تفسير سورة الكهف الآية ٢٦ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 18 الكهف > الآية ٢٦

قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًۭا ٢٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾ ذكرنا تفسيره في الآية المتقدمة.

وقوله تعالى: ﴿ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة هود (١) ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ قال الأخفش: (أي ما أبصره وأسمعه!

كما تقول: أكرم به!

أي ما أكرمه!

قال: ويدلك على ذلك أن العرب تقول: يا أمة الله أكرم يزيد!

فهذا معناه ما أكرمه!

ولو كان يأمرها أن تفعل شيئًا لقال: أكرمي زيدًا) (٢) وقال الفراء: ( ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ يريد الله، كقولك: أكرم بعبد الله!

ومعناه: ما أكرم عبد الله!

وكذلك قوله: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  ﴾ ما أسمعهم وما أبصرهم!) (٣) وقال أبو إسحاق: قوله: ( ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ أجمع العلماء أن معناه: ما أسمعه وأبصره!

أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم) (٤) وقال أبو علي: (العرب تتسع فتقيم المثال الذي يختص بالأمر مقام الخبر، والمثل المختص بالخبر موقع الدعاء والأمر مما أقيم من أمثلة الأمر موقع الخبر قولهم: أكرم يزيد!

وقوله تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  ﴾ ، ومعنى هذا ما أكرم زيدًا، واسمعوا وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء ذوي أسماع وأبصار.

قال: وموضع الباء مع ما بعده من المنجر رفع، كما أن الباء في: ﴿ كَفَى بِاللَّهِ  ﴾ كذلك فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وجاء في التنزيل: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا  ﴾ فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر، ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى مده الرحمن مدا، ويدلك على أن المراد بقوله: أكرم يزيد!

أن معناه أنه قد كرم، وأن الكرم وما أشبهه من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهى، وأنه ليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه، وأيضًا فإنك إذا قلت: يا زيد أكرم بعمرو، فليس يخلو هذا الفعل من أن يكون له فاعل، وفاعله لا يخلو من أن يكون المخاطب أو المتعجب منه، فلو كان المخاطب لوجب أن يجمع الضمير في الفعل ويلحق علامة التأنيث، فلما لم يفعل من ذلك شيء، بل أجروا هذا الفعل بعد المذكر والمؤنث والجمع والتثنية مجرى واحد أعلم أن فاعله المتعجب منه دون المخاطب، وثبت أن الجار مع المجرور في موضع رفع) (٥) هذا الذي ذكره أبو علي أصل هذا الكلام، وشرح وضعه، ثم صار من ألفاظ التعجب حتى لا فصل بين قولك: ما أحسن زيدًا!

وقولك: أحسن بزيد، وإذا كان كذلك فقدله تعالى: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ قال المفسرون: (ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع) (٦) وقال ابن زيد: (معناه أنه يرى أعمال أهل السموات والأرض، ويسمع منهم) (٧) ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ معناه ما أبصره وأسمعه!.

وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (معناه أبصر أوليائي بعجائب القرآن، وأسمع به أوليائي) (٨) ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ المراد به الأمر، والمفعول محذوف على تقدير: أبصرهم وأسمعهم، وقوله: ﴿ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن، كأنه قيل: اجعلهم يبصرون بالقرآن غيري، وولايتي ويسمعون ذلك (٩) وقوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ قال المفسرون: (أي ليس لأهل السموات والأرض من دون الله) (١٠) ﴿ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ، وهم من غيبها، أي: مما غابوا فيها.

وقال عطاء عن ابن عباس: ( ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ يريد قد عرفوا عظمتي وربوبيتي فلم يتخذوا من دوني وليًّا) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا على معنيين أحدهما: أنه جرى ذكر علمه وقدرته، فأعلم أنه لا يشرك في حكمه بما يخبر به من الغيب أحدًا كما قال: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا  ﴾ .

ويكون على معنى: أنه لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله، وبما دل عليه حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكًا في حكمه يأمر بحكم كما أمر الله) (١٣) (١٤) ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)  ﴾ .

وعلى هذه القراءة في الآية رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والقراءة الأولى التي عليها العامة أشبه لتقدم اسم الغيبة، وهو قوله: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ ، والهاء للغيبة فكذلك قوله: ﴿ وَلَا يُشْرِكُ ﴾ أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدًا (١٥) (١) عند قوله سبحانه في سورة هود الآية رقم (123): ﴿ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ .

(٢) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 618.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 139.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.

(٥) ذكر نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.

(٦) "جامع البيان" 15/ 232، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"النكت والعيون" 3/ 300.

(٧) "جامع البيان" 15/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89.

(٨) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "زاد المسير" 5/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 388، و"روح المعاني" 15/ 155.

(٩) "النكت والعيون" 3/ 300، و"زاد المسير" 5/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 388.

والحق أن يقال في تفسير هذه الآية: ما أبصره وما أسمعه -  - وذكر في كتاب الله -عز وجل- آيات كثيرة تدل على اتصافه سبحانه بالسمع والبصر الذي يليق بجلاله.

وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 27: تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات.

(١٠) "جامع البيان" 15/ 232، و"معالم التنزيل" 53/ 165، و"الكشاف" 2/ 387، و"زاد المسير" 5/ 131.

(١١) ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 232 بدون نسبة.

(١٢) "البحر المحيط" 6/ 117، و"روح المعاني" 15/ 256.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.

(١٤) قرأ ابن عامر الشامي: (ولا تشرك) بالتاء جزمًا.

وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، وعاصم، والكسائي: (ولا يشرك) بالياء والرفع.

انظر: "السبعة" (390)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 141، و"الغاية في القراءات العشر" (306)، و"العنوان في القراءات السبع" ص 122، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 310.

(١٥) "جامع البيان" 15/ 233، و"النكت والعيون" 3/ 300، و"زاد المسير" 5/ 131.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد