الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢١ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 176 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي : أطلعنا عليهم الناس ( ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة .
وقال عكرمة : كان منهم طائفة قد قالوا : تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد .
فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك .
وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة ، في شراء شيء لهم ليأكلوه ، تنكر وخرج يمشي في غير الجادة ، حتى انتهى إلى المدينة ، وذكروا أن اسمها دقسوس وهو يظن أنه قريب العهد بها ، وكان الناس قد تبدلوا قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، وأمة بعد أمة ، وتغيرت البلاد ومن عليها ، كما قال الشاعر : أما الديار فإنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجاله فجعل لا يرى شيئا من معالم البلد التي يعرفها ، ولا يعرف أحدا من أهلها ، لا خواصها ولا عوامها ، فجعل يتحير في نفسه ويقول : لعل بي جنونا أو مسا ، أو أنا حالم ، ويقول : والله ما بي شيء من ذلك ، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة .
ثم قال : إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي .
ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام ، فدفع إليه ما معه من النفقة ، وسأله أن يبيعه بها طعاما .
فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها ، فدفعها إلى جاره ، وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون : لعل هذا قد وجد كنزا .
فسألوه عن أمره ، ومن أين له هذه النفقة ؟
لعله وجدها من كنز .
ومن أنت ؟
فجعل يقول : أنا من أهل هذه المدينة وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس .
فنسبوه إلى الجنون ، فحملوه إلى ولي أمرهم ، فسأله عن شأنه وعن أمره حتى أخبرهم بأمره ، وهو متحير في حاله ، وما هو فيه .
فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف متولي البلد وأهلها ، حتى انتهى بهم إلى الكهف ، فقال : دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي ، فيقال : إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه ، وأخفى الله عليهم خبره ويقال : بل دخلوا عليهم ، ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم ، وكان مسلما فيما قيل ، واسمه تيدوسيس ففرحوا به وآنسوه بالكلام ، ثم ودعوه وسلموا عليه ، وعادوا إلى مضاجعهم ، وتوفاهم الله - عز وجل - فالله أعلم .
قال قتادة : غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة ، فمروا بكهف في بلاد الروم ، فرأوا فيه عظاما ، فقال قائل : هذه عظام أهل الكهف ؟
فقال ابن عباس : لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة .
رواه ابن جرير .
وقوله : ( وكذلك أعثرنا عليهم ) أي : كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم ، أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ( ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) أي : في أمر القيامة ، فمن مثبت لها ومن منكر ، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ) أي : سدوا عليهم باب كهفهم ، وذروهم على حالهم ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين : أحدهما : إنهم المسلمون منهم .
والثاني : أهل الشرك منهم ، فالله أعلم .
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ .
ولكن هل هم محمودون أم لا ؟
فيه نظر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " يحذر ما فعلوا .
وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق ، أمر أن يخفى عن الناس ، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده ، فيها شيء من الملاحم وغيرها .
القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) يقول تعالى ذكره: وكما بعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم ساعة رقدوا، ليتساءلوا بينهم، فيزدادوا بعظيم سلطان الله بصيرة، وبحسن دفاع الله عن أوليائه معرفة ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ) يقول: كذلك أطلعنا عليهم الفريق الآخر الذين كانوا في شكّ من قُدرة الله على إحياء الموتى، وفي مِرْية من إنشاء أجسام خلقه، كهيئتهم يوم قبضهم بعد البِلَى، فيعلموا أن وَعْد الله حق، ويُوقنوا أن الساعة آتية لا ريب فيها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ) يقول: أطلعنا عليهم ليعلم من كذب بهذا الحديث، أن وعد الله حقّ، وأن الساعة لا ريب فيها.
وقوله: ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) يعني: الذين أعثروا على الفتية يقول تعالى: وكذلك أعثرنا هؤلاء المختلفين في قيام الساعة، وإحياء الله الموتى بعد مماتهم من قوم تيذوسيس، حين يتنازعون بينهم أمرهم فيما الله فاعل بمن أفناه من عباده، فأبلاه في قبره بعد مماته، أمنشئهم هو أم غير منشئهم ، وقوله ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ) يقول: فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف: ابنوا عليهم بنيانا( رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) يقول: ربّ الفتية أعلم بالفتية وشأنهم ، وقوله: ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) يقول جلّ ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف ( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ).
وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار؟
وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، وسنذكر إن شاء الله ما لم يمض منه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ) قال: يعني عدوّهم.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن عبد العزيز بن أبي روّاد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: عمَّى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنيانا، فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها، وقال المسلمون: بل نحن أحق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه، ونعبد الله فيه.
قوله : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداقوله تعالى : وكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا عليهم وأظهرناهم .
و " أعثر " تعدية عثر بالهمزة ، وأصل العثار في القدم .ليعلموا أن وعد الله حق يعني الأمة المسلمة الذين بعث أهل الكهف على عهدهم .
وذلك أن دقيانوس مات ومضت قرون وملك أهل تلك الدار رجل صالح ، فاختلف أهل بلده في الحشر وبعث الأجساد من القبور ، فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا : إنما تحشر الأرواح والجسد تأكله الأرض .
وقال بعضهم : تبعث الروح والجسد جميعا ; فكبر ذلك على الملك وبقي حيران لا يدري كيف يتبين أمره لهم ، حتى لبس المسوح وقعد على الرماد وتضرع إلى الله - تعالى - في حجة وبيان ، فأعثر الله على أهل الكهف ; فيقال : إنهم لما بعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق منها استنكر شخصه واستنكرت دراهمه لبعد العهد ، فحمل إلى الملك وكان صالحا قد آمن من معه ، فلما نظر إليه قال : لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيانوس الملك ، فقد كنت أدعو الله أن يرينيهم ، وسأل الفتى فأخبره ; فسر الملك بذلك وقال : لعل الله قد بعث لكم آية ، فلنسر إلى الكهف معه ، فركب مع أهل المدينة إليهم ، فلما دنوا إلى الكهف قال تمليخا : أنا أدخل عليهم لئلا يرعبوا فدخل عليهم فأعلمهم الأمر وأن الأمة أمة إسلام ، فروي أنهم سروا بذلك وخرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم ثم رجعوا إلى كهفهم .
وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدثهم تمليخا ميتة الحق ، على ما يأتي .
ورجع من كان شك في بعث الأجساد إلى اليقين .
فهذا معنى أعثرنا عليهم .
ليعلموا أن وعد الله حق أي ليعلم الملك ورعيته أن القيامة حق والبعث حق إذ يتنازعون بينهم أمرهم .
وإنما استدلوا بذلك الواحد على خبرهم وهابوا الدخول عليهم .فقال الملك : ابنوا عليهم بنيانا ; فقال الذين هم على دين الفتية : اتخذوا عليهم مسجدا .
وروي أن طائفة كافرة قالت : نبني بيعة أو مضيفا ، فمانعهم المسلمون وقالوا لنتخذن عليهم مسجدا .
وروي أن بعض القوم ذهب إلى طمس الكهف عليهم وتركهم فيه مغيبين .
وروي عن عبد الله بن عمر أن الله - تعالى - أعمى على الناس حينئذ أثرهم وحجبهم عنهم ، فذلك دعا إلى بناء البنيان ليكون معلما لهم .
وقيل : إن الملك أراد أن يدفنهم في صندوق من ذهب [ ص: 340 ] فأتاه آت منهم في المنام فقال : أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب فلا تفعل ; فإنا من التراب خلقنا وإليه نعود ، فدعنا .وتنشأ هنا مسائل ممنوعة وجائزة ; فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها ، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز ; لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج .
قال الترمذي : وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن .
وروى الصحيحان عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله - تعالى - يوم القيامة .
لفظ مسلم .
قال علماؤنا : وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد .
وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها لفظ مسلم .
أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى ، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام .
فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك ، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد .
وروى الصحيحان عن عائشة وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا .
وروى مسلم عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى [ ص: 341 ] عليه .
وخرجه أبو داود والترمذي أيضا عن جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
وروى الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته - في رواية - ولا صورة إلا طمستها .
وأخرجه أبو داود والترمذي .
قال علماؤنا : ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة .
وقد قال به بعض أهل العلم .
وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم ، وذلك صفة قبر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه - رضي الله عنهما - على ما ذكر مالك في الموطإ - وقبر أبينا آدم - صلى الله عليه وسلم - ، على ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس .
وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال ; فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة ، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها .
وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي أن ينبغي أن يقال : هو حرام .
والتسنيم في القبر : ارتفاعه قدر شبر ; مأخوذ من سنام البعير .
ويرش عليه بالماء لئلا ينتثر بالريح .
وقال الشافعي لا بأس أن يطين القبر .
وقال أبو حنيفة : لا يجصص القبر ولا يطين ولا يرفع عليه بناء فيسقط .
ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة ; لما رواه أبو بكر الأثرم قال : حدثنا مسدد حدثنا نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال : كانت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلمته بصخرة ; ذكره أبو عمر .وأما الجائزة : فالدفن في التابوت ; وهو جائز لا سيما في الأرض الرخوة .
روي أن دانيال - صلوات الله عليه - كان في تابوت من حجر ، وأن يوسف - عليه السلام - أوصى بأن يتخذ له تابوت من زجاج ويلقى في ركية مخافة أن يعبد ، وبقي كذلك إلى زمان موسى - صلوات الله [ ص: 342 ] عليهم أجمعين - ; فدلته عليه عجوز فرفعه ووضعه في حظيرة إسحاق - عليه السلام - .
وفي الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه : اتخذوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن نصبا ; كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
اللحد : هو أن يشق في الأرض ثم يحفر قبر آخر في جانب الشق من جانب القبلة إن كانت الأرض صلبة يدخل فيه الميت ويسد عليه باللبن .
وهو أفضل عندنا من الشق ; لأنه الذي اختاره الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - .
وبه قال أبو حنيفة قال : السنة اللحد .
وقال الشافعي : الشق .
ويكره الآجر في اللحد .
وقال الشافعي : لا بأس به لأنه نوع من الحجر .
وكرهه أبو حنيفة وأصحابه ; لأن الآجر لإحكام البناء ، والقبر وما فيه للبلى ، فلا يليق به الإحكام .
وعلى هذا يسوى بين الحجر والآجر .
وقيل : إن الآجر أثر النار فيكره تفاؤلا ; فعلى هذا يفرق بين الحجر والآجر .
قالوا : ويستحب اللبن والقصب لما روي أنه وضع على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حزمة من قصب .
وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل الحنفي - رحمه الله - أنه جوز اتخاذ التابوت في بلادهم لرخاوة الأرض .
وقال : لو اتخذ تابوت من حديد فلا بأس به ، لكن ينبغي أن يفرش فيه التراب وتطين الطبقة العليا مما يلي الميت ، ويجعل اللبن الخفيف على يمين الميت ويساره ليصير بمنزلة اللحد .قلت : ومن هذا المعنى جعل القطيفة في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فإن المدينة سبخة ، قال شقران : أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر .
قال أبو عيسى الترمذي : حديث شقران حديث حسن غريب .
يخبر الله تعالى، أنه أطلع الناس على حال أهل الكهف، وذلك -والله أعلم- بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، وأمروه بالاستخفاء والإخفاء، فأراد الله أمرا فيه صلاح للناس، وزيادة أجر لهم، وهو أن الناس رأوا منهم آية من آيات الله، المشاهدة بالعيان، على أن وعد الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا بعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن مثبت للوعد والجزاء، ومن ناف لذلك، فجعل قصتهم زيادة بصيرة ويقين للمؤمنين، وحجة على الجاحدين، وصار لهم أجر هذه القضية، وشهر الله أمرهم، ورفع قدرهم حتى عظمهم الذين اطلعوا عليهم.
و { فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا } الله أعلم بحالهم ومآلهم، وقال من غلب على أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا } أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة محظورة، نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها هنا على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ترى.
وفي هذه القصة، دليل على أن من فر بدينه من الفتن، سلمه الله منها.
وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية لغيره، ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب { وما عند الله خير للأبرار }
قوله عز وجل : ( وكذلك أعثرنا ) أي : أطلعنا ( عليهم ) يقال : عثرت على الشيء : إذا اطلعت عليه وأعثرت غيري أي : أطلعته ( ليعلموا أن وعد الله حق ) يعني قوم بيدروس الذين أنكروا البعث ( وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ) قال ابن عباس : يتنازعون في البنيان فقال المسلمون : نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا وقال المشركون : نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل نسبنا .
وقال عكرمة : تنازعوا في البعث ، فقال المسلمون : البعث للأجساد والأرواح معا ، وقال قوم : للأرواح دون الأجساد فبعثهم الله تعالى وأراهم أن البعث للأجساد والأرواح .
وقيل : تنازعوا في مدة لبثهم .
وقيل : في عددهم .
( ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم ) بيدروس الملك وأصحابه ( لنتخذن عليهم مسجدا )
«وكذلك» كما بعثناهم «أعثرنا» أطلعنا «عليهم» قومهم والمؤمنين «ليعلموا» أي قومهم «أن وعد الله» بالبعث «حق» بطريق أن القادر على إنامتهم المدة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى «وأن الساعة لا ريب» لا شك «فيها إذ» معمول لأعثرنا «يتنازعون» أي المؤمنون والكفار «بينهم أمرهم» أمر الفتية في البناء حولهم «فقالوا» أي الكفار «ابنوا عليهم» أي حولهم «بنيانا» يسترهم.
«ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم» أمر الفتية وهم المؤمنون «لنتخذن عليهم» حولهم «مسجدا» يصلى فيه، وفعل ذلك على باب الكهف.
وكما أنمناهم سنين كثيرة، وأيقظناهم بعدها، أطْلَعنا عليهم أهل ذلك الزمان، بعد أن كشف البائع نوع الدراهم التي جاء بها مبعوثهم؛ ليعلم الناس أنَّ وَعْدَ الله بالبعث حق، وأن القيامة آتية لا شك فيها، إذ يتنازع المطَّلِعون على أصحاب الكهف في أمر القيامة: فمِن مُثْبِتٍ لها ومِن مُنْكِر، فجعل الله إطْلاعهم على أصحاب الكهف حجة للمؤمنين على الكافرين.
وبعد أن انكشف أمرهم، وماتوا قال فريق من المطَّلِعين عليهم: ابنوا على باب الكهف بناءً يحجبهم، واتركوهم وشأنهم، ربهم أعلم بحالهم، وقال أصحاب الكلمة والنفوذ فيهم: لنتخذنَّ على مكانهم مسجدًا للعبادة.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ولعن مَن فَعَلَ ذلك في آخر وصاياه لأمته، كما أنه نهى عن البناء على القبور مطلقًا، وعن تجصيصها والكتابة عليها؛ لأن ذلك من الغلو الذي قد يؤدي إلى عبادة مَن فيها.
فقوله - سبحانه - : ( وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ليعلموا ) بيان للحكمة التى من أجلها أطلع الله - تعالى - الناس على هؤلاء الفتية .قال الآلوسى ما ملخصه : وأصل العثور السقوط للوجه ، يقال : عثُر عثورا وعِثارا إذا سقط لوجهه ، ومنه قولهم فى المثل : الجواد لا يكاد يعثر .
ثم تجوز به فى الاطلاع على أمر من غير طلبه .وقال بعضهم : لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثرته ، ورد العثور بمعنى الاطلاع والعرفان ، فهو فى ذلك مجاز مشهور بعلاقة السببية .ومفعول ( أعثرنا ) محذوف لقصد العموم ، أى : وكذلك أطلعنا الناس عليهم ، .والمعنى : وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة ، وبعثناهم هذا البعث الخاص ، أطلعنا الناس عليهم ليعلم هؤلاء الناس عن طريق المعاينة والمشاهدة ، ( أَنَّ وَعْدَ الله ) بالبعث ( حق ) وصدق وليعلموا كذلك أن الساعة ، أى القيامة ، آتية لا ريب فيها ، ولا شك فى حصولها ، فإن من شاهد أهل الكهف ، وعرف أحوالهم ، أيقن بأن من كان قادراً على إنامتهم تلك المدة الطويلة ثم على بعثهم بعد ذلك .
فهو قادر على إعادة الحياة إلى الموتى ، وعلى بعث الناس يوم القيامة للحساب والجزاء .وقد ذكروا فى كيفية إطلاع الناس عليهم روايات ملخصها : " أن زميلهم الذى أرسلوه بالدراهم إلى السوق ليشترى لهم طعاما عندما وصل إلى سوق المدينة ، عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام ، فدفع إليه ما معه من نقود لكى يأخذ فى مقابلها طعاما ، فلما رأى البائع النقود أنكرها - لأنها مصنوعة منذ زمن بعيد - وأخذ يطلع عليها بقية التجار ، فقالوا له : أين وجدت هذه الدراهم؟
فقال لهم : بعت بها أمس شيئا من التمر ، وأنا من أهل هذه المدينة ، وقد خرجت أنا وملائى إلى الكهف خوفا من إيذاء المشركين لنا ، فأخذوه إلى ملكهم وقصوا عليه قصته .
فسر الملك به ، وذهب معه إلى الكهف ليرى بقية زملائه فلما رآهم سلم عليهم .
.
ثم أماتهم الله - تعالى - " .ثم بين - سبحانه - ما كان من أمرهم بعد وفاتهم واختلاف الناس فى شأنهم ، فقال : ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) .والظرف " إذ " متعلق بمحذوف تقديره : اذكر ، و ( يتنازعون ) من التنازع بمعنى التخاصم والاختلاف ، والضمير فى ( أمرهم ) يعود إلى الفتنة .والمعنى : لقد قصصنا عليك - أيها الرسول الكريم - قصة هؤلاء الفتية .
وبينا لك أحوالهم عند رقادهم ، وبعد بعثهم من نومهم ، وبعد الإِعثار عليهم ، وكيف أن الذين عثروا عليهم صاروا يتنازعون فى شأنهم .
فمنهم من يقول إنهم وجدوا فى زمن كذا ، ومنهم من يقول إنهم مكثوا فى كهفهم كذا سنة ، ومنهم من يقول نبنى حولهم بنيانا صفته كذا .
اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة، فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالوا: إن أصل هذا أن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه، فكان العثار سبباً لحصول العلم والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين: الأول: أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد طالت طولاً خارجاً عن العادة.
والثاني: أن ذلك الرجل لما دخل إلى السوق ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام: هذه النقود غير موجودة في هذا اليوم.
وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة طويلة ودهر داهر فلعلك وجدت كنزاً، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم؟
فقال: بعت بها أمس شيئاً من التمر، وخرجنا فراراً من الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته ثم قال تعالى: ﴿ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ يعني أنا إنما أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك، وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً، وقال آخرون: الروح تبعث، وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل الكهف.
فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله: ﴿ إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ ﴾ متعلق بأعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم.
واختلفوا في المراد بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث، فالقائلون به استدلوا بهذه الواقعة على صحته، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها، وقيل: إن الملك وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى وقال آخرون بل الآن ماتوا.
والقول الثالث: أن بعضهم قال: الأولى أن يسد باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان.
وقال آخرون: بل الأولى أن يبنى على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة.
والقول الرابع: أن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنياناً، والمسلمون قالوا كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً.
والقول الخامس: أنهم تنازعوا في قدر مكثهم.
والسادس: أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم، ثم قال تعالى: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ وهذا فيه وجهان.
أحدهما: أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم.
الثاني: أن هذا من كلام الله تعالى ذكره رداً للخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ ﴾ قيل المراد به الملك المسلم، وقيل: أولياء أصحاب الكهف، وقيل: رؤساء البلد: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ﴾ نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد، ثم قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ عائد إلى المتنازعين.
روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال العاقب وكان نسطورياً كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو الحق ويدل عليه وجوه: الأول: أن الواو في قوله: ﴿ وَثَامِنُهُمْ ﴾ هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفي يده سيف، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ ﴾ وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، وأنهم قالوا قولاً متقرراً متحققاً عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس.
الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صوناً للفظ عن التعطيل، وكل من أثبت هذه الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح.
الوجه الثالث: أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً لهما في كونهما رجماً بالظن.
والوجه الرابع: أنه تعالى لما حكى قولهم: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ قال بعده: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ فاتباع القولين الأولين بكونهما رجماً بالغيب واتباع هذا القول الثالث بقوله: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ يدل على أن هذا القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة.
والوجه الخامس: أنه تعالى قال: ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك القليل وكل من قال من المسلمين قولاً في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا القول.
كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: كانوا سبعة وأسماؤهم هذا: يمليخا، مكسلمينا، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك، وكان عن يساره: مرنوس، ودبرنوس، وسادنوس، وكان الملك يستشير هؤلاء الستة في مهماته، والسابع هو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم كلبهم قطمير، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أنا من ذلك العدد القليل، وكان يقول: إنهم سبعة وثامنهم كلبهم.
الوجه السادس: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ولم يذكر ما هو الحق.
فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه الثلاثة، ثم خص الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق هو هذا الثالث.
الوجه السابع: أنه تعالى قال لرسوله؛ ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً ﴾ فمنعه الله تعالى عن المناظرة معهم وعن استفتائهم في هذا الباب، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة، وأيضاً أنه تعالى قال: ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ ويبعد أن يحصل العلم بذلك لغير النبي ولا يحصل للنبي، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي عليه السلام، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي، لأن الأصل فيما سواه العدم، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف من بعض إلا أنه لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام، والله أعلم.
بقي في الآية مباحث.
البحث الأول: في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه.
البحث الثاني: خص القول الأول بسين الاستقبال، وهو قوله سيقولون، والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه.
البحث الثالث: الرجم هو الرمي، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة، يقال فلان يرمي بالكلام رمياً، أي يتكلم من غير تدبر.
البحث الرابع: ذكروا في فائدة الواو في قوله: ﴿ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ وجوهاً الوجه الأول: ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال.
وثانيها: أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى: ﴿ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف، فقالوا وثمانية، فجاء هذا الكلام على هذا القانون، قالوا: ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات، وهي قوله: ﴿ والناهون عَنِ المنكر ﴾ لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها ﴾ لأن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب النار سبعة، وقوله: ﴿ ثيبات وَأَبْكَاراً ﴾ هو العدد الثامن مما تقدم، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية، ومعناه ما ذكرناه، قال القفال: وهذا ليس بشيء، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ هُوَ الله الذي لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ ولم يذكر الواو في النعت الثامن، ثم قال تعالى: ﴿ قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ وهذا هو الحق، لأن العلم بتفاصيل كائنات العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند الله تعالى، وإلا عند من أخبره الله عنها، وقال ابن عباس أنا من أولئك القليل، قال القاضي: إن كان قد عرفه ببيان الرسول صح، وإن كان قد تعلق فيه بحرف الواو فضعيف، ويمكن أن يقال: الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة أتبعه بأن نهى رسوله عن شيئين، عن المراء والاستفتاء، أما النهي عن المراء، فقوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا ﴾ والمراد من المراء الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد، بل يقول: هذا التعيين لا دليل عليه، فوجب التوقف وترك القطع.
ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ وأما النهي عن الاستفتاء فقوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً ﴾ ، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية قالوا لأن قوله: ﴿ رَجْماً بالغيب ﴾ وضع الرجم فيه موضع الظن فكأنه قيل: ظناً بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظن مكان قولهم ظن، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين، ألا ترى إلى قوله: وما هو عنها بالحديث المرجم *** أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء الظانين، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله، وجواب مثبتي القياس عنه قد ذكرناه مراراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم ﴿ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ﴾ وهو البعث؛ لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها كحال من يموت ثم يبعث.
و ﴿ إِذْ يتنازعون ﴾ متعلق بأعثرنا.
أي: أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد.
وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أنّ الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت ﴿ فَقَالُواْ ﴾ حين توفى الله أصحاب الكهف ﴿ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا ﴾ أي على باب كهفهم.
لئلا يتطرّق إليهم الناس ضناً بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحظيرة ﴿ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ ﴾ من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ ﴾ على باب الكهف ﴿ مَّسْجِدًا ﴾ يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم.
وقيل: إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي: يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم.
أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟
وكيف يسدّون الطريق إليهم، فقالوا: ابنوا على باب كهفهم بنيانا، روي أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك دقيانوس، فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومرّوا بكلب فتبعهم فطردوه، فأنطقه الله فقال: ما تريدون مني، أنا أحبّ أحباء الله، فناموا وأنا أحرسكم.
وقيل: مرّوا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقبل أن يبعثهم الله ملك مدينتهم رجل صالح مؤمن.
وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحاً وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ماسدّ به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقصّ عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شرّ الجنّ والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجداً ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا: ربهم أعلم بهم.
أو هو من كلام الله عز وجل ردّ لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ﴾ وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم لِتَزْدادَ بَصِيرَتُهم أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ.
﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلى حالِهِمْ.
﴿ أنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِالبَعْثِ أوِ المَوْعُودِ الَّذِي هو البَعْثُ.
﴿ حَقٌّ ﴾ لِأنَّ نَوْمَهم وانْتِباهَهم كَحالِ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ.
﴿ وَأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها ﴾ وأنَّ القِيامَةَ لا رَيْبَ في إمْكانِها، فَإنَّ مَن تَوَفّى نُفُوسَهم وأمْسَكَها ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ حافِظًا أبْدانَها عَنِ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ، ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها قَدَرَ أنْ يَتَوَفّى نُفُوسَ جَمِيعِ النّاسِ مُمْسِكًا إيّاها إلى أنْ يَحْشُرَ أبْدانَهم فَيَرُدَّها عَلَيْها.
﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿ أعْثَرْنا ﴾ أيْ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ.
﴿ بَيْنَهم أمْرَهُمْ ﴾ أمْرَ دِينِهِمْ، وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ تُبْعَثُ الأرْواحُ مُجَرَّدَةً وبَعْضُهم يَقُولُ يُبْعَثانِ مَعًا لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ أنَّهُما يُبْعَثانِ مَعًا، أوْ أمْرَ الفِتْيَةِ حِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ ثانِيًا بِالمَوْتِ فَقالَ بَعْضُهم، ماتُوا وقالَ آخَرُونَ نامُوا نَوْمَهم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ قالَتْ طائِفَةٌ نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيانًا يَسْكُنُهُ النّاسُ ويَتَّخِذُونَهُ قَرْيَةً، وقالَ آخَرُونَ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا يُصَلّى فِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ ﴾ اعْتِراضٌ إمّا مِنَ اللَّهِ رَدًّا عَلى الخائِضِينَ في أمْرِهِمْ مِن أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ في زَمانِهِمْ، أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ فِيهِمْ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ، أوْ مِنَ المُتَنازِعِينَ لِلرَّدِّ إلى اللَّهِ بَعْدَ ما تَذَكَّرُوا أمَرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أنْسابِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهم ذَلِكَ.
حُكِيَ أنَّ المَبْعُوثَ لَمّا دَخَلَ السُّوقَ وأخْرَجَ الدَّراهِمَ وكانَ عَلَيْها اسْمُ دِقْيانُوسَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ وجَدَ كَنْزًا فَذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ.
وكانَ نَصْرانِيًّا مُوَحِّدًا.
فَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ آباءَنا أخْبَرُونا أنَّ فَتِيَّةً فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِن دِقْيانُوسَ فَلَعَلَّهم هَؤُلاءِ، فانْطَلَقَ المَلِكُ وأهْلُ المَدِينَةِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وأبْصَرُوهم وكَلَّمُوهم، ثُمَّ قالَتِ الفِتْيَةُ لِلْمَلِكِ نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ ونُعِيذُكَ بِهِ مِن شَرِّ الجِنِّ والإنْسِ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ فَماتُوا فَدَفَنَهُمُ المَلِكُ في الكَهْفِ وبَنى عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
وقِيلَ لَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ لَهُمُ الفَتى مَكانَكم حَتّى أدْخَلَ أوَّلًا لِئَلّا يَفْزَعُوا، فَدَخَلَ فَعَمِيَ عَلَيْهِمُ المَدْخَلُ فَبَنَوْا ثَمَّ مَسْجِدًا.
<div class="verse-tafsir"
{وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} وكما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم {لِيَعْلَمُواْ} أي الذين أطلعناهم على حالهم {أَنَّ وَعْدَ الله} وهو البعث {حق} كأن لأن حالهم في نومهم وانتباههم بعدها
كحال من يموت ثم يبعث {وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا} فإنهم يستدلون بأمرهم على صحة البعث {إذ يتنازعون} متعلق باعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازع أهل ذلك الزمان {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول تبعت الأرواح دون الأجساد وبعضم يقول تبعث الأجساد مع الأرواح ليرتفع الخلاف وليتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت {فَقَالُواْ} حين توفى الله أصحاب الكهف {ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا} أي على باب كهفهم لئلا يتطرق إليهم الناس ضناً بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحظيرة {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم أو من كلام الله عز وجل ردا لقول الخائضين في {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ} من المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم {لَنَتَّخِذَنَّ} باب الكهف {مَّسْجِدًا} يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم روى ان أهل الانجيل
الكهف (٢٢)
عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها وممن شدد في ذلك دقيانوس فأراد فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل فأبوا إلا الثبات على الإيمان والتصلب فيه ثم هربوا إلى الكهف ومروا بكلب فتبعهم فطردوا فأنطقه الله تعالى فقال ما تريدون مني إني أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم وقيل مرواً براعٍ معه كلب فتبعهم على دينهم ودخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم وقبل أن يبعثهم الله مَلِكَ مدينتهم رجل صالح مؤمن وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحاً وجلس على رماد وسأل ربه أن يبين لهم الحق فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ما سد به فم الكهف ليتخذه حظيرة لغنمه ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج الورق وكان من ضرب
دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقص عليه القصة فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على الآية الدالة على البعث ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجدا
ثُمَّ إنَّ الفِتْيَةَ بَعَثُوا أحَدَهُمْ، وكانَ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ يَمْلِيخا، فَكانَ ما أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: كَما أنَمْناهم وبَعَثْناهم فالإشارَةُ إلى الإنامَةِ والبَعْثِ والإفْرادِ بِاعْتِبارِ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ.
وقالَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ: الإشارَةُ إلى البَعْثِ المَخْصُوصِ وهو البَعْثُ بَعْدَ تِلْكَ الإنامَةِ الطَّوِيلَةِ، وأصْلُ العُثُورِ كَما قالَ الرّاغِبُ السُّقُوطُ لِلْوَجْهِ، يُقالُ: عَثَرَ عُثُورًا وعِثارًا إذا سَقَطَ لِوَجْهِهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في المَثَلِ: الجَوادُ لا يَكادُ يَعْثُرُ، وقَوْلُهُمْ: مَن سَلَكَ الجُدُدَ أمِنَ العِثارَ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ في الِاطِّلاعِ عَلى أمْرٍ مِن غَيْرِ طَلَبِهِ.
وقالَ الإمامُ المُطَرِّزِيُّ: لَمّا كانَ كُلُّ عاثِرٍ يَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ عَثْرَتِهِ ورَدَ العُثُورُ بِمَعْنى الِاطِّلاعِ والعِرْفانِ فَهو في ذَلِكَ مَجازٌ مَشْهُورٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ وإنْ أوْهَمَ ذِكْرُ اللُّغَوِيِّينَ لَهُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ، وجَعَلَهُ الغُورِيُّ حَقِيقَةً في الِاطِّلاعِ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا وأمْرُ التَّجَوُّزِ عَلى حالِهِ، ومَفْعُولُ ﴿ أعْثَرْنا ﴾ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: وكَذَلِكَ أطْلَعْنا النّاسَ عَلَيْهِمْ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: أهْلَ مَدِينَتِهِمْ ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ أطْلَعْناهم عَلَيْهِمْ بِما عايَنُوا مِن أحْوالِهِمُ العَجِيبَةِ ﴿ أنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: وعْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالبَعْثِ عَلى أنَّ الوَعْدَ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ ومُتَعَلِّقُهُ مُقَدَّرٌ أوْ مَوْعُودُهُ تَعالى شَأْنُهُ الَّذِي هو البَعْثُ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُؤَوَّلٌ باسِمِ المَفْعُولِ المُرادُ مَوْعُودُهُ المَعْهُودُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ كُلُّ وعْدِهِ تَعالى أوْ كُلُّ مَوْعُودِهِ سُبْحانَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ حَقٌّ ﴾ صادِقٌ لا خُلْفَ فِيهِ أوْ ثابِتٌ مُتَحَقِّقٌ سَيَقَعُ ولا بُدَّ، قِيلَ: لِأنَّ نَوْمَهُمُ الطَّوِيلَ المُخالِفَ لِلْمُعْتادِ وانْتِباهَهم كالمَوْتِ والبَعْثِ.
﴿ وأنَّ السّاعَةَ ﴾ أيِ: القِيامَةَ الَّتِي هي في لِسانِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ وقْتِ بَعْثِ الخَلائِقِ جَمِيعًا لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
﴿ لا رَيْبَ فِيها ﴾ أيْ: يَنْبَغِي أنْ لا يُرْتابَ الآنَ في إمْكانِ وُقُوعِها لِأنَّهُ لا يَبْقى بِيَدِ المُرْتابِينَ في ذَلِكَ بُعْدُ النَّظَرِ والبَحْثِ سِوى الِاسْتِنادِ إلى الِاسْتِبْعادِ وعِلْمِهِمْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الأمْرِ الغَرِيبِ والحالِ العَجِيبِ الَّذِي لَوْ سَمِعُوهُ ولَمْ يَتَحَقَّقُوا وُقُوعَهُ لاسْتَبْعَدُوهُ وارْتابُوا فِيهِ ارْتِيابَهم في ذَلِكَ يَكْسِرُ شَوْكَةَ ذَلِكَ الِاسْتِبْعادِ ويَهْدِمُ ذَلِكَ الِاسْتِنادَ فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أنْ لا يَرْتابُوا.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَوْجِيهِ تَرَتُّبِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ عَلى الِاطِّلاعِ: إنَّ مَن شاهَدَ أنَّهُ جَلَّ وعَلا تَوَفّى نُفُوسَهم وأمْسَكَها ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ حافِظًا أبْدانَها مِنَ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ ثُمَّ أرْسَلَها إلَيْها لا يَبْقى مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ في أنَّ وعْدَهُ تَعالى حَقٌّ، وأنَّهُ تَعالى يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أرْواحَهم فَيُحاسِبُهم ويُجازِيهِمْ بِحَسْبِ أعْمالِهِمِ اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في اسْتِفادَةِ العِلْمِ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاةِ مِنَ الإطْلاعِ عَلى حالِ القَوْمِ نَظَرًا.
واعْتُرِضَ بِأنَّ المَطْلُوبَ في البَعْثِ إعادَةُ الأبْدانِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها وما في القِصَّةِ طُولُ حِفْظِ الأبْدانِ وأيْنَ هَذا مِن ذَلِكَ؟
والقَوْلُ بِأنَّهُ مَتى صَحَّ طُولُ حِفْظِ الأبْدانِ المُحْتاجَةِ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ صَحَّ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ عَلى إعادَتِها بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها بِطَرِيقِ الأوْلى غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ طُولَ الحِفْظِ المَذْكُورَ يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ بِطَرِيقِ الحَدْسِ فَلْيُتَدَبَّرْ.
ولَعَلَّ الأظْهَرَ تَوْجِيهُ التَّرَتُّبِ بِما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وتَوْضِيحُهُ أنَّ حالَ الفِتْيَةِ حَيْثُ نامُوا في تِلْكَ المُدَّةِ المَدِيدَةِ والسِّنِينَ العَدِيدَةِ وحُبِسَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ نُفُوسُهم وتَعَطَّلَتْ مَشاعِرُهم وحَواسُّهم مِن غَيْرِ تَصاعُدِ أبْخِرَةِ شَرابٍ وطَعامٍ أوْ نُزُولِ عِلَلٍ وأسْقامٍ، وحُفِظَتْ أبْدانُهم عَنِ التَّحَلُّلِ والتَّفَتُّتِ وأُبْقِيَتْ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الطَّراوَةِ والشَّبابِ في سالِفِ الأعْوامِ حَتّى رَجَعَتِ الحَواسُّ والمَشاعِرُ إلى حالِها وأُطْلِقَتِ النُّفُوسُ مِن عِقالِها وأُرْسِلَتْ إلى تَدْبِيرِ أبْدانِها والتَّصَرُّفِ في خُدّامِها وأعْوانِها فَرَأتِ الأمْرَ كَما كانَ، والأعْوانُ هُمُ الأعْوانُ ولَمْ تُنْكِرْ شَيْئًا عَهِدَتْهُ في مَدِينَتِها ولَمْ تَتَذَكَّرْ طُولَ حَبْسِها عَنِ التَّصَرُّفِ في سَرِيرِ سَلْطَنَتِها، وحالُ الَّذِينَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ ما تَعَطَّلَتْ مَشاعِرُهم وحُبِسَتْ نُفُوسُهم ثُمَّ لَمّا أُطْلِقَتْ وجَدَتْ رُبُوعًا عامِرَةً ومُنازِلَ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ دائِرَةً قائِلِينَ قَبْلَ أنْ يُكَشِّرَ عَنْ أنْيابِهِ العَنا: «مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا» في الغَرابَةِ مِن صُقْعٍ واحِدٍ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ أوْ مُعانِدٌ، ووُقُوعُ الأوَّلِ يُزِيلُ الِارْتِيابَ في إمْكانِ وُقُوعِ الثّانِي حَيْثُ كانَ مُسْتَنِدًا إلى الِاسْتِبْعادِ في الحَقِيقَةِ كَما سَمِعْتَ فِيما قَبْلُ لِبُطْلانِ أدِلَّةِ النّافِينَ لِلْحَشْرِ الجُسْمانِيِّ، نَعَمْ في تَرَتُّبِ العِلْمِ بِأنَّ البَعْثَ سَيَقَعُ لا مَحالَةَ عَلى نَفْسِ الاطِّلاعِ عَلى حالِ الفِتْيَةِ خَفاءٌ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ العِلْمَ المَذْكُورَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى إخْبارِ الصّادِقِ بِوُقُوعِهِ وعَلى إمْكانِهِ في نَفْسِهِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الِاطِّلاعُ المَذْكُورُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِالإمْكانِ وكانَ كالجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ العِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ بَلَغَهم خَبَرُ الصّادِقِ قِيلَ بِتَرَتُّبِ العِلْمِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وكَذا في تَرَتُّبِ العِلْمِ بِأنَّ كُلَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى حَقٌّ عَلى نَفْسِ الِاطِّلاعِ خَفاءٌ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِتَوْجِيهِهِ مِنَ الفُضَلاءِ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الَّذِي سَمِعْتَ مِمّا لا غُبارَ عَلَيْهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ الإمْكانِ بَعْدَ الوُقُوعِ لِيَلْغُوَ كَما زَعَمَهُ مَن زَعَمَهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الظّاهِرَ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ بِأنَّ كُلَّ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مُتَحَقِّقٌ، ويُجْعَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها ﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ عَلى مَعْنى لا رَيْبَ في تَحَقُّقِها وهو وجْهٌ في الآيَةِ إلّا أنَّ في دَعْوى الظُّهُورِ مَقالًا فَلا تَغْفُلْ.
﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِ «أعْثَرْنا» عَلَيْهِمْ قُدِّمَ عَلَيْهِ الغايَةُ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِذِكْرِها.
وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهُما كَوْنَهُ ظَرْفًا ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّنازُعَ يَحْدُثُ بَعْدَ الإعْثارِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وبِأنَّ التَّنازُعَ كانَ قَبْلَ العِلْمِ وارْتَفَعَ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ وقْتُهُ وقْتَهُ، ولِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ مَجالٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِ «حَقٌّ» أوْ لِ «وعْدٌ» وهو كَما تَرى.
وأصْلُ التَّنازُعِ التَّجاذُبُ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ التَّخاصُمِ، وهو بِاعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاعْتِبارِ التَّخاصُمِ يَتَعَدّى بِفي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ ﴾ وضَمِيرُ ﴿ يَتَنازَعُونَ ﴾ لَمّا عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ أيْ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلى أصْحابِ الكَهْفِ النّاسَ أوْ أهْلَ مَدِينَتِهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ ﴿ بَيْنَهم أمْرَهُمْ ﴾ ويَتَخاصَمُونَ فِيهِ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ ويَتَبَيَّنَ الحَقُّ، وضَمِيرُ ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ قِيلَ: عائِدٌ أيْضًا عَلى مَفْعُولِ ﴿ أعْثَرْنا ﴾ والمُرادُ بِالأمْرِ البَعْثُ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلَيْهِمُ اهْتِمامُهم بِشَأْنِهِ والوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ حالِهِ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِن مُقِرٍّ بِهِ وجاحِدٍ وقائِلٍ يَقُولُ: تُبْعَثُ الأرْواحُ دُونَ الأجْسادِ، وآخَرَ يَقُولُ بِبَعْثِهِما مَعًا كَما هو المَذْهَبُ الحَقُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ.
رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِ الفِتْيَةِ ومَضى دَهْرٌ طَوِيلٌ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِمُ الَّذِينَ اعْتَزَلُوهم وجاءَ غَيْرُهم وكانَ مِلْكُهم مُسْلِمًا فاخْتَلَفَ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ في أمْرِ البَعْثِ حَسْبَما فُصِّلَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المَلِكِ فانْطَلَقَ فَلَبِسَ المُسُوحَ وجَلَسَ عَلى الرَّمادِ ثُمَّ دَعا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: أيْ رَبِّ، قَدْ تَرى اخْتِلافَ هَؤُلاءِ فابْعَثْ لَهم آيَةً تُبَيِّنُ لَهُمْ، فَقَيَّضَ اللَّهُ تَعالى راعِيَ غَنَمٍ أدْرَكَهُ المَطَرُ فَلَمْ يَزَلْ يُعالِجُ ما سَدَّ بِهِ دِقْيانُوسُ بابَ الكَهْفِ حَتّى فَتَحَهُ وأدْخَلَ غَنَمَهُ فَلَمّا كانَ الغَدُ بُعِثُوا مِن نَوْمِهِمْ فَبَعَثُوا أحَدَهم لِيَشْتَرِيَ لَهم طَعامًا فَدَخَلَ السُّوقَ فَجَعَلَ يُنْكِرُ الوُجُوهَ ويَعْرِفُ الطُّرُقَ، ورَأى الإيمانَ ظاهِرًا بِالمَدِينَةِ، فانْطَلَقَ وهو مُسْتَخْفٍ حَتّى أتى رَجُلًا يَشْتَرِي مِنهُ طَعامًا، فَلَمّا نَظَرَ الوَرِقَ أنْكَرَها حَيْثُ كانَتْ مِن ضَرْبِ دِقْيانُوسَ كَأنَّها أخْفافُ الرُّبُعِ فاتَّهَمَهُ بِكَنْزٍ وقالَ: لَتَدُلَّنِي عَلَيْهِ أوْ لَأرْفَعَنَّكَ إلى المَلِكِ.
فَقالَ: هي مِن ضَرْبِ المَلِكِ.
ألَيْسَ مَلِكُكم فُلانًا؟
فَقالَ الرَّجُلُ: لا، بَلْ مَلِكُنا فُلانٌ وكانَ اسْمُهُ يَنْدُوسِيسَ، فاجْتَمَعَ النّاسُ وذَهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ وهو خائِفٌ فَسَألَهُ عَنْ شَأْنِهِ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ وكانَ قَدْ سَمِعَ أنَّ فِتْيَةً خَرَجُوا عَلى عَهْدِ دِقْيانُوسَ فَدَعا مَشْيَخَةَ أهْلِ مَدِينَتِهِ وكانَ رَجُلٌ مِنهم عِنْدَهُ أسْماؤُهم وأنْسابُهم فَسَألَهُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ وسَألَ الفَتى فَقالَ: صَدَقَ ثُمَّ قالَ المَلِكُ: أيُّها النّاسُ، هَذِهِ آيَةٌ بَعَثَها اللَّهُ تَعالى لَكم ثُمَّ خَرَجَ هو وأهْلُ المَدِينَةِ ومَعَهُمُ الفَتى فَلَمّا رَأى المَلِكُ الفِتْيَةَ اعْتَنِقْهم وفَرِحَ بِهِمْ ورَآهم جُلُوسًا مُشْرِقَةً وُجُوهُهم لَمْ تُبَلَّ ثِيابُهم فَتَكَلَّمُوا مَعَهُ وأخْبَرُوهُ بِما لَقُوا مِن دِقْيانُوسَ فَبَيْنَما هم بَيْنَ يَدَيْهِ قالُوا لَهُ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ تَعالى، والسَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى حَفِظَكَ اللَّهُ تَعالى وحَفِظَ مُلْكَكَ ونُعِيذُكَ بِاللَّهِ تَعالى مِن شَرِّ الإنْسِ والجِنِّ ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ فَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَقامَ المَلِكُ إلَيْهِمْ وجَعَلَ ثِيابَهُ عَلَيْهِمْ وأمَرَ أنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنهم في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ ونامَ أتَوْهُ في المَنامِ فَقالُوا: أرَدْتَ أنْ تَجْعَلَ كُلًّا مِنّا في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ فَلا تَفْعَلْ ودَعْنا في كَهْفِنا، فَمِنَ التُّرابِ خُلِقْنا وإلَيْهِ نَعُودُ فَجَعَلَهم في تَوابِيتَ مِن ساجٍ، وبَنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا.
ويُرْوى أنَّ الفَتى لَمّا أُتِيَ بِهِ إلى المَلِكِ قالَ: مَن أنْتَ؟
قالَ: أنا رَجُلٌ مِن أهْلِ هَذِهِ المَدِينَةِ، وذَكَرَ أنَّهُ خَرَجَ أمْسِ أوْ مُنْذُ أيّامٍ، وذَكَرَ مَنزِلَهُ وأقْوامًا لَمْ يَعْرِفْهم أحَدٌ، وكانَ المَلِكُ قَدْ سَمِعَ أنَّ فِتْيَةً قَدْ فُقِدُوا في الزَّمانِ الأوَّلِ، وأنَّ أسْماءَهم مَكْتُوبَةٌ عَلى لَوْحٍ في الخِزانَةِ فَدَعا بِاللَّوْحِ ونَظَرَ في أسْمائِهِمْ فَإذا هو مِن أُولَئِكَ القَوْمِ فَقالَ الفَتى: وهَؤُلاءِ أصْحابِي فَرَكِبَ القَوْمُ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا أتَوْا بابَ الكَهْفِ قالَ الفَتى: دَعُونِي حَتّى أدْخُلَ عَلى أصْحابِي فَأُبَشِّرُهم فَإنَّهم إذا رَأوْكم مَعِي رُعِبُوا فَدَخَلَ فَبَشَّرَهم وقَبَضَ اللَّهُ تَعالى أرْواحَهم وعُمِّيَ عَلى المَلِكِ ومَن مَعَهُ أثَرَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِمْ، فَبَنَوْا عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، وكانَ وُقُوفُهم عَلى حالِهِمْ بِإخْبارِ الفَتى وقَدِ اعْتَمَدُوا صِدْقَهُ وهَذا هو المُرادُ بِالإعْثارِ عَلَيْهِمْ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ لِلْفِتْيَةِ، والمُرادُ بِالأمْرِ الشَّأْنُ والحالُ الَّذِي كانَ قَبْلَ الإعْثارِ أيْ وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ حِينَ تَذاكُرِهِمْ بَيْنَهم أمْرَهم وما جَرى لَهم في عَهْدِ المَلِكِ الجَبّارِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ، ولَعَلَّهم قَدْ تَلَقَّوْا ذَلِكَ مِنَ الأساطِيرِ وأفْواهِ الرِّجالِ لَكِنَّهم لَمْ يَعْرِفُوا هَلْ بَقُوا أحْياءً أمْ حَلَّ بِهِمُ الفَناءُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقالُوا ابْنُوا ﴾ بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَصِيحَةٌ بِلا رَيْبٍ عَلى دَأْبِ اخْتِصاراتِ القُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ حِينَ تَنازُعِهِمْ في أمْرِ البَعْثِ فَتَحَقَّقُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّ هَؤُلاءِ آيَةٌ مِن آياتِنا فَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ حَصَلَ الغَرَضُ مِنَ الإعْثارِ ﴿ فَقالُوا ابْنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ، وكَذَلِكَ عَلى القَوْلِ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ حِينَ تَذاكُرِهِمْ أمْرَهم وما جَرى لَهم في عَهْدِ المَلِكِ الجَبّارِ ولَمْ يَكُونُوا عارِفِينَ بِما هم عَلَيْهِ فَوَقَفُوا مِن أحْوالِهِمْ عَلى ما وقَفُوا واتَّضَحَ لَهم ما كانُوا قَدْ جَهِلُوا فَتَوَفّاهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ حَصَلَ الغَرَضُ مِنَ الإعْثارِ ﴿ فَقالُوا ابْنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ أيْ قالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ ابْنُوا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى بابِ كَهْفِهِمْ ﴿ بُنْيانًا ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وهو كَما قالَ الرّاغِبُ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو جَمْعُ بُنْيانَةٍ كَشَعِيرٍ وشَعِيرَةٍ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ البَعْضِ عِنْدَ بَعْضٍ كانَ عَنِ اعْتِناءٍ بِالفَتِيَّةِ وذَلِكَ أنَّهم ضَنُّوا بِتُرْبَتِهِمْ فَطَلَبُوا البِناءَ عَلى بابِ كَهْفِهِمْ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ النّاسُ إلَيْهِمْ.
وجَوَّزُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ ﴾ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ اعْتِراضٌ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ المُعْثِرِينَ كَأنَّهم تَذاكَرُوا أمْرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أنْسابِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لُبْثِهِمْ فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَوَّضُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى عَلّامِ الغُيُوبِ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ رَدّا لِلْخائِضِينَ في أمْرِهِمْ إمّا مِنَ المُعْثِرِينَ أوْ مِمَّنْ كانَ في عَهْدِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ التِفاتٌ عَلى أحَدِ المَذْهَبَيْنِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ «أمْرَهُمْ» لِلْفِتْيَةِ، والمُرادُ بِالأمْرِ الشَّأْنُ والحالُ الَّذِي كانَ بَعْدَ الإعْثارِ عَلى أنَّ المَعْنى: إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم تَدْبِيرَ أمْرِهِمْ وحالِهِمْ حِينَ تُوُفُّوا كَيْفَ يَفْعَلُونَ بِهِمْ وبِماذا يُجِلُّونَ قَدْرَهم أوْ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم مِنَ المَوْتِ والحَياةِ حَيْثُ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بَعْدَ الإعْثارِ فَلَمْ يَدْرُوا هَلْ ماتُوا أوْ نامُوا كَما في أوَّلِ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ «إذْ» مَعْمُولًا لِ «اذْكُرْ» مُضْمَرًا أوْ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ .
ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ يَتَنازَعُونَ ﴾ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَيْسَ مِمّا يَسْتَمِرُّ ويَتَجَدَّدُ كالتَّنازُعِ، وصَرَّحَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ الفاءَ عَلى أوَّلِ المَعْنَيَيْنِ لِلتَّعْقِيبِ وعَلى ثانِيهِما فَصِيحَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ حِينَ يَتَنازَعُونَ في أنَّهم ماتُوا أوْ نامُوا ثُمَّ فَرَغُوا مِنَ التَّنازُعِ في ذَلِكَ واهْتَمُّوا بِإجْلالِ قَدْرِهِمْ وتَشْهِيرِ أمْرِهِمْ ﴿ فَقالُوا ابْنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ احْتِمالَ كَوْنِ ضَمِيرِ ( أمْرَهم ) لِلْمُعْثِرِينَ، وأنَّ المُرادَ مِن أمْرِهِمْ أمْرُ دِينِهِمْ وهو البَعْثُ واحْتِمالُ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْفِتْيَةِ، والمَعْنى حِينَئِذٍ: إذْ يَتَذاكَرُ النّاسُ بَيْنَهم أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ ويَتَكَلَّمُونَ في قِصَّتِهِمْ وما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآيَةِ فِيهِمْ، أوْ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم تَدْبِيرَ أمْرِهِمْ حِينَ تُوُفُّوا كَيْفَ يُخْفُونَ مَكانَهم وكَيْفَ يَسُدُّونَ الطَّرِيقَ إلَيْهِمْ، وجُعِلَ «إذْ» في الأوْجُهِ ظَرْفًا لِ «أعْثَرْنا».
وذَكَرَ صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ الفاءَ عَلى الأوَّلِ فَصِيحَةٌ لا مَحالَةَ وعَلى الأخِيرَيْنِ لِلتَّعْقِيبِ، أمّا عَلى الثّانِي مِنهُما فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهم لَمّا تَذاكَرُوا قِصَّتَهم وحالَهم وما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآيَةِ فِيهِمْ قالُوا: دَعُوا ذَلِكَ وابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا؛ أيْ: خُذُوا فِيما هو أهَمُّ إلى آخِرِ ما قالَ، واحْتِمالُ جَعْلِ الفاءِ فَصِيحَةً عَلى هَذا الأوَّلِ غَيْرُ بَعِيدٍ، وتَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ «أعْثَرْنا» عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ وكَذا عَلى ما نَقَلْناهُ آنِفًا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ إعْثارَهم لَيْسَ في وقْتِ التَّنازُعِ فِيما ذُكِرَ بَلْ قَبْلَهُ.
وجَعْلُ وقْتِ التَّنازُعِ مُمْتَدًّا يَقَعُ في بَعْضِهِ الإعْثارُ وفي بَعْضِهِ التَّنازُعُ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى مَعَ أنَّهُ لا مُخَصِّصَ لِإضافَتِهِ إلى التَّنازُعِ وهو مُؤَخَّرٌ في الوُقُوعِ، وحُكِيَ في البَحْرِ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، والمُرادُ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَزْدادُوا عِلْمًا بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ إلى آخِرِهِ، وجُعِلَ ذَلِكَ غايَةً لِلْإعْثارِ بِواسِطَةِ وُقُوفِهِمْ بِسَبَبِهِ عَلى مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بِما تَحَقَّقُوهُ مِن تَبَدُّلِ القُرُونِ، وجُعِلَ ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ ﴾ عَلى هَذا ابْتِداءَ إخْبارٍ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثُوا في عَهْدِهِمْ، وخُصَّ الأمْرُ المُتَنازَعُ فِيهِ بِأمْرِ البِناءِ والمَسْجِدِ، ويُخْتارُ حِينَئِذٍ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ «اذْكُرْ»، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَ ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِلْفِتْيَةِ وإنْ دَعا لِتَأْوِيلِ يَعْلَمُوا بِما سَمِعْتَ لَيْسَ بِبَعِيدِ الإرادَةِ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ إذا قُطِعَ النَّظَرُ عَنِ الأُمُورِ الخارِجِيَّةِ كالآثارِ، ولَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ فِيما أعْلَمُ إلى احْتِمالِ كَوْنِ الضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ ﴾ عائِدَةً عَلى الفِتْيَةِ كَضَمِيرِ يَعْلَمُوا، و( إذْ ) ظَرْفُ ﴿ أعْثَرْنا ﴾ والمُرادُ بِالأمْرِ المُتَنازَعِ مِقْدارَ زَمَنِ لُبْثِهِمْ وتَنازُعِهِمْ فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿ لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ وقَوْلُ الآخَرِ رَدًّا عَلَيْهِ: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ وحَيْثُ لَمْ يَتَّضِحِ الحالُ ولَمْ يَحْصُلِ الإجْماعُ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ كانَ التَّنازُعُ في حُكْمِ الباقِي فَكانَ زَمانُهُ مُمْتَدًّا فَصَحَّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْإعْثارِ، وضَمِيرُ ( فَقالُوا ) لِلْمُعْثِرِينَ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا النّاسَ عَلى الفِتْيَةِ وقْتَ تَنازُعِهِمْ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ لِيَزْدادُوا عِلْمًا بِالبَعْثِ فَكانَ ما كانَ وصارَ لَهم بَيْنَ النّاسِ شَأْنٌ أيُّ شَأْنٍ ﴿ فَقالُوا ابْنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ.
وكَأنَّ ذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ عَدَمِ مُساعَدَةِ الآثارِ إيّاهُ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِنَ احْتِمالِ كَوْنِ ﴿ رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ ﴾ مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ جِيءَ بِهِ لِرَدِّ المُتَنازِعِينَ مِنَ المُعْثِرِينَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وأمّا الِاحْتِمالُ الأخِيرُ فَبَعِيدٌ جِدًّا، والظّاهِرُ أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ المُعْثِرِينَ وهو شَدِيدُ المُلاءَمَةِ جِدًّا لِكَوْنِ التَّنازُعِ في أمْرِهِمْ مِنَ المَوْتِ والحَياةِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ غَرَضَ الطّائِفَتَيْنِ القائِلِينَ ﴿ ابْنُوا ﴾ إلى آخِرِهِ والقائِلِينَ ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ ﴾ إلى آخِرِهِ تَعْظِيمُهم وإجْلالُهُمْ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ غُلِبُوا عَلى أمْرِهِمْ كَما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الوُلاةُ، ويُلائِمُهُ ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ ﴾ دُونَ اتَّخِذُوا بِصِيغَةِ الطَّلَبِ المُعَبِّرِ بِها الطّائِفَةُ الأُولى، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ تَنْسُبُهُ الوُلاةُ إلى أنْفُسِها، وضَمِيرُ ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ هُنا قِيلَ لِلْمَوْصُولِ المُرادُ بِهِ الوُلاةُ، ومَعْنى غَلَبَتِهِمْ عَلى أمْرِهِمْ أنَّهم إذا أرادُوا أمْرًا لَمْ يَتَعَسَّرْ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم أحَدٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ .
وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ الضَّمِيرَ لِأصْحابِ الكَهْفِ، والمُرادُ بِالَّذِينِ غَلَبُوا قِيلَ المَلِكُ المُسْلِمُ، وقِيلَ: أوْلِياءُ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: رُؤَساءُ البَلَدِ؛ لِأنَّ مَن لَهُ الغَلَبَةُ في هَذا النِّزاعِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أحَدَ هَؤُلاءِ، والمَذْكُورُ في القِصَّةِ أنَّ المَلِكَ جَعَلَ عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدًا وجَعَلَ لَهُ في كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا عَظِيمًا، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أمْرُهم غَلَبَ المُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ لِأنَّ المَساجِدَ إنَّما تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ.
انْتَهى.
ويُبْعِدُ الأوَّلَ التَّعْبِيرُ بِما يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، والثّانِي إنْ أُرِيدَ مِنَ الأوْلِياءِ الأوْلِياءُ مِن حَيْثُ النَّسَبُ كَما في قَوْلِهِمْ أوْلِياءُ المَقْتُولِ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في أثَرِ أنَّ لِأصْحابِ الكَهْفِ حِينَ بُعِثُوا أوْلِياءَ كَذَلِكَ، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ المَوْصُولَ بِالمَلِكِ والمُسْلِمِينَ ولا بُعْدَ في إطْلاقِ الأوْلِياءِ عَلَيْهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ ويَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ الطّائِفَةَ الأُولى لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّها كانَتْ كافِرَةً، وأنَّها أرادَتْ بِناءِ بِيعَةٍ أوْ مَصْنَعٍ لِكُفْرِهِمْ فَمانَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ وبَنَوْا عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
وظاهِرُ هَذا الخَبَرِ أنَّ المَسْجِدَ مُقابِلُ البِيعَةِ، وما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِن أنَّ المَلِكَ بَنى عَلَيْهِمْ بِيعَةً فَكَتَبَ في أعْلاها: أبْناءُ الأراكِنَةِ أبْناءُ الدَّهاقِينِ ظاهِرٌ في عَدَمِ المُقابَلَةِ، ولَعَلَّهُ الحَقُّ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالمَسْجِدِ هُنا ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اليَوْمَ مِن مُصَلّى المُحَمَّدِيِّينَ بَلِ المُرادُ بِهِ مَعْبَدُ المُؤْمِنِينَ مِن تِلْكَ الأُمَّةِ، وكانُوا عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا نَصارى، وإنْ كانَ في المَسْألَةِ قَوْلٌ آخَرُ سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، ومَعْبَدُهم يُقالُ لَهُ بِيعَةٌ، وظاهِرُ ما تَقَدَّمَ أنَّ المَسْجِدَ اتُّخِذَ لِأنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ مَن شاءَ.
وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المَلِكَ قالَ: لَأتَّخِذَنَّ عِنْدَ هَؤُلاءِ القَوْمِ الصّالِحِينَ مَسْجِدًا فَلْأعْبُدَنَّ اللَّهَ تَعالى فِيهِ حَتّى أمُوتَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ اتُّخِذَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ إذا اسْتَيْقَظُوا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ نامُوا كَما نامُوا أوَّلًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم بَلْ قِيلَ إنَّهم لا يَمُوتُونَ حَتّى يَظْهَرَ المَهْدِيُّ ويَكُونُوا مِن أنْصارِهِ ولا مُعَوِّلَ عَلى ذَلِكَ وهو عِنْدِي أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ.
ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الطّائِفَةَ الأُولى الطّالِبَةَ لِبِناءِ البُنْيانِ عَلَيْهِمْ إذا كانَتْ كافِرَةً لَمْ تَكُنْ غايَةُ الإعْثارِ مُتَحَقِّقَةً في جَمِيعِ المُعْثِرِينَ، ولا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿ رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ ﴾ مُساقًا لِتَنْظِيمِ أمْرِ أصْحابِ الكَهْفِ، ولَعَلَّ تِلْكَ الطّائِفَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ حالَهم وأنَّهم نامُوا تِلْكَ المُدَّةَ ثُمَّ بُعِثُوا فَطَلَبَتِ انْطِماسَ الكَهْفِ عَلَيْهِمْ وأحالَتْ أمْرَهم إلى رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ: «غُلِبُوا» بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ووُجِّهَ بِذَلِكَ بِأنَّ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ المُعْثِرِينَ أرادَتْ أنْ لا يُبْنى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ ولا يُتَعَرَّضَ لِمَوْضِعِهِمْ، وطائِفَةٌ أُخْرى مِنهم أرادَتِ البِناءَ وأنْ لا يُطْمَسَ الكَهْفُ فَلَمْ يُمْكِنْ لِلطّائِفَةِ الأُولى مَنعُها ووَجَدَتْ نَفْسَها مَغْلُوبَةً فَقالَتْ: إنْ كانَ بُنْيانٌ ولا بُدَّ فَلَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
هَذا واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ البِناءِ عَلى قُبُورِ الصُّلَحاءِ واتِّخاذِ مَسْجِدٍ عَلَيْها وجَوازِ الصَّلاةِ في ذَلِكَ، ومِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ في حَواشِيهِ عَلى البَيْضاوِيِّ وهو قَوْلٌ باطِلٌ عاطِلٌ فاسِدٌ كاسِدٌ.
فَقَدْ رَوى أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى زائِراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ»».
ومُسْلِمٌ: ««ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ، فَإنِّي أنْهاكم عَنْ ذَلِكَ»».
وأحْمَدُ عَنْ أُسامَةَ وهو والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَعَنَ اللَّهُ تَعالى اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»».
وأحْمَدُ والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ: ««إنَّ أُولَئِكَ إذا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ فَماتَ بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ: ««إنَّ مِن شَرارِ النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، ومَن يَتَّخِذُ القُبُورَ مَساجِدَ»».
وعَبْدُ الرَّزّاقِ: ««مِن شِرارِ أُمَّتِي مَن يَتَّخِذُ القُبُورَ مَساجِدَ»».
وأيْضًا: ««كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ اتَّخَذُوا القُبُورَ مَساجِدَ فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ والآثارِ الصَّرِيحَةِ.
وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في الزَّواجِرِ أنَّهُ وقَعَ في كَلامِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَدُّ اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ والصَّلاةِ إلَيْها واسْتِلامِها والطَّوافِ بِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ، وكَأنَّهُ أُخِذَ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الأحادِيثِ، ووَجْهُ اتِّخاذِ القَبْرِ مَسْجِدًا واضِحٌ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَعَنَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ في قُبُورِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَعَلَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِقُبُورِ الصُّلَحاءِ شِرارَ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَفِيهِ تَحْذِيرٌ لَنا، واتِّخاذُ القَبْرِ مَسْجِدًا مَعْناهُ الصَّلاةُ عَلَيْهِ أوْ إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: «والصَّلاةِ إلَيْها» مُكَرَّرًا إلّا أنْ يُرادَ بِاتِّخاذِها مَساجِدَ الصَّلاةُ عَلَيْها فَقَطْ، نَعَمْ إنَّما يَتَّجِهُ هَذا الأخْذُ إنْ كانَ القَبْرُ قَبْرَ مُعَظَّمٍ مِن نَبِيٍّ أوْ ولِيٍّ كَما أشارَتْ إلَيْهِ رِوايَةُ: ««إذا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ»».
ومِن ثَمَّ قالَ أصْحابُنا: تَحْرُمُ الصَّلاةُ إلى قُبُورِ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ تَبَرُّكًا وإعْظامًا فاشْتَرَطُوا شَيْئَيْنِ: أنْ يَكُونَ قَبْرَ مُعَظَّمٍ، وأنْ يُقْصَدَ الصَّلاةُ إلَيْها، ومِثْلُ الصَّلاةِ عَلَيْهِ التَّبَرُّكُ والإعْظامُ، وكَوْنُ هَذا الفِعْلِ كَبِيرَةً ظاهِرٌ مِنَ الأحادِيثِ، وكَأنَّهُ قاسَ عَلَيْهِ كُلَّ تَعْظِيمٍ لِلْقَبْرِ كَإيقادِ السُّرُجِ عَلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ وتَبَرُّكًا بِهِ والطَّوافِ بِهِ كَذَلِكَ، وهو أخْذٌ غَيْرُ بَعِيدٍ سِيَّما وقَدْ صَرَّحَ في بَعْضِ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ بِلَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ عَلى القَبْرِ سِراجًا، فَيُحْمَلُ قَوْلُ الأصْحابِ بِكَراهَةِ ذَلِكَ عَلى ما إذا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ تَعْظِيمًا وتَبَرُّكًا بِذِي القَبْرِ.
وقالَ بَعْضُ الحَنابِلَةِ: قَصْدُ الرَّجُلِ الصَّلاةَ عِنْدَ القَبْرِ مُتَبَرِّكًا بِهِ عَيْنُ المُحادَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ، وإبْداعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِلنَّهْيِ عَنْها ثُمَّ إجْماعًا فَإنَّ أعْظَمَ المُحَرَّماتِ وأسْبابِ الشِّرْكِ الصَّلاةُ عِنْدَها واتِّخاذُها مَساجِدَ أوْ بِناؤُها عَلَيْها، وتَجِبُ المُبادَرَةُ لِهَدْمِها وهَدْمِ القِبابِ الَّتِي عَلى القُبُورِ إذْ هي أضَرُّ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ لِأنَّها أُسِّسَتْ عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهى عَنْ ذَلِكَ وأمَرَ بِهَدْمِ القُبُورِ المُشْرِفَةِ، وتَجِبُ إزالَةُ كُلِّ قِنْدِيلٍ وسِراجٍ عَلى قَبْرٍ ولا يَصِحُّ وقْفُهُ ولا نَذْرُهُ.
اه.
وفِي المِنهاجِ وشَرْحِهِ لِلْعَلّامَةِ المَذْكُورِ: ويُكْرَهُ تَجْصِيصُ القَبْرِ والبِناءُ عَلَيْهِ في حَرِيمِهِ وخارِجِهِ في غَيْرِ المُسَبَّلَةِ إلّا إنْ خُشِيَ نَبْشٌ أوْ حَفْرُ سَبُعٍ أوْ هَدْمُ سَيْلٍ ويَحْرُمُ البِناءُ في المُسَبَّلَةِ، وكَذا تُكْرَهُ الكِتابَةُ عَلَيْهِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنِ الثَّلاثَةِ سَواءٌ كِتابَةُ اسْمِهِ وغَيْرِهِ في لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ أوْ في غَيْرِهِ، نَعَمْ بَحَثَ الأذْرُعِيُّ حُرْمَةَ كِتابَةِ القُرْآنِ لِتَعْرِيضِهِ لِلِامْتِهانِ بِالدَّوْسِ والتَّنْجِيسِ بِصَدِيدِ المَوْتى عِنْدَ تَكَرُّرِ الدَّفْنِ ووُقُوعِ المَطَرِ، ونُدِبَ كِتابَةُ اسْمِهِ لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيفِ بِهِ عَلى طُولِ السِّنِينَ لا سِيَّما قُبُورُ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ لِأنَّهُ طَرِيقٌ لِلْإعْلامِ المُسْتَحَبِّ، ولَمّا رَوى الحاكِمُ النَّهْيَ قالَ: لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ الآنَ فَإنَّ أئِمَّةَ المُسْلِمِينَ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مَكْتُوبٌ عَلى قُبُورِهِمْ، فَهو عَمَلٌ أخَذَ بِهِ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ.
ويُرَدُّ بِمَنعِ هَذِهِ الكُلِّيَّةِ وبِفَرْضِها فالبِناءُ عَلى قُبُورِهِمْ أكْثَرُ مِنَ الكِتابَةِ عَلَيْها في المَقابِرِ المُسَبَّلَةِ كَما هو مُشاهَدٌ لا سِيَّما بِالحَرَمَيْنِ ومِصْرَ ونَحْوِها وقَدْ عَلِمُوا بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَكَذا هِيَ، فَإنْ قُلْتَ: هو إجْماعٌ فِعْلِيٌّ فَهو حُجَّةٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ قُلْتُ: مَمْنُوعٌ بَلْ هو أكْثَرِيٌّ فَقَطْ؛ إذْ لَمْ يُحْفَظْ ذَلِكَ حَتّى عَنِ العُلَماءِ الَّذِينَ يَرَوْنَ مَنعَهُ، وبِفَرْضِ كَوْنِهِ إجْماعًا فِعْلِيًّا فَمَحَلُّ حُجِّيَّتِهِ كَما هو ظاهِرٌ إنَّما هو عِنْدَ صَلاحِ الأزْمِنَةِ بِحَيْثُ يُنْفَّذُ فِيها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ تَعَطَّلَ ذَلِكَ مُنْذُ أزْمِنَةٍ.
ولَوْ بُنِيَ نَفْسُ القَبْرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ مِمّا مَرَّ كَما هو ظاهِرٌ أوْ نَحْوَ تَحْوِيطٍ أوْ قُبَّةٍ عَلَيْهِ في مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ كَأرْضِ مَواتٍ اعْتادُوا الدَّفْنَ فِيها أوْ مَوْقُوفَةً لِذَلِكَ، بَلْ هي أوْلى هَدْمٍ وُجُوبًا لِحُرْمَتِهِ كَما في المَجْمُوعِ لِما فِيهِ مِنَ التَّضْيِيقِ مَعَ أنَّ البِناءَ يَتَأبَّدُ بَعْدَ انْمِحاقِ المَيِّتِ فَيُحَرِّمُ النّاسُ تِلْكَ البُقْعَةَ، وهَلْ مِنَ البِناءِ ما اعْتِيدَ مِن جَعْلِ أرْبَعَةِ أحْجارٍ مُرَبَّعَةٍ مُحِيطَةً بِالقَبْرِ مَعَ لَصْقِ كُلِّ رَأْسٍ مِنها بِرَأْسِ الآخَرِ بِجِصٍّ مُحْكَمٍ أوَّلًا لِأنَّهُ لا يُسَمّى بِناءً عُرْفًا؟
والَّذِي يَتَّجِهُ الأوَّلُ لِأنَّ العِلَّةَ مِنَ التَّأْبِيدِ مَوْجُودَةٌ هُنا، وقَدْ أفْتى جَمْعٌ بِهَدْمِ كُلِّ ما بِقَرافَةِ مِصْرَ مِنَ الأبْنِيَةِ حَتّى قُبَّةِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي بَناها بَعْضُ المُلُوكِ، ويَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ هَدْمُ ذَلِكَ ما لَمْ يُخْشَ مِنهُ مَفْسَدَةٌ فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ لِلْإمامِ أخْذًا مِن كَلامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ في الصُّلْحِ.
انْتَهى.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي الهِياجِ الأسَدِيِّ قالَ: «قالَ لِي عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أبْعَثُكَ عَلى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ؛ أنْ لا تَدَعَ تِمْثالًا إلّا طَمَسْتَهُ، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلّا سَوَّيْتَهُ».
قالَ ابْنُ الهُمامِ في فَتْحِ القَدِيرِ: وهو مَحْمُولٌ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن تَعْلِيَةِ القُبُورِ بِالبِناءِ الحَسَنِ العالِي، والأحادِيثُ وكَلامُ العُلَماءِ المُنْصِفِينَ المُتَّبِعِينَ لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيِّ وجاءَ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، لا يُقالُ: إنَّ الآيَةَ ظاهِرَةٌ في كَوْنِ ما ذُكِرَ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا وقَدِ اسْتُدِلَّ بِها.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ««مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها»» الحَدِيثَ.
ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ وهو مَقُولٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسِياقُهُ الِاسْتِدْلالُ.
واحْتَجَّ مُحَمَّدٌ عَلى جَوازِ قِسْمَةِ الماءِ بِطَرِيقِ المُهايَأةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَها شِرْبٌ ﴾ الآيَةَ ﴿ ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ وأبُو يُوسُفَ عَلى جَرْيِ القَوَدِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى بِآيَةِ: ﴿ وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ ﴾ والكَرْخِيُّ عَلى جَرْيِهِ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ والمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ بِتِلْكَ الآيَةِ الوارِدَةِ في بَنِي إسْرائِيلَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: مَذْهَبُنا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا وإنْ كانَ إنَّهُ يَلْزَمُنا عَلى أنَّهُ شَرِيعَتُنا لَكِنْ لا مُطْلَقًا، بَلْ إنْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِلا إنْكارٍ، وإنْكارُ رَسُولِهِ كَإنْكارِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ سَمِعْتُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَعَنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ المَساجِدَ عَلى القُبُورِ، عَلى أنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَنا مَمْنُوعٌ، وكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ مِنَ الشَّرائِعِ المُتَقَدِّمَةِ مَعَ ما سَمِعْتَ مِن لَعْنِ اليَهُودِ والنَّصارى حَيْثُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ.
والآيَةُ لَيْسَتْ كالآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا احْتِجاجَ الأئِمَّةِ بِها، ولَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن حِكايَةِ قَوْلِ طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ وعَزْمِهِمْ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ ولَيْسَتْ خارِجَةً مَخْرَجَ المَدْحِ لَهم والحَضِّ عَلى التَّأسِّي بِهِمْ فَمَتى لَمْ يَثْبُتْ أنَّ فِيهِمْ مَعْصُومًا لا يَدُلُّ فِعْلُهم فَضْلًا عَنْ عَزْمِهِمْ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ ما كانُوا بِصَدَدِهِ، ومِمّا يُقَوِّي قِلَّةَ الوُثُوقِ بِفِعْلِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِمُ الأُمَراءُ والسَّلاطِينُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.
وعَلى هَذا لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الطّائِفَةَ الأُولى كانُوا مُؤْمِنِينَ عالِمِينَ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ اتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ فَأشارُوا بِالبِناءِ عَلى بابِ الكَهْفِ وسَدِّهِ وكَفِّ كَفِّ التَّعَرُّضِ عَنْ أصْحابِهِ فَلَمْ يَقْبَلِ الأُمَراءُ مِنهم وغاظَهم ذَلِكَ حَتّى أقْسَمُوا عَلى اتِّخاذِ المَسْجِدِ، وكانَ الأوَّلِينَ إنَّما لَمْ يُشِيرُوا بِالدَّفْنِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ هو المَشْرُوعُ؛ إذْ ذاكَ في المَوْتى كَما أنَّهُ هو المَشْرُوعُ عِنْدَنا فِيهِمْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِمْ مَوْتَهُمْ، ومَنَعَهم مِن تَحْقِيقِهِ أنَّهم لَمْ يَقْدِرُوا كَما أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ لِما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ ولِهَذا قالُوا: ﴿ رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ ﴾ وإنْ أبَيْتَ إلّا حُسْنَ الظَّنِّ بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ فَلَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ اتِّخاذَهُمُ المَسْجِدَ عَلَيْهِمْ لَيْسَ عَلى طَرْزِ اتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ المَلْعُونُ فاعِلُهُ، وإنَّما هو اتِّخاذُ مَسْجِدٍ عِنْدَهم وقَرِيبًا مِن كَهْفِهِمْ، وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِالعِنْدِيَّةِ في رِوايَةِ القِصَّةِ عَنِ السُّدِّيِّ ووَهْبٍ، ومِثْلُ هَذا الِاتِّخاذِ لَيْسَ مَحْظُورًا إذْ غايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ نِسْبَةُ المَسْجِدِ إلى الكَهْفِ الَّذِي هم فِيهِ كَنِسْبَةِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ إلى المَرْقَدِ المُعَظَّمِ ، ويَكُونُ قَوْلُهُمْ: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى هَذا لِمُشاكَلَةِ قَوْلِ الطّائِفَةِ: ﴿ ابْنُوا عَلَيْهِمْ ﴾ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ ذَلِكَ الِاتِّخاذَ كانَ عَلى الكَهْفِ فَوْقَ الجَبَلِ الَّذِي هو فِيهِ، وفي خَبَرِ مُجاهِدٍ أنَّ المَلِكَ تَرَكَهم في كَهْفِهِمْ وبَنى عَلى كَهْفِهِمْ مَسْجِدًا وهَذا أقْرَبُ لِظاهِرِ اللَّفْظِ كَما لا يَخْفى، وهَذا كُلُّهُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ ماتُوا بَعْدَ الإعْثارِ عَلَيْهِمْ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم نامُوا كَما نامُوا أوَّلًا فَلا يُحْتاجُ إلَيْهِ عَلى ما قِيلَ، وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي لِمَن لَهُ أدْنى رُشْدٍ أنْ يَذْهَبَ إلى خِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ والآثارُ الصَّرِيحَةُ مُعَوِّلًا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في الغَوايَةِ غايَةٌ وفي قِلَّةِ النُّهى نِهايَةٌ، ولَقَدْ رَأيْتُ مَن يُبِيحُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ في قُبُورِ الصّالِحِينَ مِن إشْرافِها وبِنائِها بِالجِصِّ والآجُرِّ وتَعْلِيقِ القَنادِيلِ عَلَيْها والصَّلاةِ إلَيْها والطَّوافِ بِها واسْتِلامِها والِاجْتِماعِ عِنْدَها في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وبِما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ القِصَّةِ مِن جَعْلِ المَلِكِ لَهم في كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا وجِعْلِهِ إيّاهم في تَوابِيتَ مِن ساجٍ ومَقِيسًا البَعْضَ عَلى البَعْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحادَّةٌ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ، وإبْداعُ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
ويَكْفِيكَ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ تَتَبُّعُ ما صَنَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ في قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو أفْضَلُ قَبْرٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، بَلْ أفْضَلُ مِنَ العَرْشِ، والوُقُوفُ عَلى أفْعالِهِمْ في زِيارَتِهِمْ لَهُ والسَّلامُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَتَتَبَّعْ ذاكَ وتَأمَّلْ ما هُنا وما هُناكَ.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ مَوْضِعِ المَسْجِدِ والكَهْفِ وقَدْ مَرَّتْ عَلَيْكَ بَعْضُ الأقْوالِ.
وفي البَحْرِ أنَّ في الشّامِ كَهْفًا فِيهِ مَوْتى ويَزْعُمُ مُجاوِرُوهُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وبِناءٌ يُسَمّى الرَّقِيمَ، ومَعَهم كَلْبٌ رِمَّةٌ، وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ رِمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السّالِفَةُ ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ فَرَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ وهم بِهَذِهِ الحالَةِ وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَّقِيمَ، كَأنَّهُ قَصْرٌ مُخَلَّقٌ، قَدْ بَقِيَ بَعْضُ جُدْرانِهِ وهو في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ خَرِبَةٍ وبِأعْلى حِصْنِ غَرْناطَةَ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ آثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْيُوسَ وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ.
انْتَهى، وحِينَ كُنّا بِالأنْدَلُسِ كانَ النّاسَ يَزُورُونَ هَذا الكَهْفَ ويَذْكُرُونَ أنَّهم يَغْلَطُونَ في عِدَّتِهِمْ إذا عَدُّوهُمْ، وأنَّ مَعَهم كَلْبًا ويَرْحَلُ النّاسُ إلى لُوشَةَ لِزِيارَتِهِمْ، وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ المَدِينَةِ القَدِيمَةِ فَقَدْ مَرَرْتُ عَلَيْها مِرارًا لا تُحْصى، وشاهَدْتُ فِيها حِجارَةً كِبارًا، ويَتَرَجَّحُ كَوْنُ ذَلِكَ بِالأنْدَلُسِ لِكَثْرَةِ دِينِ النَّصارى بِها حَتّى أنَّها هي بِلادُ مَمْلَكَتِهِمُ العُظْمى، ولِأنَّ الإخْبارَ بِما هو في أقْصى مَكانٍ مِن أرْضِ الحِجازِ أغْرَبُ وأبْعَدُ أنْ يُعْرَفَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
انْتَهى.
وما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُعاوِيَةَ يُضْعِفُ ما ادُّعِيَ تَرَجُّحُهُ لِأنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَدْخُلِ الأنْدَلُسَ، وتَسْمِيَةُ الأنْدَلُسِيِّينَ نَصارى الأنْدَلُسِ بِالرُّومِ في نَثْرِهِمْ ونَظْمِهِمْ ومُخاطَبَةِ عامَّتِهِمْ كَما في البَحْرِ أيْضًا لا يُجْدِي نَفْعًا، وقَدْ عَوَّلَ الكَثِيرُ عَلى أنَّ ذَلِكَ في طَرْسُوسَ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
وقال: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ، أيقظناهم من نومهم.
لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ، ليتحدثوا.
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، أي: كم مكثتم في نومكم؟
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً.
فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: «كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل» .
قرأ ابن كثير ونافع وَلَمُلِئْتَ بتشديد اللام، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان.
وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بِوَرِقِكُمْ بجزم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان.
فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً، أي أطيب خبزاً أو أحل ذبيحة، وهذا قول ابن عباس، ويقال: أي أهلها أزكى طعاماً.
وقال عكرمة: أي أكثر وأرخص طعاما.
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ، أي بطعام مِنْهُ.
وَيُقَالُ: أَزْكى طَعاماً أي: لم يكن غصبا.
وَلْيَتَلَطَّفْ، أي: وليرفق في السؤال.
وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً، أي لا يُعلمن بمكانكم أحداً من الناس.
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، يعني: إن يطلعوا عليكم يَرْجُمُوكُمْ، يقتلوكم.
أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا إذاً أبداً إن عبدتم غير الله تعالى.
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ، يقول: أطلعنا الملك عليهم.
قال القتبي: وأصله في اللغة أن من عثر بشيء، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبين والظهور لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، يعني: البعث بعد الموت.
وذلك أن القوم كانوا مختلفين، منهم من كان مقراً بالبعث، ومنهم من كان جاحداً، فلما ظهر حالهم، عرفوا أن البعث حق وأنه كائن.
وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، يعني: إذ يختلفون فيما بينهم، وقال بعضهم: اختلفوا في عددهم وقال بعضهم: اختلفوا، فقال المؤمنون: فيما بينهم نبني مسجداً وقالت النصارى: نبني كنيسة، فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد.
فذلك قوله: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي مسجداً.
رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، أي عالم بِهِمْ.
قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ، الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون.
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً قال الزجاج: فيه دليل أنه ظهر أمرهم، وغلب الذين أقروا بالبعث على غيرهم، لأنهم اتخذوا مسجداً، والمسجد للمسلمين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الإِشارة إلى الأمر بجملته.
وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ ...
الآية: ذكر بعض المفسِّرين أن تقليبهم إِنما كان حفظاً من الأرض، وروي عن ابن عبَّاس، أنه قال لو مَسَّتهم الشمْسُ، لأحرقتهم، ولولا التقليبُ، لأكلتهم «١» الأرض، وظاهر كلام المفسِّرين أن التقليب كان بأمر اللَّه وفعْلِ ملائكته، ويحتمل أنْ يكون ذلك بإِقدار اللَّه إِياهم على ذلك، وهم في غَمْرة النَّوْم.
وقوله: وَكَلْبُهُمْ: أكثر المفسِّرين على أنه كَلْبٌ حقيقة.
قال ع «٢» : وحدثني أَبِي رحمه الله قال: سَمِعْتُ أبا الفضل بن الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ مِصْرَ يقُولُ على منبر وعْظِهِ سنَةَ تسْعٍ وستِّينَ وأربعمائةٍ: مَنْ أحَبَّ أهْلَ الخير، نال مِنْ بركتهم، كَلْبٌ أحبَّ أهْل الفضل، وصَحبهم، فَذَكَره اللَّه في مُحْكَم تنزيله.
و «الوَصِيدُ» العَتَبة التي لباب الكهْفِ أو موضعها إِن لم تكنْ، وقال ابن عباس:
«الوصيد» »
الباب والأول أصحُّ، والباب المُوَصَدُ هو المُغْلَق، ثم ذكر سبحانه ما حفَّهم به من الرُّعْب، واكتنفهم من الهَيْبة، حْفظاً منه سبحانه لهم، فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ...
الآية.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ الإِشارة ب «ذلك» إلى الأمر الذي ذكَره اللَّه في جِهَتِهِمْ، والعبرة التي فعلها فيهم، «والبَعْث» : التحريك عن سكونٍ، واللام في قوله: لِيَتَسائَلُوا لام الصيرورة، وقول القائلِ: كَمْ لَبِثْتُمْ يقتضى أنه هجس في خاطره
طُولُ نومهم، واستشعر أنَّ أمرهم خَرَجَ عن العادة بعضَ الخروجِ، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حالٍ منَ الوَقْت، والهواء الزمانيُّ لا يباين الحالة التي ناموا عليها، وقولهم:
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ يروى أنهم انتبهوا، وهُمْ جيَاعٌ، وأنَّ المبعوثَ هو تَمْلِيخَا، وروي أن باب الكهف انهدَمَ بناءُ الكفَّار منه لطول السنين، ويروى أن راعياً هدمه ليدخل فيه غنمه، فأخذ تمليخا ثياباً رثَّةً منْكَرة ولبسها، وخرَجَ من الكهف، فأنكر ذلك البِنَاءَ المهدُومَ إذ لم يعرفه بالأمْسِ، ثم مَشى، فجعل يُنْكِر الطريق والمعالمَ، ويتحيَّر وهو في ذلك لا يشعر شعوراً تامًّا، بل يكذِّب ظنه فيما تغيَّر عنده حتى بَلَغَ بابَ المدينة، فرأى على بابها أمَارة الإِسلام، فزادَتْ حَيْرَتُه، وقال: كيف هَذَا بِبَلد دقْيُوس، وبالأمْسِ كنا معه تَحْتَ ما كنا، فنهض إلى بابٍ آخر، فرأى نحواً من ذلك حتى مشَى الأبوابَ كلَّها، فزادَتْ حيرته، ولم يميِّز بشراً، وسمع الناس يُقْسِمُون باسم عيسى، فاستراب بنَفْسه، وظنَّ أنه جُنَّ، أو انفسد عقله، فبقي حَيْرَان يدعو اللَّه تعالى، ثم نهض إِلى باب الطعام الذي أراد/ اشتراءه، فقال: يا عبد اللَّه، بِعْنِي من طعامك بهذه الوَرِقِ، فدفع إِليه دَرَاهِمَ، كأخْفَافِ الربع فيما ذُكِرَ، فعجب لها البائعُ ودَفَعَهَا إلى آخر يُعَجِّبُهُ، وتعاطَاهَا النَّاسُ، وقالوا له: هذه دراهِمُ عَهْدِ فلانٍ المَلِكِ، مِنْ أيْن أنْتَ؟
وكَيْفَ وجدتَّ هذا الكَنْزَ، فجعل يبهت ويعجَبُ، وقد كان بالبلد مشهوراً هو وبَيْتُهُ، فقال: ما أعرفُ غير أنِّي وأصْحَابي خَرَجْنا بالأمْس من هذه المدينةِ، فقال النَّاس: هذا مجنونٌ، اذهبوا به إِلى المَلِكِ، ففزِعَ عند ذلك، فَذُهِبَ به حتى جيءَ به إلى المَلِكِ، فلما لم يَرَ دْقيُوس الكافِرَ، تأنَّس، وكان ذلك المَلِكُ مؤمناً فاضلاً يسمَّى تبدوسِيس، فقال له المَلِكُ: أين وجدت هذا الكَنْز؟
فقال له: إِنما خرجْتُ أنا وأصْحَابي أمْس من هذه المدينة، فأوينا إِلى الكَهْف الذي في جَبَل أنجلوس، فلما سمع المَلِكُ ذلك، قال في بعض ما رُوِيَ: لعلَّ اللَّه قَدْ بعث لكُمْ أيُّها الناس آيَةً فَلْنَسِرْ إِلى الكهف، حتى نرى أصحابه، فساروا، وروي أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاءِ هُمُ الفتيةُ الذين ورِّخَ أمرهم على عهد دقْيُوس المَلِك، وكتب على لُوح النُّحَاس بباب المدينةِ، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف، قال تَمْليَخا: أدخُلُ عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمْر، وأن الأمة أمَّة إِسْلام، فروي أنهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى الملك، وعظَّموه، وعظَّمهم، ثم رجَعُوا إلى الكهف، وأكثرُ الروايات على أنهم ماتُوا حين حدَّثهم تملِيخَا، فانتظرهم النَّاسُ، فلما أبطأ خروجُهم، دَخَل الناس إليهم، فرعبَ كلُّ من دخل، ثم أقدموا فوجَدُوهم موتى، فتنازعوا بحَسَب ما يأتى، وفي هذه القصص من الاختلاف ما تَضِيقُ به الصُحفُ فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسَّر ألفاظ الآيةِ، واعتمدتُّ الأصحَّ واللَّه المعينُ برحمته، وفي هذا البعث بالورق جواز الوكالة، وصحّتها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ أيْ: وكَما أنَمْناهم وبَعَثْناهُمْ، أطْلَعْنا وأظْهَرْنا عَلَيْهِمْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا أنَّ مَن عَثَرَ بِشَيْءٍ وهو غافِلٌ، نَظَرَ إلَيْهِ حَتّى يَعْرِفَهُ، فاسْتُعِيرَ العِثارُ مَكانَ التَّبَيُّنِ والظُّهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ النّاسِ: ما عَثَرْتُ عَلى فُلانٍ بِسُوءٍ قَطُّ؛ أيْ: ما ظَهَرْتُ عَلى ذَلِكَ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذا العِلْمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ بَلَدِهِمْ حِينَ اخْتَصَمُوا في البَعْثِ، فَبَعَثَ اللَّهُ أهْلَ الكَهْفِ لِيَعْلَمُوا ﴿ أنَّ وعْدَ اللَّهِ ﴾ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ﴿ حَقٌّ ﴾ وأنَّ القِيامَةَ لا شَكَّ فِيها، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكَهْفِ، بَعَثْناهم لِيَرَوْا بَعْدَ عِلْمِهِمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: إذْ كانُوا يَتَنازَعُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إذْ تَنازَعُوا.
وَفِي ما تَنازَعُوا فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم تَنازَعُوا في البُنْيانِ والمَسْجِدِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: نَبْنِي عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا؛ لِأنَّهم عَلى دِينِنا، وقالَ المُشْرِكُونَ: نَبْنِي عَلَيْهِمْ بُنْيانًا؛ لِأنَّهم مِن أهْلِ سُنَّتِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم تَنازَعُوا في البَعْثِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: تُبْعَثُ الأجْسادُ والأرْواحُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: تُبْعَثُ الأرْواحُ دُونَ الأجْسادِ، فَأراهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْثَ الأرْواحِ والأجْسادِ بِبَعْثِهِ أهْلَ الكَهْفِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهم تَنازَعُوا ما يَصْنَعُونَ بِالفِتْيَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّهم تَنازَعُوا في قَدْرِ مُكْثِهِمْ.
والخامِسُ: تَنازَعُوا في عَدَدِهِمْ، ذَكَرَهُما الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا ﴾ ؛ أيِ: اسْتُرُوهم مِنَ النّاسِ بِأنْ تَجْعَلُوهم وراءَ ذَلِكَ البُنْيانِ.
وفي القائِلِينَ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو ذَلِكَ الزَّمانِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا حِينَ رَأوْا أهْلَ الكَهْفِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْنِي: المُطاعِينَ والرُّؤَساءَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ المَلِكَ وأصْحابُهُ المُؤْمِنُونَ، اتَّخَذُوا عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَنى عَلَيْهِمُ المَلِكُ بَيْعَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ وأنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرَهم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ" إلى بَعْثِهِمْ لِيَتَساءَلُوا، أيْ: كَما بَعَثْناهم أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ.
و"أعْثَرَ" تَعْدِيَةُ "عَثَرَ" بِالهَمْزَةِ، وأصْلُ العِثارِ في القَدَمِ، فَلَمّا كانَ العاثِرُ في الشَيْءِ مُشَبِّهًا لَهُ شُبِّهَ بِهِ، مِن شِبْهِ الِعِلْمٍ بِشَيْءٍ عَنَّ لَهُ وثارَ بَعْدَ خَفائِهِ، والضَمِيرُ في "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّذِينَ بُعِثَ أهْلُ الكَهْفِ عَلى عَهْدِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيٌّ، وذَلِكَ أنَّهم -فِيما رُوِيَ- دَخَلَتْهم حِينَئِذٍ فِتْنَةٌ في أمْرِ الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَشَكَّ في ذَلِكَ بَعْضُ الناسِ واسْتَبْعَدُوهُ، وقالُوا: إنَّما تُحْشَرُ الأرْواحُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مِلْكِهِمْ وبَقِيَ حَيْرانَ لا يَدْرِي كَيْفَ يُبَيِّنُ أمْرَهُ لَهم حَتّى لَبِسَ المُسُوحَ وقَعَدَ عَلى الرَمادِ، وتَضَرَّعَ إلى اللهِ في حُجَّةٍ وبَيانٍ، فَأعْثَرَ اللهُ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، فَلَمّا بَعَثَهُمُ اللهُ، وتَبَيَّنَ الناسُ أمْرَهم سُرَّ المَلِكُ، ورَجَعَ مَن كانَ شَكَّ في بَعْثِ الأجْسامِ إلى اليَقِينِ بِهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ ﴾ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ في "إذْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-، "أعْثَرْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "لِيَعْلَمُوا".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: يَجْعَلُ اللهُ تَعالى أمْرَهم آيَةً لَهم دالَّةً عَلى بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ابْتِداءً خَبَرٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثُوا عَلى عَهْدِهِمْ، والعامِلُ فِي "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ: "فَقالُوا"، ويَكُونُ المَعْنى:فَقالُوا إذْ يَتَنازَعُونَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ، والتَنازُعُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما هو في أمْرِ البِناءِ والمَسْجِدِ لا في أمْرِ القِيامَةِ.
و"الرَيْبُ": الشَكُّ، والمَعْنى أنَّ الساعَةَ في نَفْسِها وحَقِيقَتِها لا شَكَّ فِيها، وإنْ كانَ الشَكُّ قَدْ وقَعَ لِناسٍ فَذَلِكَ لا يَلْحَقُها مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنِ التَنازُعَ إنَّما هو في أنِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ فَقالَ بَعْضُهُمْ: أمْواتٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أحْياءٌ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ القَوْمِ ذَهَبَ إلى طَمْسِ الكَهْفِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِهِمْ فِيهِ مُغَيَّبِينَ، فَقالَتِ الطائِفَةُ الغالِبَةُ عَلى الأمْرِ: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ ، فاتَّخَذُوهُ، وقالَ قَتادَةُ: "الَّذِينَ غَلَبُوا هُمُ الوُلاةُ".
وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "غُلِبُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي دَعَتْ إلى البُنْيانِ إنَّها كانَتْ أرادَتْ بِناءَ بَيْعَةٍ أو مَصْنَعٍ لِكُفْرِهِمْ، فَمانَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقالُوا: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ .
ورُوِيَ عن عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ اللهَ تَعالى عَمّى عَلى الناسِ حِينَئِذٍ أمْرَهم وحَجَبَهم عنهُمْ، فَلِذَلِكَ دَعا إلى بِناءِ البُنْيانِ لِيَكُونَ مَعْلَمًا لَهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ليعلموا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا ﴾ .
انتقل إلى جزء القصة الذي هو موضع عبرَةِ أهل زمانهم بحالهم وانتفاعهم باطمئنان قلوبهم لوقوع البعث يوم القيامة بطرِيقة التقريب بالمشاهدة وتأييد الدين بما ظهر من كرامة أنصاره.
وقد كان القوم الذين عثروا عليهم مؤمنين مثلهم، فكانت آيتهم آية تثبيت وتقوية إيمان.
فالكلام عطف على قوله: ﴿ وكذلك بعثناهم ﴾ [الكهف: 19] الآية.
والقول في التشبيه والإشارة في وكذلك} نظيرُ القول في الذي قبله آنفاً.
والعثور على الشيء: الاطلاع عليه والظفَر به بعد الطلب.
وقد كان الحديث عن أهل الكهف في تلك المدينة يتناقله أهلها فيسر الله لأهل المدينة العثور عليهم للحكمة التي في قوله: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ الآية.
ومفعول ﴿ أعثرنا ﴾ محذوف دل عليه عموم ﴿ ولا يشعرن بكم أحداً ﴾ [الكهف: 20].
تقديره: أعثرنا أهل المدينة عليهم.
وضمير ليعلموا} عائد إلى المفعول المحذوف المقدر لأن المقدر كالمذكور.
ووعد الله هو إحياء الموتى للبعث.
وأما علمهم بأن الساعة لا ريب فيها، أي ساعة الحشر، فهو إن صار علمهم بذلك عن مشاهدة تزول بها خواطر الخفاء التي تعتري المؤمن في اعتقاده حين لا يتصور كيفية العقائد السمعية وما هو بريب في العلم ولكنه في الكيفية، وهو الوارد فيه أنه لا يخطر إلا لصديق ولا يدوم إلا عند زنديق.
الظرف متعلق ب ﴿ أعثرنا ﴾ ، أي أعثرنا عليهم حين تنازعوا أمرهم.
وصيغ ذلك بصيغة الظرفية للدلالة على اتصال التنازع في أمر أهل الكهف بالعثور عليهم بحيث تبادروا إلى الخوض في كرامة يجعلونها لهم.
وهذا إدماج لذكر نزاع جرى بين الذين اعتدوا عليهم في أمور شتى جمعها قوله تعالى: ﴿ أمرهم ﴾ فضمير ﴿ يتنازعون ﴾ و ﴿ بينهم ﴾ عائدان إلى ما عاد الله ضمير ﴿ ليعلموا ﴾ .
وضمير ﴿ أمرهم ﴾ يجوز أن يعود إلى أصحاب الكهف.
والأمر هنا بمعنى الشأن.
والتنازع: الجدال القوي، أي يتنازع أهل المدينة بينهم شأن أهل الكهف، مثل: أكانوا نياماً أم أمواتاً، وأيبقون أحياء أم يموتون، وأيبقون في ذلك الكهف أم يرجعون إلى سكنى المدينة، وفي مدة مكثهم.
ويجوز أن يكون ضمير ﴿ أمرهم ﴾ عائداً إلى ما عاد عليه ضمير ﴿ يتنازعون ﴾ ، أي شأنهم فيما يفعلونه بهم.
والإتيان بالمضارع لاستحضار حالة التنازع.
طوي هنا وصف العثور عليهم، وذكر عودهم إلى الكهف لعدم تعلق الغرض بذكره، إذ ليس موضع عبرة لأن المصير إلى مرقدهم وطرو الموت عليهم شأن معتاد لكل حي.
وتفريع ﴿ فقالوا ﴾ على ﴿ يتنازعون ﴾ .
وإنما ارتأوا أن يبنوا عليهم بنياناً لأنهم خشوا عليهم من تردد الزائرين غير المتأدبين، فلعلهم أن يؤذوا أجسادهم وثيابهم باللمس والتقليب، فأرادوا أن يبنوا عليهم بناءً يمكن غلق بابه وحراسته.
وجملة ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ يجوز أن تكون من حكاية كلام الذين قالوا، ابنوا عليهم بنياناً.
والمعنى: ربهم أعلم بشؤونهم التي تنزعنا فيها، فهذا تنهية للتنازع في أمرهم.
ويجوز أن تكون معترضة من كلام الله تعالى في أثناء حكاية تنازع الذين أعثروا عليهم، أي رب أهل الكهف أو رب المتنازعين في أمرهم أعلم منهم بواقع ما تنازعوا فيه.
والذين غلبوا على أمرهم ولاة الأمور بالمدينة، فضمير ﴿ أمرهم ﴾ يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ فقالوا ﴾ ، أي الذين غلبوا على أمر القائلين: ابنوا عليهم بنياناً.
وإنما رأوا أن يكون البناء مسجداً ليكون إكراماً لهم ويدوم تعهد الناس كهفهم.
وقد كان اتخاذ المساجد على قبور الصالحين من سنة النصارى، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها: «ولولا ذلك لأبرز قبرُه»، أي لأبرز في المسجد النبوي ولم يجعل وراء جدار الحجرة.
واتخاذ المساجد على القبور، والصلاة فيها منهي عنه، لأن ذلك ذريعة إلى عبادة صاحب القبر أو شبيهٌ بفعل من يعبدون صالحي ملتهم.
وإنما كانت الذريعة مخصوصة بالأموات لأن ما يعرض لأصحابهم من الأسف على فقدانهم يبعثهم على الإفراط فيما يحسبون أنه إكرام لهم بعد موتهم، ثم يتناسى الأمر ويظن الناس أن ذلك لخاصية في ذلك الميّت.
وكان بناء المساجد على القبور سنة لأهل النصرانية، فإن كان شرعاً لهم فقد نسخه الإسلام، وإن كان بدعة منهم في دينهم فأجدر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما: أظْهَرْنا أهْلَ بَلَدِهِمْ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أطْلَعْنا بِرَحْمَتِنا إلَيْهِمْ.
و ﴿ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِيَعْلَمَ أهْلُ بَلَدِهِمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ في قِيامِ السّاعَةِ وإعادَةِ الخَلْقِ أحْياءً؛ لِأنَّ مَن أنامَهم كالمَوْتى هَذِهِ المُدَّةَ الخارِجَةَ عَنِ العادَةِ ثُمَّ أيْقَظَهم أحْياءً قادِرٌ عَلى إحْياءِ مَن أماتَهُ وأقْبَرَهُ.
الثّانِي: مَعْناهُ لِيَرى أهْلُ الكَهْفِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ في إعادَتِهِمْ.
﴿ إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ ﴾ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا بَعَثُوا أحَدَهم بِوَرِقِهِمْ إلى المَدِينَةِ لِيَأْتِيَهم بِرِزْقٍ مِنها وطَعامٍ، اسْتَنْكَرُوا شَخْصَهُ واسْتُنْكِرَتْ ورِقُهُ لِبُعْدِ العَهْدِ فَحُمِلَ إلى المَلِكِ وكانَ صالِحًا قَدْ آمَنَ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ قالَ: لَعَلَّ هَذا مِنَ الفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلى عَهْدِ دِقْيانُوسَ المَلِكِ فَقَدْ كُنْتُ أدْعُو اللَّهَ أنْ يُرِيناهم، وسَألَ الفَتى فَأخْبَرَهُ فانْطَلَقَ والنّاسُ مَعَهُ إلَيْهِمْ، فَلَمّا دَنَوْا مِن أهْلِ الكَهْفِ وسَمِعَ الفِتْيَةُ كَلامَهم خافُوهم ووَصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِدِينِهِمْ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ أماتَهُمُ اللَّهُ مِيتَةَ الحَقِّ، فَحِينَئِذٍ كانَ التَّنازُعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ.
وَفِي تَنازُعِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تَنازَعُوا هَلْ هم أحْياءٌ أمْ مَوْتى؟
الثّانِي: أنَّهم تَنازَعُوا بَعْدَ العِلْمِ بِمَوْتِهِمْ هَلْ يَبْنُونَ عَلَيْهِمْ بُنْيانًا يُعْرَفُونَ بِهِ أمْ يَتَّخِذُونَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
وَقِيلَ: إنَّ المَلِكَ أرادَ أنْ يَدْفِنَهم في صُنْدُوقٍ مِن ذَهَبٍ، فَأتاهُ آتٍ مِنهم في المَنامِ فَقالَ: أرَدْتَ أنْ تَجْعَلَنا في صُنْدُوقٍ مِن ذَهَبٍ فَلا تَفْعَلْ فَإنّا مِنَ التُّرابِ خُلِقْنا وإلَيْهِ نَعُودُ فَدَعْنا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك أعثرنا عليهم ﴾ قال: أطلعنا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: دعا الملك شيوخاً من قومه فسألهم عن أمرهم فقالوا: كان ملك يدعى دقيوس، وإن فتية فُقِدُوا في زمانه، وأنه كتب أسماءهم في الصخرة التي كانت عند باب بالمدينة.
فدعا بالصخرة فقرأها فإذا فيها أسماؤهم، ففرح الملك فرحاً شديداً وقال: هؤلاء قوم كانوا قد ماتوا فبعثوا، ففشا فيهم أن الله يبعث الموتى.
فذلك قوله: ﴿ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ﴾ فقال الملك: لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً، فلأعبدن الله فيه حتى أموت.
فذلك قوله: ﴿ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ قال الذين غلبوا على أمرهم ﴾ قال: هم الأمراء، أو قال: السلاطين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بنى عليهم الملك بيعة فكتب في أعلاها أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ الآية.
قال العلماء بأخبار القدماء: (إن الفتية لما هربوا من ملكهم دقيانوس ودخلوا الكهف، أمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفي الله تعالى أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب.
ثم انقرض أهل ذلك الزمان وخلفت بعدهم قرون وملوك كثيرة، وملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له: تندوسيس، وتحزب الناس في ملكه أحزابًا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح وبكى إلى الله وتضرع إليه، وقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء فأبعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها.
فألقى الله تعالى في نفس رجل (١) (٢) ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا وأظهرنا عليهم)، كذا قال المفسرون (٣) ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ قال ابن عباس: (يريد الملك ورعيته) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ اختلفوا في هذا التنازع، فالأشبه ما قال عكرمة: (أن أهل ذلك الزمان تنازعوا بالبعث) (٥) والمراد بقوله: ﴿ أَمْرَهُمْ ﴾ ما تنازعوا فيه من أمر البعث.
و ﴿ إِذْ ﴾ منصوب بقوله: ﴿ أَعْثَرْنَا ﴾ ، والمعنى: أطلعنا عليهم إذ وقعت المنازعة في أمرهم (٦) ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ أي: ليعلموا في وقت منازعتهم) (٧) وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ (وذلك أن الرجل إذ خرج ليشتري لهم الطعام لما وقف يتنازع، نظروا إلى درهمه، فإذا عليه صورة دقيانوس)، وذكر القصة (٨) وقال قوم: (يعني تنازعوا في قدر مكثهم ولبثهم) (٩) (١٠) ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ ﴾ إما أن يتعلق بقوله: ﴿ أَعْثَرْنَا ﴾ ، أو بقوله: ﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ على ما بينا.
وإذا جعلنا التنازع في قدر المكث أو في العدد لم يصح المعنى، إلا أن يجعل تمام الكلام عند قوله: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾ ، ثم يقول: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ ﴾ ، أي: اذكر يا محمد ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ : مدة مكثهم، أو في عددهم فلا يتعلق بما قبله.
ومنهم من قال: (هذا التنازع يعود إلى التنازع في البنيان، والمسجد)، يروى هذا عن ابن عباس (١١) ﴿ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ﴾ ، يعني استروهم من الناس، قال ذلك المفسرون (١٢) وقوله تعالى: ﴿ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ يدل على أنه وقع تنازع في عدتهم، فمعنى: ﴿ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ ، أي: بعددهم كما قال: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ ، ويحتمل أن هذا من قول الله ابتداء، ويحتمل أنه من قول بعض الناس الذين تكلموا في عددهم (١٣) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد المؤمنين الذين لم يشكوا في البعث).
قال المفسرون: (هم تندوسيس الملك وأصحابه) (١٤) ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور؛ لأن المساجد للمؤمنين) (١٥) ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ هاهنا وفي قوله: ﴿ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ﴾ أنهم يجعلون وراء ذلك، كما يقال: بني عليه جدارًا، إذا حوطه وجعله وراء الجدار، وقد ذكر في قصتهم: (أن الملك جعل على باب الكهف مسجدًا يصلى فيه، وجعل عنده عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة) (١٦) (١) قوله: (رجل)، ساقط من نسخة (س).
(٢) في (س): (فيجنى)، وهو تصحيف.
(٣) انظر: "جامع البيان" 15/ 225، و"الكشاف" 2/ 384، و "تفسير القرآن العظيم" 3/ 87، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 378، و"الدر المنثور" 4/ 388.
(٤) ذكره "النكت والعيون" بدون نسبة 3/ 295، و"معالم التنزيل" 5/ 161 بدون نسبة، و"الجامع لأحكام القرآن" 5/ 123.
(٥) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 21، و"معالم التنزيل" 3/ 156، و"زاد المسير" 5/ 123.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 276، و"إملاء ما من به الرحمن" ص 296.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.
(٨) "النكت والعيون" 3/ 295، و"الكشاف" 2/ 384، و"زاد المسير" 5/ 123، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 87.
(٩) "معالم التنزيل" 5/ 161، و"التفسير الكبير" 11/ 104.
(١٠) "معالم التنزيل" 5/ 161، و"زاد المسير" 5/ 123، و"التفسير الكبير" 11/ 104.
(١١) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 296، و"معالم التنزيل" 5/ 161، و"زاد المسير" 5/ 123، و"البحر المحيط" 6/ 113.
(١٢) "الكشاف" 2/ 384، و"زاد المسير" 5/ 123، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 87، أي: سددوا عليم باب كهفهم، و"التفسير الكبير" 11/ 105.
(١٣) "البحر المحيط" 6/ 113، و"التفسير الكبير" 11/ 105.
(١٤) "معالم التنزيل" 5/ 161، و"الكشاف" 2/ 184، و"زاد المسير" 5/ 124، و"روح المعاني" 15/ 236.
(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.
(١٦) ذكر نحوه البغوي في "معالم التنزيل" بلا نسبة 5/ 161، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 392 وعزاه لابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي كما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا الناس عليهم ﴿ ليعلموا ﴾ الضمير للقوم الذين أطلعهم الله على أصحاب الكهف: أي أطلعناهم على حالهم من انتباههم من الرقدة الطويلة ليستدلوا بذلك على صحة البعث من القبور ﴿ إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ العامل في إذ أعثرنا أو مضمر تقديره اذكر، والمتنازعون هم القوم الذين كانوا قد تنازعوا فيما يفعلون في أصحاب الكهف، أو تنازعوا هل هم أموات أو أحياء، وقيل: تنازعوا هل تحشر الأجساد أو الأرواح بالأجساد؟
فأراهم الله حال أصحاب الكهف ليعلموا أن الأجساد تحشر ﴿ فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا ﴾ أي على باب كهفهم إما ليطمس آثارهم أو ليحفظهم ويمنعهم ممن يريد أخذهم أو أخذ تربتهم تبركاً، وإما ليكون علماً على كهفهم ليعرف به.
﴿ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ ﴾ قيل: يعني الولاة وقيل: يعني المسلمين لأنهم كانوا أحق بهم من الكفار، فبنوا على باب الكهف مسجداً لعبادة الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.
الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.
حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد.
﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.
الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.
وزمعة.
وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.
وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.
الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.
الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد .
قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".
وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي نعمة عليه وعلينا.
أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.
وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.
وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.
وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.
قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.
وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.
ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.
وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".
﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.
وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.
ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.
وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.
قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.
قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".
قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.
وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".
قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.
الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.
والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.
ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه سماه كذباً.
ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.
يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.
والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.
قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.
وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.
ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.
وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ .
واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.
قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.
ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.
قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.
ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول على سبيل الامتحان فقال ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.
وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.
والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.
وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.
وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.
والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.
وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.
وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.
ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.
﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.
و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وإما الكثرة.
قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.
وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.
وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.
واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.
وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.
وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.
وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.
﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.
وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.
وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.
وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.
قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.
وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.
وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.
وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.
قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.
﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.
والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.
ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.
وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.
ثم بين الله لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.
ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.
واستبعده في التفسير الكبير.
وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
وقيل: لهم تقلبتان في السنة.
وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.
قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
وأقول: لا ريب في قدرة الله ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.
والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.
قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.
عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.
وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.
وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.
قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.
وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟
فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.
والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.
والمدينة طرسوس.
قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.
عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.
وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.
وقيل: أيها أطيب وألذ.
وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.
يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.
وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.
قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.
وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.
ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.
وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.
وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.
والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟
قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.
فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.
ثم ذكر غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.
وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.
فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.
والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.
وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.
﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.
ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.
فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.
قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله من أهل الكتاب.
والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.
وكثيراً ما يقال رجم بالظن.
مكان قولهم ظن.
وقال المسلمون.
هم سبعة ثامنهم كلبهم.
قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله عن لسان جبرائيل .
والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.
يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.
وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.
واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.
وقيل ريان.
عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.
وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.
والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.
ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.
ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.
ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.
ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.
ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.
وأيضاً الله قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ويحصل لغير النبي كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.
وقد عرفت قولهما في هذا الباب.
وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.
وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.
أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.
والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.
ثم نهى نبيه عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.
وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.
ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.
ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.
فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.
فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.
ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.
وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.
ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.
أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.
قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.
وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟
وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.
وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.
أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.
فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.
وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.
وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.
فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.
قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي حين قال بيده يا غلام من أبوك؟
فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.
وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.
فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .
ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.
ومنها قوله : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .
ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.
ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!
فقال النبي : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .
ومنها رواية أبي هريرة عن النبي : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟
قال: فلان ابن فلان.
فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟
قال: ولم تسأل عن ذلك؟
قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.
قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.
ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.
قال علي بن أبي طالب : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.
فقدم رسول ذلك الجيش.
فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.
قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.
فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.
ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.
فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.
فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.
وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.
ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.
ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.
فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.
قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.
وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!
فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ؟
فقال: لا ولكن فراسة صادقة.
وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ .
ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.
وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟
قال: نعم.
فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟
قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.
فقال: قطع يدك وتمدحه.
قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.
فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله .
وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.
وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.
وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟
فقال: خل.
فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.
فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.
فلما فتحوا فإذا هي خل.
فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.
فقال: هذه والله دعوة خالد.
ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.
وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.
وروي أن النبي بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.
وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.
وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.
فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.
وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.
قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.
حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.
وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.
وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.
والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.
جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال حكاية عن الله : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.
وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.
قالوا: قال : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.
وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.
والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.
قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله : ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!
في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.
وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.
فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.
قيل: من هنا قال : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.
ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.
قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله أعلم.
قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.
فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.
فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.
وهذا نهي تأديب لنبيه لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.
واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.
وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.
ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.
وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.
وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.
وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.
فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.
عن قتادة.
أن قوله : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".
فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.
وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.
ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.
والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.
وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.
واقتصر على بيانه.
وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.
وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!
وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.
واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.
وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.
قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله أعلم.
التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .
هو التمتع من حسن الله وجماله.
﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.
ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.
وإنهم طلبوا النجاة من شر.
والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.
فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.
﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.
﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.
المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.
قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.
وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.
قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.
ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.
﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.
﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.
﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.
﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ﴾ .
قيل: تميل عن كهفهم.
﴿ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ .
كانت لا تصيبهم لا عند طلوعها ولا عند غروبها؛ لأن الكهف كان مستقبل بنات النعش، وكل شيء يكون مستقبل بنات النعش لا تصيبه الشمس.
وقال بعضهم: لا، ولكن كان ثمة حجاب وستر يحجب الشمس عن أن تقع عليهم، لكن هذا لا يصلح؛ لأن الله - عز وجل - جعل لهم ذلك آية من آياته، وكرامة من كراماته؛ فليس فيما لا يقع عليهم الشمس بحجاب أو ستر كبير آية ومنة؛ إنما الآية فيما تقع الشمس عليهم، ثم يدفع عنهم ضررها وأذاها؛ فإذا كانوا بحيث لا تصيبهم الشمس - فأذاها وضررها - أيضاً - لا يصيبهم؛ فليس في ذلك كبير آية وحكمة؛ إذ ليس فيما لا يصيب الشمس ضرر أو أذى، ولكن يذكر لطفه؛ حيث منع ضرر الشمس وأذاها عنهم مع إصابة الشمس إياهم ووقوعها عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ ﴾ يمينهم، أو يمين القبلة، وكذلك ﴿ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ : شمال أولئك، أو شمال القبلة، فأما يمين الجبل والغار، على ما قال أهل التأويل، فإنه ليس للجبل يمين ولا شمال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: الفجوة: الظل.
وقال بعضهم: الفجوة: الفضاء.
وقال بعضهم: هي سعة المكان: يخبر - عز وجل - عن لطفه ومننه: أنه قد حشرهم إلى غار كانوا يسعون فيه حتى يتقلبوا فيه، والغار الذي يكون في الجبال لا هكذا يكون؛ بل يكون ضيقاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
هذا يرد قول من ينكر جري الآيات على يدي غير الأنبياء؛ لأنه جعل في أصحاب الكهف عدداً من الآيات: كلها خارجة عن احتمال وسع الخلق وعادتهم؛ لمفارقتهم قومهم لسلامة دينهم.
أحدها: ما أخبر أنه ضرب على آذانهم، وأنامهم نوماً خارجاً عن طبع الخلق وعادتهم، وهو ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم ليتساءلوا بينهم، على ما أخبر، عز وجل.
والثاني: لم تبل ثيابهم في مثل تلك المدة ومثل المكان، ولم تتغير؛ ألا ترى أنهم قالوا حين بعثوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة، لم يستقلوا ولا استقصروا كل هذا يوماً أو بعض يوم؛ ألا ترى أنهم فزعوا إلى الطعام، ولم يفزعوا إلى الثياب؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة - لكان فزعهم إلى الثياب كهو إلى الطعام، وهو أولي.
والثالث: ما أخبر: من تزاور الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وقرضها إياهم ذات الشمال.
والرابع: دفع الحر والبرد عنهم؛ إذ من طبعهما الإهلاك والفساد إذا اشتدا وكثرا.
والخامس: ما ذكر من تقليبه إياهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظه إياهم عن أن تفسدهم الأرض وتأكلهم؛ إذ من طبع الأرض ذلك عند امتداد الوقت.
والسادس: ما ذكر في الآية من الهول والهيبة إذا دخل عليهم واطلع؛ حيث قال: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ : خوفاً مما ترى فيهم من الأهوال: هذا لرسول الله فكيف لمن دونه؟!.
والسابع: حفظه إياهم عن جميع الخلائق حتى لم يطلع، ولم يعثر عليهم أحد من الخلائق.
والثامن: إبقاؤهم أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة بلا غذاء، والأنفس لا تبقى بلا غذاء بدون ذلك؛ وذلك باللطف، وأمثال هذا كثير مما يكثر عدها وإحصاؤها.
كله من آيات عظيمة خارجة عن وسع [البشر] وعادتهم؛ فذلك لهم باختيارهم دين الله من بين قومهم، وبمفارقتهم إياهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ إذ الغلبة فيهم يومئذ الكفر، فأكرمهم الله بذلك بالكرامات التي ذكرنا؛ فلا ننكر أن يعطي الله أحداً من أوليائه قطع مسيرة أيام بيوم أو بساعة، أو المشي على الماء، ونحو ذلك، ليس بمستبعد ولا مستنكر.
وقال أهل التأويل: إنهم كانوا كذا، والكلب كذا، وأساميهم كذا، وعددهم كذا، ونحوه؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر الصدق وقول الحق، وقد نهى رسوله أن يستفتي فيهم منهم أحداً حيث قال: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ وما ذكر هؤلاء كله من الاستفتاء الذي نهى عنه رسوله عن ذلك.
قال أبو عوسجة: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي: تميل، وتزور مثله.
﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ ، أي: تدعهم على شمالها، أي: أن الشمس لا تصيبهم طالعة ولا غاربة عند طلوعها وغروبها، ويقال: قرضته: تركته، أقرضه قرضاً، ويقال: قرضت موضع كذا، أي: جاوزته وتركته خلفي، ويقال: قرضه، أي: قطعه بمقراض، وتزاور يتزاور، أي: عدل ومال ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أي سعة، وفجوات جمع.
ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك النبأ وما ذكر من قصة أصحاب الكهف من آيات قدرة الله، أو من حجج الله على إثبات رسالة رسوله ونبوته.
أو من آيات كراماته للفتية ولمن اختار دين الله وآثره على غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾ .
قد ذكرناه في غير موضع.
وقال بعضهم: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ و ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ كلاهما واحد، وهو أن تميل عن كهفهم فتدعهم ذات اليمين، و ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ﴾ أي: تدعهم ذات الشمال.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: زائفة من الكهف، قال أبو معاذ: الزائفة: قدر ما يصلح.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ ﴾ أي: يبوئ لكم؛ كقوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: تهيئ، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ الرشيد: الصالح.
وقال مقاتل: ﴿ رَشَداً ﴾ ، أي: مخرجا.
﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ : قال ابن عباس - -: غذاء تأكلونه، وهو ما ذكرنا كل ما يترفق به، ويقال: مخرجا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان.
وقال بعضهم: وتحسبهم أيقاظاً؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا.
وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان الله قادراً أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان [ذلك] مما يفعله من لا يملك دفع الأذى [إلا] بما ذكرنا، فأما من كان قادراً بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل.
وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقي الأذى؟
وكيف يدفع الضرر؟
فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، فقال: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ لما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ وهم رقود، والله أعلم.
ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟
وإذا لم يبين الله ذلك فلا نفسر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم: قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها.
أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ إذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ ﴾ .
قال بعضهم: الوصيد: هو فناء الباب.
وقال بعضهم: الوصيد: هو عتبة الباب.
قال القتبي: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إليّ؛ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه.
ومنها ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ﴾ أي: مطبقة، وأصله: أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته.
فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضاً [أنه] أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب.
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم يكونوا ليقولوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك.
وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف.
أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدين، على ما روي عن رسول الله أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين، كان ذلك لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم.
وقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ بعثهم؛ لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ، إنما يخلق وينشئ؛ لما يعلم أنه يكون منهم؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً...
﴾ الآية [الأعراف: 179] ذرأهم؛ لما علم أنه يكون منهم، وهو عمل أهل جهنم، وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك، هكذا كل ما يخلق، لما يعلم أنه يكون منه؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل بالعواقب، فإذا كان الله عالماً بما كان ويكون، ويتعالى عن أن يكون فعله عبثا - لم يجز أن يخلق شيئاً لغير ما علم أنه يكون، وهكذا في الشاهد من عمل عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .
وتأويله ما ذكر: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .
وقوله: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالوا ذلك، لما لم يروا في أنفسهم آثاراً وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه، ثم لما تذكروا أحوالهم، وما يرى النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم، فعند ذلك وكلوا الأمر إلى الله، فقالوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ .
وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك، ولم يكل الأمر إلى الله حيث قال: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ لأنه كان ميتا، والميت لا يرى شيئا، ولم يكن في نفسه آثار تدل على ذلك، فقطع القول فيه، ولم يكل الأمر إلى الله.
وأما النائم فإنه يرى في نومه أشياء فيعرف أنه لا يكون في وقت قصير؛ لذلك وكلوا الأمر إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ .
فيه أنهم لما فارقوا ومعهم زاد وهو الورق، أمر بعضهم بعضا: أن يبعث بالورق، ليأتيهم بالطعام، وفيه أنه أضاف الورق إليهم، ولا شك أنه كان له فيه نصيب حيث قال: ﴿ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ ﴾ ، وفيه دلالة جواز المناهدة في الأسفار وغيرها؛ إذ كان ذلك الورق بينهم، وفيه دلالة جواز الوكالة، وأنها ليست بمبدعة، ولكن كانت في القرون الماضية وهي متوارثة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أحل طعاما؛ لأن بعض أهل تلك المدينة يذبحون للأصنام وباسم الأوثان التي كانوا يعبدونها، فأمروا بأن يأتيهم بحلال يحل لهم أكله والتناول منه.
وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ ﴾ : أرخص وأكثر؛ لأنهم في مكان لا يدرون متى يخرجون منه، فطلبوا الأكثر؛ لشدة حاجتهم إليه ويكفي لوقت مقامهم ونحوه.
وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أطيب وأجود؛ لأن الطيب أزيد للعقول وأصلح للأنفس وأنفع؛ ولذلك جعل الله أرزاق البشر ما هو أطيب وألين؛ لما يزيد ذلك في العقول والفهم، وجعل لغيرهم من الدواب كل خشن خبيث، لما ليس لهم عقول يحتاج إلى ما يزيد لها فيها، وأصل الزكاء: النماء والزيادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي: ليرفق بهم؛ لئلا يشعروا أنه من أولئك الذين فارقوهم لدينهم.
أو أمره بالتلطف، أي: بالسماحة والسهولة في الشراء؛ لما جاء في الخبر: "رحم الله سهل البيع سمح الشراء" ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون أنه من أصحاب الكهف.
أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ .
يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم.
﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ ، أي: في دينهم الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .
أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التقية، وإلا لو أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا.
أو عرفوا التقية إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم فيها.
أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ ؛ قال بعضهم: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم.
وقال بعضهم: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى آخرها، ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: أطلعنا عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: كما ضرب على آذانهم ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن الله حق.
ثم اختلف في إطلاعهم عليهم: قال بعضهم: أطلع الله الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، لكن حيل بينهم وبين أولئك.
وقال بعضهم: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدو باب الكهف، فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد قالوا، فلا ندري كيف كانت القصة؟
وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟
ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة لرسول الله ، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفراً يهربون من ملكهم؛ إشفاقاً على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: ﴿ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ ﴾ أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق.
والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم يبعثون، فأطلع على أولئك؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث هؤلاء؛ ليعلم من أنكر البعث [أن] من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة بلا غذاء تغتذي [به] لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت.
أو أن يكون ما ذكرنا بدءاً: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع الله نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أولئك أن الذي أخبرهم الرسل حق وصدق، والله أعلم.
ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول الله ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على الله، ولا الزيادة فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة.
فإن قيل: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد الله حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا وعد من الله وخبر عن الله؟
قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه: أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا من دراهم أصحاب الكهف، فإذا صدقوا ذلك الرجل فيما أخبر أنها من دراهم أصحاب الكهف، فتصديق الرسل أولى وخبرهم أحق أن يصدق.
والثاني: علموا لما رأوا أنه أنامهم مدة طويلة خارجة عن العادة، وحفظهم من كل ضرر وأذى وفساد، وأبقاهم من غير طعام ولا شراب، على علم منهم أن الأنفس لا تبقى ولا تقوم بغير طعام ولا شراب بدون تلك المدة بكثير، فضلا أن تبقى إلى مثل تلك المدة؛ فعلموا أن من قدر على حفظ ما ذكرنا وإبقائهم، لقادر على البعث والإحياء ولا يعجز عن شيء يريد كونه، وأنه فعال لما يريد.
والثالث: علموا أن ذلك حق؛ لما رأوا أنه أنامهم وقتاً طويلا، وحفظهم عن جميع الآفات، ثم بعثهم وأحياهم - أنه لم ينمهم ولم يبعثهم إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد؛ فعلى ذلك إحياء الخلق وإماتتهم ليس إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ : لسنا ندري في ماذا تنازعوا في أمرهم فيما بينهم: أقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ﴾ ، أو تنازعوا في السبب الذي به التجئوا إلى الكهف؟
ويشبه أن يكون تنازعهم في البناء الذي ذكر في المسجد وغيره، ويحتمل في عددهم ونحوه، ولكن لا نقطع القول فيه؛ إذ وكل أمرهم إلى الله حيث قال: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ ، ثم قوله: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ يحتمل بناء المسجد عليهم إكراماً لهم وإعظاماً؛ ليذكروهم في ذلك المكان على قرب منهم، على ما ظهر عندهم من إكرام الله إياهم.
أو يتخذون مسجداً لعبادة أنفسهم، ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من بركتهم ونحوه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وكما فعلنا بهم الأفعال العجيبة الدالة على قدرتنا من إنامتهم سنين كثيرة، وإيقاظهم بعدها، أطلعنا عليهم أهل مدينتهم ليعلم أهل مدينتهم أن وعد الله بنصر المؤمنين وبالبعث حق، وإن القيامة آتية لا شك فيها، فلما انكشف أمر أصحاب الكهف وماتوا اختلف المُطلِعون عليهم: ماذا يفعلون بشأنهم؟
قال فريق منهم: ابنوا على باب كهفهم بنيانًا يحجبهم ويحميهم، ربهم أعلم بحالهم، فحالهم يقتضي أن لهم خصوصية عنده.
وقال أصحاب النفوذ ممن ليس لهم علم ولا دعوة صحيحة: لنتخذن على مكانهم هذا مسجدًا للعبادة تكريمًا لهم وتذكيرًا بمكانهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.oNDQP"