الآية ٩٥ من سورة الأنبياء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٩٥ من سورة الأنبياء

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٥ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٥ من سورة الأنبياء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وحرام على قرية ) قال ابن عباس : وجب ، يعني : قدرا مقدرا أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة .

هكذا صرح به ابن عباس ، وأبو جعفر الباقر ، وقتادة ، وغير واحد .

وفي رواية عن ابن عباس : ( أنهم لا يرجعون ) أي : لا يتوبون .

والقول الأول أظهر ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( وَحَرَامٌ ) فقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة (وَحِرْمٌ) بكسر الحاء ، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة ( وَحَرَامٌ ) بفتح الحاء والألف.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متفقتا المعنى غير مختلفتيه ، وذلك أن الحِرْم هو الحرام ، والحرام هو الحِرْم ، كما الحلّ هو الحلال والحلال هو الحل ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وكان ابن عباس يقرؤه: (وَحِرم) بتأويل: وعزم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا بن علية ، عن أبي المعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، كان يقرؤها(وَحِرْمَ على قرية) قال: فقلت ، لسعيد: أيّ شيء حرم؟

قال: عزم.

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي المعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، كان يقرؤها(وحِرْمٌ عَلى قَرْيةٍ) قلت لأبي المعلى: ما الحرم؟

قال: عزم عليها.

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ هذه الآية ( وَحِرْمٌ عَلى قَرْيَة أهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) فلا يرجع منهم راجع ، ولا يتوب منهم تائب.

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود عن عكرمة ، قال ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) قال: لم يكن ليرجع منهم راجع ، حرام عليهم ذلك.

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا عيسى بن فرقد ، قال : ثنا جابر الجعفي ، قال: سألت أبا جعفر عن الرجعة ، فقرأ هذه الآية ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) .

فكأن أبا جعفر وجه تأويل ذلك إلى أنه: وحرام على أهل قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا ، والقول الذي قاله عكرمة في ذلك أولى عندي بالصواب ، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن تفريق الناس دينهم الذي بُعث به إليهم الرسل ، ثم أخبر عن صنيعه بمن عم بما دعته إليه رسله من الإيمان به والعمل بطاعته ، ثم أتبع ذلك قوله ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) فلأن يكون ذلك خبرا عن صنيعه بمن أبى إجابة رسله وعمل بمعصيته ، وكفر به ، أحرى ، ليكون بيانا عن حال القرية الأخرى التي لم تعمل الصالحات وكفرت به.

فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام: حرام على أهل قرية أهلكناهم بطبعنا على قلوبهم وختمنا على أسماعهم وأبصارهم ، إذ صدّوا عن سبيلنا وكفروا بآياتنا ، أن يتوبوا ويراجعوا الإيمان بنا واتباع أمرنا والعمل بطاعتنا ، وإذ كان ذلك تأويل قوله الله (وَحِرْمٌ) وعزم ، على ما قال سعيد ، لم تكن " لا " في قوله ( أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) صلة ، بل تكون بمعنى النفي ، ويكون معنى الكلام: وعزم منا على قرية أهلكناها أن لا يرجعوا عن كفرهم ، وكذلك إذا كان معنى قوله (وَحَرَمٌ.

نوجبه ، وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة ، فإن معنى الكلام: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا ، وأهل التأويل الذين ذكرناهم كانوا أعلم بمعنى ذلك منه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون قراءة زيد بن ثابت وأهل المدينة ( وحرام ) وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم .

وأهل الكوفة ( وحرم ) ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم - .

وهما مثل حل وحلال .

وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ( وحرم ) بفتح الحاء والميم وكسر الراء .

وعن ابن عباس أيضا وعكرمة وأبي العالية ( وحرم ) بضم الراء وفتح الحاء والميم .

وعن ابن عباس أيضا ( وحرم ) وعنه أيضا ( وحرم ) ، ( وحرم ) .

وعن عكرمة أيضا ( وحرم ) .

عن قتادة ومطر الوراق ( وحرم ) تسع قراءات .

وقرأ السلمي ( على قرية أهلكتها ) .

واختلف في لا في قوله : لا يرجعون فقيل : هي صلة ؛ روي ذلك عن ابن عباس ، واختاره أبو عبيد ؛ أي وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك .

وقيل : ليست بصلة ، وإنما هي ثابتة ويكون الحرام بمعنى الواجب ؛ أي وجب على قرية ؛ كما قالت الخنساء :وإن حراما لا أرى الدهر باكيا على شجوه إلا بكيت على صخرتريد أخاها ؛ ف ( لا ) ثابتة على هذا القول .

قال النحاس : والآية مشكلة ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل وسليمان بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله - عز وجل - : وحرام على قرية أهلكناها قال : وجب أنهم لا يرجعون ؛ قال : لا يتوبون .

قال أبو جعفر : واشتقاق هذا بين في اللغة ، وشرحه : أن معنى حرم الشيء حظر ومنع منه ، كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه ، فإذا كان حرام و ( حرم ) بمعنى واجب فمعناه أنه قد ضيق الخروج منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا ؛ فأما قول أبي عبيدة : إن ( لا ) زائدة فقد رده عليه جماعة ؛ لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع ، ولا فيما يقع فيه إشكال ، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا ؛ لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه ، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تحرم .

وقيل : في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها ، أو بالختم [ ص: 247 ] على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون ؛ قاله الزجاج وأبو علي ؛ و ( لا ) غير زائدة .

وهذا هو معنى قول ابن عباس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: يمتنع على القرى المهلكة المعذبة، الرجوع إلى الدنيا، ليستدركوا ما فرطوا فيه فلا سبيل إلى الرجوع لمن أهلك وعذب، فليحذر المخاطبون، أن يستمروا على ما يوجب الإهلاك فيقع بهم، فلا يمكن رفعه، وليقلعوا وقت الإمكان والإدراك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وحرام على قرية ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر : " وحرم " بكسر الحاء بلا ألف وقرأ الباقون بالألف " حرام " وهما لغتان مثل حل وحلال قال ابن عباس : معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية ، ( أهلكناها ) أن يرجعوا بعد الهلاك فعلى هذا تكون " لا " صلة وقال آخرون الحرام بمعنى الواجب فعلى هذا تكون " لا " ثابتا معناه واجبا على أهل قرية أهلكناهم ( أنهم لا يرجعون ) إلى الدنيا وقال الزجاج : معناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون والدليل على هذا المعنى أنه قال في الآية التي قبلها ( فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ) أي يتقبل عمله ثم ذكر هذه الآية عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وحرام على قرية أهلكناها» أريد أهلها «أنهم لا» زائدة «يرجعون» أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وممتنع على أهل القرى التي أهلكناها بسبب كفرهم وظلمهم، رجوعهم إلى الدنيا قبل يوم القيامة؛ ليستدركوا ما فرطوا فيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - بعد ذلك ما سبق أن قرره من أن الكل سيرجعون إليه للحساب ، فقال : ( وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) .وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال منها :أن المعنى : وحرام - أى : وممتنع امتناعا تاما - على قرية أهلكنا أهلها بسبب فسوقهم عن أمرنا ، وتكذيبهم لرسلنا أنهم لا يرجعون إلينا فى الآخرة للحساب .فالآية الكريمة تأكيد لما قررته الآيات السابقة ، من أن الذين تقطعوا أمرهم بينهم ، والذين آمنوا وعملوا صالحا فى دنياهم ، الكل سيرجعون إلى الله - تعالى - ليجازيهم بما يستحقون يوم القيامة .وقد أكدت الآية الكريمة ورجوعهم إليه - تعالى - يوم القيامة بأسلوب بديع ، حيث نفت عن الأذهان ما قد يبتادر من أن هلاك الكافرين بالعذاب فى الدنيا ، قد ينجيهم من الحساب والعقاب يوم القيامة ، وأثبتت أن الرجوع يوم القيامة للحساب مؤكد .قال صاحب فتح القدير : ( وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ .

.

.

) قرأ أهل المدينة " حرام " ، وقرأ أهل الكوفة " وحرم " - بكسر الحاء وإسكان الراء - وهما لغتان مثل : حلال وحل .ومعنى ( أَهْلَكْنَاهَآ ) : قدرنا إهلاكها .

وجملة ( أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) فى محل رفع مبتدأ ، وقوله : " حرام " خبرها .

.

.

والمعنى : وممتنع ألبتة عدم رجوعها إلينا للجزاء .

.وقال بعض العلماء : " وجعل أبو مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها و " لا " فيها على بابها .

وهى مع لفظ " حرام " من قبيل نفى النفى .

فيدل على الإثبات ، والمعنى : وحرام على القرية المهلكة .

عدم رجوعها إلى الآخرة ، بل واجب رجوعها للجزاء ، فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث .

وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعى أحد وأنه - سبحانه - سيحييه وبعمله يجزيه .ومنهم من يرى أن " لا " زائدة ، وأن المراد بالرجوع رجوع الهالكين إلى الدنيا فيكون المعنى : وحرام على أهل قرية أهلكناهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ، أن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى بعد هلاكهم .ومنهم من يرى أن المراد بقوله - تعالى - ( أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) أى : لا يرجعون إلى التوبة أو إلى الإيمان .قال صاحب الكشاف : استعير الحرام للممتنع وجوده ، ومنه قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين ) أى .

منعهما منهم .

.

.

ومعنى الرجوع : الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة ، ومجاز الآية : إن قوما عزم الله - تعالى - على إهلاكهم غير متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة .

.ويبدو لنا أن القول الأول هو أقرب إلى الصواب ، لأنه هو المتبادر من ظاهر الآية ، ولأنه هو المستقيم مع سياق الآيات ، ولأنه بعيد عن التكلف إذ أن الآية الكريمة واضحة فى بيان أن حكمة الله قد اقتضت أن يرجع المهلكون فى الدنيا بسبب كفرهم ومعاصيهم إلى الحياة يوم القيامة ليحاسبوا على أعمالهم كما قال - تعالى - : ( قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ) ولعل مما يؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما ذكر أمر الأمة من قبل وذكر تفرقهم وأنهم أجمع راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ بين أن من جمع بين أن يكون مؤمناً وبين أن يعمل الصالحات فيدخل في الأول العلم والتصديق بالله ورسوله وفي الثاني فعل الواجبات وترك المحظورات: ﴿ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ أي لا بطلان لثواب عمله وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا  ﴾ فالكفران مثل في حرمان الثواب والشكر مثل في إعطائه وقوله: ﴿ فَلاَ كُفْرَانَ ﴾ المراد نفي الجنس ليكون في نهاية المبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا لَهُ كاتبون ﴾ فالمراد وإنا لسعيه كاتبون، فقيل: المراد حافظون لنجازي عليه، وقيل: كاتبون إما في أم الكتاب أو في الصحف التي تعرض يوم القيامة، والمراد بذلك ترغيب العباد في التمسك بطاعة الله تعالى.

أما قوله: ﴿ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ فاعلم أن قوله: ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ خبر فلابد له من مبتدأ وهو إما قوله: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أو شيء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم رجوعهم ممتنعاً كان رجوعهم واجباً فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع إلى الآخرة أو إلى الدنيا.

أما الأول: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة واجب، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر.

وأما الثاني: فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر المفسرون وجهين: الأول: أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه الآية والاستعمال والشعر، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَن لا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً  ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وأما الشعر فقول الخنساء: وإن حراماً لا أرى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو يعني وإن واجباً، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز مشهور كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ إذا ثبت هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون، ثم ذكروا في تفسير الرجوع أمرين: أحدهما: أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه وهو قول مجاهد والحسن.

وثانيها: لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ومقاتل.

الوجه الثاني: أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله: ﴿ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ صلة زائدة كما أنه صلة في قوله: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد  ﴾ والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو كقوله: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ أو يكون المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان، وهذا قول طائفة من المفسرين، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبراً لقوله: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أما إذا جعلناه خبراً لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك، وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم علل فقال: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ عن الكفر فكيف لا يمتنع، ذلك هذا على قراءة إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضاً على هذا أي أنهم لا يرجعون.

أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * واقترب الوعد الحق فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن (حتى) متعلقة بحرام فأما على تأويل أبي مسلم فالمعنى أن رجوعهم إلى الآخرة واجب حتى أن وجوبه يبلغ إلى حيث أنه إذا فتحت يأجوج ومأجوج، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا، والمعنى أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة، فحتى متعلقة بحرام وهي غاية له ولكنه غاية من جنس الشيء كقولك دخل الحاج حتى المشاة.

وحتى هاهنا هي التي يحكى بعدها الكلام.

والكلام المحكى هو هذه الجملة من الشرط والجزاء أعني قوله: ﴿ وَإِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ * واقترب الوعد الحق ﴾ فهناك يتحقق شخوص أبصار الذين كفروا، وذلك غير جائز لأن الشرط إنما يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل في يوم القيامة، والشرط والجزاء لابد وأن يكونا متقاربين، قلنا التفاوت القليل يجري مجرى المعدوم، وأما على التأويلات الباقية فالمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ حتى إِذَا فُتِحَتْ ﴾ المعنى فتح سد يأجوج ومأجوج فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث في فتحت لما حذف المضاف لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان بمنزلة القبيلتين، وقيل حتى إذا فتحت جهة يأجوج.

المسألة الثالثة: هما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.

المسألة الرابعة: قيل: السد يفتحه الله تعالى ابتداء، وقيل: بل إذا جعل الله تعالى الأرض دكاً زالت الصلابة عن أجزاء الأرض فحينئذ ينفتح السد.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴾ فحشو في أثناء الكلام، والمعنى إذا فتحت يأجوج واقترب الوعد الحق شخصت أبصار الذين كفروا، والحدب النشز من الأرض، ومنه حدبة الأرض، ومنه حدبة الظهر، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ مِن كُلّ جدث يَنسِلُونَ ﴾ ، اعتباراً بقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ  ﴾ وقرئ بضم السين ونسل وعسل أسرع ثم فيه قولان، قال أكثر المفسرين إنه كناية عن يأجوج ومأجوج، وقال مجاهد: هو كناية عن جميع المكلفين أي يخرجون من قبورهم من كل موضع فيحشرون إلى موقف الحساب، والأول هو الأوجه وإلا لتفكك النظم، وأن يأجوج ومأجوج إذا كثروا على ما روى في الخبر، فلابد من أن ينشروا فيظهر إقبالهم على الناس من كل موضع مرتفع.

أما قوله تعالى: ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ فلا شبهة أن الوعد المذكور هو يوم القيامة.

أما قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ ﴾ فاعلم أن (إذا) هاهنا للمفاجأة فسمى الموعد وعداً تجوزاً، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله: ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ولو قيل: ﴿ إِذَا هِيَ شاخصة ﴾ أو فهي شاخصة كان سديداً، أما لفظة ﴿ هِيَ ﴾ فقد ذكر النحويون فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون كناية عن الأبصار، والمعنى فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة أبصارهم كني عن الإبصار ثم أظهر.

والثاني: أن تكون عماداً ويصلح في موضعها هو فيكون كقوله: ﴿ إِنَّهُ أَنَا الله  ﴾ ومثله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار  ﴾ وجاز التأنيث لأن الأبصار مؤنثة وجاز التذكير للعماد وهو قول الفراء، وقال سيبويه الضمير للقصة بمعنى فإذا القصة شاخصة، يعني أن القصة أن أبصار الذين كفروا تشخص عند ذلك، ومعنى الكلام أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار هؤلاء من شدة الأهوال، فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم، ومن توقع ما يخافونه، ويقولون: ﴿ ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا ﴾ يعني في الدنيا حيث كذبناه وقلنا: إنه غير كائن بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وعبادة الأوثان، واعلم أنه لابد قبل قوله يا ويلنا من حذف والتقدير يقولون يا ويلنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

استعير الحرام للممتنع وجوده.

ومنه قوله عز وجلّ: ﴿ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين ﴾ [الأعراف: 50] أي منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم.

وقرئ: ﴿ حرم ﴾ و ﴿ حرم ﴾ ، بالفتح والكسر.

وحرّم وحرّم.

ومعنى ﴿ أهلكناها ﴾ عزمنا على إهلاكها.

أو قدّرنا إهلاكها.

ومعنى الرجوع: الرجوع من الكفر إلى الإسلام والإنابة ومجاز الآية: أن قوماً عزم الله على إهلاكهم غير متصوّر أن يرجعوا وينيبوا، إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويقولون: ﴿ ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالمين ﴾ [الأنبياء: 97] يعني: أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون عليه حتى يروا العذاب.

وقرئ: ﴿ إنهم ﴾ بالكسر.

وحق هذا أن يتمّ الكلام قبله، فلا بدّ من تقدير محذوف، كأنه قيل: وحرام على قرية أهلكناها ذاك.

وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور، ثم علل فقيل: إنهم لا يرجعون عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك.

والقراءة بالفتح يصح حملها على هذا؟

أي: لأنهم لا يرجعون ولا صلة على الوجه الأوّل.

فإن قلت: بم تعلقت ﴿ حتى ﴾ واقعة غاية له، وآية الثلاث هي؟

قلت: هي متعلقة بحرام، وهي غاية له لأنّ امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي ﴿ حتى ﴾ التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكيّ: الجملة من الشرط والجزاء، أعني: (إذا) وما في حيزها حذف المضاف إلى ﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴾ وهو سدّهما، كما حذف المضاف إلى القرية وهو أهلها.

وقيل: فتحت كما قيل: ﴿ أهلكناها ﴾ وقرئ ﴿ آجوج ﴾ وهما قبيلتان من جنس الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج ﴿ وَهُمْ ﴾ راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر وقيل: هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السدّ.

الحدب: النشز من الأرض.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنه ﴿ من كل جدث ﴾ وهو القبر، الثاء: حجازية، والفاء: تميمية.

وقرئ: ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ بضم السين ونسل وعسل: أسرع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ ومُمْتَنِعٌ عَلى أهْلِها غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ مِنهم.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وَحِرْمٌ» بِكَسْرِ الحاءِ وإسْكانِ الرّاءِ وقُرِئَ «حَرَمٌ» .

﴿ أهْلَكْناها ﴾ حَكَمْنا بِإهْلاكِها أوْ وجَدْناها هالِكَةً.

﴿ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ رُجُوعُهم إلى التَّوْبَةِ أوِ الحَياةِ ولا صِلَةَ، أوْ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ لِلْجَزاءِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( حَرامٌ ) أوْ فاعِلٌ لَهُ سادٌّ مَسَدَّ خَبَرِهِ أوْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وتَقْدِيرُهُ: تَوْبَتُهم أوْ حَياتُهم أوْ عَدَمُ بَعْثِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ ولا يُنِيبُونَ ﴿ وَحَرامٌ ﴾ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ وحَرامُ عَلَيْها ذاكَ وهو المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِالكَسْرِ.

وقِيلَ ( حَرامٌ ) عَزْمٌ ومُوجِبٌ عَلَيْهِمْ ﴿ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَحَرَامٌ} وحرم كوفي غير حفص وخلف وهما لغتان كحل وحلال وزنا وضده ومعنى المراد بالحرام الممتنع وجوده {على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لا يرجعون} والمعنى ممتنع على أو حكمنا بإهلاكهم ذلك وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المذكور غير المكفور أنهم لا يرجعون من الكفر إلى الاسلام

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ أيْ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ.

فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوِ القَرْيَةُ مَجازٌ عَنْ أهْلِها.

والحَرامُ مُسْتَعارٌ لِلْمُمْتَنِعِ وجُودُهُ بِجامِعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ مَرْجُوِّ الحُصُولِ، وقالَ الرّاغِبُ: الحَرامُ المَمْنُوعُ مِنهُ إمّا بِتَسْخِيرٍ إلَهِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ قَهْرِيٍّ وإمّا بِمَنعٍ مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ أوْ مِن جِهَةِ مَن يَرْتَسِمُ أمْرُهُ، وذُكِرَ أنَّهُ قَدْ حُمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى التَّحْرِيمِ بِالتَّسْخِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ  ﴾ وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍ و في رِوايَةٍ (وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ اهَـ.

وقَرَأ قَتادَةُ ومَطَرُ الوَرّاقُ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍ و بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ (وحُرِمٌ ) الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ أيْضًا وابْنُ المُسَيِّبِ وقَتادَةُ أيْضًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بِخِلافٍ عَنْهُما وأبُو العالِيَةِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِ الحاءِ والرّاءِ والمِيمِ عَلى المُضِيِّ أيْضًا.

وقَرَأ اليَمانِيُّ ( وحُرِّمَ ) بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

﴿ أهْلَكْناها ﴾ أيْ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ في الأزَلِ لِغايَةِ طُغْيانِهِمْ وعُتُوِّهِمْ فِيما لا يَزالُ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ (أهْلَكْتُها ) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ في تَأْوِيلِ اسْمٍ مَرْفُوعٍ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ (حَرامٌ ) قالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: ويَجِبُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُهُ لِما تَقَرَّرَ في النَّحْوِ مِن أنَّ الخَبَرَ عَنْ أنْ يَجِبَ تَقْدِيمُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (حَرامٌ ) مُبْتَدَأً و(أنَّهم ) فاعِلٌ لَهُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِهِ وإنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلى نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في ذَلِكَ الِاعْتِمادُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ كَما هو المَشْهُورُ.

وذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ أنَّ رَفْعَ الوَصْفِ الواقِعِ مُبْتَدَأً لِمُكْتَفًى بِهِ عَنِ الخَبَرِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ جائِزٌ بِلا خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في الِاسْتِحْسانِ وعَدَمِهِ فَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ: هو لَيْسَ بِحَسَنٍ والأخْفَشُ يَقُولُ: هو حَسَنٌ وكَذا الكُوفِيُّونَ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ وما في أنَّ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ مُعْتَبَرٌ في النَّفْيِ المُسْتَفادِ في ( حَرامٌ ) لا في المَنفِيِّ أيْ مُمْتَنِعٌ البَتَّةَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا لِلْجَزاءِ لا أنَّ عَدَمَ رُجُوعِهِمُ المُحَقَّقِ مُمْتَنِعٌ، وتَخْصِيصُ امْتِناعِ عَدَمِ رُجُوعِهِمْ بِالذِّكْرِ مَعَ شُمُولِ الِامْتِناعِ لِعَدَمِ رُجُوعِ الكُلِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ والرُّجُوعِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ أبِي مُسْلِمِ بْنِ بَحْرٍ، ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنْهُ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّ الغَرَضَ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى ذَلِكَ إبْطالُ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ، وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ وأنَّهُ يُجْزى عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وقالَ أبُو عُتْبَةَ: المَعْنى ومُمْتَنِعٌ عَلى قَرْيَةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أوْ حَكَمْنا بِهِ رُجُوعُهم إلَيْنا أيْ تَوْبَتُهم عَلى أنَّ (لا ) سَيْفٌ خَطِيبٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ  ﴾ في قَوْلٍ، وقِيلَ ﴿ حَرامٌ ﴾ بِمَعْنى واجِبٌ كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ: وإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوَةٍ إلّا بَكَيْتُ عَلى صَخْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا  ﴾ إلَخْ فَإنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ واجِبٌ، وعَلى هَذا قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ ﴿ لا يَرْجِعُونَ ﴾ لا يَتُوبُونَ عَنِ الشِّرْكِ.

وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، والظّاهِرُ عَلى هَذا أنَّ المُرادَ بِأهْلَكْناها أوْجَدْنا إهْلاكَها بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِالهَلاكِ الهَلاكُ الحِسِّيُّ، ويَجُوزُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ عَدَمُ التَّوْبَةِ أنْ يُرادَ بِهِ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ بِالكُفْرِ والمَعاصِي.

وقُرِئَ (إنَّهم ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما قَبْلَها فَحَرامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ حَرامٌ عَلَيْها ذَلِكَ وهو ما ذُكِرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ المَشْفُوعِ بِالإيمانِ والسَّعْيِ المَشْكُورِ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ عَماهم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَكَيْفَ لا يُمْتَنَعُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ عَلى هَذا المَعْنى بِحَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ.

والزَّجّاجُ قَدَّرَ المُبْتَدَأ في ذَلِكَ أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم فَقالَ: المَعْنى وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِهَلاكِها أنْ يُتَقَبَّلَ عَمَلُهم لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلُ: ﴿ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ﴾ حَيْثُ إنَّ المُرادَ مِنهُ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ، يعني: على قرية فيما مضى أَهْلَكْناها بالعذاب في الدنيا، أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ إلى الدنيا، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وحرم على قرية بكسر الحاء وبغير ألف.

وقرأ الباقون وَحَرامٌ بنصب الحاء والألف.

وَحُرْمٌ وَحَرَامٌ بمعنى واحد، كقوله: حلّ وحلال، وروي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ وَحَرَّمَ وقال: واجب عليهم أن لا يرجع منهم راجع، ويقال: معناه وحرام على أهل قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل، لأنهم لا يَرْجِعُونَ أي: لا يتوبون ويقال: لاَ يَرْجِعُونَ لا زيادة ومعناه: حرام عليهم أن يرجعوا.

ثم قال عز وجل: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، قرأ ابن عامر فُتِحَتْ بالتشديد على معنى المبالغة والتكثير، وقرأ الباقون بالتخفيف، وقرأ عاصم يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ بالهمز والباقون كلاهما بغير همز.

وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، قال مقاتل: يعني، من كل مكان يخرجون، من كل جبل أو أرض أو واد، وخروجهم عند قيام الساعة.

وقال عبد الله بن سلام  : لا يموت واحد منهم إلا ترك من صلبه ألف ذرية فصاعداً.

وروى قتادة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص  م أنه قال: «الإنس عشرة أجزاء منهم يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وجزء واحد سائر الإنس» .

وروى سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزبعرى، عن عبد الله بن مسعود قال: «يَخْرُجُ يَأْجُوجُ ومأجوج بعد الدجال، يموجون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، أي: يخرجون، فيبعث الله تعالى عليهم دابة مثل هذا النغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون، فتنتن الأرض، فيرسل الله عز وجل ماء فيطهّر الأرض منهم، فذلك قوله عز وجل: إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، يعني: أرسلت كقوله: لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ [الأعراف: 96] ، يعني: أرسلنا وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ، أي من كل أكمة ونشزة من الأرض يخرجون، وقال بعضهم: يكون خروجهم قبل الدجال.

والأصح ما روي عن عبد الله بن مسعود.

قوله عز وجل: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، يعني: قيام الساعة.

فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا، يعني: يقولون: يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ يعني: في جهل مِنْ هذا اليوم.

ثم ذكروا أن المرسلين كانوا أخبروهم، فقالوا: بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ، يعني: قد أخبرونا فكذبناهم.

قوله عز وجل: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ وروي عن علي بن أبي طالب  أنه كان يقرأ: «حطب جهنم» ، وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «حضب جهنم» بالضاد، وقراءة العامة حَصَبُ بالصاد، يعني: رمياً في جهنم.

وكل ما يرمى في جهنم فهو حصب، ويقال: الحصب هو الحطب بلسان الزنجية.

ومن قرأ: حطب، أي كل ما يوقد به جهنم، ومن قرأ حضب بالضاد معناه: ما يهيج به النار.

أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ، أي داخلون.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: «أن رسول الله  أتى قريشاً وهم في المسجد مجتمعون، وثلاثمائة وستون صنماً مصفوفة، وصنم كل قوم بحيالهم فقال: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من هذه الأصنام، «فِي النَّارِ» .

ثم انصرف عنهم، فشق ذلك عليهم مشقة عظيمة شديدة.

وأتاهم عبد الله بن الزبعرى، وكان شاعراً، فقال: ما لي أراكم بحال لم أركم عليها؟

فقالوا: إن محمداً يزعم أنا وما نعبد في النار.

فقال: لو كنت هاهنا لخصمته.

فقالوا: هل لك أن نرسل إليه؟

فقال: نعم.

فبعثوا إليه، فأتاهم، فقال له ابن الزبعرى: أرأيت ما قلت لقومك آنفاً، أخاص لهم أم عام؟

فقال: «بل عام، كل من عبد من دون الله فهو وما عبد في النار» .

قال: أرأيت عيسى ابن مريم  هذه النصارى تعبده، فعيسى والنصارى في النار؟

وهذا عزير تعبده اليهود، فعزير واليهود في النار؟

وهذا حي يقال لهم بنو مليح يعبدون الملائكة عليهم السلام، فالملائكة وهم في النار؟

فسكت النبيّ  ولم يجبهم، فضج أصحابه وضحكوا (١) ويقال: إن هذه القصة لا تصح، لأن النبيّ  كان أفصح العرب، وأنطقهم لساناً، وأحضرهم جواباً كما وصف نفسه: «أنَا أفْصَحُ العَرَبِ» فلا يجوز أن يسكت على مثل هذا السؤال، ولم يكن السؤال لازماً، ويقال: كان سكوته للاستخفاف، لأنه سئل سؤالاً محالاً، لأنه قال: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ولم يقل ومن تعبدون.

و «ما» لا يقع على النواطق، و «من» تقع على النواطق ويقال: هذا القول يقال لهم يوم القيامة، لأنه قال: قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ.

يقال لهم عند ذلك: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فإن قيل: ما الحكمة في إدخال الأصنام في النار؟

قيل: زيادة عقوبة للكفار، لأن الأصنام أحجار، فيكون الحر فيها أشد.

ويقال: الفائدة في إدخال المعبود النار زيادة ذل وصغار عليهم، حيث رأوا معبودهم في النار معهم من غير أن يكون للأصنام عقوبة، لأنه لا يجوز التعذيب بذنب غيرهم.

ثم قال عز وجل: لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً، يعني: الأصنام مَّا وَرَدُوها، أي ما دخلوها ومنعوا أنفسهم ومن عبدهم من النار.

وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ، يعني: العابد والمعبود.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 679 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها المعنى: واذكر التي أحصنت فرجها، وهي الجارحة المعروفة، هذا قول الجمهور، وفي أحصانها هو المدح، وقالت فرقة: الفرج هنا هو فرج ثوبها [الذي منه نفخ الملك] «١» .

وهذا قول ضعيف، وقد تقدم أمرها.

ت: وعكس (رحمه الله) في سورة التحريم النقل، فقال: قال الجمهور: هو فرج الدرع.

وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ يُحْتَمَلُ أن يكون منقطعاً خطابا لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلّم ثم أخبر عن الناس أَنَّهُمْ تقطعوا، ثم وعد وأوعد، ويحتمل أنْ يكون مُتَّصِلاً بقصة مريمَ وابنها- عليهما السلام.

ص: أبو البقاء: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أي، في أمرهم، يريد أنه منصوب على إسقاط حرف الجر.

وقيل: عُدِّيَ بنفسه لأنَّه بمعنى قطعوا، أي فرقوا، انتهى.

وقال البخاري: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، أي: دينكم دينٌ واحد «٢» .

انتهى.

وقرأ جمهور السبعة: «وحرام» ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «٣» :

«وحِرْم» - بكسر الحاء وسكون الراء- وهما مصدران بمعنى، فأَمَّا معنى الآية، فقالت فرقة:

حَرَامٌ وحَرْمٌ معناه: جزم وحتم، فالمعنى: وحتم على قرية أهلكناها، أَنَّهم لا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون ويستعتبون، بل هم صائرون إلى العقاب.

وقالت طائفة: حرام وحرم، أي: ممتنع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( وحَرامٌ ) بِألِفٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( وحِرْمٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: حِرْمٌ وحَرامٌ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( حَرْمٌ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ والمِيمُ مَرْفُوعَةٌ مُنَوَّنَةٌ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( وحَرْمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ المِيمِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( وحَرِمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ والمِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا ألِفٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( وحَرُمَ ) بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ ونَصْبِ المِيمِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَرامٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: واجِبٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنْشَدُوا في مَعْناهُ: فَإنَّ حَرامًا لا أرى الدَّهْرَ باكِيًا عَلى شَجْوِهِ إلّا بَكَيْتُ عَلى عَمْرِو أيْ: واجِبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى العَزْمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ عَطاءٌ: حَتْمٌ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها.

ثُمَّ في مَعْنى الآيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: واجِبٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَتُوبُونَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: واجِبٌ عَلَيْها أنَّها إذا أُهْلِكَتْ لا تَرْجِعُ إلى دُنْياها، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ.

والثّالِثُ: أنَّ " لا " زائِدَةٌ، والمَعْنى: حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ ﴾ ، أعْلَمَنا أنَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكُفّارِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّ يُتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلٌ؛ لِأنَّهم لا يَتُوبُونَ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَحْرُمَ عَلى الإنْسانِ ما لَيْسَ مِن فِعْلِهِ، ورُجُوعُهم بَعْدَ المَوْتِ لَيْسَ إلَيْهِمْ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: مُنِعُوا مِن ذَلِكَ كَما يُمْنَعُ الإنْسانُ مِنَ الحَرامِ وإنَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَكانَ التَّشْبِيهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلْحالَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَنعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( فُتِّحَتْ ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى: فُتِحَ الرَّدْمُ عَنْهم.

﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ وأكَمَةٍ، ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ مِنَ النَّسَلانِ، وهو مُقارَبَةُ الخَطْوِ مَعَ الإسْراعِ، كَمَشْيِ الذِّئْبِ إذا بادَرَ، والعَسَلانُ مِثْلُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحَدَبُ: كُلُّ أكَمَةٍ، و ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ : يُسْرِعُونَ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يَنْسُلُونَ ) بِضَمِّ السِّينِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: إلى جَمِيعِ النّاسِ، فالمَعْنى: وهم يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والأوَّلُ أصَحُّ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ ﴿ حَتّى ﴾ ؟

فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ ، والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واقْتَرَبَ ﴾ زائِدَةٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ: ومِثْلُهُ: ﴿ حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ  ﴾ ، المَعْنى: نادَيْنا.

وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: السّاعَةُ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، كالحامِلِ المُتِمِّ، لا يَدْرِي أهْلُها مَتى تَفْجَؤُهم بِوَلَدِها، لَيْلًا أوْ نَهارًا.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ في قَوْلِهِ: ﴿ يا ويْلَنا ﴾ ، فالمَعْنى: حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ، قالُوا: يا ويْلَنا.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.

فَأمّا ﴿ الوَعْدُ الحَقُّ ﴾ فَهو القِيامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هِيَ ﴾ ، في " هي " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ الأبْصارِ، والأبْصارُ تَفْسِيرٌ لَها، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتِي ∗∗∗ ألا فَرَّ عَنِّي مالِكُ بْنُ أبِي كَعْبِ فَذَكَرَ الظَّعِينَةَ، وقَدْ كَنّى عَنْها في ( لَعَمْرُو أبِيها ) .

والثّانِي: أنَّ " هي " [ ضَمِيرُ فَصْلٍ ] وعِمادٌ، ويَصْلُحُ في مَوْضِعِها " هو "، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ أنا اللَّهُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ  ﴾ ، وأنْشَدُوا: بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودِرْهَمٍ ∗∗∗ فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بِما هاهُنا رَأْسُ ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " هي " عَلى مَعْنى: فَإذا هي بارِزَةٌ واقِفَةٌ، يَعْنِي: مِن قُرْبِها، كَأنَّها آتِيَةٌ حاضِرَةٌ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ شاخِصَةٌ ﴾ ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّ " هي " كِنايَةٌ عَنِ القِصَّةِ، والمَعْنى: القِصَّةُ أنَّ أبْصارَهم شاخِصَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: تَشْخَصُ أبْصارُ الكُفّارِ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، ويَقُولُونَ: ﴿ يا ويْلَنا قَدْ كُنّا ﴾ ؛ أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ فِي غَفْلَةٍ مِن هَذا ﴾ ؛ أيْ: عَنْ هَذا، ﴿ بَلْ كُنّا ظالِمِينَ ﴾ أنْفُسَنا بِكُفْرِنا ومَعاصِينا.

ثُمَّ خاطَبَ أهْلَ مَكَّةَ فَقالَ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، " حَصَبُ جَهَنَّمَ " وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: ( حَطَبُ ) بِالطّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المَفْتُوحَةِ.

وقَرَأ عُرْوَةُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( حَضْبُ جَهَنَّمَ ) بِإسْكانِ الضّادِ المُعْجَمَةِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو حَيَوَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( حِضْبُ ) بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ تَسْكِينِ الضّادِ المُعْجَمَةِ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وَأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( حَصْبُ ) بِفَتْحِ الحاءِ وبِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فَمَعْناهُ: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ فِيها، ومَن قَرَأ: ( حَطَبُ ) فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ.

ومَن قَرَأ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتَذْكى بِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَصَبُ: ما أُلْقِيَ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الحَصْباءِ، وهو الحَصى، يُقالُ: حَصَبْتُ فُلانًا: إذا رَمَيْتَهُ حَصْبًا، بِتَسْكِينِ الصّادِ، وما رَمَيْتَ بِهِ فَهو حَصَبٌ، بِفَتْحِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ ﴾ يَعْنِي: العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ، ﴿ لَها وارِدُونَ ﴾ ؛ أيْ: داخِلُونَ.

﴿ لَوْ كانَ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿ آلِهَةٌ ﴾ عَلى الحَقِيقَةِ، ﴿ ما ورَدُوها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الأصْنامِ، والمَعْنى: لَوْ كانُوا آلِهَةً ما دَخَلُوا النّارَ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى عابِدِيها، فالمَعْنى: لَوْ كانَتِ الأصْنامُ آلِهَةً، مَنَعَتْ عابِدِيها دُخُولَ النّارِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الآلِهَةِ وعابِدِيها، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ﴾ يَعْنِي: العابِدَ والمَعْبُودَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها زَفِيرٌ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الزَّفِيرِ في ( هُودٍ: ١٠٦ ) .

وفي عِلَّةِ كَوْنِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُوضَعُ في مَسامِعِهِمْ مَسامِيرُ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْذَفُونَ في تَوابِيتَ مِن نارٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، رَواهُ أبُو أمامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بَقِيَ في النّارِ مَن يَخْلُدُ فِيها جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ تِلْكَ التَّوابِيتُ في تَوابِيتَ أُخْرى، فَلا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، ولا يَرى أحَدُهم أنَّ في النّارِ أحَدًا يُعَذَّبُ غَيْرَهُ.

والثّانِي: أنَّ السَّماعَ أُنْسٌ، واللَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يُؤْنِسَهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عُمارَةَ.

والثّالِثُ: إنَّما لَمْ يَسْمَعُوا لِشِدَّةِ غَلَيانِ جَهَنَّمَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ ﴾ ﴿ وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ ﴾ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ ﴾ ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها: وهي مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ أُمْ عِيسى عَلَيْهِما السَلامُ.

و"الفَرْجُ" - فِيما قالَ الجُمْهُورُ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ -: الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ، وفي إحْصانِها هو المَدْحُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَرْجُ هُنا فَرْجُ ثَوْبِها الَّذِي مِنهُ نَفَخَ المَلَكُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وأمّا نَفْخُ الوَلَدِ فِيها فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّما نَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، وأضافَ "الرُوحَ" إضافَةَ المِلْكِ إلى المالِكِ، و"ابْنُها": هو عِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأرادَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ مَجْمُوعَ قِصَّةِ عِيسى وقِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها آيَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ.

و"لِلْعالَمِينَ" يُرِيدُ: لِمَن عاصَرَ فَما بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا خِطابًا لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، ثُمْ أخْبَرَ عَنِ الناسِ أنَّهم تَقَطَّعُوا، ثُمْ وعَدَ وأوعَدَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أيْ: جَعَلْنا مَرْيَمَ وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ بِأنْ بَعَثَ لَهم بِمَلَّةٍ وكِتابٍ، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ ، أيْ دَعا الجَمِيعَ إلى الإيمانِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبادَتِهِ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ، ثُمْ فَرَّقَ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ فَذَكَرَ المُحْسِنَ بالوَعْدِ، أيْ: فَمَن عَمِلَ مِنَ الصالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَهو بِسَعْيِهِ يُجازى، وذَكَرَ المُسِيءَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها ﴾ الآيَةَ، فَتَأمَّلِ الوَعِيدَ فِيها عَلى كُلِّ قَوْلٍ تَذْكِرَةٌ فَإنَّهُ بَيِّنٌ، و"الكُفْرانُ" مَصْدَرٌ كالكُفْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَأيْتُ أُناسًا لا تَنامُ خُدُودُهم وخَدِّي ولا كُفْرانَ لِلَّهِ نائِمْ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَحَرامٌ" فَقَرَأ عِكْرَمَةُ وغَيْرُهُ: "وَحَرِمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "وَحَرامٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَحِرْمٌ" بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ العَبّاسِ رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ عنهُ -: "وَحَرْمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الراءِ، وقَرَأتْ فْرْقَةٌ: "وَحَرَّمٌ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ وشَدِّ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَحُرِّمَ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وقَرَأ قَتادَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ: "وَحَرُمَ" بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّ الراءِ.

والمُسْتَفِيضُ مِن هَذِهِ القِراءاتِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَحِرْمٌ"، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: "وَحَرامٌ"، وهُما مَصْدَرانِ مِثْلُ "الحِلِّ والحَلالِ".

فَأمّا مَعْنى الآيَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: حَرامٌ وحِرْمٌ مَعْناهُ: جَزْمٌ وحَتْمٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى الدُنْيا فَيَتُوبُونَ ويُسْتَعْتَبُونَ، بَلْ هم صائِرُونَ إلى العَذابِ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "الإهْلاكُ" هو بالطَبْعِ عَلى القُلُوبِ ونَحْوُهُ، و"الرُجُوعُ" هو إلى التَوْبَةِ والإيمانِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المَعْنى: وحَرامٌ، أيْ: مُمْتَنِعٌ - وحِرْمٌ كَذَلِكَ - عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، وقالُوا: لا زِيادَةَ في الكَلامِ.

واخْتَلَفُوا في "الإهْلاكِ والرُجُوعِ" بِحَسَبِ القَوْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، قالَ أبُو عَلَيٍّ: يَحْتَمِلُ أنْ يَرْتَفِعَ "حَرامٌ" بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ رُجُوعُهُمْ، و"لا" زائِدَةٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْتَفِعَ "حَرامٌ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: والإقالَةُ والتَوْبَةُ حَرامٌ، ثُمْ يَكُونُ التَقْدِيرُ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ، فَتَكُونُ "لا" عَلى بابِها، كَأنَّهُ قالَ: هَذا عَلَيْهِمْ مُمْتَنِعٌ بِسَبَبِ كَذا، فَقالَ تَحْرِيمٌ في الآيَةِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَ كَتَحْرِيمِ الشَرْعِ الَّذِي إنْ شاءَ المَنهِيُّ عنهُ رَكِبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ في الآيَةِ مَعْنًى ضِمْنُهُ وعِيدٌ بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ مَن عَمِلَ صالِحًا وهو مُؤْمِنٌ، ثُمْ عادَ إلى ذِكْرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ مِن كُفْرِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّهم لا يُحْشَرُونَ إلى رَبٍّ، ولا يَرْجِعُونَ إلى مَعادٍ، فَهم يَظُنُّونَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا عِقابَ يَنالُهُمْ، فَجاءَتِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِظَنِّ هَؤُلاءِ، أيْ: "مُمْتَنِعٌ عَلى الكَفَرَةِ المُهْلَكِينَ أنْ لا يُرْجَعُونَ، بَلْ هم راجِعُونَ إلى عِقابِ اللهِ وألِيمِ عَذابِهِ"، فَتَكُونُ "لا" عَلى بابِها، والحَرامُ عَلى بابِهِ، وكَذِلِكَ الحِرْمُ فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة، والمراد بالقرية أهلها.

وهذا يعم كلّ قرية من قرى الكفر، كما قال تعالى: ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ﴾ [الكهف: 59].

والحرام: الشيء الممنوع، قال عنترة: حَرُمت عليّ وليتَها لم تحرُم *** أي: مُنِعت أي مَنَعها أهلها.

أي ممنوع على قرية قدّرْنا إهلاكها أن لا يرجعوا، ف ﴿ حرام ﴾ خبر مقدم و ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ في قوة مصدر مبتدأ.

والخبر عن (أنّ) وصلتِها لا يكون إلاّ مقدّماً، كما ذكره ابن الحاجب في «أماليه» في ذكر هذه الآية.

وفعل ﴿ أهلكناها ﴾ مستعمل في إرادة وقوع الفعل، أي أردنا إهلاكها.

والرجوع: العود إلى ما كان فيه المرء؛ فيحتمل أن المراد رجوعهم عن الكفر فيتعين أن تكون (لا) في قوله تعالى: ﴿ لا يرجعون ﴾ زائدة للتوكيد، لأن (حرام) في معنى النفي و(لا) نافية ونفي النفي إثبات، فيصير المعنى منع عدم رجوعهم إلى الإيمان، فيؤُول إلى أنهم راجعون إلى الإيمان.

وليس هذا بمراد فتعين أن المعنى: مَنْع على قرية قدرنا هلاكها أن يرجعوا عن ضلالهم لأنه قد سبق تقدير هلاكها.

وهذا إعلام بسنة الله تعالى في تصرفه في الأمم الخالية مقصود منه التعريض بتأييس فريق من المشركين من المصير إلى الإيمان وتهديدهم بالهلاك.

وهؤلاء هم الذين قدّر الله هلاكَهم يوم بدر بسيوف المؤمنين.

ويجوز أن يراد رجُوعهم إلى الآخرة بالبعث، وهو المناسب لتفريعه على قوله تعالى: ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ [الأنبياء: 93] فتكون (لا) نافية.

والمعنى: ممنوع عَدَم رجوعهم إلى الآخرة الذي يزعمونه، أي دعواهم باطلة، أي فهم راجعون إلينا فمجازَوْن على كفرهم، فيكون إثباتاً للبعث بنفي ضده، وهو أبلغ من صريح الإثبات لأنه إثبات بطريق الملازمة فكأنه إثبات الشيء بحجة.

ويفيد تأكيداً لقوله تعالى: ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ [الأنبياء: 93].

وجملة ﴿ أهلكناها ﴾ إدماج للوعيد بعذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.

وفعل ﴿ أهلكناها ﴾ مستعمل في أصل معناه، أي وقع إهلاكنا إياها.

والمعنى: ما من قرية أهلكناها فانقرضت من الدنيا إلا وهم راجعون إلينا بالبعث.

وقيل ﴿ حرام ﴾ اسم مشترك بين الممنوع والواجب، وأنشدوا قول الخنساء: وإن حراماً لا أرى الدهر باكيا *** على شجوه إلا بَكيتُ على صَخْر وفي كتاب «لسان العرب» «في حديث عمر: في الحرَام كفارة يمين: هو أن يقول الرجل: حرامُ الله لا أفعل، كما يقول: يمينُ الله لا أفعل، وهي لغة العُقيليين» اه.

ورأيت في مجموعة أدبية عتيقة (من كتب جامع الزيتونة عددها 4561): أن بني عُقيل يقولون حَرام الله لآتينك كما يقال يمين الله لآتينك آه.

وهو يشرح كلام «لسان العرب» بأن هذا اليمين لا يختص بالحلف على النفي كما في مثال «لسان العرب».

فيتأتى على هذا وجه ثالث في تفسير قوله تعالى: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ أي ويمين منا على قرية، فحرف (علىَ) داخل على المُسلطة عليه اليمين، كما تقول: عزمتُ عليك، وكما يقال: حلفت علىَ فلان أن لا ينطق.

وكقول الراعي: إني حلفتُ علىَ يمين بَرّة *** لاَ أكتُم اليومَ الخليفةَ قيلا وفتح همزة «أنّ» في اليمين أحد وجهين فيها في سياق القسم.

ومعنى ﴿ لا يرجعون ﴾ على هذا الوجه لا يرجعون إلى الإيمان لأن الله علم ذلك منهم فقدر إهلاكهم.

وقرأ الجمهور ﴿ وحَرام ﴾ بفتح الحاء وبألف بعد الراء.

وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ وحِرْم ﴾ بكسر الحاء وسكون الراء، وهو اسم بمعنى حرام.

والكلمة مكتوبة في المصحف بدون ألف ومروية في روايات القراء بوجهين، وحذف الألف المشبعة من الفتحة كثير في المصاحف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ وجَدْناها هالِكَةً بِالذُّنُوبِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى التَّوْبَةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

الثّانِي: وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها بِالعَذابِ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: وحَرُمَ عَلى قَرْيَةٍ، وتَأْوِيلُها ما قالَهُ سُفْيانٌ: وجَبَ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها.

[أنَّهم لا يَرْجِعُونَ قالَ: لا يَتُوبُونَ] .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ ﴾ أيْ فُتِحَ السَّدُّ، وهو مِن أشْراطِ السّاعَةِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  نائِمًا في بَيْتِهِ، فاسْتَيْقَظَ مُحْمَرَّةٌ عَيْناهُ، فَقالَ: (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ثَلاثًا، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلَ هَذا وأشارَ بِيَدِهِ إلى عِقْدِ التِّسْعِينَ.

» ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ قِيلَ إنَّهُما أخَوانِ، وهُما ولَدا يافِثَ بْنِ نُوحٍ، وفي اشْتِقاقِ اسْمَيْهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن أجَّتِ النّارُ.

والثّانِي: مِنَ الماءِ الأُجاجِ.

وَقِيلَ إنَّهم يَزِيدُونَ عَلى الإنْسِ الضَّعْفَ.

﴿ وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ وفي حَدَبِ الأرْضِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ فِجاجُها وأطْرافُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حَوْلَها.

الثّالِثُ: تِلاعُها وآكامُها، مَأْخُوذٌ مِن حَدَبَةِ الظَّهْرِ، قالَ عَنْتَرَةُ: فَما رَعَشَتْ يَدايَ ولا ازْدَهانِي تَواتُرُهم إلَيَّ مِنَ الحِدابِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يَنْسِلُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُها: مَعْناهُ يَخْرُجُونَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَسَلِي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسِلِ والثّانِي: مَعْناهُ يُسْرِعُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: عُسْلانُ الذِّئْبِ أمْسى قارِبًا ∗∗∗ بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ وَفِي الَّذِي هم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ النّاسُ يُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ قال: إن هذا دينكم ديناً واحداً.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ أي دينكم دين واحد وربكم واحد والشريعة مختلفة.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ قال: لسانكم لسان واحد.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وتقطعوا أمرهم بينهم ﴾ قال: ﴿ تقطعوا ﴾ اختلفوا في الدين.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، أنه قرأ ﴿ وحرم على قرية ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن الزبير قال: إن صبياناً هاهنا يقرؤون ﴿ وحرم على قرية ﴾ وإنما هي ﴿ وحرام على قرية ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه كان يقرأ ﴿ وحرام على قرية ﴾ بالألف.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وحرام على قرية أهلكناها ﴾ قال: وجب إهلاكها.

قال: دمرناها ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ قال: إلى الدنيا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وحرم على قرية ﴾ قال: وجب على قرية ﴿ أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ كما قال: ﴿ ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ [ يس: 31] .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ وحرم على قرية ﴾ فقيل لسعيد: أي شيء حرم؟

قال: يحرم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة ﴿ وحرم ﴾ قال: وجب ﴿ على قرية أهلكناها ﴾ قال: كتبنا عليها الهلاك في دينها ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ عما هم عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ وحرم ﴾ قال: وجب بالحبشية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وحرام على قرية ﴾ أي وجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ هذه آية كثرت فيها الأقوال وتقسمت فيها الخواطر والآراء ولم يقع لها شرح شاف، ولا بيان لتفسيرها كاف.

والذي يدل عليه (١) قال قتادة (٢) (٣) وروى عكرمة، عن ابن عباس] (٤) (٥) قال الزجاج: وجاء أيضًا عن ابن عباس أنه قال: حتم عليهم لا يرجعون (٦) (٧) وعن سعيد بن جبير: أنه قرأ (وحِرْمٌ على قرية) فسئل عنها فقال: عزم عليها (٨) والذين قانوا إن حرامًا -هاهنا- بمعنى: واجب أنشدوا (٩) وإن (١٠) (١١) أي: واجب.

ونحو هذا قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ قال: يريد حتماً مني (١٢) وقال الكلبي: يقول: وجب على أهل قرية (أهلكناها) يريد عذبناها ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ إلى الدنيا أبدًا.

قال: يعني أهل مكة من أهل القرى، لا يرجعون إلى يوم القيامة.

هذا الذي ذكرنا قول واحد في هذه الآية، ومعناه: إن الله تعالى كتب على من أهلك أن يبقى في البرزخ إلى يوم القيامة، وأن لا يرجع إلى الدنيا عزمًا منه ذلك حتماً.

وفي (١٣) (١٤) القول الثاني: أن معنى الآية: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ .

أي: أهلكناهم بالاستئصال والاصطلام؛ لأنهم إنما لا يرجعون للاستئصال الواقع بهم والإبادة لهم.

وخبر المبتدأ على هذا محذوف، تقديره: وحرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم.

ونحو ذلك مما يكون في الكلام دلالة عليه.

وهذا القول ذكره أبو علي (١٥) وإلى نحو هذا [من التقدير -الذي ذكره أبو علي-] (١٦) (١٧) قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين في قوله: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية، ذكر في هذه الآية أنه قد حرم قبول أعمال الكفار.

والمعنى: حرام على قرية أهلكناها أن يُتقبل منهم عملٌ؛ لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون كما قال -عزّ وجلّ-: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] فأعلم أنهم لا يتوبون أبدًا، وكذلك ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ معناه: قد علم منهم أنهم لا يتوبون.

هذا كلامه (١٨) ونحتاج في هذا إلى شرح، وهو أن نقول: معنى هذا القول: وحرام على قرية حكمنا عليها بالهلاك -لعلمنا بأنهم لا يرجعون عن كفرهم- أن قبل منهم طاعة أو نثيبهم على عمل.

فنحتاج إلى تقدير لام في (أنهم) كما قدر أبو علي باء وإلى إضمار خبر المبتدأ كما أضمره هو.

وذكر (١٩) ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ احتجاجًا بأن قوله: ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ معناه: لا يرجعون من الشرك لحكم الله عليهم [بذلك كما قال] (٢٠) ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ الآية، واحتج على أن الله لا يقبل عمل كافر بقوله: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق معنى قول [قتادة (٢١) (٢٢) ﴿ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ غير زائدة (٢٣) فإن جعلت (لا) زائدة، وهو قول ابن جريج، وأبي عبيد (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وذكر على تقدير زيادة (لا) قول آخر، وهو: أن المعنى: وحرام على قرية حكمنا بهلاكها للشقاء الذي كتبنا عليها أن يرجعوا عن الشرك ويؤمنوا (٢٨) ومعنى حرام على الأقوال كلها -غير القول الأول- أنهم يمنعون عن ذلك كما يمنعون من الأشياء المحرمة في الشرع، وليس كحظر الشريعة الذي إن شاء المحظور عليه ركبه وإن شاء تركه، وكان الأمر فيه موقوفاً على اختياره (٢٩) والحرام بمعنى المنع قد ورد في التنزيل في مواضع كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ  ﴾ أي: منعهم منهما، وقوله تعالى: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ  ﴾ يعني تحريم منع، وهذا كما تقول: حرمت عليّ لقاءك أي: منعتني من ذلك (٣٠) وقرئ (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (١) في (د)، (ع): (عليها).

(٢) (قتادة): ساقط من (د)، (ع).

(٣) ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 48 من رواية قتادة، عن ابن عباس، ..

وهو منقطع.

وقد رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 673 عن قتادة.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٥) رواه الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 48 بسنده، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.

وقد نسب السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 672 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وحرم على قرية) قال: وجب على قرية ..

وقد طالعت تفسير سعيد بن منصور (ل 155 أ) فوجدته رواه من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وفيه ذكر القراءة دون التفسير.

ورواه الطبري 17/ 86 من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، فأما رواية عكرمة ففيها ذكر القراءة والتفسير لكن ليس فيه (حرم) بمعنى وجب، وأما رواية سعيد بن جبير ففيه ذكر القراءة عن ابن عباس دون التفسير، ثم تفسير سعيد بن جبير نفسه لحرم بمعنى: حرم.

لكن ذكر ابن كثير -وهو يعتمد كثيرًا على تفسير ابن أبي حاتم- في "تفسيره" 3/ 194 عن ابن عباس أنه قال: وجب.

فلعل هذا التفسير وقع في رواية ابن أبي حاتم أو غيره ممن ذكر السيوطي دون رواية سعيد بن منصور والطبري.

وذى النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 79 من رواية ابن عيينة.

وهشيم وغيرهما، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله (وحرام) قال: وجب.

(٦) عند الزجاج: ألا يرجعوا.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 404.

(٨) "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 48 وفيه: وقال أبو معاذ النحوي ..

قال: وحدثت عن سعيد بن جبير، فذكره.

وقد رواه الطبرى 17/ 86 من طريق أبي المعلى يحيى بن ميمون، عن سعيد بن == جبير، عن ابن عباس أنه قرأ (وحرم على قرية) قال -يعني أبا المعلى- فقلت لسعيد: أي: شيء حرم؟

قال: عزم.

(٩) ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 288.

(١٠) عند ابن قتيبة ص 288: (فإن).

(١١) البيت أنشده ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 288 من غير نسبة لأحد.

ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 43 أللخنساء بمثل رواية الواحدي هنا.

ونسبه لها أيضًا القرطبي 11/ 340 لكن عنده: على صخر.

وهو عند أبي حيان في "البحر المحيط" 6/ 338 - 339، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 198 - 199 منسوبًا للخنساء لكن روايته: حرامٌ علي لا أري الدهر باكيًا ...

على شجوه إلا بكيت على صَخْر ولم أجد هذا البيت في ديوانها.

(١٢) ذكر ابن الجوزي 5/ 387 هذا القول عن عطاء.

(١٣) في (ت): (في).

(١٤) في (أ)، (ت): (بزيادة).

(١٥) "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 382، وانظر 5/ 261.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٧) لم أجد من ذكره عن قطرب.

(١٨) ليس هذا كلامه بنصه، بل فيه زيادة وتصرف وحذف.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 405.

(١٩) يعني الزجاج، وليس عند الزجاج الاحتجاج بهذه الآية بل فيه قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ انظر: "المعاني" 3/ 405.

(٢٠) ما بين المعقوفين بياض في (ت).

(٢١) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 673 وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر.

وانظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 194.

(٢٢) ما بين المعقوفين بياض في (ت).

(٢٣) وفي الآية وجه آخر حسن تكون فيه (لا) غير زائدة، و (حرام) على بابها.

وهو أن الله -عز وجل- قال في الآيات التي قبل هذه الآية ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ فبين-عز وجل- أن الخلق راجعون إليه وأنه لا كفران لسعي أحد.

ثم== قال بعد ذلك: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ أي: ممتنع على أي: قرية أهلكها الله انتفاء الرجوع إلى الآخرة، فإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، والمعنى: أنهم يجب رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة، ويكون الفرض إبطال قول من ينكر البعث.

انظر: "تفسير الرازي" 22/ 121، "البحر المحيط" 6/ 338، "الدر المصون" 8/ 199.

وقد أشار ابن عطية في "المحرر" 10/ 204 إلى هذا المعنى بقوله: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بين، وذلك أنه ذكر من عمل صالحًا وهو مؤمن، ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى رب، ولا يرجعون إلى معاد؛ فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم، فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء، أي: ممتنع على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون، بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه.

فتكون (لا) على بابها، والحرام على بابه، وكذلك الحرام، فتأمله) أهـ.

(٢٤) ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 80 هذا القول عن أبي عبيد ولم يرضه، حيث قال: (وأما قول أبي عبيد: إن (لا) زائدة فقد رده عليه جماعة؛ لأنها لا تزاد في مثل هذ الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال).

وذكر هذا القول عن أبي عبيد أيضًا: القرطبي 11/ 340، وأبو حيان 6/ 338.

(٢٥) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 245، وانظر: "غريب القرآن" له ص 288.

قال الطبري 17/ 78: وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة فإن معنى الكلام: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا.

وأهل التأويل الذين ذكرناهم -يعني ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة- كانوا أعلم بمعنى ذلك منه.

(٢٦) بياض في (ت).

(٢٧) من قوله: (فالمعنى: حرام ..

إلى هنا) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 261 مع اختلاف يسير.

(٢٨) ذكر الرازي 22/ 221، وأبو حيان 6/ 339 عن مجاهد والحسن قالا: لا يرجعون عن الشرك.

(٢٩) انظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 204.

(٣٠) في (أ): (مالك).

(٣١) في (أ)، (ت): (وقرأ).

(٣٢) قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (وحرم) بكسر الحاء وإسكان الراء من غير ألف.

وقرأ الباقون: (وحرم) بالألف.

"السبعة" ص 431، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.

(٣٣) في (أ)، (ت): (حال)، وهو خطأ.

(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 404، "علل القراءات" للأزهري 2/ 412، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 68.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ قرئ حِرْم بكسر الحاء وهو بمعنى حرام، واختلف في معنى الآية، فقيل حرام بمعنى ممتنع على قرية أراد الله إهلاكها أن يرجعوا إلى الله بالتوبة، أو ممتنع على قرية أهلكها الله أن يرجعوا إلى الدنيا، ولا زائدة في الوجهين، وقيل: حرام بمعنى حتم واقع لا محالة، ويتصور فيه الوجهان، وتكون لا نافية فيهما أي: حتمٌ عدم رجوعهم إلى الله بالتوبة أو: حتم عدم رجوعهم إلى الدنيا وقيل: المعنى ممتنع على قرية أهكلها الله أنهم لا يرجعون إليه في الآخرة، ولا على هذا نافية أيضاً، ففيه ردّ على من أنكر البعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وحرم ﴾ بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل ﴿ فتحت ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب.

﴿ لا يحزنهم ﴾ بضم الياء وكسر الزاء يزيد ﴿ نطوي ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الواو ﴿ والسماء ﴾ بالرفع: يزيد.

﴿ للكتب ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص ﴿ بدأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ قال ﴾ بالألف على حكاية قول الرسول ﴿ رب ﴾ بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز ﴿ رب ﴾ بضم الباء على أنه مبتدأ ﴿ احكم ﴾ على صيغة التفضيل.

يزيد عن يعقوب الباقون ﴿ رب احكم ﴾ ﴿ يصفون ﴾ على الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية.

الوقوف: ﴿ واحدة ﴾ ز لأن المقصود من قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ قوله ﴿ فاعبدون ﴾ وكان الكلام متصلاً ﴿ فاعبدون ﴾ ه ﴿ وبينهم ﴾ ط ﴿ راجعون ﴾ ه ﴿ لسعيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ كاتبون ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ ينسلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط لإضمار القول ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ واردون ﴾ ه ﴿ ما وردوها ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ لا لأن ما بعد خبر "إن" ﴿ مبعدون ﴾ ه لا لأن ما بعده خبر بعد خبر ﴿ حسيسها ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ خالدون ﴾ ه ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافاً ﴿ الملائكة ﴾ ط لأن التقدير قائلين هذا يومكم ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ للكتب ﴾ ط لأن الجار يتعلق بما بعده ﴿ نعيده ﴾ ط لحق المضمر اي وعدنا وحقاً ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ الصالحون ﴾ ه ﴿ عابدين ﴾ ه ط لاختلاف الجملتين ﴿ للعالمين ﴾ ه واحد ج للاستفهام مع الفاء ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ على سواء ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن المقول، ومن قرأ ﴿ ربي احكم ﴾ فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع ﴿ تصفون ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر الزمان فقال ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون يرجع إليه.

وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة غير مختلفة.

﴿ وأنا ربكم ﴾ لا غيري ﴿ فاعبدون ﴾ والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن يقال بعده وتقطعتم أمركم ينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعاً كما يقسم الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقاً مختلفة وأحزاناً شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟

عن رسول الله  أنه قال "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟

قال: الجماعة الجماعة" فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا على كلمة واحدة، طعن بعضهم في الحديث أنه أراد بالاثنتين والسبعين فرقة اصول الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد.

وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ فاعبدون وتقطعوا ﴾ بالواو وفي "المؤمنين" ﴿ فاتقون  فتقطعوا  ﴾ بالفاء لأن الخطاب ههنا أعم والعبادة أعم من التقوى.

وأيضاً الخطاب يتناول الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي  والمؤمنين بدليل قوله ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات  ﴾ ثم قال ﴿ فتقطعوا  ﴾ اي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله ﴿ زبراً ﴾ وفي قوله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ وعيد عظيم للفرق المختلفة.

ثم فصل مآل لهم بقوله ﴿ فمن يعمل ﴾ الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ وإنما لم يقل "فلا يكفر سعيه" لأن نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.

وفي قوله ﴿ وأنا له ﴾ اي لذلك السعي ﴿ كاتبون ﴾ مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة.

ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا يجوز عليه السهو والنسيان.

قال المفسرون: معناه حافظون لنجازي عليه.

وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال.

هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله ﴿ وحرام ﴾ ومن قرأ ﴿ حرم ﴾ فإنه فعل بمعنى مفعول.

والتركيب يدور على المنع اي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له من مبتدأ وذلك قوله ﴿ أنهم لا يرجعون ﴾ أو غير ذلك.

والرجوع إما الرجوع عن الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة.

وعلى الأول إما أن تكون "لا" زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على إهلاكها أو قدرنا إهلاكها أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد تصميمهم على الكفر.

وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال  ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا  ﴾ وترك الشرك واجب وليس بمحرم، وقالت الخنساء: وإن حراماً لا ارى الدهر باكياً *** على شجوه إلا بكيت على عمرو وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله ﴿ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون  ﴾ وعلى الثالث فقوله "حتى" غاية لقوله ﴿ لا يرجعون ﴾ اي ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم يكونون أول الناس حضوراً في محفل القيامة.

وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر إلى أن تقوم الساعة.

قوله  ﴿ حتى إذا فتحت ﴾ "حتى" هي التي يقع بعدها الجملة وهي ههنا مجموع الشرط والجزاء و"إذا" المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر الكهف.

يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج.

وفي الحديث "إن منكم واحداً ومن يأجوج ومأجوج ألف" .

قوله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد.

وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى المحشر.

والحدب ما إرتفع من الأرض والنسل الإسراع.

﴿ واقترب ﴾ عطف على ﴿ فتحت ﴾ وهو داخل في الشرط.

و ﴿ الوعد الحق ﴾ القيامة وقوله ﴿ فإذا هي شاخصة ﴾ كقوله في سورة إبراهيم ﴿ ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ هي ﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره.

قلت: فعلى هذا ﴿ هي ﴾ مبتدأ ﴿ وشاخصة ﴾ خبره ﴿ وأبصار ﴾ بدل ﴿ هي ﴾ ولو قيل: ﴿ هي ﴾ ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة خبره جاز وهو قول سيبويه.

ثم ههنا إضمار اي يقولون ﴿ يا ويلنا ﴾ وهو في موضع الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة ﴿ قد كنا في غفلة من هذا ﴾ الوعد أو الأمر ﴿ بل كنا ظالمين ﴾ أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان.

ثم بين حال معبوديهم يوم القيامة فقال: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ اي محصوبها بمعنى محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرئ حطب.

واللام في قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ كاللام في قوله "هو لزيد ضارب" وذلك لضعف عمل اسم فيما تقدم عليه.

والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها.

ثم ألزمهم الحجة بقوله ﴿ لو كان هؤلاء ﴾ المعبودون ﴿ آلهة ﴾ في الحقيقة ﴿ ما وردوها ﴾ لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيماً أصلاً.

ثم أخبر أنهم بعد ورودهم النار لا يخلصون منها أبداً فقال ﴿ وكل ﴾ اي من العابدين والمعبودين ﴿ فيها خالدون لهم فيها زفير ﴾ قد سبق معانيه في آخر سورة هود ﴿ وهم فيها لا يسمعون ﴾ شيئاً إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه  يصمهم كما يعميهم.

والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في ﴿ لهم فيها زفير ﴾ للعابدين وجاز اعتماداً على فهم السامع حيث يرد كلاً من الضميرين على ما يناسبهما كأنه قيل: العابد يدعو والمعبود لا يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضاً لأن فيهم من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم.

يروى أن رسول الله  دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه رسول الله  حتى أفحمه ثم تلا عليهم ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله ﴾ الاية.

فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بنا جرى فقال معترضاً: اليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة؟

فقال  : بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل الله  ﴿ إن الذين سبقت ﴾ الآية.

فخرج من الحديث.

الآية جواب ابن الزبعري على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولاً إن الاية باقية على عمومها لأن الذين عبدوا عزيراً والمسيح والملائكة لم يعبدونهم في الحقيقة، وإنما عبدوا الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له.

ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن الزبعري بوجوه آخر منها: أن قوله ﴿ إنكم ﴾ خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا سوى الأصنام.

ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة.

ومنها أن قوله ﴿ وما تعبدون ﴾ لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض.

ولقائل أن يقول: ما أعم لا مباين فيشمل ذوي العقول وغيرهم ولهذا جاء ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ سبحان ما سخركن لنا.

ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكاً على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم.

واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله ﴿ إن الذين ﴾ لا يبعد أن يكون عاماً لكل المؤمنين ويؤيده ما روي أن علياً قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف.

وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الاية هي الوعد بالعفو لأنه قال ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ بأزاء قوله ﴿ أنتم لها واردون ﴾ والورود الدخول فالإبعاد الإخراج من النار بعد أن كانوا فيها.

وأيضاً إبعاد البعيد محال.

وقوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج.

وايضاً قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله ﴿ مبعدون ﴾ أنهم لا يدخلون النار ولا يقربونها ألبتة لأن ما جعل بعيداً عن شيء ابتداء يحسن أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله { ﴿ وإن منكم إلا واردها  ﴾ بالدخول كما مر في سورة مريم.

وفي قوله ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ تأكيد للإِبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها.

ثم بين أنهم مع العبد عن المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال ﴿ وهم فيما إشتهته ﴾ ﴿ أنفسهم ﴾ أي فيما تطلبه للالتذاذ به ﴿ خالدون ﴾ هذا نصيب أهل الجنة، وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وارواحهم وأسرارهم خالدون.

والفزع الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض  ﴾ وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لا فزع أكبر مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جيمعاً، ثم مراتب التعذيب بعد ذلك متفاوتة.

وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة مهنئين قائلين ﴿ هذا يومكم ﴾ اي وقت ثوابكم ﴿ الذي كنتم توعدون ﴾ ذلك قال الضحاك: هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم.

والعامل في ﴿ يوم نطوي السماء ﴾ : ﴿ لا يحزنهم ﴾ أو ﴿ تتلقاهم ﴾ .

والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه.

وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي ايضاً عن علي  .

وروى أيضاً أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله  وليس بمعروف.

قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحيش.

فعلى هذه الوجوه فالطي وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول الأكثرين وإشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرئ به والتركيب يدل على الامتلاء والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلاً إلا إذا كان فيه ماء ومنه "أسجلت الحوض ملأته".

وقوله ﴿ للكتاب ﴾ أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب.

ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر عن ذلك أما قوله ﴿ كما بدأنا ﴾ فمن المفسرين من قال: إنه ابتداء كلام ومنهم من قال: إنه وصف قوله ﴿ هذا يومكم الذي كنتم توعدون ﴾ بقوله ﴿ يوم نطوي ﴾ ثم عقبه بوصف آخر فقال ﴿ كما بدأنا أول خلق ﴾ وهو مفعول نعيد الذي يفسره ﴿ نعيده ﴾ و"ما" كافة أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء.

فكما أوجده أولاً عن عدم يعيده ثانياً عن عدم.

ومنهم من قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الاصلية والآية لا تطابقه كل المطابقة.

وأول خلق كقولك "هو أول رجل" اي إذا فضلت رجلاً رجلاً فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم ودفعاً للاعتراض.

وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و"ما" موصولة اي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده و ﴿ أول خلق ﴾ ظرف ﴿ لبدأنا ﴾ أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله ﴿ وعداً ﴾ مصدر مؤكد لأن قوله نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتماً ﴿ علينا ﴾ لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ اي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه.

عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتباراً للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة.

وعن الشعبي أن الزبور هو كتاب داود  والذكر التوراة.

وجوز الإمام فخر الدين أن يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين.

والمراد تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله ﴿ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين  ﴾ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي وأبو العالية.

وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة.

وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار نظيره ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَستَخلِفَنَّهُم في الأرض  ﴾ وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد  عند نزول عيسى ابن مريم ﴿ إن في هذا ﴾ الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك ﴿ لبلاغاً ﴾ لكفاية ﴿ لقوم عابدين ﴾ عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها.

والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي.

والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.

قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه.

وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة على أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم.

وفي الآية دلالة على أن النبي  أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض  ﴾ والاستغفار رحمة.

والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال ﴿ قال إنما يوحى إلي ﴾ إن كانت "ما" موصولة فمعناه أن الذي يوحي إليَّ هو أن وصفه  مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن القصر يكون أبداً لما يلي إنما وفي قوله ﴿ فهل أنتم مسلمون ﴾ بعث لهم على قبول هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به قائلاً ﴿ فإن تولوا فقل آذنتكم ﴾ اي أعلمتكم والمراد ههنا أخص من ذلك وهو الإنذار ﴿ على سواء ﴾ هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ إلى وقت اي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله ﴿ فانبذ إليهم على سواء  ﴾ وقيل: أراد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف.

ولست ﴿ أدري أقريب ما توعدون ﴾ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة.

واعترض بأنه ينافي قوله ﴿ واقترب الوعد الحق ﴾ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة.

وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار.

ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله  هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين ﴿ وإن أدري لعله ﴾ اي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمنيع لكم ﴿ إلى حين ﴾ حضور وقت الموعد.

وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم.

وقيل: اراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالاً بعد حال يكون عذابه اشد.

ومعنى ﴿ رب احكم بالحق ﴾ أقضى بيني وبين من يكذبني بالعذاب.

قال قتادة: امره الله  أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  ﴾ فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما قال "أشدد وطأتك على مضر" وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه  قال له: قل داعياً إليَّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار ﴿ وربنا الرحمن المستعان ﴾ الذي يستعان به ﴿ على ما تصفون ﴾ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم.

وفي هذا الأمر تسلية للنبي  ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.

التأويل: ﴿ إن هذه أمتكم ﴾ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول ﴿ أنا ربكم ﴾ الذي بلغتكم هذه الرتبة ﴿ فاعبدون ﴾ أي فاعرفون ﴿ وتقطعوا أمرهم ﴾ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله ﴿ كل إلينا راجعون ﴾ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة ﴿ وإنا له كاتبون ﴾ في الأزل من أهل السعادة ﴿ حتى إذا فتح ﴾ سد ﴿ يأجوج ﴾ النفس و ﴿ مأجوج ﴾ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ينسلون ﴾ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح ﴿ واقترب الوعد ﴾ إهلاك القلوب الغافلة ﴿ فإذا هي شاخصة ابصار ﴾ بصائرها بالانهماك في الأهواء ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ العناية الأزلية ﴿ لا يسمعون حسيسها ﴾ أعني مقالات أهل البدع والأهواء ﴿ وهم فيما اشتهت أنفسهم ﴾ المطمئنة المجذوبة بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ في مقامات السير في الله ﴿ خالدون ﴾ الفزع الأكبر قوله في الأزل "هؤلاء في النار ولا أبالي" ﴿ يوم نطوي ﴾ سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله ﴿ كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ يعني أن الرجوع يكون بالتدريح كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر.

ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ أي في أم الكتاب ﴿ من بعد الذكر ﴾ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره ﴿ كن فيكون  ﴾ أن أرض جنة الوجود الحقيقي ﴿ يرثها عبادي الصالحون ﴾ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي.

فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، ولوجود الحقيقي لكونه ثابتاً ومستقراً على حالة واحدة كالأرض ﴿ لقوم عابدين ﴾ عارفين.

﴿ وما أرسلناك ﴾ من كتم العدم ﴿ إلا رحمة للعالمين ﴾ فلولاك لما خلقت الأفلاك "أول ما خلق الله روحي" ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

قال بعضهم: إن هذه ملتكم وشريعتكم ومذاهبكم ملة واحدة وشريعة واحدة، يعني: شريعة الإسلام، وملة واحدة ليست بمفترقة.

وقال بعضهم: إن هذا دينكم دين واحد، ليس كدين الأمم الخالية أدياناً مختلفة.

أو أن يكون الأمة ما يؤم إليها ويقصد؛ لأن الأمة هي الجماعة، وهي المقصودة.

وجائز أن يكون إخباراً عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة، ليسوا بمختلفين ولا بمفترقين، كسائر الأمم الخالية، كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ...

﴾ الآية [آل عمران: 105]، وقوله ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ  ﴾ أخبر عنهم أنهم غير متفرقين، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون؛ ألا ترى أنه قال على إثره: ﴿ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في صدر الأمر أنهم على شيء واحد.

وقال الزجاج: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ما لزموا الحق واتبعوه، وأما إذا تركوا لزومه وتركوا اتباعه فهي ليست بأمة واحدة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ \[و\] قال في آية أخرى: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ \[المؤمنون: 52\] ليعلم أنّ العبادة والتقوى واحد في الحقيقة؛ لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال والعبادة ما يؤتى من الأفعال والعبادة، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتى بما يجب إتيانه، وإذا أتى بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ  ﴾ لأنه بفعله إياها مجتنب عن الفحشاء والمنكر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ ﴾ أي: توحدون، على ما قال أهل التأويل؛ لأنه إنما خاطب به أهل مكة.

وقوله: ﴿ وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ أخبر عن الأولين أنهم اختلفوا في دينهم وتفرقوا ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ من تفرق و [من] لم يتفرق، كقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فيه دلالة ألا يقبل من الأعمال الصالحات إلا بالإيمان؛ لأنه شرط في قبولها الإيمان، كقوله: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ أي: لشكر سعيه، ويقبل ولا يجحد ولا يكفر، كقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ  ﴾ بالياء والتاء (فلن تكفروه)، وأصل الكفران: الستر، والشكر: هو الإظهار؛ يخبر - عز وجل - أنه لا يستر ما عملوا من الحسنات والخيرات، بل يشكر ويظهر.

وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾ أي: يكتب لهم تلك الحسنات والخيرات، كقوله: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ  ﴾ .

وقوله: (وحِرْمٌ على قرية أهلكناها) و ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ بالألف أيضاً، ثم قوله: (وحِرْمٌ)، ﴿ وَحَرَامٌ ﴾ - على قول أهل اللسان واللغة - واحد، يقال: حرم عليك كذا، وحرام، كما يقال: حِلٌّ وحَلاَلٌ.

وأما على قول أهل التأويل فإنهم يفرقون بينهما، فيقولون: حرم: حتم وواجب ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: حتم وواجب على قرية إهلاكهم بعد ما علم ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: لا يتوبون؛ لأنه إنما يهلكهم لما علم منهم أنهم لا يتوبون.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ﴾ أراد الله إهلاكها ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ .

وظاهر قوله: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أن يكون لهم الرجوع؛ لأنه يقول: (وحرم ...

أنهم لا يرجعون)، ألا ترى إلى قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ وظاهره أنهم لا يرجعون، حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، فعند ذلك يرجعون لقوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

أو أن يكون ذكر هذا: ﴿ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ لقول قوم؛ لأن قوما يقولون: إن الخلق كالنبات ينبت، ثم ييبس، ثم ينبت، فعلى ذلك الخلق يموتون، ثم يعودون ويرجعون.

وبعض من الروافض يقولون: يرجع علي وفلان، فأخبر أنهم لا يرجعون ردّاً عليهم وتكذيباً لخبرهم؛ لأن القرآن قد صار حجة عليهم وإن أنكروه لما عجزوا عن أن يأتوا بمثله، والله أعلم بذلك كله.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ كأنه - والله أعلم - أضاف فتح ذلك السدّ إلى أنفسهم وهم جماعة، وإلا لست أعرف لتأنيث فتح السدّ وجها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ قيل: الحدب: الشيء المشرف.

وقيل: الحدب: كل ما ارتفع من الأرض.

وقيل: الحدب: الأكمة.

وقيل: ﴿ مِّن كُلِّ حَدَبٍ ﴾ : من كل جهة ومن كل مكان.

﴿ يَنسِلُونَ ﴾ قيل: يسرعون.

وقيل: يخرجون.

أخبر أنهم من [كل] حدب، أي: من كل ناحية، ومن كل جهة يسرعون، كأنهم لما سدّ عليهم ذلك السدّ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، أي: بين ما يتعيشون ويرتزقون من هذا العالم - تفرقوا في تلك الأمكنة لطلب ما يتعيشون به، فإذا بلغهم خبر فتح السد أتوا من كل جهة وناحية التي كانوا متفرقين فيها ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ يسرعون؛ لأنهم مذ سدّ عليهم السدّ في جهد من فتح ذلك السدّ، فلما فتح خرجوا مسرعين، وهو ما ذكر: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ قوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ ﴾ أي: وقع ووجب الوعد الحق؛ لأنه قد أخبر من قبل هذا الوقت أنه قد اقترب بقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ و ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ  ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ليس على القرب، ولكن على الوجوب، فعلى ذلك الأوّل يحتمل أن يكون إخباراً عن الوقوع والوجوب.

وجائز أن يكون على القرب أيضاً، ويكون وجوبها ووقوعها في قوله: ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42]، وكقوله: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ...

﴾ الآية [القمر: 8].

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰوَيْلَنَا ﴾ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿ قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا ﴾ كأنهم تذاكروا فيما بينهم: إنما كنّا في غفلة من هذا، ثم تداركوا أنهم لم يكونوا في غفلة، ولكن قالوا: ﴿ بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾ في ذلك، ضالين؛ اعترفوا بالظلم والضلال.

وقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ يقال: إن حرف (من) يتكلم عن البشر وحرف (ما) يتكلم عما سواهم من العالم، فإذا كان على هذا الذي ذكروا، فما ينبغي لأولئك أن يفهموا من قوله: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴾ : عيسى وعزير [و] الملائكة [و] هؤلاء، ويقولون: هؤلاء عبدوا دون الله فهم حصب جهنم على زعمكم، إلى هذا يذهب أهل التأويل، ويقولون: ثم نزل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ قالوا: استثنى من علمه ممن عبد دون الله من سبقت له منه الحسنى، وهو عزير وعيسى وهؤلاء، لكن قد ذكرنا أنه لا يجوز أن يفهم من هذا هؤلاء، ولكن الأصنام والأحجار التي عبدوها، كقوله: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ التي عبدوها.

أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الشياطين الذين أمروهم ودعوهم إلى عبادة غير الله، فتكون العبادة لمن دون الله للشيطان حقيقة؛ لأنه هو الآمر لهم بذلك، والداعي إلى ذلك دون من ذكروا؛ لأن هؤلاء - أعني: عيسى وعزيراً والملائكة - لم يأمروهم بذلك؛ فيكون على هذا كأنه قال: إنكم والشياطين الذين تعبدون من دون الله حصب جهنم، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ  ﴾ دل هذا أن القرين هو الشيطان، كقوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ وقوله: ﴿ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ بالصاد، وقرئ بالطاء: (حطب جهنم) قال ابن عباس: الحصب بلسان الزنجية: هو الحطب.

وقال بعضهم: هو حطب بلسان الحبشة، ويقال - أيضاً - بالضاد: (حضب جهنم) قال بعضهم: الحصب: هو الرمي، يحصب جهنم بهم، أي: يرمي بهم، والحطب: هو معروف، والحضب: هو التهيج، أي: يهيّج النار عليهم.

وقال الكسائي: حصبت النار، أي: ألقيت فيها الحطب، وعن عائشة: (حضب جهنم) بالضاد.

وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ أي: واقعون فيها.

وقوله: ﴿ لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ﴾ أي: لو كان الذين عبدوا دون الله آلهة على ما زعموا ما وردوا النار.

فإن قيل: إنهم لم يقروا أنها ترد النار.

[قيل]: لما عجزوا عن إتيان مثله فقد لزمتهم الحجة، فكأنهم أقروا أنهم واردوها، وهو كقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 28]؛ هم لم يقروا أنهم يحيون بعدما ماتوا، ولكن لما عرفوا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم، فقد لزمهم الإقرار والحجة بالإِحياء بعد الموت؛ فعلى ذلك الأول كأنهم أقروا بأنهم واردون بما لزمتهم الحجة.

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ظاهر.

وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ ﴾ قيل: الزفير: هو الصوت الخفيض الذي فيه أنين، والشهيق: هو الصوت الرفيع الذي فيه أنين.

وقيل: الشهيق: أول نهيق الحمار، والزفير: هو آخر نهيقه.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ﴾ قيل: لا يسمعون الخير، ويسمعون غيره.

وقال بعضهم: لا يسمعون؛ لأنهم يكونون صمّاً بكماً عمياً، وهو كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ : حرام عليهم أن يرجعوا، ويقال: واجب، وقال: هو حِرْمٌ وحرامٌ: واحدٌ، كما يقال: حِلٌّ وحلال.

وقال: ﴿ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴾ : ومن كل نشز من الأرض و أكمة ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ من النسلان، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر.

قال أبو عوسجة: الحدب: ما ارتفع من الأرض، الواحد: حدبة ﴿ يَنسِلُونَ ﴾ أي: يجيئون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومستحيل على أهل قرية أهلكناها بسبب كفرها أن يرجعوا إلى الدنيا؛ ليتوبوا وتُقْبل توبتهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.PRPpd"

مزيد من التفاسير لسورة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد