تفسير سورة البقرة الآية ٢١٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٧

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ الآية، نزلت في سرية بعثها رسول الله  إلى نخلة، فلما انتهوا إليها وافت خيل المشركين فيها عمرو بن الحضرمي (١) (٢)  (٣) (٤) فقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ يعني: أهل الشرك يسألون عن ذلك على جهة العَيْب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام.

وقوله تعالى ﴿ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ هو خَفْضٌ على البدل من الشهر، وهذا من باب بدل الشيءِ من الشيءِ، والمعنى مشتمل عليه، ويسمى: بدلَ الاشتمال، وهو إبدال المصادر من الأسماء، كقولك: أعجبني زيدٌ عِلْمُه، وعجبت من عمروٍ أمرِه، ونفعنى زيدٌ كلامُه، ومثله قوله: ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ  ﴾ ، وقول الأعشى: لَقَدْ كان في حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُه ...

تُقَضِّى لُبَانَاتٍ وَيسْأَم سَائِم (٥) ومن هذا الباب: سُرِق زيدٌ مالُه، وسُلب زيدٌ ثوبُه (٦) ومعنى الاشتمال في الآية: أن سؤالهم اشتمل على الشهر وعلى القتال، وسؤالهم (٧) وقيل: الخفضُ في ﴿ قِتَالٍ ﴾ على معنى تكرير (عن)، تقديرُه: وعن قتال فيه، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود والربيع (٨) (٩) ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ، وهو رفع على الابتداء، وما بعده من قوله: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ ﴾ مرتفع بالعطف على الابتداء (١٠) ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ هذا قول الزجاج (١١) (١٢) (١٣) أحدهما: أنه عطف على قوله: ﴿ كَبِيرٌ ﴾ يريد: قل القتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به، يعني: أن القتالَ قد جَمَع أنه كبير وأنه صَدٌّ وأنه كُفْرٌ، وهذا القول يؤدي إلى (١٤) والوجه الآخر: أن يجعل الصد مرتفعًا بالابتداء، وخبره محذوف لدلالة ﴿ كَبِيرٌ ﴾ المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فيصير التقدير: قل قتال فيه كبير، وكبيرٌ الصد عن سبيل الله والكفر به، وينتقض هذا عليه بقوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ؛ لأنه يستأنف على ما ذكر من التقدير قوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرِ ﴾ (١٥) (١٦) ومعنى الصد: الحَبْس، يقال: صَدَّ عن الشيء صُدُودًا، إذا صَدَف عنه، وصَدَّ غَيرَه يَصُدّ صَدًّا (١٧)  وأصحابه عن البيت عام الحديبية (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ أي: بالله ﴿ وَالْمَسْجِدِ ﴾ يُخْفَضُ بالعطف على ﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ تقديره: وصدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجدِ الحرام؛ لأن المشركين صدوا المسلمين عنه؛ كما قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج: 25].

وقال الفراء: المسجد الحرام مخفوض بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ وعن المسجد (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقيل: إنه خفض بواو القسم وليس بشيء (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ أي: أهل المسجد منه ﴿ أَكْبَرُ ﴾ أعظم وزرًا وعقوبة ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ (٢٦) ﴿ وَالْفِتْنَةُ ﴾ أي: الشرك والكفر {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}، يعني: قتل ابن الحضرمي (٢٧) (٢٨)  من مكة ومَنْع المؤمنين عن البيت (٢٩) وأما حكم القتال في الشهر الحرام اليوم، فالعلماء فيه مختلفون: قال ابن جريج (٣٠) (٣١) وروى أبو الزبير عن جابر (٣٢)  يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ ، هذه الآية عندهم ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ ﴾ يعني: مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له، يقال: ما يزال يفعل كذا، ولا (٣٧) ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ  ﴾ ، وهَلُمّ وهَاكَ وهَاتِ وتَعَالَوا.

ومعنى (لا يزالون) أي: يدومون، وكأن هذا مأخوذ من قولهم: زال عن الشيء، أي: تركه، فقولك: ما زال يفعل كذا، أي: لم يتركْه، وقلّ ما يتكلم به إلا بحرف نفي لأنه يبطل المعنى، وذلك أنك إذا قلت: زال زيد، فإنما أثبت زوال القيام، فإذا أدخلت حرف النفي نفيت الزوال، وبينت معنى الدوام، ومثله: (ما برح) بهذا التقدير سواء (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾ أظهر التضعيف مع الجزم؛ لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة من الإدغام (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ فَيَمُتْ ﴾ جزم بالعطف على ﴿ يَرْتَدِدْ ﴾ (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ أي: بطلت، يقال: حَبِطَ عملُ الرجلِ يَحْبَطُ حَبَطًا وحُبُوطًا، وأَحْبَطَه اللهُ إِحْبَاطًا (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ﴿ فَيَمُت وَهُوَ كَافِرٌ ﴾ .

(١) هو: عمرو بن العلاء الحضرمي، والحضرمي هو عبد الله بن عباد الصدفي، كان من صناديد كفار قريش، كان في عير تجارة قريش، قتله واقد بن عبد الله التميمي من سرية عبد الله بن جحش.

انظر"البداية والنهاية" 5/ 37 - 39.

(٢) هو: واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين التميمي الحنظلي اليربوعي، صحابي أسلم قبل دخول الرسول دار الأرقم، بعثه رسول الله  في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة لمراقبة تحركات المشركين والإتيان بأخبارهم، فكان أول من قاتل من المسلمين، شهد بدرًا والمشاهد كلها توفي في أول خلافة عمر  .

انظر: "معرفة الصحابة" 5/ 2729، "أسد الغابة" 5/ 432 - 433.

(٣) من قوله: عمرو بن الحضرمي ..

ساقط من (أ) ولا (م).

(٤) ينظر في سبب النزول: "تفسير الطبري" 2/ 347 - 348، "سيرة ابن هشام" 2/ 340، والبيهقي في "دلائل النبوة" 3/ 17، "تفسير الثعلبي" 2/ 753 - 760، والواحدي في "أسباب النزول" ص 69، قال ابن حجر في "تعليق التعليق" 1/ 76: وهو مرسل جيد، قوي الإسناد، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالسماع.

(٥) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 177.

"الكامل" للمبرد 2/ 265، وابن يعيش في "تفسيره" 1/ 386، "شواهد المغني" 297.

قوله: ثواءٍ: الثواء: الإقامة، بالجر، قال ثعلب: وأبو عبيدة يخفضه، والنصب أجود، ومن روى تقضى لبنات فإنه ينبغي أن يرفع ثواء.

ينظر: "شرح الديوان"، "مجاز القرآن"، "المعجم المفصل" 7/ 117.

(٦) ينظر في بدل الاشتمال: "الكتاب" لسيبويه 1/ 150 - 158، "المقتضب" 1/ 27، 4/ 296.

(٧) في (م): (ومعنى سؤالهم).

(٨) وبها قرأ ابن عباس والأعمى أيضا، ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "المصاحف" لابن أبي داود 58، "تفسير الثعلبي" 2/ 767، "البحر المحيط" 2/ 145.

(٩) ينظر في إعراب هذه الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 141، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 307، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 127، "التبيان" ص 132، "البحر المحيط" 1/ 145، وقد أعرض المؤلف عن وجه ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 72، وهو الخفض على الجوار، قال النحاس: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عز وجل، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ وقال: وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضًا، أي: صار تابعا له، ولا نعني به المصطلح عليه جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقا لقول الجمهور، إلا أنه أغمض في العبارة وألبس في المصطلح.

(١٠) من قوله: (وما بعده من ..) ساقطة من (ي).

(١١) ذكره الزجاج في "تفسيره" 1/ 290.

(١٢) ينظر في إعراب الآية: المصادر السابقة.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141.

(١٤) ساقطة من (ش).

(١٥) من قوله: وإخراج.

ساقطة من (أ)، (ي).

(١٦) ينظر في مناقشة الفراء: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 128.

(١٧) ينظر في الصد "تهذيب اللغة" 2/ 1984 ، 1985، "المفردات" ص 279، "اللسان" 4/ 2409 "صد".

(١٨) ذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 767 مثل قول الواحدي، دون قوله: عام الحديبية، وفيه إشكال؛ لأن الآية نزلت قبل ذلك، والظاهر أن المراد بالصد عن سبيل الله: الصد عن دين الله.

ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 221، "تفسير القرطبي" 3/ 46، وقد حاول الرازي الإجابة عن هذا بأن المراد أنه معلوم لله قبل وقوعه، والأولى ما ذكرنا.

(١٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 141.

(٢٠) في (ش): (فأنكر).

(٢١) ينظر في مناقشة قول الفراء: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "المحرر الوجيز" 2/ 221، "التفسير الكبير" 6/ 34، "التبيان" ص 133.

(٢٢) في (أ) (ي): (مجوعهما) وفي (م): (فجمعوهما).

(٢٣) ليست في (ي).

(٢٤) في (ي) (الباقى) وفي (م) (الثاني) وفي (ش) (الباقى).

(٢٥) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 308، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 128، "التبيان" ص 133، "البحر المحيط" 2/ 146.

(٢٦) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 768.

(٢٧) المصدر السابق.

(٢٨) هو: عبد الله بن جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة، أبو محمد الأسدي، أمه أميمة بنت عبد المطلب، أسلم قبل دخول الرسول  دار الأرقم وهاجر الهجرتين، كان أول أمير أمره الرسول  ، شهد بدرا وقتل في أحد شهيدًا سنة 3هـ.

انظر "أسد الغابة" 3/ 194 - 195، "الأعلام" 4/ 76.

(٢٩) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 2/ 768، البغوي في "تفسيره" 1/ 248.

(٣٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 353.

(٣١) في (ش) (بالحرم).

(٣٢) المصدر السابق.

(٣٣) في (ي) (يغروا).

(٣٤) ذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 237، والرازي في "تفسيره" 2/ 23.

(٣٥) ذكره في "زاد المسير" عنه 1/ 237.

(٣٦) لم أجده عنه.

(٣٧) في (ي)، (ش) (أولا يزال).

(٣٨) ينظر في زال وأحكامها: "المقتضب" للمبرد 3/ 96 - 189، 4/ 119 - 120، "تهذيب اللغة" 2/ 1577، "المفردات" 216، "اللسان" 3/ 1901"زول".

(٣٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 290، "التبيان" ص 133.

(٤٠) في (ي) (يرتد).

(٤١) "تفسير الثعلبي" 2/ 768، "التبيان" ص 133.

(٤٢) في (ش) (وجوابها).

(٤٣) ونقل في "تهذيب اللغة" 1/ 726 "حبط" عن ابن السكيت، يقال: حَبَط عملُه يحبُط حبْطا وحُبوطا، بسكون الباء، وحبِط بطنُه إذا انتفخ يحبَط حبَطا فهو حبِط، ورأيت بخط الأقرع في كتاب ابن هانىء: حبَط عملُه يحبُط حبوطا وحبْطا، وهو أصح، ثم قال في 1/ 728: قلت: ولا أرى حبْط العمل وبطلانه مأخوذا إلا من حبَط البطن؛ لأن صاحب الحبَط يهلِك، وكذلك عمل المنافق والمشرك يحبط، غير أنهم سكنوا الباء من قولهم: حبط بطنُه يحبَط حبْطا، كذلك أثبت لنا عن ابن السكيت وغيره.

(٤٤) في (ي): (ما).

(٤٥) أخرجه البخاري (6427) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ومسلم (1052) كتاب الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا.

قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 727: هو مثل الحريص المفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنْبِتُ أحرار العشب التي تَحْلَوْليها الماشية فتستكثر منها حتى تنتفخ بطونها وتهلِك، وكذلك الذي يجمع الدنيا، ويحرص عليها ويشحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحق حقه منها.

(٤٦) ينظر في حبط: "تهذيب اللغة" 1/ 726، "المفردات" ص 113 - 114، "عمدة الحفاظ" 1/ 423 - 425، "لسان العرب" 2/ 755.

(٤٧) في (أ) (م) (يحبط).

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر