاف الذين قالوا ثلاثة ورابعهم كلبهم، والذين قالوا خمسة وسادسهم كلبهم، وقال ابن عطية: دخلت الواو في آخر إخبار عن عددهم لتدل على ان هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام، وكذلك دخلت السين في قوله سيقولون الأول، ولم تدخل في الثاني والثالث استغناء بدخولها في الأول ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ أي لا يعلم عدتهم إلا قليل من الناس، وهم من أهل الكتاب، قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، لأنه قال في الثلاثة والخمسة: رجماً بالغيب ولم يقل ذلك في سبعة وثامنهم كلبهم ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظاهرا ﴾ لا تمار: من المراء وهو الجدال والمخالفة والاحتجاج، والمعنى لا تمار أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف إلا مراء ظاهراً، أي غير متعمق فيه من غير مبالغة ولا تعنيف في الردُّ عليهم ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ أي لا تسأل أحداً من أهل الكتاب عن أصحاب الكهف، لأن الله قد أوحى إليك في شأنهم ما يغنيك عن السؤال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.

الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.

حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد.

﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.

الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.

وزمعة.

وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.

وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.

الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.

الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد  .

قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".

وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي  نعمة عليه وعلينا.

أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.

وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.

وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.

وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.

قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.

وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.

ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.

وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".

﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.

والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.

وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.

ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله  على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.

وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.

قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.

قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".

قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.

وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".

قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله  أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.

الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.

والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.

ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه  سماه كذباً.

ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.

يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.

وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.

وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.

والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.

قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله  : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه  يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.

وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.

ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه  يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.

وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ .

واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.

قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.

ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.

قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.

ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول  على سبيل الامتحان فقال  ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.

وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.

والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.

وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.

وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.

والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.

وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.

وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.

ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.

﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.

و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وإما الكثرة.

قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.

وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.

وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.

واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.

وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.

وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.

وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.

فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.

والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.

وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.

وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.

وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.

وقيل هو كلام معترض إخبار من الله  عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.

قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.

وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.

وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.

وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.

قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.

﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.

والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.

ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.

وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.

ثم بين الله  لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.

ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.

واستبعده في التفسير الكبير.

وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.

وقيل: لهم تقلبتان في السنة.

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.

قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله  قادر على حفظهم من غير تقليب.

وأقول: لا ريب في قدرة الله  ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.

والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.

قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.

عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.

وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.

وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.

قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.

وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.

وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله  حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.

والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.

وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.

والمدينة طرسوس.

قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.

عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.

وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.

وقيل: أيها أطيب وألذ.

وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.

يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.

وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.

قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.

وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.

ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.

وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.

وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.

والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟

قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.

فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.

ثم ذكر  غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.

وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله  على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.

فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.

والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.

وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.

﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.

ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.

فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله  ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.

قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله  من أهل الكتاب.

والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي  فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.

وكثيراً ما يقال رجم بالظن.

مكان قولهم ظن.

وقال المسلمون.

هم سبعة ثامنهم كلبهم.

قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله  عن لسان جبرائيل  .

والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي  أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.

يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.

واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.

وقيل ريان.

عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.

وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.

والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.

ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.

ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.

ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.

ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله  جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه  منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.

وأيضاً الله  قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي  ويحصل لغير النبي  كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.

وقد عرفت قولهما في هذا الباب.

وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.

وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله  في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.

أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله  : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله  : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.

والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.

ثم نهى نبيه  عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.

وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.

ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.

ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.

فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.

وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق  تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.

فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.

ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.

وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.

ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.

أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.

قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.

وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟

وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.

وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.

أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.

فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.

وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.

وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.

فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.

قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي  حين قال بيده يا غلام من أبوك؟

فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.

وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.

فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .

ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله  قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.

ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله  : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.

ومنها قوله  : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .

ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.

ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!

فقال النبي  : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .

ومنها رواية أبي هريرة عن النبي  : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟

قال: فلان ابن فلان.

فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟

قال: ولم تسأل عن ذلك؟

قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.

قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي  ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.

ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.

فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.

قال علي بن أبي طالب  : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.

فقدم رسول ذلك الجيش.

فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.

قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي  لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.

فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.

ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.

فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.

فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.

وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.

ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.

ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله  فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.

فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.

قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.

وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!

فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله  ؟

فقال: لا ولكن فراسة صادقة.

وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  ﴾ .

ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي  فقال: أسرقت؟

قال: نعم.

فقطع يده فانصرف من عند علي  فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟

قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.

فقال: قطع يدك وتمدحه.

قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً  فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله  .

وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله  قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.

وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله  حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.

وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟

فقال: خل.

فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.

فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.

فلما فتحوا فإذا هي خل.

فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.

فقال: هذه والله دعوة خالد.

ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.

وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.

وروي أن النبي  بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.

وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.

وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.

فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.

وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله  ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.

قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.

حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.

وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.

وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.

والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.

جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال  حكاية عن الله  : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.

وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.

قالوا: قال  : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد  حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.

وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً  لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.

والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.

قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.

وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله  : ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!

في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.

واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله  ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.

وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.

فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.

قيل: من هنا قال  : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.

ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.

وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.

قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله  أعلم.

قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال  : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.

فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.

فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.

وهذا نهي تأديب لنبيه  لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله  غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.

واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.

وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.

ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.

وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.

وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.

وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.

وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.

قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.

وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.

وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.

وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.

فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.

عن قتادة.

أن قوله  : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.

ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً  ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".

فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.

وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.

ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.

ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.

والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.

وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.

واقتصر على بيانه.

وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.

وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!

وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله  أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.

واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى  وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.

وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.

قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله  أعلم.

التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد  إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا  ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود  ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .

هو التمتع من حسن الله وجماله.

﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.

ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.

وإنهم طلبوا النجاة من شر.

والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.

فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.

﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.

﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول  : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.

قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.

وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.

قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.

ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله  : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.

﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.

﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.

﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله  ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: عددهم كان سبعة والثامن الكلب؛ لأنه ذكر في الثالث والخامس ﴿ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: قذفاً بالغيب وظنا، وقيل: ترجمة بالغيب، أي: بلا علم ولم يذكر في قوله: ﴿ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، وكذلك قال ابن عباس -  - وقال: "أنا من القليل الذين استثناهم الله، وكانوا سبعة والثامن الكلب"، لعل ابن عباس قال: "أنا من القليل" ظنا واستدلالا بالذي ذكر، أو كان سماعا [سمع] من رسول الله ذلك.

وقال الحسن وأبو بكر وغيرهما: إن الله  قال: ﴿ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم ﴾ ، ثم استثنى قليلا من عباده، فلا نعلم بأن أولئك القليل من الملائكة أو من البشر أو منهم؟

فلا ندري من هم؟

ولا كم عددهم؟

وبه نقول نحن، وهو ما قال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ نهى رسوله أن يستفتي منهم أحداً؛ لما يحتمل أن يكون ذلك غير مبين في كتبهم، فلا يطلع رسوله خوف التكذيب.

ثم اختلف في وقتهم: قال [بعضهم]: كان فيما بين عيسى ومحمد.

وقال بعضهم: ذلك كان قبل بعث موسى، وهو قول الحسن وأبي بكر وهؤلاء، وهذا أشبه؛ لأنهم إنما سألوا عنهم أهل التوراة وهم اليهود، فلا يحتمل أن يكون بعد عيسى وهم لا يؤمنون بالإنجيل.

وقول أهل التأويل: كان أساميهم وعددهم [كذا، ليس لنا إلى معرفة أساميهم وعددهم] حاجة، ولو كانت لتولي الله بيان ذلك في الكتب.

وقال القتبي: ﴿ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: ظنا بالغيب، أي: يقولون بالظن.

وقيل: قذفاً بالغيب على غير استيقان، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل الخطاب بهذا لكل الناس، ليس أحد أولى به من غيره؛ فيخرج ذلك مخرج التعليم لهم في ترك المراء مع الكفرة إلا مراء ظاهراً، وكذلك في ترك الاستفتاء، وكذلك علمهم وأدبهم ألا يعدوا عدة إلا والثنيا بها ملحقة.

ويحتمل أيضاً أن يكون الخطاب به لرسول الله، لكن ليس لأنه قد كان منه ما ذكر من المراء والاستفتاء والوعد بغير ثنيا، ولكن خاطب به رسول الله ليتأدب غيره من الناس بذلك الأدب، وهو كما خاطبه بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ  ﴾ ونحوه من الخطاب الذي خاطبه به، فخاطبه به لا لأنه كان منه ذلك أو كان فيه ما ذكر، ولكن لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ : قال بعضهم: ذلك في أمر أصحاب الكهف، أي: لا تمار فيهم ولا تستفت فيهم منهم إلا قدر ما كان في كتبهم، فإنك لو ماريتهم بما ليس في كتابهم كذبوك، ولكن قدر ما في كتبهم؛ هذا كان على المسألة، فإن كان على غير المسألة في غير أمر أصحاب الكهف على ابتداء المحاجة والحجاج فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا تمار فيهم إلا بما هو أظهر ويعرفون ذلك ظاهراً، من نحو ما يعرفون أن الأصنام التي عبدوها لا تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، ونحو ذلك مما يعرفون أنها كذلك.

والثاني: لا تحاجهم بلطائف الحكمة ودقائقها، ولكن بشيء محسوس ظاهر من الآية، لا بما يلطف ويدق، على ما يحاجهم الأنبياء بآيات حسيات.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ دلالة ألاَّ يسع النظر في كتاب الفلاسفة إلا على جهة العرض لما فيها على كتاب الله فيؤخذ بما يوافقه ويترك الباقي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

لو كان فهم الخطاب على ظاهر ما خرج، لكان في قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ نهى عن العدة بالثنيا، فإذ لم يفهم هذا، ولكن فهموا: لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن تقول إن شاء الله، على إضمار القول؛ دل أن الخطاب ليس يحمل على ظاهر المخرج، ولكن على ما توجبه الحكمة والدليل.

ثم نهى أن [يعد] عدة ولا يستثني فيها، وقاس بعض الناس الأيمان على العدات فيقول: إذا حلف، فإنه يلزمه أن يستثني فيها، وذلك فاسد؛ لأن الأيمان تخرج على تعظيم الرب وإجلاله، فلا يجوز أن يؤمر بالثنيا فيها؛ لأن الثنيا نقض ذلك التعظيم، وكذلك ما روي: "إذا حلفتم فاحلفوا بالله ولا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت" نهى عن الحلف بغير الله؛ لما في الحلف به تعظيم لذلك الشيء، وأما العدة، فإنما هي إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يملك تحقيقه؛ لذلك أمر أن يلحق الثنيا فيه؛ لئلا يلحقه الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد، وعلى ذلك ذكر عن الأنبياء أنهم إذا وعدوا استثنوا فيه؛ كقول موسى: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً...

﴾ الآية [الكهف: 69]، ثم إذا لم يصبر لم يعاتبه بترك الصبر، ولو كان خلفا لعاتبه، كما عاتب موسى حيث قال: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً  ﴾ وقد ظهر من الأنبياء والرسل الأيمان والقسم، ثم لم يذكر عن أحد منهم الثنيا في ذلك؛ دل أن الثنيا في العدات لازمة وفي الأيمان لا.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ دلالة ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله حيث ندبه إلى الثنيا، ثم إذا خرج على غير ما وعد لم يلحقه الخلف في الوعد؛ دل أنه قد شاء ذلك، وأنه إذا لم يشأ شيئاً لم يكن؛ لأنه لو كان شيئاً لم يشأ هو، أو شاء شيئاً فلم يكن - لم يكن لقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ معنى إذا كان ما لم يشأ هو، ولم يكن ما هو شاء؛ دل أن [ما] شاء هو كان، وما لم يشأ لم يكن.

وفيه أنه قد شاء كل طاعة وخير من العبد، فلو لم يشأ ما ليس بطاعة، لكان لا يستثني، وقد علم أنه قد شاء ذلك، فدل ثنياه على أنه قد يشاء ما ليس بطاعة إذا علم أنه يختار ذلك، وذلك على المعتزلة.

فإن قيل: إنما أمر بالثنيا في العدة؛ لما لعله سيموت قبل أن يفعل ما وعد، أو تذهب عنه القدرة فيعجز عما وعد.

قيل: إن الأوهام لا ترجع إلى ذلك، بل الإمكان مشروط فيه وإن لم يذكر؛ نحو ما لا يؤمر الإنسان بالطيران؛ لعدم الإمكان فيه موجودا فهو كالمشروط وإن لم يذكر، فعلى ذلك في العدات والأيمان وغيرها.

وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي؛ وهو الأشبه؛ لما لا يحتمل أن يكون النبي  يعد عدة ولا يذكر الثنيا؛ لما يعرف ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته، وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك؛ لذلك كان غيره أولى به يخرج منه على التعريف لهم والعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ أي: إذا ذكرته بعدما نسيت فاذكره؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ  ﴾ فعلى ذلك هذا.

والثاني: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ ، أي: الثنيا في آخر الكلام إذا نسيت أوله - أعني: الثنيا - إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التبرك؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  ﴾ استثنوا أولا ثم وعدوا، فهو المستحب، فكأنه قال: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ ﴾ : الثنيا في آخر كلامك ﴿ إِذَا نَسِيتَ ﴾ في أوله وهو الثنيا، وهذا يرد على أصحاب الظاهر؛ لأن ظاهر الكتاب أن يخاطبهم بذكره إذا نسوا، ولا يجوز أن يخاطب أحداً في حال نسيانه، فإذا لم يفهم من هذا هذا، دل أنه لا يفهم على ما خرج ظاهره، ولكن على ما يصح ويوجب الحكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً ﴾ .

قال بعضهم: أي: قل: عسى أن يهديني ربي لآية هي أوضح على دلالة رسالتي وآخذ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف؛ لأنهم كانوا: يسألونه عن خبرهم فيستدلون على رسالته وصدقه؛ فيقول: قد هداني ربي لآية على دلالة رسالتي أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب؛ إذ كانت له آيات حسيات على رسالته.

وقال الحسن: قوله: ﴿ وَقُلْ عَسَىٰ ﴾ وعسى من الله واجب، أي: قد هداني ربي الرشد والصواب، وأما غيره من أهل التأويل يقولون: إنه وعد لأولئك أن يخبرهم غدا عما يسألونه، وقال: عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ .

قال بعضهم: هو صلة قول أولئك الذين قالوا: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ...

﴾ الآية، مع قوله: إنهم لبثوا في كهفهم ما ذكرنا، فأمره أن يقول لهم: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: هو قول الله، أخبر أنهم لبثوا ما ذكر من المدة، وازدادوا تسعاً، قال بعضهم: تسع سنين، لكن ليس فيه بيان أنه أراد تسع سنين أو تسعة أشهر أو تسعة أيام، فلا ندري أراد بذلك ذا أو ذا؟

فالأمر فيه إلى الله على ما أمر رسوله أن يقول لهم: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

فإن قيل في قوله: ﴿ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ : ألا قال: ثلائمائة سنة، كما يقال: ثلاثمائة رجل وثلاثمائة درهم ونحوه؟

قال بعض أهل الأدب: إنه لم يضف ثلاثمائة إلى سنين، ولكنه أراد إتمام الكلام بقوله: ﴿ ثَلاثَ مِاْئَةٍ ﴾ ؛ لذلك نون فيها، ثم أخبر ما تلك الثلاثمائة؟

فقال: سنين على القطع من الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ .

هو ما ذكرنا: أنه جعل علم مدة لبثهم في كهفهم إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل هذا وجوهاً ثلاثة: أحدها: له علم ما غاب عن أهل السماوات وأهل الأرض؛ كقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ  ﴾ .

والثاني: له علم ما غيب وأسر أهل السماوات والأرض بعضهم من بعض.

والثالث: له علم غيب ما شاهد أهل السماوات وأهل الأرض؛ لأن فيما شاهدوا من الأشياء وعاينوها غيباً وسرية لم يعلموه، من نحو الشمس شاهدوها وعرفوا أنها شمس، ولكن لم يعلموا ما فيها من المعنى الذي به صلاح الأشياء ومنافعها، وكذلك القمر، وإنما شاهدوا هذه الأشياء، ولكن لم يعرفوا المعنى الذي به صارت نافعة للأشياء ومصلحتها، وكذلك السمع والبصر والعقل ونحوه من الحواس، عرفوا هذه الحواس على ظواهرها ولكن لا يعرفون المعنى الذي به يسمعون ويبصرون ويفهمون، فيقول: له علم ما غاب عنكم من هذه الأشياء التي شاهدتموها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ .

هذا كلام يتكلم على النهاية والغاية والإبلاغ من الوصف، ويقال: أكرم به من فلان، إذا كان بلغ الكرم به غايته، وكذلك يقال: أحسن به من فلان: إذا بلغ في الحسن غايته ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ هو وصف له على النهاية؛ كما يقال: ما أعلمه، وما أبصره، وما أكرمه، وما أحسنه: يعلمهم أنه يعلم ما غاب عن الخلق وما شاهدوا أبصر به من الأفعال التي يفعلون، وأسمع به من الأقوال التي يتفوهون، أي: يعلم ما غاب عنهم مما لم يفعلوا ولم يقولوا، فالذي قالوه وفعلوه أحق أن يعلم؛ يحذرهم عز وجل عن أفعالهم وأقوالهم، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ .

يحتمل: لا يشرك في ألوهيته وربوبيته أحداً.

ويحتمل: ولا يشرك في حكمه، أي: الحكم له ليس لأحد دونه حكم، إنما عليهم طلب حكم الله فيما يحكمون.

أو لا يشرك في تقديره وتدبيره الذي يدبر في خلقه أحداً.

ويحتمل: ولا يشرك في قسمته التي يقسم بين الخلق أحداً، ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ ، أي: فيما جاءت به الرسل ودعت الخلق إليه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيقول بعض الخائضين في قصتهم عن عددهم: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول بعضهم: هم خمسة سادسهم كلبهم، وكلتا الطائفتين إنما قالت ما قالته تبعًا لظنها من غير دليل، ويقول بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم، قل -أيها الرسول-: ربي أعلم بعددهم, ما يعلم عددهم إلا قليل ممن علّمهم الله عددهم، فلا تجادل في عددهم ولا في غيره من أحوالهم أهلَ الكتاب ولا غيرهم إلا جدالا ظاهرًا لا عمق فيه، بأن تقتصر على من نزل عليك وحي بشأنهم، ولا تسأل أحدًا منهم عن تفاصيل شأنهم، فإنهم لا يعلمون ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.Jjw4x"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله