تفسير سورة البقرة الآية ١٣٢ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٢

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٣٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّى ﴾ يقال: وصَّى يُوَصّي توصية (١) والوصاة: اسم من التوصية، يقوم مقام المصدر، يقال: وصَّاه وصاةً، كما يقال: كلَّمه كلامًا، قال الله تعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا  ﴾ ، قال الشاعر: ألا مَنْ مبلغٌ عَنِّي يزيدًا ...

وَصاةً من أخي ثقةٍ وَدودِ (٢) المصدر من هذا الباب ينقسمُ إلى: تفعيل وتفعلة وفِعَّال ومُفَعَّل، قال الله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا  ﴾ وقال: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى  ﴾ .

وقال: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا  ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ  ﴾ .

وفيما جاء على فِعال وهو اسم ينوب عن المصدر كما ذكرنا، إلا أن العربَ تُؤْثِر التَّفْعِلة على التفعيل في ذوات الأربعة، يقولون: وصَّيْتُه توصيةً، وصفّيْتُه تصفيةً.

قال الله تعالى: ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  ﴾ .

وقال: ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً  ﴾ .

والعلةُ فيه ما ذكرنا، واشتقاقُ التوصية من قول العرب: وصَى الشيء، إذا اتصل، قال أبو عُبيد (٣) وصى الليل بالأيامِ حتى صلاتُنا ...

مُقاسمةٌ يشتَقُّ أنصافَها السَّفْرُ (٤) وفلاة واصية: تتصلُ بفَلاةٍ أخرى، وقال ذو الرمة: بين الرَّجَا والرَّجَا من جنبِ واصيةٍ ...

يَهْمَاءُ خابطُها بالخوفِ مَكْعُومُ (٥) (٦) الأصمعي: وَصَى الشيءُ يَصي، إذا اتصلَ، ووَصَاه غيرُه يَصِيه، إذا وَصَلَه، لازمٌ وواقع (٧) (٨)  : (وصيٌّ) (٩) (١٠)  وسببه وسمته، وسميت الوصيّةُ وصيةً؛ لاتصالها بأمر الميت، وقيل: لأنَّ الموصَى وصَلَها إلى الموصي إليه (١١) وفي هذا الحرف قراءتان: وصَّى، وأوصى (١٢) ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ  ﴾ ومثال الإفعال: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ  ﴾ وقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ  ﴾ (١٣) (١٤) وقوله تعالى: (بِهَا) اختلفوا في هذه الكناية، فقال بعضُهم: إنهَّا ترجع إلى الوصية؛ لأنه ذكر الفعلَ، والفعلُ يدُلُّ على المصدرِ وعلى الاسمِ منه، كقول الشاعر: إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه (١٥) أي: إلى السَّفَهِ، فدل السفيهُ على السَّفَهِ.

وهذا قولُ أبي عبيدة، قال: وإن شئت رددتها إلى الملة؛ لأنه قد ذكر ملة إبراهيم (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ  ﴾ يعنى: الجنة لم يسبق لها ذكر، وقال: ﴿ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ  ﴾ يعني: الشمس.

وقال طرفة (٢٠) على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ...

ألا ليتني أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدي (٢١) أي: من الفلاة، وقال بعضهم: رجعت الكناية إلى كلمةٍ سبقت، وهو قوله: ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ يَا بَنِيَّ ﴾ قيل: أراد أن يا بني، فحذف (أن) كأنه قال: وصَّاهم أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أُبي وابن مسعود، بإثبات أن (٢٣) (٢٤) ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ  ﴾ ، ولم يقل: أن للذكر، كأنّ معناه: قال الله: للذكر، فجرى الوصية على معنى القول.

قال: وأنشدني الكسائي: إني سأبدي لك فيما أبدي لي شَجَنان شجن بنجد وشَجَنٌ لي ببلاد السند (٢٥) ولم يقل: أن لي؛ لأن الإبداء بلسانه في معنى القول، قال: ومثله قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ  ﴾ ، لأن العِدَةَ قولٌ، وإذا جعلت الوصية بمعنى القول لا يحسن أن يقال: أراد أن يا بني فحذف؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار أن مع القول (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ﴾ قال أبو إسحاق: إنما كسرت (إنّ) لأن معنى وصى وأوصى: قول، والمعنى: قال لهم: إن الله اصطفى (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ﴾ يريد: دين الإسلام دين الحنيفية، والألف واللام فيه للعهد لا للجنس؛ لأنه لم يختر جميع الجنس من الدين، إنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ قال الفراء في كتاب المصادر: مات يموت مَوتًا ومِيتةً ومَمَاتًا، والمَوتَةُ: المرَّةُ، ويقال: أرض مَواتٌ، وهو مصدر، ووَقَعَ في الناس مُواتٌ ومُوْتانٌ، ويقال: فلان يبيعُ الحيوان والموتانَ، إذا كان يبيع ما سوى الحيوان، ورجل مَوْتانُ النفس إذا لم يكن حيَّ القلب (٣٠) (٣١) ووقع النهي في ظاهرِ الكلام على الموت، وإنما نهُوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلَّا يصادفهم الموت وهم (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (١) المادة المذكورة في "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 227 - 228، "اللسان" 8/ 4853 - 4854 (وصى).

(٢) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "لسان العرب" 8/ 4854 (وصى)، "المعجم المفصل" 2/ 256.

(٣) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى).

(٤) ينظر: "ديوانه" ص 590، "لسان العرب" 8/ 4854، "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "ديوان الأدب" 3/ 257، "أساس البلاغة" (وصى)، "المعجم المفصل" 3/ 282، ورواية " التهذيب" (نَصِي) بدل (وصى).

(٥) ينظر: "ديوانه" ص407، "تهذيب اللغة" 4/ 3920، "لسان العرب" 3/ 1605، 7/ 3891، 8/ 4854، "المعجم المفصل" 7/ 218، ورواية "التهذيب"، و"اللسان" معكوم.

(٦) في (ش): (معكوم).

(٧) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى).

(٨) المصدر السابق.

(٩) لم أجد في النصوص ما يدل على وصف علي -  - بالوصي سواء بالمفهوم الذي ذكره المؤلف أو بمفهوم الرافضة.

وقد بين شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 4/ 77 أن الرافضة خرج أولهم في زمن علي -  - صاروا يدعون أنه خُص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك ..

وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن أبي جحيفة، قال: سألت عليًا، هل عندكم شيء ليس في القرآن؟

فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ماعندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطيه الله لرجل في كتابه، وما في الصحيفة.

قلت: وما في هذه الصحيفة؟

قال.

العقل وفكاك الأسير.

(١٠) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى).

(١١) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "لسان العرب" 8/ 4854 (وصى).

(١٢) قرأ نافع وابن عامر: (وأَوْصَى) بها وقرأ الباقون من السبعة: (وَوَصَّى).

ينظر: "السبعة" ص 170، "الحجة" لأبي علي 2/ 227، "الحجة" لابن خالويه ص 89.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1203.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 397.

(١٥) تمام البيت: وخالف والسفيه إلى خلاف.

لم ينسب البيت لقائل.

أنشده الفراء في "معاني القرآن" 1/ 248، وثعلب في "مجالسه" 1/ 60، وذكره في "خزانة الأدب" 4/ 335، وفي "الخصائص" 3/ 49، وفي "همع الهوامع" 1/ 264.

(١٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، ونقله البغوي في "تفسيره" 1/ 153، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211.

(١٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، وذكره ولم ينسبه أبو حيان في "البحر" 1/ 397، والسمين في "الدر المصون" 1/ 376.

(١٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، والواحدي في "البسيط" 1/ 1204، والبغوي في "تفسيره" 1/ 153.

(١٩) "تفسير مقاتل" 1/ 140، "تفسير الثعلبي" 1/ 1203، "تفسير البغوي" 1/ 153.

(٢٠) هو: طرفة بن العبد بن سفيان البكري، تقدمت ترجمته.

(٢١) ينظر: "ديوانه" ص 29، "تفسير الثعلبي" 1/ 1204 "الإنصاف" لابن الأنباري ص 85، "الدرر اللوامع على همع الهوامع" 2/ 269، والهاء في قوله: (منها) تعود إلى مضمر، وهي الصحراء المهلكة، وهو الشاهد حيث عادت على غير مذكور.

(٢٢) كذا في "البحر المحيط" 1/ 398.

(٢٣) كذا في "معاني القرآن" للفراء 1/ 80، "تفسير الثعلبي" 1/ 1207، "شواذ القراءة" ص 32، "تفسير القرطبي" 2/ 125.

(٢٤) في (م): كأنها (الغاوه).

(٢٥) الرجز ذكره الفراء، عن الكسائي في "معاني القرآن" 1/ 80، وهو بلا نسبة في "تفسير الطبري" 1/ 561، "تفسير الثعلبي" 1/ 1207، "المخصص" 12/ 223، "مقاييس اللغة" 3/ 249.

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 80 (٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211.

(٢٨) ذكره في "الوسيط" 1/ 216، "تفسير ابن عباس" ص 19.

(٢٩) "البحر المحيط" 1/ 399.

(٣٠) في نسخة (أ) زيادة ليست في النسخ لعلها حاشية من الكاتب وهي قوله: ومن العرب من يقولُ: مُتُّ، ومِتُّ، ويَمَات ويموتُ، والمَمَات من مصادر الموت أيضًا، والجارية تأخذها المُوْتَةُ كأنه سُكْرٌ وضرب من الجنون.

ومؤتةُ، مهموزة، الأرض التي قتل بها جعفر بن أبي طالب،  .

(٣١) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3321، "لسان العرب" 7/ 4296 (مات).

(٣٢) زيادة من (م).

(٣٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212، "البحر المحيط" 1/ 399.

(٣٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212.

(٣٥) المصدر السابق.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل