الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﴾ .
(البلد) يجوز في اللغة أن يكون جمع بلدة، ويجوز أن يكون واحدًا، وجمعه بلدان وبلاد (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر.
من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (٦) قال ذو الرمة: أُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ...
قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها (٧) ويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ.
قال القُطامي [[هو عمير بن شييم التغلبي القطامي، شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته [البقرة: 61].]]: وبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ (٨) وقال ابنُ الرِّقاع [[هو عدي بن الرقاع بن عاملة حي من قضاعة، تقدمت ترجمته [البقرة: 60].]]: عرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ...
مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها (٩) وإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم.
والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال خُفَاف (١٠) كلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ...
ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد (١١) ألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ...
فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا (١٢) وبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي قال: جَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ...
تداركَه أعراقُ (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ آمِنًا ﴾ قال الزجاج: ذا أَمْنٍ (١٥) (١٦) ونمتُ وما ليلُ المطيِّ بنائمٍ (١٧) ويقولون: همٌّ ناصب، أي: ينصبُ فيه الإنسان، وينصبُ لأجلِه (١٨) كِلِيني لَهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ (١٩) فأما التفسير فقال ابن عباس: يريد حرامًا محرمًا، لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، ولا يدخلها أحد إلا بإحرام، ولا تحلُّ لأحدٍ من الخلق إلا الساعة التي حلّت للنبي ، هذا كلامه (٢٠) (٢١) (٢٢) : "إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنهَّا لم تَحِلُّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ كان بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من النهار" (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ الثمرات: جمع ثمرة، وهو حمل الشجرة من أي نوع كان، ويأتي الكلام فيها عند اختلاف القراء في (ثمره) [الكهف: 42].
قال المفسرون: استجاب الله دعاء إبراهيم، فقال في موضع آخر: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ (٢٥) قال عطاء عن ابن عباس: ذكروا أن الله عز وجل بعث جبريل إلى الشام، حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعًا، لذلك سميت الطائف، ثم أنزلها تهامة، ومنها تجْبَى إلى مكة الثمرات (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ (من) بَدَلٌ من أهله (٢٧) ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ .
والأخفش يسمي هذا بدل التبيان؛ لأنَّ الأول دلَّ على العموم، ثم بان بالبدل أن المراد به البعض، كما تقول: أخذت المال ثلثيه، ورأيت القوم ناسًا منهم (٢٨) بطلب الرزق المؤمنين؛ لأن الله تعالى أدبه بقوله: ﴿ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ فتوهَّم أنه كما لا يعطيهم النبوة إلا إذا كانوا مؤمنين، كذلك لا يرزق أهل مكة إلا أن يكونوا مؤمنين (٢٩) قال ابن عباس: وكانت دعوةُ إبراهيم يومئذ وأهلها مؤمنون (٣٠) (٣١) : "رأيته في جهنم يجُرّ قُصْبَه (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ﴾ فسأرزقه إلى منتهى أجله (٣٥) (٣٦) ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا ﴾ وقال: ﴿ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وقال: ﴿ وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ .
وأمّا التخفيف فإن أَفْعَل قد يكون بمعنى فَعَّل في كثير من المواضع، نحو: فَرَّحْتُه وأفرحْتُه، وأنزلته ونَزَّلته، قال الراعي (٣٧) خَلِيطَين من شعبين شتّى تجاورا ...
قديمًا وكانا بالتفرُّقِ أمتعا (٣٨) وأما قوله: (قليلا) قال أبو علي الفارسي (٣٩) ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا ﴾ فوصف به المصدر.
قال سيبويه (٤٠) ﴿ فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا ﴾ ، وهلا كان قولُ ابن عامر أرجحَ؛ لأنَّ هذا السؤال لا يعترض فيه.
والجواب: أن هذا لا يدل على ترجيح قراءته، وإنما وصفه الله سبحانه بالقليلِ من حيثُ كان إلى نَفادٍ ونقصٍ وتناهٍ، ألا ترى أن (٤١) ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ فعلى هذا وُصِفَ المتاع بالقلة في قوله: ﴿ فَأُمَتِعُهُ قَلِيلاً ﴾ .
وأما جواز أن يكون (قليل) صفة للزمان فيدل عليه قوله: ﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ﴾ بعد زمان قليل، كما تقول: أطعمه عن جوعٍ وكساه عن عُري (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ﴾ أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ مُختصر، أي: بئس المصير النار أو عذاب النار (٤٣) (١) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 383.
(٢) عبارة في "التهذيب" البلد: كل موضع مُسْتَحِييزٍ من الأرض.
(٣) في (م): (أو غير عامر) وهو كذلك في "تهذيب اللغة" والغامر: ضد عامر.
(٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 383.
(٥) نقل في "تهذيب اللغة" 1/ 383 عن الليث: والبلدة في السماء موضع لا نجوم فيه بين النعائم وسعد الذباح، وليست كواكب عظامًا تكون علمًا، وهي من منازل القمر وهي آخر البروج سميت بلدةً، وهي من برج القوس، خالية إلا من كواكب صغار.
(٦) الكِركِرة: بالكسر: رحى زور البعير، أو صدر كل ذي خف.
"القاموس" 469.
(٧) البيت لذي الرمة، في "ديوانه" ص 1004، "تهذيب اللغة" 1/ 383، "لسان العرب" 1/ 341، "المعجم المفصل" 7/ 135.
(٨) هذا عجز بيت، وصدره: ليست تجرح فُرّارًا ظهورهم.
وهو للقطامي في "ديوانه" ص 12، ينظر: "اللسان" مادة: بلد.
ويروى: وفي النجوم، كما في "عمدة الحفاظ"1/ 258، وكذا في "المشوف المعلم" 1/ 117، و"البصائر" 2/ 273، وينظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب ص 143.
(٩) البيت في "ديوانه" ص 33، "لسان العرب" 1/ 341 مادة: بلد.
(١٠) هو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، من مضر، أبو خراشة، شاعر فارس، كان أسود اللون، وعاش زمنًا في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، وثبت في الردة على إسلامه، توفي سنة 20 هـ.
ينظر: "أسد الغابة" 2/ 138، "الأعلام" 2/ 309.
(١١) البيت بلا نسبة في "المخصص" 6/ 133، وانظر: "المعجم المفصل" 2/ 429.
(١٢) البيت للأحوص الأنصاري في "ديوانه" ص 98، وانظر: "المعجم المفصل" 2/ 201.
(١٣) في (ش): (أعواق).
(١٤) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 383، "لسان العرب" 1/ 342 و 5/ 2904، "المعجم المفصل" 2/ 201.
(١٥) "معاني القرآن" 1/ 207.
(١٦) زيادة من (م).
(١٧) البيت لجرير بن عطية، ومطلعه: لقد لُمتِنا يا أمَّ غيلان في السُّرى ينظر: "ديوانه" ص 454.
(١٨) وليس هذا بقياس عند سيبويه، وعن المبرد أن فاعلاً بمعنى صاحب، كذا قياس، وفي شرح المفصل: وكثر فعال حتى لا يبعد دعوى القياس فيه، وقل فاعل، فلا يمكن دعوى القياس فيه لندوره.
ينظر: "حاشية ابن جماعة الكناني على شرح الجاربردي للشافية لابن الحاجب" 1/ 125، "همع الهوامع" للسيوطي 2/ 198.
(١٩) البيت للنابغة الذبياني، وعجزه: وليلٍ أقاسيه بطيءِ الكواكبِ ينظر: "ديوانه" ص 45، و"المعجم المفصل" 1/ 450.
(٢٠) ينظر مرفوعًا عن ابن عباس بنحوه عند البخاري (1349) كتاب الحج باب: الأذخر والحشيش في القبر، ومسلم (1353) كتاب الحج؛ باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها.
(٢١) في (م): (شجر).
(٢٢) ينظر في المسألة: "مشكل الآثار" للطحاوي 4/ 176 ط دار الكتب العلمية، "المجموع شرح المهذب" 7/ 425 و 7/ 444 ط المنيرية، "تفسير ابن كثير" 1/ 180.
(٢٣) تقدم تخريجه آنفًا.
(٢٤) لأنها لا تثار ولا تهاج.
ينظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 87، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 199، "المستقصى" للزمخشري 1/ 7.
(٢٥) ينظر: "الوسيط" 1/ 210.
(٢٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 210 ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 149 دون نسبة، وبعضه يذكر عن الزهري ومحمد بن مسلم الطائفي.
ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 544، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 229 - 230، "البحر المحيط" 1/ 383.
(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207.
(٢٨) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147.
(٢٩) ينظر: "الوسيط" 1/ 210.
(٣٠) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي.
(٣١) هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وقيل: عمرو بن لحي بن قَمَعَة، وقيل غير ذلك، من قحطان، أول من غير دين إسماعيل، ودعا العربَ إلى عبادة الأوثان حيث دعا إلى تعظيمها.
ينظر: "البداية والنهاية" 2/ 187، "الأعلام" 5/ 84.
(٣٢) قصبه أي: أمعاءه، ينظر: "صحيح مسلم" (2856) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون.
(٣٣) رواه البخاري (4623) كتاب تفسير القرآن، باب: ما جعل الله من بحيرة، ومسلم (2856) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون.
(٣٤) السائبة: قيل: من الإبل، وقيل من جميع الأنعام وتكوم من النذر للأصنام، فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا يركبها أحد، كان الرجل ينذر إن برىء أو قدم من سفره ليُسيبن بعيرًا.
والبحيرة: هي التي بحرت أذنها أي خرمت، قيل من الإبل وقيل من الشاة، إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها وتركت فلا يمسها أحد.
والحامي: هو فحل الإبل، إذا انتجوا منه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره، فلم يركب وقيل: غير ذلك ينظر: "فتح الباري" 8/ 284.
(٣٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1177، "تفسير البغوي" 1/ 149.
(٣٦) ينظر: "السبعة" ص 170، "معاني القراءات" للأزهري ص 63.
(٣٧) هو: أبو جندل عبيد بن حصين النميري، والراعي لقبه؛ لكثرة وصفه للإبل، وهو شاعر من المحدثين الفحول، عاصر جريرًا والفرزدق، توفي سنة 90 هـ.
ينظر: "الشعر والشعراء" 265، "الأعلام" 4/ 188.
(٣٨) ينظر: "ديوانه" ص 166، "لسان العرب" 7/ 4129، "المعجم المفصل" 4/ 199.
(٣٩) في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 222.
(٤٠) "الكتاب" 1/ 124.
(٤١) زيادة من (م).
(٤٢) انتهى كلام أبي علي الفارسي من "الحجة" 2/ 222.
(٤٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1177، "تفسير ابن كثير" 1/ 186 - 187.
<div class="verse-tafsir"