تفسير سورة الأنبياء الآية ٩٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 21 الأنبياء > الآية ٩٥

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ٩٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ هذه آية كثرت فيها الأقوال وتقسمت فيها الخواطر والآراء ولم يقع لها شرح شاف، ولا بيان لتفسيرها كاف.

والذي يدل عليه (١) قال قتادة (٢) (٣) وروى عكرمة، عن ابن عباس] (٤) (٥) قال الزجاج: وجاء أيضًا عن ابن عباس أنه قال: حتم عليهم لا يرجعون (٦) (٧) وعن سعيد بن جبير: أنه قرأ (وحِرْمٌ على قرية) فسئل عنها فقال: عزم عليها (٨) والذين قانوا إن حرامًا -هاهنا- بمعنى: واجب أنشدوا (٩) وإن (١٠) (١١) أي: واجب.

ونحو هذا قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ قال: يريد حتماً مني (١٢) وقال الكلبي: يقول: وجب على أهل قرية (أهلكناها) يريد عذبناها ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ إلى الدنيا أبدًا.

قال: يعني أهل مكة من أهل القرى، لا يرجعون إلى يوم القيامة.

هذا الذي ذكرنا قول واحد في هذه الآية، ومعناه: إن الله تعالى كتب على من أهلك أن يبقى في البرزخ إلى يوم القيامة، وأن لا يرجع إلى الدنيا عزمًا منه ذلك حتماً.

وفي (١٣) (١٤) القول الثاني: أن معنى الآية: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ .

أي: أهلكناهم بالاستئصال والاصطلام؛ لأنهم إنما لا يرجعون للاستئصال الواقع بهم والإبادة لهم.

وخبر المبتدأ على هذا محذوف، تقديره: وحرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم.

ونحو ذلك مما يكون في الكلام دلالة عليه.

وهذا القول ذكره أبو علي (١٥) وإلى نحو هذا [من التقدير -الذي ذكره أبو علي-] (١٦) (١٧) قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين في قوله: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية، ذكر في هذه الآية أنه قد حرم قبول أعمال الكفار.

والمعنى: حرام على قرية أهلكناها أن يُتقبل منهم عملٌ؛ لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون كما قال -عزّ وجلّ-: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] فأعلم أنهم لا يتوبون أبدًا، وكذلك ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ معناه: قد علم منهم أنهم لا يتوبون.

هذا كلامه (١٨) ونحتاج في هذا إلى شرح، وهو أن نقول: معنى هذا القول: وحرام على قرية حكمنا عليها بالهلاك -لعلمنا بأنهم لا يرجعون عن كفرهم- أن قبل منهم طاعة أو نثيبهم على عمل.

فنحتاج إلى تقدير لام في (أنهم) كما قدر أبو علي باء وإلى إضمار خبر المبتدأ كما أضمره هو.

وذكر (١٩) ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ احتجاجًا بأن قوله: ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ معناه: لا يرجعون من الشرك لحكم الله عليهم [بذلك كما قال] (٢٠) ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية، واحتج على أن الله لا يقبل عمل كافر بقوله: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق معنى قول [قتادة (٢١) (٢٢) ﴿ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ غير زائدة (٢٣) فإن جعلت (لا) زائدة، وهو قول ابن جريج، وأبي عبيد (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وذكر على تقدير زيادة (لا) قول آخر، وهو: أن المعنى: وحرام على قرية حكمنا بهلاكها للشقاء الذي كتبنا عليها أن يرجعوا عن الشرك ويؤمنوا (٢٨) ومعنى حرام على الأقوال كلها -غير القول الأول- أنهم يمنعون عن ذلك كما يمنعون من الأشياء المحرمة في الشرع، وليس كحظر الشريعة الذي إن شاء المحظور عليه ركبه وإن شاء تركه، وكان الأمر فيه موقوفاً على اختياره (٢٩) والحرام بمعنى المنع قد ورد في التنزيل في مواضع كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ  ﴾ أي: منعهم منهما، وقوله تعالى: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ  ﴾ يعني تحريم منع، وهذا كما تقول: حرمت عليّ لقاءك أي: منعتني من ذلك (٣٠) وقرئ (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (١) في (د)، (ع): (عليها).

(٢) (قتادة): ساقط من (د)، (ع).

(٣) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 48 من رواية قتادة، عن ابن عباس، ..

وهو منقطع.

وقد رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 673 عن قتادة.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٥) رواه الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 48 بسنده، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.

وقد نسب السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 672 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وحرم على قرية) قال: وجب على قرية ..

وقد طالعت تفسير سعيد بن منصور (ل 155 أ) فوجدته رواه من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وفيه ذكر القراءة دون التفسير.

ورواه الطبري 17/ 86 من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، فأما رواية عكرمة ففيها ذكر القراءة والتفسير لكن ليس فيه (حرم) بمعنى وجب، وأما رواية سعيد بن جبير ففيه ذكر القراءة عن ابن عباس دون التفسير، ثم تفسير سعيد بن جبير نفسه لحرم بمعنى: حرم.

لكن ذكر ابن كثير -وهو يعتمد كثيرًا على تفسير ابن أبي حاتم- في "تفسيره" 3/ 194 عن ابن عباس أنه قال: وجب.

فلعل هذا التفسير وقع في رواية ابن أبي حاتم أو غيره ممن ذكر السيوطي دون رواية سعيد بن منصور والطبري.

وذى النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 79 من رواية ابن عيينة.

وهشيم وغيرهما، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله (وحرام) قال: وجب.

(٦) عند الزجاج: ألا يرجعوا.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 404.

(٨) "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 48 وفيه: وقال أبو معاذ النحوي ..

قال: وحدثت عن سعيد بن جبير، فذكره.

وقد رواه الطبرى 17/ 86 من طريق أبي المعلى يحيى بن ميمون، عن سعيد بن == جبير، عن ابن عباس أنه قرأ (وحرم على قرية) قال -يعني أبا المعلى- فقلت لسعيد: أي: شيء حرم؟

قال: عزم.

(٩) ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 288.

(١٠) عند ابن قتيبة ص 288: (فإن).

(١١) البيت أنشده ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 288 من غير نسبة لأحد.

ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 43 أللخنساء بمثل رواية الواحدي هنا.

ونسبه لها أيضًا القرطبي 11/ 340 لكن عنده: على صخر.

وهو عند أبي حيان في "البحر المحيط" 6/ 338 - 339، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 198 - 199 منسوبًا للخنساء لكن روايته: حرامٌ علي لا أري الدهر باكيًا ...

على شجوه إلا بكيت على صَخْر ولم أجد هذا البيت في ديوانها.

(١٢) ذكر ابن الجوزي 5/ 387 هذا القول عن عطاء.

(١٣) في (ت): (في).

(١٤) في (أ)، (ت): (بزيادة).

(١٥) "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 382، وانظر 5/ 261.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٧) لم أجد من ذكره عن قطرب.

(١٨) ليس هذا كلامه بنصه، بل فيه زيادة وتصرف وحذف.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 405.

(١٩) يعني الزجاج، وليس عند الزجاج الاحتجاج بهذه الآية بل فيه قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ انظر: "المعاني" 3/ 405.

(٢٠) ما بين المعقوفين بياض في (ت).

(٢١) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 673 وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر.

وانظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 194.

(٢٢) ما بين المعقوفين بياض في (ت).

(٢٣) وفي الآية وجه آخر حسن تكون فيه (لا) غير زائدة، و (حرام) على بابها.

وهو أن الله -عز وجل- قال في الآيات التي قبل هذه الآية ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ فبين-عز وجل- أن الخلق راجعون إليه وأنه لا كفران لسعي أحد.

ثم== قال بعد ذلك: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ أي: ممتنع على أي: قرية أهلكها الله انتفاء الرجوع إلى الآخرة، فإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، والمعنى: أنهم يجب رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة، ويكون الفرض إبطال قول من ينكر البعث.

انظر: "تفسير الرازي" 22/ 121، "البحر المحيط" 6/ 338، "الدر المصون" 8/ 199.

وقد أشار ابن عطية في "المحرر" 10/ 204 إلى هذا المعنى بقوله: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بين، وذلك أنه ذكر من عمل صالحًا وهو مؤمن، ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى رب، ولا يرجعون إلى معاد؛ فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم، فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء، أي: ممتنع على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون، بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه.

فتكون (لا) على بابها، والحرام على بابه، وكذلك الحرام، فتأمله) أهـ.

(٢٤) ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 80 هذا القول عن أبي عبيد ولم يرضه، حيث قال: (وأما قول أبي عبيد: إن (لا) زائدة فقد رده عليه جماعة؛ لأنها لا تزاد في مثل هذ الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال).

وذكر هذا القول عن أبي عبيد أيضًا: القرطبي 11/ 340، وأبو حيان 6/ 338.

(٢٥) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 245، وانظر: "غريب القرآن" له ص 288.

قال الطبري 17/ 78: وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة فإن معنى الكلام: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا.

وأهل التأويل الذين ذكرناهم -يعني ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة- كانوا أعلم بمعنى ذلك منه.

(٢٦) بياض في (ت).

(٢٧) من قوله: (فالمعنى: حرام ..

إلى هنا) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 261 مع اختلاف يسير.

(٢٨) ذكر الرازي 22/ 221، وأبو حيان 6/ 339 عن مجاهد والحسن قالا: لا يرجعون عن الشرك.

(٢٩) انظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 204.

(٣٠) في (أ): (مالك).

(٣١) في (أ)، (ت): (وقرأ).

(٣٢) قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (وحرم) بكسر الحاء وإسكان الراء من غير ألف.

وقرأ الباقون: (وحرم) بالألف.

"السبعة" ص 431، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.

(٣٣) في (أ)، (ت): (حال)، وهو خطأ.

(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 404، "علل القراءات" للأزهري 2/ 412، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 68.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل