تفسير سورة الكهف الآية ٩٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 18 الكهف > الآية ٩٧

فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ٩٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْطَاعُوا ﴾ أصله: (استطاعوا) فلما اجتمعت متقاربتان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالإدغام، كما أحبوا ذلك في المثلين، فلما لم يسمع التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في موضع، وذلك أنه كان يلزم تحريك السين لئلا يجتمع ساكنان، ولم تْحرك سين استفعل في موضع، فلما لم يسمع هذا عدل عن الإدغام إلى الحذف، كما أنه لما اجتمع المثلان في قولهم: على الماء بنو فلان، حذفوا أحد المثلين، فقالوا: عَلْمَاءِ، ولم يسمع الإدغام، وإن كانت تتحرك لام المعرفة في الماء، فحذفوا الأول من المثلين حيث لم يتجه الإدغام.

والحذف في اسطاع أولى، لأن هذه السين لم تتحرك في موضع شيء من الحركات، وقد تحرك لام المعرفة نحو قولهم: أَلَحْمَرُ في الأحمر، فلما حذفوا في: عَلْماء أحد المثلين، ولم يدغموا مع جواز تحريك لام المعرفة فلا يؤدي إلى الجمع بين ساكنين كان الحذف في اسطاع أولى.

وقد أجروا المتقاربين في مجرى المثلين فقالوا: بلغني لما كانت النون متقاربة للام وكانت تدغم فيها نحو: مَنْ لَكَ، أريد إدغام في هذا الموضع أيضًا، فلما لم يسمع ذلك عندهم خففوا بالحذف كما خففوا به في المثلين.

وفي (استطاع) لغة ثالثة وهو قولهم: يستيع في يستطيع، وهذا يحتمل أمرين أحدهما: [أنه أبدل من الطاء التي هي فاء التاء لقربها من الحرف الذي قبلها، فأبدل التاء لتوافق السين في الهمس، كما أبدل الدال] (١) (٢) فأما قولهم: أسطاع بقطع الألف، يُستطيع بضم الياء، فقال أبو علي الفارسي: (قولهم: أسطاع أَفْعَلَ، وإنما ألحقت السين لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو: لم يَسْطِعْ، ومثل السين في ذلك الهاء، ففي قول من قال: أهَرَاق يُهَريق، فالهاء في: أنها عوض مثل السين في اسْطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أن ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض) (٣) وشرحه أبو الفتح الموصلي فقال: (قولهم: أسطاع يستطيع، ذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يُطِيع، وأن السين زيدت عوضًا من حركة عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله: أطْوَع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن) (٤) وتعقب أبو العباس هذا القول فقال: (إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وجه للتعويض منه، وحركة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت (٥) (٦) (والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأن السين عوض من حركة عين الفعل، هو أن الحركة التي هي الفتحة، وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت توهنت بالسكون، وبالتهيؤ للحذف عند سكون اللام وذلك قولك: لا تُطِع، وأطِع، ولم يُطِع، ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت؛ لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطْوَع، يُطْوِع (٧) ويؤكد ما قال سيبويه من أن السين عوض من ذهاب العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفًا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهْرَقت فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هاهنا عوض من ذهاب فتحة العين؛ لأن الأصل: أرْوَقت، فجعلوا الهاء عوضًا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، وأنشد (٨) فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ...

لضاحي سرابٍ بالملا يترقرق انتهى كلامه (٩) أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني (١٠) (١١) وقرأ حمزة: ﴿ فما اسْطَّاعوا ﴾ مشددا الطاء، كأنه أدغم بالافتعال في الطاء (١٢) قال أبو إسحاق: (من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل، ويونس، وسيبويه وجميع من يقول بقولهم، وحجتهم في ذلك: أن السين ساكنة وإذا أدغمت التاء في الطاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين) (١٣) قال أبو علي: (وقد قرأت القراء غير حرف من هذا كقوله: ﴿ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ  ﴾ في قراءة من شدد الدال فأدغم فيها تاء افتعل (١٤) ﴿ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى  ﴾ (١٥) ﴿ يَخِصِّمُونَ  ﴾ (١٦) وقدمنا وجه ذكر هذا النحو) (١٧) وقال ابن الأنباري: (عظم تشنيع البصريين على حمزة في هذا الحرف، وتلحينهم إياه، وقولهم: جمع بين ساكنين لا ينبسط اللسان عليهما، وفي هذا تعد منهم عليه إذ جرى إلى مثله جماعة هن القراء، فلم ينسبوا إلى الذي نسب إليه، فقد قرأ الحسن: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ  ﴾ بالإدغام (١٨) ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ  ﴾ ، ﴿ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ  ﴾ ، ومعلوم أن الإدغام إذا وقع هاهنا اجتمع ساكنان، وقرأ: ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ  ﴾ (١٩) ﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ  ﴾ (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يَظْهَرُوهُ ﴾ قال ابن عباس وغيره: (أن يصعدوه ويعلوه) (٢٢) ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ معناه: ليعلنه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ يقال: نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا يخلص إلى ما وراءه (٢٣) (٢٤) (١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 181، "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 179.

(٤) "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285، 483.

(٥) في (ص): (وإنما نقلت الطاء التي هي الفاء).

(٦) "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الممتع" (224)، "شرح المفصل" 10/ 6.

(٧) في نسخة (ص): (تطوع).

(٨) ينسب هذا البيت لكثير.

الضاحي: البارز.

والمَلاَ: الصحراء.

وترقرق: يلمع.

انظر: "ديوانه" ص237، "سر صناعة الإعراب" 1/ 202، "الأغاني" 9/ 12، "وصف المباني" ص 401، "لسان العرب" (هرق) 8/ 4655.

(٩) "سر صناعة الإعراب" 1/ 202، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285، 483.

(١٠) عبد الله بن الحسن بن أحمد الأموي، أبو شعيب الحراني، إمام ثقة، محدث صدوق، لازم ابن السكيت وأخذ عنه، توفي رحمه الله في بغداد سنة 295 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 435، "إنباه الرواة" 2/ 115، "سير أعلام النبلاء" 13/ 536، "لسان الميزان" 3/ 271.

(١١) "تهذيب اللغة" (طاع) 3/ 2152.

(١٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (فما اسطاعوا) بتخفبف الطاء.

وقرأ حمزة: (فما اسطاعوا) مشددة الطاء.

انظر: "السبعة" ص 401، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 178، "المبسوط في القراءات" ص 240، "التبصرة" ص 253.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.

إن طعنهم في قراءة حمزة رحمه الله مردود، فهي قراءة متواترة، والجمع بين الساكنين في هذا سائغ، جائز، مسموع في مثله فقد ذكر أن الجزري في "النشر" 2/ 316 عن أبي عمرو قوله: ومما يقوي ذلك ويسوغه أن الساكن الثاني لما كان == اللسان عنده يرتفع عنه وعن المدغم ارتفاعة واحدة صار بمنزلة حرف متحرك، فكأن الساكن الأول قد ولى متحركًا.

وذكر في "غيث النفع" ص 150: أن منع الجمع بين الساكنين أصل مختلف فيه عند أهل العربية، والقراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة، لأنها مسموعة من أفصح العرب وهو النبي -  - وأصحابه من بعده.

وقال ابن الحاجب: إذا اختلف النحويون والقراء كان المصير إلى القراء أولى، لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته من الغلط، ولأن القراءة ثبتت تواترًا وما نقله النحويون آحاد.

وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 408، "النشر" 2/ 316، "إتحاف فضلاء البشر" ص 295، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 80.

(١٤) قرأ نافع: (لا تعْدّوا) بتسكين العين وتشديد الدال.

وروى عنه ورش: (لا تعدوا) بفتح العين وتشديد الدال.

وقرأ بقية القراء: (لا تعدوا) بتخفيف الدال، وإسكان العين.

انظر: "السبعة" ص 240، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 190، "التبصرة" ص 185، "النشر" 2/ 253.

(١٥) قرأ أبو بكر عن عاصم: (أمن لا يهِدّي) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال.

وقرأ حفص عن عاصم: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال.

وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: (أمن لا يَهَدّي) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال.

وقرأ حمزة، والكسائي: (أمن لا يَهْدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال.

وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وتشديد الدال.

انظر: "السبعة" ص 326، "التبصرة" ص 220، "المبسوط في القراءات" ص 200، "إتحاف فضلاء البشر" ص 249، "النشر" 2/ 283.

(١٦) قرأ حمزة: (يخْصمون) بإسكان الخاء وتخفيف الصاد.

وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (يخْصّمون) بإسكان الخاء وتشديد الصاد.

وقرأ ورش عن نافع، وابن كثير: (يخَصّمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد.

وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: (يخِصمون) بكسر الخاء وتشديد الصاد.

انظر: "السبعة" ص 541، "التبصرة" ص 306، "المبسوط في القراءات" ص 312، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 217.

(١٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 181.

(١٨) قرأ أبو عمرو البصري، والحسن: (شهر رمضان) بإدغام راء (شهر) في راء (رمضان).

انظر: "إتحاف فضلاء البشر" 1/ 154، "القراءات الشاذة" ص 46.

(١٩) قرأ الحسن: (فتخطفه الطير) بكسر الخاء والطاء وتشديدها.

انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 315، و"القراءات الشاذة" ص 685.

(٢٠) قرأ الحسن: (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء المشددة.

انظر.

"إتحاف فضلاء البشر" ص 128، و"القراءات الشاذة" ص 28.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) ذكره ابن عطية في تفسيره 5/ 408 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 313.

(٢٣) "تهذيب اللغة" (نقب) 4/ 3639، "مقاييس اللغة" (نقب) 5/ 465، "القاموس المحيط" (النقب) ص 139، "الصحاح" (نقب) 1/ 227.

(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده